أما مبدأ أمره ونشأته: فقد تقدم أن أباه مات في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، بعد أن كان حجَّ وزار بيتَ المقدس، وجاور في كلٍّ منهما، واستصحب معه ولده صاحب الترجمة، قال: وأظن أنَّ أبي أحضرني في مجاورتيه بهما شيئًا ما. وماتت أمُّه قبل ذلك وهو طفل، فنشأ -﵁- يتيمًا في غاية العفة والصيانة والرياسة في كنف أحد أوصيائه الزَّكيّ الخرُّوبي إلى أن مات، وقد راهق، لم تُعرف له صبوة ولم تضبط عنه زلَّة، واتفق أنه لم يدخل المكتب إلا بعد إكمال (١) خمس سنين.
وممَّن قرأ عنده في المكتب: شمس الدين ابنُ العلَّاف الذي وليَ حسبة مصر وقتًا، وشمس الدين الأطروش، لكن لم يُكمل حفظَ القرآن العظيم إلا عند فقيهه ومؤدِّبه الفقيه شارح "مختصر التبريزي"، صدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق السَّفطي المقرىء. أكمله وله تسع سنين.
وكان يحضر لإقرائه هو والقاضي ناصر الدين محمد ابن العلامة شمس الدين ابن القطان، سبط سيبويه الزمان البهاء بن عقيل، بمسجد للَّه تعالى، ملاصق لمنزل وصيه ابن القطان المذكور بدرب ابن ريشة بالقرب من موردة
_________________
(١) في (ح): إكماله.
[ ١ / ١٢١ ]
منجنى قليوب، بشاطىء البحر. ثم لم يتهيأ له أن يصلِّي به للناس التراويح على جاري العادة إلا في سنة خمس وثمانين بمكة، وقد أكمل اثنتي عشرة سنة؛ فإنَّ وصيَّه الماضي -وهو الخواجا زكي الدين أبو بكر بن نور الدين علي (١) الخروبي- كان قد حج في سنة أربع وثمانين، واستصحب صاحب الترجمة معه، إذ لم يكن له من يكفُلُه. وكانت وقفة الجمعة، فحجَّا وجاورا، وصلَّى بالناس هناك في سنة خمس.
قال: وقد كنتُ ختمت من أول السنة الماضية -يعني سنة ثلاث- واشتغلت بالإعادة في هذه السنة، فشغلَنا أمرُ الحج إلى أن قُدِّر ذلك بمكة، وكانت فيه الخيرة.
[قلت: وفي اتفاق وقوع ذلك إشارة إلى أنه يصير إمام الدنيا] (٢).