الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد منَّ الله عليَّ بسنواتٍ من الاعتكاف على تحقيقِ عددٍ من كتب رجال السنة النبوية التي لم تُطبع من قبل، والتي احتوت على آلاف التراجم، فأخرجتُ ثقات ابن قطلوبغا، وقد احتوى على أكثر من عشرة آلاف ترجمة، وتجريد الوافي بالوفيات وقد احتوى على أكثر من أربع عشرة ألف ترجمة، وكتاب الكمال في أسماء الرجال وقد احتوى على أكثر من سبعة آلاف ترجمة، وكتاب ترتيب ثقات ابن حبان للهيثمي، وقد احتوى على آلاف التراجم ولم أرقمها بعد، وغيرها، وبقيت كتبٌ كثيرة مُدرَجة في خطة العمل مستقبلًا بإذن الله.
وقد كنتُ أعاني في تحقيقِ هذه الكتب من أمور عدَّة، أهمها: الرجوع إلى المصادر التي ترجمت لكل رجل من رجال الكتاب، فالرجوع لمصادر كلِّ ترجمة له أهمية في ضبط نص الترجمة وتوثيقها وتوثيق الأقوال المنقولة عن أئمة الجرح والتعديل فيها وغير ذلك، كما هو معروف لمن مارس فن التحقيق، إلا أن هذه المرحلة كانت تستغرق مني وقتًا طويلًا وجهدًا جهيدًا من البحث والتنقيب والتنقُّل بين كتب الرجال والأنساب والمشتبه والكنى والوفيات والطبقات … وغيرها من عشرات المصادر التي قد يرجع اليها المحقق لضبطِ كلمةٍ واحدة، كما كنت أستعين بالبرامج الإلكترونية النافعة وأستفيد منها كوسيلة مُعينة ومقرِّبة، إلا أنني خرجتُ بنتيجة وهي أن البرامج الإلكترونية مع تقديري التام للجهد الرائع المبذول فيها وما قَرَّبَتْهُ من علوم، وما وفرته من وقت وجهد على الباحث؛ إلا أنها لا تروي أبدًا غليلَ الباحث، ولا تشفيه، خاصةً في هذا الباب، حيثُ أني وجدت من نفسي أنني كنت عند البحث اليدوي لترجمةِ أحدِ الرواة أقف على مصادر كثيرة لا توقفني عليها البرامج الالكترونية، ويرجع سبب قصور هذه البرامج إلى عدة أمور، سأذكرها
[ ١ / ٧ ]
بعد قليل (^١).
وهذه المعاناة هي نفس المعاناة التي يمرُّ بها أي باحث يريد البحث عن أي ترجمة من تراجم رواة السنن والآثار، حيث يتحتم عليه الرجوع إلى عشرات المصادر والمرور عليها جميعها - إذا أراد التوسع - ثم جمع نصوص الترجمة في موضع واحد حتى يتيسر له دراستها والمقارنة بين المواد العلمية المنقولة فيها وتلخيصها، وهذا جهد بالغ لا يعرفه إلا من مارس العمل في هذا الباب.
فجعلتُ أُفكر في مشروع علمي يخدم هذا الباب، ويوفر العمر والجهد على الباحث والمحقق، مشروع يجمع بين دفتيه جميع رواة السنن والآثار، حتى ألهمني الله تعالى بمشروع «الديوان الجامع لرواة السنن والآثار وتاريخ أعلام الإسلام».
وسأرجئ الكلام بالتفصيل عن هذا المشروع، وطريقة عملي فيه، وفوائده وعوائده، والدراسات التي سأستخرجها منه، في مقدمته إن شاء الله، إلا أن خلاصة فكرة المشروع هو جمع جميع رواة السنن والآثار وحملة العلم المترجمين في كتب التراجم والتواريخ والطبقات والوفيات والمشتبه وغير ذلك الكثير من المصادر التي تعد بالمئات (^٢)، وترتيبهم ترتيبًا معجميًّا دقيقًا، ثم سرد ترجمة العَلَم من جميع المصادر التي ترجمت له مع ترتيب هذه المصادر ترتيبًا تاريخيًّا دقيقًا تحت اسم العَلَم (^٣).
هذه هي خلاصة فكرة الموسوعة الأم التي سيتلوها بإذن الله مشروع «تهذيب الديوان الجامع»، وهو تهذيب لكلِّ ترجمة بأن أسوقها في سياق واحد من خلال تلخيص مادة جميع المصادر التي ترجمَت للعَلَم (^٤).
وقد رأيتُ أن الخطة الأنسب والأدق والأضبط لعملي هي تقسيم مصادر الموسوعة إلى
_________________
(١) وهذا التنبيه ليس تنقصًا من جهود الإخوة الذين قاموا على هذه البرامج بل هو توجيه لهم لمزيد من الإبداع والإتقان، فقد نفع الله بجهودهم أيَّما نفع.
(٢) ولا أقتصر على المطبوع بل حققت عددًا من مخطوطات كتب الرجال في سبيل إدخالها في الموسوعة وإثرائها بها.
(٣) وجامع الضعفاء الذي بين يديك مثالٌ مصغر من فكرة المشروع.
(٤) قريب من صنيع الحافظ ابن حجر في تهذيبه لتهذيب المزي.
[ ١ / ٨ ]
مجموعات، والعمل على كل مجموعة على حدة، فهذا أدعى لإتقان العمل عليها، ثم دمج هذه المجموعات مع بعضها لتكون الموسوعة الكبرى.
فقسمتُ عملي إلى مجموعات باعتبار موضوعها غالبًا؛ فجعلتُ كتب الضعفاء والمتروكين مجموعة مستقلة، وكتب السؤالات مجموعة ثانية، وكتب تواريخ البلدان مجموعة ثالثة، وهكذا.
ثم رأيتُ أن بعض هذه المجموعات يُمَثِّل عملًا علميًّا مستقلًا، ونشره ينفع طلاب العلم والمختصين والمحققين، فما المانع أن تُنشر بعض هذه المجموعات ليستفيد منها الباحثون، خاصةً وأن المشروع الأكبر قد يتأخر لاشتراطي إدخال مخطوطات لم تنشر من قبل من كتب الرجال فيه، ولطول الوقت الذي يستغرقه تدقيق نصوص الكتب، ثم دمجها وترتيبها، وغير ذلك.
وهذه الجوامع ستقرِّب الشئ الكثير للباحثين: فمجموعة كتب الضعفاء ومجموعة كتب السؤالات ومجموعة كتب تواريخ البلدان، هذه المجموعات الثلاث فقط البحث فيها يوفر على الباحث المرور على مائة مصدر تقريبًا هي عدد المصادر التي حوتها هذه المجموعات.
فاستخرتُ اللهَ ﷿، ورأيت أن أنشر بعض هذه الجوامع تحت سلسلة أسميتُها «سلسلة الأعمال الممهِّدة للديوان الجامع لرواة السنن والآثار».
وجامع كتب الضعفاء والمتروكين الذي حوى ٢٩ مصدرًا من أهم كتب الرجال هو اللبنة الأولى من هذه السلسلة.
[ ١ / ٩ ]