وتحريمه في العلم والفتيا والحديث.
قال الواقدي وغيره: كان مجلسه مجلس وقار وحلم وكان رجلًا مهيبًا نبيلًا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت إذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له: من أين رأيت هذا؟.
وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفئة بعد الفئة وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه. وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة فليس أحد ممن حضر يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه هيبة له وإجلالًا. وكان حبيب إذا أخطأ فتح عليه مالك رحمه الله تعالى وكان ذلك قليلًا ولم يكن يقرأ كتبه على أحد.
وكان كالسلطان: له حاجب يأذن عليه فإذا اجتمع الناس ببابه أمر آذنه
[ ١ / ١٠٨ ]
فدعاهم فحضر أولًا أصحابه فإذا فرغ من يحضر أذن للعامة. وهذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك أنهم كانوا يقرءون عليه إلا يحيى بن بكير ذكر أنه سمع الموطأ من مالك أربع عشرة مرة وزعم أن أكثرها بقراءة مالك وبعضها بالقراءة عليه. وعوتب مالك في تقديمه أصحابه فقال: أصحابي جيران رسول الله ﷺ. قال بن حبيب: وكان إذا جلس جلسة لم يتحول عنها حتى يقوم.
وقال مطرف: كان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل: خرج إليهم وأفتاهم وإن قالوا الحديث قال لهم: اجلسوا ودخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا وتعمم ووضع على رأسه طويلة وتلقى له المنصة فيخرج إليهم وعليه الخشوع ويوضع عود فلا يزال يتبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ.
وكان لا يوسع لأحد في حلقته ولا يرفعه يدعه يجلس حيث انتهى به المجلس يقول إذا جلس للحديث: ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى.
[ ١ / ١٠٩ ]
باب