كانت فريدة زمانها وبليغة عصرها وأوانها إذا خطبت أعجزت، وإن تكلمت أوجزت، ولا غرو ابنة البلاغة ومعدن الفصاحة والحصافة.
قيل: إنها وفدت على معاوية بن أبي سفيان لما ولي الخلافة وكانت عجوزا كبيرة فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك وأهلا يا خالة فكيف كنت بعدنا فقالت: يا ابن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام بعد أن كفرتم برسول الله ﷺ فأتعس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا ﷺ هو المنصور فوليتم علينا من بعده وتحتجون بقرابتكم من رسولا لله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر فكنا فيكم
[ ٢٥ ]
بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب ﵀ بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار، فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالة وأقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك. فقالت له: وأنت يا ابن الباغية، تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بغي بمكة وآخذهن للأجرة ادعاك خمسة نفر من قريش فسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به. فقال مروان: كفى أيتها العجوز وأقصري لما جئت له. فقالت له: وأنت أيضا يا ابن الزرقاء تتكلم، ثم التفتت إلى معاوية فقالت: والله ما جرأ علي هؤلاء غيرك فإن أمك القائلة في قتل حمزة:
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر وشكر وحشي علي دهري
=حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها ابنة عمي وهي تقول:
خزيت في بدر وبعد بدر يا ابنة جبار عظيم الكفر
فقال معاوية: عفا الله عما سلف يا خالة هات حاجتك. فقالت: ما لي إليك حاجة، وخرجت عنه. وبعد خروجها التفت معاوية إلى أصحابه وقال لهم: والله لئن كلمها كل من في مجلسي لأجابت كل واحد منهم بجواب خلاف الآخر بدون توقف.
وهكذا فإن نساء بني هاشم أصعب في الكلام من رجال غيرهن وأمر لها بجائزة تليق بمقامها، وبقيت مكرمة بين قومها إلى أن توفيت بالمدينة بخلافة معاوية.