فصل
في محنته
﵁
قال الطبري: اختلف فيمن ضرب مالكًا وفي السبب في ضربه وفي خلافة من ضرب؟ فالأشهر أن جعفر بن سليمان هو الذي ضربه في ولايته الأولى بالمدينة. وأما سبب ضربه ﵁: فقيل: إن أبا جعفر نهاه عن الحديث: " ليس على مستكره طلاق " ثم دس إليه من يسأله عنه فحدث به على رؤس الناس. وقيل إن الذي نهاه كان جعفر بن سليمان. وقيل إنه سعي به إلى جعفر وقيل له: لا يرى أيمان بيعتكم بشيء فإنه يأخذ بحديث ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز.
وذكر عنه أنه أفتى عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوي المسمى المهدي بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها على الإكراه. على هذا أكثر الرواة.
[ ١ / ١٣٠ ]
وخالف ذلك كله بن بكير وقال: ما ضرب إلا في تقديمه عثمان على علي ﵄ فسعى به الطالبيون حتى ضرب فقيل لابن بكير: خالفت أصحابك؟ فقال أنا أعلم من أصحابي. وأما في خلافة من ضرب فالأشهر أن ذلك كان في أيام أبي جعفر وقيل إن هذا كله كان في أيام الرشيد والأول أصح. واختلف أيضًا في مقدار ضربه من ثلاثين إلى مائة ومدت يداه حتى انحلت كتفاه وبقي بعد ذلك مطابق اليدين لا يستطيع أن يرفعهما ولا أن يسوي رداءه.
قال أبو الوليد الباجي: ولما حج المنصور أقاد مالكًا من جعفر بن سليمان وأرسله إليه ليقتص منه فقال: أعوذ بالله؟ والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا وأنا أجعله في حل من ذلك الوقت لقرابته من رسول الله ﷺ.
وقيل إنه لما ضرب حمل مغشيًا عليه فدخل الناس عليه فأفاق وقال: أشهدكم أني قد جعلت ضاربي في حل. وقال الدراوردي: سمعته يقول حين ضربه: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون. قال مصعب: وكان ضربه سنة ست وأربعين ومائة.
وقال مالك ﵀: ما كان علي يوم ضربت أشد من شعر كان
[ ١ / ١٣١ ]
في صدري وكان في إزاري خرق ظهرت منه فخذي فجعلت لله علي أن أستجد الإزار وأن لا أترك علي شعرًا. وكان ﵀ يقول: ضربت فيما ضرب فيه محمد بن المنكدر وربيعة بن المسيب. ويذكر قول عمر بن عبد العزيز ﵁: ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذى.
قال الجياني: ما زال مالك بعد ذلك الضرب في رفعة من الناس وإعظام حتى كأنما كانت تلك الأسواط حليا حلي به رحمه الله تعالى ونفع به آمين.
[ ١ / ١٣٢ ]
باب