فإن قيل كيف السبيل إلى معرفة ما ذكرت من معاني كتاب الله عزوجل ومعالم دينه؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن
رسول الله ﷺ وعن أصحابه النجباء الألباء (٦) الذين شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، رضي الله تعالى عنهم.
فإن قيل فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد (٧) العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عزوجل بهذه الفضيلة، ورقهم هذه المعرفة، في كل دهر وزمان.
_________________
(١) ك " وندوبه " (٢) ك " التى ذكرها " (٣) ك " وانماها " (٤) من ك (٥) النساء - ١٦٥ (٦) د " الاولياء " (٧) د " ينفل ". (*)
[ ٢ ]
حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي نا أبي قال أخبرني عبدة بن سليمان المروزي قال قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة.
فإن قيل فما الدليل على صحة ذلك؟ قيل له (١) اتفاق أهل العلم على الشهادة لهم بذلك.
ولم ينزلهم الله عزوجل هذه المنزلة إذ أنطق ألسنة أهل العلم لهم بذلك ألا وقد جعلهم أعلاما لدينه، [ومنارا - ٢] لاستقامة [طريقه، وألبسهم لباس أعمالهم - ٣] .
فإن قيل: ذكرت اتفاق أهل العلم على الشهادة [لهم بذلك وقد علمت - ٢] بما كان بين علماء أهل الكوفة وأهل الحجاز من التباين
والاختلاف في المذهب فهل [وافق - ٢] أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن جماعة من ذكرت من أهل العلم في التزكية لهؤلاء [الجهابذة النقاد أو وجدنا - ٢] ذلك عندهم؟ قيل: نعم - قال سفيان الثوري: ما سألت ابا حنيفة عن شئ، ولقد كان يلقاني ويسألني عن [أشياء - ٢] .
فهذا بين واضح إذ كان صورة الثوري عنده هذه الصورة أن يفزع إليه في السؤال عما يشكل عليه (٣ د) أنه قد رضيه إماما لنفسه ولغيره.
حدثنا عبد الرحمن نا أبو بكر الجارودي محمد بن النضر النيسابوري قال سمعت أحمد بن حفص يقول سمعت أبي يقول سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: أتيت المدينة فكتبت بها ثم قدمت الكوفة فأتيت أبا حنيفة في بيته فسلمت عليه فقال لي: عمن كتبت هناك؟ فسميت له، فقال: هل كتبت عن مالك بن أنس شيئا؟ فقلت: نعم، فقال: جئني بما كتبت عنه، فأتيته به، فدعا بقرطاس ودواة فجعلت
_________________
(١) د " قلنا " (٢) من د وموضعه في ك ممحو (٣) من ك (*)
[ ٣ ]
أملي عليه وهو يكتب.
قال أبو محمد ما كتب أبو حنيفة عن ابراهيم بن ط عن مالك بن أنس ومالك بن أنس حي إلا وقد رضيه ووثقه ولا سيما إذ (١) قصد من بين جميع من كتب عنه بالمدينة مالك بن أنس وسأله أن يملي عليه حديثه فقد جعله إماما لنفسه ولغيره.
وأما محمد بن الحسن فحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم
صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس - قلت: على الانصاف؟ (٣ ك) قال: نعم.
قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن - صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم - يعنى ماكا.
قلت فمن أعلم بالسُّنة - صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ والمتقدمين - صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الاصول فعلى أي شئ يقيس؟.
قال عبد الرحمن فقد قدم محمد بن الحسن مالك بن أنس على أبي حنيفة وأقر له بفضل العلم بالكتاب والسُّنة والآثار وقد شاهدهما وروي عنهما.
حدثنا عبد الرحمن قال وقد حدثنا أبي ﵀ نا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول: كان محمد بن الحسن يقول: سمعت من مالك سبعمائة حديث ونيفا إلى الثمانمائة - لفظا.
وكان أقام عنده ثلاث سنين أو شبيها بثلاث سنين، وكان إذا وعد الناس أن يحدثهم عن مالك امتلأ الموضع الذي هو فيه وكثر الناس عليه، وإذا
_________________
(١) د " إذا ". (*)
[ ٤ ]
حدث عن غير مالك لم يأته إلا النفير، فقال لهم لو أراد أحد أن يعيبكم بأكثر مما تفعلون ما قدر عليه، إذا حدثتكم عن أصحابكم فإنما يأتيني النفير أعرف فيكم الكراهة، وإذا حدثتكم عن مالك امتلأ على الموضع.
فقد بان بلزوم (١) محمد بن الحسن مالكا لحمل (٢) العلم عنه وبثه في الناس، رضا منه وموافقة لمن جعله إماما ومختارا.