لابن أنجب الساعي ذكر طيّب عند جلّ من ترجمه، فقد وصف بمجموعة من الصّفات والألقاب التي تدلّ على غزارة علمه، وتمام فضله، وكرم أخلاقه، فقد أثنى عليه الظّهير الكازرونيّ بالدّيانة (٤)، ووصفه في تاريخه بالشيخ الثّقة في موضعين (٥).
وقال عنه صاحب الحوادث: إنه «كان أديبا فاضلا» (٦).
وبنفس الصّفة وصفه اليونينيّ في ذيل مرآة الزمان (٧).
ووصفه الإمام الذهبيّ في تذكرة الحفّاظ: ب «الإمام المؤرّخ البارع» (٨)، وفي تاريخ الإسلام: ب «الأديب الفاضل الأخباري» (٩).
_________________
(١) شذرات الذهب:٦/ ١٠٦.
(٢) ترجمته في: الدرر الكامنة:٢/ ١٩٥، والأعلام:٣/ ٢٩٣.
(٣) الدرر الكامنة ٢/ ٤٠٥، قال: «وسمع من الكمال الكبير وابن الساعي».
(٤) تاريخ الإسلام:١٥/ ٢٨٠.
(٥) مختصر التاريخ:٢٥٥ - ٢٥٩.
(٦) الحوادث:٤٢٢.
(٧) ذيل مرآة الزمان:٣/ ١٤٧.
(٨) طبقات الحفاظ:١٤٦٩.
(٩) تاريخ الإسلام:١٥/ ٢٧٨.
[ ٢٨ ]
نفس الصّفات وصفه بها الصفديّ في الوافي بالوفيات (١).
ووصفه الإمام الذهبيّ في تاريخه (٢)، والإمام السّخاويّ في الإعلان بالتوبيخ (٣)، بالحافظ.
أمّا الإسنويّ، في طبقات الشافعية، فقد حلاّه بمجموعة من الألقاب الحسنة حين قال: «كان فقيها، قارئا بالسبع، محدّثا، مؤرّخا، شاعرا لطيفا كريما» (٤).
نفس القول نقله ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية، والداوديّ في طبقات المفسّرين (٥).
وقال الإمام السّيوطيّ في حقّه: «الإمام المحدّث البارع المؤرّخ» (٦).
ووصف ابن العماد الحنبليّ علمه وفضله بقوله: «كان إماما حافظا مبرّزا على أقرانه» (٧).
وذكر ابن رافع السّلاميّ بعض صفاته: الخلقية والخلقية، في ترجمته، فقال: «كان مقبول الصّورة، منوّر الوجه لطيفا، دمث الأخلاق، كريم الطّباع، كثير الاطّلاع. . محترما مكرّما» (٨).
ورجل بمثل هذه السّيرة الحسنة، والأخلاق المرضيّة، والعلم الغزير، حقيق بأن يحظى بالتقدير والاحترام، ومن لدن الخاصّ والعام، وأن يكون معزّزا مكرّما عند الخلفاء والأمراء والوزراء، حظيّا مكينا عند الولاة والقضاة. ولم تزده هذه المكانة المرموقة إلاّ تواضعا وحبّا في صحبة العبّاد والزّهّاد، فقد لبس خرقة التصوّف سنة ثمان وستّ مائة، أي: منذ
_________________
(١) الوافي بالوفيات:٢٠/ ١٥٩.
(٢) المصدر نفسه:١٣/ ٣٣٧.
(٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ:١٥٦.
(٤) طبقات الإسنوي:١/ ٣٤٧.
(٥) طبقات الفقهاء الشافعية:١/ ٤٦١، وطبقات المفسرين:١/ ٣٩٤.
(٦) تذكرة الحفاظ:٥٠٩.
(٧) شذرات الذهب:٣٤٣.
(٨) المنتخب المختار:١٣٨.
[ ٢٩ ]
أن كان عمره خمس عشرة سنة (١).
إلاّ أنّ ابن أنجب لم يسلم، كغيره من العلماء، من النقد والتجريح، فقد قال فيه الإمام الذهبي: «وما هو من أحلاس الحديث، بل عداده في الأخباريين» (٢).
والرأي نفسه نقله بعض من ترجمه، كالسّيوطيّ في طبقات الحفّاظ (٣).
أمّا الحافظ ابن كثير فقد ليّنه في البداية والنّهاية حين قال: «لم يكن بالحافظ والضابط المتقن» (٤).
والقول الذي استوقفنا أكثر من غيره، في مقام نقد وتجريح ابن أنجب، هو قول الإمام الذهبيّ: «فقد تكلّم فيه والله أعلم، وله أوهام» (٥).
والرأي نفسه نقله الصّفديّ، وابن قاضي شهبة، والداوديّ (٦).
والشّقّ الأوّل من حكم الذهبيّ يمكن أن ينصرف إلى غمز عدالة الرجل، كما يمكن أن ينصبّ على وصف مذهبه العقدي، والاحتمال الثاني هو الأرجح عندنا، فقد رمي ابن أنجب بالتشيّع، وترجم في أكثر من مصدر من مصادر تراجم رجال الشّيعة (٧).
ولعلّ النّفس الذي كتب به الدّرّ الثمين يؤكّد ذلك؛ لأنه ترجم مجموعة من مصنّفي الشّيعة، وذكر كتبهم بتفصيل، وما ذكر أحدا من آل البيت إلا صلّى عليه وسلّم، وهو ديدن الشّيعة والله أعلم.
فإن قيل: إنّ أهل السّنة أيضا قد سلّموا على أهل البيت في كتبهم،
_________________
(١) أخبار الزهاد خ:١٠٢.
(٢) تذكرة الحفاظ:٤/ ١٤٦٩.
(٣) طبقات الحفاظ:٥٠٩.
(٤) البداية والنهاية في التاريخ:١٣/ ٢٧٠.
(٥) تاريخ الإسلام للذهبي:١٥/ ٢٧٩.
(٦) الوافي بالوفيات:٢٠/ ١٦٠، وطبقات الشافعية:١/ ٤٦١، وطبقات المفسرين للداودي: ٢٠/ ١٦٠.
(٧) ترجمه مثلا محسن الأمين في أعيان الشيعة:١/ ٣٠٥، وترجم أيضا في طبقات أعلام الشيعة:٣/ ١٠١، وترجم له في الذريعة في أكثر من موضع.
[ ٣٠ ]
فالجواب: أنّ الأصل فيهم أنهم يترضّون عنهم، وقد يسلّمون عليهم على جهة الاستثناء، والأحكام تبنى على القاعدة، لا على ما استثني منها.
وفي المقابل، الأصل عند الشّيعة أنهم يسلّمون على أهل البيت. وقد يترضّون عنهم أحيانا، وهذا ملحوظ عند ابن الساعي، حيث نجد صنيعه مبنيّا على الأصل، إذ غالبا ما يسلّم عليهم، ولم يترضّ عنهم إلاّ في موضع أو موضعين من الكتاب.
لكنّ هذا التجريح والغمز لا ينقص، بأيّ حال من الأحوال، من قدر الرجل، ولا ينبغي أن يحجب علمه وفضله ومكانته كعالم من أشهر علماء القرن السابع الهجريّ الذين أغنوا الخزانة العربيّة بمؤلّفات نفيسة بالرّغم من أنّ أغلبها ما زال في حكم المفقود.