قال القرطبىّ: واختلفوا هل أسماء الله ﷿ محصورة فى التسعة والتسعين أم لا؟
فذهب قوم، منهم على بن حزم، إلى أن أسماءه محصورة فى التسعة والتسعين.
وذهب آخرون، وهم الأكثر (^١)، إلى أنه يجوز (^٢) أن يكون له أسماء زائدة.
قالوا: ومعنى ما أخبرنا بها ﷺ من التسعة والتسعين، إنما هو معنى الشّرع لنا فى الدعاء بها؛ كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وغيرها من الأسماء لم يشرع لنا الدعاء بها. وهو الصحيح؛ لقوله ﵇ فى حديث الشفاعة: «فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله ﷿». رواه مسلم (^٣).
_________________
(١) فى م: «الأكثرون».
(٢) فى الأصل: «يتجوز».
(٣) من حديث أنس بن مالك، باب أدنى أهل الجنة منزلة، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم ١/ ١٨٢، ١٨٣، واللفظ فيه: «فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله». وأخرجه البخارى بنحوه، فى باب ما يذكر فى الذات والنعوت وأسامى الله من كتاب التوحيد. صحيح البخارى ٩/ ١٤٩، ١٦١.
[ ١ / ١٧ ]
وروى أبو بكر قال: علّمنى رسول الله ﷺ هذا الدعاء، قال:
«قل اللهمّ إنّى أسألك بمحمّد نبيّك، وبإبراهيم خليلك، وبموسى نجيّك، وبعيسى روحك وكلمتك، وبتوراة موسى، وبإنجيل عيسى، وبزبور داود، وبفرقان محمد ﷺ وكلّ وحى أوحيته، وقضاء قضيته، وأسألك بكلّ اسم هو لك، أنزلته فى كتابك، أو استأثرت به فى علم غيبك، وأسألك باسمك الطّهر (^١) الطّاهر الأحد الصّمد الوتر، وبعظمتك وكبريائك، وبنور وجهك، أن ترزقنى القرآن والعلم، وأن تخلطه بلحمى ودمى، وسمعى وبصرى، وتستعمل به جسدى، بحولك وقوّتك، فإنّه لا حول ولا قوّة إلّا بك».
وخرّج البيهقىّ وغيره (^٢)، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أصاب مسلما قطّ حزن ولا همّ فقال: اللهمّ إنّى عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فىّ حكمك، عدل فىّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى، وجلاء حزنى، وذهاب همّى. إلّا أذهب الله همّه، وأبدله مكان همّه فرحا» قالوا: يا رسول الله، ألا نتعلّم هذه الكلمات؟ قال: «بلى ينبغى لمن سمعهنّ أن يتعلّمهنّ». وفى رواية بعد قوله «وجلاء حزنى» قال رسول الله ﷺ:
«ما قالهنّ مهموم قطّ إلّا أذهب الله همّه وأبدله به (^٣) فرجا» قالوا:
_________________
(١) فى م: «المطهر».
(٢) مسند الإمام أحمد ١/ ٣٩١، ٤٥٢.
(٣) سقط من: م.
[ ١ / ١٨ ]
يا رسول الله ألا نتعلّمهنّ؟ قال: «فتعلّموهنّ وعلّموهنّ». وذكر غير ذلك من الأحاديث.
واحتجّوا أيضا بحديث: «إنّ لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة (^١)، من أحصاها دخل الجنّة» وحملوه على قضيّة واحدة، لا قضيّتين، ويكون تمام الفائدة فى خبر «إنّ» (^٢) «فى قوله (^٢) «من أحصاها» لا فى قوله «تسعة وتسعين»، وهو كقول (^٣) القائل: إن لزيد ألف درهم أعدّها للصدقة. وقوله: إن لعمر مائة ثوب من زاره خلعها عليه. وهذا لا يدل على أن ليس عنده من الدراهم إلا ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب. وإنما دلالته أن الذى أعدّه من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذى أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب.
وأجاب الأوّلون فقالوا: هو محمول على قضيّتين؛ إحداهما أن لله تسعة وتسعين اسما، والثانية أن من أحصاها دخل الجنة.