هذه الملكة بنت ملك (طوالس) وهي بلاد واسعة مجاورة لبلاد الصين كان أبوها يفتح الفتوحات ويضع فيه من يشاء من أولاده، ولما فتح (كيلوكرى) وضع ابنته (أورجا) لعلمها بالسياسة وشجاعتها بالحرب وإقدامها على الأهوال.
قال ابن بطوطة في (رحلته): (لما وصلنا إلى (كيلوكرى) ورسينا بميناها استدعت هذه الملكة الناخورة (أي القبودان) صاحب المركب والكواني - وهو الكاتب - والتجار على عادتها، ورغب الناخرة مني أن أحضر معهم فأبيت الذهاب.
فلما حضروا عندها قالت لهم: هل بقي أحد منكم لم يحضر فقال لها الناخورة: لم يبق إلا رجل واحد بخشي وهو القاضي بلسانهم (وبخشي بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين) وهو لا يأكل طعامكم فقالت: ادعوه، فجاء جنادرتها وأصحاب الناخورة فقالوا: أجب الملكة. فأتيتها وهي بمجلسها الأعظم وبين يديها نسوة بأيديهن الأزمة يعرضن ذلك عليها، وحولها النساء القواعد وهن وزيراتها، وقد جلسن تحت السرير على كراسي الصندل وعليه صفائح الذهب، وبالمجلس مساطب خشب منقوش، عليها (أوان) ذهب كثيرة من كبار وصغار كالخوابي والقلال واليواقيل، أخبرني الناخورة أنها مملوءة بشراب مصنوع من السكر مخلوط بالأفاويه يشربونه بعد الطعام وأنه عطر الرائحة حلو الطعم يفرح ويطيب النكهة، ويهضم.
لما سلمت على الملكة قالت لي بالتركية: - ما معناه -: كيف حالك، كيف أنت؟ وأجلستني بالقرب منها، وكانت تحسن الكتابة بالعربية فقالت لبعض خدمها: آتني دواة وقرطاسا
[ ٢٣ ]
فأتى بذلك، فكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم فقالت: ما هذا؟ فقلت لها: تنضري تنكري نام (وتنضري بفتح التاء الفوقية وسكون النون وفتح الضاد وراء وياء) ونام (بنون وألف وميم) ومعنى ذلك اسم الله فقالت: جيد، ثم سألتني من أي البلاد قدمت فقلت لها: من بلاد الهند. فقالت: بلاد الفلفل؟ فقتل: نعم، فسألتني عن تلك البلاد وأخبارها، فأجبتها. فقالت: لا بد أن أغزوها وآخذها لنفس فإني يعجبني كثرة مالها وعساكرها. فقلت لها: افعلي، وأمرت لي بأثواب وحمل فيلين من الأرز وبجاموسين، وعشرين من الضأن، وأربعة أرطال جلاب، وأربعة مرطبانات وهي ضخمة مملوءة بالزنجبيل والفلفل والليمون والضبا، وكل ذلك مملوح مما يعد للبحر.
وأخبرني الناخورة أن هذه الملكة لها في عسكرها نسوة وخدم وجوار يقاتلن كالرجال وأنها تخرج في عساكر من رجال ونساء فتغير على عدوها وتشاهد القتال، وتبارز الأبطال.
وأخبرني أنه وقع بينها وبين أعدائها قتال شديد، وقتل كثير من عسكرها وكادوا ينهزمون فدفعت بنفسها وخرجت الجيوش حتى وصلت إلى الملك الذي كانت تقاتله فطعنته طعنة كان فيها حتفه وانهزم عسكره، وجاءت برأسه على رمح فافتكه أهله منها بمال كثير فلما عادت إلى أبيها ملكها تلك المدينة التي كانت بيد أخيها.
وأخبرني أن أبناء الملوك يخطبونها فتقول: لا أتزوج إلا من يبارزني فيغلبني فيحتشمون مبارزتها خوفة المعرة أن تغلبهم.
ولهذه الملكة غارات ووقائع غريبة مع ملوك الهند ومولك الصين من المسلمين وعبدة الأوثان وما زالت مالكة تلك البلاد مدة من الزمان حتى توفي والدها وإخوتها جميعا وملكت سائر ملك أبيها وأخيرا قتلت بفراشها بدسيسة أحد ملوك الصين وانقرض ملكها بموتها.