إمام البلغاء، وزمام الشعراء، مؤلف دفاتر، ومصنف جواهر، ومقلد دواوين، ومعتمد سلاطين، سافر إلى الشرق، وحل منه في الأفق، وكان في زمان المعز بن باديس عنفوانه، وله فيه قصيدة رصع بها ديوانه:
أجارتنا شدي حزيمك للتي هي الحزم أو لا تعذلي في ارتكابها
وكفي فإن العذل منك زيادة علي، كفى نفسي الحزينة ما بها
ومنها:
وإما المنى أو فالمنية إنها حياة لبيبٍ لم ينل من لبابها
وهل نعمة إلا ببؤس وإنما عذوبة دنيا المرء عند عذابها
سآوي إلى عز المعز لعله سيأوي لنفس حرة واكتئابها
إليك معز الدين وابن نصيره حملت عقود المدح بعد انتخابها
وأثواب حمد حكت أثواب وشيها على ثقةٍ مني بعظم ثوابها
وله من قصيدة:
أجارتنا إن الزمان لجائر وإن أذاه للكرام لظاهر
أجارتنا إن الحوادث جمة ومن ذا على ريب الحوادث صابر؟
ومنها:
أجيراننا إن الفؤاد لديكم لثاوٍ وإن الجسم عنكم لسائر
أأترك قلبي عندكم وهو حائر وآخذ طرفي منكم وهو ساهر
كذا يغلب الصبر الجميل كما أرى ويخسر في بيع الأحبة تاجر
وله:
أعددت للدهر إن أردت حوادثه عزما يحل عليه كل ما عقدا
وصارمًا تتخطى العين هزته كأنما ارتاع من حديه فارتعدا
[ ١٢ ]
وذابلًا توضح العليا ذبالته كأنها نجم سعد لاح منفردا
ونثرة ليس للريح المضي بها إلا كما عرضت للنهي فاطردا
وسابحا لا تروع الأرض أربعه كأنه ناقد مالًا قد انتقدا
فداك مالٌ متى يحرزه وارثه فخير ما وجد الإنسان ما وجدا
وله:
سل الليل عني هل أنام إذا سجى؟ وهل مل جنبي مضجعي ومكاني؟
على أنني جلد إذا الضر مسني صبور على ما نانبي وعراني
وله في الغزل:
ما أحسب السحر غير معناها والعنبر الجون غير رياها
إنا جهلنا ديارها فبدا من عرفها ما به عرفناها
كأنما خلفت بساحتها منه دليلًا لكل من تاها
لا كثبٌ دارها فأغشاها ولا فؤادي يريم ذكراها
ومنها:
الموت أولى متى قضيت بها نجي فمحياي في محياها
وأغبط الماء حين ترشفه إذ كان دوني مقبلا فاها
منها:
وما ثنائي على قلائدها إلا بأن أشبهت ثناياها
أجزع من عتبها ويبعثني إليه كرها طلاب عتباها
دنوها منك من شمائلها وبعدها عنك من سجاياها
وله من أخرى أولها:
أرى نورها أو رأى نارها فلما تجلى اجتلى دارها
وقد ضرب الليل أرواقه وأرخت دياجيه أستارها
فقل في جمال يضيء الدجى ويغشى النجوم وأنوارها
ومنها:
وشاطرة ردفها شطرها وما يبلغ الخصر معشارها
ومنها:
فيا لك عصرا قطعنا به ليالي تشبه أسحارها
ولذات عيش مضى عينها فها أنا أطلب آثارها
فها هي لم يبق منها سوى أحاديث أعشق تكرارها
قضيت الصبا دين أوطاره ولم تقض نفسي أوطارها
وله من أخرى:
أما من وقفة أم من مقام أبثك عنده داءً دخيلا
جفوت فضاقت الدنيا وكانت علي رحيبة عرضا وطولا
لعلك يا قضيب البان يوما تمهد في ظلالك لي مقيلا
أما لو كان قلبك من صفاةٍ لشيعني على حبي قليلا
ولكني دُفعت إلى حديد ينول
كلما قُرِع
الصليلا
لئن أنبطت من عيني دموعًا لقد أذكيت في قلبي غليلا
فيا عجبًا دموعٌ ليس ترقي ووجدٌ ليس يمكن أن يزولا
ولم أسمع بأنَّ حيًا توالى على أرض تزيد به محولا
وله:
خالسته نظرا تحمل بيننا نجوى هوىً خفيت على الجلاس
فاحمر ثم اصفر خيفة كاشح فعل المدامة عند مزج الكاس
وله:
أيا رب قرب دارها ونوالها وإلا فأعظم
إن هلكت
بها أجري
ويا رب قدر أن أعيش بأرضها وإلا فقدر أن يكون بها قبري
وله:
هبني أسأت فأين إق راري بذنبي واعتذاري
هلا ثناك عن الجفا ء غناك عني وافتقاري
لو أن غيرك رام بي غدرًا لكان بك انتصاري
وله:
ارفق بعينيك فإن الذي ضمنتا من سقمٍ زائد
فاستودع اللحظ لأجفانها فهي مراض وهو العائد
وله أيضًا:
وعيشٌ هززناه هز النسيم قضيب الأراكة عند الهبوب
مزجناه باللهو مزج الكؤوس بشكوى الهوى ورضاب الحبيب
فيالك عصرًا قضينا به حقوق الشبيبة دون المشيب
وله في العذار:
البدر في أزراره والغصن في زناره
وكأنما فت العبي ر على مخط عذاره
وله أيضًا:
يا عاذلي أنت الخلي فخلني وحشًا عليه من الصبابة نار
كيف السلو وكيف صبري عندما قامت بعذري قامةٌ وعذار؟
وله في الخمر وغيرها من قصيدة:
قضيت أوطار نفسي غير مترك ولم أعقها على لحقٍ ولا حرك
وكم رددت على العذال ما سهروا في حوكه فهو لم ينجح ولم يحك
وكم عدوت إلى الحانات منهمكا بكل عاد إلى اللذات منهمك
أهين مالي وأغلي الراح دونهم في ظل عيش كما تهوون مشترك
ومسمما يجمع الأسماع في قرنٍ من صوت غر عليه لحن محتنك
وساقيا تركب الصهباء نظرته إلى صريع من الفتيان منتبك
[ ١٣ ]
غدا يصرفها فينا ويمزجها فنحن وهي مع الأيام في ضحك
والماء يحذر منها أن تطير فقد صاغ الحباب عليها صيغة الشبك
ومنها:
كأنها جوهر في ذاته عرض قد شيب منسبك منه بمنسبك
فاسمع بعينيك عنها مثل ما سمعت أذناك ما قيل عن نوح وعن لمك
وليلة بتها والأرض عامرة حولي بالجوهرين الماء والبنك
ومنها في الدبيب:
والكأس تخدعهم عني وقد نذروا بأنني غير مأمون على التكك
حتى إذا أقبلوا منها ومال بهم أخذ الكرى وتداعى كل ممتسك
دببت أكتم في أنفاسهم قدمي كأنني بينهم ماش على الحسك
وقد تخلص غيي من يدي رشدي فيهم وأطلق فتكي من عرى نسكي
فبت أنفذ مما خولوا سككا وكنت قدما أجيد النفذ للسكك
وقد وثقت بعفو الله عن زللي فما أبالي بما خطت يد الملك
وله من أخرى في الخمر:
وصهباء كالإبريز تبصر كأسها من اللمع في مثل الشراع الممدد
كما حف نور البدر من حول هالة وفاض لهيب الشوق من قلب مكمد
إذا ما احتوتها راحة المرء أمسكت بهداب ظل من سناها مورد
وإن ناولتها بالمزاج يدٌ علا لها زيد مثل الدلاص المسرد
إذا ما تبدى تحسب العين أنه نجوم لجين لحن في أفق عسجد
وله:
حيى بريحان وقد حصر اللسان فناب عنه
وفهمت من معكوسه تأخير ما أبغيه منه
وله في وصف الثريا:
انظر إلى الأفق كيف بهجته والثريا عليه تنكته
كأنها وهي فيه طالعة قميص وشي وتلك عروته
وله في الخضاب ومدحه:
بعيشك ما أنكرت من ذي صبابة تحيل في رد الصبا فأعاده
هب الشيب في خدي بياض أديمه زمان شبابي في الخضاب سواده
وله في العذار: قدٌ من الأغصان يشرق فوقه=وجهٌ عليه بهجة الأقمار
وكأن ممتد العذار بخده ليل أمر على ضياء نهار
وله:
يا حبذا كأس يكون بها ريقٌ كأن ختامه مسك
باتت تعللني بها وبه حسناء ما في حسنها شك
هاتيك كالدنيا فلا أحدٌ إلا لها بفؤاده فتك
وله في العذار:
قال العذول: التحى، فقلت له: حسنٌ جديدٌ قضى بتجديد
أما ترى عارضيه فوقهما لام ابتداء ولام توكيد
وله يصف الكأس والحباب:
يا حبذا كأس بدت فوقها حبابة زهراء ما تذهب
أدارها الساقي فرد الضحى وانجابت الظلماء والغيهب
فقلت للشرب: انظروا واعجبوا من حسن شمس وسطها كوكب
وله يصف قوادا يحسن الصناعة:
وأحور مائل النظرات عني دسست إليه من يسعى وسيطا
فجاء به على مهلٍ وستر كما يستدرج اللهب السليطا
وله:
بأبي وجهك المليح وخيلا ن بخديك تخجل الأنوارا
غايرت أنجم الدجى فأنارت تلك ليلًا وأظلمت ذي نهارا