قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم فألبستني ثياب مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها ثم قالت: اذهب فاكتب الآن. وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
وقال بن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد.
قال مالك: كان لي أخ في سن بن شهاب فألقى أبي يومًا علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى
[ ١ / ٩٨ ]
ابن هرمز سبع سنين وفي رواية ثمان سنين لم أخلطه بغيره وكنت أجعل في كمي تمرًا وأناوله صبيانه وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا: مشغول.
وكان قد اتخذ تبانًا محشوًا للجلوس على باب بن هرمز يتقي به برد حجر هناك وقيل بل برد صحن المسجد وفيه كان يجلس بن هرمز.
قال مالك: إن كان الرجل ليختلف للرجل ثلاثين سنة يتعلم منه فكنا نظن أنه يريد نفسه مع بن هرمز وكان بن هرمز استحلفه أن لا يذكر اسمه في حديث.
وقال: كنت آتى نافعًا نصف النهار وما تظلني الشجرة من الشمس: أتحين خروجه فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه حتى إذا دخل البلاط أقول له: كيف قال بن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني ثم أحبس عنه وكان فيه حدة وكنت آتي بن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.
وقال الزبيري: رأيت مالكًا في حلقة ربيعة وفي أذنه شنف وهذا يدل على ملازمته الطلب من صغره.
[ ١ / ٩٩ ]
وكان يقول كتبت بيدي مائة ألف حديث.
وروي عنه أنه قال: حدثني بن شهاب بأربعين حديثًا ونيف - منها حديث السقيفة فحفظت ثم قلت: أعدها علي فإني أنسيت النيف على الأربعين فأبى فقلت: أما كنت تحب أن يعاد عليك قال بلى فأعاد فإذا هو كما حفظت.
وفي رواية بن شهاب قال له ما استفهمت عالمًا قط ثم استرجع. وقال ساء حفظ الناس لقد كنت آتي سعيد بن المسيب وعروة والقاسم وأبا سلمة وحميدًا وسالمًا وعد جماعة فأدور عليهم أسمع من كل واحد من الخمسين حديثًا إلى المائة ثم أنصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا. وفي رواية أخرى: لقد ذهب حفظ الناس ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيته.
قال بن أبي أويس: سمعت مالكًا يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين وأشار إلى المسجد فما أخذت عنهم شيئًا وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أمينًا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
[ ١ / ١٠٠ ]
قال بن عيينة: ما رأيت أحدًا أجود أخذًا للعلم من مالك وما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء. وقال مالك: رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه ورأيته في الثالثة قاعدًا في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي ﷺ عنده يبكي حتى أرحمه فلما رأيت ذلك كتبت عنه. وقال سفيان بن عيينة: دارت مسألة في مجلس ربيعة فتكلم فيها ربيعة فقال مالك: ما تقول يا أبا عثمان؟ فقال ربيعة: أقول فلا تقول وأقول إذ لا تقول وأقول فلا تفقه ما أقول؟ ومالك ساكت فلم يجب بشيء وانصرف فلما راح إلى الظهر جلس وحده وجلس إليه قوم فلما صلى المغرب اجتمع إلى مالك خمسون أو أكثر فلما كان من الغد اجتمع إليه خلق كثير قال: فجلس للناس وهو بن سبع عشرة سنة وعرفت له الإمامة وبالناس حياة إذ ذاك.
قال بن عبد الحكم: أفتى مالك مع يحيى بن سعيد. قال أيوب وربيعة ونافع
[ ١ / ١٠١ ]
وقال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من حلقة نافع.
وقال مالك بعث إلي الأمير في الحداثة أن أحضر المجلس فتأخرت حتى راح ربيعة فأعلمته وقلت: لم أحضر حتى أستشيرك؟ فقال لي ربيعة: نعم قيل له: فلو لم يقل لك: أحضر لم تحضر؟ قال: لم أحضر ثم قال يا أبا محمد إنه لا خير فيمن يرى نفسه بحالة لا يراه الناس لها أهلًا.
قال مالك: وليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد فإن رأوه أهلًا لذلك جلس وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك.
وسأله رجل عن مسألة فبادره بن القاسم فأفتاه فأقبل عليه مالك كالمغضب وقال له: جسرت على أن تفتي يا أبا عبد الرحمن؟ يكررها عليه ما أفتيت حتى سألت أنا هل للفتيا موضع. فلما سكن غضبه قيل له: من سألت قال: الزهري وربيعة الرأي.
قال بن القاسم: قال مالك: كنا نجلس إلى ربيعة أربعين معتمًا سوى من لا يعتم ما ندري منهم إلا أربعة.
[ ١ / ١٠٢ ]
أما أحدهم فغلبت عليه الملوك يعني بن الماجشون وفي رواية: شغل بالأغاليط أو نحو هذا. وأما الآخر فمات يعني كثير بن فرقد. وأما الثالث فغرب نفسه يعني عبد الرحمن بن عطاء. وسكت عن الرابع فعلمنا أنه يعني نفسه.
[ ١ / ١٠٣ ]
فصل