ولد عليّ بن أنجب في شهر شعبان سنة (٥٩٣ هـ-١١٩٧ م) بمدينة بغداد، على عهد الخليفة أبي العبّاس أحمد الناصر لدين الله العباسيّ، في أسرة متواضعة، إذ كان أبواه من عامّة الناس، فلم يرد في المصادر ما يدلّ على أنّ أباه كان من علماء عصره، أو من أعيان مصره الذين لهم حظوة عند سلطان أو وجيه من الوجهاء.
وكان ابن أنجب منذ حداثة سنّه محبّا للعلم والعلماء، شغوفا بحضور مجالس الفضلاء، وكان يتردّد على حلقات العلم بمساجد بغداد ورباطاتها، ففيها حفظ القرآن الكريم، وسمع الحديث الشريف، ودرس علوم العربية، والتاريخ والأخبار، والسّير والمغازي والآثار، والفقه والآداب والأشعار، وغيرها من العلوم، على يد مجموعة من المشايخ الفضلاء. وبما أنّنا لم نقف على مشيخته التي فصّل فيها الحديث عن شيوخه، وإجازاته، ومحفوظاته، ومرويّاته، ومجالس العلم التي كان يحضرها، فسنكتفي هنا بإيراد ما بقي من هذه الأخبار التي وجدناها في مؤلّفاته.
يقول مثلا في وصف أحد مجالس شيخه عبد الوهّاب بن سكينة، مبرزا علاقة الودّ التي كانت تربطه به، ومؤكّدا حرصه على التعلّم والحفظ: «وأذكر وأنا صبيّ راهق الحلم، وأنا ألتذّ بالنظر إليه، ولا أسأم
_________________
(١) نقلا عن: ابن الساعي البغدادي د. عبد الحكيم الأنيس. صدى الدار السنة الأولى العدد السابع.
[ ١١ ]
القعود بين يديه، ولمّا رأى منّي ذلك أحبّني، وكان يسألني عن حالي، ويسأل عنّي إذا غبت، ويخصّني بشيء من الحلاوة في كلّ وقت كنت أحضر عنده، وكان له ولد اسمه عبد الرحيم، ولقبه عون الدّين، يأمره بالقعود معي ويقول: اقرأ معه بالإرادة، فإذا رأى عنده تقصيرا أو ميلا إلى لعب، ينكر عليه ويقول له: لم لا يكون لك مثل هذا؟ فإنّ له همة، أرجو له الصّلاح، وكان يعتذر إليه ويقول: هذا أكبر منّي. ولقد صدق ﵀، فإنّي كنت أسنّ منه بسنتين. فكان الشيخ ﵀ إذا تكلّم يظهر البهاء والنّور على ألفاظه، وتقبلها الأسماع والقلوب، ولا يشبع جليسه من مجالسته. ولقد حضرت عند جماعة من شيوخ العلم والموسومين بالزّهادة والعبادة، فلم أر فيهم أكمل منه، ولا أحسن طريقة وسمتا» (١).
وبمثل هذه العبارات الرّقيقة الصّادقة، وصف ابن أنجب مجموعة من شيوخه في الدّرّ الثمين.