هي ابنة يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكانت ذات أدب وجمال ومال تزوج بها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فهلك عنها، ثم كانت عند هاشم فهلك عنها، وسبب زواجها بالسفاح هو أنها بينما كانت ذات يوم جالسة في منزلها إذ مر بها أبو العباس السفاح وكان جميلا وسيما فسألت عنه، فنسب لها، فأرسلت له مولاة لها تعرض عليه أن يتزوجها. وقالت لها: قولي له هذه سبعمائة دينار أوجه بها إليك وكان معها مال عظيم وجوهر وحشم فأتته المولاة فعرضت عليه ذلك فقال: أنا مملق لا مال عندي، فدفعت إليه المال فأنعم لها وأقبل إلى أخيها فسأله التزويج بها فزوجه إياها فأصدقها خمسمائة دينار وأهدى لها مائة دينار ودخل عليها من ليلته وإذا هي على منصة فصعد عليها فإذا كل عضو منها مكلل بالجوهر فلم يصل إليها فدفعت بعض الجواري فنزلت وغيرت لبسها ولبست ثيابا مصيفة وفرشت له فرشا على الأرض دون ذلك فلم يصل إليها فقالت: لا يغرك هذا كذلك كان غيرك يصيبه مثل ما أصابك فلم تزل به حتى وصل إليها من ليلته، وحظيت عنده وحلف أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فولدت له محمد وريطة، وغلبت على أمره غلبة شديدة حتى إنه كان لا يقطع أمرا إلا بمشورتها حتى آلت الخلافة إليه فلم يكن يدنو من غيرها لا حرة ولا أمة، ووفى لها بما حلف أن يغيرها فبينما كان ذات يوم في خلافته إذ خلا به خالد بن صفوان فقال: "يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك وسعة ملكك وقد ملكت نفسك امرأة واحدة فإن مرضت مرضت، وإن غابت غبت، وحرمت نفسك التلذذ واستطراف الجواري ومعرفة أخبارهن وحالاتهن والتمتع بما تشتهي
[ ٥٨ ]
منهن فإن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء، والغضة البيضاء، والعقيقة الأدماء، والدقيقة السمراء، والبربرية العجزاء، من مولدات المدينة تفتتن بمحادثتهن وتلذ بخلوتهن، وأين أمير المؤمنين من بنات الأحرار والنظر إلى ما عندهن وحسن الحديث منهن، ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء، والسمراء اللعساء، والصفراء العجزاء، والمولدات من البصريات، والكوفيات ذات الألسن العذبة، والقدود المهفهفة والأوساط المخصرة، والأصداغ المظرفنة، والعيون المكحلة، والثدي المحققة، وحسن زيهن وزينتهن وشكلهن لرأيت شيئا حسنا".
وجعل خالد يجيد في الوصف ويجد في الإطناب بحلاوة لفظه، وجودة وصفه، فلما فرغ كلامه قال له أبو العباس: ويحك يا خالد ما حك مسامعي والله قط كلام أحسن مما سمعته منك فأعد علي كلامك فقد وقع مني.
فإعاد عليه خالد أحسن من الأول ثم انصرف وبقي أبو العباس مفكرا فيما سمع منه، فدخلت عليه أم سلمة امرأته، فلما رأته مفكرا مغموما قالت: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين فهل حدث أمر تكرهه أو أتاك خبر فارتعت منه؟ قال: لم يكن من ذلك شيء قالت: فما قصتك أخبرني عنها؟ فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال لها: سبحان الله ينصحني وتشتميه؟ فخرجت من عنده مغضبة وأرسلت إلى خالد عشرة من الخدم ومعهم العصي وأمرتهم أن لا يتركوا منه عضوا صحيحا. قال خالد: فانصرفت إلى منزلي وأنا في غاية السرور بما رأيت من أمير المؤمنين وإعجابه بما ألقيت إليه ولم أشك أن صلته ستأتيني فلم ألبث حتى صار أولئك الخدم وأنا قاعد على باب داري، فلما رأيتهم قد أقبلوا نحوي أيقنت بالجائزة واصلة حتى وقفوا علي فسألوا عني فقلت: ها أنا ذا خالد فبادر إلي أحدهم بهراوة كانت معه.
فلما أهوى بها إلي وثبت فدخلت منزلي وأغلقت الباب علي واستترت ومكثت أياما على تلك الحال لا أخرج من منزلي ووقع في خلدي أني أوتيت من قبل أم سلمة وطلبني أبو العباس طلبا شديدا فلم أشعر ذات يوم إلا بقوم قد هجموا علي وقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأيقنت بالموت فركبت وليس علي لحم ولا دم، فلما وصلت إليه أومأ إلي بالجلوس ونظرت فإذا خلف ظهري باب عليه ستور قد أرخيت، وحركة خلفها فقال: يا خالد لم أرك منذ ثلاث! قلت: كنت عليلا يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك وصفت لي في آخر دخلة من أمر النساء والجواري ما لم يخرق سمعي قط كلام أحسن منه فأعده علي.
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب اشتقت اسم الضرة من الضر، وأن أحدهم ما تزوج من النساء أكثر من واحدة إلا كان في جهد فقال: ويحك لم يكن هذا في الحديث قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث من النساء كأنهن في قدر يغلي عليهن. قال أبو العباس برئت من قرابتي من رسول الله ﷺ إن كنت سمعت منك هذا في حديثك الأول. قال: وأخبرتك أن الأربعة من النساء شر صريح لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه ويسقمنه قال: ويلك، والله ما سمعت هذا الكلام منك ولا من غيرك قبل هذا الوقت! قال خالد: بلى والله. قال: ويلك أتكذبني؟ قال: أو تريد أن تقتلني؟ قال: مر في حديثك. قال: وأخبرتك أن أبكار الجواري رجال، ولكن لا خصي لهن قال خالد فسمعت الضحك من وراء الستر قلت: نعم وأخبرتك أيضا أن بني مخزوم ريحانة قريش وأنت عندك ريحانة من الرياحين وأنت تطمح بعينك إلى حرائر النساء وغيرهن من الإماء قال خالد فقيل لي من وراء الستر: صدقت، والله يا عماه بهذا حدثت أمير المؤمنين، ولكنه بدل وغير ونطق بما في ضميره عن لسانك فقال له أبو العباس: ما لك قا تلك الله وأخزاك وفعل بك وفعل. قال: فتركته وخرجت وهو يشتم وقد أيقنت بالحياة فلما وصلت منزلي أخذت راحتي وصرت أفكر فيما حصل فما أشعر إلا ورسل أم سلمة قد صاروا إلي ومعهم عشرة آلاف درهم وتخت وبرذون وغلام فأخذتها وانصرفوا وبقيت أم سلمة عند السفاح إلى أن توفاه الله وهي مالكة قلبه.
[ ٥٩ ]