قال بن القاسم سمعت مالكًا يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن. وكان يقول ربما وردت علي المسألة فأسهر فيها عامة ليلتي.
وقال بن عبد الحكم: كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل انصرف حتى أنظر فينصرف ويتردد فيها فقلنا له في ذلك فبكي وقال إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم؟.
وقال بن وهب سمعته عندما يكثر عليه بالسؤال يكف ويقول: حسبكم من أكثر أخطأ وكأن يعيب كثرة ذلك وكان يقول: من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب.
وقال: ما شيء أشد علي من أن أسئل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله ولقد أدركنا أهل العلم ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن المسألة كأن الموت أشرف عليه. وقال موسى بن داود: ما رأيت أحدًا من العلماء أكثر أن يقول: لا أحسن من مالك.
[ ١ / ١١١ ]
وقال الهيثم بن جميل: شهدت مالكًا سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها لا أدري. وكان يقول ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري.
وسئل رحمه الله تعالى عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى فيها واحد فقال: أما ما كان من لفظ النبي ﷺ فلا ينبغي للمرء أن يقول إلا كما جاء وأما لفظ غيره فإذا كان المعنى واحدًا فلا بأس.
قيل له: فحديث رسول الله ﷺ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفًا. ولما مات مالك رحمه الله تعالى خرجت كتبه فأصيب فيها فناديق عن بن عمر رضى الله تعالى عنهما ليس في الموطأ منه شيء إلا حديثين.
قال بن وهب: قال مالك: سمعت من بن شهاب أحاديث كثيرة ما حدث بها قط ولا أحدث بها
[ ١ / ١١٢ ]
وقال ابنه: لما دفنا مالكًا دخلنا منزله فأخرجنا كتبه فإذا فيها سبع فناديق من حديث بن شهاب ظهورها وبطونها ملأى وعنده فناديق أو صناديق من حديث أهل المدينة فجعل الناس يقرءون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرتنا بشيء مما قرأناه.
وقال الشافعي: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله وقال أشهب: رآني مالك أكتب جوابه في مسألة فقال: لا تكتبها فإني لا أدري أثبت عليها أم لا. وقال أيضًا: رأيت في النوم قائلًا يقول لي: لقد لزم مالك كلمة عند فتواه لو وردت عليه الجبال لقلعها وذلك قوله ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وقال بن أبي أويس: ما كان يتهيأ لأحد بالمدينة أن يقول: قال رسول الله ﷺ إلا حبسه مالك في الحبس فإذا سئل فيه قال: يصحح ما قال ثم يخرج. ولقد كان بن كنانة وابن أبي حازم والدراوردي وغيرهم
[ ١ / ١١٣ ]
سمعوا مع مالك من مشايخ وتركوا الحديث عنهم هيبة له حتى مات ففشا ذلك فيهم.
وقال بن حنبل: كان مالك مهيبًا في مجلسه لا يرد عليه إعظامًا وكان الثوري في مجلسه فلما رأى إجلال الناس له وإجلاله للعلم أنشد:
يأبى الجواب فما يراجع هيبة فالسائلون نواكسوا الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان
قال بشر الحافي: إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل: حدثنا مالك. وقال القعنبي: ما أحسب بلغ مالك ما بلغ إلا بسريرة كانت بينه وبين الله تعالى رأيته يقام بين يديه الرجل كما يقام بين يدي الأمير.