والمنقول عن المتقدمين في سعة الحدّ فيمن يُسمّى محدثًا، كقول أبي بكر بن أبي شيبة الذي ساقه أبو سعد بن السَّمْعاني في "آداب الإملاء والاستملاء" بإسناده إلى أبي زُرْعة الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يُعدَّ صاحب حديث.
وأخرجه الخطيب في مقدمة "الجامع" أيضًا.
وعنده من طريق أحمد بن العباس النَّسائي، قال: سألت الإمام أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث: أيقال له صاحب حديث؟ فقال: لا، قلت: فمائتا ألف حديث؟ فقال: لا، قلت: فثلاثمائة ألف حديث؟ فقال بيده كذا، يروح يمنةً ويسرةً.
ونحوه ما في مقدمة "الكامل" لابن عدي من جهة النُّفَيْلي، قال: سمعت هُشيْمًا يقول: مَنْ لم يحفظ الحديث، فليس هو مِنْ أصحاب
_________________
(١) في (ط): فيقدم.
(٢) من هنا إلى قوله: رآه بهذا الوصف ص ٨٣ لا بوجد في نسخة (ح) حيث فقدت الورقة من أصل المخطوط.
[ ١ / ٧٧ ]
الحديث حتى يجيء أحدُهم بكتاب يحمله كأنه سجلُّ كاتب، هو كما قال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس بحسب أزمنتهم.
وأبلغ منه ما يُروى عن جماعة من السلف رحمة اللَّه عليهم أنهم تحرَّوا، فلم يطلقوا اسم المحدث إلا على مَنْ كان يستعمل الحديث؛ وممَّن نصّ على ذلك الإمام أحمد ﵁، فذكر ابن السمعاني في كتابه المذكور، أنَّ أبا القاسم البغوي -وناهيك به، لكن كان ذلك في ابتداء أمره- قال: سألت الإمام أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل أن يكتب لي كتابًا إلى سُوَيْد بن سعيد الحَدَثاني، فكتب: هذا رجل يكتب الحديث، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، لو قلت: من أهل الحديث؛ فقال: أهل الحديث عندنا من يستعمل الحديث.
وذكر الخليلي في "الإرشاد" بسنده إلى عباس الدُّوري، قال: كتب لي يحيى بن معين (١)، وأحمد بن حنبل إلى أبي داود الطيالسي كتابًا، فقالا فيه: إن هذا ممن يكتُب الحديث، وما قالا: إنه من أهل الحديث.
وقال عُمَر بن هارون فيما أورده أبو القاسم بن مَنْده في "الوصية" من طريقه: من لم يَجعَل عمره كله في طلب الحديث، لم يكن صاحب حديث.
وقال الإمام أبو يحيى (٢) زكريا الساجي في كتابه "اختلاف الفقهاء": حدثنا أحمد بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: يحتاج المحدث إلى أربع خلال: الشهرة بطلب العلم، والبراءة من البدعة، ويكون صدوقًا، ولا يعمل بشيء من الكبائر، فمن كنت هذه صفته، فهو محدّث.
وقال مروان الفَزَاريُّ (٣) فيما أورده أبو القاسم ابن منده في "الوصية"،
_________________
(١) في (ط): "سعيد"، تحريف.
(٢) في الأصول: "أبو يعلى"، خطأ. وهو محدث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي. توفي سة ٣٠٧ هـ انظر "السير" ١٤/ ١٩٧.
(٣) تحرف في (أ) إلى "الفرادي" وهو أبو عبد اللَّه مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري، مترجم في السير ٩/ ٥١.
[ ١ / ٧٨ ]
من طريقه: ثلاثة ليس لأصحاب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأته واحدة، وكانت فيه ثنتان لم تضره. إن أخطأ (١) الحفظ ورجع إلى الصدق وصحة الكتب (لم يضرّه) (٢).
إذا علم هذا، فقد قال النووي ﵀وناهيك به ديانةً وورعًا وعلمًا- في "زوائد الروضة" (٣) من باب الوقف: والمراد بأصحاب الحديث: الفقهاء الشافعية، وأصحاب الرأي: الفقهاء الحنفية. انتهى.
وما أحقَّهم بالوصف بذلك، فإن إمامهم الإمام الأعظم المجتهد المقدم ثبت عنه بالسند الصحيح الذي لا غُبار عليه -مع تعدد الطرق إليه- أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وللَّه الحمد.
وروى الخطيب في مقدمة "جامعه" من طريق محمد بن سهل بن عسكر، قال: حضرت المأمون بالمصِّيصة، فقام إليه رجل بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحبُ حديث منقطع به. قال: فوقف له المأمون، وقال: أيْشٍ تحفظُ في باب كذا؟ قال: فسكت، فقال المأمون: حدثنا ابنُ عُلَيَّة بكذا، وحدثنا حجاجٌ الأعور بكذا، وسرد عدَّة أحاديث، ثم قال: وأيْشٍ تحفظ في باب كذا؟ قال: فسكت، فسرد له المأمون أيضًا عدة أحاديث، ثم قال: أحدُهم يطلبُ الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا صاحب حديث، أعطوه ثلاثة دراهم. واللَّه المستعان.