منزلته في الشعر رفيعة، وطريقته فيه بديعة، وله نثر كالوشيع، أو زهر الربيع.
فمن شعره قوله يمدح القائد علي بن نعمة:
يا عذبة الريق عودي بعض مرضاك وعلليه برشفٍ من ثناياك
وسائليه متى عهد المنام به فقد نفى النوم عن عينيه عيناك
قد حاربته الليالي فيك جاهدةً فصار من حيث ما يرجوك يخشاك
ما كان أغناه عن تنبيه فاتكةٍ به وعن قتله ما كان أغناك
أستودع الله قلبا في الهوى عبثت به على غرةٍ أيدي مناياك
بشراك يا نفس بالسلوان بشراك وإن تبدلت معنى غير معناك
الآن أصبحت بالسلوان آمنة من بعد خوف غرامٍ كان يغشاك
وكنت من قبل ذا في الحب ذائبة ترعين عهد امرئٍ ما كان يرعاك
إذا جنى أو تجنى ظلت طالبةً عذرًا كأن جناياه جناياك
أقسمت بالله جل الله من قسمٍ لقد تخلصت من هولٍ وأدراك
فلا أقول مدى الدنيا لغانيةٍ فكي أسيرك إني بعض أسراك
إياك من مثلها يا نفس ثانيةً تجني علي بها إياك إياك
لئن وجدتك بعد اليوم عاشقةً لأنزعنك من صدري وحاشاك
لا تنزلي غير "دار العز" منزلةً فما أقل مع الأيام بقياك
وإن نبت بك أرضٌ فاطلبي بدلًا منها ومغنى جديدًا غير مغناك
ها قد وجدت طريق الرشد واضحةً حقًا وما كنت ترجوها بإدراك
فاستغنمي غفلة الأيام قاصدةً مدحًا وإن لم يكن ذا من سجاياك
والقي "عليا" ولا تبغي بمدحته إلا التفضل في تقريب مثواك
يحميك من سطوة الأيام جانبه وأن سخطت لجور الدهر أرضاك
سمت به العزة القمساء في صعدٍ كالشمس ما بين أبراجٍ وأفلاك
وله في زرقة العين:
وعابوا زرقة في العين منه وقالوا الدعج أسلب للعقول
فقلت الزرق أفتكها فعالًا كفاكم ذاك من زرق النصول
وقال:
جزى الله أعدائي بما هو أهله ولا أبعد الرحمن عني الأعاديا
[ ٣٣ ]
فهم فحصوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وله:
أيها المهدي لعيني السهرا كان وجدي بك مقدورا جرى
لم أكن أعلم ما علمته من هواك اليوم إلا خبرا
رب لا حول ولا قوة لي صرت بعد العين أقفو الأثرا
عاذلي، مهلا فما العذر على عاشق مثلي حديث يفترى
أنت لا تأسى فدعني والأسى أشتفي منه وأقضي الوطرا
إن أوفى الناس حبًا كلف ظل فيه بالأسى مشتهرا
فعصى العاذل فيما قد نهى وأطاع الشوق فيما أمرا
وله يصف ضيق يده عن مساعدة صديقه فيما يقوم بأوده:
ولي مال من يغنى به فيكفه ويعجز عن بر الصديق الملاطف
فلا البخل أرضاه ولا الجود أنتهي إليه، لقد أوقفت شر المواقف
وما حيلة الحر المساعف إن سعى ولم يعط حظًا من زمان مساعف
وله في الشيب من قصيدة:
أساء صنيعًا شيبه بشبابه وأوقف خطاب الخطوب ببابه
تجنبه الأحباب من غير زلة سوى ما تبدى من فضول خضابه
وما أن وشى واشٍ به فأجبته ولكن شيب العارضين وشى به
ومن كانت الخمسون منه قريبة تباعد عن نيل المنى باقترابه
بنفسي شباب بان غير مذممٍ ووكل قلبي بالأسى وعذابه
فيا ليت إذ ولى تولى بحرمة وأبرأني من موبقات احتقابه
ولكنه أبقاني الدهر بعده لعفو إلا هي أو لمس عقابه
عدمت الأماني فاجتزيت بدونها ومن عدم الماء اجتزى بترابه
وله في الزهد:
يا رب صفحًا وغفرانًا ومعذرة لمذنب كثرت منه المعاذير
يبكيه إجرامه طورًا ويضحكه رجاؤه فهو محزون ومسرور