بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن يا كريم
الحمد للَّه الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، والصلاة والسلام على نبيه محمد سيد الأصفياء، وعلى آله وصحبه السادة الأتقياء، صلاةً وسلامًا دائمين (١) يستوجبان رتبة الأولياء.
وبعد، فإنَّ الأحاديث النبوية والآثار المحمدية، أصل العلوم بعد القرآن، وقاعدة الشريعة وأركان الإيمان، ومن أراد اللَّه تعالى به الخير، وحفظه من السوء والضَّيْر، وفَّقه لجمعها وتحريرها، وأرشده لتفهيمها وتقريرها، مخلصًا في ذلك النية والعمل، متجنبًا طريق الخطأ والزلل.
وكان ممن اعتنى بهذا الفن أعظم عناية إلى أن بلغ الغاية القصوى في الدراية والرواية، وفاق كثيرًا من الرجال، وحاز شرف الرتبة في الحال والمآل: شيخ الإسلام، وأوحدُ الأئمة الأعلام، حافظُ العصر، وخاتمة المجتهدين، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين الشهير بابن حَجَر. حامل راية العلوم والأثر، فألَّف فيه كتابةً وقراءةً وسماعًا، وجمع فنونًا عديدة منه وأنواعًا، وحرر فيه ما لم يُسبق إليه، وصار المعوَّل في حفظ السنة النبوية وغيرها عليه، مع ما رزقه اللَّه من فرط الذكاء والتدقيق، ومن حاذق التعبير والتحقيق، فليس لأحد بعده إلى درجته وصول، ولا للقلب إلى كلام غيره مِنْ أهل عصره قبول، سارت بفضائله الرُّكبان، وشُدَّت إليه
_________________
(١) "دائمين" ساقطة من (ب).
[ ١ / ٥٣ ]
الرِّحالُ مِنْ أقطار البلدان، إلى أن أتاه الوعد الصادق ممن هو بالحق ناطق، نزول الموت المحتوم في القضاء السابق، فعظُمَ على الخلق ذلك المصاب، وأجزل اللَّه لهم بالصبر على فقده الثواب، وعلموا أنَّ قضاء اللَّه سبحانه فصْلٌ لا يُدفع، وقدر اللَّه ﷿ عدل لا يمنع، وأنَّه لا يتمكن من مدافعته سلطانٌ بكثرة جمعه وعَدده، ولا ملِكٌ بتوفير سلاحه وعُددِه، وأنَّ الموت حوضٌ لا بدَّ لكل حيٍّ من وروده، ومنزلٌ لا مدفع لإنسان من حلوله ووفوده، وأنَّ الجزع غير متكقل برده، وفزعوا إلى الصبر الجميل فأحسن اللَّه العزاء للمسلمين من بعده، وإلا لكانت هذه الفجيعة النازلة، والوجيعةُ الهائلةُ، والرَّزِية العظيمة، والبلية الجهيمة، والواقعة العميمة، والمصيبة الجسيمة، موجبةً لتلف النفوس، وذهاب العقول، وأن تخِرَّ نجومُ السماء، وتَجْنَحَ شمسُ النهار للأفول.
فعندما أيِسَ الناس من وجوده بفقده، وفارقوا ما ألفوه من علمه ورِفده، انطلقت الألسُن برثاثه، وظهرت آثارُ بركته في أعدائه، وافتخر بصحبته أهل محبته وولائه، وتبجَّحُوا بذكر ما حضرهم من مناقبه، وعِظَم (١) مراتبه، وجميل سيرته في مناصبه، ورُؤيت له من المنامات الصالحة جملة بعد موته وقبله.
فلمَّا عاينت هذا الأمر، وانشرح بذكرِ فضائله ومناقبه الصَّدر:
أساميًا لم تَزِده معرفةً وإنَّما لَذَّة ذكرناها
أردت أن أُجدد لي ذكرًا بذكره، وأن أجمع لي (٢) ترجمةً حافلة منَوِّهةً بعظم قدره، لتكونَ عن مآثره ومحاسنه سافرة، قيامًا بحقه في الدنيا، ورجاءً لثواب ذلك في الآخرة، وتكرَّر طلبُ ذلك من جماعة، فلم أرَ منعَه ودفاعه.
_________________
(١) في (ب): و"عظيم".
(٢) في (ب): "له".
[ ١ / ٥٤ ]