كان أعلم أهل زمانه بالنّحو والغريب، حدّث أحمد بن حرب (٢) أنّ المتوكّل قرأ بحضرة الفتح بن خاقان قوله تعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ﴾ (٣) بفتح الهمزة، فقال له: بالكسر، فتتابعا على عشرة آلاف دينار، وتحاكما إلى يزيد بن محمد المهلّبيّ، فقال: يقبح أن يخلو باب أمير المؤمنين من عالم يرجع إليه. فقال المتوكّل: سلوا لنا من أعلم الناس بالنّحو؟ فقيل له: أبو العباس المبرّد بالبصرة، فأمر بإحضاره، فأشخص مكرّما، قال المبرّد: فلمّا وصلت سرّ من رأى أدخلت على الفتح بن خاقان، فقال: يا بصري، كيف تقول ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ﴾ بالفتح أو بالكسر؟ فقلت: بالكسر، وهو الجيّد المختار، وذلك أنّ أوّل الآية ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ باستئناف جواب الكلام المتقدّم، قال: صدقت. . وركبت إلى دار أمير المؤمنين فعرّفه قدومي، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه، فأمر بإحضاري، فلمّا وقعت عين المتوكّل عليّ، قال: يا بصري، كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ﴾ بالكسر أو بالفتح؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أكثر الناس يقرءونها بالفتح. فضحك المتوكّل وقال: أحضر يا فتح المال، فقال: يا مولانا، والله قال لي بخلاف ذلك. فقال: دعني من هذا وأحضر المال، فلمّا خرجت أتتني رسل الفتح فأتيته، فقال: يا بصري، أول ما ابتدأتنا به الكذب، فقلت: ما كذبت والله، قال: وكيف وقد قلت
_________________
(١) ترجمته في: طبقات الزبيدي:١٠١، والفهرست:٩٢، وتاريخ بغداد:٣/ ٣٨٠، والمنتظم:٦/ ٩، ومعجم الأدباء:٢٦٧٨، وإنباه الرواة:٣/ ٢٤١، ووفيات الأعيان: ٤/ ٣١٣، وسير أعلام النبلاء:١٣/ ٥٧٦، والوافي بالوفيات:٥/ ٢١٦، ولسان الميزان: ٥/ ٤٣٠، والنجوم الزاهرة:٣/ ١١٧، وبغية الوعاة:١/ ٢٩٦.
(٢) أحمد بن حرب المهلبي صاحب الطيلسان ينظر في: إنباه الرواة:٣/ ٢٤٣، وله أخبار في زهر الآداب:٢/ ٥٩١.
(٣) الأنعام: آية ١٠٩.
[ ١٤٧ ]
لأمير المؤمنين: الصواب بالفتح. فقلت: إنّما قلت: أكثر الناس يقرءونها بالفتح، وأكثرهم على الخطإ، وإنّما تخلّصت من اللائمة وهو تغليط أمير المؤمنين، فقال: أحسنت. قال المبرّد: فما رأيت أكرم أخلاقا، ولا أرطب بالخير لسانا من الفتح (١). ولم يزل المبرّد مقيما بسرّمن رأى إلى أن قتل المتوكّل والفتح، وكان قد أفاد منهما مالا عظيما، فعند ذلك قدم بغداد.
قال محمد بن إسحاق النديم: وللمبرّد من الكتب كتاب الكامل (٢)، وكتاب الرّوضة، وكتاب المقتضب (٣)، وكتاب الاشتقاق، وكتاب الأنواء والأزمنة، وكتاب القوافي، وكتاب الخطّ والهجاء، وكتاب المدخل إلى كتاب سيبويه، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكّر والمؤنّث (٤)، وكتاب التامّ في معاني القرآن، وكتاب الردّ على سيبويه، وكتاب الرسالة الكاملة، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب الحثّ على الأدب والصّدق، وكتاب نسب عدنان وقحطان (٥)، وكتاب الزّيادة على كتاب سيبويه (٦)، وكتاب التعازي (٧)، وكتاب المدخل إلى النّحو، وكتاب شرح شواهد سيبويه، وكتاب ضرورة الشّعر، وكتاب أدب الجليس، وكتاب الحروف في معاني القرآن إلى طه، وكتاب صفات الله ﷿، وكتاب الممادح والمقابح، وكتاب الإعراب، وكتاب الرّياض المونقة، وكتاب أسماء الدّواهي، وكتاب الجامع، لم يتم، وكتاب الوشي، وكتاب معنى كتاب سيبويه، وكتاب الناطق، وكتاب العروض، وكتاب البلاغة، وكتاب معنى
_________________
(١) الخبر في إنباه الرواة:٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) طبع الكتاب مرات عدة.
(٣) الكتاب مطبوع بالقاهرة.
(٤) نشر الكتاب بتحقيق رمضان عبد التواب، وصلاح الدين الهادي في القاهرة ١٩٧٠ م.
(٥) رسالة صغيرة نشرها عبد العزيز الميمني بالقاهرة سنة ١٩٣٦ م.
(٦) في الفهرست: كتاب الزيادة المنتزعة من سيبويه.
(٧) نشر الكتاب بتحقيق محمد الديباجي في دمشق سنة ١٩٧٦ م بعنوان التعازي والمراثي.
[ ١٤٨ ]
كتاب الأوسط للأخفش، وكتاب شرح كلام العرب وتلخيص ألفاظها (١)، وكتاب ما اتّفقت ألفاظه واختلفت معانيه، وكتاب الفاضل والمفضول (٢)، وكتاب طبقات النّحويّين البصريّين (٣)، وكتاب العبارة عن أسماء الله ﷿، وكتاب الحروف، وكتاب التصريف، وكتاب الكافي (٤).
وكانت وفاته، فيما ذكره ابن المرزبان، في ثامن عشر ذي الحجة من سنة خمس وثمانين ومائتين (٥).