كان من أهل القرآن والتفسير والورع والتعفف. له في النحو فهم صاف، وفي اللغة قسم واف، ابتلي بحب فتى من أبناء قواد صقلية، فهام به، وسلب لبه، وفقد أربه، ولم يزل جسمه ينحل ويضنى، ويذبل ويفنى، وعيل في حبه صبره، إلى أن نفث الدم صدره. وكان يصنع فيه الشعر طول أيامه، ومدة غرامه، إلى أن فارق دنياه، وصار إلى أخراه، من دون ذنب في حبه ارتكبه، ولا عيب في نفسه اكتسبه، أعاضه الله الجنة من شبابه، وغفر له يوم حسابه.
فمن شعره فيه قوله من قصيدة أولها:
هذا خيالك في الجفون يلوح لو كان في الجسم المعذب روح
يا سالمًا مما أقاسي في الهوى هل يشتفي من قلبي التبريح
غادرتني غرض الردى وتركتني لا عضو لي إلا وفيه جروح
لله ما صنعت لواحظ جفنه لو بلغت نفسي الردى فتريح
ويقول فيها:
لو عاينت عيناك قذفي من فمي كبدي ودمعي مع دمي مسفوح
لرأيت مقتولًا ولم تر مقتلًا ولخلت أني من فمي مذبوح
يا ويح أهلي قد جرحت وما دروا أني بأسياف الجفون جريح
قل للذي منه علقت منيتي أأباح قتلي يا ظلوم مبيح
كبدي على صدري جرت فإلى متى أغدو أعذب في الهوى وأروح!
ومن ذلك قوله:
حسبوا دموعي إذ رأوها من دمي عن علةٍ حدثت لفرط بكاء
تالله ما هي غير أن بليتي من مقلتي أفضت إلى أحشائي
فتقطعت كبدي وغيضت أدمعي فجرى إلى عيني فيض دمائي