شاعر صانع، وأديب بارع. من فضلاء العصر، وحسنات الدهر. وشعره كثير. غير أنه خرج عن صقلية إلى الأندلس فاستوطنها، وصحب ملوكها ووزر لهم، وسار ذكره، وعظم قدره هناك، فلم يوجد له بصقلية إلا ما قاله في صباه، وهو:
حسب العواذل ما قدمن من عذلي شغلن بي وأنا عنهن في شغل
أهدين لي ضلةً منهم غير هدى ورمن تقويم معوج أخي ميل
يسمنني النسك لا يسأمن معتبتي ولا
حق الصبا
ما النسك من عملي
يأبى التغزل بالغزلان من نسكي والعيش أجمع كل العيش في الغزل
هيهات خامرني خمر العيون كما تخامر الخمر عقل الشارب الثمل
هل الظباء التي يجلسن في سمرٍ مثل الظباء التي يكنسن في الكلل
إن العيون نفثن السحر في عقدي سحرًا يوهن كيد الفاتك البطل
في البيض والسود لي يا عاذلي شغل بيض الوجوه وسود الأعين النجل
ولائم لامني فيها فقلت له: أقصر من اللوم يا هذا ولا تطل!
هبك الرشيد وهبني قد غوبت إذًا فاسلك إني سالكٌ سبلي
وقوله:
بلا مريةٍ، إن العذول لمسرف غداة اغتدى في مجهل اللوم يعسف
أطال صحيحًا من ملامة مدنفٍ وشتان في أمرٍ صحيحٌ ومدنف
أينكر كوني عاشقًا ذا صبابةٍ وعيشي فينانٌ وإلفي مسعف؟
ولي في قلوب الغانيات مودةٌ تحل محل السر أو هي ألطف
أأصبر عن غزلان صبرة إنني لأوهي قوى مما يسوم وأضعف
مدى الدهر لا أشكو وفي الأرض منزلٌ به قهوةٌ بكر ٌ وساقٍ مهفهف
فيا طيبها من كفه إذ يديرها ويدني ثناياه إلي فأرشف
رضابٌ أبن لي
ما بردت ببرده
غليلي أم ماءٌ زلالٌ وقرقف
[ ٣٠ ]
ووجهك أم صبحٌ وفرعك أم دجى ولحظك أم عضب الغرارين مرهف
فيا زهرة الدنيا التي ليس تجتنى من الصون إلا بالعيون وتقطف
تقاسمك الضدان: شطرٌ مثقلٌ يحمل أعباءً، وشطرٌ مخفف
سقى ورعى الله الليالي التي خلت فكم ضمني فيها وضمك مطرف
ولهفي عليها أو أموت بحسرةٍ وإن كان لا يجدي علي التلهف
أقلبي الذي راع العذول اضطرابه فأقصر عني، أم جناحٌ، يرفرف
ضلالٌ رجاء العاذلين إنابتي وإن قيدوني جاهلين وعنفوا
وماذا عليهم أن أجود بتالدي وأفني طريفي قبل يومي وأتلف
لهم ما أقتنوا فليحرصوا في ادخاره ولي كنزٌ شعرٍ لا يبيد ويوسف
هو الجبل الراسي الذي ليس ينتهي وبحر الندى الطامي الذي ليس ينزف