بسم الله الرّحمن الرّحيم
وبه ثقتى
مقدمة
١
عاشت مصر تحت حكم المماليك البحرية الأتراك ستا وثلاثين ومائة سنة، منذ تملك السلطان المعز عزّ الدين أيبك الجاشنكير التركمانى الصالحى، سنة ثمان وأربعين وستمائة، إلى أن خلفتهم دولة المماليك الجراكسة البرجية، سنة أربع وثمانين وسبعمائة (^١).
وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب قد أكثر من شراء المماليك الأتراك، وجعلهم أمراء دولته، وخاصته وبطانته، وأسكنهم معه فى قلعة الروضة، وسماهم البحرية، فلما مات وتسلطن بعده ولده الملك المعظم توران شاه، أعرض عن البحرية، واطّرح جانب الأمراء، فقتلوه، وأجمعوا على أن يقيموا بعده فى السلطنة سرية أستاذهم الملكة عصمة الدين أم خليل شجرة الدر الصالحية، ورتبوا الأمير عزّ الدين أيبك، أحد البحريّة مقدم العسكر، فتزوج الملكة شجرة الدر، ثم نزلت له عن السلطنة.
وقد عاش محيى الدين أبو محمد عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن
_________________
(١) خطط المقريزى ٣/ ٩٠ - ٩٨، السلوك الجزء الأول من صفحة ٣٥٥، والجزء الثانى، والجزء الثالث، القسم الأول وأوائل القسم الثانى، النجوم الزاهرة، الأجزاء ٧ - ١١، بدائع الزهور، الجزء الأول، القسم الأول، من صفحة ٢٨٨ - ٥٩٤، والقسم الثانى من ٣ - ٣١٧، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، لزمباور ١٦٢، ١٦٣.
[ المقدمة / ٥ ]
سالم بن أبى الوفاء القرشى الحنفى حياته فى ظلال دولة المماليك البحرية، حيث ولد فى العشرين من شعبان، سنة ست وتسعين وستمائة، وتوفى فى ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة، بعد أن تغيّر وأضرّ (^١).
وعاصر من سلاطينها:
السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورىّ.
(٢٨ محرم ٦٩٦ هـ- ١١ ربيع الآخر ٦٩٨ هـ) السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون (المدة الثانية).
(٦ جمادى الأولى ٦٩٨ هـ- شوال ٧٠٨ هـ)
_________________
(١) مصادر ترجمة محيى الدين القرشى ذيول طبقات الحفاظ (لحظ الألحاظ، لابن فهد) ١٥٧، ١٥٨. الدرر الكامنة، لابن حجر ٣/ ٦. إنباء الغمر، لابن حجر ١/ ٦٦. المجمع المؤسس للمعجم المفهرس، لابن حجر (ضمن ترجمته فى الفوائد البهية). المنهل الصافى، لابن تغرى بردى، ورقة ٤٦٤. تاج التراجم ٣٧، ٣٨. حسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٤٧١. كتائب أعلام الأخيار، للكفوى، برقم ٥٩٨. طبقات الفقهاء، لطاش كبرى زاده، صفحة ١٢٨. الطبقات السنية، للتميمى، برقم ١٢٨٣. طبقات القارى (ضمن ترجمته فى الفوائد البهية). كشف الظنون، لحاجى خليفة ١/ ٢٤٤، ٦١٦، ٧٥٠، ٢/ ١٠٩٧، ١٦٢٩، ١٦٣٠، ١٦٣٢، ١٨٣٧، ٢٠٣٤. شذرات الذهب، لابن العماد ٦/ ٢٣٨. الفوائد البهية للكنوى ٩٩، ١٠٠. إيضاح المكنون، للبغدادى ١/ ٤٦٩، ٤٧٠، ٢/ ٥٠٥. هدية العارفين ١/ ٥٩٦، ٥٩٧. وذكر ابن تغرى أن وفاته سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ثم نقل عن المقريزى أنه توفى سنة خمس وسبعين وسبعمائة. وأجمعت المصادر الأخرى أنه توفى سنة خمس وسبعين.
[ المقدمة / ٦ ]
السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصورى الجاشنكير.
(٢٣ شوال ٧٠٨ هـ- ١٦ رمضان ٧٠٩ هـ) السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون (المدة الثالثة).
(٢ شوال ٧٠٩ هـ- ٢١ ذو الحجة ٧٤١ هـ) السلطان الملك المنصور أبو بكر بن محمد بن قلاوون.
(٢١ ذو الحجة ٧٤١ هـ- ١٩ صفر ٧٤٢ هـ) السلطان الملك الأشرف علاء كجك بن محمد بن قلاوون.
(٢١ صفر ٧٤٢ هـ- ١ شعبان ٧٤٢ هـ) السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن محمد بن قلاوون.
(١٠ شوال ٧٤٢ هـ- ٢١ محرم ٧٤٣ هـ) السلطان الملك الصالح عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوون.
(٢٢ محرم ٧٤٣ - ٤ ربيع الآخر ٧٤٦ هـ) السلطان الملك الكامل سيف الدين شعبان بن محمد بن قلاوون.
(٤ ربيع الآخر ٧٤٦ هـ- ١ جمادى الآخرة ٧٤٧ هـ) السلطان الملك المظفر زين الدين حاجّى بن محمد بن قلاوون.
(١ جمادى الآخرة ٧٤٧ هـ- ١٢ رمضان ٧٤٨ هـ) السلطان الملك الناصر بدر الدين أبو المعالى حسن بن محمد بن قلاوون (المدة الأولى).
(١٤ رمضان ٧٤٨ هـ- ٢٧ جمادى الآخرة ٧٥٢ هـ) السلطان الملك الصالح صالح بن محمد بن قلاوون.
(٢٨ جمادى الآخرة ٧٥٢ هـ- ٢ شوال ٧٥٥ هـ)
[ المقدمة / ٧ ]
السلطان الملك الناصر بدر الدين أبو المعالى حسن بن محمد بن قلاوون (المدة الثانية).
(٢ شوال ٧٥٥ هـ- ٩ جمادى الأولى ٧٦٢ هـ) السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد بن حاجّى بن محمد ابن قلاوون.
(٩ جمادى الأولى ٧٦٢ هـ- ١٥ شعبان ٧٦٤ هـ) السلطان الملك الأشرف أبو المفاخر زين الدين شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون.
(١٥ شعبان ٧٦٤ هـ- ٥ ذو القعدة ٧٧٨ هـ) وتتميز هذه الفترة بالاضطراب السياسى؛ فإن البحرية لم يتيحوا لسلطان أن ينعم باستدامة ملكه، ولم يحظ من هؤلاء السلاطين غير الملك الناصر محمد بن قلاوون فى مدته الثانية، حيث حكم نحو ثلاثة وثلاثين عاما، وكانت مدته الأولى تسع سنين ونصف سنة، كما طالت مدة الملك الأشرف شعبان أربعة عشر عاما.
وكان تسلط الأمراء البرجية على السلاطين قويا، حيث يختارونهم صغارا فى الخامسة أو الثامنة أو العاشرة، حتى إذا قوى عود السلطان، وأحسوا منه استقلالا بالحكم، خلعوه أو قتلوه، ويتضح هذا حين ننعم النظر فى الفترة التى تسلطن فيها ثمانية من أبناء الناصر محمد بن قلاوون، من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة إلى سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
وكان مصير السلاطين من المماليك البحرية القتل، أو الخلع، ثم الخنق عقيبه، أو بعد لبثه فى السجن، أو مطاردته حين يهرب وقتله، اللهم إلا فئة قليلة ممن أدركه الموت على فراشه.
وطبعى أن يؤدى هذا الاضطراب السياسى إلى مظالم اجتماعية، وسوء
[ المقدمة / ٨ ]
الحياة الاقتصادية، مما تجده مفصلا فى الموسوعات التاريخية التى سجلت هذه الحقبة السياسية، ودونت الحوادث تدوينا دقيقا، يشبه ما نسميه الآن باليوميات.
وقد أرقت هذه المظالم نفوس المصلحين، وأقضّت مضاجع العلماء، وهم لا يستطيعون للغشوم دفعا، ولا يملكون حولا ولا طولا، فانتهجوا سبيل النصح الذى يحمل فى طياته نقدا لا سبيل إلى إنكاره، ويمثل هذا أصدق تمثيل كتاب «معيد النعم ومبيد النقم» لتاج الدين عبد الوهاب بن على بن عبد الكافى السبكى، المتوفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
وكأنما يئس الناس من صلاح السلاطين والأمراء، فاتجهوا إلى العلم والمعرفة، ينهلون من الموارد العذبة ما يشفى الغلّة ويبلّ الصّدى، وزخر القرن الثامن بأعلام شوامخ، أثروا المكتبة الإسلامية بموسوعات متنوعة فى كل فن، ويكفى إلى جانب محيى الدين القرشىّ صاحب هذا الكتاب أن نذكر:
أثير الدين أبا حيّان، وشهاب الدين النّوبرىّ، وشرف الدين الدّمياطىّ، وقطب الدين عبد الكريم الحلبىّ المصرىّ، وتقى الدين السّبكىّ، وتاج الدين السّبكىّ، وشمس الدين الذّهبى، وصلاح الدين الصّفدىّ، وتقى الدين ابن تيميّة، وجمال الدين المزّى، وعلم الدين البرزاليّ، وابن كثير القرشىّ، وفتح ابن سيّد الناس اليعمرىّ.
[ المقدمة / ٩ ]