ولدت هذه الشهيرة بباريس سنة ١٧٦٦ م، وتولت أمها تعليمها ولكنها كانت تجهل مقتضيات التربية ومراعاة حال الأولاد من حيث مزاجهم وميلهم واتجاه عواطفهم، فشددت على ابنتها فيا لتعليم، واتخذت الصرامة ديدنا في التربية والتأديب، فلذلك لم يعلق قلب ابنتها بها ولا كان لكلامها وقع في نفسها، ومن جملة ما بين ذلك أنها كانت تحب اللعب بما يشبه التشخيص في المراسح، وتميل إلى ذلك ميلا شديدا فتعمل ملوكا وملكات من الورق، وتشخص لها مواقع من فكرتها، وتتكلم في التشخيص عنها. وكانت أمها تكره المراسح والتشخيص وتمنعها من اللعب بتلك الصور غير مراعية ميلها الشديد إلى ذلك فكانت ابنتها تختبئ وتلعب خفية عنها، ولا تكاشفها بشيء مما يخطر ببالها من ذلك.
وأما أبوها: فكان أوفر من أمها حكمة وأكثر معرفة في معاملة ابنته فيلاطفها ويمازحها ويحدثها حتى تأنس إليه وتكشف له قلبها، وكان رجلا عظيما ووزيرا على مالية (لويس السادس عشر) ملك فرنسا، مهيبا بعيد الصيت والسطوة والنفوذ يختلف إلى بيته عظماء فرنسا، وعلماؤها وشعراؤها، كانت أمها تأتي بها وهي صغيرة السن إلى قاعة الاستقبال، وتجلسها على كرسي مستدير بجانبها وتوصيها من حين إلى حين بالجلوس مستقيمة لئلا تكون حدباء الظهر متى كبرت فتجلس هناك شاخصة إلى الزوار وتلتقط كل كلمة تخرج من أفواههم وتصغي أتم الإصغاء إلى أحاديثهم، وتذوق معانيهم حتى يرى الناظر من علامات وجهها أنها لا تدع فائدة تفوتها، وأنها تبتلع المعاني ابتلاعا على صغر سنها، وكانوا كلهم يحدثونها كما يحدثون كبار السن ويباحثونها فيما تعلمته ويحدثونها على درس ما لم تتعلمه، فلم تكثر عليها السنون حتى بلغت قوى عقلها مبلغا قلما تدركه العقول في سنها ولم تجيء عليها السنة الخامسة عشرة حتى شرعت في التأليف واشتد حبها للعلماء والعظماء فكان قلبها ينبض شديدا عند رؤيتهم، وصيتهم يستفزها إلى مجاراتهم ومسابقتهم، ولما بلغت عشرين سنة من عمرها شاع ذكرها في الآفاق، وانطلقت الألسنة بوصفها تزوجت بسفير أسوج في فرنسا واسمه (روستايل) سنة ١٧٨٦ م فانفتح أمامها باب السياسة، وكانت في بداية عمرها تعتبر فلسفة (جان جاك روسو) اعتبارا عظيما.
ولما ابتدأت الثورة الفرنساوية وكان أبوها قد أنجد حزب الثائرين مالت إليها حاسبة أنها الطريقة الوحيدة لسعادة فرنسا ونعيمها، ولكن لما تفاقم خطبها ورأت فظائعها، وعلمت أن أحسن أهل وطنها يقتلون بها نفرت منها وجعلت همها تخليص الذين قد وقعوا في حبالها من الموت فسعت في نجاة العائلة الملكية وفرارها إلى بلاد الإنكليز، ولكنها خابت مسعى فعمدت إلى تخليص غيرهم وكانت كلما خلصت شخصا لا تستريح حتى تخلص كل من يتعلق به من الأقرباء والأصدقاء وتخاطر بنفسها لخلاص غيرها مخاطرة أعظم الناس بأسا، واتفق أن الدول المتحالفة ضيقت على الحكومة الثورية سنة ١٧٩٢ م، فقال رجال هذه الحكومة: لا نأمن على أنفسنا إن لم نقتل كل من له ضلع مع الملكية في باريس فاستباحوهم قتلا ونهبا. وكان لمدام (روستايل) أصدقاء كثيرون بينهم فخلصت بواسطتهم حياة كثيرين وبقي رجل اسمه (دومونتسكيو) فعزمت على أن تخرج به من باريس كخادم لها فلقيها الثائرون في الطريق فأنزلوها من مركبها كرها
[ ١٨ ]
وذهبوا بها إلى زعيمهم فاخترقت الصفوف مرتجفة والسيوف والبنادق قد سدت الآفاق من حولها، ولو زلت قدمها لقتلت دوسا، ولكنها ثبتت على ضعفها ست ساعات تسمع صراخ القتلى وأنين المعذبين حتى أطلق سبيلها، فخرجت من فرنسا فرحة بأنها قد لقيت ما لقيت فداء نفس خلصتها من الموت، وكتبت كتابا بليغا في الدفاع عن الملكة (ماري أنتوانيت)، لكنه لم يأت بالفائدة المقصودة فجزعت على قتلها جزعا شديدا.
وفي سنة ١٧٩٧ م: عادت من سويسرا حيث كانت متوجهة إلى باريس فوقع خلاف بينها وبين (نابليون بونابرت) لأنها أوجست منه السوء بعد تعرفها به بقليل قالت: إني لما تعرفت به أعجبني خلقه وعقله وقلت: إنه قد انفرد بهما كما انفرد بنصراته، وإنه رجل معتدل الطباع من أهل الجد والوقار بعكس زعماء الثورة ذوي الطباع الصعبة الذين كانوا يحكمون قبله، ولكن لما هدأ الجأش من إعجابي به وعدت إلى نفسي شعرت بنفور عظيم منه لما وجدته فيه، فإنه كالسيف البارد الماضي يجمد جمودا حين يجرح جرحا، وعلمت أنه يحتقر الأمة التي يريد أن يملك عليها.
وجاهرت بمعاندته، فكنت ترى قاعتها غاصة بجماهير النافرين من (بونابرت) الناقمين عليه، فأوجس (بونابرت) خيفة منها، وحاول أن يرشوها بالمال لترجع عن معاندته فوعدها بأن يدفع لها مليوني ليرة كانا لأبيها على الدولة فرفضت قبول تلك الرشوة. فقال لها (جوزف بونابرت): (قولي إذا ماذا تشتهين) قالت: (لا أشتهي شيئا وإن سيري هذا طبق لما اعتقده) .
وكانت تحب سكن باريس محبة شديدة وتخاف النفي منها جدا ولا تسر إلا بمعاشرة الأدباء محفوفة بأهل الفضل والأصدقاء. وكان (نابليون بونابرت) يعلم ذلك فلما رأى إصرارها على معاداته أبى إلا أن ينتقم منها، فنفاها إلى مدينة سويسرا ولم يسمح لها بالاستبعاد عن منزلها أكثر من ميلين وحرمها من العودة إلى باريس فكان ذلك عليها مصيبة لا تطاق فقضت باقي أيامها حزينة على فراق باريس، وتولت تربية أولادها فكانت تعلمهم أكثر النهار ولم تنقطع عن ذلك في أشد أيامها حزنا وكآبة، وذلك كان أولادها يحبونها حبا عظيما، ويخاطرون بأنفسهم دفاعا عنها كما روى ذلك كثيرون من المؤرخين المشهورين، وقد اشتهرت مدام (روستايل) بمحامد كثيرة ظهر بعضها فيما مر نزيد عليه محبتها للحق والوقوف على حقائق الأمور ولذلك كانت تبذل جهدها في تعلم كل شيء ولو مهما كلفها من المشقة وكانت تقول: (جهل الناس للحق والحقائق أكبر دليل على انحطاطهم) . وقالت عن بونابرت: (إني علمت بانحطاطه منذ رأيته لا يهتم بحقائق الأمور) .
وكانت تحب الموسيقى وتلهو بها عن أشغال التأليف، وتزيد السامعين طربا بحلاوة صوتها، وكان لها ميل شديد إلى التشخيص، وموهبة عظيمة فيه فكانت تعرف كل المراسح الأجنبية جيدا، وتعلمت في كبرها اللغات التي فاتها تعلمها في صغرها ومن أقوالها: إن درس اصطلاحات اللغة أحسن المثقفات للعقل وأسهل السبل لمعرفة أخلاق أهلها. كما هي وأعظم ما اشتهرت به كتبها التي بلغ عددها ثمانية عشر مجلدا في كل فن مستظرف حتى سموها (فولتير النساء) لكثرة المباحث التي بحثت فيها وقد قضت مؤلفاتها ثلاث غايات من أسمى الغايات.
إحداها: توسيع علم الجمال عما كان في زمانها.
والثانية: مهاجمة فلاسفة فرنسا المؤدبين ك (ديدور) و(دولباش) و(كندلاك) وغيرهم. مهاجمة عنيفة زعزعت أركان فلسفتهم.
والثالثة: بث روح الحرية في صدور قومها إذ أبانت لهم أن الحرية أعظم شرط لسلامة الآداب والديانة الصحيحة، وكانت فاضلة تقية ورعة غير مترفضة.
وماتت في ١٤ تموز (يوليو) سنة ١٨١٧ م بعد أن جالت زمانا في النمسا وروسيا وأسوج وبلاد الإنكليز الذين كانت تعتبرهم اعتبارا عظيما.