[ ١٤ ]
رحل إلى مصر.
فمن شعره قوله يمدح الناصر للدين أبا محمد اليازوري:
توالت فتوحات وأدرك ثار وقر لأمر المسلمين قرار
وجرد سيف الله ناصر دينه فصال به حد له وغرار
ودانت له الحرب العوان وإنها وإن رئمت أنسًا به لنوار
يرد إليه أمرها وهي شامس لها مسحل من قهره وعرار
كأن مطاف الحادثان بشاهقٍ منيف الذرى للفتح فيه مطار
تزل خطوب الدهر عن صفحاته كما زل عن صفح الحسام غبار
فيا ناصر الدين الذي فخرت به بناة المعالي يعرب ونزار
لقد علم الأعداء أنك منتضٍ حسامًا لهم هلك به ودمار
وأنك حزب الله تسعى بهديه وتغضب في مرضاته وتغار
بكفك سيف الله تضربهم به وهل يحتمي من ذي الفقار فقار
تسلهم خيل الإله عوابسا كما طرد الليل البهيم نهار
كتائب في ذات الإله مشيحة لها بغياث المسلمين شعار
فولوا فرارًا والرماح تنوشهم لهم حيدٌ عن وقعها ونفار
وجاؤوك في دوحٍ، قناك غصونه فليس لها إلا الرؤوس ثمار
أضفتهم حتى إذا ما تمردوا أضفت بهم تبا لهم وخسار
وأروع بسامٍ عليه سكينة من الله بادٍ نورها ووقار
عمرت به جيد المعالي قلائدا يطول بها الإمتاع وهي قصار
فيا علم المجد الذي طرزت به حلاه وأضحى في ذاره منار
تنام الرعايا ملء أجفانها كرى فنومك تسهاد له وغرار
فلا عطلت منك الوزارة إنها هي المعصم الحالي وأنت سوار
وعش يا "غياث المسلمين" فإنما حياتك عز للورى وفخار
ودم ملكا ما ساوت العين أختها وما صحبت يمنى اليدين يسار
وقال فيه أيضًا:
يمينك أندى العارضين سحابا وعزمك أمضى الضاربين ذبابا
وأنت أعم الناس طولا وسؤددا وأطيبهم جرثومة ونصابا
وأشرعهم يوم اللقاء أسنة وأمرعهم يوم العطاء جنابا
شهادة برٍ لا يحابى بمثلها ألا ربما كان السحاب محابى
حللت بدار الملك ثم قطنتها كما قطن الليث الغضنفر غابا
وأنشبتها بالسمهرية والظبى طعانا نفى عنها العدى وضرابا
وفجرت فيها للنضار جداولا وسطرت فيها للسماح كتابا
يقولون إن المزن يحكيك صوبه مجاملة: ها قد شهدت، وغابا
وكم أزمةٍ عم البرية بؤسها فهل ناب فيها عن نداك منابا؟
همت ذهبا فيها يداك عليهم وضنت يداه أن ترش ذهابا
ولو كان للأسياف عزمك ما نبت ولا ناط بالخصر النجاد قرابا
تغار من المجد المعالي، وتنتمي إلى اسمك حبات القلوب طرابا
وما زلت ترضي الله في نصر دينه بمألكةٍ تزجي الأسود غضابا
إذا طويت كانت وغى وقساطلا وإن نشرت كانت ظبا وحرابا
وما أنت إلا مطعم النصر أينما أغرت على نهبٍ لزمت نهابا
وكم نعم خولته لم تشله بخيلٍ ولم توجف عليه ركابا
وأبلح ميمون النقيبة لو دعا إلى نصره وحش الفلا لأجابا
أجل ملوك الأرض من ظل لاثما ترابا علته رجله وركابا
سقى حلبا من جود كفك ماطر إذا لم تصب فيه المواطر صابا
علوتهم بالمرهفات كأنما مددت عليهم بالبروق سحابا
وأطلعت سحبا من بنانك ثرة تفيض عليهم نائلا وعقابا
وقال أيضًا:
عرفت لها طيفا على النأي طارقا يساعد مشتاقا ويسعد شائقا
ألمت وفي جفني بقايا مدامع مرتها نواها فاستهلت سوابقا
وأومض في رجع الحديث ابتسامها وميض الحيا أهدى لنجدٍ شقائقا
فولت بقلبٍ أسلمته يد الهوى إلى الشوق مغلوب التجلد وامقا
سقاها الحيا حيث استهلت مواطرا كجود "غياث المسلمين" دوافقا
رعى الله "تاج الأصفياء" وإنما دعوت بأن يرعى الدنى والخلائقا
فيا "ناصر الدين" الذي بنواله إذا الشعر بين الجود والبخل فارقا
ملكت فؤادا بالمعالي متيمًا وأعطيت قلبًا بالمكارم عاشقا
[ ١٥ ]
وما ابتدر الأملاك غاية سؤدد ومكرمةٍ إلا وجدناك سابقا
فمن كان منهم مانعا كنت باذلا ومن كان منهم حارما كنت رازقا
وخولك الله المغارب كلها تنفذ فيها حكمه والمشارقا
تنكبت عن ظل الهوادة سالكا هواجر في طرف العلى وودائقا
وملمومةٍ أزديةٍ ناصريةٍ بعثت على الأعداء منها البوائقا
قرعت بها عظم العراق فلم تزل له بشفار المشرفي عوارقا
وقد جمعت منه خراسان ذيلها على عجلٍ لما قددت البنائقا
قددت غمام السابري عليهم مضاعفة لما انتضيت البوارقا
بكفك آجال الأعادي وإنما أخذت على الأعمار منها المضايقا
إذا خاطبٌ لم يعل أعواد منبرٍ بما تشتهي من خطبة كان فاسقا
إذا ردهم لم يبد بين سطوره بذكرك سطر كان زيفا مزابقا
إذا ما تعاطى الجود بعدك مدعٍ له أو تحلى باسمه كان سارقا
ومن يبغ أن يحظى نداه بمنعمٍ سواك كمن يبغي مع الله خالقا
وكان الذي كانت خراسان داره بها مغرما ثم استقل مفارقا
إذا هم تقويَضًا تلفت باكيًا بساتين في أكنافها وجواسقا
تريه مناه مرفقا في طماعةٍ إذا ساغت الأطماع كنت مرافقا
وقد نصحته نفسه وهي حربه إذا نصح الأعداء كانوا أصادقا
وبالموصل أستأصلت شافة ملكه بكرات حملاتٍ تشيب المفارقا
يقيك بشحط الدار منها فلم تزل تجوب سهوبًا دونها وسمالقا
ذكرت الردينيات في جنباتها بواسق تعلو في ذراها البواسقا
جلبت من الأجبال "طيء" كراديس شكت بالكماة الرساتقا
فظلت وقد عادت جواسقها ربى وكانت رباها قبل ذاك شواهقا
إذا خاطر الرعديد أنهل رمحه كما اختلس اللحظ المحب مسارقا
وساقت "عقيل" في رؤوس رماحها عقائل من أموالهم ووسائقا
وهرت "كلاب" في الوشيج فأقعصت ثعالب في أجحارها وخرانقا
ملكت رجالات العراق براحةٍ تفيض حيا طورا وطورًا صواعقا
فقد أنطقت بالجود من كان أخرسا=وقد أخرست بالبأس من كان ناطقا
تصافح أيديها الألوف صوامتا وما عرفت من قبل إلا الدوانقا
وكم قلعةٍ بالمشرفي اقتلعتها وأذريتها وجه الرياح سواحقا
وثقت بنصر الله في كل موطن وكنت أمرأ
مذ كنت
بالله واثقا
كساك أمير المؤمنين مناقبا فكنت بها يا "ناصر الدين" لائقا
وأصفاك من بين البرية خلة رآك لها محض المودة صادقا
وقوله من أخرى يمدح فيها سماء الرؤساء شمس الكفاة أبا الحسن علي بن أحمد بن المدبر أولها:
هذي العيون وهذه الحدق فليدن من بفؤاده يثق
لو أنهم عشقوا لما عذلوا لكنهم عذلوا وما عشقوا
عنفوا علي بلومهم سفها لو جرعوا كأس الهوى رفقوا
ما الحب إلا مسلك خطر عسر النجاة وموطئٌ زلق
من أجل هذا ظل يقنص لي ث الغاب فيه الشادن الحزق
ومسربل بالحسن معتجر منه بأكمله ومنتطق
عجبي لجبهته وطرته وضح الصباح وما انجلى الغسق
يا ليلة نادمت كوكبها في حيث أطلعه لي الأفق
لو لم أعاجل كأسه بجنى فيه البرود لكنت أحترق
حتى إذا صرعته سورتها قمرا عليه الشهب تأتلق
قبلت وجنته وقد ظهرت في صحنها من قلبي الحرق
قد كانت الآمال ذاوية ظمأى مكدر شربها رنق
حتى أتيح لها أبو حسنٍ فنمت وعم غصونها الورق
يستصغر الدنيا، فأهون ما تعطي يداه العين والورق
في صورةٍ جمع الكمال لها والأحسنان الخلق والخلق
وتخرق في الجود يعظمه فيكاد يحسب أنه خرق
وقال في النارنج:
ألا أنعم بنارنجك المجتنى فقد حضر السعد لما حضر
فيا مرحبا بخدود الغصون ويا مرحبا بنجوم الشجر
كأن السماء همت بالنضار فصاغت لنا الأرض منه أكر
وقال يصف النخل وقد أربى خلال روضة:
[ ١٦ ]
وروضٍ حديقٍ كالشباب طرقته وللنجم في أفق السماء ركود
ترقوق في أحداق نرجسه الندى كما استعبر العشاق
وهو جليد
وتفتر فيه للأقاحي مباسم فتخجل فيه للشقيق خدود
وترتج من فوق الغصون ثمارها كما ارتج من بان القدود نهود
يسل عليها المشرفيات جدولٌ له ثغب عذب الرضاب برود
وقامت عذارى النخل من كل جانب حواسر في لباتهن عقود
وقال لي كنت بحضرة رئيس الرؤساء فقدمت بين يديه أطباق فيها ورد أحمر وأبيض مضعف، فقلت فيه ارتجالا:
كأنما الورد الذي نشره يعبق من طيب معاليكا
دماء أعدائك مسفوكة قد قابلت بيض أياديكا
وقوله:
تضمن فوه درًا من ثنايا جلاه لنا بدر من كلامٍ
وشال عذاره من تحت صدغٍ فصار بصحن وجنته كلامٍ
وقوله في مثله:
يمين أبي العلاء إذا استهلت سحائب جودها هطلت نوالا
تفيض على العفاة حيا وإن لم تفض سحب الكرام وغضن وإلا
وقوله:
إن كان لم يخبرك قلبك أنني قد ذبت من كمدٍ فلست كذاكا
لا تطلبن شهادة من غيره اسأله عن أحبابه وكفاكا
وله من قصيدة يمدح فيها الوزير رئيس الرؤساء:
لحظات من شبيهات الدمى صرعتني بين ظلم ولمى
بعد ما قلت تناهت صبوتي رجعتني مستهامًا مغرما
لائمي أقصر فإني كلما زدت لومًا زاد سمعي صمما
بأبي من جاءني معتذرا وجلاُ مما جناه ندما
فرأيت البدر في طلعته ضاحكا من وجهه مبتسما
زائر أسأل عنه مقلتي هل رأته يقظة أو حلما
بوشاح ناقض الحجل فذا باح بالسر وهذا كتما
كيف تخفى زورة الصبح وقد فتح الروض وجلى الظلما
عجبي من سقمٍ في طرفه يورث السقم ويشفي السقما
قمر يعبده عاشقه عبد المفتون قبل الصنما
قد أعار الكأس منه وجنة وثنايا ورضابا وفما
أحبابًا ما أثار الماء في جوها أم حدقا أم أنجما
جال فيها لؤلؤًا منتثرا وعلاها لؤلؤًا منتظما
كيف أعتد بلقيا هاجرٍ قبل ما حاول وصلي صرما
لو تجاسرت على الفتك به لم أعد أقرع سني ندما
أي شيء ضرني لو أنني كنت في الحل طرقت الحرما
أنا عندي من شفى غلته من حبيب مسعدٍ ما أثما
ولقد ذقت بكاسات الهوى عسلًا طورًا وطورًا علقما
وجليس قد شنأنا شخصه مذ عرفناه ملحا مبرما
ثقل الوطأة في زورته ثم ما ودع حتى سلما
بعض ما لاقيت منه أنه نفر الرئم الذي قد رئما
ذل من يأوي إلى ملتجئ ليس يؤوي ويروي من ظما
وأعز الخلق طرا عائذ برئيس الرؤساء اعتصما
نحن منه في جنانٍ ورعٍ نلبس العز ونجني النعما
قد بلوناه على علاته فبلونا العارض المنسجما
وله أيضًا:
أقول ولاح لي خد وصدغ: لمن تفاحة مع صولجان؟
بودي لو لثمتهما جميعًا ولكني أحاذر صول جان
وله:
زماننا منقلب فاسد يرفع أهل الجهل والعجب
كالنقش في الخاتم لا يستوي ختم به إلا مع القلب
وله أيضًا:
أنت عما حل بي في شغل إنما يرثي لمثلي من بلي
لي وعد عند عينيك مضى دونه عمري ووافى أجلي
فوريحان العذار الخضل فوق ورد الوجنة المشتعل
يا حبيب النفس لو أبصر ما حل بي منك عدوي رق لي
وله:
جاء بكمثرى جني غدا منظره بيدي لنا خبره
من كل زهراء خلوقية تجمع بين النهد والسرة