كانت أحسن نساء زمانها جمالا وأبهاهن منظرا وكمالا، وأعذبهن منطقا ومقالا، تزوجت بالملك "أحشويروش" ملك الفرس الذي ملك من الهند إلى "كوش" على مائة وسبع وعشرين كورة، وكانت في ابتداء أمرها رباها رجل إسرائيلي يدعى "مردخاي"، وهو ابن عمها لأن أباها وأموها توفيا فأخذها هو وجعلها ابنة لنفسه وكان في شوشن القصر الذي هو كرسي ملك "أحشويروش" لأنه سبى من أورشليم مع السبي الذي سبي مع "بكنيا" ملك بهوذا الذي سباه "نبوخذنصر" ملك بابل.
وسبب زواجها بالملك "أحشويروش" المذكور أنه جلس ذات يوم على كرسي ملكه الذي في شوشن القصر وعمل وليمة لجميع رؤسائه وعبيده وجيش فارس وأخذت هذه الوليمة مائة وثمانين يوما وعند قضاء هذه الوليمة عمل لجميع الشعب الموجودين في شوشن القصر من الكبير إلى الصغير وليمة سبعة أيام، وفي اليوم السابع لما طاب قلبه أرسل إلى "وشتى" الملكة زوجته أن تأتي أمامه بتاج الملك ليرى الشعوب والرؤساء جمالها لأنها كانت حسنة المنظر فأبت أن تأتي حسب أمر الملك فاغتاظ جدا واشتعل غضبه، وقال لمن حوله من العارفين بالأزمة: ما يعمل بالملكة "وشتى" لأنها خالفت
[ ٣٦ ]
أوامري؟ فقال أحدهم: ليس إلى الملك وحده أساءت بل إساءتها عمت جميع الرؤساء وجميع الشعوب الذين في كل بلدان الملك، وسوف يبلغ خبرها إلى جميع النساء حتى يحتقرن أزواجهن في أعينهن عندما يقال: إن الملك "أحشويروش" أمر أن يؤتى بالملكة "وشتى" إلى أمامه فلم تأت، فإن رأى الملك فليكتب أمرا من عنده أن لا تأتي " وشتى" مطلقا، وليعط ملكها لمن هي أحسن منها فرأى الملك والرؤساء ذلك صوابا فأرسل كتبا إلى كل بلدانه يخبرهم بذلك.
وبعدما خمد غضب الملك "أحشويروش" قيل له: فليطلب الملك فتيات عذارى حسنات المنظر ويوكل وكلاء في كل بلاده ليجمعوهن بشوشن القصر ويعين عليهن خصيا، ويرتب لهن لوازمهن مما يحتجن إليه وبعد ذلك يختار منهن التي توافقه ويملكها مكان "وشتى" فرأى ذلك حسنا فأمر بجمع البنات حتى اجتمع عنده منهن شيء كثير فلما سمع "مردخاي" مربي "إستير" أمر الملك وقد اجتمعت فتيات كثيرات إلى شوشن القصر أخذ "إستير" إلى بيت الملك وسلمها إلى حارس النساء فلما نظرها الحارس استحسنها ونالت نعمة بين يديه فبادرها بأدهان عطرها بها ونقلها إلى أحسن مكان في بيت النساء ولم تخبر "إستير" عن شعبها وجنسها لأن "مردخاي" أوصاها بذلك واستمرت "إستير" مقيمة إلى أن بلغت نوبتها للدخول إلى الملك بعد أن أقامت اثني عشر شهرا لأنه هكذا كانت تكمل أيام تعطرهن ستة أشهر بزيت المر وستة أشهر بالطياب، فلما دخلت عليه ونظرها أحبها أكثر من جميع النساء ووجدت نعمة وإحسانا أمامه أحسن من جميع العذارى فوضع التاج على رأسها وملكها مكان "وشتى" وعمل وليمة عظيمة لجميع رؤسائه وعبيده ودعاها وليمة "إستير" وأعطى عطايا حسب كرم الملوك.
وفي تلك الأيام بينما "مردخاي" جالسا في باب الملك إذ علم بفتيين ورئيس الخصيان في دار الملك أرادا أن يغتالاه فعلم الأمر عند "مردخاي" فأخبر "إستير" وهي أخبرت الملك باسم "مردخاي" ففحص عن الأمر فوده حقيقيا، فأمر بصلبهما فصلب كل منهما على خشبة وازداد اعتبار "مردخاي" في عيني الملك وقربه منه قربا عظيما، وبعد هذه الأمور قدم الملك "أحشويروش" وزيره "هامان" وجعل كرسيه فوق جميع الرؤساء الذين معه فكان كل من بباب الملك يسجد ل"هامان"، كنا أوصى به الملك.
وأما "مردخاي" فلم يسجد له فقال عبيد الملك الذين ببابه لمردخاي: لماذا تتعدى أمر الملك ولم تسجد ل"هامان" فقال: لا أسجد لغير الملك وإني أعلم ما لا تعلمون فأخبروا "هامان" بذلك وأعلموه بأنه يهودي، ولما رأى هامان ذلك امتلأ غضبا وأسر في نفسه على إهلاك "مردخاي" وشعبه ولما أمكنته الفرصة قال للملك: إنه موجود شعب متشتت ومتفرق بين الشعوب في كل بلاد مملكتك وسنتهم مغايرة لجميع الشعوب وهم لا يعلمون بسنن الملك فلا يليق بالملك تركهم فإذا رأى الملك فليكتب بأن يبادروا وأنا أزن عشرة آلاف وزن من الفضة تعطى للذين يعملون العمل من مالي الخاص، فلما سمع الملك كلامه نزع الخاتم من يده وأعطاه لهامان وقال له: الفضة قد أعطيت لك من الخزينة الملكية والشعب أيضا تفعل به ما تريد، فاستدعى بالكتاب وكتب إلى جميع عمال البلاد يأمرهم بإبادة جميع اليهود من الطفل إلى الشيخ وأن يسلبوا أموالهم غنيمة وختم الكتب بختم الملك وسلمها إلى السعاة وخرجت بها ولما علم مردخاي كل ما عمل شق ثيابه ولبس مسحا برماد وخرج إلى وسط المدينة وصرخ صرخة عظيمة وجاء إلى باب الملك وكانت مناحة عظيمة عند اليهود وصياح وبكاء ونحيب.
فلما رأى جواري إستير ذلك دخلن عليها وأخبرنها فاغتمت غما شديدا وأرسلت ثيابا لمردخاي لأجل نزع مسحه عنه فلم يقبل فدعت إستير واحدا من خدامها وأمرته أن يذهب إلى مردخاي ويأتيها بالسبب فذهب الخادم إليه وأخبره مردخاي بكل ما أصابه وأعطاه صورة الكتب التي صدرت من الملك لجميع الجهات لكي يريها لإستير ويخبرها ويوصيها أن تدخل إلى الملك وتتضرع إليه وتطلب منه العفو عن شعبها فرجع الخادم إلى إستير وأخبرها بكلام
[ ٣٧ ]
مردخاي فأمرت الخادم بأن يرجع إليه ويعلمه بأن كل عبيد الملك وشعوب بلاده يعلمون أن كل شخص دخل إلى الملك بالدار الداخلية بدون إذن لم ينج من القتل إلا الذي يمد إليه الملك قضيب الذهب فيحيا فأخبره الخادم بذلك فقال له: أخبر إستير بأنك لا تفتكري في نفسك إنك تنجين في بيت الملك من دون اليهود، إنك إن سكت في هذا الوقت يكون الفرج والنجاة لليهود من مكان آخر، وأما أنت وبيت أبيك فتبادون فقالت إستير للخادم: أخبر مردخاي بأن يجمع اليهود الموجودين في شوشن القصر ويصوموا من جهتي ولا يأكلوا ولا يشربوا ثلاثة أيام ليلا ونهارا، وأنا أيضا أصوم كذلك وهكذا أدخل على الملك ولعل الله أن يمد إلي يد المساعدة.
فانصرف مردخاي وعلم على حسب ما أوصت به إستير وفي اليوم الثالث لبست إستير ثيابا ملكية ووقفت في دار بيت الملك الداخلية مقابل الملك وهو جالس على كرسي ملكه، فلما رأى إستير واقفة مد لها قضيب الذهب الذي بيده، فدنت ولمست رأس القضيب فقال لها الملك: ما لك إستير وما هي طلبتك؟ إذا كانت نصف مملكتي تعطى لك؟ فقالت له: إذا رأى الملك فيأت ومعه هامان اليوم إلى الوليمة التي عملتها. فقال الملك: أسرعوا بهامان تنفيذا لكلام إستير، فحضروا به وأتى الملك وهامان إلى الوليمة التي عملتها إستير فقال لها الملك عند شرب الخمر: ما هو سؤالك وما هي طلبتك فيعطى لك؟ فقالت: إن سؤالي أن يأتي الملك وهامان إلى الوليمة التي أعملها لهما غدا وهناك أطلب طلبي، فخرج هامان في ذلك اليوم فرحا.
وفي اليوم الثاني جاء الملك وهامان عند إستير فقال الملك لإستير ما هو سؤالك يا إستير وما هي طلبتك فأجابته: إن كنت قد وجدت نعمة في عين الملك فيعطى لي الملك طلبتي بالعفو عن شعبي لأنه قد صار بيعنا أنا وشعبي للهلاك والقتل، ولو كنت بعتنا عبيدا وإماء لكنت سكت مع أن العدو لا يعرض عن خسارة الملك.
فقال لإستير: من هو وأين هو الذي يتجاسر بقلبه على أن يعمل هكذا؟ قالت: هو رجل خصم وعدو هذا هامان الرديء الخبيث، فارتاع هامان أمام الملك والملكة فقام الملك بغيظه عن شرب الخمر إلى جنة القصر ووقف هامان لنفسه أمام إستير الملكة لأنه رأى أن الشر قد أعيد عليه من قبل الملك، ولما رجع الملك من جنة القصر إلى بيت شرب الخمر وهامان متواقع على السرير الذي كانت إستير عليه قال: وهو أيضا يدخل على الملكة معي في البيت وأمر بصلبه فصلبوه على خشبة ارتفاعها خمسون ذراعا ثم سكن غضب الملك.
وفي ذلك اليوم أعطى الملك لإستير بيت هامان وأتى مردخاي أمام الملك لأن إستير أخبرته فنزع الملك خاتمه الذي أخذه من هامان وأعطاه لمردخاي وأقامت إستير ومردخاي في بيت هامان ثم عادت إستير وسقطت عند رجلي الملك وتضرعت إليه أن يزيل شر هامان الذي دبره على اليهود، فأجاب طلبها وقال لها ولمردخاي اكتبا أنتما ما يحسن في أعينكما باسم الملك واختماه بختمي لأن الكتابة التي كتبت أولا لا ترد، فدعا كتاب الملك في ذلك الوقت وكتب حسبما أمر به مردخاي وختم عليه الملك وأرسل إلى كل الجهات وخرج مردخاي من أمام الملك بلباس ملكي وتاج من ذهب وكان اليوم عند اليهود يوم بهجة وفرح وصار عيدا يعيدون فيه وهو الثالث عشر من شهر آذار في كل سنة.