روى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور قال لمالك: ضع للناس كتابًا أحملهم عليه فكلمه مالك في ذلك فقال: ضعه فما أحد اليوم أعلم منك فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر. وفي رواية أن المنصور قال له: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودون كتابًا وجنب فيه شدائد عبد الله بن عمر ﵄ ورخص عبد الله بن عباس ﵄ وشواذ بن مسعود ﵁ واقصد أواسط الأمور وما أجمع عليه الصحابة والأئمة.
وفي رواية أنه قال له: اجعل هذا العلم علمًا واحدًا. فقال له: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رأى فلأهل المدينة قول ولأهل العراق قول تعدوا فيه طورهم. فقال: أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفًا ولا عدلًا وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم.
[ ١ / ١١٨ ]
وفي رواية عن مالك: فقلت له أن أهل العراق لا يرضون علمنا؟ فقال أبو جعفر: نضرب عليه عامتهم بالسيف ونقطع عليه ظهورهم بالسياط. وروي أن المهدي قال له: ضع كتابًا أحمل الأمة عليه فقال له مالك: أما هذا الصقع فقد كفيتكه يعني المغرب. وأما الشام ففيه الأوزاعي. وأما أهل العراق ففيهم أهل العراق.
قال عتيق الزبيري: وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقي هذا ولو بقي قليلًا لأسقطه كله.
وقال بن أبي أويس: قيل لمالك: قولك في الكتاب: الأمر المجتمع عليه والأمر عندنا أو ببلدنا وأدركت أهل العلم سمعت بعض أهل العلم؟.
فقال: أما أكثر ما في الكتاب برأيي فلعمري ما هو برأيي ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم وهم الذين كانوا يتقون الله تعالى فكثر علي فقلت: رأيي وذلك رأيي إذ كان رأيهم رأي الصحابة الذين أدركوهم عليه وأدركتهم أنا على ذلك فهذا وراثة توارثوها قرنًا عن قرن إلى زماننا.
[ ١ / ١١٩ ]
وما كان أرى فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة. وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه. وما قلت الأمر عندنا فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه الجاهل والعالم. وكذلك ما قلت فيه ببلدنا وما قلت فيه بعض أهل العلم فهو شيء استحسنته من قول العلماء.
وأما ما لم أسمع منهم فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريبًا منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم وإن لم أسمع ذاك بعينه فنسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع الستة وما مضى عليه عمل أهل العلم المقتدى بهم والأمر المعمول به عندنا منذ لدن رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين مع من لقيت. فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره.
وقال صفوان بن عمر: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يومًا فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يومًا قل ما تفقهون فيه.
قال غيره: أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون: عمله كلامًا بغير
[ ١ / ١٢٠ ]
حديث فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار ثم شددت بالكلام.
ثم عزم على تصنيف الموطأ فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟ فقال: ايتوني به فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى. قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وضع مالك الموطأ وجعل أحاديث زيد في آخر الأبواب فقلت له في ذلك فقال: إنها كالشرح لما قبلها.
وقال أبو زرعة: لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي في الموطأ أنها صحاح كلها لم يحنث ولو حلف على حديث غيره كان حانثًا.
ومما قيل في الموطأ من الشعر فمن ذلك قول سعدون الوارجيني رحمه الله تعالى ورضي الله عنه:
أقول لمن يروي الحديث ويكتب ويسلك سبيل الفقه فيه ويطلب
[ ١ / ١٢١ ]
إذا أحببت أن تدعى لدى الخلق عالمًا فلا تعد ما تحوي من العلم يثرب
أتترك دارًا كان بين بيوتها يروح ويغدو جبرائيل المقرب
ومات رسول الله فيها وبعده بسنته أصحابه قد تأدبوا
وفرق شمل العلم في تابعيهمو فكل امرئ منهم له فيه مذهب
فخلصه بالسبك للناس مالك ومنه صحيح في المجس وأجرب
فبادر موطأ مالك قبل موته فما بعده إن فات للحق مطلب
ودع للموطأ كل علم تريده فإن الموطأ الشمس والغير كوكب
ومن لم يكن كتب الموطأ ببيته فذاك من التوفيق بيت مخيب
جزى الله عنا في موطاه مالكًا بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب
لقد فاق أهل العلم حيًا وميتًا فصارت به الأمثال في الناس تضرب
فلا زال يسقي قبره كل عارض بمندفق ظلت عزاليه تسكب
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
[ ١ / ١٢٢ ]
إذا ذكرت كتب العلوم فحيهل بكتب الموطأ من تصانيف مالك
أصح أحاديثًا وأثبت حجة وأوضحها في الفقه نهجًا لسالك
عليه مضى الإجماع في كل أمة على رغم خيشوم الحسود المماحك
فعنه فخذ علم الديانة خالصًا ومنه استفد شرع النبي المبارك
وشد به كف الضنانة تهتدي فمن حاد عنه هالك في الهوالك
[ ١ / ١٢٣ ]