قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (^٤).
قال القرطبىّ فى «تفسيره» (^٥)، قال ابن عباس: ذوو الحزم (^٦) والصبر.
_________________
(١) - وانظر لسن أبى بكر وعمر، ﵄، ما تقدم فى صحيح مسلم ٤/ ١٨٢٦، ١٨٢٧، وفى مسند الإمام أحمد ٤/ ٩٦، ٩٧.
(٢) أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الشافعى، من رجال الحديث، توفى بمكة سنة ستين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٢/ ٢٤٣، وفيات الأعيان ٤/ ٢٩٢، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٣٦.
(٣) أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد البستى، الحافظ، الإمام، توفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٣١ - ١٣٥.
(٤) فى الأصل: «جازوا»، وفى م: «جاوزوا»، والمثبت فى: ا، ك، وهو موافق لما فى الآية الكريمة ٢٤٩ من سورة البقرة.
(٥) سورة الأحقاف ٣٥.
(٦) تفسير القرطبى ١٦/ ٢٢٠ وما بعدها.
(٧) فى النسخ عدا م: «ذو الحزم» وفى م: «ذو العزم»، والمثبت فى تفسير القرطبى.
[ ١ / ٤٥ ]
قال مجاهد: هم خمسة؛ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ وعليهم (^١)، وهم أصحاب الشرائع.
وقال أبو العالية: أولو العزم؛ نوح، وهود، وإبراهيم. فأمر الله نبيه ﵇ أن يكون رابعهم.
وقال السّدّىّ: إنهم ستة؛ إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله عليهم أجمعين.
وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، وهم المذكورون على النّسق فى سورة الأعراف، والشعراء.
وقال مقاتل: هم ستة نوح صبر على أذى قومه مدّة، وإبراهيم صبر على النّار، وإسحاق صبر على الذّبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسّجن، وأيوب صبر على الضّرّ.
وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم يونس، ولا سليمان، ولا آدم.
وقال الشّعبىّ، والكلبىّ، ومجاهد أيضا: هم الذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة.
وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون فى سورة الأنعام (^٢)، وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط.
_________________
(١) ساقط من: م.
(٢) سورة الأنعام، الآيات ٨٣ - ٨٦.
[ ١ / ٤٦ ]
واختاره الحسين بن الفضل؛ لقوله فى عقبه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (^١).
وقال ابن عباس: وأيضا كلّ الرسل كانوا أولى عزم.
واختاره علىّ بن مهدىّ الطّبرىّ، قال: وإنما دخلت «من» للتّجنيس لا للتّبعيض كما تقول: اشتريت أردية من البزّ، وأكسية من الخزّ. أى اصبر كما صبر الرسل.
وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيا، أرسلوا إلى بنى إسرائيل بالشام، فعصوهم، فأوحى الله إلى الأنبياء: إنّى مرسل عذابى على (^٢) عصاة بنى إسرائيل. فشقّ ذلك على المرسلين، فأوحى الله إليهم:
اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بنى إسرائيل، وإن شئتم نجّيتم (^٣) وأنزلت العذاب على بنى إسرائيل (^٤). فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزّل بهم العذاب، وينجى الله بنى إسرائيل، فأنجى الله بنى إسرائيل، وأنزل بأولئك العذاب، وذلك أنه سلّط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير ومنهم من سلخ جلد رأسه، ومنهم من حرق بالنار، والله أعلم.
قال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى.
_________________
(١) سورة الأنعام ٩٠.
(٢) فى تفسير القرطبى: «إلى».
(٣) فى ك: «نجوتم»، وفى تفسير القرطبى: «نجيتكم».
(٤) فى تفسير القرطبى «ببنى إسرائيل».
[ ١ / ٤٧ ]
فأما إبراهيم فقيل له: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (^١) ثم ابتلى فى ماله وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقا وافيا فى جميع ما ابتلى به.
وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (^٢) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (^٣).
وأما داود فأخطأ خطيئة (^٤) فنبّه عليها فأقام يبكى أربعين سنة، حتى نبت (^٥) من دموعه شجرة، فقعد تحت ظلّها.
وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها.
وكأنّ الله تعالى يقول لرسوله ﷺ: اصبر إن كنت صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم، واثقا بنصرة مولاك مثل (^٦) ثقة موسى، مهتمّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهدا فى الدنيا مثل زهد عيسى.
ثم قيل: هى منسوخة بآية السيف.
وقيل: هى محكمة. والأظهر أنها منسوخة؛ لأن السورة مكّيّة.
وذكر مقاتل، أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم أحد، فأمر الله تعالى رسوله أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلا عليه، وتثبيتا له. والله أعلم.
_________________
(١) سورة البقرة ١٣١.
(٢) سورة الشعراء ٦١.
(٣) سورة الشعراء ٦٢.
(٤) فى تفسير القرطبى: «خطيئته».
(٥) فى تفسير القرطبى: «نبتت».
(٦) فى م: «كمثل».
[ ١ / ٤٨ ]