وأمها "اوديفليد" أخت "كلوفيس" ملك فرنسا، وكانت "امالتونسا" بيدها أزمة أحكام البلاد الإيطالية، وذلك لأنه لم يكن "لثيودوريك" ابن يرث ملكه من بعده، فزوج ابنته هذه بفتى، سليل أحد أعضاء العائلة الملكية، الذي فر هاربا إلى إسبانيا فرقاه الملك الفوثي إلى رتبة قنصلية وأمير، ولكن ذلك الفتى لم يتمتع زمانا طويلا بلذة ارتقائه واقترانه ب "أمالتونسا"، بل مات مخلفا طفلا يدعى "أثالاريك" فتولت زوجته بعد وفاته وموت أبيها أحكام البلاد بالنيابة عن ابنها القاصر، واشتهرت هذه بجمالها البديع وحسنها الباهر وذكائها العظيم، وسعة معارفها، وكثرة عوارفها، وكان لها القدم الأولى في المباحث العلمية والفلسفية.
قيل: إنها درست اللغة اليونانية، واللاتينية، والفوثية، وتضلعت منها حتى أصبحت قادرة أن تتكلم بكل منها بفصاحة ورشاقة ولا ريب أنها كانت حسنة المبادئ كريمة النفس لأنها عاملت الرومانيين سكان روميا وإيطاليا الأصليين معاملة رعاياها وأشفقت عليهم خلافا للفوثيين الذين لم يزالوا يعتبرونهم أعداء وعبيدا.
وكان ابنها "أثالاريك" خملا يبغض العلوم والمعارف، ويتأوه من الدرس ومشقاته وإجهاد العقل في سبيل
[ ٦٤ ]
التحصيل وينفر من والدته لإكراهها إياه على المواظبة والاجتهاد فحدث ذات يوم أن الفوثيين كانوا مجتمعين في قصر "رافنا" ففر هذا الأمير الفتى من غرفة أمه، وانتصب بين الجميع وهو يذرف عبرات الغضب والكبرياء وشكا إلى الحاضرين قساوة أمه وضربها إياه بسبب عصيانه وعناده فأثر هذا الكلام بأولئك المتوحشين وتوهموا أن الملكة راغبة في إهلاك ابنها واختلاس سرير ملكه وطلبوا خلاص الفتى وتربيته كأجداده ورجال أمته في ميادين القتال والعراك لينشأ بطلا، وقدروا بفظاظتهم وإلحاحهم أن يحرموا الغلام وسائل التمدن والتهذيب فتركوه وشأنه يقضي أوقاته في السكر والملاهي وارتكاب الفواحش ولما رأت الملكة عصيان ابنها وزيغه وإحاطة الأعداء بها من كل جانب خابرت "بوستنيان" بقصد السكن في بلاده، وأرسلت إلى مدينة "دار خيوم" في إقليم "أبيروس" ٤٠ ألف دينار غير أن حب التسلط على الناس كان متسلطا على فؤادها فأعارت صبوة الطمع أذنا صاغية وقلبا واعيا، وحينما أومعت على مبارحة إيطاليا نجحت بدسائسها وقدرت أن تهلك بعضا من كبار الرؤساء الثائرين عليها، وتمكنت بموت هؤلاء من الاستبداد بالأحكام والقبض على أزمة البلاد بالنيابة عن ابنها كما كانت أولا غير أن هذا الفتى الجاهل لم يعش زمانا طويلا لأن الفسق والفواحش واللذات أضنته، فمات يافعا لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر فاضطرت إذ ذاك إلى مشاركة ابن عمها "سيبودونس" الجبان البخيل فثار الفوثيون عليها ونفوها إلى جزيرة صغيرة في بحيرة "بوليسنا" وهناك قتلوها سنة ٥٣٨ ق. م بالحمام خنقا، وهكذا انتهت حياة هذه الملكة الفاضلة.