هذا من أهم كتب التاريخ يتضمن أحوال رجال القرن الثامن من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام - جمع فيه المؤلف ﵀ تراجم العلماء والمحدثين والفقهاء والمؤرخين والصلحاء والمتقين والشعراء والمصنفين والوزراء والسلاطين وغيرهم من أمراء العشرة والمئين وكتاب الإنشاء والمنشئين، حتى لم يترك أحدا من خدام السلاطين والطواشين أطنب في ذكرهم كثيرا، واختار في جمعهم تطويلا متعبا. ولم ينسج فيه على منوال المؤرخين، وإنما الاطناب والاطالة كادا يحجبان ما للكتاب من العظمة والجلالة لأنه ما استوعب ولا استكمل على حسب القصد والإرادة كما قال صاحب كشف الظنون:
الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة لشهاب الدين أبى الفضل أحمد ابن على بن حجر العسقلانى المتوفى سنة ٨٥٢ مجلد ضخم - أوله الحمد لله الذى يحيى ويميت - الخ. جمع فيه تراجم من كان فى المائة الثامنة من الأعيان مرتبا على حروف الهجاء، ذكر فى آخره أنه فرغ منه فى شهور سنة ٨٣٠ سوى ما ألحقه بعد فراغه إلى ٨٣٧، ولم يكمل الغرض لبقايا التراجم. ثم اختصره جلال الدين السيوطى فى مجلد. ولابن المبرد مختصره - انتهى.
إن المؤلف رحمه الله تعالى أخذ التراجم من تصانيف العلماء الذين كانوا قبله مثل أبى الصفاء والصفدى وأبى حيان وابن فضل الله وقطب الدين الحلبى والذهبى وغيرهم قد ذكر بعضهم فى مقدمته، ثم أضاف أكثر التراجم من عند نفسه بتحقيق أحوالهم كما هو طريق علماء عصره، ثم إنه ترك بياضا
[ ٦ / ٢٧٦ ]
في كثير من المواضع رجاء أن يستكمله بعد تبييض الكتاب، وتلك كانت عادة كثير من علماء زمانه مثل ابن فضل الله في كتاب مسالك الأبصار والصفدى فى الوافى بالوفيات ولكنه لم يستوف مرجوه، وقد أشار إلى الكتب التي ينبغى مراجعتها لالحاق ما فاته. ففى آخر النسخة الرامفورية ما لفظه:
وقال رحمه الله تعالى أيضا مما يحتاج إلى مراجعته ليلحق في أماكنه بعض تاريخ مصر للقطب الحلبى، وبعض معجم الذهبى الكبير وبعض أخبار اليمن للموفق الخزرجى الزبيدى، ومعجم ابن رافع والوفيات له، وبعض ذيل الذيل لأبي الحسين ابن أيبك، وطبقات المالكية لابن فرحون، وبعض ذيل طبقات الشافعية للطبرى، وهو عند ولد المرجانى بمكة المكرمة، وتاريخ غرناطة لابن الخطيب، وبعض البدر السافر للكمال والطالع السعيد له، وبعض تاريخ المقرى، ثم بيض رحمه الله تعالى وبخطه أيضا طالعت عليه طبقات القراء للذهبى فزدت من فوائده جملة.
ثم إن تلامذته زادوا كثيرا من التراجم وقت تبييض الكتاب وأكملوا بعض البياضات خصوصا الإمام الحافظ السخاوى مؤلف الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع، استدرك عليه في حواشيه كثيرا من التراجم المهمة والأحوال الجيدة مما أخذه من كتب التاريخ مثل كتاب التاريخ للجمال ابن تغرى بردى والإحاطة لابن الخطيب والطبقات لابن رجب وغيرها، وصحح بعض الألفاظ التى مسخت بأيدى الناسخين وأشار إلى الأسماء والمقامات المشتبهة، قال الحافظ السخاوى: وبيضت من تصانيفه - أى
[ ٦ / ٢٧٧ ]
تصانيف شيخه ابن حجر - ما لم أسبق إليه ومما كتبته منها جميع ما سميته، وكذا النكت الظراف على الأطراف، وأطراف مسند الإمام أحمد، وزهر الفردوس، وتخريج الكشاف، والدرر الكامنة.
لكن زيادات السخاوي بخطه صعبة القراءة جدا، لم نقدر على صحة قراءتها إلا بامعان النظر فيها، وتركنا ما لم تظهر لنا صحته على حاله مع التنبيه عليه، وكان أصل المؤلف محتويا على أربعة آلاف وخمسمائة ترجمة، ثم استدرك عليه تسعمائة ترجمة.
إن المؤلف رحمه الله تعالى كتب أكثر التواريخ بالرقم الهندى، وكذا فعل السخاوى فى هوامش نسخة - ١ - وهذا سبب الخلاف فى النسخ المنقولة عن نسخة الأصل لاختلاف شكل الأرقام عند العلماء فى ذلك الزمان مثل ما نجد فى بعض المواضع اختلاف الرقم فى خمسين قد قرأه بعض الناسخين خمسة وخمسين وبعضهم خمسين فقط.
إن بعض أصول المؤلف كان صعب القراءة، مثل تاريخ غرناطة لابن الخطيب وقد ذكر فى غير موضع من الدرر الكامنة أن عنده نسخة بخط ابن مرزوق عليها زيادات بخط المؤلف، وأنه شك فى النقل عنها.
كان المؤلف رحمه الله تعالى سريع الكتابة وكأنّه لذلك لم تكن كتابته واضحة يسهل اقتراؤها، ومع ذلك لم يكن يجرى فى كتاباته على نمط واحد وقد أشار إلى ذلك أبو الحسن فى المنهل الصافي (^١).
وكان كثيرا ما يتراجع عما يبيضه أولا فيصبح مبيضه مسودا فتختلف نسخ
_________________
(١) انظر ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٣٦.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
مؤلفاته كما ظهر لك من الاختلاف التى وقعت فى نسخ هذا الكتاب