قال مسعر بن كدام، فيما روينا عنه بالأسانيد: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله إماما رجوت أن لا يخاف، وأن لا يكون فرّط فى الاحتياط لنفسه.
وروى الطّحاوىّ بسنده، عن عبد الله بن داود الخريبىّ (^٢)، وسأله رجل، فقال: ما عيب الناس فيه على أبى حنيفة؟ فقال: والله ما أعلمهم عابوا عليه فى شئ، إلّا أنه قال فأصاب، وقالوا فأخطئوا.
وقال يحيى بن آدم: سمعت الحسن بن صالح يقول: كان النعمان بن ثابت (^٣) قيّما بعلمه (^٣) متثبّتا فيه، إذا صحّ عنده الخبر عن النبىّ ﷺ لم يعدل (^٤) إلى غيره.
_________________
(١) سقط من: م. وانظر صفحة ٥.
(٢) بضم الخاء وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفى آخرها باء موحدة؛ هذه النسبة إلى الخريبة وهى محلة بالبصرة. وعبد الله بن داود هذا، يكنى أبا عبد الرحمن، توفى سنة إحدى عشرة ومائتين. اللباب ١/ ٣٥٩. (¬٣ - ٣) فى الأصل: «فيما نعلمه»، وفى م: «فيما نعلم». وفى الانتقاء ١٢٨: «كان النعمان بن ثابت فهما عالما متثبتا فى علمه».
(٣) فى م: «يعد». وفى الانتقاء ١٢٨: «يعده».
[ ١ / ٥٥ ]
وقال أبو يوسف القاضى: ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبى حنيفة.
وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعىّ يقول: ما طلب أحد الفقه إلّا كان عيالا على أبى حنيفة.
وقال الإمام مالك، وقد سئل عنه: رأيت رجلا لو كلّمك فى هذه السارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجّته.
وكان الإمام أحمد بن حنبل كثيرا ما يذكره، ويترحّم عليه، ويبكى فى زمن محنته، ويتسلّى بضرب أبى حنيفة على القضاء.
وقال ابن عبد البرّ فى كتاب «الانتقاء، فى فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، أبى حنيفة ومالك والشافعىّ (^١)»: سئل يحيى بن معين، وعبد الله بن أحمد الدّورقىّ (^٢) يسمع عن (^٢) أبى حنيفة؟ فقال يحيى بن معين: هو ثقة، ما سمعت أحدا ضعّفه، هذا شعبة بن الحجّاج يكتب إليه أن يحدّث، بأمره (^٣)، وشعبة شعبة!!
قال (^٤): وكذا علىّ بن المدينىّ أثنى عليه.
وقال ابن عبد البرّ أيضا فى كتاب «بيان جامع العلم» (^٥): وقيل ليحيى
_________________
(١) الانتقاء ١٢٧.
(٢) فى الأصل، ا، ك: «نسمع من»، وفى م: «يسمع من». والمثبت فى الانتقاء. وما فى النسخ يوهم أن الدورقى مسئول أيضا، وهو خطأ. راجع الانتقاء.
(٣) فى الانتقاء: «ويأمره».
(٤) أى ابن عبد البر، ولم يرد قوله هذا فى الانتقاء وإنما نقل ابن عبد البر، فى جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٨٣ قول على بن المدينى فى أبى حنيفة وثناءه عليه. وانظر الانتقاء أيضا ١٣٠.
(٥) كذا ورد اسم الكتاب فى النسخ، وانظر هذا القول فى جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٨٣.
[ ١ / ٥٦ ]
ابن معين: يا أبا زكريا، أبو حنيفة كان يصدق فى الحديث؟ فقال:
نعم، صدوق.
قال: وقال (^١) شبابة بن سوّار (^١): كان شعبة حسن الرّأى فى أبى حنيفة.
قلت: وشعبة أول من تكلّم فى الرجال.
وقال يزيد بن هارون: أدركت ألف رجل، وكتبت عن أكثرهم، ما رأيت فيهم أفقه، ولا أورع، ولا أعلم، من خمسة؛ أولهم أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة، ﵀، يختم القرآن فى كلّ ليلة، فى ركعة. وفى رواية: ويكون ذلك وتره.
قال ابن عبد البرّ (^٢): وقال علىّ بن المدينىّ: أبو حنيفة ثقة، لا بأس به.
قال ابن عبد البرّ (^٣): الذين رووا عن أبى حنيفة، ووثّقوه، وأثنوا عليه، أكثر من الذين تكلّموا فيه، والذين تكلّموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق فى الرّأى والقياس (^٤).
قال: وكان يقال: يستدلّ على نباهة الرجل من الماضين، بتباين الناس فيه.
قالوا: ألا ترى إلى علىّ بن أبى طالب، أنه هلك فيه فئتان (^٥)، محبّ
_________________
(١) (¬١ - ١) سقط من النسخ «شبابة بن» والمثبت من جامع بيان العلم وفضله، الموضع السابق، وفى ا: «شوار»، وفى م: «سواه». وانظر المشتبه ٣٨٦. وهذا القول أيضا فى الانتقاء ١٢٦.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٨٣.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٨٣، ١٨٤.
(٤) فى جامع بيان العلم وفضله بعد هذا زيادة: «والإرجاء».
(٥) فى جامع بيان العلم وفضله: «فتيان».
[ ١ / ٥٧ ]
أفرط، ومبغض أفرط، وقد جاء فى الحديث:: «أنّه يهلك فيه رجلان؛ محبّ مطر (^١) ومبغض مفتر (^٢)».
قال: وهذه صفة أهل النّباهة، ومن بلغ فى الفضل والدّين الغاية.
قال ابن عبد البرّ (^٣): قال أبو داود السّجستانىّ: إن أبا حنيفة كان إماما، وإن مالكا كان إماما، وإن الشافعىّ كان إماما، وكلام الأئمّة بعضهم فى بعض يجب ألّا يلتفت إليه، ولا يعرّج عليه (^٤)، فى من صحّت إمامته وعظمت فى العلم غايته.
ولقد أكثر ابن عبد البرّ فى تصانيفه، ولا سيّما فى هذا الكتاب (^٥)، النّقل عن (^٦) الأئمة بثنائهم على الإمام أبى حنيفة. وكذا غيره من الأئمة
_________________
(١) فى الأصل، ا، ك: «مضطر» وتحتها فى ك: «لعله: مطر». والمثبت فى: م. وجامع بيان العلم وفضله. وانظر الطبقات السنية ١/ ١١٣.
(٢) فى الأصول: «مكثر»، والمثبت فى جامع بيان العلم وفضله. وانظر الطبقات السنية ١/ ١١٣.
(٣) ما نقله ابن عبد البر عن أبى داود وسليمان بن الأشعث السجستانى، جاء فى جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢٠٠ بهذا اللفظ: «رحم الله مالكا كان إماما، رحم الله الشافعى كان إماما، رحم الله أبا حنيفة كان إماما». أما قوله: «وكلام الأئمة بعضهم فى بعض …» إلخ، فقد جاء فى جامع بيان العلم وفضله فى موضع آخر ٢/ ١٨٦ بهذا اللفظ: «قال أبو عمر: هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدرى ما عليها فى ذلك. والصحيح فى هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت فى العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد؛ إلا أن يأتى فى جرحته ببينة عادلة …».
(٤) فى هامش الأصل زيادة «لا سيما».
(٥) أى الانتقاء. انظر الصفحات ١٢٤ - ١٣٧.
(٦) فى م بعد هذا زيادة: «هذه».
[ ١ / ٥٨ ]
المعتبرين من أهل الحديث والفقه، وقد بسطت ذلك فى كتابى الكبير.
قال ابن عبد البرّ: أبو حنيفة أقعد الناس بحمّاد بن أبى (^١) سليمان.