مقدمة التحقيق
بين ابن بسام في مقدمة كتاب الذخيرة أنه قد جعله أربعة أقسام، على النحو الآتي:
١ - القسم الأول: لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس.
٢ - القسم الثاني: لأهل الجانب الغربي من الأندلس وذكر أهل حضرة إشبيلية وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط.
٣ - القسم الثالث: لأهل الجانب الشرقي من الأندلس.
٤ - القسم الرابع: لمن طرأ على جزيرة الأندلس من شعراء وكتاب، ولبعض مشهوري المعاصرين ممن نجم بإفريقية والشام والعراق.
وبين سنتي ١٩٣٩ ١٩٤٢ ظهر القسم الأول من الكتاب، في مجلدين، بعناية لجنة من المحققين ولجنة من المشرفين على التحقيق؛ وفي سنة ١٩٤٥ ظهرت قطعة من القسم الرابع. ثم توقفت اللجنة المضطلعة بتحقيق الكتاب عن متابعة عملها فيما يبدو لظروف وأسباب مختلفة، وكان في ذلك التوقف، خسارة كبيرة لدارسي الأدب الأندلسي وطلابه، لأن الذخيرة أولًا من أهم مصادر ذلك الأدب، ولأنه ليس من السهل ثانيًا على كل دارس أن يحصل على أصولها الخطية، ثم لأن تلك الأصول ثالثًا ليست ميسرة للقراءة على نحو مباشر طيع.
[ ١ / ١ ]
لهذا وجدت أن تحقيق الذخيرة على صعوبته أمر ضروري، وأخص منها القسمين الثاني والثالث، وما تبقى من القسم الرابع؛ فهذا هو القدر الذي لم يظهر من الكتاب مطبوعًا حتى اليوم؛ وقد بدأت التحقيق بحسب وفرة الأصول الخطية لكل قسم، وكان القسم الثالث أوفرها حظًا، ويليه في ذلك القسم الثاني، ولهذا عملت في تحقيقهما بهذا الترتيب، مرجئًا النظر في القسم الأول، لأنه قد طبع وتداولته الأيدي منذ زمن؛ ولكن رغبة الدارسين في أن يروا جميع أجزاء الذخيرة محققة بكاملها متناسقة في اكتمالها متجانسة في سماتها العامة المشتركة ألزمتني بإعادة النظر في هذا القسم الأول؛ وهكذا كان.
وأبادر لأقرر مخلصًا أن أعضاء اللجنتين اللتين تولتا هذا العم تحقيقًا وإشرافًا قد بذلوا في إخراجه من العناية ما يستحق كل تقدير؛ أقول هذا وأنا قد اطلعت على أصول الذخيرة ووقفت على مدى ما فيها من صعوبة ناشئة عن حال النسخ نفسها، وعما فيها من كثرة الخلافات في القراءة؛ ومن التفاوت الشديد بين ما تثبته نسخة وما تثبته أخرى، ومن تعرض بعض تلك النسخ لتدخل أيد وأقلام أخرى في سياقها غير يد المؤلف وقلمه. فإذا أضيف إلى ذلك أنني على ما بذلت من محاولات ودراسات لم أستطع أن أزيد على الأصول التي اعتمدتها اللجنة السابقة في تحقيق هذا القسم الأول، وجد القارئ أن النص لم يبتعد كثيرًا عما جاء عليه في الطبعة السابقة، وإن كنت أقدر أن تفاوت النسخ، سيكون مدعاة في المستقبل إذا تم كشف شيء منها مجالًا لزيادات مفيدة ولقراءات جديدة.
ومهما يكن من شيء، فإن عدم توفر أصول جديدة لم يوقف بذل الجهد في اتجاهات أخرى، وأرجو ألا يؤخذ قولي مأخذ الدعوى حين أقول أنني قد منحت هذه الطبعة مميزات كثيرة: فقد صححت عددًا غير قليل من أخطاء القراءة، وعرفت بالأعلام والأماكن حيث كان ذلك ضروريًا، وشرحت لألفاظ التي تتطلب شرحًا وخاصة بعض المصطلحات الأندلسية مثل حنبل
[ ١ / ٢ ]
وطولق وقلبق وما أشبه ذلك من ألفاظ غير مألوفة أو معرفة لدى المشارقة، إذ قد يستغرق البحث عن معانيها وقتًا طويلًا لا يتيسر لكل قارئ، كما وفقت إلى تخريج كثير من الشواهد الشعرية التي أدرجها المؤلف في الكتاب، واتبعت نهجًا مختلفًا في تمييز الأصيل من الدخيل في نص الكتاب، وراجعت النص على المصادر التي استمدت من الذخيرة، وعلى سائر المصادر الأندلسية التي طبعت بعد صدور ما طبع منها.
أما النسخ التي اعتمدتها فهي أيضًا تنقسم في فئتين مثلما كانت الحال في أصول القسم الثالث، وتضم الفئة الأولى:
١ - نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ١٣٢٤ (ورمزها: ط)، وعدد أوراقها ١٦٧ ورقة، في كل صفحة منها ٢٩ سطرًان ومسطرتها ٢٣.٥ × ١٦؛ وهي مكتوبة بخط مغربي جميل واضح، ولكنها لا تحمل تاريخًا للنسخ، وهي قريبة الشبه بالنسخة (ط) التي وصفتها في مقدمة القسم الثالث، وإن لم يكن الخط فيهما واحدًا بالضرورة؛ وهذا الشبه بين النسختين قد يحمل على القول بأن (ط) تنتمي إلى القرن الحادي عشر، وأقدم التملكات المؤرخة المكتوبة على الورقة الأولى منها تحمل تاريخ أوائل شعبان ١٠١٩ حين دخلت في ملك محمد ابن أحمد بن محمد الشريف الحسني، ثم باعها هذا المالك إلى سيدي محمد بن عبد الملك بن عبد الله في رمضان المعظم سنة ١٠٢١.
٢ - نسخة دار الكتب الملكية بالقاهرة وعدد أوراقها ١٩٧ ورقة، وفي الصفحة الواحدة ٢٥ سطرًا، ومسطرتها ٢٥ × ١٣ وقد تم نسخها سنة ١٢٢٩.
وهاتان المخطوطتان متشابهتان في حالتي الزيادة والنقص في النص مما يرجح أنهما مأخوذتان عن أصلين متقاربين، وإذا تميزت نسخة دار الكتب القاهرية في بعض القراءات عن (ط) فهذا التميز لا قيمة له في الغالب، وقد تلتقي هذه النسخة مع نسخ الفئة الثانية الآتي وصفها في بعض القراءات، وفي هذا أيضًا ما يجعل قيمتها ثانوية، لأنها لا تتمتع بالزيادات التي تتمنع
[ ١ / ٣ ]
بها نسخ الفئة الثانية إلا في موطن واحد، حيث يفترق عن (ط) على نحو لافت للانتباه وذلك في إيراد أبيات زائدة عما هي في (ط) في ترجمة ابن زيدون، واشتراكها مع نسخ الفئة الثانية في إيراد نص دخيل على الذخيرة هو رسالة ابن زيدون لأبي بكر بن مسلم، بل إنها في هذه الرسالة تنفرد عن نسخ الفئة الأخرى ببعض عبارات أدرجتها بين حاصرتين من هذا النوع مشيرًا في الحاشية إلى مصدر الزيادة؛ ولقلة الاعتماد على هذه النسخة لم أضع لها رمزًا خاصًا.
وأما الفئة الثانية فإنها تضم النسخ الآتية:
١ - نسخة باريس رقم: ٣٣٢١ (ورمزها: س) وتقع في ١٢٥ ورقة، عدد سطور كل صفحة ٢٣ سطرًا، ومسطرتها ٢٢ × ١٣ وهي مكتوبة بخط مغربي، وفيها أخطاء وأوهام كثيرة، وليس هناك ما يدل على تاريخ نسخها.
٢ - نسخة المكتبة التيمورية ورمزها (م)، وتتألف من ٢٢٥ ورقة، في كل صفحة ٢٦ سطرًا، ومسطرتها ٢٠ × ١٣ دون تاريخ أيضًا، وخطها مغربي.
٣ - نسخة خاصة كانت في ملك الأستاذ ليفي بروفنسال (ورمزها: ب)، عدد ورقاتها ١٠٤، وعد الأسطر في كل صفحة ٣٣، ومسطرتها ٢٤ × ١٧، وخطها مغربي مزود ببعض الشكل، إلا أن الخروم فيها كثيرة.
وتعد هذه النسخ الثلاث متقاربة لأنها قد تميزت عن الفئة الأولى بزيادات كثيرةن وتجيء هذه الزيادات في ثلاثة أنواع: أولها ورود النصوص المنقولة عن ابن حيان فيها على نحو تفصيلي لا يتوفر في الفئة الأولى من النسخ حيث يرد النص موجزًا بشكل واضح؛ وثانيها: ورود رسائل وأشعار لا يستبعد أن يكون ابن بسام هو الذي زادها؛ وثالثها: كثرة الدخيل فيها مما قام بإضافته شخص (أو أشخاص) بعد عهد المؤلف، وكان أحد الذين زادوا بعض النصوص مطالعًا على مسودات ابن بسام.
[ ١ / ٤ ]
وقد كان منهجي في التحقيق قبول أوسع الصور في النسخ وأكثرها تفصيلًا، ولهذا اعتبرت أن كل نص تنفرد به النسخ (ب س م) فإنه لا يميز بإشارة لأن ذلك يعني إثقال الحواشي في كل صفحة بفروق لا تكاد تحصر، فأما إذا كان النص من زيادات (ط) فإنه يوضع بين معقفين على هذه الصورة [] . والعيب في هذه الطريقة أن القارئ لن يتصور مدى ما ينقص النسخة (ط) أو مدى ما تتمتع به النسخ (ب س م) من زيادات ولكن هذا عيب شكلي خالص، إذ أن إقامة نص سليم هو الهدف الأهم والأكثر جدوى. فأما ما أقطع يقينًا بأنه من الدخيل على نص الذخيرة فأني أبقيه في موضعه مميزًا له باختيار حرف طباعي أصغر حجمًا من حرف النص الأصلي؛ ولاختياري هذا المنهج وجدت من الضروري أن أرد الرسائل التي أضيفت إلى ترجمة كل من ابن برد والبزلياني إلى مواضعها بعد أن كانت لجنة التحقيق التي قامت بإصدار هذا القسم من قبل قد انتزعتها من موضعها وجعلتها ملحقًا بآخر الكتاب، وقد كان عمل اللجنة في هذه الناحية غير قائم على منهج موحد، فهناك مثلًا زيادات دخيلة في ترجمة ابن زيدون تركت في موضعها، ولم تفرد في ملحق خاص.
وقد أهملت لدى مقارنة النسخ قراءات واضحة الخطأ، إذ لا ضرورة لإثقال الحواشي بها؛ وأثبت في المتن أصح القراءات في نظري ووضعت ما يعد في الدرجة الثانية من حيث الصحة أو من حيث احتمال الصحة في الحاشية، وهذا أمر ذاتي اجتهادي لا يمكن تعليله في كل مرة. وكل ما زدته في المتن اجتهادًا من عند نفسي أو اعتمادًا على المصادر فقد وضعته بين حاصرتين على هذا الشكل دون أن أشير إلى ذلك في كل مرة، وذلك تمييزًا لهذا النوع من الزيادات عن الزيادات المستمدة من النسخة القاهرية، فإنها مشفوعة دائمًا بالإشارة إلى مصدرها.
وبما أن الذخيرة عمل ضخم قد يستغرق سنوات فقد وجدت من الخير
[ ١ / ٥ ]
الإسراع بعمل فهرست خاص بكل قسم، (وكل قسم يقع في جزءين متسلسلي الترقيم) بدلًا من إرجاء الفهرسة حتى يتم ظهور الأجزاء جميعًا. على أني أرجو أن أخصص جزءًا تاسعًا للاستدراكات العامة والتعليقات وبعض الفهارس الفنية التي تيسر الإفادة من هذا الكتاب القيم؛ كذلك أرجو أن يكون هذا الجزء الأخير مجالًا لدراسة مؤلف الكتاب، ومنزلته الأدبية، وقيمة كتابه من النواحي التاريخية والأدبية والنقدية، وهي دراسة لا يمكن أن تتم على الصورة الشاملة المرضية قبل اكتمال أجزاء الكتاب تحقيقًا ونشرًا.
وأود في ختام المقدمة أن أتقدم بالشكر إلى الدار العربية للكتاب، التي أخذت على عاتقها بذل كل جهد ممكن لوضع " الذخيرة " في متناول الدارسين والقراء، خدمة منها للتراث العربي بعامة وللتراث المغربي بخاصة، وأن على يقين من أن الدراسات في الأدب الأندلسي ستجد في الذخيرة مجالًا خصبًا لا يدانيه في غناه واتساعه أي مصدر آخر، وأن وجود الذخيرة في أيدي الدارسين محققةً، لن يجعل الإفادة منها أمرًا جزئيًا محدودًا تحول دون اتساع مداه صعوبة النسخ الخطية؛ ولهذا أكاد أسكت صوت الاعتذار عما قد يكون تسرب إلى هذه الطبعة من خطأ أو وهم، بعد أن استفرغت جهد الطاقة. ومن الله أستمد العون، وإليه أبرأ من الزهو والدعوى، وعليه أتوكل وبه أستعين.
بيروت في آب (أغسطس) ١٩٧٥.
إحسان عباس
[ ١ / ٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو الحسن علي بن بشام الشنتريني الأندلسي، ﵀:
أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله، فإن ثمرة هذا الأدب، العالي الرتب، رسالة تنثر وترسل، وأبيات تنظم وتفصل؛ تنثال تلك انثيال القطار، على صفحات الأزهار، وتتصل هذه اتصال القلائد، على نحور الخرائد؛ وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين، وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيب مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر؛ لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعب الدجى بجفون المؤرق، وحدوا بفنون السحر المنمق، حداء الأعشى ببنات المحلق؛ فصبوا على قوالب النجوم، غرائب المنثور والمنظوم؛ وباهوا غرر الضحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل: نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاه حكمه؛ ونظم لو سمعه
[ ١ / ١١ ]
كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى ولا نيح؛ إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع إلى قتادة؛ حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أوطن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابًا محكمًا؛ وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، مرمى القصية، ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد. فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادًا مضمحلة؛ مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه؛ وقديمًا ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله؛ وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، وخص أهل المشرق بالإحسان -
وقد كتبت لأرباب هذا الشأن، من أهل الوقت والزمان، محاسن تبهر الألباب، وتسحر الشعراء والكتاب. ولم أعرض لشيء من أشعار
[ ١ / ١٢ ]
الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية؛ إذ كان ابن فرج الجياني قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي من الأنفة؛ فأملى في محاسن أهل زمانه " كتاب الحدائق " معارضًا ل - " كتاب الزهرة " للإصبهاني، فأضربت أنا عما ألف، ولم أعرض لشيء مما صنف. ولا تعديت أهل عصري، ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري؛ إذ كل مردد ثقيل، وكل متكرر مملول، وقد مجت الأسماع: " يا درا مية بالعلياء فالسند "، وملت الطباع: " لخولة أطلال ببرقة ثهمد "؛ ومحت: " قفا نبك " في يد المتعلمين، ورجعت على ابن حجر بلائمة المتكلفين؛ فأما " أمن أم أوفى "، فعلى آثار من ذهب العفا. أما آن أن يصم صداها، ويسأنم مداها - وكم من نكتة أغفلتها الخطباء، ورب متردم غادرته الشعراء، والإحسان غير محصور، وليس الفضل
[ ١ / ١٣ ]
على زمن بمقصور؛ وعزيز على الفضل أن ينكر، تقدم به الزمان أو تأخر، ولحى الله قولهم: الفضل للمتقدم، فكم دفن من إحسان، وأخمل من فلان. ولو اقتصر المتأخرون على كتب المتقدمين، لضاع علم كثير، وذهب أدب غزير.
وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته ب - " كتاب الذخيرة، في محاسن أهل هذه الجزيرة " من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم، ما هو أحلى من مناجاة الأحبة، بين التمنع والرقبة، وأشهى من معاطاة العقار، على نغمات المثالث والأزيار؛ لأن أهل هذه الجزيرة - مذ كانوا - رؤساء خطابة، ورؤوس شعر وكتابة، تدفقوا فأنسوا البحور، وأشرقوا فباروا الشموس والبدور؛ وذهب كلامهم بين رقة الهواء، وجزالة الصخرة الصماء، كما قال صاحبهم عبد الجليل ابن وهبون يصف شعره:
رقيق كما غنت حمامة أيكة وجزل كما شق الهواء عقاب على كونهم بهذا الإقليم، ومصاقبهم لطوائف الروم؛ وعلى أن بلادهم آخر الفتوح الإسلامية، وأقصى خطى المآثر العربية؛ ليس وراءهم وأمامهم إلا البحر المحيط، والروم والقوط؛ فحصاة من هذه حاله ثبير، وثمده بحر مسجور؛ وقد حكى أبو علي البغدادي الوافد على الأندلس في زمان بني مروان قال: لما وصلت القيروان وأنا أعتبر من
[ ١ / ١٤ ]
أمر به من أهل الأمصار، فأجدهم درجات في الغباوة وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، حتى كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسة. قال أبو علي: فقلت: إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم، بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان، بهذه الأوطان.
قال ابن بسام: فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول لهم: إن علمي علم رواية، وليس بعلم دراية، فخذوا عني ما نقلت، فلم آل لكم أن صححت. هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات، والأخذ عن الثقات؛ ولولا أن كل معنى معترض، يزيح سهمي عن ثغرة الغرض، المقصود في هذا الكتاب، لأوردت في هذا الباب، بعض ما وقع لأهل الأندلس من عجب، وسمع لهم من نادر مستغرب. وسيمر منه في تضاعيف هذا التصنيف ما فيه كفاية، ويربي إن شاء الله على الغاية. ولعل بعض من يتصحفه سيقول: إني أغفلت كثيرًا، وذكرت خاملًا وتركت مشهورًا. وعلى رسله، فإنما جمعته بين صعبٍ قد ذل، وغرب قد فل، ونشاط قد قل، وشباب ودع فاستقل؛ من تفاريق كالقرون الخالية، وتعاليق كالأطلال البالية، بخط جهال كخطوط الراح، أو مدارج النمل بين مهاب الرياح؛ ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف؛ أيأس الناس منها طالبها، وأشدهم استرابة بها كاتبها؛ ففتحت أنا
[ ١ / ١٥ ]
أقفالها، وفضضت قيودها وأغلالها؛ فأضحت غايات تبيين وبيان، ووضحت آيات حسنٍ وإحسان.
على أن عامة من ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخبارًا موضوعة، ولا أشعارًا مجموعة، تفسح لي في طريق الاختيار منها، إنما انتقدت ما وجدت، وخالست في ذلك الخمول، ومارست هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل، حتى ضمنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق، ما لعلي سأربي به على أهل الشرق. وما قصدت به - علم الله - الطعن على فاضل، ولا التعصب لقائل على قائل؛ لأن من طلب عيبًا وجده، وكل يعمل باقتداره، وبجهد اختياره؛ وما أغفل أكثر مما كتب وحصل؛ والأفكار مزن لا تنضب، ونجوم لا تغرب؛ ومن يحصل ما تثيره القرائح، وتتقاذف به الجوانح - وقد قال أبو تمام:
ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب وهذا الديوان إنما هو لسان منظوم ومنثور، لا ميدان بيان وتفسير. أورد الأخبار والأشعار لا أفك معماها، في شيء من لفظها ولا معناها؛ لكن ربما ألممت ببعض القول، بين ذكر أجريه، ووجه عذر أريه؛ لا سيما أنواع البديع ذي المحاسن، الذي هو قيم الأشعار وقوامها
[ ١ / ١٦ ]
وبه يعرف تفاضلها وتباينها؛ فلا بد أن نشير إليه، وننبه عليه؛ ونكل الأمر في كل ما نثبته، ونرد الحكم في كل ما نورده، إلى نقد النقدة المعرة، وتمييز الكتبة الشعرة، الذين هم رؤساء الكلام، وصيارفة النثار والنظام؛ فأما من رين على قلبه، وطبع بالجهل على لبه، فقد وضعت عنا وعنه، كلفة الاعتذار منه. وقد كان في وقتي من فرسان هذا الشان، من كان أجدر أن يجري بهذا الميدان، ويعرب عما أعربت فيه عن القوم بأفصح لسان، يثير فيه المعاني من مرابضها، وأشد عارضة يظهر بها الأعراض المقصودة في اجمل معارضها؛ لكني بما أقدمت عليه، وتصديت إليه، كالنسيم دل على الصبح، والسهم ناب عن الرمح؛ ولا أقول إني أغربت، لكن ربما بينت وأعربت؛ ولا أدعي أني اخترعت، ولكني لعلي قد أحسنت حيث اتبعت، وأتقنت ما جمعت، وتألفت عنن الشارد، وأغنيت عن الغائب بالشاهد؛ وتغلغلت بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النور والزهر؛ وانتقلت من الجد إلى الهزل، انتقال الضحيان من الشمس إلى الظل، واستراحة البهير من الحزن إلى السهل؛ وتخللت ما ضممته من الرسائل والأشعار، بما اتصلت به أو قيلت فيه من الوقائع والأخبار؛ واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة فشرحت بعض محتها، وجلوت وجوه فتنها، ولخصت القول بين قبيحها وحسنها؛ وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم، على هذا الإقليم، وألمعت الأسباب التي دعت ملوكها
[ ١ / ١٧ ]
إلى خلعهم، واجتثاث أصلهم وفرعهم؛ وعبرت عن أكثر ذلك، بلفظ يتتبع الهم بين الجونح، ويحل العصم سهل الأباطح؛ وعولت في معظم ذلك على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصوله ونقلت جمله وتفاصيله؛ فإذا أعوزني كلامه، وعزني سرده ونظامه، عكفت على طللي البائد، وضربت في حديدي البارد؛ على حفظ قد تشعب وحظٍ من الدنيا قد ذهب.
ومع أن الشعر لم أرضه مركبًا، ولا اتخذته مكسبًا، ولا ألفته مثوى ولا منقلبًا؛ إنما زرته لمامًا، ولمحته تهممًا لا اهتمامًا؛ رغبةً بعز نفسي عن ذله، وترفيعًا لموطئ أخمصي عن محله؛ فإذا شعشعت راحه، ودأبت أقداحه، لم أذقه إلا شميمًا، ولا كنت إلا على الحديث نديمًا؛ وما لي وله، وإنما أكثره خدعة محتال، وخلعة مختال؛ جده تمويه وتخييل، وهزله تدليه وتضليل؛ وحقائق العلوم، أولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم؛ وعلى ذلك فقد وعدت أن ألمع في هذا المجموع، بلمع من ذكر البديع؛ وأن أمهد جانبًا من أسبابه، وأشرح جملًا من أسمائه وألقابه؛ وإذا ظفرت بمعنى حسن، أو وقفت على لفظ مستحسن؛ ذكرت من سبق إليه، وأشرت إلى من نقص عنه
[ ١ / ١٨ ]
أو زاد عليه؛ ولست أقول: أخذ هذا من هذا قولًا مطلقًا، فقد تتوارد الخواطر، ويقع الحافر حيث الحافر؛ إذ الشعر ميدان، والشعراء فرسان.
وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامد الذكاء، بين دهر متلون تلون الحرباء؛ لانتباذي كان من شنترين قاصية الغرب، مفلول الغرب، مروع السرب؛ بعد أن استنفد الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، بتواتر طوائف الروم، علينا في عقر ذلك الإقليم؛ وقد كنا غنينا هنالك بكرم الانتساب، عن سوء الاكتساب، واجتزأنا بمذخور العتاد، عن التقلب في البلاد؛ إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام، ولو ترك القطا ليلًا لنام؛ وحين اشتد الهول هنالك، اقتحمت بمن معي المسالك؛ على مهامه تكذب فيها العين الأذن، وتستشعر فيها المحن:
مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه ولا حملت فيها الغراب قوادمه حتى خلصت خلوص الزبرقان من سراره، وفزت فوز القدح عند قماره؛ فوصلت حمص بنفسٍ قد تقطعت شعاعًا، وذهب أكثرها التياعًا؛ وليتني عشت منها بالذي فضلا! فتغربت بها سنوات أتبوأ منها
[ ١ / ١٩ ]
ظل الغمامة، وأعيا بالتحول عنها عي الحمامة؛ ولا أنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد؛ والأدب بها أقل من الوفاء، حامله أضيع من قمر الشتاء؛ وقيمة كل أحد ما له، وأسوة كل بلد جهاله؛ حسب المرء أن يسلم وفره، وإن ثلم قدره، وأن تكثر فضته وذهبه، وإن قل دينه وحسبه. وهذا الديوان نية لم يفصح عنها قول ولا عمل، وأمنية لم يكن منها حول ولا حول: كامن بين العيان والخبر، كمون النار في الحجر، وجار بين اللسان والقلب، جري الماء في الغصن الرطب؛ إلى أن طلع على أرضها شهاب سعدها وتمكينها، وهبت لها ريح دنياها ودينها، ونفخ فيها روح تأميلها وتأمينها، ملك أملاكها، وجذيل حكاكها، وأسعد نجوم أفلاكها؛ " فلان " ثمال المظلوم، ومال السائل والمحروم؛ ومحيي العلم، ومربع ذويه وحامليه، ومستدعي التأليفات الرائقة فيه؛ جعل الله الدهر أقصى أيامه، والنجوم مراكز أعلامه، والأرض نهبة سيوفه وأقلامه؛ فحامت عليه أطيارها، وأهل إليه حجاجها وزوارها، وانتثرت في يديه شموسها وأقمارها؛ من كل شعث ذي طمرين، مشنوء الأثر والعين، محروم محسود، محلأ عن طريق الماء مطرود؛ قد جعلوا بيوتهم قبورًا، واتخذوا بنات أفكارهم ولدانًا وحورًا، وركبوا الحدثان صعبًا وذولولًا، وعاهدوا الحرمان ليبلونه صبرًا جميلًا ﴿فمنهم من قضى نحبه
[ ١ / ٢٠ ]
ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا﴾ (الأحزاب: ٢٣) . فما هو إلا أن سطع لهم هذا الشهاب، وفتح بينهم وبين روح الله ذلك الباب، حتى نفروا خفافًا وثقالًا، وابتدروا بطاءً وعجالًا؛ ينظرون بعيون لم ترو من ماء وجه كريم، ويصغون بآذان لم تأنس بنغمة صديق حميم؛ قد كانوا يئسوا من هذا النشور ﴿كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ (الممتحنة: ١٣) فاسألهم أي جانب يمموا، وبأي جناب خيموا، وإلى أي ملك لبابٍ أنجدوا وأتهموا؛ ويا رحمتا لبحور أدب، وصدور رتب، كان نظمني وإياهم ود قديم، ولف هواي بهواهم عهد كريم، لا منسي ولا مذموم؛ قد طال ما عطيتهم أكؤس الخمول، على البكاء والعويل؛ في أيام أوحش من توديع الشباب، وليال انكد من مناقشة الحساب؛ ألا يكونوا قد أخذوا على القضاء عهدًا مسؤولًا، ومتعوا بالبقاء ولو قليلًا؛ حتى يروا حظ الأدب كيف نفق، وعز الإسلام كيف اتفق، وشمل الجور كيف تصدع وتفرق؛ ويا حسرتا ألا ينشق عن حاتم ضريحه، ويعاد في جسمه روحه؛ فيرى أن الكرم بعده علم، وأن علو الهمم بغيره بدئ وختم.
ولما سمعت صوت المهيب، وتنسمت ريح الفرج القريب، ووجدت لسبيل التأمل مدرجًا، وجعل الله لي من ربقة الخمول مخرجًا؛ طالعت حضرته المقدسة بهذا الكتاب على حكمه، مطرزًا بسمته واسمه؛ مستدلًا بمجده، متوسلًا إليه بكرم عهده؛ ولعلمي أن الأدب ضالة اهتباله، ونتيجة خلاله، وأن أهله على ذكر من إجماله، وبمكان مكين من كماله؛ ولما سئلت أيضًا انتساخ هذا
[ ١ / ٢١ ]
الديوان، ورأيت شره أهل الزمان، إلى الاقتباس من نوره، بما يلتقطونه من شذوره، أحببت أن يجوب الآفاق، وتسير به الرفاق، وعليه من اسم من له جمع، وإلى جوانبه العلية رفع، طراز به تنفق سوقه، ولا تضيع إن شاء الله حقوقه.
وقسمته أربعة أقسام:
الأول: لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس، ويشتمل من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء على جماعةٍ هم:
١ - المستعين بالله أبو أيوب سليمان بن الحكم، وحربه مع المهدي ابن عمه ومقتله.
٢ - والمستظهر بالله أبو المطرف عبد الرحمن بن عبد الجبار الناصري ومقتله.
٣ - والأديب أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي، وإمارة علي ابن حمود ومقتله.
٤ - وأبو حفص بن برد الأكبر ومقتل عيسى بن سعيد القطاع وزير ابن أبي عامر.
٥ - والكاتب أبو المغيرة بن حزم.
والفقيه أبو محمد بن حزم الشافعي وخبر الأمير منذر بن يحيى التجيبي.
٧ - والوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد والوزير أبو
[ ١ / ٢٢ ]
الوليد ابن عبدوس، والفقيه أبو العباس بن أبي الربيع، والأديب أبو علي بن عوض، والكاتب أبو بكر بن زياد.
٨ - وذو الوزارتين أبو الوليد بن زيدون وإمارة المستكفي وخبر ولادة.
٩ - والأديب أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط المكفوف، ونصب المرتضى الناصري خليفة بشرق الأندلس ومقتله.
١ - والأديب أبو بكر عبادة بن ماء السماء، وإمارة القاسم بن حمودٍ وتغلب القاضي ابن عباد عليه.
١١ - والوزير أبو حفص بن برد الأصغر.
١٢ - والأديب أبو مروان الطبني ومقتله، وأشعار الطبانية حفدته.
١٣ - والأديب أبو عبد الله محمد بن مسعود الهذلي وابن مسعود البجاني.
١٤ - والشيخ أبو مروان بن حيان، وإمارة بني جهور وخلعهم.
١٥ -.
[ ١ / ٢٣ ]
١٦ - والوزير الكاتب أبو جعفر بن اللمائي.
١٧ - والكاتب أبو عبد الله بن الزلياني.
١٨ - والكاتب أبو جعفر بن عباس.
١٩ - والكاتب أبو حفص بن الشهيد.
٢٠ - والأديب أبو عبد الله بن الحداد، وإمارة بني صمادح وخلعهم.
٢١ - والأديب أبو محمد ابن مالك القرطبي.
٢٢ - والشاعر المنفتل، ومقتل ابن نغريلة اليهودي.
٢٣ - والأديب أبو المطرف عبد الرحمن بن فتوح الإسفيرياني.
٢٤ - والأديب أبو بكر بن ظهار.
٢٥ - والأسعد بن إبراهيم بن بليطة.
٢٦ - والأديب أبو عبد الله محمد بن عبادة بن القزاز.
٢٧ - والأديب أبو عبد الله محمد بن مالك الطغنري من أهل غرناطة؛ وجملة قصائد لغير واحد في تأبين ابن سراج.
٢٨ - والوزير الكاتب أبو مروان بن شماخ.
٢٩ - والفقيه أبو عمر أحمد بن عيسى الإلبيري.
٣٠ - والأديب العالم أبو محمد غانم.
٣١ - والأديب أبو عبد الله بن السراج المالقي.
٣٢ - والأديب أبو القاسم المعروف بالسميسر.
٣٣ - والأديب أبو العباس أحمد بن قاسم المحدث.
٣٤ - والأديب أبو طالبٍ عبد الجبار المعروف بالمتنبي من أهل جزيرة شقرٍ.
[ ١ / ٢٤ ]
والقسم الثاني: لأهل الجانب الغربي من الأندلس، وذكر أهل حضرة إشبيلية، وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي، وفيه من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء جملة موفورة وهي:
١ - القاضي أبو القاسم بن عبادٍ.
٢ - والمعتضد بالله عباد ابنه.
٣ - والمعتمد على الله محمد بن عباد وكيفية خلعه.
٤ - والوزير الفقيه أبو حفص الهوزني.
٥ - والقاضي أبو الوليد الباجي.
٦ - والوزير أبو عامر بن مسلمة.
٧ - والوزير أبو الوليد بن المعلم.
٨ - والأديب أبو الوليد الملقب بالحبيب.
٩ - والأديب أبو جعفر بن الأبار.
١٠ - والأديب أبو الحسن علي بن حصن.
١١ - والوزير الكاتب أبو عمرو الباجي.
١٢ - والفقيه الأديب أبو الحسن بن الإستجي.
١٣ - وفصل يشتمل على مقطوعات أبيات لجماعة أدباء بعصر المعتضد.
١٤ - والوزير الفقيه أبو العلاء بن زهرز
١٥ - والوزير أبو عبيد البكري.
١٦ - والوزير الخطيب الأديب أبو عمر بن حجاج.
١٧ - وذو الوزارتين أبو بكر بن سليمان المعروف بابن القصيرة، وذكر تغلب ابن ذي النون على قرطبة وعودتها إلى المعتمد.
[ ١ / ٢٥ ]
١٨ - والوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم بن الجد.
١٩ - والوزير الكاتب أبو محمد بن عبد الغفور وأبوه قبله.
٢٠ - والوزير الفقيه أبو أيوب بن أبي أمية.
٢١ - وذو الوزارتين أبو بكر بن عمار ومقتله.
٢٢ - والوزير الكاتب أبو الوليد حسان بن المصيصي.
٢٣ - والوزير الفقيه أبو بكر بن الملح.
٢٤ - والأديب أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسي.
٢٥ -.
٢٦ - والوزير الكاتب أبو بكر بن عبد العزيز.
٢٧ - والوزير الكاتب أبو الحسين بن الجد.
٢٨ - والأديب أبو الحسين غلام البكري.
٢٩ - والكاتب أبو الحسين غلام البكري.
٣٠ - وأبو الحكم وأبو الوليد ابنا حزم.
٣١ - والأديب أبو بكر بن بقي.
٣٢ - والأديب أبو الحسن بن هارون الشنتمري، وكيفية إمارة بني الأفطس، والمتوكل على الله منهم.
٣٣ - والوزير الكاتب أبو عبد الله بن أيمن، والخبر عن فتح مدينة سبتة، والتعريف بأولية أميرها سقوت.
٣٤ - والوزير الكاتب أبو محمد بن عبدون.
٣٥ - والأديب أبو جعفر أحمد بن هريرة الأعمى التطيلي.
[ ١ / ٢٦ ]
٣٦ - والوزير الكاتب أبو بكر بن سعيد المعروف بابن القبطورنه.
٣٧ - والوزير الكاتب أبو بكر بن قزمان.
٣٨ - والوزير أبو زيد بن مقانا الأشبوني.
٣٩ - والشيخ أبو الحسن القرشي الأشبوني.
٤٠ - والأديب أبو عبد الله بن البين.
٤١ - وذو الوزارتين أبو محمد بن هود.
٤٢ - والشيخ الأديب أبو عمر بن فتح البلطيوسي.
٤٣ - والأديب أبو عمر بن كوثر الشنتريني.
٤٤ - والأديب أبو الوليد النحلي.
٤٥ - والوزير الكاتب أبو بكر محمد بن سوار الأشبوني.
٤٦ - والأديب أبو محمد عبد الله بن سارة الشنتريني.
والقسم الثالث: ذكرت فيه أهل الجانب الشرقي من الأندلس، ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى، إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك، وفيه من القصص وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء طوائف منهم:
١ - مجاهد ومبارك ومظفر من فتيان ابن أبي عامر.
٢ - والوزير الكاتب أبو عبد الرحمن بن طاهر، وتغلب العدو على بلنسية، وعود المسلمين إليها.
٣
[ ١ / ٢٧ ]
٤ - وذو الوزارتين القائد أبو عيسى بم لبون>.
٥ - وحسام الدولة أبو مروان بن رزين.
٦ - والوزير الكاتب أبو محمد بن عبد البر، ومقتل إسماعيل بن المعتضد عباد، وتغلب العدو على بربشتر وفتحها بعد.
٧ - والوزير الكاتب أبو عامر بن التاكرني، وإمارة عبد العزيز ن عامر وابنه ببلنسية.
٨ - والوزير الكاتب أبو المطرف بن الدباغ.
٩ - والأديب أبو الربيع بن مهران السرقسطي، وذكر ابن الكتاني المتطبب.
١٠ - والأديب الأستاذ أبو عبد الله بن خلصة الضرير.
١١ - والأديب أبو مروان بن غصن الحجاري.
١٢ - والأديب أبو عبد الله إدريس بن اليماني.
١٣ - والوزير الكاتب أبو الأصبغ بن أرقم.
١٤ - والوزير الكاتب أبو المطرف بن مثنى.
١٥ - والوزير الكاتب أبو عم بن القلاس.
١٦ - والوزير الكاتب أبو عبد الله بن مسلم.
١٧ - والوزير الكاتب أبو جعفر بن جرج.
١٨ - والوزير الكاتب أبو الفضل بن حسداي.
١٩ - والأديب أبو الربيع القضاعي، وجملة من أخبار هشامٍ المعتد أمير قرطبة يومئذ، ومقتل وزيره الحائك.
[ ١ / ٢٨ ]
٢٠ - والأديب أبو عامر البماري.
٢١ - والأديب أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة.
٢٢ - والأديب أبو حاتم الحجاري.
٢٣ - والأديب أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة.
٢٤ - والأديب أبو جعفر بن الدود بن البلنسي، ورسالة ابن غرسية الشعوبية والرد عليه.
٢٥ - والكاتب أبو جعفر بن أحمد الداني.
٢٦ - والوزير الكاتب أبو الخطاب بن عطيون الطليطلي.
٢٧ - والوزير الكاتب أبو عبد الله بن أبي الخصال.
٢٨ - والأديب أبو بحر بن عبد الصمد، وذكر الشيخ الكاتب عبد الصمد السرقسطي.
٢٩ - والأديب أبو تمام الملقب بالحجام.
٣٠ - والأديب أبو إسحاق بن معلي، وخبر وقعة بطرنة.
٣١ - والأديب أبو عامر ن الأصيلي.
٣٢ - والأديب أبو الفضل جعفر بن محمد بن شرف.
٣٣ - وفصل يشتمل على طوائف مقلين من سكان ذلك الجانب الشرقي.
والقسم الرابع: أفردته لمن طرأ على هذه الجزيرة في المدة المؤرخة من أديب شاعر، وأوى إلى ظلها من كاتب ماهر، واتسع فيها مجاله، وحفظت في ملوكها أقواله؛ ووصلت بهم ذكر طائفة من مشهوري أهل
[ ١ / ٢٩ ]
تلك الآفاق، ممن نجم في عصرنا بأفريقية والشام والعراق، فيشتمل منهم على جملة، وهم:
١ - أبو العلاء صاعد اللغوي، وتلخيص التعريف بدولة ابن أبي عامر، من المبدأ إلى الآخر.
٢ - وأبو الفضل بن عبد الواحد البغدادي.
٣ - وسليمان بن محمد الصقلي.
٤ - وأبو الفتح الجرجاني.
٥ - والأديب عبد العزيز السوسي، ولمع من دولة ابن ذي النون ومآل حفيده، وأخذ طليطلة من يديه، ودوران دائرة السوء بها عليه؛ مع ما اندرج في ذلك من خبر، والتف به من قبيح أثر.
٦ - وأخبار أبي عبد الله بن شرف، وغرر أشعاره، وذكر خراب بلده القيروان.
٧ - وأخبار ابن السقاء مدبر الملك الهوري بقرطبة ومقتله.
٨ - وأبو الحسن المكفوف الحصري، وذكر تغلب ابن هود المقتدر على دانية.
٩ - وأخبار عبد الكريم بن فضال الحلواني
١٠ - وأبو العرب الصقلي.
١١ - وأبو عبد الله بن الصباغ الصقلي.
١٢ - وأبو محمد ن حمديس الصقلي.
[ ١ / ٣٠ ]
١٣ - والحكيم أبو محمد المصريز
١٤ - وأبو محمد بن الطلاء المهدوي.
١٥ - وأبو بكر محمد بن الحسن المرادي.
١٦ - والفكيك البغدادي.
١٧ - وأبو زكرياء يحى الزيتوني.
١٨ - وأبو بكر بن العطار اليابسي.
١٩ - وابن القابلة السبتي.
ذكر من كان منهم بالمشرق:
٢٠ - الرضي الشريف.
٢١ - أبو القاسم المغربي.
٢٢ - عبد الوهاب المالكي.
٢٣ - أبو عبد الله ابن قاضي ميلة.
٢٤ - أبو الحسن التهامي.
٢٥ - مهيار الديلمي.
٢٦ - أبو منصور الثعالبي.
٢٧ - أبو إسحاق الحصري.
٢٨ - أبو علي بن رشيقٍ، وذكر انحرافه عن القيروان.
٢٩ - أبو الفتيان العسقلاني.
٣٠ - القاضي أبو محمد بن نعمة.
٣١ - جلال الدولة ابن عمار.
[ ١ / ٣١ ]
٣٢ - المجيد بن الشخباء
وإنما ذكرت هؤلاء ائتساء بأبي منصور، في تأليفه المشهور، المترجم ب - " يتيمة الدهر، في محاسن أهل العصر ".
وتحريت في الجملة حر النظام، وتخيرت جيد الكلام، وجردت جملة الفصول والأقسام. وإذا مر معنى غريب وتعلق به خبر مشهور، وأمكنني فيه شعر كثير، مددت أطنابه، ووصلت أسبابه؛ وقد أذكر الشاعر الخامل، وأنشد الشعر النازل، لأربٍ يتعلق به، أو لخبرٍ أذكره بسببه؛ وقد أذكر الرجل لنباهة ذكره، لا لجودة شعره؛ وأقدم الآخر لاشتهار إحسانه، مع تأخر زمانه.
وبدأت بذكر الكتاب، إذ هم صدور في أهل الآداب، إلا أن يكون له حظ من الرياسة، أو يدعو إلى تقديمه بعض السياسة؛ فأول من ذكرت من أهل قرطبة من كان بها من ملوك قريش في المدة المؤرخة من أهل هذا الشأن ثم من تعلق بسلطانهم، أو دخل في شيءٍ من شانهم؛ وتلوتهم بالكتاب والوزراء، ثم بأعيان الشعراء، ثم بطوائف من المقلين منهم. وكذلك فعلت في كل قسم: بدأت بالملوك، ثم استمر على ما وصفته من الترتيب، وأنتظم على ما شرحت من التبويب، وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل، لا إله سواه.
[ ١ / ٣٢ ]
@ذكر الكتاب والوزراء، وأعيان الأدباء والشعراء، بحضرة قرطبة
@وما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس، وتسمية من نشأ من
@فرسان هذا الشان، من آخر دولة بني عامرٍ إلى وقتنا،
@وإيراد ما انتخبته من نظمهم ونثرهم، مع ما يتعلق
@من فنون المعارف المفيدة بذكرهم
قال أبو الحسن بن بسام ﵀:
وحضرة قرطبة، منذ استفتحت الجزيرة، هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأم القرى، وقرارة أهل الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، وقبة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمرة الخواطر، وبحر درر القرائح؛ ومن أفقها طلعت نجوم الأرض وأعلام العصر، وفرسان النظم والنثر؛ وبها انتشأت التأليفات الرائقة، وصنفت التصنيفات الفائقة؛ والسبب في ذلك، وتبريز القوم قديمًا وحديثًا هنالك على من سواهم، أن أفقهم القرطبي لم يشتمل قط إلا على أهل البحث والطلب، لأنواع العلم والأدب. وبالجملة فأكثر أهل بلاد هذا الأفق أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها؛ فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرقٍ كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر؛ إن مدح ما كثير عنده بكثير، وإن هجا
[ ١ / ٣٣ ]
أجر لسان جرير، وعدا عديا عن مدح ذويه، وأنسى جرولًا العواء في أثر قوافيه وإن تغزل أربى على الساحرات فنونًا، وأزرى بالغانيات مجونًا.
وقد وعدت في صدر هذا الكتاب بأن أتخلل أشعار الشعراء، ورسائل الكتاب والوزراء، بما عسى أن يتعلق بأذيالها، ويساير أفياء ظلالها: من أنباء فتن ذلك الزمان البعيد - كان طلقها، المفرق لشمل الأمر في هذه الجزيرة نسقها. ونلمع بنبذ من مشهور وقائعها، ونشير بأسماء طوائف توابعها وزوابعها، الذين استظهروا على شهواتهم بجر ذيولها، وامتروا بطالاتهم من أخلاف أباطيلها، حتى شقوا عصاها، وأداروا بدائرة السوء على الجماعة رحاها؛ ليجمع هذا المجموع بين الشعر والخبر، جمع الروضة بين الماء والزهر، والزمان بين الأصائل والبكر، فإني رأيت أكثر ما ذكر الثعالبي من ذلك في " يتيمته " محذوفًا من أخبار قائليه، مبتورًا من الأسباب التي وصلت به وقيلت فيه؛ فأمل قارئ كتابه منحاه، وأحوجه إلى طلب ما أغفله من ذلك سواه.
وسينخرط في سلك ما أوشح به هذا التصنيف، من تلخيص التعريف بأخبار ملوك الجزيرة، وسرد قصصهم المأثورة، ووقائعهم المبيرة
[ ١ / ٣٤ ]
المشهورة، لابن حيان، فصول من غرائبه، وجمل وتفاصيل من عجائبه؛ لأني إذا وجدت من كلامه فصلًا قد أحكمه، أو خبرًا قد سرده ونظمه، عولت على ما وصف، ووليته خطة ما سطر وصنف، إقرارًا بالفرق، وإعفاءً لنفسي من معارضة من أحرز بأفقنا في وقته قصبات السبق، [وأبرز في زمانه على جميع الخلق] . وأكثر ما يمر في هذا الكتاب، من هذا الباب، فعل تأريخه الكبير عولت، ومن خط يده أكثر ما نقلت؛ وتحريت جهدي اقتضاب ما طول، وتخفيف ما ثقل، وإجمال ما شرح وفصل؛ على أنه لم يخلص إليّ من غمامه إلا قطرة، ولا حصلت في يدي من حسامه إلا إبرة؛ ولذلك ما ارتشفت ثمادي، ونفخت فيما لم أجد من كلامه رمادي، وأنفقت في ذلك من تافه زادي؛ وابتدأت بمن كان في ذلك الأوان، من ملوك بني مروان، من أهل هذا الشان، وارتسم بهذا الفن الذي تصديت لإقامة أوده في هذا الديوان.
@فصل في ذكر المستعين بالله أبي أيوب سليمان بن الحكم والأخذ
@بطرف مستطرف من أخباره وأشعاره، والسبب الموجب
@لقيامه، وما حدث من نادر مستغرب في أيامه.
@ [ونقلت بعضه من لفظ الشيخ المذكور بنصه،
@وأتيت من الحديث بفصة، واعتمدت الإيجار،
@وأتقنت الصدور والإعجاز] .
هو سليمان بن الحكم بن سلميان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن
[ ١ / ٣٥ ]
محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي. بويع بقرطبة منتصف ربيع الأول سنة أربعمائة بعد وقعة كانت له على أميرها قبله محمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي القائم على الدولة العامرية؛ ثم خلعه المهدي بوقعةٍ كانت له عليه، ثم عاد إليها سليمان ثانيةً في خبرٍ طويل، فملك سليمان قرطبة في دولتيه ست سنين وعشرة أشهر، وكانت كلها - كما وصف ابن حيان شدادًا نكدات، صعابًا مشئومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة؛ لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف؛ ولا تم سرور، ولا فقد محذور؛ مع تغير السيرة، وخرق الهيبة، واشتعال الفتنة، واعتلاء المعصية، وظعن الأمن، وحلول المخافة: دولة كفاها ذمًا أن أنشأها شانجه، فقشعها أرمقند، وثبتتها الجلالقة، ومزقتها الإفرنجية؛ ودبرها فاجر شقي، ووزر لها خب دني؛ فتمخضت عن الفاقرة الكبرى، وآلت بمن أتى إلى ما كان أعضل وأدهى، مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها، وأهلك أهلها.
[ ١ / ٣٦ ]
ولما تمت بيعته نفذت عنه كتب إلى نواحي الجزيرة بخبر فتحه قرطبة، وكانت موشحةً بما توشح به كتب الفتوح الإسلامية على أهل دار الحرب، من وصف حال القهر، وشدة السطوة والاقتدار على الفتك والاستباحة؛ فأفرط في ذلك إرهابًا للناس بذكره، وتخويفًا لهم من مصثله؛ فكان أجلب لنفار القلوب، وقرف الندوب، وبعث الشرود، ونبش الحقود، لما وتر جميعهم بالحادثة في قرطبتهم؛ فاستشعروا بغضه، وانقادوا لكل من عانده ورد أمره، من عبدٍ أو حر، فزعًا إليهم منه، ويأسًا من خيرٍِ يجيئهم من برابرته؛ فكان ذلك سببًا في تفريق البلاد وتملك أصحاب الطوائف.
قال ابن حيان: وتسمى لوقته من الألقاب السلطانية بالمستعين بالله، وانتقل إلى مدينة الزهراء بجملة جيشه، رجاء أن يحسم عن أهل قرطبة معرتهم، فضاقت الزهراء عنهم، فنزلوا بما يتصل بها من منازل الناس، ونزل ابنا حمودٍ: علي والقاسم، قائدا فرقة المغاربة، بشقندة؛ وامتحن هشام المؤيد بالله مع سليمان عند خوله القصر؛ فقيل إنه قضي عليه، وقيل إنه فر من يديه. وكان هشام - عند ما رآه من اضطراب أمره، وتيقنه من انصرام دولته، بما مني به قديمًا وحديثًا، من تمالؤ بني عمه آل الناصر عليه، وقيامهم واحدًا بعد واحد في خلعه - صير إلى علي بن حمودٍ ولاية عهده، وأوصى إليه بالخلافة من بعده
[ ١ / ٣٧ ]
وراسله بذلك إلى سبتة، أيام تردده عليها، بمعنى الاستمداد، وجمعه طوائف البرابرة للجهاد؛ وولاه طلب ذحله، واستكتمه السر فيه إلى أوانه، وبلوغ زمانه؛ هائجًا للحفائظ القرشية، ومحركًا للطوائل الطالبية؛ فرماهم يومئذ من علي هذا بثالثة الأثافي، طوى كشحه منها على مستكنةٍ أرجأها لوقتها.
ومن الاتفاق الغريب على سليمان أنه لما استوسق له الأمر بعد فراغه من خبر هشام المؤيد، أنفذ عزمه من بين قواد جيوشه في اختيار علي بن حمود المذكور، فقدمه على مدينة سبتة، رأيًا ذهل عنه، ونبذها إلى ذد له مكاشح شريك في الدعوى والقرابة؛ فتلقفها علي تلقف الأكياس المقبلين، ودب لمغبونه سليمان من قبلها الضراء دبيب الحنق الموتور، حتى هجم عليه وسلبه ملكه، وحول دولته ومزق عترته؛ وكانت غلطة سليمان التي لم يستقلها هو ولا من بعده؛ وإذا أراد الله شيئًا أمضاه.
قال أبو الحسن بن بسام: وذكرت بما اتفق في هذا الخبر، ما حكاه الرواة في حلول الفاقرة أيضًا بالمتوكل جعفر؛ قالوا: لما عزم
[ ١ / ٣٨ ]
بغا الصغير على قتل المتوكل جعفر بتدبير ابنه المنتصر، دعا بباغر، وهو غلام تركي، بعد أن اصطنعه بالصلات، وكان مقدامًا أهوج، فقال له: يا باغر، أنت تعلم تقديمي لك، وأني قد صرت عندك في منزلة من لا يعصى له أمر، وأريد أن آمرك بشيء، فعرفني كيف إقدامك عليه؛ قال: قل ما شئت فإني فاعله؛ فقال: إن ابني قد فسد علي، وصح عندي أنه يحاول سفك دمي، وأريد إذا دخل علي غدًا أن أضع القلنسوة من رأسي في الأرض، فإذا أنا وضعتها فاقتله؛ قال: نعم؛ فلما دخل ابنه عليه لم يضع القلنسوة من رأسه، وظن أنه نسي، فغمزه بحاجبه، فلم ير العلامة، وانصرف ابنه. فقال له: إني فكرت في أنه ولد وحدث، وأريد أن أستصلحه. فقال له باغر: فإني قد سمعت وأطعت. ثم أمسك عنه مديدة وقال له: إن أخي قد فسد علي، وهو عزم على أن يقتلني وينفرد مكاني، وأحب أن تبادر غدًا إذا دخل علي وتقتله؛ قال: نعم؛ وجعل له علامةً، فلما دخل عليه لم ير العلامة، ووقف حتى خرج أخوه. فقال له: يا باغر، هو أخي وعسى أن أستصلحه؛ وههنا امرؤ هو أعظم وأكبر من
[ ١ / ٣٩ ]
هذا كله. قال له باغر: من هو - قال: المنتصر، قد صح عندي أنه على الإيقاع بي وقتلي، وأريد قتله، فكيف ترى نفسك في ذلك - ففكر باغر ساعة ونكس رأسه طويلًا ثم قال: هذا أمر لا يجيء منه شيء. قال: ولم - قال: لا نقتل الابن والأب باقٍ، إذ لا يستوي لكم شيء ويقتلكم أبوه كلكم. قال: فما الرأي - قال: نبدأ بالأب ويكون أمر الصبي أيسر؛ قال: وتفعل هذا ويحك -! قال: نعم، أفعله وأدخل عليه إلى قتله، وادخل أنت في اثري، فإن قتلته وإلا فاقتلني أنت، وضع سيفك علي وقل: أراد أن يقتل مولاه. فعلم بغا حينئذ أنه قاتله، فتمكن له التدبير على المتوكل.
وحدث البحتري الشاعر قال: كنا عند المتوكل مع الندماء، فتذاكرنا أمر السيوف؛ فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين، وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير. فأمر المتوكل بالكتاب فيه إلى عامل البصرة؛ فاتفق أن اشتري بعشرة آلاف درهم؛ فسر المتوكل بجودته، وانتضي فاستحسنه المتوكل وقال للفتح بن خاقان: اطلب لي غلامًا نثق بنجدته وشجاعته، أدفع إليه هذا السيف ليكون واقفًا به على رأسي كل يوم ما دمت جالسًا؛ قال: فلم يستتم المتوكل الكلام حتى دخل باغر التركي المذكور، فدعا به المتوكل، ودفع إليه ذلك السيف، وأمره بما أراد وتقدم بأن يزاد في مرتبته. قال
[ ١ / ٤٠ ]
البحتري: فوالله ما انتضي ذلك السيف ولا أخرج من غمده منذ الوقت الذي دفع إليه إلا في الليلة التي ضربته فيها باغر بذلك السيف.
رجع الحديث:
قال ابن حيان: فلما كانت سنة خمس وأربعمائة طلع النبأ على سليمان أن مجاهدًا العامري أقام عليه خليفةً رجلًا يعرف بالفقيه المعيطي، فاستعظم ذلك إلى أن بلغه نجوم عليّ بن حمود الفاطمي بسبتة، فسقط في يديه، وتفرقت الظباء عليه؛ وكان على أجل من الحرش، وأخذ في استدفاع ذلك جهده، فلم يغنه شيئًا، وجاءه عليّ في جموعه بعد أن اجتمع بالمرية مع خيران صاحب المرية وغيره من الفتيان؛ فخرج إليهم سليمان واقتتلوا، فانهزم سليمان وقبض عليه وعلى أخيه وأبيه وسيقوا أسارى إلى عليّ بن حمود. ودخل القصر وخيران يطمع أن يجد هشامًا المؤيد حيًا، فلم يوجد، وذكر أنه قتل وعرض عليه قبره. فأمر علي بنبشه، فأخرج الشخص، وشهد أنه هشام، وسليمان يتبرأ من دمه، وما كان في جسده شيء من أثر السلاح، فتوهم فيما الخنق، وأمر عليّ بتجهيزه إلى أهله، وأنذر طبقات الناس للصلاة
[ ١ / ٤١ ]
عليه؛ فدفن لزيق أبيه الحكم. ثم دعا علي بسليمان وذويه فضرب عنقه بيده، وظهر منه جزع شديد عند ملاحظته السيف، خارت منه قواه، فجثا على ركبتيه، ثم ضربت عنق الشيخ أبيه وعنق عبد الرحمن ابنه، وجعلت الرؤوس الثلاثة في طست، وأخرجت من القصر إلى المحلة ينادي عليها: هذا جزاء من قتل هشامًا المؤيد؛ ثم ردت الرؤوس الثلاثة ونظفت وطيبت؛ وقد كانت جمعت رؤوس رؤساء من البرابرة المقتولين في الوقعة في قفة، وجعل رأس أحمد ابن الدب في أعلاها، وعلقت في آذانهم رقاع بأسمائهم. وكانت في المحلة تحمل من مضرب قائدٍ إلى مضرب سواه. وعجب الناس من اجتماع رؤوس من ضاقت أرض الأندلس برحبها عنها، وشملها شرها وأذاها طرًا في قفة ضيقة، والأمر لله.
وحكي أن والد سليمان حين عاين قتل ابنيه بين يديه قال له عليّ: أهكذا يا شيخ قتلتم هشامًا - قال: لا والله ما قتلناه وإنه لحي يرزق! فحينئذ عجل عليّ بقتل الشيخ؛ وكان ﵀ تقيًا صالحًا لم يتشبث بشيء من أمر ابنه.
[ ١ / ٤٢ ]
وكان هشام يقول برموز الملاحم وكتب الحدثان، وخامر نفسه من ذكر قائم بسبتة، أول اسمه عين، ما لا شيء يزيله، ولم يزل مرتقبًا لظهوره؛ فلذلك ما كاتب عليّ بن حمود لرفع بيته، وبعد صيته؛ فكان منه في أخذه بثأره بعد موته ما كان. فإن كان كذلك، فهشام - على مشهور عجزه - أحد كائدي الأعداء بغيره من منكوبي الملوك بما لا شيء فوقه، فما أدرك فيه بعد هلاكه بوتره واستقاد بدمه وسطا بعدوه؛ انتهى ما لخصته من خبره مع ابن حمود.
فصل: قال ابن حيان: وأما حربه مع المهدي، فإنه لما استوسق الأمر لسليمان حسبما تقدم، وتابعته الباربرة، اجتمعوا لحرب قرطبة، فنزلوا في سفح الجبل بها وبشرقيها، يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول سنة أربعمائة؛ وقد كان واضح الفتى وافاها قبلهم بيومين في أجناده من رجال الثغر، فقلده المهدي أمر الحرب، واحتشد الناس من الكور والبادية، فعسكروا في جموعٍ لم يحصها إلا خالقهم، فتداني الزحفان يوم السبي الثالث عشر من ربيع المؤرخ، فتسرع إليهم أهل قرطبة، وخالفوا واضحًا في تدبير حربهم، فاستجرتهم البرابرة، حتى إذا تمكنوا منهم عطفوا عليهم، فانكشفوا عنهم انكشافًا ما سمع بمثله، وانهزموا إلى منازلهم، وتشعبت الطرق بهم، عاد تضيق مسالك كانوا أعدوها لعدوهم سدادًا دونهم، فازدحموا وتناشبوا وقتل بعضهم بعضًا. ووضع البرابرة والنصارى السيوف عليهم؛ فقتل في هذه الوقعة عالم، وأبادوا أمة. وهي وقعة قنتيش المشهورة بالأندلس التي قطع المقال على أنه قتل فيها عشرة آلاف قتيل وأزيد. والله أعلم.
[ ١ / ٤٣ ]
ومال النصارى يومئذ على المنهزمين من المسلمين، فقتلوا منهم في صعيد واحد نيفًا على ثلاثة آلاف رجل. وخرج الأمر عن يد واضح، فلم يثبت أحد ممن كان معه، ولا كر في تلك الوقعة عامي ولا خاصي. وكان أمره عجبًا. ونادى واضح بشعاره، فاجتمع إليه رجاله، وثبت إلى أن أجنه الليل واتخذه جملًا، وسارعن قرطبة هاربًا إلى الثغر. وانبسط البربر يومئذٍ في أرض قرطبة يقتلون ويأسرون.
قال ابن حيان: وأصيب في تلك الوقعة من المؤدبين خاصة نيف على ستين، أعريت سقائفهم في غداة واحدة منهم، وتعطل صبيانهم لعدمهم. وأصيب فيها زربوط الطنبوري، وأقام الطنبوريون أصحابه عليه مأتمًا مشهودًا بعد الحادثة. وهلك في تلك الوقعة أخلاط من الناس. وكان بعض الظرفاء يقول: من كل طبقة أخذت وقعة قنتيش حتى من الباطل؛ فإنها ألصقت بالصميم في قتل قنبوط الملهي، وزربوط المغني ونمطهما، فهيهات أن يخلف الدهر مثلهما.
وكان المهدي، إذ دخل قرطبة منتصف جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وقتل عبد الرحمن بن أبي عامر، أظهر موت هشام المؤيد في رمضان من العام، وورى الشخص الذي موه به وقسم تراثه. فلما كان غداة الأحد ثاني وقعة قنتيش، أظهر المهدي هشامًا المؤيد رجاء أن يستميل
[ ١ / ٤٤ ]
البرابرة به. لما كانوا يكثرون من الترحم عليه والطلب بدمه؛ فأبرزه للناس وعجبوا من ذلك، فقال له البربر: الله محمود على سلامته، ونحن فلا حاجة لنا في إمامته، ولا نرضى بغير سليمان؛ فلما سمع المهدي ذلك، خرج في الليل عن القصر، وتطمر بقرطبة إلى أن لحق بطليطلة، ودعا الناس إلى القيام بنصرته؛ فجمع له واضح عساكر الإفرنجة وأهل الثغور؛ وجاءهم مع واضح إلى قرطبة، فبرز إليه سليمان، والتقى الجمعان يوم الجمعة في شوال من العام؛ فانهزم سليمان؛ فدخل المهدي قرطبة وبويع له بها، وتردد عليه البربر يحاربونه، فشرع في حفر الخندق حول قرطبة، وألزم أهلها القيام بأمره؛ فاشتدت الكلفة عليهم. ودبر واضح مع الموالي العامريين الغدر بالمهدي، وشغبوا عليه في ذي الحجة من العام، وأخرجوا هشامًا المؤيد من محبسه بالقصر، وأجلسوه للخلافة بالسطح، ونادوا بشعاره، وضربوا عنق المهدي بين يديه، وألقوا جسده من أعلى السطح، ورفعوا رأسه على قناة طيف بها البلد كله، وقطعت يده ورجله. وعاد هشام المؤيد إلى الخلافة، وجددت له البيعة، واستحجب واضحًا الفتى، واستولى على التدبير الأمور، وأرسل برأس المهدي إلى عسكر سليمان على معاودة طاعة هشام، وقد رجا استمالتهم به فأبوا ذلك، وأغلظ سليمان على رسله، وأراد قتلهم
[ ١ / ٤٥ ]
وأظهر الجزع على ابن عمه المهدي، وبكى عليه، وأمر بتنظيف الرأس، وأنفذه إلى طليطلة، إلى ولد المهدي عبيد الله، فأعظم قتل أبيه ودفع بيعة هشام. وكان بعسكر سليمان عبد الرحمن بن متيوه، فلما بلغه مهلك المهدي بن عبد الجبار عدوه، كاتب واضحًا وتوثق له، فهرب إلى قرطبة، فدبر أمر هشام مدةً بعد قتل واضح وعلي بن وداعة، في أخبار طويلة، إلى أن ضعف أمر هشام. ودخل عليه سليمان دولته الأخيرة، ودبر قرطبة، إلى أن وقع له مع علي بن حمود ما وصفناه. انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان.
قال أبو الحسن بن بسام: وكان سليمان ممن مدت له في الأدب غابة، كبا دونها أهل الأدب، ورفعت له في الشعر راية مشى تحتها كثير من الشعراء والكتاب؛ غير أن أيام الفتون ألوت بذكره، وأيدي تلك الحرب الزبون طوت بجملة شعره؛ وهو أحد من شرف الشعر باسمه، وتصرف على حكمه؛ مع قعود همم أهل الأندلس يومئذ عن البحث عن مناقب عظمائهم، وزهدهم في الإشادة بمراتب زعمائهم. ولم أظفر له حين نقل هذه النسخة المقررة من هذا المجموع في وقتي المؤرخ إلا بقطعة
[ ١ / ٤٦ ]
عارض بها هارون الرشيد فشعشعت بها الكؤوس، وتهادتها الأنفاس والنفوس. وقد أثبت القطعتين معًا ليرى الفرق، ويعرف الحق. قال هارون الرشيد:
ملك الثلاث الآنسات عناني وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها وأطيعهن، وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى - وبه قوين - أعز من سلطاني فقال سليمان المستعين:
عجبًا، يهاب الليث حد سناني وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع الأهوال لا متهيبًا منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لحن لناظري من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال، وتلك بنت المشتري حسنًا، وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهن السلو إلى الصبا فقضى بسلطان على سلطاني
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني في عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكًا تذلل للهوى ذل الهوى عز وملك ثاني
[ ١ / ٤٧ ]
ما ضر أني عبدهن صبابةً وبنو الزمان وهن من عبداني
إن لم أطع فيهن سلطان الهوى كلفًا بهن فلست من مروان @فصل في ذكر المستظهر بالله أبي المطرف عبد الرحمن
@ابن هشام بن عبد الجبار الناصري، وشرح مقتله،
@وإيراد جملة من اشعاره، مع ما يتعلق بها
@وينخرط في سلكها من مستطرف أخباره
قال أبو الحسن: نقلت من خط أبي مروان بن حيان قال: كان عبد الرحمن هذا لبقًا ذكيًا، وأديبًا لوذعيًا؛ لم يكن في بيته يومئذ أبرع منه منزلة. وكان قد نقلته المخاوف، وتقاذفت به الأسفار، فتحنك وتخرج وتمرن فيها، وكاد يستولي على الأمر لو أن المنايا أنسأته. وكان عاد إلى قرطبة بعد تجواله؛ فدخلها مستخفيًا أيام القاسم بن حمود، وقد اضطرب سلطانه بها؛ فشاهد الفتنة الحادثة بين البرابرة وأهلها، وهم فيها بالوثوب، وبث دعاته إلى أهلها. فلم يصح له شيء مما أراده، وأنكر الوزراء المدبرون قرطبة أمره؛ فتجردوا لطلبه وطلب دعاته، فسجنوا
[ ١ / ٤٨ ]
ولم يخرجوا من الحبس إلا يوم جلوس صاحبهم عبد الرحمن للإمارة؛ فبقى مستخفيًا، وهو يدب الضراء في الدعاء إلى نفسه، إلى أن أعلقوه بالشوى عند إيقاعها في ذلك الوقت لظهور براعته، وأجمعوا عليه وعلى سليمان بن المرتضى، وعلى محمد بن العراقي. فتقدم في إحضار الخاصة والجند والعامة بالمسجد الجامع لمشاهدة بيعة من يختار من هؤلاء الثلاثة الأمراء للخلافة، فغدا الناس لذلك على طبقاتهم.
قال ابن حيان: وكنت في من حضر المقصورة يومئذٍ، فكان أول من وافى منهم سليمان بن المرتضى، جاء مع عبد الله بن مخامس الوزير في أبهةٍ وشارة دلت على المراد فيه؛ فدخل من باب الوزراء الغربي والسرور بادٍ عليه، فاستقبله أصحابه وقدموه إلى بهو الساباط؛ فأجلس هنالك على مرتبةٍ لا تصلح لأحد سواه، وهو بهج جذلان، لا يشك في تمام الأمر له، وأصحابه يرتقبون مجيء ابني عمه المذكورين - وقد أبطأا - كيما يحصلوهما عنده. فبينما نحن على ذلك، والقلق على القوم باد، إذ غشيتنا ضجة وزعقة هائلة ارتج لها الجامع واضطرب لها من بالمقصورة. فإذا عبد الرحمن بن هشام قد وافى شرقي الجامع، في خلقٍ رجالهما، شاهرين سيفيهما أمامه، لهيجن باسمه؛ فراع الوزراء
[ ١ / ٤٩ ]
ذلك وألقوا للوقت بأيديهم وخذلتهم حيلهم، ودخل المقصورة عبد الرحمن فبويع لوقته. واستدعي سليمان بن المرتضى وجيء به مبهوتًا فقبل يده وهنأه، فأجلسه إلى جنبه، ثم وافى محمد بن العراقي أيضًا فقبل يده وبايعه، ثم عقدت له البيعة، وذلك اليوم الرابع من شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وكان أحمد بن بردٍ قد تقدم في عقدها باسم سليمان بن المرتضى فبشره وحك اسمه، وكتب اسم عبد الرحمن مكانه فكان ذلك من عجائب الدنيا.
ثم ركب وحمل مع نفسه ابني عمه سليمان وابن العراقي فاحتبسهما عنده وآنسهما؛ وظهرت من عبد الرحمن لوقته عرامة، وكان فتى أي فتىً لو أخطأته المتالف. وكان استقل بما طلبه من السلطان جرأة وصرامةً، وركب أعناق الخطوب وقد اعتاصت فأردته. وكان رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا مواليه بني مروان، منهم أحمد بن برد وجماعة من الأغمار، كانوا عصابةً يحل بها الفتاء، ويذهب بها العجب، قدمهم على سائر رجاله، فأحقد بهم أهل السياسة، فانقضت دولته سريعًا، منهم أبو عامر بن شهيد فتى الطوائف، كان بقرطبة في رقته وبراعته وظرفه خليعها المنهمك في بطالته، وأعجب الناس تفاوتًا ما بين قوله وفعله، وأحطهم في هوى نفسه، وأهتكهم لعرضه، وأجرأهم على خالقه. ومنهم أبو محمد بن حزم، وعبد الوهاب
[ ١ / ٥٠ ]
ابن عمه، وكلاهما من أكمل فتيان الزمان فهمًا ومعرفةً ونفاذًا في العلوم الرفيعة.
وأقر المستظهر يومئذ على مراتب الخدمة طوائف؛ منهم خدمة المدينتين الزهراء والزاهرة، وخدمة كتابة التعقب والمحاسبة، وخدمة الحشم، وخدمة القطع بالناض والطعام، وخدمة مواريث الخاصة، وخدمة الطراز، وخدمة المباني، وخدمة الأسلحة وما يجري مجراها، وخدمة الخزانة للقبض والنفقة، وخدمة الهراية والقبض والدفع، وخدمة الوثائق ورفع كتب المظالم، وخدمة خزانة الطب والحكمة، وخدمة الأنزال والنزائل، وخدمة أحكام السوق.
قال أبو الحسن: ولكل لقبٍ من أصناف هذه الخدمة جماعات سماهم أبو مروان بن حيان في كتابه، ثم قال: وهذا زخرف من التسطير وضع على غير حاصل، ومراتب نصبت لغير طائل، تنافسها طالبوها يومئذ بالأمل فلم يحلوا منها بنائل، ولا قبضوا منها مرتزقًا، ولا نالوا بها مرتفقًا؛ وغرهم بارق الطمع وسط بلدٍ محصور، وعمل مغصوب، وخراب مستول، ومع سلطان فقير، لا يقع بيده درهم
[ ١ / ٥١ ]
إلا من صبابة مستغل جوف المدينة، أو نهب مغلول ممن تقلقل عنها؛ يقيم منه رمقه، ويفرق جملته على من تكنفه من جنده ودائرته، ويتطرق إلى ما يقبح من ظلم رعيته؛ فلم يلبث الأمر أن تفرى به فسفك دمه، وانحسم الأمل من دولته. وكان قد بادر في الإرسال عن جماعة من وزرائه، فلما حصل جميعهم عنده قبض عليهم وصادرهم على أموال لصدوفهم عنه، وطالبهم نجاح الضاغط يومئذ عنها. وكان قد استرجحه خاصة الناس وذوو الحجى منهم في القبض على هؤلاء الوزراء، واستبطأوا إبادته لهم ورجوا استظهاره على الأمر بإزالتهم، وسلامة تدبيره من اعتراضهم، وكان قد أخرج رسله إلى جماعة الرؤساء بالأندلس يلتمس البيعة، ويستنفر الكافة، ويدعو إلى كرة الدولة؛ فأخفق ما طلبه وعوجل، ولما تقبض الأجوبة رسله، واضمحل أمره، والبقاء لله وحده.
وكان أيضًا مما حرك الناس عليه استهدافه إلى أهل بيته من ولد الناصر، ومبادرته لحبس سليمان بن المرتضى وابن العراقي المذكورين، وتجاوزهما إلى نفر غيرهما، اعتقل بعضًا وطلب بعضًا، حتى شملهم الخوف؛ فبعث الله عليه من جرأة صاحبه بكر بن محمد بن المشاط الرعيني أدنته من حمامه، وسعى إلى أن وثب عليه محمد بن عبد الرحمن المستكفي، وأحس المستظهر بشيء من ذلك فطلبه، فأعجزه؛ ولم يزل السعي عليه حتى قتل.
[ ١ / ٥٢ ]
@ذكر الخبر عن كيفية مقتله
قال ابن حيان: وكان سبب ذلك أن حسن رأيه في ابن عمران - أحد الرهط الذين كان سجنهم - فأخرجه، فقال له بعض أصحابه: إن مشى ابن عمران في غير سجنك باعًا، بتر من عمرك عامًا؛ فعصاه المستظهر فيه لغالب هواه، فحاق به في الثالث رداه؛ وكان ورد عليه قبل إطلاقه بيومين فوارس من البربر، فكرم مثواهم وأنزلهم معه في دار الملك، فاهتاج لذلك الدائرة وقالوا للعامة: نحن الذين قهرنا البرابرة وطردناهم عن قرطبة، وهذا الرجل يسعى في ردهم إلينا، وتمكينهم من نواصينا؛ فهاجوا العامة، فوثبوا عليه بالقصر، وقتل البرابرة حيث وجدوا. ولم يشعر عبد الرحمن إلا والرجالة قد انتشروا على سقف القصر، وسمع المسجونون عنده هتاف الناس فاستغاثوهم، فدقوا الأغلاق دونهم، واختلط بالحرم؛ فعلم عبد الرحمن أنه مقتول. وأحيط به من كل جهة؛ فاستغاث الوزراء: ابن جهور ولمته، فلم يجدوا له مناصًا ولا خلاصًا، ولا يصدقون بنجاة أنفسهم وقد ضهلوا عنه بالحيلة في تخليصهم؛ فأشار عليهم الدائرة الفسقة بتركه، والذهاب عنه؛ فجعل الوزراء يتسللون عنه واحدًا بعد واحد إلى أن أفردوه. فنجا عامة من
[ ١ / ٥٣ ]
تعجل القرار من الوزراء وأهل الخدمة على باب الحمام من القصر فاهتدى إليه الدائرة، وأحلوا بمن خرج منه الفاقرة؛ منهم أحمد بن بسيلٍ متقلد المدينة، قتل يومئذ. وجاء عبد الرحمن إلى ذلك الباب يطمع في الخروج؛ فقام الدائرة في وجهه وزرقوه وهم يسبونه؛ فارتد على عقبه، وترجل عن فرسه، وتجرد من ثيابه، حتى بقي في قميصه؛ واستخفى في أبزن الحمام، ففقد شخصه؛ واستخفى البرابرة في الحمام وفي أكناف القصر فبحث عنهم وقتلوا. ولاذ منهم طائفة بالجامع فقتلوا فيه؛ وفضح حريم عبد الرحمن وسبى أكثرهن الدائرة وحملوهن إلى منازلهم علانية، وجرى عليهن ما لم يجر على حرم سلطانٍ في مدة تلك الفتنة.
قال: ولما فقد شخص عبد الرحمن ظهر ابن عمه محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر الساعي عليه في المكان الذي كان متطمرًا فيه فهتف الدائرة باسمه، وانتهوا به إلى دار الملك، فإذا هي بلاقع؛ فأجلسوه في مجلسها القبلي مبهوتًا. وقام الدائران الفاسقان محمود وعمير على رأسه بالسيوف مقامها بالأمس على رأس عبد الرحمن ابن عمه وتكاثرت الدائرة والعامة عليه. وافتقد عبد الرحمن المستظهر فوجدوه في ابزن الحمام قد انطوى انطواء الحية في مكان حرجٍ، فأخرج في
[ ١ / ٥٤ ]
قميص مسود بحالٍ قبيحة؛ وجيء به إلى محمد بن عبد الرحمن المستكفي وقد بويع يوم السبت الثالث من ذي قعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة؛ فبطش به بعض الرجالة القائمين على رأسه، فتهلل وجه ابن عمه [القائم عليه]، وأخذ في تدبير سلطانه. فكانت إمارة المستظهر - إلى أن قتل - سبعة وأربعين يومًا، لم تنتشر له فيها طاعة، ولا التأمت عليه جماعة، ولا تجاوزت دعوته قرطبة. وكان سنه يوم قتل ثلاثًا وعشرين سنة.
وكان على حداثة سنه ذكيًا يقظًا لبيبًا أديبًا حسن الكلام جيد القريحة مليح البلاغة يتصرف فيما شاءه من الخطابة بديهة ورويةً، ويصوغ قطعًا من الشعر مستجادة. وقد اقتضب بحضرة الوزراءة في أيامه عدة رسائل وتوقيعات لم يقصر فيها عن الغاية، يزين ذلك بطهارة أثواب وعفةٍ وبراءة من شرب النبيذ سرًا وعلانية. وكان في وقته نسيج وحده، ختم به فضلاء أهل بيته الناصريين، فلم يأت بعده مثله.
وهذه جملة ما وجد له من شعره: من ذلك قصيدة كتب بها إلى مشنف زوج سليمان بن الحكم، أيام خطب بنتها من سليمان المسماة حبيبة فلوته؛ وكان بقلبه من هذه الابنة مكان لنشأتهما معًا في ذلك الأوان؛ يقول فيها:
[ ١ / ٥٥ ]
وجالبة عذرًا لتصرف رغبتي وتأبى المعالي أن تجيز لها عذرا
يكلفها الأهلون ردي جهالةً وهل حسن بالشمس أن تمنع البدرا
وماذا على أم الحبيبة إذ رأت جلالة قدري أن أكون لها صهرا
جعلت لها شرطًا علي تعبدي وسقت إليها في الهوى مهجتي مهرا
تعلقتها من عبد شمس غريرةً محدرةً من صيد آبائها غرا
حمامة عش العبشميين رفرفت فطرت إليها من سراتهم صقرا
لقد طال صوم الحب عنك فما الذي يضرك منه أن تكوني له فطرا
وإني لأستشفي بمري بداركم هدوءًا وأستسقي لساكنها القطرا
وألصق أحشائي ببرد ترابها لأطفئ من نار الأسى بكم جمرا
فإن تصرفيني يا ابنة العم تصرفي - وعيشك - كفأ مد رغبته سترا
وإني لأرجو أن أطوق مفخري بملكي لها وهي التي عظمت فخرا
وإني لطعان إذا الخيل أقبلت جرائدها حتى تري جونها شقرا
وإني لأولى الناس من قومها بها وأنبههم ذكرًا وأرفعهم قدرًا
وعندي ما يصبي الحليمة ثيبًا وينسي الفتاة الخود عذرتها البكرا
جمال وآداب وخلق موطأ ولفظ إذا ما شئت أسمعك السحرا وإنه لمحها يومًا وأومأ بالسلام، فلم ترده عليه خجلًا، فكتب إليها:
سلام على من لم يجد بكلامه ولم يرني أهلًا لرد سلامه
[ ١ / ٥٦ ]
سلام على الرامي الذي كلما رمى أصاب فؤادي عامدًا بسهامه
بنفسي حبيب لم يجد لمحبه بطيف خيال زائرٍ في منامه
ألم تعلمي يا عذبه الإسم أنني فتى فيك مخلوع عذار لجامه
وأني وفي حافظ لأذمتي إذا لم يقل غيري بحفظ ذمامه
يبشر ذاك الشعر شعري أنه سيوصل حبلي بعد طول انصرامه
وما شك طرفي أن طرفك مسعدي ومنقذ قلبي من حبال غرامه
عليك سلام الله من ذي تحيةٍ وإن كان هذا زائدًا في اجترامه وله فيها أيضًا:
تبسم عن در تنضد في الورس وأسفر عن وجه يتيه على الشمس
غزال براه من نور عرشه لتقطيع أنفاسي وليس من الإنس
وهبت له ملكي وروحي ومهجتي ونفسي ولا شيء أعز من النفس وهو القائل:
طال عمر الليل عندي مذ تولعت بصدي
يا غزالًا نقض الو د ولم يوف بعهدي
أنسيت العهد إذ بت نا على مفرش ورد
واجتمعنا في وشاح وانتظمنا نظم عقد
[ ١ / ٥٧ ]
وتعانقنا كغصني ن وقدانا كقد
ونجوم الليل تحكي ذهبًا في لازورد ورفع إليه شاعر ممن هنأه بالخلافة يوم بيعته شعرًا له كتبه في رقٍ مبشور، واعتذر من ذلك بهذين البيتين:
الرق مبشور وفيه بشارة ببقا الإمام الفاضل المستظهر
ملك أعاد العيش غضًا شخصه وكذا يكون به طوال الأدهر فأجزل المستظهر بالله صلته، ووقع على ظهر رقعته بهذه الأبيات:
قبلنا العذر في بشر الكتاب لما أحكمت من فصل الخطاب
وجدنا بالجزاء بما لدينا على قدر الوجود بلا حساب
فنحن المنعمون إذا قدرنا ونحن الغافرون أذى الذئاب
ونحن المطلعون بلا امتراء شموس المجد من فلك الثواب ومما قاله - زعموا - يوم وثوب البرابرة عليه بالدائرة التي أمرت بقتله:
يا أيها القمر المنير كن نحو شبهك لي سفير
بتحيةٍ أودعتها شوقًا بنيات الصدور
[ ١ / ٥٨ ]
انتهى ما وجدناه من أشعار بني أمية من أول المائة الخامسة من الهجرة ابتداءً من تأريخ هذا الديوان. وشرحنا بعض ما تعلق بذلك من خطب، واندرج أثناءه من ذكر حرب.
ونتلوه بذكر من تقدم زمانه، واشتهر إحسانه، وملأ المسامع والمجامع بيانه وسار في المغارب والمشارق ذكره وشانه، وملأ ظهور السباسب وبطون المهارق سماعه وعيانه.
@فصل في ذكر الأديب أبي عمر أحمد بن دراج القسطلي
@وإثبات جملة من نظمه الفائق الدرر، ونثره المعجز الورد والصدر
@واجتلاب ما يتعلق به ويتصل بسببه من خبر
قال ابن بسام: كان أبو عمر القسطلي وقته لسان الجزيرة شاعرًا وأولًا حين عد معاصريه من شعرائها المشهور، وآخر حاملي لوائها، وبهجة
[ ١ / ٥٩ ]
أرضها وسمائها، وأسوة كتابها وشعرائها؛ له عقد فخرها المحمول وسهم، وبه بدئ ذكرها الجميل وختم؛ حل اسمه من الأماني محل الأنس، وسار نظمه ونثره في الأقاصي والأداني مسير الشمس؛ وأحد من تضاءلت الآفاق عن جلالة قدره، وكانت الشام الشام والعراق أدنى خطى ذكره.
وقد أجرى الثعالبي طرفًا من أمره، وأغرب بلمع من شعره، فقال في كتابه المترجم ب - " اليتيمة ": " بلغني أن أبا عمر القسطلي كان عندهم بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام؛ وهو أحد شعرائهم الفحول هنالك. وكان يجيد ما ينظم " انتهى كلام الثعالبي.
وإنما ذكرته أنا؛ وكان من شعراء ابن أبي عامر، لأنه تراخت أيامه، وأغضى عنه حمامه، حتى أخرجته المحن، وسالت به تلك الفتن، الكائنة صدر المائة الخامسة من الهجرة.
وذكره ابن حيان معجبًا من أخباره، معربًا عن جلالة مقداره؛ فقال: وأبو عمر القسلطي سباق حلبة الشعراء العامريين، وخاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين. وكان ممن طوحت به تلك الفتنة الشنعاء، واضطرته إلى النجعة، فاستقرى ملوكها أجمعين، ما بين الجزيرة الخضراء، فسرقسطة من الثغر الأعلى؛ يهز كلا بمديحه
[ ١ / ٦٠ ]
ويستعينهم على نكبته، وليس منهم من يصغي له، ولا يحفظ ما أضيع من حقه، وأرخص من علقه؛ وهو يخبطهم خبط العضاه بمقوله، فيصمون عنه، إلى أن مر بعقوة منذر بن يحيى أمير سرقسطة، فألقى عصا سيره عند من بواه، ورحب به وأوسع قراه؛ فلم يزل عنده، وعند ابنه بعده، مادحًا لهما، مثنيًا عليهما، رافعًا من ذكرهما، غير باغٍ بدلًا بجوارهما، إلى أن مضى بسبيله، بعد أن جرت له، ﵀، على إحسانه الباهر، في فتنة البرابر مع أملاك الجزيرة، في طول الاغتراب والنجعة، أخبار شاقة، فيها لذي اللب موعظة بالغة.
وذكره أيضًا أبو عامر بن شهيد فقال: والفرق بين أبي عمر وغيره أن أبا عمر مطبوع النظام، شديد أسر الكلام؛ ثم زاد بما في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر واللغة والنسب، وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره، وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه فيما يضيق الأنفاس. انتهى كلام ابن شهيد.
قال ابن بسام: وأنا أقول: إن من ذكره لم يوفه حقه، ولا أعطاه وفقه، ولا استوفى تقدمه وسبقه؛ ولو أوفى الأيام، واستنفد القراطيس
[ ١ / ٦١ ]
والأقلام. وقد أتيت أنا من شعره بما يبهر نيرات الألباب، ويظهر خفيات الأسباب، ومن نثره ما يبهر العقول، ويباهي الغرر والحجول؛ وبسامي التيجان والأكاليل، ويسهل التقليد والتأويل.
@جملة من فصول اقتضبتها من كلامه الطويل،
@فرارًا من التطويل
فصل له من رقعة: يا سيدي، ومن أبقاه الله كوكب سعد، في سمء مجد، وطائر يمنٍ، في أفناء أمن، مرجوًا لدفع الاسواء، مؤملًا في اللأواء؛ وكنت قد نشأت في معقل من العفا والوفر، محدقًا بسور من الأمن والستر، حتى أرسل إليّ سلطان الفقر، رسولًا من نوب الدهر، يريد استنزالي إليه، وخضوعي بين يديه، فأبيت من ذلك عليه، فغراني بكتائب من النوائب، تسير تحت ألوية المصائب، تبرق بسيوف الرزايا، وتشهر أسنة المنايا، يرمون عن قسي الأوجال، ويضربون طبول الذعر وسوء الحال، بأيد باطشة لا تكل، وبصائر ثابتة لا تمل، فلم يرعني ذلك منهم أن تلقيتهم بمن معي من جنود الصبر، فافتتح معقلي سلطان الفقر وأخذني أسرًا، وطلب مني فداءً لا أقوم به قسرًا، فأوثقني في قيود الانقياد، وشدني في أغلال الأصفاد، ووكل بل الحيرة والتبلد، وأمرهما ألا يطلقا سبيلي إلا بالفداء، فضاقت بذلك مذاهبي حتى أتى منك رسول يسمى حسن الثناء، فضمن لي عنك فديتي، من
[ ١ / ٦٢ ]
يدي أسرتي، وسيدي أولى من وفى بضمانه، وصدق قول رسوله على لسانه.
وله من أخرى إلى سليمان بن الحكم أمير المؤمنين: حاشا لله أن أستشف الحسي قبل جموحه، وأستكره الدر قبل حفوله، أو أتعامى عن سراج المعذرة، وأرغب عن أدب الله في نظرة إلى ميسرة ولكن:
" ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر "
ما أوضح العذر لي لو أنهم عذروا وأجمل الصبر بي لو أنهم صبروا
لكنهم صغروا عن أزمةٍ كبرت فما اعتذاري عمن عذره الصغر وقد قلبت لهم ظهر الأمور، وميزت بين المعسور والميسور، فما وجدت أحسن بدءًا، ولا أحمد عودًا، مما أذن الله فيه لعباده الذين أعمرهم أرضه، وسخر لهم بره وبحره، أن يمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه؛ وحيث نتقلب ففي كرمك، وأين نأمن ففي حرمك، [وحيث لا توحشنا دعوتك، ولا تفوتنا نعمتك، من ملكك إلى ملكك]، ومن يمينك إلى شمالك.
وفي فصل من أخرى: ولعل مقلب القلوب قد قلب قلبك الكريم للأطفال المشردين، الذين دعوك مضطرين، أن تحل عنهم عقل النوى، وتكلهم إلى جبار السما، الذي أمر عباده أن ينتشروا في
[ ١ / ٦٣ ]
أرضه، ويبتغوا من فضله.
وله من أخرى إلى علي بن حمود: حسبك الله يا ابن رسول الله، [وعلى هدىً من الله]، فيما خفقت إليه راياتك، وصدقت به آياتك، جدير أن يعز بطاعته نصرك، كما شرح بتوفيقه صدرك، ويتمم بتأييده أمرك، بما أوليت أولياءه المؤمنين، وأبليت في عباده الصالحين، المصابين في الأموال والأهلين، أيام تزاحمت إليهم أسباب القضاء بالبأساء والضراء، وأبرقت عليهم آفاق السماء بسيوف الأعداء، تسح بوابل الدماء [وتموج بأسراب السباء]، فسرعان ما هاموا فلا وزر، وربعوا فلا مستقر، ونادوا ولات حين مناص ولا فوت، إلا من أعفاه الموت؛ فأصبحوا أنفاض الجلاء، وأغراض الفناء، قد جهدوا بالبلاء، وعيوا بالداء العياء، فلئن زلزلت بهم الأرض، لقد سكن بهم عز سلطانك، ولئن تهفت بهم الذعر، لقد اطمأنوا في مهاد أمانك.
وله من أخرى إلى منذر بن يحيى: حياك بتحية الملك، من أحيا بك دعوة الحق، ورداك رداء الإعظام، من أعلى بك لواء الإسلام، مجري الأقدار بإعلاء قدرك، ومصرف الليل والنهار بإعزاز نصرك، ومظهر من أطاعك على من عصاك، ومدمر من عاداك بسيوف من والاك. قد جعل الله أول أسمائك أولى بأعدائك، وأقرب اعتزائك صفوًا لأوليائك؛ ثم سما بك حاجب الشمس، نورًا وأنسًا لهذا الإنس، ونفس حياةٍ لكل نفس.
[ ١ / ٦٤ ]
ثم أحييت فجرهم يا ابن يحيى بسراجين: نور دين ودنيا
وخلفت السحاب ظلًا وجودًا فوسعت الإسلام سقيًا ورعيا
وتحليت من تجيب سناءً كنت فيه للدين والملك محيا ومن كتاب له: وأكرم بها أعراقًا سرت إليك، وأخلاقًا نظمت عليك، وأعباء ملك حملت عاتقيك، وأعنة خيلٍ أسلمت في يديك، [فإليك أهل الدليل، وأرزمت الحمول]، ومن نداك سقي الغليل، وشفي العليل، وفي ذراك برد المقيل، وقصر الليل الطويل، وبعلاك أمن الخائف وعز الذليل، وبسناك هدي ابن السبيل [سواء السبيل]، إلى الظل الظليل، والأمل المأمول، فحبل الغريب موصول، وعذر المسيء مقبول، وجفاء الضيف محمول، فكيف بضيفك المجتاب، إليك غول القفر اليباب، وهول البحر ذي العباب، يهدي إليك لباب الألباب، ويتحفك بجواهر الآداب، متضائلًا في أسمال الاغتراب، مكفكفًا من عبرات الاكتئاب، يتسلى بسلام الحجاب، واستلام الأبواب، إلى أن اكرمته برفع الحجاب [فيا روح ثنائه بكم الأحساب] ويا فوح رياضه بديم السحاب، ويا طيب طوبى وحسن مآب [لمن نصرت وآويت، ووصلت وأدنيت؛ ما دعاك حتى لبيت، ولا استسقاك حتى سقيت، ثاني عطفه عن الشكوى إليك، ناكص طرفه
[ ١ / ٦٥ ]
عن الإدلال عليك، علمًا بأن الهلال ساع إلى الكمال، وأن البدر مؤدٍ إلى الفجر، وأن انسجام زعيم بابتسام الزهر] .
إلى لاعجٍ في القلب مضطرم جاش إليك به بحر من الكلم
ودمع أجفان عين قد شرقن به حتى ترقرق بين الرق والقلم
دينًا لذي أسرةٍ دنيا وفيت به ورحمة وصلت مني بذي رحم
إذا رددت سيوف الهند عن دمه فإنما رفعت عن مهجتي ودمي
وإن ضربت رواقًا دون حرمته فإنها ستري مدت على حرمي
لهفي عليه وقد أهوت له نكب لا تستقل لها ساق على قدم
فبات يسعر برد الليل من حرق ويستشير دموع الصخر من ألم
وما بعيني عن مثواه من وسنٍ وما بأني عن شكواه من صمم قال ابن بسام: ونثر أبي عمر، ﵀، دون نظمه الرائق بكثير، فلذلك ما ألمعت منه بالشيء اليسير، وعولت على عارض شعره الهتن العزيز.
[ ١ / ٦٦ ]
@ما أخرجته من قصائد السلطانيات
حكى أبو مروان بن حيان قال: لما استوسق الأمر بقرطبة لسليمان حسبما وصفناه، تعرض لمدحه من كان ثوى بقرطبة يومئذ من بقية الشعراء العامريين رجاءً في ثمد نواله، فصاغوا في مديحه أشعارًا حسنةً استذموا فيها إلى الدين والمروءة، وأنشدها أكثرهم في مجلس حفله علانية فأصغى وهش، ثم غل المديح فما بل ولا رش؛ وتم لذلك تقويض الجماعة عن حضرة قرطبة، وتخلى الكثير منهم عن ولايته، فأمحى لذلك رسم الأدب بها، وغلب عليها العجمة، وانقلب أهلها من الإنسانية المتعارفة إلى العامية الصريحة، وفارقوا الحرية.
وكان ممن شهر امتداحه للخليفة سليمان يومئذ، وحفظ كلامه من تلك الطبقة العلية، كبيرها أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلي، وقد كان إلى وقته ذلك ثاويًا بقرطبة، يحسب أن سليمان سيجيره من الزمان، وكان النجم أدنى من ذلك إليه. دخل عليه أول مجلسٍ كان له بالقصر فأنشده قصيدته التي أولها:
شهدت لك الأيام أنك عيدها لك حن موحشها وآب بعيدها
[وأضاء مظلمها، وأفرخ روعها وأطاع عاصيها، ولان شديدها]
[ ١ / ٦٧ ]
وصفت بك الدنيا فشب كبيرها في إثر ما قد كان شاب وليدها
ما كان أجمد قبل نوئك بحرها فالآن فجر بالندى جلمودها
فارتاح بيتك في أباطح مكةٍ لمعاد أيام دنا موعودها
لمواكب صهلت إليك خيولها وكتائب هفقت عليك بنودها
شغفًا بدعوتك التي قد طالما عمرت تهائمها بها ونجودها
حتى ارتقت من المنازل رتبةً عزت بها غر الرجال وصيدها
في قبة الملك التي صنهاجة وزناتة أطنابها وعمودها
صدقتك أيام النزال سيوفها ضربًا وفي يوم النفار عهودها
يا ساعة مقطوعةً أرحامها لا البر شاهدها ولا مشهودها
يومًا أذل كرامه للئامه وسطت بأحرار الملوك عبيدها
وتواكلت أبطالها في كربةٍ عيت بها ساداتها ومسودها
لا يهتدي سمت النجاة دليلها دهشًا ولا وجه السداد سديدها
حتى طلعت لهم بأسعد غرةٍ طلعت عليهم في السماء سعودها ومنها:
واستودعوا جنبي شرنبة وقعةً هز الجبال الراسيات رعودها
دلفوا إلى شهابء حان حصادها وطلى رؤوس الدارعين حصيدها
[ ١ / ٦٨ ]
وشعاب قنتيش وقد حشرت لهم أمم بغاة لا يكف عديدها
تركوا بها ظهر الصعيد وقد غدا بطنًا، وأجساد العداة صعيدها
وكتائب الإفرنج إذ كادتك في أشياعها والله عنك بكيدها
بسوابح في لج بحر سوابغ فاضت على الأرض الفضاء مدودها
ولقد أضافوا نسرها وغرابها وقراهما طاغوتها وعميدها
شلو لأرمنقودها حشدت به للزحف ثم إلى الجحيم حشودها
ودنوا لها في آر تحت صوارم وريت بعز المسلمين زنودها
من بعدما قصفوا الرماح وأصلتوا بيضًا يشايع حدها توحيدها
فكأنما رفعت له صلبانها في ظل هبوتها فحان سجودها
وبجانب [الغربي] إذ قدمتها شعثًا يبشر بالفتوح شهيدها
ضربوا على الأخدود هام حماته حتى عبرن وجسرهن خدودها
في وقعة قامت بعذر سيوفهم لو ذاب من حر الجلاد حديدها
ويضيق فيها العذر عن خطيةٍ سمراء لم يورق بكفك عودها
[ ١ / ٦٩ ]
فيها رأيت العز حيث تريده وسوابغ النعماء حيث تريدها
فاقبل فقد ساقت إليك مهورها أكفاء حمدٍ لا يذم حميدها
بدعًا من النظم النفيس تشابهت فيها الجواهر درها وفريدها
وليهنها أيام عزٍ كلها عيد وأنت لمن أطاعك عيدها ومدحه أيضًا بقصيدة أخرى أولها:
هنيئًا لهذا الملك روح وريحان وللدين والدنيا أمان وإيمان
فإن قعيد الخزي قد ثل عرشه وإن أمير المؤمنين سليمان
سمي الذي انقاد الأنام لأمره فلم يعصه في الأرض إن ولا جان
وقام فقامت للمعالي معالم وللخير أسواق وللعدل ميزان
وجدد للإسلام سور خلافةٍ عليها من الرحمن نور وبرهان
قريب النبي المصطفى وابن عمه، ووارث ما شادت قريش وعدنان
وما ساقت الشورى وأوجبه التقى وأورث ذو النورين عمك عثمان
وما حاكمت فيه السيوف وحازه إليك وأبو الأملاك جدك مروان ومنها في صفة رجال حربه، وهو من جيد الكلام وحر النظام:
وقد لمعت حوليك منهم أسنة تخيل أن الحزن والسهل نيران
[ ١ / ٧٠ ]
أسود هياج ما تزال تراهم تطير بهم نحو الكريهة عقبان
وأقمار حربٍ طالعت كأنما عمائمهم في موقف الروع تيجان
وكل زناتي كأن حسامه وهامة من لاقاه نار وقربان
وأبيض صنهاجٍ كأن سنانه شهاب إذا أهوى لقرنٍ وشيطان ومنها في وصف صلحٍ والندب إليه:
وقلت لعًا للعاثرين كأنه نشور لقوم حان منهم وقد حانوا
وقد أمن التشريب إخوة يوسف وأدركهم لله عفو وغفران
وحنت لداعي الصلح بكر وتغلب وشفعت الأرحام عبس وذبيان
وفازت قداح المشتري بسعودها وسالم بهرام وأعتب كيوان وله من أخرى في منذر بن يحيى، حين قدم عليه صاعد اللغوي:
علا فحوى ميراث عاد وتبعٍ بهمته العليا ونسبته الدينا
فأعرب عن أقوام يعرب واحتبى فلم ينس من هود سناءً ولا هديا
ومن حمير رد القنا أحمر الذرى ومن سبأ قادت كتائبه السبيا
وما نام عنه عرق قحطان إذ فدى عروق الثرى من غلة القحط بالسقيا
[ ١ / ٧١ ]
وما أسكنت عنه السكون سيادةً ولا رضيت طي لراحته طيا
ولا كندت أسيافه ملك كندةٍ فيترك في أركان عزتها وهيا
ولا أقعدته عن إجابة صارخٍ تجيب ولو حبوًا إلى الطعن أو مشيا
وكائن له الأوس من حق أسوةٍ بنصب الهدى جهرًا وبذل الندى خفيا
هم أورثوه نصر دين محمد وحازوا له فخر الندى والقرى وحيا
مناقب أدوها إليه وراثةً فكان لها صدرًا وكانت له حليا
وصوت ثناء أسمع الله ذكره ليسمع منه الصم أو يهدي العميا [ومنها في ورد صاعد الغوي]:
وأهدت له بغداد ديوان علمها هدية من والى وتحفة من حيا
فكانت كمن حيا الرياض بزهرها وأهدى إلى صنعاء من نسجها وشيا
وحسب رواة العلم أن يتدارسوا مآثره حفظًا وآثاره وعيا
إذا لمعت زرق الأسنة حوله كإضرام نيران الهموم حواليا
وقد لاذ أبطال الجلاد بعطفه كما لاذ أطفال الجلاء بعطفيا
وقد قصرت عنه رماح عداته كما قصرت عنهم رياض جناحًا ومنها:
فيالك من ذكرى سناءٍ ورفعةٍ إذا وضعوا في الترب أيمن شقيا
[ ١ / ٧٢ ]
وفاحت ليالي الدهر مني ميتا فأخزين أياما دفنت بها حيا
وكان ضياعي حسرة وتندما إذا لم يفد شيئا ولم يغني شيا
وأصبحت في دار الغنى عن ذوي الغنى وعوضت فاستقبلت أسد يوميا
سوى حسرتي عرض ووجه تضعضعا لقارعة البلوى وكانا عتاديا
فيا عبرتي سحي لعلي مبلل بجريك ما أنزفت من ماء خديا
ويا زفرتي هل في وقودك جذوة تنير لنا صبحا ثناه الأسى مسيا
ويا خلتي إن سوف الغوث بالمنى ويا غلتي إن أبطأ الغيث بالسقيا
فقوما إلى رب السماء فأسعدا تقلب وجهي في السماء وقد حيا
ويا أوجه الأحرار لا تتبدلي بظل ابن يحيى بعد ظلًا ولا فيا وله فيه من أخرى:
لبيك، أسمعنا نداك ودوننا نوء الكواكب مخويًا أو ممطرًا
فسريت في حرم الأهلة مظلمًا ورفلت في خلع السموم مهجرا
ظعن ألفن القفر في غول الدجى وتركن مألوف المعاهد مقفرا
يطلبن لج البحر حيث تقاذفت أمواجه، والبر حيث تنكرا
هيم وما يبغين دونك موردًا أبدًا ولا عن بحر جودك مصدرا
من كل نضو الآل محبوك المنى يزجيه نحوك كل محبوك القرا
[ ١ / ٧٣ ]
بدن فدت منا دماء نحورها ببقائها في كل أفق منحرا
نحرت بنا صدر الدبور فأنبطت قلق المضاجع تحت جوٍ أكدرا
خوص نفحن بنا البرى حتى انثنت أشلاؤهن كمثل أنصاف البرى
وصبت إلى نحر الصبا فاستخلصت سكن الليالي والنهار المبصرا
نذرت لما ألا تلاقي راحة مما تلاقي أو تلاقي منذرا
فلئن صفا ماء الحياة لديك لي فبما شرقت إليك بالماء الصرى
ولئن خلعت علي بردًا أخضرًا فلقد لبست إليك عيشًا أغبرا ومنها:
أبني لا تذهب بنفسك حسرة عن غول رحلي منجدًا أو مغورا
فلئن تركت الليل فوقي داجيًا فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا
وحللت أرضًا بدلت حصباؤها ذهبًا يرف لناظري وجوهرا
ولتعلم الأملاك أني بعدها ألفيت كل الصيد في جوف الفرا
ورمى علي رداءه من دونهم ملك تخير للعلا فتخيرا
ضربوا قداحهم علي ففاز بي من كان بالقدح المعلى أجدرا ومنها:
كلا وقد آنست من هود هدىً ولقيت يعرب في القيول وحميرا
[ ١ / ٧٤ ]
وأصبت في سبأ مورث ملكها يسبي املوك ولا يدب لها الضرا
فكأنما تابعت تبع رافعًا أعلامه ملكًا يدين له الورى
والحارث الجفني ممنوع الحمى بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتمٍ أيام يقري، موسرًا أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجةٍ يكسو غلائلها الجياد الضمرا
وعقدت في يمنٍ مواثق ذمةٍ مشدودة الأسباب موثقة العرى
وأتيت مجدك وهو يرفع منبرًا للدين والدنيا ويخفض منبرا
وخططت بين جفانها وجفونها حرمًا أبت حرماته أن تحفرا
تلك البدور تتابعت وخلفتها سعيًا فكنت الجوهر المتخيرا قال أبو الحسن: أراه احتذى في هذه الأبيات الأخيرة حذو أبي الطيب في ابن العميد حيث يقول:
من مبلغ الأعراب أني بعدها جالست رسطا ليس والإسكندرا
ولقيت بطليموس دارس كتبه متبديًا في ملكه متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا وأتى " فذلك " إذ أتيت مؤخرا
[ ١ / ٧٥ ]
وقوله " خوص نفحن بنا البرى " البيت، معنى مشهور، وهو في الشعر كثير، ومنه قول بعض أهل العصر، وهو أبو جعفر بن هريرة التطيلي يصف إبلًا:
كأنصاف البرى وتدق عنها شواها دقةً تسع الجلالا وكذلك قوله: " لله أي أهلةٍ " البيت، كقول أبي جعفر المذكور:
كل عوجاء كالهلال عليها كل ذي تدرإٍ كبدر الكمال وأنشدت لابن بياع السبتي:
وردت بها التنوفة وهي بدر فلم أصدر بها إلا هلالا وقوله: " ورمى علي رداءه من دونهم " أشار إلى لفظ الهذلي دون معناه وهو:
ولم ادر من ألقى عليه رداءه سوى أنه قد سل عن ماجدٍ محض وذكر الرواة أنه لا تعرف العرب رجلًا مدح من لا يعرفه غير أبي خراش الهذلي هذا، وكان خراش وعمه عروة غزوا فأخذا، وهموا بقتلهما، فنهاهم بنو دارمٍ وأبى بنو هلالٍ إلا قتلهما، فأقبل رجل
[ ١ / ٧٦ ]
من بني دارم فألقى على خراش رداءه، وشغل القوم بقتل عروة، وقال الرجل لخراش: انج، فنجا إلى أبيه وأخبره الخبر، فقال الأبيات التي أولها:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشر أهون من بعض فقلت: لا، قال: من قول أبي خراش: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " البيت، قلت له: والمعنى مختلف قال: أما ترى حذو الكلام واحدًا -
وقال القسطلي يمدح الوزير أبا الأصبغ عيسى بن سعيد القطاع:
أفي مثلها تنبو أياديك عن مثلي وهذي الأماني فيك جامعة الشمل
وقد أمن المقدار ما كنت أتقي وأرخصت الأيام ما كنت أستغلي
وأذعن صرف الدهر سمعًا وطاعةً لما فهت من قولٍ وأمضيت من فعل
وناديت بالإنعام في الأرض والتقت بيمناك أشتات الطرائق والسبل
وهذا مقامي منذ تسع وأربع رجائي في قيد وحظي في غل
كأني لم أحلل ذراك ولم أقم مناخ المطايا فيه مرتهن الرحل
[ ١ / ٧٧ ]
وأغض عن البرق الذي شيم للحيا وأعقد بحبلٍ منك بين الورى حبلي
ولم تصفني خلقًا أرق من الهوى ولم تولني نعمى ألذ من الوصل
ولم تثن عني في مواطن جمةً سيوفًا حدادًا قد سللن على قتلي
ولم أطوسن الإكتهال محاكمًا إليك خطوبًا شيبت مفرق الطفل
وكنت ومفتاح الرغائب ضائع ملاذي فهذا بابها ضائع القفل
وإني في أفياء ظلك أشتكي شكية موسى إذ تولى إلى الظل وهذا البيت من لفظ القرآن العزيز، وقد أقدمت على مثل هذا جماعة من الشعراء من محدثين وقدماء؛ فمن غال متسور، ومن آخذٍ معتذر؛ قال أبو العلاء المعري:
كنت موسى وافته بنت شعيبٍ غير أن ليس فيكما من فقير وأخذه بعض أهل عصرنا، وهو حسان بن المصيصي فقال للمعتمد ابن عباد:
كبنت شعيب إذ زفت لموسى ولكن للثراء هنا مزيد ومن آخر من ركب هذا الأسلوب في مكابرة الحقائق، وأضل من ذهب هذا المذهب الغريب، من الاجتراء على الخلق والخالق، المنفتل بقوله:
وقد كان موسى خائفًا مترقبًا فقيرًا وآمنت المخافة والفقرا
[ ١ / ٧٨ ]
وستأتي قصيدته هذه في موضعها، وتنتظم القصة عنه بأجمعها. وفي هذه القصيدة يقول القسطلي:
ولي الندى أصبحت في دولة الندى كأني عدو والبخل في دولة البخل
يقتل أخفى اليأس أحيا مطالبي ليالي جل الوعد عن رتبة المطل
وأبدي للسع الدبر وجهي منازعًا وقد فاز غيري سالمًا بجنى النحل وهكذا كقول المتنبي:
ولا بد دون الشهد من ابر النحل وقال ابتن سارة الشنتريني:
لها قسمة بين الرواة وبينكم فمن قسمة ضيزى ومن قسمةٍ عدل
بأفواههم منها جنى النحل كلما رووها وفي أستاهكم إبر النحل ومنها:
أواصل آناء الأصائل بالضحى وزادي من جهدي، وراحلتي رجلي وهذا مما شرحه وأوضحه أبو الطيب بقوله من المنسرح:
لا ناقتي تقبل سالرديف ولا بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشرفها زمامها، والشسوع مقودها ومنها:
إذا أحفت الفرسان غر جيادهم خصفت برجلي ما تمزق من نعلي
[ ١ / ٧٩ ]
وإن أقبلوا والمسك يندى عليهم أتيت وقد ضمخت مسكًا من الوحل
وإن شغلوا لهوًا بأنعم كفه فخدمته لهوي وطاعته شغلي
أقر عيون الشامتين وليتني أبرد ما تطوي الصدور من الغل
أمر بهم ألقلى الثرى وكأنما فؤادي من أحداقهن غرض النبل
إذا الأسد الضرغام أنفذ مقتلي فما فزعي إلا إلى الأرقم الصل
وإن ذاب حر الوجه من حر نارهم فما مستغاثي منه إلا إلى المهل
ومن شيمة الماء القراح - وإن صفا - إذا اضطرمت من تحته النار أن يغلي
ولا وزر إلا وزير له يد تمل على أيدي الربيع فتستملي
أبا الأصبغ المعني هل أنت مصرخي وهل أنت لي مغن وهل أنت لي معلي
فأكسولك الأيام من حر ما أشي وأملأ سمع الدهر من سحر ما أملي
وحتى متى أعطي الزمان مقادتي وقد قبضت كفي على قائم النصل
أيحتقب الركبان شرقًا ومغربًا غرائب أنفاسي وألقاك في الرجل
وينتقل الشرب الندامي بدائعي وهيهات لي من لذة الشرب والنقل
وضيف بحيث الطير تدعى إلى القرى يضيق به رحب المباءة والنزل
وسيف يقد البيض والزغف مقدمًا يروح بلا غمدٍ ويغدو بلا صقل
وذو غرةٍ معروفة السبق في المدى وقد قرح التحجيل من حلق الشكل قوله: " ومن شيمة الماء القراح ".. البيت، هو قول ابن أبي عيينة المهلبي.
ولا بد للماء في مرجلٍ على النار موقدةً أن يفورا
[ ١ / ٨٠ ]
وينظر أيضًا معناه - من طرفٍ عليل - إلى بيت عمارة بن عقيل:
وما النفس إلا نطفة بقرارة إذا لم تكدر كان صفوًا غديرها وأخذه المعري وزاد حتى كاد يخفيه فقال:
والخل كالماء تبدو لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وقوله: " وذو غرةٍ " البيت، من قول أبي الطيب:
وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ظهور جري فلي فيهن تصهال وقال أبو العلاء المعري يصف قصيدته من جملة أبياتٍ فقال:
حجلت فلم يرها الذي قيدت له وغدت بآفاق البلاد تجول
كالطرف يقلقه المراح صبابةً بالجري وهو مقيد مشكول وقال أبو الوليد بن زيدون:
ثوى صافنًا في مربط الهون يشتكي بتصهاله ما ناله من أذى الشكل وكرره ابن زيدون في موضع آخر فقال:
وأن الجواد الفائت الشأو صافن تخونه شكل وأزرى به ربط وقال عبد الجليل للمعتمد بن عباد من جملة أبيات هي ثابتة في موضعها مكن هذا المجموع:
[ ١ / ٨١ ]
أتتك على خلائقها جيادي وإن كان الضياع لها شكالا وقال القسطلي يمدح المرتضى، آخر ملوك بني مروان، من قصيدة أولها:
جهادك حكم الله من ذا يرده وعزمك أمر الله من ذا يصده
وطائرك اليمن الذي أنت يمنه وطالعك السعد الذي أنت سعده يقول فيها:
وبيعة رضوان رعى الله حقها لمن بيعة الرضوان إذ غاب جده
فأصبح في رأس الرياسة ناجه ونظم في جيد الخلافة عقده
مسرته مأوى الغريب وستره ولذته خير المقل ورفده
وأجناده في موقف الروع روضه وأعلامه في مورد الموت ورده
نلاعب آرام الفلا من هباته وآرامه غر الطراد وجرده
ونفترش الديباج من جود كفه وما فرشه إلا الجواد ولبده
ومن برح البيض الحسان بوجده فبالبياض في الهيجاء برح وجده
[وكل إمام ناصر أنت صنوه وكل إمام قاهر أنت نده
نموك إلى بيت النبوة وابتنوا لك الشرف الفرد الذي أنت فرده
فأفخر بمن قرب النبيين فخره وأمجد بمن مجد الخلائف مجده] وله من أخرى في المنصور بن أبي عامر:
ألم تعلمي أن الثواء هو التوى وأن بيوت العاجزين قبور
تخوفني طول السفار وإنه لتقبيل كف العامري سفير
[ ١ / ٨٢ ]
ذريني أرد ماء المفاوز آجنًا إلى حيث ماء المكرمات نمير
فإن خطيرات المهالك ضمن لراكبها أن الجزاء خطير ومنها في وصف وداعه لمن تخلفه، وذكر ابنه الصغير، بما لا شبيه له ولا نظير، ولا مثيل ولا عديل:
ولما تدانت للوداع وقد هفا بصبري منها أنة وزفير
[تناشدني في عهد المودة والهوى وفي المهد مبغوم النداء صغير]
عيي بمرجوع الخطاب ولفظه بموقع أهواء النفوس خبير
تبوأ ممنوع القلوب ومهدت له أذرع محفوفة ونحور
فكل مفداة الترائب مرضع وكل محية المحاسن ظير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني رواح بتدآب السرى وبكور
وطار جناح البين بي وهفت بها جوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودعت مني غيورًا فإنني على عزمتي من شجوها لغيور
ولو شهدتني والهواجر تلتظي علي ورقراق السراب يمور
أسلط حر الهاجرات إذا سطا على حر وجهي والأصيل هجير
وأستنشق النكباء وهي بوارح وأستوطئ الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلون وللذعر في سمع الجريء صفير ومنها:
وقد خيلت طرق المجرة أنها على مفرق الليل البهيم قتير
[ ١ / ٨٣ ]
ودارت نجوم القطب حتى كأنها كؤوس مهًا وإلى بهن مدير
لقد أيقنت أن المنى طوع همتي وأني بعطف العامري جدير ومنها:
ولما توفوا للسلام ورفعت عن الشمس في أفق السماء ستور
وقد قام من زرق الأسنة دونها صفوف ومن بيض السيوف سطور
رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها وآيات صنع الله كيف تنير
وكيف استوى بالبر والبحر مجلس وقام بعبء الراسيات سرير
فجاؤوا عجالًا والقلوب خوافق وولوا بطاء والنواظر صور ومنها:
وضاءل قدري في ذراك عوائق جرت لي برحًا والقضاء عسير
وما شكر النحعي شكري ولا وفى وفائي - إذ عز الوفاء - قصير
أثرني لخطب الدهر والدهر معضل وكلني لليث الغاب وهو هصور
وقد تخفض الأسماء وهي سواكن ويعمل في الفعل الصحيح ضمير
وتنبو الردينيات والطول وافر ويبعد وقع السهم وهو قصير وله من أخرى في ابن أزرق، وهي أيضًا من حر كلامه، وسحر نظامه:
أخو ظمأ يمص حشاه سبع وأربعة وكلهم ظماء
[ ١ / ٨٤ ]
كأنجم يوسف عددًا ولكن برؤيا هذه برح الخفاء
خطوب خاطبتهم من دواه يموت الحزم فيها والدهاء
تراءت بالكواكب وهي ظهر وآذن فيه بالشمس العشاء
[فهل نظري تخفى أو بصدري وضاق البحر عنها والفضاء]
وكلهم كيوسف إذ فداه من القتل التغرب والجلاء
وإن سجن حواه فكم حواهم سجون الفلك والقفر القواء
نقائذ فتنة وخلوف ذل ألذ من البقاء به الفناء
وإن أقوت مغاني العز منهم فكم عمرت بهم بيد خلاء
وإن ضاقت بهم أرض فأرض فما بكت لمثلهم السماء
[شموس غالها ذعر وبين فهن لكل ضحية هباء]
وكم لبسوا من النعمى برودًا جلاها عن جسومهم الجلاء
وكم عسفوا إليه لج بحرٍ تلاقى الماء فيه والسماء
[فما ظفروا بمثلك نجم سعدٍ به لهم إلى الأمل انتهاء]
ولكن عدلوا منه حسابًا له فيما دعوك له قضاء
كما زجروا من اسم أبيك فألًا فردت فيه قبل الزاي راء وله من أخرى:
فما تجاوزت قرن الموت معتسفًا إلا وقرني رخيم الدل بارعه
[ ١ / ٨٥ ]
تحيتي منه تقبيل ومعتنق يشدني غله عنه وجامعه
لم أخلع الدرع إلا حين شققه عن صبح صدري ما تحمي مدارعه
ولا توقيت سهمًا من لواحظه يذيب سيفي وفي قلبي مواقعه
غضن تجرع أنداء الغمام فما تطوق الدر إلا وهو جارعه
يميس طورًا وسكر الدل عاطفه وتارةً وانثناء الوشي لاذعه
فاستفرغ الخصر كثبانًا تباعده وأنبت الصدر رمانًا يدافعه
فبت تحت رواق الليل ثانيه والشوق ثالثنا والوصل رابعه
والسحر يسحر من لفظ ينازعني والمسك يعبق من كأس أنازعه
راحًا يمد سناها نور راحته لولا المها لجرت فيها أصابعه
كأنما ذاب فيها ورد وجنته وشجها ريقه المعسول مائعه
فيا ظلام نجوم الليل إذ عدمت بدر السماء وفي حجري مضاجعه
[ويا حنين ظباء القفر إذ فقدت غزالهن وفي روضي مراتعه
مجال طرفي وما حازت لواحظه وحر صدري إذا ما ضمنت أضالعه]
والطرف مرآة عيني أستدل بها على الصباح إذا م خيف ساطعه
جونًا أزيد به ليل الرقيب دجىً ويستنير لي الإصباح لامعه
فبات يعجب من ظبي يصارعني وقد يرق على ليث أصارعه
[ ١ / ٨٦ ]
وما رأى قرنًا أعانقه إلا وودع نفسًا لا تراجعه
حتى بدا الصبح مشمطًا ذوائبه يطارد الليل موشيًا أكارعه
كأن جمع ضلال حان مصرعه وأنت بالسيف يا منصور صارعه قال أبو الحسن: قوله " موشيًا أكارعه ": جعل ذوائب الصبح مشمطة من ممازجة الليل له، وجعل أكارع الليل موشية من ممازجة الصبح لها، وجعل آخر الليل من مواخره وهي متصلة بأول الصبح، وآخر الصبح من مقادمه وهي المتصلة بآخر الليل، وأصاب في الإشارة إلى التشبيه لأنه أومأ إلى أن الصبح كالثور الوحشي وهو أبيض، والثيران الوحشية كلها بيض، وأكارعها موشية خاصة. وإنما ألم القسطلي في هذا بقول أعرابي يصف ليلةً: خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صور الأبدان، فما كدنا نتعارف إلا بالآذان. وقوله: " فيا ظلام نجوم الليل " البيت، من مليح المعاني، وقد أخذه إدريس بن اليماني، فقال من جملة أبيات هي ثابتة في موضعها من هذا المجموع:
بدر ألم وبدر الليل ممحق والأفق محلو لك الأرجاء من حسد
تحير الليل فيه أين مطلعه أما درى الليل أن البدر في عضدي - وله من أخرى في علي بن حمود؛ قال ابن بسام: وهذه القصيدة له طويلة، وهي من الهاشميات الغر، بناها من المسك والدر، لا من الجص
[ ١ / ٨٧ ]
والآجر، لا بل خلدها حديثًا على الدهر، وسر بها مطالع النجوم الزهر؛ لو قرعت سمع دعبل بن علي الخزاعي، والكميت بن زيد الأسدي، لأمسكا عن القول، وبرئا إليها من القوة والحول؛ بل لو رآها السيد الحميري، وكثير الخزاعي، لأقاماها بينة على الدعوى، ولتلقياها بشارةً على زعمهما بخروج الخيل من رضوى؛ وقد أثبت أكثرها إعلانا بجلالة قدرها، واستحسانًا لعجزها وصدرها، وأولها:
لعلك يا شمس عند الأصيل شجيت لشجو الغريب الذليل
فكوني شفيعي إلى ابن الشفيع وكوني رسولي إلى ابن الرسول
فإما شهدت فأزكى شهيد وإما دللت فأهدى دليل
على سابق في قيود الخطوب ونجم سنًا في غثاء السيول
[ينادي الثرى لسقام الضياع ويشكو إلى الملك داء الخمول]
[وعز على العلم مثواه أرضًا على حكم دهرٍ ظلوم جهول]
ويعجب كيف دنا من علي ولم تنفصم حلقات الكبول
وكيف تنسم آل النبي وأبطأ عنه شفاء العليل
وأطواد عزهم ماثلات له وهو يرنو بطرف كليل
وأبحرهم زاخرات إليه ويرشف في الثمد المستحيل
[تجرأ من جنتي مأربٍ بخمط وأثل وسدر قليل]
[ ١ / ٨٨ ]
ومنها:
شريد السيوف وفل الحتوف يكيد بأفلاذ قلب مهول
تهاوت بهم مصعقات الرع د في مدجنات الضحى والأصيل
بوارق ظلماء ظلم تبيح دمى من حمى أو دمًا من قتيل
فأذهل مرضعةً عن رضيع وأنسى الحمائم ذكر الهديل
فما تهتدي العين فيها سبيلًا سوى سبل العبرات الهمول
[ولا يعرف الموت فيها طريقًا إلى النفس إلا بعضب صقيل]
ركبت لها محملًا للنجاة وصيرت قصدك فيه عديلي
فردت على عقبيها المنون بواق مجير ورأي أصيل
وقد سمتها بنفيس التلاد على أنفس ضائعات الذحول
نفوس حنت قوس عطفي عليها فكن سهام قسي الخمول ومعنى هذا البيت كقول الرضي مما أنشده الثعالبي:
هن القسي من النحول فإن سما طلب فهن من النجاء الأسهم قال الثعالبي: وما أحسن ما جمع بين القسي والأسهم، وما أراه سبق إليه على هذا الترتيب.
قال ابن بسام: وقد قال بعض أهل عصرنا وهو عبد المجيد بن عبدون من جملة أبيات هي ثابتة بموضعها من هذا المجموع:
[ ١ / ٨٩ ]
جوانح كالقسي رمت ثبيرًا بفتيان - أقلني - بل نبال وقال أبو العرب الصقلي:
وحط بنا عن ناجيات كأنها قسي رمت منا البلاد بأسهم وفي هذه القصيدة يقول القسطلي:
ومن دوننا آنسات الديار نهاب الحمى موحشات الطلول
مغاني السرور لبسن الحداد على لابسات ثياب الذهول
خطيبات خطب النوى والمهور مهارى عليها رحال الرحيل
فمن حرة جليت بالجلاء وعذراء نصت بنص الذميل
ولا حلي إلا جمان الدموع تسيل على كل خد أسيل
فبدلن من طول خفض النعيم بشق الحزون ووعث السهول
ومن قصر الليل تحت الحجال بهول السرى تحت ليلٍ طويل
ومن علل الماء تحت الظلال صلاء القلوب بحر الغليل
ومن طيب نفحٍ بنور الرياض تلظي لفحٍ بنار المقيل
ومن أنسها بين ظئر وتربٍ سرى ليلها بين ذئب وغول
ومن كل مرأى محيًا جميل تلقى الخطوب بصبر جميل
لعل عواقبه أن تتم فيهدي الغريب سواء السبيل
إلى الهاشمي، إلى الطالبي، إلى الفاطمي العطوف الوصول
[ ١ / ٩٠ ]
فسمي جدك عمرو الكرام بهشم الثريد زمان المحول
وضيف حتى وحوش الفلاة وأهدى القرى لهضاب الوعول
وإن أبا طالب للضيوف لأطلب من ضيفه للنزول
يروح عليهم بغر الجفان ويغدو لهم بالغريض النشيل
فأنتم هداة حياة ومرت وأنتم أئمة فعل وقيل
وسادات من حل جنات عدن جميع شبابهم والكهول
وأنتم خلائف دنيا ودينٍ بحكم الكتاب وحكم العقول
ووالدكم خاتم الأنبياء لكم منه مجد حفيٍ كفيل
تلذ بحملكم عاتقاه على حمله كل عبٍ ثقيل
ورحب على ضمكم صدره إذا ضاق صدر أب عن سليل
ويطرقه الوحي وهنًا وأنتم ضجيعاه بين يدي جبرئيل
وزودكم كل هدي زكي وأودعكم كل رأي أصيل قوله: " فمن حرةٍ جليت بالجلاء " البيت، كقول أبي عبد الله بن شرف القرواني من جملة أبيات:
بات كرسيها الجلاء فأضحت في ثياب الجلاء للناس تجلى قال ابن بسام: وانتحى ابن شرف، فيما وصف من فتنة قيروانه
[ ١ / ٩١ ]
منحى القسطلي في شكوى زمانه، والحديث عن الفتن، فكاثر البحر بوشلٍ مشفوه، وجارى الريح بكودن لا فضل فيه. وفي القسم الرابع من هذا الديوان جملة من شعره، شاهدة على ما أجريت من ذكره.
وقال أبو عمر في الخليفة خيران العامري صاحب المرية، وهو متوجه إلى سرقسطة سنة سبع وأربعمائة، ورأيت إثبات بعضها لحسنها:
لك الخير قد أوفى بعهدك خيران وبشراك قد وافاك عز وسلطان
هو النجم لا يدعى إلى الصبح شاهد هو النور لا يبغى على الشمس برهان
إليك شحنا الفلك تهوي كأنها وقد ذعرت من مغرب الشمس غربان
على لجج خضر إذا هبت الصبا ترامى بنا فيها ثبير وثهلان
مواثل ترعى في ذراها مواثلًا كما عبدت في الجاهلية أوثان
وفي طي أسمال الغريب غرائب سكن شغاف القلب شيب وولدان
يرددن في الأحشاء حر مصائب تزيد ظلامًا ليلها وهي نيران
إذا غيض ماء البحر منها مددنه بدمع عيون تمتريهن أشجان
وإن سكنت عنها الرياح جرى بها زفير إلى ذكر الأحبة حنان
[ ١ / ٩٢ ]
يقلن وموج البحر والهم والدجى تموج بنا فيها عيون وآذان
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا سوى البحر قبر أوسوى الماء أكفان
وهبنا رأينا معلم الأرض هل لنا من الأرض مأوى أو من الإنس عرفان
وصرف الردى من دون أدنى منازل تباهى إلينا بالسرور وتزدان
تقسمهن السيف والحيف والبلى وشطت بنا عنها عصور وأزمان
كما اقتسمت أخدانهن يد النوى فهم للردى والبر والبحر إخدان
ظعائن عمران المعاهد مقفر لهن وقعر الأرض منهن عمران
هوت أمهم ماذا هوت برحالهم إلى نازح الآفاق سفن وأظعان
كواكب إلا أن أفلاك سيرها زمام ورحل أو شراع وسكان
فإن غربت أرض المغارب موئلي وأنكرني فيها خليط وخلان
فكم رحبت أرض العراق بمقدمي وأجزلت البشرى علي خراسان
وإن بلادًا أخرجتني لعطل وإن زمانًا خان عهدي لخوان
سلام على الإخوان تسليم يائسٍ وسقيًا لدهر كان لي فيه إخوان
نودعهم شجوًا بشجو كمثل ما أجابت حفيف السهم عوجاء مرنان
ويصدع ما ضم الوداع تفرق كما انشعبت تحت العواصف أغصان
إذا شرق الحادي بهم غربت بنا نوى يومها يومان والحين أحيان
فلا مؤنس إلا شهيق وزفرة ولا مسعد إلا دموع وأشجان
وما كان ذاك البين بين أحبة ولكن قلوب فارقتهن أبدان
فيا عجبًا للصبر منا كأننا لهم غير من كنا وهم غير من كانوا
قضى عيشهم بعدي وعيشي بعدهم بأني قد خنت الوفاء وقد خانوا
[ ١ / ٩٣ ]
وأفجع بمن آوى صفيح وجلمد ووارت رمال بالفلاة وكثبان
وجوه تناءت في البلاد قبورها وإنهم في القلب مني لسكان
وما بليت في الترب إلا تجددت عليها من القلب الموجع أحزان
هم استخلفوا الأحباب أمواج لجة هي الموت أو في الموت عنهن سلوان ومنها:
ولا يأس من روحٍ وفي الله مطمع ولا بعد من خيرٍ وفي الأرض خيران
متى تلحظوا قصر المرية تنزلوا ببحر ندى يمناه در ومرجان
وتستبدلوا من موج بحر شجاكم ببحر لكم منه لجين وعقيان
فتى سيفه للدين أمن وإيمان ويمناه للآمال روح وريحان
ففضت سيوف حاربته وأيمن وشاهت وجوه فاخرته وتيجان
وبالخير فتاح وبالخير عائد وبالخيل ظعان وللخيل طعان
لها الكرة الغراء عن كل شارد أضاءت لهم منها ديار وأوطان
ورد بها يوم اللقاء زناتةً كما انقلبت يوم الهباءة ذبيان
بكل كمي عامري يسوقه لحر الوغى قلب على الدين حران
حليهم بيض الصوارم والقنا لها وحلاهم سابغات وأبدان
فأي صقور قلبت أي أعين إلى أي ليث ردها وهي خلدان
عيون بها كادوا العلا ففقأتها فهم في شعاب الرشد والغي عميان
[ ١ / ٩٤ ]
وما لهم في ظلمة بعد كوكب وما لهم في مقلةٍ بعد إنسان
يضيق بهم رحب القصور وودهم لو احتازهم عنها كهوف وغيران
وأنسيتهم حمل القنا، فسلاحهم عليك - إذا لاقوك - ذل وإذعان
وأنى لفل القبط في مصر موئل وقد غيل فرعون وأهلك هامان
حفرت لهم ف يوم قبرة بالقنا قبورًا هواء الجو منهن ملآن
يطير بها هام ونسر وناعب ويعدو بها ذئب وذيخ وسرحان
فلو نشر الأملاك يومك فيهم لألقى إليك التاج كسرى وخاقان
ولو رد في المنصور روح حياته غداة لقيت الموت والموت غرثان
وناديت للهيجاء أبناء ملكه فلباك آساد عبيد وفتيان
جبال إذا أرسيتها حومة الوغى وإن تدعهم يومًا إليها فعقيان
كتائب بل كتب بنصرك سطرت ووجهك " بسم الله " والسيف عنوان
هو السيف لا يرتاب أنك سيفه إذا نازل الأقران في الحرب أقران
واسمر يسري في بحار من الردى بيمناك لكن يغتدي وهو ظمآن
تلألأ نورًا من سناك سنانه وقد دعت الفرسان للحرب فرسان
فلله ماذا أنجبت منك عامر ولله ماذا ناسبت منك قحطان
ولله منا أهل بيت رمتهم إلى يدك العليا بحور وبلدان
وكلهم يزهى على الشمس بالضحى وبدر الدياجي أنهم لك جيران
وقد زاد أبناء السبيل وسيلة وحلوا فزادوا أنهم لك ضيفان
[ ١ / ٩٥ ]
فما قصرت بي عن علاك شفاعة ولا بك عن مثلي جزاء وإحسان @إيجاز الخبر عن إمارة علي بن حمود الذي ذكر
قال أبو مروان: هو علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن [بن حسن] بن علي بن أبي طالب، ﵃. د
وذكر ابن قتيبة أن نفرًا من ولد إدريس بن عبد الله بن حسن أيام طلبه الرشيد فحبسه عند جعفر بن يحيى فروا إلى المغرب فوقعوا ببلاد أفريقية، ثم رفضتهم آفاقها إلى طرف بلاد البربر فنكحوا إليهم وتبربروا معهم.
قال أبو الحسن: وقد بلغني أن عقبهم إلى اليوم هنالك. وقد قدمت فيما نقلته من كتاب ابن حيان في أخبار الخليفة سليمان السبب الذي أوطأ لعلي ابن حمود ثبجها، وأوضح له منهجها، حتى خرج من عمائها، وعرج إلى شمائها، ونكتب هاهنا ما نصه أيضًا أبو مروان من كيفية مقتله وخبره، بقرطبة أوله وآخره، بعد أن نبرأ من التطويل، ونحذف إن احتجنا إلى ذلك بعض الفصول.
[ ١ / ٩٦ ]
قال ابن حيان: بويع علي بن حمود في باب السدة من قصر قرطبة يوم الاثنين لسبع بقين لمحرم سنة سبع وأربعمائة، ثاني اليوم الذي أدرك فيه بثأر هشام المؤيد؛ ولم يتخلف أحد عن بيعته، ووصلوا إليه على طبقاتهم، فكرم منازلهم، وأجمل خطابهم، وتسمى ليومه من الألقاب السلطانية بالناصر لدين الله: لقب قد سبقه إليه أبو أحمد بن المتوكل العباسي بالمشرق، وتبعه فيه أيضًا عبد الرحمن ابن محمد بهذا الأفق.
ولما صارت لعلي بن حمود الخلافة تقدم من القهر للناس بالغلبة والإرهاب لهم بما خامر القلوب من هول سطوته، ولا سيما برابرة العسكر لما أحل بهم من الذل والقتل فدهشوا منه، وقادهم مديدة قود الإبل المخطوطة، وأعدى عليهم الخصوم، حتى صار أقل الرعية يرفع أعتاهم إلى الحكام بما شاء من وجوه الدعاوى فتجري عليهم الأحكام؛ فبرقت للعدل يومئذ بارقة خلب لم تكد تقد حتى خبت، وتبين أن البرابر أطوع خلق الله لمن أخافهم. وجلس علي بنفسه لمظالم الناس، وهو مفتوح الباب، مرفوع الحجاب، للوارد والصادر، يقيم الحدود مباشرًا بنفسه، لا يحاشي أحدًا من أكابر قومه. فانتشر أهل قرطبة
[ ١ / ٩٧ ]
في الأرض ذات الطول والعرض، وسلكت السبل ورخا السعر، وأرقوا الأغذية، وشاموا النساء وطلبوا النسل، وكان أكثرهم يقول بالعزلة، واتخذوا الحلواء على طول عهد بها، ورجوا الإقالة فخانهم الأمل عما قليل، وارتكبوا في المحنة.
ومن بعض ما جرى في مجلس له من مباشرته إقامة الحدود بنفسه، وجلوسه حيث لم يجلس قط خليفة أنه قدم إليه عصابة من البرابر الأكابر في جرائم تجاوزت حد النكال، فأمر بضرب أعناقهم، وعشائرهم ينظرون خفوة لا ينسبون، ولا يجسرون عليه في شفاعة. وبهذا المجلس وشبهه ما فتن أهل قرطبة بابن حمود أشد فتنة.
وخرج يومًا على باب عامر فالتقى بفارس من البرابر قدامه حمل عنب، فاستوقفه وقال له: من أين لك هذا العنب - قال: أخذته كما يأخذ الناس؛ فأمر بضرب عنقه، ووضع رأسه وسط الحمل، وطيف به البلد كله. وكل أفعاله كانت حسنة عند الرعية إلى أن أوقعهم في أعظم بليةٍ.
وكان علي بن حمود تلقاعةً، شديد الإصابة بعينه، لا يكاد
[ ١ / ٩٨ ]
يفتح عينيه على شيء يستحسنه إلا أسرعت الآفة إليه؛ وله في ذلك نوادر عجيبة، ولربما قال للنفيسة من نسائه: واري محاسنك عن عيني ما استطعت، فإني شاح عليك من عيني، وأنا أحب الاستمتاع بك، أو كلامًا هذا معناه، أخذته عن حظئةٍ له زادتني من عجائبه.
واستمر مع أهل قرطبة نحوًا من ثمانية أشهر في أحسن عشرةٍ، ثم آنس منهم الكراهية لدولته، وبلغه أيضًا قيام المرتضى بشرقي الأندلس فعزم على إبادة أهل قرطبة وإخلائها، فلا يعود لأئمتهم المروانية سلطان آخر الدهر، ثم يعود إلى ساحله، ويجمع شمل برابرته، فيضرب بهم جميع الأندلس. فانقلب سريعًا ظن التجميل الذي كان يظهره لهم وانصرف إلى حزبه البربري فآثره، وأغضى على سوء ما كانوا عليه من الظلم والحيف، فوقع أهل قرطبة وغيرهم في حالتهم مدة سليمان، من استطالتهم عليه. وصب على أهل قرطبة ضروبًا من التنكيل والمغارم، وانتزع السلاح منهم، وهدم دورهم، وقبض أيدي الحكام عن إنصافهم، وأغرم عامتهم، وتوصل إلى أعيانهم بأقوام من شرارهم، ففتحوا له أبوابًا من البلايا أهلك بها الأمة، وتقربوا إليه بالسعاية، وقرن بجميع الناس الأشراط، ووكل بهم الضغاط، فما شئت من مكشف عن اليمين والشمال، متلول الجبين مذال القذال، قد صار شطر الناس أشراطًا على سائرهم، قلما تلقى أحدًا منهم إلا بموكل عليه، حتى
[ ١ / ٩٩ ]
كأن الكرام الكاتبين بدوا للأبصار، فأخذت على الناس الأقطار، فأظلمت الدنيا وأبلس أهلها وغشيتهم من أمر الله ما غشيهم، فلزموا البيوت، وتطمروا في بطون الأرض، حتى قل بالنهار ظهورهم وخلت أسواقهم، فإذا دنا المساء وكف الطلب عنهم، انتشروا تحت الظلام لبعض حاجتهم.
وامتحن معه جماعة من الأعيان، ممن خدم في مدة سليمان، فاعتقلوا وصودروا بأموال. وامتهن بعضهم بالضرب حتى صانعوا على أنفسهم بجملة من المال ففدوا أنفسهم وأمر بإطلاقهم؛ فلما أحضرت دوابهم للركوب، قبضت جميعها، وانطلق القوم رجلًا إلى بيوتهم، فكانت عندهم أعظم آفة جرت عليهم؛ وكان منهم أبو الحزم ابن جهور، وأحمد بن برد الأكبر وغيرهما. فهذه جملة من أخباره، في حالي صلاحه وفساده، ووقتي رضاه وسخطه.
@كيفية مقتله
فلما شنأته القلوب، وأثقلته الأوزار، والتقت عليه الأكف، وخلصت فيخ النجوى، وتوالى عليه الدعاء، نظر الله إلى عباده، وسلط عليه أضعف الخليفة: صبيانًا أغمارًا من صقالبة بني مروان كانوا أقرب الناس إليه، وأدناهم من حرمته، وأحقرهم في عينه، جسرهم الله تعالى على الوثوب عليه بموضع أمنه، في حمام قصره، لا عن مواطأةٍ من
[ ١ / ١٠٠ ]
أحد إلا ما ألقاه الله تعالى في نفوسهم له، وكانوا ثلاثة من الصقلب رفقاء، فيهم وصيف حسن الوجه جدا كان يخف عليه اسمه: منجح ولبيب وعجيب؛ دبروا جميعا عليه فقتلوه ليلا غرة ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة، وقد دخل الحمام سحرا فابتدره منجح بكوب نحاس ثقيل صبه على رأسه، فشجه فغشي عليه، ونادى صاحبيه فوجدوه بالخناجر حتى برد، وسدوا عليه باب الحمام، وتسللوا وصعدوا إلى سقف بعض القصور، وكمنوا في مخاب هنالك كانوا يعرفونها فلم يحس بهم. ولما استطال نساؤه بقاءه بالحمام دخلن عليه، فلم يرعهن إلا مسيل دمه، وهو قتيل ممزق الإهاب. ولم يستتم النهار حتى صح عند الناس مقتله وخبر الفتك به؛ ففرج عنهم غم عظيم، وابتهلوا بشكر خالقهم.
واجتمعت زناتة ووجهوا من حينهم إلى أخيه القاسم صاحب إشبيلية يومئذ، فوافى قرطبة رسوله ليقف على صحة وفاة أخيه بالمعاينة، وخاف أن تكون حيلة منه عليه هنالك، فكشف له عنه وتحققه، فانكفأ إلى صاحبه، ولحق القاسم فأخرج إليه جسد أخيه، فصلى عليه وأمر بإنفاذه إلى مدينة سبتة فدفن بها.
[ ١ / ١٠١ ]
كانت مدة علي بن حمود - من يوم قتل سليمان إلى يوم قتل - واحدا وعشرين شهرا وسبعة أيام؛ فانقضى أمر علي على هذه السبيل، وصار خامسا لمغتالي جبابرة الملوك في الإسلام بأيدي عبيدهم وأتباعهم في الحمام خاصة: أحدهم الفضل بن سهل ذو الرياستين وزير المأمون، ثم أبو سعيد الجنابي صاحب القرامطة، ثم الديلمي المنتزي باصبهان بعد الثلثمائة، ثم ناصر الدولة الحسن بن حمدان المنتزي بالأندلس بعد الأربعمائة، مع مزيته عليهم ببراعة الشرف وحرمة القرابة، فاغتدى علي في ذلك القران بسوء مصارع هؤلاء المبعوثين آية وموعظة. على أن قتل الملوك والأثمة بأيدي الفحول من عبيدهم وأصحابهم - من غير هذا النمط وعلى خلاف هذا - كثير يشق إحصاؤهم والله بأنبائهم البالي سرائرهم. وكان الأغلب على علي بن حمود السخاء والشجاعة على عطوله من الفهم والمعرفة، وبراءته من الخير جملة.
[ ١ / ١٠٢ ]
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي حفص بن برد الأكبر
@وإثبات جملة ما انتخبته من نظمه ونثره،
@مع ما يتعلق بذكره:
قال أبو الحسن: كان أبو حفص في ذلك الأوان واسطة السلك، وقطب رحى الملك؛ استقل ببهائه وجلاله، ورفل في بكره وآصاله، وبرز على نظرائه وأشكاله. وبنو برد ينتمون لبني شهيد بالولاء.
وقلد أبو حفص هذا ديوان الإنشاء بعد ابن الجزيري ثم كتب عن سليمان المستعين وغيره من أمراء الفتنة فأسمع الصم بيانا، واستنزل العصم إبداعا وإحسانا؛ وقد أخرجت من رسائله، ما يعرب عن فضائله، ويوضح مشهور دلائله؛ وكانت وفاته بسرقسطة سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين.
[ ١ / ١٠٣ ]
@ما أخرجته من ديوان رسائله في أوصاف مختلفة
فصول له من العهد المعقود للناصر عبد الرحمن بن أبي عامر:
هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله - أطال الله بقاءه - إلى الناس عامة، وعاهد الله عليه من نفسه خاصة، وأعطى به صفقة يمينه، بيعة تامة، بعد أن أمعن النظر، وأطال الاستخارة؛ وأهمه ما جعل الله له من إمامة المسلمين، وعصب به إمرة المؤمنين، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي - إن هجم محتوم ذلك عليه، ونزل مقدوره به، ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه، ولم يوجرها ملجأ تنعطف عليه - أن يكون بلقاء الله تعالى مفرطا إليه، ساهيا عن أداء الحق إليها. وتقصى عند ذلك طبقات الرجال من أحياء قريش وغيرها، ممن يستحق أن يسند الأمر إليه، ويعول في القيام به عليه، ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه ورعيه، بعد اطراح الهوادة، والتبرؤ من الهوى، والتحري للحق، والتزلف إلى الله تعالى بما يرضيه، وإن قطع الأواصر وأسخط الأقارب، عالما أن لا شفاعة عنده أعلى من العمل الصالح، [وموقنا أن لا وسيلة إليه أزكى من الدين الخالص]؛ فلم يجد أحدا هو أجدر أن
[ ١ / ١٠٤ ]
يقلده عهده، ويفوض أمر الخلافة إليه بعده، في فصل نفسه، [وكرم خيمه]، وشرف مركبه، وعلو منصبه، مع تقواه وعفافه، ومعرفته وإشرافه، وحزمه وثقافه، من المأمون الغيب، الناصح الجيب، النازح على كل عيب، ناصر الدولة أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، وفقه الله.
وفي فصل منه: مع أن أمير المؤمنين - أيده الله - بما طالعه من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الأثر، أمل أن يكون ولي عهده القحطاني الذي حدث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص بتحقيق ما أسنده أبو هريرة إلى النبي ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ". فلما استوت له به الأخبار، وتقابلت عند فيه الآثار، ولم يجد عنه مذهبا، ولا إلى غيره معدلا، خرج إليه عن تدبير الأمور في حياته، وفوض إليه النظر في أمر الخلافة بعد وفاته.
وله فصل من رقعة كتبها عن المظفر بن أبي عامر يقول فيها: وإن من أعجب العجائب ما يجترئ عليه بعض أهل خدمتنا من نبذ عهودنا إليهم بعد توكيدها، وحل عقودنا عليهم بعد تشديدها، ساهين عما يتعرضون له من النقمة، لا يحذرون وقوع المحذور، ولا
[ ١ / ١٠٥ ]
يتوقعون حلول التغيير، قد وله أفئدتهم جهل الواجب، وران على قلوبهم ما أضاعوه من الحق، فلم يرجوا لله وقارا، ولا وفوا سلطانه إجلالا وإكبارا. وقد قال بعض السلف الصالح: إن من إجلال الله إجلال السلطان عادلا كان أو جائرا. ولا أحسب الذي غرهم بنا، وجرأهم علينا، إلا ما وهب الله تعالى لنا من الحلم مع المقدرة، والكظم عند الحفيظة. وذلك وإن كان سجية غالبة، وخليقة لازمة، فرب شنع تحت مخيل النعماء، وغصص في شهي الغذاء، وشرق في نمير الماء. وبين أيديكم - معشر الخدمة - ولا أخص بندائي صغيرا ولا كبيرا، ولا أعني بعيدا دون قريب، ولا أنبه غائبا دون شاهد، ونصب أعينكم، وحشوا أسماعكم عهد المنصور، ﵁، لم يقدم زمانه فينسى، ولا أتت دونه الدهور فيبلى، ثابت على جماعتكم، ولازم لكافتكم، من خاص وعا، ودان وشاحط، صدره التوبيخ باستكتاب الجهلة، واستعانة الضعفة، واستكفاء العجزة، ممن قلت معرفته، واتضعت همته، فلم يبلغ أن يحكم الخط فيقيم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرق فيحسن اختياره، وعجزه الحزم النافذ والحكم الصادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنواناتها وتواريخها والأعداد في رؤوس رسومها، بخطوط أيدي القواد والعمال، من كان منهم كاتبا فبيده، ومن لم يكتب
[ ١ / ١٠٦ ]
فبخط كاتب له معروف، وأن تكون تسمية طبقات الأجناد فيها قائمة الخطوط بينة الحروف، وفي تضاعيفه ألية نحن أولى من أبرها، ووفى بها؛ على أنه إن ورد لأحد من الخدمة بعد وصول ذلك العهد إليه كتاب اعتراض أو عمل في رق ردي، بمداد دني، أو خط خفي، فيه لحن أو كتاب على بشر في عدد أو رأس رسم ما لم يخف أو يقع في حشو الكتاب ويعتذر منه، ليبطلن سعي كاتبه فيما كتب، وليعاجلن بعقوبة العزل وإغرام المال الثابت عدده في القنداق.
وفي فصل منها: وإن قوما من خدمة الحضرة قد عادوا لما نهروا عنه، فكتبوا الخط الدقيق في دني الرقق، دقة من هممهم، ودناءة في اختيارهم، وجهلا بأن الخط جاه الكتاب، وسلك الكلام، به ينظم منثوره، وتفصل شذوره، ونبله من نبل صاحبه، وهجنته لاحقة بكاتبه، ما اقترفوه من العصيان، وأقدموا عليه من خلف السلطان؛ وأنا أعطي الله عهدا لئن ارتفع إلى - بعد بلوغ عهدي هذا أقصى حدود المملكة، وانتهائه أبعد أقطار الطاعة - كتاب على الصفات المذمومة والأحوال المسخوطة، من رق أو مداد أو خط، لأوفين لصاحبه بما قدم إليه من الوعيد إن
[ ١ / ١٠٧ ]
شاء الله؛ فليحذر من حضر منهم أو غاب أن يخالف ما حددناه، أو يجوز ما شرعناه.
وله عنه إلى هذيل بن رزين:
أما بعد - آتاك الله رشدك، وأجزل من توفيقه قسطك - فإن الله تعالى خلق الخلق غنيا عنهم، وأنساهم بمهل غير مهمل، بل ليحصي آثارهم، وليبلوا أخبارهم؛ وجعلهم أخيافا متباينين، وأطوارا مختلفين؛ فمنهم المختص بالطاعة، ومنهم المبتلى بالمعصية، وبين الفريقين أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم؛ ولو شاء الله لكان الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم. والسعيد من خاف ربه، وعرف ذنبه، وبادر بالتوبة قبل فواتها، واستعطى الرحمة قبل منعها. وإن كنت تركت قصدك، وخالفت رشدك، ونكبت عن سبيل سلفك، فلم يوحشك ممن شردت عليه مكروه نالك به، ولم يؤنسك ممن جنحت إليه، أمل لم تطمع فيه إلا لديه، بل كنت من المخاوف، بعيدا من
[ ١ / ١٠٨ ]
المكاره، قريب المكانة، رفيع الدرجة، مصدرا في أهل النصيحة والثقة؛ خلا أنه حدث بينك وبين الحاجب ما لم يزل يحدث بين القواد والعمال على قديم الزمان مما لم يبلغ أن يخرج ذا الرأي الأصيل عن طبقته، ولا يجاوز أن يزيد المحنق على المحك في خصومته، والله عليم أن أمير المؤمنين لم يبخسك في تلك الهبات حظا، ولا أولاك إعراضا، ولقد اعتنى بمصلحتك، وعزم على إزاحة علتك، حتى يتهيأ من ذلك ما يفي بأملك لو انتظرته، واستقام فيه ما يزيد على طلبتك لو صبرت عليه، ولك في القدر المقدور فسحة، وفي القضاء المحتوم مندوحة؛ ولن تضيق بك السبيل عند أمير المؤمنين، وأنت بين طاعة سالفة، واستقامة موروثة، وبين إنابة منتظرة، وتوبة متقبلة، فإحدى الحالتين تحط الذنوب الكبيرة، وتغطي على العيوب الكثيرة؛ فالآن - عصمك الله - واللبب رخي، والمركب وطي، وبابك إلى رضى أمير المؤمنين مفتوح، وسبيلك إلى حسن رأيه سهل، ولا يذهب بك اللجاج إلى عار الدنيا ونار الآخرة - إياك ومصارع الناكثين، وحذار موارط الغادرين.
وله من أخرى عن سليمان إلى جماعة العبيد:
إن الله تعالى قسم لأهل بيتنا بني أمية من السلطان الموصول لهم بخلافة النبوة ما حازه لهم دون سائر قريش، وسراة رجالها وافرة، وبيوت شرفها عامرة، فكان أول من أجمع عليه خيار الصحابة بالشورى والاختيار عثمان بن عفان أمير المؤمنين ذو النورين، وصهره عليه
[ ١ / ١٠٩ ]
السلام مرتين، فلم ينكر فضله هاشمي، ولا دافع إمامته قرشي، ولا نازعه الخلافة عربي ولا عجمي؛ ثم غلب الشقاء على أقوام فنالوا منه ما انفتح عليه باب الفتنة، إلى يوم القيامة، فيالها مصيبة صدعت شمل المسلمين، وأوهنت أركان الدين؛ وافترق أهل الإسلام بعده فرقتين، ثم لم تجتمعا إلا على رجل منا، لرضاء الله عن سيرتنا، وأنس المسلمين إلى حسن مأخذنا، وفضل سياستنا؛ فكانت الجماعة على معاوية بن أبي سفيان كاتب الوحي وصهره ﵇ ورديفه؛ فبلغ من ضبط الأمور، ولين الولاية، وجهاد العدو، وجباية الفيء، وبث العدل، وإدرار العطايا، ما لا يجهله ملي ولا ذمي. وورثه ابنه وابن ابنه؛ ثم صير الله تعالى خلافته إلى مروان بن الحكم جدنا الأعلى أمير المؤمنين، دوسر قريش المفتي بتوفيقه، والحاكم في الأمة بتسديده؛ فألقت إليه بالمقاليد الكافة، وتداولها بنوه آباؤنا الخلفاء الراشدون بالمشرق والأندلس إلى يومنا هذا، والله متم نعمته علينا كما أتمها على آبائنا من قبل، إن ربنا حكيم عليم.
وفي فصل منها: ولم تزل الأثمة منا مقبلة على مواليها، مختصة لعبيدها، تقدمهم في الثقة، وتقربهم بالمودة، وتعدهم لحوادث الأمور، وتقذف بهم في معضلات الخطوب، فيتولون من اجتهادهم لهم ما أوجبت لهم منهم المحبة الخالصة، حتى شرف القوم ونبلوا، وسما ذكرهم ونسبوا إلى مشهور أنسابهم، ومذكورين بيوتاتهم؛ فهم الذين تسمعون عنهم وتعرفون رياستهم كآل خالد، وبني أبي عبدة
[ ١ / ١١٠ ]
وبني شهيد، وبني بسيل، وبني حدير، وغيرهم من أشراف موالينا. وقد أفضى الأمر إليكم، معشر الموالي؛ فهذا اسمكم إذ قد رفع الله عنكم العبودية به، وأخرجكم من رق الملكة، وصيركم منا، وخلطكم بنا، وأفضى بأنسابكم إلينا، والولاء لحمة، فمولى القوم منهم، وملعون من انتمى إلى غير أبيه، وادعى إلى غير مواليه. هذا حكم الديانة على لسانه ﵇؛ وأما حكم الدنيا وسير أهل السداد والصلاح فيها، فلا يخرج أيضًا أن يكون ضلعكم معنا، وميلكم إلينا، وتعصبكم لنا، فنحن أحق الناس بكم، وأجدر أن نعمل عمل آبائنا في أمثالكم، من مواليهم الذي أجرينا ذكرهم، فإن نقمتم حالا مزقت الشمل، ونعيتم أمرا صدع الجمع، فتلك الفتنة التي يعق فيها الابن أباه، ويقتل لها المسلم أخاه، أجارنا الله وإياكم منها، وكشف لنا ظلمتها.
وفي فصل منها: ولعلنا فيما ساءكم من تلك الهنات، ونالكم من الفجعات، أوجع قلوبا، وأشد غموما. فسبحان من لو شاء لأطلعكم على غيبنا فيكم، وعرفكم إشفاقنا عليكم؛ وكيف لا يكون ذلك وكذلك وما زلتم الشعار والدثار، لا نؤثر عليكم، ولا نثق إلا بكم - فإن يكن الشيطان قد نزغ بما نزغ به بين ابني آدم فمن بعدهما من ذريته، فقد آن أن تثوب الحلوم فتعود السيوف في أغمادها، والنبال في كنائنها
[ ١ / ١١١ ]
ونحن نعاهد الله ألا نؤاخذ أحدا بذنب، ولا نناله بعقوق له ولا بأذى، ولا ننطوي له على إحنة، بل نغفر ونصفح ونزيد في العطاء، ونترككم بمواضعكم التي ارتضيتموها، تدر عليكم جباياتها، وتخصكم منافعها، ولا ننسئ في أموركم إذا سمعتم وأطعتم.
وله عنه إليهم في مثل ذلك من رقعة، يقول في فصل منها:
زعم كاتب صحيفتكم أنه ما دامت خلافة سلفنا إلا بطبقتكم، ولا عزت إلا بدعوتكم، وهذا قول من لا علم له، فلم تظهر طبقتكم إلا حديثا، ولا كثر عددكم إلا قريبا، ولم تزل الخلافة عزيزة، والسلطان قائما بأولياء الحق وأنصار الدين، العارفين بفضل الطاعة وموقعها من رضاه تعالى، وبنقص المعصية وموقعها من سخطه. والمنة عليكم لمن عرفكم - معشر العبدى - بالله، وأدخلكم في دينه، واستنقذكم من الضلالة، وأخرجكم من الكفر، ثم اصطنعكم ونوه بكم بالتصرف في الخدمة، فنلتم بذلك البغية، وهيهات أن تقضوا الحق كله، فأقصروا عن شأوكم، فذلك أولى بكم.
وفي فصل منها: وأقسمتم على أن من حسبناه من رؤسائكم كان أولى بالسياسة، فأني لكم ذلك وما أنتم منه - وإنما مدبرون مسوسون أتباع مربوبون؛ وسر التدبير نازح عنكم، والسياسة القويمة محجوبة
[ ١ / ١١٢ ]
دونكم؛ ومتى بلغكم قط عن عبد ثرب على مولاه فأفلح، أو سمعتم بجندٍ شغب على مدبره فأنجح - والحق لا يضره قلة أهله، والباطل لا ينفعه كثرة جمعه، فإن العاقبة للمتقين، وحزب الله هم الغالبون؛ مع أن سفهاء كل طبقة أكثر من حلمائها؛ وقد رأيتم قديمًا نتيجة آراء السفهاء، وكيف أخنى على أهله بموتٍ ذلك التدبير، وطالما جهدنا في الصلاح، وحاولنا قطع الشغب، ودفت الفنتة، فأبى الله إلا ما أراد على أيدي رؤسائكم، الذين أتيتم على عهدهم. وأما من طلبنا من أصحابكم فإنهم قوم خدموا العمالات، تصرفوا في الولايات، وعابوا على الجباة، وخلدت عليهم في الديوان الحسبانات؛ فهم الذين طولبوا في سبيل الحق، ورمي منهم دون الكل بالبعض، وأخذ فيهم وفي أسبابهم بالرفق دون العنف فاعتدوه ظلمًا، وغلى صلاح مآل أمرهم إذ قوربوا، والجميع على ذلك في خير من العافية، وبحظ من الكافية، وأمدٍ من النظرة، إلى أن يأذن الله ببلوغ ما يشاء من المدى. وليس كل ما يبلغكم من التشنيع ويتصل بكم من الإرجاف يلتفت إليه ذوو العقول، ولا يصغي إليه أهل التحصيل.
وفي فصل منها: وأما ما ألصق بكم كاتب صحيفتكم إذ قال: إن لم يعمل بما أردتم أجبتم دعوة من يناديكم؛ فليت شعري من ذا المنادي الذي إليه تلوى الأعناق عنا، أم إلى تفزعون إن فارقتم عصمتنا - أما إن غركم الشيطان، وأسلمكم الخذلان، لتقرعن من الندم الأسنان، بحيث لا ينفعكم أسف، ولا يجدي عليكم لهف؛ والله تعالى ودينه وخلافته في غنىً عمن عند عليه وحاده، وألحد في الإسلام عنه وشاقه، وخرج عن الجماعة، وشق عصا الأمة، واستخف بحقوق
[ ١ / ١١٣ ]
الأئمة، ونازع الأمر أهله، واعترض من الرأي فيما ليس من شأنه على من صيره الله اليه، وأسلمه في يديه، واجتباه واصطفاه على علمٍ به. ولولا أن أمير المؤمنين عرف أن ملأكم لم يجتمع على هذا الكتاب، وتيقن أن أهل السداد منكم لم يرضوا هذا الخطاب، لكان له في ذلك نظر يقيم الأود، ويعدل الميل، مع أن الحلم والكظم من أخلاقه، والرفق والأناة من شيمه؛ فاقبلوا أدبه، وانتفعوا بموعظته، فلو كشف لكم الغطاء واجتلى عليكم الغيب، لعلمتم أن أمير المؤمنين لا ينام عن مصالحكم، ويني في منافعكم، ولا يسعى إلا فيما يرد ألفتكم، ويجمع كلمتكم.
وله عنه من أخرى إلى ابن
إن العاقبة للتقوى، وإن كلمة الله هي العليا، ولا تبتئس فإن الحق دامغ الباطل، وإن لاحت للكذب بارقة، وهبت له نافحة، فإنما ذلك استدرج لأهله، وإملاء لحزبه؛ ثم يأخذهم بما اجترحوا، ويوبقهم بما اكتسبوا؛ وقد علم الناس أن هذين الخارجين علينا، الناكثين بيعتنا، موسومان بإحسانا. أما الطالبي فرفعناه من أوضع ملاحق الجند إلى أعلى مراتب أهل الخطط، ونوهنا بذكره، وأشدنا باسمه، وأشركناه في سلطاننا، وصرفنا إليه طائفةً من جندنا
[ ١ / ١١٤ ]
ووثقناه هم من أعمالنا. وأما المعيطي فإن البلاد نبت بجده فلفظته إلى جدنا ﵁، فآواه وواساه؛ وامتثلنا مثل ذلك في هذا الضعيف المتعير، فوهبنا له خطير ما استوهب، ويسرنا عليه عسير ما طلب، وألحقناه بثقاتنا. فاستبقا في ميدان الغدر، وجمحا إلى مدى الغمط والكبر، جاحدين بحقنا، منتحلين لما لم يجعلهما الله له أهلًا. وأمير المؤمنين دافع لهما بحقه عليهما، ومستعين بالله ثم بإحسانه إليهما.
وفي فصل منها: وأما ما وصفت به نفسك، وعرضته علينا من مجاهدة المارقين، ومناضلة الناكثين، وضمنته من حشد الأجناد قبلك، واستنفار أهل عملك، وما سمحت به من الإنفاق على جميعهم من مالك، فأنت أهل لكل ذلك، وخليق بالوفاء به، وقد بذلت جهدك، وقضيت حق إمامك، فأرضيت ربك، وزكيت نفسك، ورفعت في الغابرين ذكرك؛ وصدقت ظن أمير المؤمنين، وحققت تفرسه فيك، وهو يرجو أن يجتزئ بمن حوله من أنصاره، ويكتفي بمن في حضرته من الأجناد، فهم على أجمل بصيرة في نصره، وعلى أثبت نية في الذب عن سلطانه، والله يعينه وإياهم ويؤيده معهم، وإن احتاج إليك فما أطيب نفسه عليك، وأوثقه بإجابتك أو دعائك، بارك الله فيك، ومتعه بك، فأنت سيفه الفاصل، وسهمه النافذ.
[ ١ / ١١٥ ]
وله عنه إليه أيضًا: ويجب أن تزيد في رتبتك، وتهذب جمال جهتك، وتسعى في توفير محاسنك، وتكثير مناقبك؛ وإن كنت بحمد الله ومنه كامل الأدوات، كثير الحسنات؛ ولكن الزيادة من فضل الله محبوبة من النجباء، مطلوبة من النبلاء؛ وأنت صدرهم السابق وهاديهم المبرز؛ وقد نبذنا إليك في كتابنا مع فلان نبذةً لم نضعها دون غاية البيان، ولم يسعنا إلا إيضاح الدليل وإقامة البرهان.
وله عنه إلى منذر بن يحيى: وأما أمر عليّ بن حمود فعلى ما أعلمناك به من الضعف والوهن، وإنما يطمع في من عندنا والله يبطل طمعه، وقد أوحشنا بطء أخبارك عنا، وإن كنا لا نشك في أنك على جميع ما تصرفت به، وفي كل ما تقلبت فيه، كما نحبه ونهواه، فذاك حظك منا، وموقعك من ثقتنا، وعلى ذلك فإن بواعث الإشفاق جمة، وعوارض التوقي كثيرة، وقد توالت المحن، وطالت الفتن، ونجم النفاق، وشاع الخلاف أهواء أوليائنا.
وله من أخرى إلى ابن صمادح: وإن للبغي مصارع لا تعدو أهله، وللنكث عواقب لا تخطى معتقده، وقد علمت الكافة ما أولاه أمير المؤمنين فلانًا من إحسانه، وأفاضة عليه من معروفه، فرفعه من الحضيض، وانتعشه عند الجريض، ونوه به بعد الخمول، وكثرة وهو قليل، فلم يشكر الله نعمة، ولا وفى له بذمة، وظل يبني الغدرة على غير أسٍ فخر بناؤه، وانتضل في الرميات في غير هدف فصافت سهامه
[ ١ / ١١٦ ]
وأصحابه يتساقطون علينا في كل حين أفواجًا، ويتتابعون إلينا نزاعًا أرسالًا، لما يبدو من ضعف آرائه، وخبث مذاهبه، وقبح غدره، وتناكب أمره، حتى اتسع عليه الخرق، وأعضله الفتق، واستنفر له وجه الخلائق، وأسلمه غرور الشيطان، فأصبح نادمًا سادمًا، وأمسى حائرًا بائرًا، ونكال الله تعالى نازل به، وسخطه منزل عليه، وبأسه منصرف إليه.
وفي فصل من أخرى: أنالك في فلتات تحجب حسن الظن بمن أسبغت عليه النعمة، ووجبت لربه الحجة في أداء النصيحة. وقد اندرجت في أثناء هذه الفتنة خطوب استعمل فيها أمير المؤمنين الثقة بمن لم يتق الله في النصيحة له ولرسوله ﵇ ولخليفته ولجماعة المسلمين، ولم تصدق نيته ولم يصح خبره، ولا رأي لمكذوب. فأوطأه عشوةً، وزخرف له كذبةً على إثر كذبة، ومنى الأماني، وقرب المواعيد، ونمق الزور، ولبس الأمور، وأمير المسلمين يوجس الخيفة، ويخشى الخديعة، ويرى أعلام الريبة، حتى وضح الفجر، وصرح عن زبدته المحض، وليس هو بأول من أحسن فضاع إحسانه، واصطنع فسقطت صنائعه. وفي فضل الله عوض من كل فائت، وفي جزائه خلف من كل ضائع، وفي إقبال رحمته غنىً عن كل مدبر، وللأيام عقب تديل الكره بالرضى، وتنسخ الشدة بالرخا.
وله من أخرى عن عليّ بن حمود إلى منذر بن يحيى: وما أنكرت شيئًا مما ذهبت إليه من التأني والتثبت، ولا اعتقدنا إلا رأيك في نظر الاجتماع، وترقب الالتئام، لترتفع الشبهة وينجلي الشك، وإن كان مذهبنا في هذه الأمة مشهورًا، واحتسابنا الأجر في صلاحها معروفًا
[ ١ / ١١٧ ]
وقيامنا لنصرها وسخاؤنا بأنفسنا وأموالنا لاستنقاذها، لا ننوي إلا وجهه تعالى، وإلا فقد علم من عرفنا، وأيقن من أنصفنا، أننا كنا عيش هني، ولبب رخي، وعمل واسع، ومال وافر، وجند مطيع، وحصن منيع؛ وفي دون ذلك ما أقنع من عرف الدنيا بحقيقتها، وأجزأ من أنزلها منزلتها؛ وما كفى من لا يعدل بالسلامة ولا يبيع بالغبن، ولا يركب الأهوال، ولا يقتحم المهالك، مغررا بدمه، مخاطرا بنفسه، لحطام تافه، وظل زائل، ومتاع قليل، وانا لنرجو منه تعالى أنه لم ييسر ما يسر من آمالنا إلا عند اطلاعه على نيتنا فيها، فنحن بعين الله، ونواصينا بيده، والملك والأمر له.
وفي فصل: والشروط التي خططتها بيدك، وأردت معرفة رأينا بإمضائها، فإنها لعمر الله قليلة في استحقاقك، ولو اتسعت البلاد لأضعاف ما تليه، لكنت لذلك عندنا أهلا في كفايتك وضلاعتك وضبطك وحزمك. فأما الاعتماد عليك في الرأي والقصد إليك بالمشورة فهو الذي لا نعدوه بك ولا نجاوزه فيك، ونحن بذلك أحظى، والفائدة لنا فيه أعلى.
وقد أنفذنا كل ما دعوت إليه من تنفيذ سجلاتك على ما في يديك من الأعمال، واعتقدنا لك ولجميع أهل الصغور - حرسهم الله - الأيمان المنعقدة والأقسام المغلظة لا تدخل عليهم داخلة يكرهونها، ولا يكلفون كلفة يستثقلونها؛ ولا يخالف بهم طريقة يرضونها، ما سمعوا وأطاعوا.
وفي فصل: ووصيتك بأهل قرطبة وغيرهم مقبولة، ونصيحتك فيهم متبوعة، ولن يروا منا، ولن تسمع فيهم عنا، إلا كما يعجبك
[ ١ / ١١٨ ]
ويسرك، ويجذلك ويبهجك؛ وإنما هدى الله أولهم بأولنا، وأسبغ النعم على سلفهم بسلفنا؛ وهل يؤملون أحنى عليهم وأرأف بهم منا - أم هل لمت آتاه الله رشده، وشرح بالإيمان صدره، رغبة عنا - وهل ينكر فضلنا إلا جاهل مكابر، أو يدافع حقنا إلا معاند خاسر -
وله من أخرى: بلغنا جوابك ناكبا عن الحق، بعيدا عن الإنصاف، خلوا من حسن المعاملة، بداية بالامتنان بما كان منك، بما لو اقتنعت فيه بما بذلنا من الشكر لركبت سنن المنصفين، وسلكت سبيل المحسنين، فقد قيل: إن الشكر وإن قل، ثمن لكل نوال وإن جل؛ كما قيل: إن المنة تفسد الصنيعة. ولو نظرت في أخبار الماضين، وكشفت عن سير الأولين، لوجدت ملوك الأمم على قديم الزمان قد تعاملت بالتعاون، وتواصت بالترافد، وإن شحطت ديارها، واختلفت أديانها؛ وجعلت ذلك بينها حقوقا تقضى، وفروضا تؤدى، فالدهر أطور والأيام دول. وقد علمت أن الذي سامحتنا فيه لم تقدم إليه إلا على شروط اشترطتها، وأطماع استدعيتها، فقضيناك كل ما ملكناه، تقدمت، ولا صحبة سلفت، ولو هربت عن هذا الجفاء دهرك، وأنفقت في السلامة من هذا الخطل عمرك، لكنت لنفسك ناظرا، وفي صفقتك تاجرا؛ فإن كنت أردت معرفة العي، كفى بذلك عيا من القول، وزللا من الرأي. وإن قلت إنك لم تعرف مكاننا من الخلافة
[ ١ / ١١٩ ]
ووارثتنا الإمامة، عن أسلافنا الماضين، وأجدادنا الأقربين، وجهلت أننا في نصابها وذروتها، وأقعد الناس بها وأقواهم عليها، فقد كابرت العيان، ودافعت البرهان.
[وله عنه في معنى الرعية: إن الله تعالى قلدني من رعاية عباده، وحملني من سياسة خلقه، وعصب بي من تدبير أمورهم وإصلاح شؤونهم، وألزمني من النظر لهم، والعمل بما يصلحهم، ما لا حول لي فيه ولا قوة عليه إلا بمعونه وتأييده، ولا هداية إلا بتوفيقه وتسديده. وإن الرعية من السلطان، بمكان الأشباح من الأرواح، صلاحهما وفسادهما متصلان، ونماؤهما ونقصانهما منتظمان، إذ كانت الرعية عنصر المال، ومادة الجباية، بها قوام الملك، وعز السلطان، ورزق الأجناد، التي بها يقاتل العدو وينصر الدين، وتحمى الحرم، ولما تأملت أحوال أهل عملك من كورة جيان وذواتها، وحصلت ما يلزمهم أداؤه هذا العام من الطعام في العشور الواجبات، تكنفهم من شفقتي، وأحاط بهم من عواطفي، ما أدى إلى رفع مؤونة طعامهم، وإعفائهم مما يلحقهم فيه من العنت، ويرجع عليهم من الدرك، وكلف الحمولة إلى الأهراء، وما يتبع ذلك من الانتقاص ويتصل بالكيل من التطفيف، وتسقط التبعات، ويخف الثقل،. فانظر عندما يرد كتابي في توزيع ما يجب على أهل عملك من الناض عن كذا وكذا من القمح والشعير، حساب كل مدي من القمح ستة دنانير، ومن الشعير ثلاثة؛ واشمل بتوزيعها الناس كافة، غير محاش منهم أحدا. وليكن ذلك على العدل، وتحري الحق، واعتماد الصدق، بمشاهدة قاضي الجهة، وموافقة شيوخ الرعية ووجوهها، وأهل المعرفة بمواقع وظائفها، إن شاء الله] .
[ ١ / ١٢٠ ]
وله من أخرى، عن المظفر بن أبي عامر، حين قتل عيسى بن سعيد القطاع وزيره: أيها الناس - وفقكم الله لعصمته، واستنقذكم برحمته - إن من علم منكم حال الخائن عيسى بن سعيد بالمشاهدة، ورأى مبلغ النعمة عليه بالمحاضرة، فقد اكتفى بما شهد، واجتزأ بما عاين وحضر؛ ومن غاب عنه كنه ذلك من عوامكم بانتزاح منزل أو لاتصال شغل، فليعلم أنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه من شظف العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وأتممنا نقيصته، وخولناه صنوف الأموال، وصيرنا حاله فوق الأحوال؛ فدلله بذلك المنصور مولاي رضي الله تعالى عنه، فاعتمدته ومهدت له فرش الكرامة، وبوأته دار الفخامة، وأسبغت من نعمي عليه، ما أحوج الخاصة والعامة إليه، فلم يقم لله تعالى بحق، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل رعيتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحذق؛ بل أعلن بالمعاصي، واستذل الأعزة وذوي الهيئات والمروءات، ونافرهم وأنس بأضدادهم، ونبذ عهودنا، وخالف سبلنا، وكدر على الناس صفونا؛ حتى إذا ملكه الأشر، وتناهى به البطر، وغلت به الأمور، وغره بالله الغرور، حاول شق عصا الأمة، وهد ركن الخلافة والأمانة، بما احتجن من حرام المال، واستمال من طغام الرجال؛ فحجته نعمنا عنده، وخصمته عوارفنا لديه، وكشف لنا سر نيته، حتى صرعه بغيه، وأسلمه غدره، وأخذه الله بما اجترم، وأوبقه بكا اكتسب، فأعجلناه عن تدبيره، وصار إلى نار الله وسعيره.
[ ١ / ١٢١ ]
قوله: " فحجته نعمنا عنده، وخصمته عوارفنا لديه " محلول من قول أبي تمام حيث يقول:
أألبس هجر القول من لو هجرته إذن لهاجني عنه معروفه عندي وأخذه أبو تمام من قول عمران بن حطان إذ ظفر به الحجاج فقال: اضربوا عنق ابن الفاجرة، فقال له عمران: بئسما أدبك أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به - أبعد الموت منزلة أصانعك عليها - فأطرق الحجاج استحياءً وقال: خلوا عنه. فلما رجع إلى أصحابه قالوا: والله ما أطلقك إلا الله فارجع إلى حربه معنا، قال: هيهات! غل يدًا مطلقها، واسترق رقبةً معتقها، ثم قال الأبيات التي أولها:
تالله لا كدت الأمير بآلةٍ وجوارحي وسلاحها آلاته وفي فصل منها: وقد زالت التقية ووجب الصدق. ألا من سمع هذا الكتاب وأخبر عنه من تلك الطبقة فليرد إلينا مالنا، وليخرج لنا عن حقنا؛ وليحذر أن يجعل لنا عليه سبيلًا. فإنما هي أشياء غلب عليها إما من صميم مالنا فلم يتورع فيه عن الخيانة، وإما من
[ ١ / ١٢٢ ]
أموال الله بأيدينا فلم يؤد فيها الأمانة، وما ظهرنا عليه منها فمصروف إلى سبيله من مصالح المسلمين في أرزق أجنادهم، ونفقات ثغورهم. وأنا زعيم لمن سارع بما في يديه، وبادر بما عنده، أن نعرف له طاعته، ونشكر مباردته؛ ومن توانى وتربص، وقعد ونكص، أن نصه بحيث وضع نفسه من الظنة، وأثبت عليها من التهمة، وننتهي به نهاية النكال البالغ؛ فلا ينظرن جارم لدينا إلا في ذمة.
@تلخيص التعريف بخبر الوزير عيسى بن سعيد
@المذكور، من الأول إلى الآخر، ومقتله على
@يدي المظفر عبد الملك ابن أبي عامر
قال ابن بسام: وكان عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع قيم دولة ابن أبي عامر وحامل لوائها، والمستقل بأعبائها، ومالك زمام إعادتها وإبدائها. طلع في فلكها قبل دورانه، ودل على ما أخفاه طي كتابها دون عنوانه؛ وأنا أشرح - حين أفضى بي القول إلى ذكره - كيف كان غروبه وطلوعه، ومن أين اتفق طيرانه ووقعه؛ على ما قدمت والتزمت، وحسبما ضمنت ونظمت.
قال ابن حيان: لم يكن لعيسى بن سعيد مأثرة سلف، ولا بيت تقدم، خلا أنه [كان] عربي النجار، من قوم يعرفون ببني الجزيري من كورة باغه. وكان أبوه معلمًا، فاختلف عيسى إلى الديوان، وصحب
[ ١ / ١٢٣ ]
محمد بن أبي عامر وقت حركته في دولة الحكم؛ فبلغ به المنازل الجليلة، وكان عنده مشهورًا بيمن النقيبة، وأخباره معه كثيرة.
وتبحبح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك، فتناهى في الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعًا ودورًا، فات الناس إحصاؤها، واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه. وكان لهم مع ذلك في سائر أعمال السلطان نصيب، وعلى كل عامل وظيف، ولم ينفذ توقيع إلا بأمره، ولا تم أمر إلا بمشورته. وكثر أعداء عيسى لوقته؛ فاحترس منهم جهده، وتيقظ في حراسة نفسه، ووالى كثيرًا من وجوه أهل الدولة، تصاهر لهم ببنيه وبناته، فسمت جماعته، ثم تصاهر أخيرًا إلى ابن أبي عامر، والذكر من عنده، زوج ابنه المكني أبا عامر أخت عبد الملك الصغرى من بنات المنصور، فتمت تلك المصاهرة في سنة ست وتسعين وثلثمائة، وكانت وليمة عظيمة. وتناهت بعد أمور عيسى في الجلالة، وأخذته الألسنة.
واتفق أيضًا عليه أن عبد الرحمن بن المنصور انبسط على أخيه عبد الملك في أول دولته بصحبة طائفة تخل به، فعرف عيسى أخاه عبد الملك بذلك؛ فحمله على كف عبد الرحمن عنه، فحقد على عيسى ورصد السعي عليه، واستفسد أيضًا السيدة " الذلفاء " أم عبد الملك وأساء إلى صنيعتها " خيال " أم ولده، والغلبة كانت عليه، ومن يتصل بهما بسبب نكاح عبد الملك بنات الجنان مولاته، كانت قد تأدبت بأدب
[ ١ / ١٢٤ ]
أهله، وأخذت الغناء من محسنات قيانه، فنظرها عبد الملك يومًا فراعته، وهان عليه لفرط عفته زواجها، فأنكرت عليه ذلك والدته، فاستراح في الأمر مع عيسى فصوبه له وأمضاه. وبنى عبد الملك بها، فحقدت أمه على عيسى. ثم اتهم آخرًا بالعظمى من مداخلته للولد أبي بكر هشام بن عبد الجبار بن الناصر للقيام على عبد الملك وأخذ الملك عنه. وكان عيسى لا يحضر مجلس شراب عبد الملك إلا في الندرة أو الدعوة تقع؛ استعفاه من ذلك لضعف شربه، فأمكن أعداءه القول فيه لغيبته بما شاؤوا، وزاد الأمر حتى تنكر له عبد الملك، ففهم عيسى بعض ذلك لقوة حسه، وأهمته نفسه، وأعمل الحيلة في خلاصها؛ فسما عند ذلك إلى الغدر بالعامرية أولياء نعمته، والانقلاب مع المروانية الموتورة بدولته، وإقامة الولد أبي بكر هشام المذكور على الخليفة هشام المؤيد ابن الحكم، وأخذ الخلافة عنه لضعف استقلاله والقطع لدولة ابن أبي عامر قطعًا لا بقية معه. وكان عيسى خليطًا لهشام بعد المنصور صاحبه، محمولًا ما بينهما على السلامة، فدعا هشامًا إلى ذلك وراسله سرًا ولقيه خفيةً، وقرب له مأخذه على يده لمنزلته من آل العامرية، وأن جندها لا تخالفه بحيلة. فاستجاب هشام، فيما ذكروا، وأخذ بيعته عليه، وساعده جماعة، وكاد يتم الأمر
[ ١ / ١٢٥ ]
وأعد رجالًا للفتك بعبد الملك، فسار أحدهم إلى نظيف الفتى الكبير مولى ابن أبي عامر، فتنصح له بالقضية فأعلم عبد الملك بها لوقته، فاشتغل باله، وترجح في أمر عيسى وخاف أن السعاية من كياد عدوه، إلى أن أنهى إليه صاحب المظالم أبو حاتم بن ذكوان ما أقلقه، ولم يرتب به لثقته؛ وحدثه أن رجلًا يعرف بابن القارح الوزان كان متخصصًا من العامة، وله بالولد أبي بكر هشام المذكور اتصال؛ فحكى عن نفسه أنه رأى نزول عيسى عليه ببعض بساتينه، وأنه سمع ابن عبد الجبار يقول له: يا أبا الأصبغ، والله إني لخائف والخطر عظيم؛ فقال له عيسى: ومن تخاف - أو ليس الملك بيدي، والجند طوعي، والناس راضون بفعلي - ثم افترقا، فجاء ابن القارح، فأعلم ابن ذكوان، فطار إلى عبد الملك بالخبر، فبطش عبد املك بعيسى. وكانت صورة قتله واطأ عليه أخاه عبد الرحمن ومن يليه من أصحابه، فشدوا عزيمته، وعقد معهم مجلسًا للشرب، وبعث عن أكثر أصحاب عيسى، فجلس للشرب بالمجلس الكبير المشرف على النهر لعشر خلت من ربيع الأول سنة سبع وتسعين. ثم أرسل عن عيسى وقد
[ ١ / ١٢٦ ]
مضى من الشرب وقت، فجاءه رسوله وهو قد بدأ يشرب أيضًا مع نفر من أصحابه فيهم أبو حفص بن برد وغيره.
قال أبو حفص: فلم نرتب بدعائه، وبادر بالركوب نحو عبد الملك، والقضاء قد جد به، فلما وصل إليه أظهر الاستبشار به وأقبل عبد الملك عليه بوجهه وأعلى مجلسه وأخذوا في شأنهم. فلما دارت الكؤوس أخذ عبد الملك في معاتبته والتعرض لما قرف به عنده؛ وعيسى ينزعج من ذلك، ويقلد الكأس ملامته هنالك، إلى أن صرح عبد الملك بما في نفسه، وألقى القدح، وأقبل يسبه ويغلظ له؛ فأحس عيسى بالشر، ورابه نظر القوم إلى العيون، وطفق يعتذر ويحتج في إبطال ما قرف به ويشد القسم على فساده، ويناشده في إراقة الدم، وعبد الملك لا يلتفت إليه، إلى أن اعتلى الكلام وكثر اللجب، فقبض عبد الملك على سيفه من جانب الفراش فصبه على عيسى، وقد قام فزعًا؛ فاستقبل وجهه بضربة، فسقط عيسى ثم أعاد عليه، وشاركه أصحابه بسيوفهم حتى هبروه، وحز رأسه ووضع جانبًا. وأمر عبد الملك أيضًا بقتل صاحبيه ابن خليفة وابن فتح فهبرا بالسيوف، واختلط المجلس، ولحق كثيرًا من أهله دهشة حملت بعض من كان بقربه من الأعاجم إلى أن رمى بنفسه في النهر هربًا من القتل، فطاح في اللجنة. وأمر برفع رأس عيسى بباب
[ ١ / ١٢٧ ]
الزاهرة، وما زال هنالك إلى أن فتحت الزاهرة على يد ابن عبد الجبار المهدي، وذهبت الدولة العامرية.
وقام عبد الملك من ذلك المجلس، وأمر بتغيير ما وقع، ثم لم يعد إلى الشرب فيه - زعموا - حياته. وأنفذ في الوقت ثقات خدمه إلى منازل عيسى وأصحابه وكتابه، فاستصفى ما فيها وسجن أولاد عيسى الأكابر بمطبق الزاهرة، وأمر ابنه بطلاق أخت عبد الملك فطلقها، ولم تزل خليةً إلى أن ذهبت دولة قومها فراجعها. وكان الناس يحسبون مال عيسى التراب كثرةً. فما وجد له منه شيء؛ وتعجب الناس من ذلك، حتى إن أولاده إلى آخر أمرهم ما فارقهم الإقلال والمسغبة. وأعظم الناس قتل عيسى لجلالة قدره، وسار منهم إلى الزاهرة خلق عظيم ينظرون إلى رأسه.
قال ابن حيان: وكنت في جملة من نظر إليه، واستبنت الضربة بخده الأيمن. وكان أبو العلاء صاعد بن الحسن اللغوي منقطعًا إلى عيسى، فكان أول من أنشد عبد الملك، على سبيله من سرعة الانقلاب، شعرًا يقول فيه:
فتلك هامته في الجو ناطقة تحدث الناس من آياتها عبرا
مكتوبة الوجه بالهندي يقرؤه من ليس يقرأ مكتوبًا ولا سطرًا
[ ١ / ١٢٨ ]
ومن أغرب ما وردت به الرؤيا بعد قتله أن رجلًا من الصلحاء رأى في النوم كأن رأسه ينشد على الخشبة التي كان عليها:
بان الخليط وشفني وجدي وبقيت أندب ربعهم وحدي فآذنت الرؤيا ببين آل أبي عامر وصدقت إلى مديدة. انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان في خبره.
ومن شعر أبي حفص بن برد، مما خاطب به أبا العلاء صاعدًا بن الحسن اللغوي من أبيات يقول فيها:
أبا العلاء تعريض ذي مقة أهدى لك الود محضًا غير مقطوب
ناء بغربته والفهم نسبته وكم دني قصي في المناسيب
وصار في غربة الآداب مغتربًا أما كفى الدهر عض دون تغريب
أولاك محمدةً من بعد تجربة لا يصلح الحمد إلا بعد تجريب
أنت الذي لم يعاشر مثله رجلًا في العلم والظرف والآداب والطيب
تحصيل فضلك للحساد معجزة وكنه عملك شيء غير محسوب
أما اللغات فلا يعقوب يبلغ ما وعيت منها ولا أشياخ يعقوب
[وأنت رب القوافي الشاردات به تحدى وسيقتها في كل أسلوب
إنا نناديك للجلى وأنت لها طب تعالج فيها كل مطلوب]
فهل شعرت ببدر طاف بي غلسًا رخص البنان كحيل العين مخضوب
[ ١ / ١٢٩ ]
أهدى إلى أرقٍ - لو حازها - سنةً لم تعد بي مزج تصديق بتكذيب
حيًا تحية ذي أنسٍ بنا وجلا قناع وجهٍ طويل الصون محجوب
فقلت: أهلًا ورحبًا، من هداك لنا ليلًا - فرد بتأهيل وترحيب
وقال: ماذا ترى - قلت: الغزالة في ثوب احمرار من الظلماء غربيب
قال: اتئد! قلت: قد أبصرتها قبلًا فقال: حلًا، فقلت: الحل مطلوبي
[قال: تحر فلا تشطط بنا سرفًا فقلت: ليس سوى التقصير مرغوبي]
ثم اعلمي أنني من حبكم دنف قالت: علمت فلا تخضع لمحبوب
قلت: الوصال، فقالت: مه بلى وعسى وفي عسى فرجة ترجى لمكروب
ثمت ولت فأبقت في الحشا ضرمًا يذكو بدمع على الخدين مسكوب
فالآن فازجر أو اسجع إن هممت به كسجع شق أو الأفعى أو الذيب
هذي عبارتها فالأمر مشترك تلقى أفانينه طرًا بتهذيب فأجابه أبو العلاء صاعد بأبيات يقول فيها:
لبيك ألفًا، أبا حفصٍ، إجابة من يد لي إليك بودٍ غير مأشوب
أبعد خمس وسبعين التحفت بها حتى قرعت لهذا الدهر ظنبوبي
رمينني بسهامٍ غير طائشةٍ حور زرين على صم الأنابيب
يا من يرقع بالآمال ما خرقت يدا الليالي، قبيح صبوة الشيب
ناديتني لخيالٍ عز طائفه إلا ليوم عصيب إذ تنادي بي
حتى أقيك شذا الأيام عن عضدٍ ملدد وحسام غير مخشوب
إياك والموعد الخوان تقبله فلا أمانة للعس المخاضب
[ ١ / ١٣٠ ]
فاكتب على جمدٍ ما قد وأتك به وضعه في الشمس يذهب غير مصحوب
ولا تكونن قرحانًا نصبن له حتى عدون عليه عدوة الذيب
[الله في قلبك المزجور عن دده لا تسلمينه لتسهيد وتعذيب]
فقد نجوت وما صدقت فورته مهشم القدح مهضوم الأنابيب
شيخ الوزارة جني الكتابة إن ركبت منها طريقًا غير مركوب
فلا تسومن شيخًا طار طائره سوم الشبيبة في لهو الخراعيب
وأنت منفرد المضمار منصلت غمر البديهة رواض المصاعيب قوله: " ولا أمانة للعس المخاضيب " من قول كثير:
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين وقوله: " فاكتب على جمدٍ البيت، كقول ابن العميد:
متقلب يأتيك أثبت عهده كالخط يرقم في بسط الماء
[ ١ / ١٣١ ]
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي المغيرة عبد الوهاب بن حزم،
@وإثبات ما تخيرت له من النثؤر والنظم، مع
@ما يتعلق به، ويذكر بسببه
قال ابن بسام: كان أبو المغيرة هذا ظبة الحسام، وواسطة النظام، وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان، حل من زهر الفضائل، محل السنان من المعامل، والزبرقان من المنازل، وتمت به غرر المحامد، تمام الصلات بالعوائد، ومجهول اللغة بمعلوم الشواهد. ودولة عبد الرحمن بن هشامٍ المستظهر المتقدمة الذكر كانت مهبة الذي منه عصف، ومجاله الأول الذي فيه تصرف، ألقى إليه زمامه، وأخدمه أيامه؛ ثم عتب عليه في بعض الأمر، فلحق ببلاد الثغر، فهناك تسحب على الدول، تسحب الهوى على العذل؛ وامتزج بملوك العصر، امتزج الماء بالخمر، ولو طال مداه لم يذكر معه سواه، ولا اعترف بتفضيله أحبته وعداه.
نقلت من خط أبي مروان بن حيان قال:
ولحق أبو المغيرة ببلاد الثغر، وقد اعتلت طبقته في النظم والنثر، وكتب
[ ١ / ١٣٢ ]
عن عدة من الأمراء، ونال حظًا عريضًا من دنياهم، إلا إنه اعتبط شابًا شابًا بعد أن ألف عدة تواليف، وشجر الأمر بينه وبين الفقيه أبي محمد بن حزم ابن عمه، وجرت بينهما هنات ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكته حتى أسكته، لأنه كان أنبه من أنبه من أبي محمدٍ في حضور شاهده، وذكاء خاطره، وحسن هيئته، وبراعة ظرفه، وجودة أدبه، وهو كان في زمانه في الجد والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء، مستنجزًا للبيضاء، مقتضًا للشقراء، وتصور في قلوب الروساء فأجزلوا أرزاقه فعظمت صلاته وهباته؛ انتهى كلام ابن حيان.
قلت أنا: وقد أخرجت من رسائله العميدية، وقصائده اللبيدية، ومما جرى بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب، ويبهر الشعراء والكتاب.
@جملة من رسائله في أوصاف شتى
كتب إليه أبو عليّ بن ربيب القروي رقعة يقول فيها:
إني فكرت في بلدكم أهل الأندلس إذ كان قرارة كل فضل، ومقصد كل طرفة، ومورد كل تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم
[ ١ / ١٣٣ ]
وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب، نكايته؛ فشجع عندكم بذلك الجبان، وأقدم الهيبان، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيي، وشعر البكي، واستنسر البغاث، وتنثعبن الحفاث، وتنافس الناس في العلوم. ثم هم مع ذلك في غاية التقصير ونهاية التفريط، من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أعيانهم وقلدوا الكتب مآثر أقطارهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرًا في الغابرين، ولسان صدق في الآخرين؛ وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح؛ يخاف إن صنف أن يعنف أو تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسًا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقسًا في فضائل ملوكه، ولا بل قلمًا بمناقب كتابه ووزراءه، ولا سود قرطاسًا بمحاسن قضاته وعلمائه؛ على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغًا، ولم تضق عليه المسالك هنالك، ولكن هم كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدمه من رؤساء
[ ١ / ١٣٤ ]
العلماء، ليحوز قصب السبق ويفوز بقدح ابن مقبل، ويأخذ بكظم دعبل، ويصير شجىً في حلق أبي العميثل: فإذا أدرك تلك البغية، وجاءته بعد المنية، دفن علمه معه، ومات ذكره، وانقطع خبره. ومن قدمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألفوا دواوين يبقى لهم ذكر يتجدد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبًا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة قارب، لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلًا عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه ب - " العقد ". على أنه يلحقه فيه بعض اللوم، إذ لم يجعل فضائل بلده، واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطول، وأخطأ المفصل، وأطال الهز بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما
[ ١ / ١٣٥ ]
يهمهم: فأرشد أخاك - أرشدك الله - إن كان عندك في ذلك الجلية، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله.
فراجعه أبو المغيرة برقعةٍ حذفت أكثر فصولها لطولها، منها:
أبقاك الله من حميمٍ صريح الود، أهدى تحيته على البعد، فإن الفهم رحم، والأدب ما بين أهله وسائل وذمم؛ وليس عدم الترائي والعيان، بقاطعٍ للأسباب والأقران، ولا تنائي الديار والمنازل، بقادحٍ في الأذمة والوسائل؛ فالكتاب عوض عن الكلام، والتواصل بالنفوس لا بالأجسام، وما زلت أتنسم ذكرك، فأترسم قدرك، وأسمع خبرك فأرى خبرك، حتى أرادت الأيام كشف الر، ورفع الستر؛ فوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم، وباطنها لؤلؤ منظوم، ووشي محوك، وذهب مسبوك؛ فرأيت صور الأدب باهرة المرأى والعيان، شاهدةً لك بأذلق لسان، وأصدق بيان، أنك أبو عذرتها، ومالك جملتها، وواحد فنونها، ووارد معينها، وقادحة جناحها، وصبا رياحها، فسألت سؤال العالم، وبحثت بحث اليقظان المتغافل، وادعيت الحيرة وأنت أهدى في تلك الفلا، من فارط القطا، لتعلم أين المخطئ والمصيب، وكيف الجواب والمجيب؛ والله يوفق من المراجعة لما يرضيك، ويكون وفق أمانيك، وما أجهل أني على نفسي أبتهل بهذا الدعاء، لمن أسر حسوًا في ارتغاء.
[ ١ / ١٣٦ ]
فأول ما قدمت في كتابك ما يقدمه ذو الفضل والنبل في الثناء على بلدنا وأهله، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم، من آرائهم التي نحوها، وعلومهم التي وعوها، بأوفر الأقسام، واحتلالهم من ذلك بالغارب والسنام؛ حتى عارض الجبان الأسد، وناطح الجوزاء الجلمد، وناطق الأعجم الفصيح، وبارى الجاهل العالم، وجارى القاعد القائم، تحاسدًا على الفضائل. هذا معنى كلامك لم أورد ألفاظه، وإن أصميت أغراضه، إشفاقًا من أن أفضح كلامي به، وأدل على قصور آلتي بمجتلبه، فأكون كمن جمع بين الشبه والذهب، وقرن الدر إلى المخشلب؛ ثم قلت: إن ذكر الفتى عمره الثاني، والميت المجهول لا الفاني؛ فكم من هالك آثاره كاشفة عيانه، وواصفة قدره وشانه، وحي أثوابه كفنه، وجهله جننه. وهؤلاء الذي أنضيت في وصفهم جياد مدحك، وهتكت ظلامهم بغرة صبحك، على غير هذا الرأي مقيمون، وبخلاف هذا المذهب قائلون. فوليت في حيز وعزلت، وارتفعت في حال ونزلت، وأتيت بغاية المحال، وهو إثبات الضدين في حال، ثم زدت في التعليل، وبالغت في الاجتماع على التمثيل، باعتمادك تكذيب من قال: إن الذي قاله غيرك لو وقع لكان قرب المسافة التي هي شوط جارٍ، بل غمضة سارٍ، توجب حل الشك، وانجلاء الإفك؛
[ ١ / ١٣٧ ]
فعجبت من أمنك مراجعًا لا يقصد في أدب المقابلة قصدي، ولا يعقد على سانح أخوتك عقدي؛ يجعل جوابك قول القائل:
لقد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي وغفرًا غفرًا لهذا العقوق؛ وخذه بإزاء قولك: تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. وعلى كل حال فقد نادينا لو أسمعنا، وطرنا لو وقعنا؛ وما أشبهنا بالغريبة التي خبرها يدفن، وشرها يعلن، يتعب أحدنا نفسه، ويرهف حسه، ويعارض السيف بفهمه، والبحر بعلمه، والنار بذكائه، والزمان بمضائه، ونتائج فكره محجوبة، وبنات صدره غير مخطوبة:
[إن يسمعوا ريبةً طاروا لها فرحًا عنه وما سمعوا من صالح دفنوا] وفي فصل منها: ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعرف مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صقعنا، لكان عذرًا في التقصير عن اشتهار الفضل لائحًا، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحًا؛ وإن كنت بإطلاق قولك، قد
[ ١ / ١٣٨ ]
جاهرتنا - وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف انقاد كريم طبعك لها، وأعجب أيضًا من بخوعي لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أن عندكم لنا تواليف تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها؛ وإن ودًا عقل لك لساني، ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لود يفضح الروض في حزنه، برائق حسنه، ورضوى في هضبه، بثقل وزنه، ونوء السماك في هتنه، بوابل مزنه؛ وما هي إلا شيمة قديمة فيكم أهل الجهة الظاهرة أعلامها، الباهرة علومها وأفهامها.
قال ابن بسام: وخرج أبو المغيرة في رسالته هذه إلى التطويل، وبالغ في الاحتجاج بفصول، هي عادلة عن هذه السبيل؛ وختمها بذكر جملةٍ من تواليف أهل الأندلس، أضربت عن تسميتها لشهرتها.
وله فصل من رقعة: وعسى أن يكون شراء ذلك الديوان شراء التجار الأكياس، من المدبرين القائلين بارتضاع الكاس؛ وهمك أن يكون أبو الحسين وسيطك، وجماله شفيعك، فهو ممن كان له في الحسن لواء مرفوع، وحلة تزري بالوشي الصنيع، فعفى تلك الآثار ما سال من عذاره، وطمس ليل اللحية ما كان أشرق من نهاره؛ لا جرم لقد بقيت خيلان كالآثار الدالة على الديار، والحلي السقيط، المخبر عن بين الخليط؛ وإذا تأملتها قد اشتمل الشعر عليها، وزحف من كل جانب إليها، ذكرت قول أبي الطيب:
[ ١ / ١٣٩ ]
برسوم كأنهن نجوم في عراص كأنهن ليال وله حديث ستستظرفه إذا سهلت له إذنك، وأعرت له أذنك.
وأبو المغيرة في دعابته هذه كما قرأته في فصل كتبه أبو عبد الرحمن ابن طاهر إلى الوزير ابن عبد العزيز مع غلام وسيم، قال فيه: هذا الفتى كما تراه يطلب خدمة، وبه حشمة، ويزعم أنه يحمل حمله، ويؤتي كل حين أكله؛ وقدمًا عهدتك تحن إلى هذه العصافير، فإنها حمر الحواصل صفر المناقير.
وعرضت على أبي المغيرة رسالة بديع الزمان في الغلام الذي خطب إليه وده بعد أن عذر، وبقل وجهه وأزهر، فعارضها برقعةٍ يقول فيها: ورد كتابك تنشد ضالة ودنا، وترقع خلق عهدنا، وتطلب ما أفاتته جريرتك إلينا، وذهبت به جنايتك علينا، أيام غصنك ناضر، وبدرك زاهر، لا نجد رسولًا إليك غير لحظة تخرق حجاب الدموع، أو زفرة تقيم منآد الضلوع؛ فإن رمنا شكوى ينفث بها مصدورنا، أو يستريح إليها مهجورنا، لقينا دونها أمنع سد، وأفدح رد. وقلت: أهذا الطامع في أن يطالع القمر الطالع، والراغب في أن يصاحب النجم الثاقب - لشد ما زاد، وأبعد ما أراد! حاول تألف الظبي الشارد، وهصر الغصن المائد، بدمعة صبها، وزفرة شبها، أما علم أن لحظي سهم: القلوب أغراضه، وأني ظبي: النفوس رياضه - فننصرف عنك كما أتينا، ونقف كما جرينا، ونعود إلى نار الوجد بك نصلاها، ونار البعد عنك لا نبرح مغناها؛ حتى إذا طفئت تلك النيران، وانتصف منك الزمان
[ ١ / ١٤٠ ]
بشعرات أغضت علالك كسوفًا، وقلبت ديباجك صوفًا، وأعادت نهارك ليلًا، وناحت عليك تلهفًا وويلًا، وأطار حمامك غرابها، وحجب ضياءك ضبابها؛ فصار عرسك مأتمًا، وعاد وصلك محرمًا:
وبت مدامًا تسر النزيفا فأصبحت تجرع خلا ثقيفا
وصرت حجازًا جديب المحل وقد كنت للطالب الخصب ريفا أقبلت تنسل إلينا لواذًا، وتطلب منا عياذًا، قد أنساك ذل العزل عز الولاية، وأولاك طمعًا نسياننًا تلك الجناية، أيام ترشقنا سهام ألحاظك رشقًا، وتقتلنا سيوف ألفاظك عشقًا؛ وتميس غصنًا، فتثير حزنًا، وتطلع شمسًا، فتغيب نفسًا، خدودنا أرض نعالك، وصدورنا حد مجالك، ونفوسنا مهاد خبك، وقلوبنا ميدان حربك؛ فالآن نلقاك بدمعٍ قد جف، ووجد قد كف، وعزاء قد أيد، وصبر قد غار وأنجد، وهوىً قد أراح رواحله، وأطاع عاذله، وسلو قد قرب ركائبه، واسعد طالبه؛ وننظر منك إلى روضٍ قد صوح، وسار قد أصبح، وأعجم قد أفصح، ومبهم قد صرح؛ فلا شك وقد رفع الغطاء، ولا إفك وقد برح الخفاء، ولا لوم وقد وقع الجزاء؛ فهلا ذكرت المثل الممتهن: الصيف ضيعت اللبن، ونسيت من أحرقت قلبه صدًا، وأقلعت خلبه ردًا؛ وملأت حوانحه نارًا، وتركت نومه غرارًا؛ أن يوفيك قرضًا، ويجازيك حتى ترضى، حين نكس علمك
[ ١ / ١٤١ ]
وعثرت قدمك، وضاقت طرفك، وأظل أفقك، وخوى نجمك، وخاب قدحك، وفل سيفك، وحط رمحك. فاطو ثوب وصلك، فلا حاجة لنا إلى لباسه، وازو طارق شخصك، فلا رغبة لنا في إيناسه، فما نشتهي اليوم زيارة رمس من زهد فينا أمس:
حانت منيته فاسود عارضه كما تسود بعد الميت الدار قوله: " وبت مدامًا تسر النزيفا " البيت: أخذه ابن عبادة المعروف بابن القزاز، وأوجزه غاية الإيجاز فقال:
يا عقارًا صار خلًا وملاذًا للبعوض
سر فما لي فيك حظ كان ذا قبل الحموض
ما أبالي بعد أكل ال زبد من طرح المخيض والبيت الذي تمثل به أخيرًا لعلي بن بسام البغدادي، من جملة أبيات قالها في أخيه جعفر، منها:
يا من نعته إلى الإخوان لحيته أدبرت والناس إقبال وإدبار
قد كنت ممن يهش الناظرون له تغض دونك أسماع وأبصار
[ ١ / ١٤٢ ]
لله در فتىً ولت شبيبته وكل شيء له حد ومقدار
فيا لدهر مضى ما كان أحسنه إذ أنت ممتنع والشرط دينار
أيام وجهك مصقول عوارضه وللرياض على خديك أنوار
حانت منيته فاسود عارضه كما تسود بعد الميت الدار وكان ابن بسام هذا في أوانه، باقعة زمانه، لم يسلم منه عصره أمير ولا وزير، ولا من أهل بيته صغير ولا كبير؛ وكان أخوه جعفر الذي ذكر من أهل الجمال الفائق، وفيه يقول:
حان المنية يا أبا العباس فدع المكاس فلات حين مكاس
ما بال وجهك بعد كثرة نوره قد سودوه بحالك الأنقاس
أين الدنانير التي عودتها هيهات جاء الشعر بالإفلاس
كانت تجد ثيابه ديباجة فاستبدلت حلسًا من الأحلاس
وكذا البناء فغير مرتفعٍ إذا كانت بليته من الآساس وهو القائل في أبيه وقد بنى دارًا.
شدت دارًا خلتها مكرمةً سلط الله عليها الغرقا
ورأيناك صريعًا وسطها ورأيناها صعيدًا زلقا واشتهار شعره في أبيه وأخيه وأهل عصره، يمنعني عن ذكره؛ ويذكر الشي بالشيء إذا كان من واديه، أو نظر إلى ألفاظه أو معانيه.
[ ١ / ١٤٣ ]
ولما اتفق أن يكون علي بن بسام هذا سمي، واجتمعت بالوزير أبي محمد عبد المجيد بن عبدون أول لقائي له بشنترين في جملة أصحاب المتوكل، فأول مجلس اجتمعت معه فيه، وسمع بعض الإخوان يدعونني باسمي، فقال لي: أنت علي ابن بسام حقًا - قلت: نعم، قال: أو تهجو حتى الآن أباك أبا جعفر وأخاك جعفرًا - قلت له: وأنت أيضًا عبد المجيد - قال: أجل، قلت: وحتى الآن فيك ابن مناذر يتغزل - فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر. وخبر ابن مناذر مع عبد الوهاب الثقفي أوضح من أن يشرح. وكان من أجمل فتيان ذلك الأوان، وآدبهم وأظرفهم، فكلف به ابن مناذر وتعشقه، فاعتبط لعشرين سنة، فرثاه بذلك القصيد الفريد، الذي يقول فيه:
فلو إن الأيام أخلدن حيًا لعلاء أخلدن عبد المجيد وأما صفات المعذرين من الغلمان، فقد جرت خيول فرسان هذا الشان، بهذا الميدان، وتفننوا في ذلك نثرًا ونظمًا، وتطاردوا فيه مدحًا وذمًا. وممن ذمهم من أهل عصرنا عبد الجليل، حيث يقول:
وأمرد يستهيم بكل وادٍ وينصب للشجى خلدًا صليبا
دعوت دعاء مظلوم عليه وكان الله مستمعًا مجيبا
[ ١ / ١٤٤ ]
فطوقه الزمان بما جناه وعلق من عذاريه الذنوبا وأخذه أبو بكر الداني فقال:
بدا على خده عذار في مثله يعذر الكئيب
وليس ذاك العذار شعرًا لكنما سره عجيب
لما أرق الدماء ظلمًا بدت على خده الذنوب ولعبد الجليل في هذه الصفات عدة مقطوعات، فتح بها جراب السخف، ولم يستتر فيها من العقل بسجف؛ وقد كتبت من شعره في هذا الباب وسواه في القسم الثاني من هذا الكتاب بعض ما اخترناه.
ولم أسمع في ذم من عزل عن ولاية حسنه، أحسن من قول بعض أهل عصرنا وهو أبو الحسن البرقي في أبيات تستندر بجملتها وهي:
ألآن لما روضت وجناته شوكًا وأضحت سلوة العشاق
واستوحشت منك المحاسن واكتست أنوار وجهك واهي الأخلاق
أنشأت تبذل لي الوصال تصنعًا خلق اللئيم وشيمة المذاق
هلا وصلت إذ الشمائل قهوة وإذ المحيا روضة الأحداق
فلكم أطلت غام قلبٍ موجع كم ألب إليك بالأشواق
[ ١ / ١٤٥ ]
ما كنت إلا البدر ليلة تمه حتى قضت لك ليلة بمحاق
لاح العذار فقلت: وجه نازح حتى قضت لك ليلة بمحاق ولأبي الحسن في هذه أيضًا عدة محاسن، إذ كان قد خلع عذاره في صفات المعذرين كقوله:
وأزهر حيا بريحانة تضوع من عرفها المندل
وزاد بنفسج أصداغه فقلت الزيادة قد تقبل وقال أيضًا:
بأبي الذي خط الجما ل بوجه لامًا ونون
وأظنته جعل المدا د سواد أحداق الجفون
خافوا عليه من العيو ن فعوذوه بالعيون وهذا كقول عبد الجليل:
معذرين كأنما بخدودهم طرق العيون ومنهج الأرواح
وكأنما صقلوا الجمال وأظهروا مشي النمال على متون صفاح وممن عني بهذا الوصف المعري، حيث يقول في ذكر السيف:
ودبت فوقه حمر المنايا ولكن بعدما مسخت نمالا
[ ١ / ١٤٦ ]
قوال في موضع آخر:
ولا حسبت صغار النمل يمكنها سعي على اللج أو مشي على السعر وقال بعض أهل عصري وهو الوزير أبو محمد ابن عبد الغفور:
تريه المنايا الحمر فيه وجوهها مخاتلة الأرواح في صور الذر وقال أيضًا بعض أهل أفقنا:
جداول ماءٍ ما تسوغ لواردٍ ترى النمل غرقى فيه غير الأكارع وقد كرر عبد الجليل معنى بيته المتقدم فقال:
ومشت لحاظي في جوانب خده حتى أثرن بصفحتيه طريقا وقال أبو محمد بن سارة الشنتريني:
ومعذر رقت حواشي حسنه فقلوبنا وجدًا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنما نثرت عليه سوادها الأحداق وقال أيضًا بعض أهل عصري وهو ابن رباح أبو تمام الملقب بالحجام:
[ ١ / ١٤٧ ]
يا لعبةً بذوي الألباب لاعبةً في أصل حسنك معنىً غير متفق
خلقت بيضاء كالكافور ناصعةً فصرت سوداء من مثواك في الحدق وهو أيضًا القائل في هذا المعنى:
وسدواء الأديم إذا تبدت ترى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليها " وشبه الشيء منجذب إليه " وسمع الوزير أبو جعفر بن جرج من أهل أفقنا قول ابن الجهم:
وعائب للسمر من جهله مفضل للبيض ذي محك
قولوا له عني: أما تستحي - من جعل الكافور كالمسك - فعارضه بقوله:
وعائب للبيض ذي إفك معارض الكافور بالمسك
دع عنك هذا وانقلب خاسئًا ما النور مثل الظلم الحلك ثم ساعد ابن الجهم فقال:
غصن من الآبنوس أبدى من مسك دارين لي ثمارا
ليل نعيم أظل فيه للطيب لا أشتهي نهارا
[ ١ / ١٤٨ ]
ولابن جرج أيضًا في مثله:
وسمراء باهى كلفة البدر وجهها إذا لاح في ليل من الشعر الجعد
محببة من حبة القلب لونها وطينتها للمسك والعنبر الورد وقال أبو علي ابن رشيق:
دعا بك الحسن فاستجيبي يا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيلي تيه شباب على مشيب
ولا يرعك أسوداد لونٍ كمقلة الشادن الربيب
فإنما النور عن سوادٍ في أعين الناس والقلوب قال ابن بسام: وهذا من الكلام الرائق، المتأخر السابق، في تفضيل السواد على البياض، مع أن ابن الرومي لم يدع فيه لأحد من اعتراض، وقد كان قبله أبو حفص الشطرنجي قال:
أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحد أنكما من طينة واحده ولما كانت شدة البياض مما يعاب، وأن أكف بعض السودان مشققة وأطرافهم ليست ناعمة لينة، وأن عرفهم خبيث مع الفلح الملازم لأوساط الشفاه، وسائر ما فيهم من هذه الأشباه، نفى ابن الرومي ذلك كله فقال يصف جارية عبد الملك بن صالح السوداء:
[ ١ / ١٤٩ ]
سوداء لم تنتسب إلى برص الشقر ولا كلفة ولا بهق ليست من العبس الأكف ولا الفلح الشفاه الخبائث العرق
وبعض ما فضل السواد به والحق ذو سلم وذو نفق
ألا تعيب السواد حلكته وقد يعذب البياض بالبهق
أكسبها الحب أنها صبغت صبغة حب القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر ال أبصار يعنقن أيما عنق ولما سمع ابن الرومي قول أبي نواس، وقد نبه نديمًا لبلصبوح فأخبر عن حاله، وهو من جيد تشبيهاته:
فقام والليل يجلوه الصباح كما جلا التبسم عن غر الثنيات قال ابن الرومي في هذه القصيدة:
يفتر ذاك السواد عن يقق من ثغرها كاللآلئ النسق
كأنها والمزاج يضحكها ليل تفرى دجاه عن فلق وفضل كلام ابن الرومي على سواه، أنه قدم في التشبيه لمعناه مقدمة أيدته ووطأت له الآذان، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله: " يفتر ذاك السواد عن يقق " وكان سئل أن يستغرق في صفات محاسنها الظاهرة والباطنة فقال:
لها حر يستعير وقدته من قلب صب وصدر ذي حنق
[ ١ / ١٥٠ ]
كأنما حره لذائقه ما ألهبت في حشاه من حرق
يزداد ضيقًا على المراس كما تزداد ضيقًا أنشوطة الوهق وفكر ابن الرومي فيما فكر فيه النابغة إذ أمره النعمان بوصف المتجردة فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها ثم كره أن يذكر من باطنها ما لا يسوغ لمثله أن يذكره منها، فرد الإخبار عن تلك الصفات إلى صاحبها وهو الملك فقال:
زعم الهمام بأن فاها بارد عذب مقبله شهي المورد الأبيات، فقال ابن الرومي:
وصفت فيها الذي هويت على ال وهم ولم انتبذ ولم أذق
إلا بأخبارك التي وقعت منك إلينا عن ظبية البرق
حاشا لسوداء منظر سكنت دارك إلا من مخبرٍ يقق ولما سمع الفرزدق يرثي امرأة توفيت حاملًا، حيث يقول:
وجفن سلاحٍ قد رزئت فلم أنح عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي بطنه من دارم ذو حفيظةٍ لو أن المنايا أنسأته لياليا قال ابن الرومي:
أخلق بها أن تقوم عن ذكرٍ كالسيف يفري مضاعف الحلق
[ ١ / ١٥١ ]
إن حفون السيوف أكثرها أسود، والحق غير مختلق فزاد زيادة بينةً، وعبارةً واضحة، لم تفتقر إلى تفسير أصحاب المعاني، وبلغ من الإجادة، فوق الإرادة. ومناسبة الشعر في المعنى واللفظ كثيرة.
ونرجع إلى رسائل أبي المغيرة:
فصل من رقعة له: مؤدي كتابي هذا قصد حضرة الحاجب الفاضل، ولم يجد بدًا من سبب واصل، إلى رجاء حاصل؛ وأنت هنالك في كل مطلب صالح، ومذهب راجح، الدلو والرشاء، والنهاية والابتداء؛ وللقرشيين ألسنة بالثناء فصاح، ومن أولاهم يدًا فقد حمل محاسنه أجنحة الرياح، وكبها في غرة الصباح.
فصل من رقعة شفاعةٍ أيضًا:
إذا شرب روض الشكر، من حوض البر، أطلع من الزهر، ما يخجل مسك الطرر؛ وتنفس عن نسيم، يشفي حرارة القلوب الهيم، وبحسب القائل يكون المقال، وعلى قدر الجائل يتسع المجال، وأبو الربيع من علم لسانه إن قال، وبيانه قصر أو طال؛ وأنه أشد بناة الكلام حرصًا، إذا وجد آجرًا وجصًا؛ وأعظم جياده تهافتًا، إذا وجد ميدانًا متفاوتًا، فمن أوثقه برًا، طوقه شكرًا، ومن خلع عليه ثياب الفضل
[ ١ / ١٥٢ ]
من طراز الإكرام، نزع إليه بجياد الحمد من مربط الكلام؛ ولم يزل يمري خلف الطلب، بيد الأدب، ويسري في ظلام الأمور، بسراج المنظوم والمنثور، حتى إذا رأى تلك الأسباب رثاثًا، وعاين مبرم وسائلها أنكاثًا، طلق عرس الشعر ثلاثًا، وصار لا يرى نجعة الأدب، ولو أوطأته على أرض الذهب؛ فمن سماه أديبًا فقد عقه، أو وسمه بشاعر فقد أبطل حقه؛ حتى إذا لقي من كريم صونًا، وعلى ما يحاوله عونًا، ذكر فشكر، بثناء كالزهر، تحت أنداء السحر، وأمسك من الآداب، على هذا الذناب، ولولا أن يسر بهذا القدر ذا قدر، لصدق الحملة، ومحاها من صدره جملة، ونزع إلى تصوف يحمد فيه رأيه، ويجنيه ثمر العيش منه سعيه؛ فقد سئم تشبهه بالعيال، ودخوله تحت المنن السابغة الأذيال. وغرضه منك - أعزك الله - رأي أصيل، وإرشاد جميل، وتأنيس يسهل به وعر الزمان، ويثني إليه - إن شاء الله - شارد الأمان.
وله من أخرى: أعزك الله - في الاحتماء حسم الداء، ولا عدو للإنسان إلا نفسه، ولا حية ولا عقرب إلا جنسه؛ وليس في الحيوان، أخبث في ذاته من الإنسان؛ فالاحتراس كل الاحتراس، والمعاشرة الجميلة للناس؛ فأبصر بصيرتك، وأحسن سريرتك، ولا تلدغن من جحر مرتين، واذكر المثل السائر في اللاعب بين وتدين؛
[ ١ / ١٥٣ ]
والعاقل من حمله كل بلد، ونفق عند كل أحد، وأعقل منه من عرف الناس ولم يعرفوه، فاستراح من أجنبي متكلف، أو قريب غير منصف، ولم يفتقر إلا إلى ربه، ولم يأنس إلا بنور لبه.
وله من أخرى:
فالأرض قد نشرت ملاءها، وسحبت رداءها، ولبست جلبابها، وتقلدت سخابها، وبرز الورد من كمامه، واهتز الروض لتغريد حمامه؛ والأشجار قد نشرت شعورها وهزت رؤوسها، والدنيا قد أبدت بشرها وأماطت عبوسها؛ وكأن بها قد أطلعت من كل ثمر ضروبًا، وأبدت من جناها منظرًا عجيبًا؛ وإن كنا لا نشارك في تلك إلا بالعيان لا باللسان، وبالطرف لا بالكف، وننالها بالاختلاس لا بالأضراس؛ وللدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة:
شهدنا إذ رأيناهم فإنا على اللذات في الدنيا شهود وحالي حال للسقام بها اتصال، وللصحة عنها انفصال، يعين على ذلك ضعف البنية، وفساد الأهوية، والتخليط في الأغذية؛ وبعض صلاحها بل كله تعجيلك مطالعتي بحالك، لأسكن إلى ما أوثره من ذلك، وشفع لي بخبر فلان، واشرح لي من خبر فلان، وأين بلغ من تكسبه، وحيث انتهى من تطببه، وكيف ظروفه وخزائنه
[ ١ / ١٥٤ ]
ولعوقاته ومعاجنه، وهل ينفذ طبه، وينفق بختجه وحبه؛ وصف لي ما يقوله على الماء، ويبديه من الأدواء، وأهد إلي ما ينمقه من المقال، على الكبد والطحال، ويرقشه من الكلام، في الفالج والزكام؛ فالحمد لمن قرن له ذلك إلى القيام بشريعة الإسلام، والتمهر في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والفلج عند الجدال والخصام.
وله من أخرى:
فكم ليث كامن في غابه، سمعت صريف أنيابه، وقفر أنست في يبابه، إلى عواء ذئابه؛ لا أمر إلا باللص المستلب، ولا ألقى غير الخارب المنتهب؛ وشعاري عند النائبة ألقاها قأتخطاها، والنازلة أراها فاتعداها، قول أبي الطيب:
فإن أسلم فما أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام وأنا أرقب من الزمان صنيعه، وأنتظر الحمام وأتخيل وقوعه؛ وهو يذهب بي إلى قبلة الآمال وأنا لا أصدق، ويسوقني إلى محط الرحال وأنا لا أحقق، ويؤم بي البحر الذي لا تحصى فوائده، والغيث الذي لا يخيب رائده؛ وهللت إحمادًا لما سقطت عليه، وعلمت أني في الحرم الذي لا يوطأ رحابه، ولا يطار غرابه، ولا يخضد شجره
[ ١ / ١٥٥ ]
ولا يمنع ثمره، ولم ألبث ن نزلت باليفاع الخصيب، وتمكنت من الرشاء والقليب.
وفي فصل: وما أعلم نائبةً كفراقك أهد لمتن، ولا نازلةً كنأيك أجلب لحزن، وما كنت أريم ربعك لو كان لي الخيار، ولا أبرح منزلك لو ساعدتني الأقدار.
لقد كنت أدركت المنى غير أني يعيرني قومي بإدراكها وحدي وله فصل من أخرى:
لم أزل أزجر للقاء سيدي السانح، وأستمطر الغادي والرائح، وأروم اقتناصه ولو بشرك المنام، وأحاول اختلاسه ولو بأيدي الأوهام، وأعاتب الأيام فلا تعتب، وأقودها إليه فلا تحصب. حتى إذا غلب الياس، وشمت الناس، وضربت بي الأمثال، فقيل أكثر الآمال ضلال؛ تنبه الدهر من رقدته، وحل من عقدته، وقبل مني، وأظهر الرضى عني؛ وقال دونك ما جمح، فقد سمح؛ وإليك فقد دنا، ما كان في المنى؛ فطرت بجناح الارتياح، وركبت إلى الغمام كواهل الرياح؛ وقلت فرصة تغتنم، وركن يستلم، وطرقت روضة العلم عميمة الأزاهر، فصيحة الطائر، ريا الجداول، باردة الضحى والأصائل، وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر، ملثومة الحجر، عزيز المقام، معمورة المشعر الحرام، فما شئت من محاضرة تجمع بين الدنيا والآخرة، بين يدي نثر يري الإعجاز، ونظمٍ ما أشبه الصدور بالأعجاز
[ ١ / ١٥٦ ]
وحديث تقف العقول بإزائه، وتروى بصافي مائه. فحين شمخ بالظفر أنفي، واهتز لنيل الأمل عطفي؛ والدهر يضحك سرًا، ويتأبط شرًا؛ وقد أذهلني الجذل عن سوء ظني به، وأوهمني نزوعه عن ذميم مذهبه، آلت ألوانه، وفسا ظربانه، ونادى ليقم من قعد، وينتبه من رقد. إنما فترت تلك الفترة، ليكون ما رأيت عليك حسرة وسمحت لك مرة، لتذوق من الأسف عليها كأسًا مرة. فرأيت وقد كان غطي على بصري، وعقلت وكنت في عمياء من خبري؛ وقلت: هذا الذي أعهده من لؤمه، وأعرفه من شؤمه، ما وهب إلا سلب، ولا أعطى إلا ساعات كإبهام القطا؛ فيا له من قادر ما ألأم قدرته، وذابح ما أحد شفرته! ولو تسلط علينا من يظهر إلينا شخصه، لأدركته رماحنا، وعصفت به رياحنا؛ وطاح بين موتورين منا: قاصد أبوه قحطان، ومقصوده أبوه كسرى أنو شروان. وما ظنك بصريخ يثوب إليه من يعرب ثائبها، ومن بني ساسان كسرى حفت به مرازبها؛ لكنه أمير من وراء سجف، يسعى بلا رجل ويصول بلا كف.
وهذا محلول من قول أبي الطيب حيث يقول:
وما الموت إلا سارق دق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل وأخذه المعتمد بن عباد فقال:
[ ١ / ١٥٧ ]
ولكنها الأيام تردي بلا ظبًا وتصمي بلا نبل وترمي بلا يد وهو معنى متداول مشهور، وهو في نثرهم ونظمهم كثير. وفي هذه الرسالة لفاظ كثيرة، حلها من معقود الشعراء أبو المغيرة، منها قول محمد بن هانئ الأندلسي:
وركبت شأو مآرب ومطالب حتى امتطيت إلى الغمام الريحا وله: قد أغنى الله ما يشاء بتمكن بنياته، وثبات أركانه، عن تعاطي القول في تقريظه ووصفه، ورأيت ما هززت مني في خدمة إرادتك ماضي الحز، لين المهز، لو صادف مضربًا ووقع على محز، وإذا احتجت إلى دليل على معتقدي في تأتي أوطارك ومآربك، وحظي في شعب أنحائك ومذاهبك، فالجزء أصغر من الكل. مفتقر إلى البرهان، وكل مقدمة موجودة بالعقل محتاجة إلى الشرح والبيان، وإذا كانت حالنا مبنية على هذا الأبس، وثبتت صورته هذه في النفس، فقد عييت إذا قصرت بي الأقدار، عن موقف الاعتذار.
وله من أخرى:
وأما فلان فالكلام وإن طال فيه قصير، والواصف دون بلوغ مداه حسير، لله أبوه، صحة إخاء، ومحض وفاء، وحسبك أنه في الرعيل
[ ١ / ١٥٨ ]
الأول من إخواني، وفي الصدر المقدم ممن أثق به من أهل زماني، وإن كان فيهم ذو السرو والفضل، والنباهة والنبل.
وكل له فضله، والحجول يوم التفاضل دون الغرر
وليالي الخريف خضر ولكن زهدتنا فيها ليالي الربيع وله من أخرى:
وإن رأيت تأنيسي بكتايب أجتلي منه وجوه البدور، وجواهر النحور، ودرر الثغور، وأجتني به ثمر السرور، وارتع منه في رياض العلوم، ما بين منثور ومنظوم، نفست من خناق مشتاق كئيب، وأنست من وحشة منفرد غريب، بحيث لا أخ كريم، ولا ولي حميم، فقد صرت، ولا أحيل على الأثر بعد العين، كما قال أحمد بن الحسين:
ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود وعرفني بعلو مكارمك، ووضوح معالمك، في درج كتابك، وطي خطابك، بحالي شقيقي في النسب، وشفيعي في الأدب، أبي فلان وفلان:
هم الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا ولله أيام جلا لي الدهر شخصيهما شجني نور، بقلوب أسد
[ ١ / ١٥٩ ]
وألحاظ صقور، إذ كنت كالعروس وهما قرطاي، أو كالفلك الدوار وهما قمراي، وأنسنا كالمشتري نازلًا ببرج القوس، وسعدنا كسعد محتبيًا بين الخزرج والأوس.
وله من أخرى يخاطب بها عن نفسه الفقيه أبا عمر ابن عبد البر:
ولقد بقيت حالي بعدك مريضة، وعين آمالي مغضوضة، وأيدي أنسي مقبوضة، وجيوش صبري عنك مفضوضة؛ فقد كان ذلك البعد الطويل أحدث بعض السلوان، وأتى بما في طبيعة الإنسان من النسيان، وإن كان عذا القول لا يقال على الإطلاق، بل على الإضافة لما في الحال بحديث الافتراق، حتى إذا وقع اللقاء تأجج من ذلك الالتياع خامده، وثار راكده، وسال جامده، وكانت حالنا ما قال أبو الطيب:
افترقنا حولًا فلما التقينا كان تسليمه علي وداعا وله من أخرى:
بانعكاس الزمان، انعكست أمثال البيان، كما يروى في خبر الفتى المدعي للكتابة عند عمرو بن مسعدة، أنه عاياه بكتاب من عند
[ ١ / ١٦٠ ]
صاحب البريد بخبر بقرة ولدت غلامًا، فأنشأ خطبة مفتتحها: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام. فجذب الرقعة من يده، وبالغ في إجزاك صفده. وإذا تأملت انقلاب الزمان، وما وقع لي مع فلان، انقلبت الخطبة فصارت: الحمد لله خالق الأنعام في بطون الأنام. وأبدأ بحديث اليهودي موصل كتابك: دخل الحضرة عقب جولة كانت لي مع ابن مخامس - حشر الله كليهما مع صاحبه - فوالله لا أعلم حال من منهما أضعف وأظلم، أحال اليهودي بمضادة الدين، أم حال هذا المسلك - فوافى وقد كشفت عوراته، وما زالت مكشوفة، وعرفت سوآته، وما زالت معروفةً، إخبارًا عنه، وتحذيرًا منه، وإعلامًا بما يستره ذيله، ويشتمل عليه ليله، من قبائح يمليها العار، ويكتبها الليل والنهار.
وفي فصل منها:
وجاء في مقدمة صهر يصهر به جنبه، وفي نكاح ينكح الردى منه قلبه، يمشي مشي من جمع بين المشتري والزهرة، لا مشي من سعى لتركيب حر على كمرة، وأي درةٍ حاول إخراجها من صدفة، ما أشبه النكرة هاهنا بالمعرفة، قبح الله زمانًا يقرب إلى اللئيم حصانًا، وإلى الكريم أتانًا.
وله من أخرى، خاطب بها الفقيه أبا محمد بن حزم أثبت منها بعض الفصول فرارًا من التطويل، وافتتحها ببيتي أبي نواس:
ألا لا أرى مثل امترائي في رسم توهمه عيني ويرفضه وهمي
[ ١ / ١٦١ ]
أنت صورة الأشياء بيني وبينه فظني كلا ظن وعلمي كلا علم وقفت - كلاك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام، على كتاب عنوانه باسمك أسمال، كأنه طلل بالٍ؛ فكلما هززته هوم، أو سألته استعجم؛ معنى كصدى الإنسان، ولفظ كمنهجات الأكفان؛ وأغراض لا يدب فيها سهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمت متبلدًا، وعدت على نفسي وقريحتي مترددًا، فقالتا: أفق أيها الإنسان، لست بالنبي سليمان، متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل وسرار النمل -! ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت - ألم تسر في صحرائه بنا فأوغلت - ألم تجر في ميدانه فسبقت - ألم تنر في ظلمائه فأشرقت - هل أحسست بنكول جنان، أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود، على ترائب الفتاة الرود، ونثرت كالنجوم، في صفحة الليل البهيم - قلت: بلى؛ قالتا: فأعرض عن رطانة الزط، وصفير البط، ولا تعج على طللٍ بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد، فقلت: أسرفتما طاغيتين، إن كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعلم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان؛ فأعدت النظر، فإذا بك أبا محمد صاحبه، كتاب مبني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس
[ ١ / ١٦٢ ]
الله أنواره، وأظهر عواره، فجاء كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر.
وفي فصل منها:
فاستقصرت من دفع إليّ كتابك فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة، ونسيت أبا محمد حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدراسهم، وكبير أحراسهم، تحدثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر؛ فتارةً عن السامري والعجل، وتارة عن القمل والنمل، وطورًا تبكيهم بحديث التيه، وطورًا تضحكهم بقوم جالوت وذويه؛ حتى كأن التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تحدث وتعزل؛ وتعجبت من حرصي، ونسيت نفسك أبا محمد، حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجربياء، في وقت تكمن فيه أنواع الحيوان، وأحقها بالكمون نوع الإنسان، لترث حيًا قائمًا على حاله، مالكًا لماله، يدعو الله عليك، أن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه.
وفي فصل منها:
ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصرها وأتأخها. ومن أين نفذ
[ ١ / ١٦٣ ]
أبصرك، حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل، وما ظنك جعلتها إلا تميمة، لتلك القطعة الكريمة، امتثالًا لقول القائل:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى عيبٍ يرقيه من العين ومن ذلك بأن نصبر عليك، ونتأنى بك، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل حصوله بيدي:
فقل فيما يجن عليه ليل ويمضي في صياغته نهار
هنالك تظهر الآيات حتى يقال تناثر الفلك المدار فراجعه الفقيه أبو محمد برقعةٍ قال فيها:
سمعت وأطعت لقوله تعالى: ﴿وأ " رض عن الجاهلين﴾، وسلمت وانقدت لحديثه ﵇: " صل من قطعك، واعف عمن ظلمك "، ورضيت بقول الحكماء: " كفاك انتصارًا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه "، وأقول:
تبغ امرءًا يبتغي سبابك، إن هواك السباب
فإني أبيت طلاب السفاه وصنت محلي عما يعاب
وقل ما بدا لك من بعد ذا وأكثر فإن سكوتي جواب
[ ١ / ١٦٤ ]
وأقول:
كفاني ذكر الناس لي ومآثري ومالك فيهم يا ابن عمي ذاكر
عدوي وأشياعي كثير كذاك من غدا وهو نفاع المساعي وضائر
وما لك فيهم من عدوٍ فيتقى وما لك فيهم من صديق يكاثر
وقولي مسموع له ومصدق وقولك منبت مع الريح طائر
وإني وإن آذيتني وعققتني لمحتمل ما جاءني منك صابر فوقع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقة فحين استوعبتها أنشدني:
نحنح زيد وسعل لما رأى وقع الأسل فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت ذكاءها: تالله لا قطعتها إلا يده! فأثبت على ظهرها، ما يكون سببًا لصونها، وقلت:
نعقت ولم تدر كيف الجواب وأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريت وحدك في حلبةٍ نأت عنك فيها الجياد العراب
وبت من الجهل مستنبحًا لغير قرىً فأتتك الذئاب
لعمرك تبينت عقبى الظلوم إذا انتفضت في الخميس العقاب
أنيل المنى والظبا سخط وأعطي الرضى والعوالي غضاب
[ ١ / ١٦٥ ]
وأقول:
وغاصب حق أوبقته المقادر " يذكرني حاميم والرمح شاجر "
غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ويجهل أن الحق أبلج ظاهر
ألم تتعلم يا أخا الظلم أنني برغمك ناه منذ عشر وآمر
تذلل لي الأملاك حر نفوسها وأركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في أهل الزمان شواردًا تألفهم وهي الصعاب النوافر
فإن أثو في أرض فإني سائر وإن أنأ عن قوم فإني حاضر
وحسبك أن الأرض عندك خاتم وأنك في سطح السلامة عاثر
إذا كنت في ظهر من العدل منجدًا فإنك في بطن من الجور غائر
ولا لوم عندي في استراحتك التي تنفس عنها والخطوب فواقر
فإني للحلف الذي مر حافظ وللنزغة الأولى لحاميم ذاكر
هنيئًا لكل ما لديه فإنها عطية من تبلى لديه السرائر [قول أبي المغيرة: " فإن أثو في أرض " البيت، أخذه من قول البحتري:
وشهرت في شرق البلاد وغربها فكأنني في سوسط نادٍ جالس قال ابن بسام: وكان نقش خاتم أبي محمد:
يا علي بن أحمد اتق الله ترشد فقال له أبو المغيرة: " عليك بفحص التيه " البيت] .
[ ١ / ١٦٦ ]
وإذا انتهى بنا القول إلى ذكر أبي محمد بن حزم، فأنا ألمع في هذا الموضع بلمعةٍ من خبره، حتى أدل على عينه بأثره؛ فإنه كان كالبحر لا تكف غواربه، ولا يروى شاربه.
وقد وجدت للشيخ أبي مروان بن حيان فصلًا أورد فيه ذكره، وجرده - زعم - لشرح أمره، وأنا أثبته بأسره.
قال ابن حيان: كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة. وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة، غير أنه لم يخل فيها من الغلط والسقط، لجرأته في التسور على الفنون لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في سلوك تلك المسالك، وخالف أرسطاطاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه، ومال به أولًا النظر في الفقه إلى رأي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب غيره، حتى وسم به، ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالذوذ، ثم عدل في الآخر
[ ١ / ١٦٧ ]
إلى قول أصحاب الظاهر، مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله، ﵀.
وكان يحمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه، على استرسال في طباعه، ومذل بأسراره، واستنادٍ إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيننه للناس ولا يكتمونه؛ فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يزفه بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه متلقيه إنشاق الخردل، فينفر عنه القلوب، ويوقع بها الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فتمالأوا على بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي ﵀ سنة ست وخمسين وأربعمائة، وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه في من ينتابه بباديته تلك، من عامة المقتبسين
[ ١ / ١٦٨ ]
منه، من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم ويفقههم ويدارسهم ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف، حتى كمل من مصنفاته في فنون العلم وقر بعيرٍ، لم يعد أكثرها عتبة بابه لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى أحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية، لا يزيد مؤلفها ذلك إلا بصيرة في نشرها، وجدالًا للمعاند فيها، إلى أن مضى لسبيله.
وأكثر معايبه - زعمول - عند المنصف له، جهله بسياسة العلم التي هي أعرض من إيعابه، وتخلفه عن ذلك على قوة سبحه في غماره؛ وعلى ذلك كله فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يحرك بالسؤال فيفجر منه بحر علم لا تكدره الدلاء، ولا يقصر عنه الرشاء، وعلى كل ما ذكرناه دلائل ماثلة، وأخبار مأثورة.
وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية، ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم، وانحرافه عمن سواهم من قريش، حتى نسب إلى النصب لغيرهم.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقد كان في غرائبه انتماؤه في فارس، واتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولى فيها أبوه الوزير المعقل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم لبني أمية أولياء نعمته، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس خامل الأبوة، مولد الأرومة من عجم لبلة، جده الأدنى حديث عهد بالإسلام، لم يتقدم لسلفه نباهة، فأبوه أحمد على الحقيقة هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابيةٍ، وعمده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء والرجولة والرأي، فاغتدى جرثومة شرف لمن نماهم، أغنتهم عن الرسوخ في أولي السابقة، فما من شرف إلا مسبوق عن خارجية، ولم يكن إلا كلا ولا، حتى تخطى علي هذا رابية لبلة، فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس، فالله أعلم كيف ترقاها، إذ لم يكن يؤتى من خطلٍ ولا جهالة، بل وصلة بها وسع علمٍ ووشيجة رحمٍ معقومة بلها بمستأخر الصلة، ﵀، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصفته، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم الناس مثقال ذرةٍ، عزت قدرته.
ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود لعنهمومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة، وأخبار مكتوبه؛ وله مصنفات في ذلك معروفة، من أشهرها في علل الجدل كتابه المسمى: " الفصل بين أهل الآراء والنحل ". ومن تواليفه " كتاب الصادع والرادع " [في الرد] على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على من قال بالتقليد. وله كتاب في شرح حديث الموطأ والكلام على مسائله؛ وله " كتاب الجامع " في صحيح الحديث باختصار الأسانيد، والاقتصار على
[ ١ / ١٧٠ ]
أصحها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها؛ و" كتاب التلخيص والتخليص " في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا في الحديث. و" كتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف "، وكتاب " الإمامة والسياسة " في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب إلى الواجب منها، و" كتاب أخلاق النفس "، وكتابه الكبير المعروف ب - " الإيصال إلى فهم كتاب الخصال "، وكتاب " كشف الالتباس، ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس "؛ إلى تواليف غيرها، ورسائل في معان شتى كثير عددها.
ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عباد قوله:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رق وكاغد وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأةً فكم دون ما تبغون لله من ستر وله:
من ظل يبغي فروع علم بدءًا ولم يدر منه أصلا
فكلما ازداد فيه سعيًا زاد لعمري بذاك جهلا
[ ١ / ١٧١ ]
وقال:
كأنك بالزوار لي قدر تبادروا وقيل لهم أودى علي بن أحمد
فيا رب مخزون هناك وصحاك وكم أدمع تذرى وخد مخدد
عفا الله عني يوم أرحل ظاعنًا عن الأهل محمولًا إلى بطن ملحد
وأترك ما قد كنت مغتبطًا به وألقى الذي آنست دهرًا بمرصد
فوا راحتي إن كان زادي مقدمًا ويا نصبي إن كنت لم أتزود ويا لبدائع هذا الحبر علي لبن حزمٍ وغرره! ما أوضحها على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها! وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله أردى العلماء تبريزهم على من يقصر عنهم، والحسد داء لا دواء له؛ انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان في خبره.
قلت أنا: ولعمري ما عقه، ولا بخسه حقه. وأخبرني الفقيه الحافظ أبو بكر ابن الفقيه أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: كان لشيخنا الفقيه أبي محمد بن حزم في الشعر والأدب نفس واسع، وباع طويل، وما رأيت أسرع بديهةً منه؛ وشعره كثير، وقد جمعته على حروف المعجم، ومنه ما كتب عنه:
هل الدهر إلا ما رأينات وأدركنا - فجائعه تبقى ولذاته تفنى
إذا أمكنت فيه مسرة ساعةٍ تولت كمر الطرف واستخلفت حزنًا
إلى تبعات في المعاد وموقفٍ نود لديه أننا لم نكن كنا
[ ١ / ١٧٢ ]
حصلنا على همٍ وإثم وحسرةٍ وفات الذي كنا نلذ به عنا
حنين لما ولى، وشغل بما أتى وغم لما يرجى، فعيشك لا يهنا
كأن الذي كنا نسر بكونه إذا حققته النفس لفظ بلا معنى قال: وله أيضًا من قصيدة خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن ابن بشر يفخر فيها بالعلم، ويذكر أصناف ما علم، يقول فيها:
أنا الشمس في جو العلوم منيرةً ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
ولو أنني من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو أكناف العراق صبابة ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم فحينئذ يبدو التأسف والكرب
فكم فائل، أغفلته وهو حاضر وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدري أن للبعد قصةً وأن كساد العلم آفته القرب
فواعجبا من غاب عنهم تشوقوا له ودنو المرء من دارهم ذنب
وإن مكانًا ضاق عني لضيق على أنه فيح مذاهبه سهب
وإن رجالًا ضيعوني لضيع وإن زمانًا لم أنل خصبه سغب ومنها في الاعتذار من مدح نفسه:
ولكن لي في يوسف خير أسوةٍ وليس على من بالنبي أئتسى ذنب
[ ١ / ١٧٣ ]
يقول - وقال الحق والصدق - إنني حفيظ عليم، ما على صادقٍ عتب وأنشدني لنفسه:
لا يشتمن حاسدي إن نكبة عرضت فالدهر ليس على حال بمترك
ذو الفضل كالتبر طورًا تحت ميقعةٍ وتارةً في ذرى تاجٍ على ملك وأنشدني أيضًا له:
لئن أصبحت مرتحلًا بشخصي فروحي عندكم أبدًا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المعاينة الكليم وقد كرر هذا المعنى أيضًا فقال:
يقول أخي: شجاك رحيل جسم وروحك ما له عنها رحيل
فقلت له: المعاين مطمئن لذا طلب المعاينة الخليل قال أبو عبد الله الحميدي: وقلت له يومًا: قال أبو نواس:
عرض للذي تحب بحبٍ ثم دعه يروضه إبليس فقل أنت في طريق التحقيق فقال:
ابن فول وجه الحق في نفس سامعٍ ودعه فنور الحق يسري ويشرق
سيؤنسه رفقًا فينسى نفاره كما نسي القيد الموثق مطلق انتهى كلام الحميدي.
[ ١ / ١٧٤ ]
وأنشدت له أيضًا يما كان يعقده من المذهب الظاهري من جملة أبيات يقول فيها:
وذي عذل في من سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول:
أفي حسن وجه لاح، لم ترغيبه ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل -
فقلت له: أسرفت في اللوم ظالمًا وعندي رد - لو أدرت - طويل
ألم تر أني ظاهري، وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل! @ما أخرجته من شعر أبي المغيره في أوصاف شتى
له من قصيدة أولها:
أحاجيكم: من قلد القمر القرطا - وأسألكم: من ألحف الغصن المرطا -
فما جزعي إن جاوزوا الجزع ظاعنًا ولا ساقط حزني إذا جاوزوا السقطا ومنها:
وليدة سر المجد تبذخ نخوةً وقد عظمت مجدًا وقد كرمت رهطا
ولم ترض بالجوزاء عقدًا ودملجًا ولا قنعت بالنجم شنفًا ولا قرطا
تقنصتها والعمر في عنفوانه فلا غصني أحنى ولا لمتي شمطا
وليل غطى والنجم في الأفق حائر فغطى على الأعلام منه الذي غطى
وليس وشاحي غير عضب مهندٍ أبى حده أن يسأم القد والقطا
تشابه عزمي والحسام وهمتي ثلاثة أسياف بأمثالها يسطى
[ ١ / ١٧٥ ]
وهذا كقول أبي تمام:
العيس والبيد والليل التمام معًا ثلاثة أبدًا يقرن في قرن وأخمده البحتري فقال:
اطلبا ثالثًا سواي فإني رابع العيس والدجى والبيد وقال الصنوبري أيضًا:
حتى تكون لي الطمرة خلةً والبيد دارًا والحسام رفيقا وقال أبو الحسن السلامي أيضًا:
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر وقال بعض أهل عصرنا:
وإلا الثلاث السفع لم يزل الهوى لها ابعًا في أعين وقلوب ولأبي المغيرة من أخرى أولها:
سرت من لوى خبت إلينا تعسف مهامه ذات الجهل والجو أكلف يقول فيها:
تبيت بذي الأرطى وقد بات طيفها لنا صنمًا نحنو عليه ونعكف
[ ١ / ١٧٦ ]
هبيك سريت الليل فرعك أسحم وثغرك بسام، ولحظك أوطف
فأنى أطقت المشي، قدك مائد وردفك رجراج، وخصرك أهيف
سقى ربعك المألوف، حيث تصدعت لي الكبد الحرى، ربيع وصيف
فكم لي فيه من جناب وطئته كريمًا فلا آسى ولا أتأسف
وقد شققت فيه البروق جيوبها وباتت علينا أدمع الغيث تذرف
ليالي بات البان فوق كثيبه علي بأنواع الجنى يتعطف
إذا ارتج من ردفٍ كثيب مرجرج تأود من قد قضيب مهفهف
يمد علينا للسحاب سرادق ويسحب فينا للجنائب مطرف
ولله دري ما أدر مدامعي إذا سجعت ورق على الأيك هتف
بدا العلم الفر الذي كنت عالمًا به، وسرى العرف الذي كنت أعرف
يذكرني سعداي بالغور ما تني مساعدةً إذ لا صدوفي تصدف
ولله سلمى يوم أهدى سلامها بذي سلمٍ نحوي البنان المطرف ومنها:
وما ظبية أدماء تعرو أراكها وتعطو وقد أوفى برير وعلف
بأحسن منها يوم ريعت لزورتي فراغت إلى أترابها تتشوف
وقالت: أما تثنيك رقبة حارس وأنياب ليث في العرينة تصرف -
ودون الذي أملت أجرد سابح وأسمر عراص وأبيض مرهف
فقلت لها: بعض الذي بك، فانثت وأنجز ميعادًا بخيل مسوف
[ ١ / ١٧٧ ]
ونلت سقاطًا من حديث وعاقني تنزه حرٍ عن خنا وتعفف
مساعدني تحت النقابين منظر ويسعدني تحت اللثامين مرشف ومنها:
وركب سروا والليل عليهم سيتورًا من الظلماء لا تتكشف
خبطت بهم أكنافه ونجومه ورائم أظار على البدر عكف
على كل قنعاس كأن لغامه - وقد سئم الإرقال - قطن مندف
هدايا خطوب بات ينحرها السرى ولكنها من باطن الخف ترعف
إلى أن أناف الصبح ينفض عرفه وطائره في غرة الفجر يهتف
فما أنشق إلا عن منادي ابن منذر نذيرًا بصرف عاقهم عنه يصرف ومنها:
يا رب ميدان أتى فيه سابقًا وغودر منكوتًا هجين ومقرف
وما نام حتى لم مفترق العلا فها هي عقد في يديه مؤلف
إياس وبسطام بن قيس وحاتم وقس ولقمان بن عاد وأحنف
وما هذه الأيام إلا مقاول تلت سورًا من مجده وهو مصحف
إذا مضر الحمراء أدلت بمجدها وجرت ذيول الفخر قيس وخندف
سما لك قحطان ببنيان سؤدد ينيف على تلك المباني ويشرف وله من أخرى:
أمن البراق التاح برق ما سرى إلا ورد الأفق مرطًا أحمرا
أتبعته نظر المشوق بمقلة لم تدر مذ عهد الأثيلة ما الكرى
[ ١ / ١٧٨ ]
عاينته كالصقر طائرًا فغدت غرابيب الدياجي نفرا ومنها:
وسللت من نار الصبابة صارمًا وجررت من وفد التصابي عسكرا
ومشيت منسابًا فقل في أرقم وضح النهار له فعاد غضنفرا
بتنا، وبات المسك فينا واشيًا بمكاننا، والحلي عنا مخبرا
ورنت بألحاظ تدير كؤوسها فينا فنشربها حلالًا مسكرا
والليل يلحفني سرابيل الدجى جهلًا وقد عانقت صبحًا مسفرا
لو جئتنا لرأيت أعجب منظر أسد توسد كف ظبي أعفرا
ولقد رقيت من الحمى أعلامه وشككت لما شمته متغيرا ومنها:
إلا ترى المنصور تحت لوائه تلق ابنه طلق الجبين مظفرا
أو لا تجد في الحفل عاقد حبوةٍ هودًا فإنا قد وجدنا حميرا
أو تفتقد صمصام عمرو في الوغى فلقد سللنا ذا الفقار مذكرا
لا غرو جئت البحر إذ أجلى الحيا ورأيت يحيى حين لم أر منذرا
فإذا دعونا من يجيب لنكبةٍ لبت تجيب فخلتها سيلًا جرى
شيم غدت قرط الزمان فلم أنم حتى نظمت عليه شعري جوهرا
لله درك والرماح شوارع والبيض تقطع لأمة وسنورا
ومقامة لك في الأعادي قد حمت أيام قوم قبلها أن تذكرا
كان اللسان لها الحسام المنتضى والمنبر العالي الأغر الأشقرا
غادرت أحشاء البنود خوافقًا فيها ومران الوشيج مكسرا
[ ١ / ١٧٩ ]
أنسيتنا جذل الطعان وعامرًا وعتيبة بن الحارثي ومسهرا
فإذا أتيتك مادحًا لك لم يجيء شعري ليسأل بل أتاك ليفخرا
غيري الذي اتخذ المدائح مكسبًا وسواي من جعل القوافي متجرا
أنا ما شعرت لأن أنبه حاملًا لكن لأمنع شاعرًا أن يشعرا وقوله: " أو نفتقد صمصام عمرٍ و" البيت، لفظ حبيب ومعناه، نقله أبو المغيرة:
أو نفتقد ذا النون في الهيجا فقد جلى الإله لنا عن الصمصام @لمع من أخبار منذر الذي ذكر
قال: ونقلت من خط أبي مروان ابن حيان، قال: كان منذر بن يحيى صاحب سرقسطة رجلًا من عرض الجند، وترقى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى نيل الإمارة، والانتباذ من العسكر إلى الثغر الأعلى بلده، واقتطاعه لما صير في يده، وكان أبوه يحيى من الفرسان غير النبهاء؛ فأما ابنه منذر فكان فارسًا لبق الفروسية، بهي الشارة، مليح التقلب على الدابة، سخيًا كريمًا خارجًا عن حد
[ ١ / ١٨٠ ]
الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة الساذجة، وأما غدره فالنار برأس اليفاع، من أفحشه صنعه بهشام المخلوع مولى نعمته ومعلي رتبته، وباعثه إلى الثغر لنصرته، فانقلب ناصرًا لعدوه، وغزاه في عقر داره، وأنزله عن سريره، وأسلمه لحتفه، وباع دماء عشيرته أهل قرطبة مجانًا باطلًا بلا ثمن من البرابرة على غير عذر، ولا ضرورة. وعاد بمثلها بمحمد بن سليمان أثيره عندما استجار به في نكبته، فقتله وهو ضيفه، فجاء بها صلعاء مشهورة لم تغسلها معذرة؛ إلا أنه كان كريمًا، واتفق على تفضله، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، حتى أشبهن الحضرة الكبرى قرطبة أيام الجماعة، فحسنت أيامه، وهتف المداح بذكره.
وكان مع سموه للمعالي من الإيثار لشهواته، والمسارعة لقضاء لذاته، والانهتاك في طلب راحته، والشغف بزي دنياه، والكلف بزخرفها، والتهالك في حبها، على أضلع ما كان عليه من تفرد بشأنها، فاتخذ الجواري الحسان، وملاح الغلمان، فجلب إليه كل علق خطير، وحصل عنده من كل ما وصفناه كثير.
وكان لأول ولايته قد ساس عظماء الإفرنج وهاداهم حوطًا للثغر وأهله، وتأنيًا للجماعة حتى تثوب لأهل الإسلام، يناهضون بها عدوهم. وكان رؤساء الجلالقة يومئذ ريمند الجليقي وشانجه القشتلي، فسلك معهما سبيل الاسترضاء، والموافقة والاستخذاء، فحفظت أطرافه وكفت المعرة عن عمله، وربما أوقع ببعض أصاغر القوامس في أطرافهم وسبى منهم، وريمند وشانجه باقيان على
[ ١ / ١٨١ ]
معاقدته إلى أن مضى بسبيله، والثغر مسدود لا ثغرة فيه ولا وهي في حاله. وبلغ من استمالة الحاجب منذر لهذين الطاغيتين أن أجريا تصاهرهما على يديه، وكتب عقد النكاح بينهما بحضرة سرقسطة في حفل من أهل الملتين، فقرفت الألسنة منذرًا لسعيه في نظم سلك الطاغيتين لما فيه من سوء العاقبة. وقد قيل إن رأي منذر كان في ذلك أحصف، من رأي من قدح فيه وقرف، لنظره في شأن وقته، وعلمه بانصداع عصا أهل كلمته؛ فآثر من الموادعة ما ستر به العورة، وشراه بغليظ الكلفة، واختدع به عظيمي الجلالقة ريمند وشانجه المحدثين أنفسهما يومئذ بمناهضة أهل الأندلس، فألهاهما عن الحرب وحبب إليهما الدعة. وأعقب الحاجب منذر أهل الثغر في مغبة ذلك عاجل السلامة، واستظهروا به على العمارة، فحيوا وعاشوا في نعمة ضافية، وعيشة راضية، لم يتغير به عنهما حال، إلى أن ألوت بمنذر المنية، وقد اعترف الناس لرأيه، وأقروا بسياسته، ولم يأت بعده من يسد مسده، ولم ينفع الله الطاغيتين بصهرهما الذي كانا عقداه للتآلف على المسلمين، إذ أعجل عنه شانجه بن غرسية شيطانهم الرجيم، وهوى أميرهم ريمند ظهير المذكور، وابنه بعده؛ فشتت الله شمل تلك الطواغيت يومئذ وكفى المسلمين شرهم برحمته. واشتمل منذر على قواد تلك الثغور، واستوسقت له هنالك الأمور
[ ١ / ١٨٢ ]
واستكتب عدة كتاب كأبي العباس ابن مروس من تدمير، وكأبي عامر ابن أرزق، وابن واجبٍ وغيرهم.
قال ابن حيان: وأخبرني الكاتب أبو أمية ابن هاشم القرطبي - وكان من وجوه من خرج عنا أيام الفتنة واستوطن ثغر تطيلة، وما رأيت مثله في أولي البيتوتات فضلًا - قال: اجتاز القومس شانجه بن غرسية صاحب قشتيلة بباب تطيلة صدر أيام الحاجب منذر، وعلينا يومئذ من قبله سليمان بن هود صاحبه، فسلك مجتازًا يريد طرف الثغر الأعلى للاجتماع هنالك بالقومس ريمند صاحب برشلونة، لعقد المصاهرة بينهما، والأنثى من عند شانجه، واطئًا لأرضنا عن علم من منذر والينا، وضمان منه لكف عادية جيشه عنا؛ فأنكره أهل تطيلة وهم يومئذ بحال عزة وقوة، وذهبوا إلى عصيان أميرهم منذر فيه تفاديًا من وصمته؛ فنمي ذلك إلى الطاغية شانجه، فلما شارف البلد أرسل يستدعي قومًا من أعيانهم، يكلمهم في سبيله.
قال أبو أمية: فكنت في عدد من مضى، فدخلنا محلته يومئذٍ
[ ١ / ١٨٣ ]
فخرصتها خيلًا ورجلًا زهاء ستة آلاف، ولم يكن احتفل في حشده، ووصلنا إلى مضربه فإذا هو جالس على مرتبته عليه ثياب من ثياب المسلمين، ورأسه مكشوف أصلع كهل، لم يغلب عليه الشيب بعد، أسمر اللون جميل الصورة؛ فكلمنا بكلام لطيف حسن بين فيه وجه سيره، وذكر ما فارق والينا عليه من المحالفة معه، فعرفناه بكره من وراءنا لاجتيازه، وذهابهم إلى التمرس به، فنهانا عن ذلك وذكر الحرب وعدواءها؛ فانصرفنا عنه وأدينا قوله إلى من خلفنا فلم يتقبله عوام الناس، وحملهم الأنف على أن خرجوا إلى عجل أبطأت في ساقته تحمل أزواد عسكره يريدون نهبها عاصين للمشيخة، فأنهي إليه ذلك، فصرف من أصحابه مقدار خمسمائة فارس ثاروا في وجوه الناس، فخرج البلد بأسره لدفاعهم، فحمل من الخمسمائة قطعة، فولى الناس الأدبار حتى اقتحموا باب المدينة. فما رأيت في النصرانية يومئذ رجالًا مثل رجاله، ولا في ملوك الطواغيت من أعد له به في ركانة مجلسه ورجوليته ودهبه وكمال أدواته، وصدوع كلماته، إلا ما كان من صهره وسميه شانجه بن غرسية صاحب البشكنش الذي تفرد بالرئاسة بعده فكان مثله، بدد الله شيعتهم.
وكان من أعظم ما حبا الله به الإسلام يومئذ عند منبعث فتنتهم، ومحدث فرقتهم، وتشتيت كلمتهم، بعد الدولة العامرية بأفقنا، تعجيله حتف أملاك النصرانية المترسين بهم، وتلاحقهم في المدة القريبة
[ ١ / ١٨٤ ]
وإلقاؤه بين من أنظر منهم الشتات والعداوة، حتى صاروا أسوة المسلمين حذو النعل بالنعل، في افتراق الكلمة وزوال أمر المملكة، فإن الفتنة بأفقنا جاءت يومئذ بين المسلمين، وزعماء الطاغية حضور، وفيهم عدو الله شانجه بن فرذلند الذي تمرض بالمنصور بن أبي عامر، ﵀، ذو العزة والسطوة، فأعيا عليه حتى قمعه، وضرب بعده فريقي الفتنة، ومالأ الخوارج على الجماعة، حتى تمكن من هشم البيضة؛ وطمح أمله إلى الكرة، فقطع الله بهم، وأهلكهم في مدة قريبة.
@ذكر الخبر عن مقتل منذر
قال ابن حيان: وكان ذلك على يدي رجل مارد من بني عمه، يقال له عبد الله بن حكم، وكان مقدمًا في قواد منذر، أضمر الفتك به دهرًا، فدخل عليه يومًا في مجلسه غرة ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة، وهو غافل في غلالة، ليس عنده إلا نفر من خواص خدمه الصقلب، قد أكب على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكين قد أعده، ففرى به أوداجه ولا ما نسع منه، وهرب خدام السر الغلمان الخصيان، الذين كانوا على رأسه، وخلوه في يديه، إلا خادمًا شهمًا منهم مشى إليه وهو حاسر، فضربه
[ ١ / ١٨٥ ]
عبد الله بخنجره فقضى عليه مع مولاه. وأخرج رأس المنذر للوقت من قصره فوق قناةٍ ينادى عليه: هذا جزاء من عصى أمير المؤمنين هشامًا ودفع حقه، يريد بذلك الرجل الذي كان يدعى له يومئذ بإشبيلية، تعلقًا من هذا المارد لولايته، وتوطئة لقيامه، إذ كان هذا القتيل ممن رد طاعة هشام تأسيًا بوالده يحيى وبخاله إسماعيل بن ذي النون؛ فنزلت بسرقسطة يومئذ حادثة عظيمة، وأشرف أهلها على فتنة شديدة، واضطربت لها حالهم، وطمع فيهم أكثر من كان يجاورهم، وأذعنوا لهذا الغوي المتوثب عليهم آنفًا، ورهبوه لاستجاشته الغوغاء والسلفة؛ فملك البلد لنفسه.
وكان سليمان بن هود الجذامي صاحب لاردة وقته مقيمًا بتطيلة بجمعه، فسارع إلى سرقسطة ساعة سمع بخبر منذر رجاءً في دخولها، فمنعه هذا الفتى القاتل، ثك جاءه إسماعيل بن ذي النون خال منذر ممتعضًا لما جرى على ابن أخته، فامتنع ابن حكم بالقصبة، واتصلت الفتنة، ونال أهل سرقسطة يومئذ جهد شديد وخربت أحوالهم.
قال ابن حيان: وكان ركب ابن حكم القاتل من خطة التغرير
[ ١ / ١٨٦ ]
مركبًا لم يجسر عليه فاتك قبله، لتفرده ووثوبه على الأمير منذر جوف قصره في قرارة مجلسه بين غلمانه وأهله وتحت أغلاقه، وبينه وبين الباب الأقصى من قصره ما لا يحصى من حجابه وقهارمته؛ فلم يفكر في شيء من ذلك، وحمل نفسه على التصميم فيه، وهون عليها الموت دونه؛ فلما تم له ذلك لم يكن في الخصيان العبدى الذين حضروا مجلس منذر ساعتئذ فضل للدفاع عنه والوثوب بابن حكمٍ، على كثرتهم وتفرده وسطهم، وأنهم لم يزيدوا على الهرب قدامه، فجاء بفتكة أسقطت كل من فتك في الإسلام قبله؛ ثم لحق طعمه برياسة الملك فملكه، ولم يفكر في ابن ذي النون خال منذر لما دنا إليه. وفعل ذلك بسليمان بن هود، وقد جاء ناشرًا أذنيه، فحاربه ودافعه. وكان قصر منذر وقت فتكه به من حاشيته وغلمانه أزيد من مائة رجل سوى نسائه، فطار الرجال على وجوههم فزعًا، ولم يكن فيهم من يأخذ على يده، وقام بينهم كالأسد الورد، فحز رأس الفتى منذر للوقت، وأخرجه إلى الناس، فهمتهم أنفسهم وأبلسوا، ولم ينطق منهم أحد بكلمة.
وأرسل من حينه يستدعي قاضي البلد والمشيخة، فدخلوا عليه وهو قاعد على فراش منذر قتيله، ومنذر إلى جانب الفراش مرمل في دمائه، مغطى بثيابه؛ ووصف أنه جرى في سبيل الإصلاح عليهم
[ ١ / ١٨٧ ]
والشد لسلطانهم، وتقدم إليهم بتسكين من خلفهم من العامة، وأظهر الدعاء أولًا لسليمان بن هود، فأروه قبول ما وصفه، وتفرقوا عنه، وكلمتهم مختلفة عليه، إلى أن ثاروا به وقاتلوه، فخرج من باب بظهر القصر، ونجا منه بفاخر ما اشتمل عليه من ذخائر آل منذر، ولحق بحصن روطة اليهود، أحد معاقل سرقسطة المنيعة، وقد كان أعده لنفسه، فأقام به يرصد الفتنة جهده. وكان قد حمل مع نفسه الغلامين أخوي منذر قتيله، وحمل أبا المغيرة بن حزم وزيره وغيرهم من وجوه رجال منذر الذين نكبهم عند قتله مقيدين، فحبسهم عنده، يطالبهم بالأموال.
ونهب العوام قصر سرقسطة إثر خروجه نهبًا ما سمع أعظم منه، حتى قلعوا مرمره، وطمسوا أثره، لولا تعجيل ابن هود ملك البلد إثر ذلك في المحرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وأذكر بهذه الغدرة الصلعاء، والفتكة الشهيرة الشوهاء - إذ الشيء يذكر مع ما جانسه، ويضم إلى ما التف به ولابسه - ما اتفق من مثلها في ملك المناديين الغالبين إلى وقتنا هذا على طرف إفريقية الأدنى إلى الأندلس، المستقرة رياستهم بقلعتهم المنسوبة إلى جدهم
[ ١ / ١٨٨ ]
حماد؛ وذلك أنه لما أفضى ملكهم إلى بلقين بن محمد منهم، أحد جبابرة الإسلام، المفتاتين على الأنام، من رجل كان لا يملأ يده إلا من لبدة أسد، ولا يسرح لحظه إلا في نهاب بلد مضطهد، ولا يراح إلا وبحر الموت يلتطم، ولا يكلم إلا حين يبتسم قد تجاوز في شذوذ أمنيته، وقهره لرعيته، والإخافة لأقرانه، والاستبداد على زمانه، غاية من سلف من جبابرة الأرض، وسمع به من فراعنة الإبرام والنقض، إلى شهرة آثاره، وتطاوح أسفاره، وما لا يحصى من عجائب أخباره.
حدثت أنه آب مرة من بعض غزواته الأفراد، المقلقلة لأحشاء الأنام والبلاد؛ فكأنه ارتاح إلى ما يرتاح إليه الناس من إراحة نفسه، والخلوة ولو ساعة بوجه أنسه؛ فجلس لذلك مجلسًا حشد له شهواته، وتقدم في إحضار ما يصلح له من آلاته وأدواته؛ وأمر قيمة جواربه باستحضار عقيلة أترابها يومئذ جلالة سلطان، وحسن سماع وعيان، إحدى بنات عمه دنيا، لم ير بعدها - زعموا - ولا قبلها أبرع ظرفًا، ولا أقتل طرفًا منها؛ فجاءت تود الثريا لو تكون نعلها، والشمس لو تصور مثلها، وقد خطرت بنفسه إحدى هناته، وتمثلت له بعض غزواته؛
[ ١ / ١٨٩ ]
فأخذ يدبر، وطفق يورد ويصدر. قالت قيمته: وكأني أنظر إلى الكاس في يده، وإلى ابنة عمه قائمةً على رأسه، من لدن صليت العصر حتى طلع الفجر، وجانت منه بعد طول ليلته نظرة فرآها، فاعتذر إليها واستدناها، ووعدها ومناها، وقام من حينه فوضع الكأس ملأى في طاق وطبع عليها، وأمر بالركوب من حينه، فغزا غزوته المشهورة إلى المغرب من العدوة، بلغ فيها مدينة فاس، فوطئ الدول، ودوخ السهل والجبل؛ ثم رجع فجلس ذلك المجلس بعينه، واستدعى كأسه تلك وابنة عمه، فخلا بأنسه، وقضى وطره من لذة نفسه، بعد أيام كثيرة، وحروب مبيرة.
ولما تناهى أمره، وتجاوز السها ذكره، وظن أن البلاد تحت ختمه، وأن الناس على حكمه، سما إليه في بعض أسفاره ابن عمه الناصر، أصغر خلق الله عنده شانًا، وأهونهم عليه سرًا وإعلانًا، من فتىً علمه الخوف كيف يجسر، وهجم به ضيق المسلك على الموت وهو ينظر، لم يشاور إلا الحسام، ولا استصحب إلا الإقدام؛ وقد كان بعض نصحاء بلقين خوفه منه، لكلمة أخذت يومئذ عنه، فجعلها بلقين نقلة ركابه، وسمر أصحابه. وكان قلما يركب إلا دارعًا، آخذًا بما يأخذ به من ذعر القلوب، ووتر البعيد والقريب؛ وكان مولعًا بالإدلاج إذا ارتحل، مؤثرًا للانفراد كلما ركب ونزل؛ فأقسم تلك الليلة ألا يدلج إلا حاسرًا، وليقتلن الناصر إذا نزل ولو كان أسدًا خادرًا؛ فأعجله عن الأمر، ولما يبد وضح الفجر؛ لقيه كأنه يسلم عليه، أو يسير بين يديه، فما راجعه الكلام، إلا وقد جلله الحسام، وأراح
[ ١ / ١٩٠ ]
منه البلاد والأنام؛ ثم قام مقامه، واستظل أعلامه، وأمر برأسه فرفع على بعضها وسير به أمامه، والناس يظنون أن بلقين، قد قتل بعض أتباعه الممتحنين، فهم يتساءلون عمن قتل، ويرجمون الظن فيما فعل، حتى طلعت الشمس، وارتفع اللبس؛ فأمر برفع مضاربه، وحشر زعماء ذويه وأقاربه، فقال: أنتم تعلمون أن بلقين قتل أختي، وفجعتي بأكرم حرمتي؛ وإنما شفيت صدري، وأخذت بوتري، لا أني حدثت نفسي بسلطانكم، ولا رأيتني أهلًا للدخول في شيء من شانكم. فردوا عليه جميلًا، ورأوا إمهاله قليلًا، وظنوا أنه لم يجسر على ما فعل إلا وله أشياع، وأهمه ما هو فيه؛ وأمر لحينه بخزائن بلقين فأنهبها ذؤبان العرب وصقورة زناتة، فاستخلص بذلك غيوبهم، وأمال إليه قلوبهم، ورحل تحت ليلته يطوي المراحل، ويعتسف المجاهل، فسبق الأخبار إلى القلعة فوطئ الحريم، وتملك الظاعن والمقيم.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عامر أحمد بن عبد الملك
@ابن شهيد؛ وسياقة جملة وافرة من نظمه ونثره
قال ابن بسام: وكان أبو عامر شيخ الحضرة العظمى وفتاها، ومبدأ
[ ١ / ١٩١ ]
الغاية القصوى ومنتهاها، وينبوع آياتها، ومادة حياتها، وحقيقة ذاتها، وابن ساستها وأساتها، ومعنى أسمائها ومسمياتها، نادرة الفلك الدوار، وأعجوبة الليل والنهار؛ إن هزل فسجع الحمام، أو جد فزئير الأسد الضرغام؛ نظم كما اتسق الدر على النحور، ونثر كما خلط المسك بالكافور، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود، تشق القلوب قبل الجلود، وجواب يجري مجرى النفس، ويسبق رجع الطرف المختلس.
وقد ذكره أبو مروان بن حيان في غير ما موضع من كتابه فقال: كان أبو عامر يبلغ المعنى ولا يطيل سفر الكلام، وإذا تأملته ولسنه، وكيف يجر في البلاغة رسنه، قلت عبد الحميد في أوانه، والجاحظ في زمانه. والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نثره ونظمه في بديهته ورويته، فيقود الكلام كما يريد من غير اقتناء للكتب، ولا اعتناء بالطلب، ولا رسوخ في الأدب، فإنه لم يوجد له، ﵀ - فيما بلغني - بعد موته، كتاب يستعين به على صناعته، ويشحذ من طبعه إلا ما لا قدر له؛ فزاد ذلك في عجائبه، وإعجاز بدائعه. وكان في تنميق الهزل، والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك. وشعره حسن عند أهل النقد، تصرف فيه تصرف المطبوعين، فلم يقصر عن غايتهم.
وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة وأنواع التعريض والأهزال، قصار وطوال، برز فيها شأوه، وبقاها في الناس خالدة بعده. وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدته، مع رقة حواشي كلامه، وسهولة
[ ١ / ١٩٢ ]
ألفاظه، وبراعة أوصافه، ونزاهة شمائله وخلائفه، آية من آيات الله خالقه؛ من رجل غلبت عليه البطالة فلم يحفل في آثارها بضياع دين ولا مروءة، فحط في هواه شديدًا حتى أسقط شرفه، ووهم نفسه راضيًا في ذلك بما يلذه، فلم يقصر عن مصيبة، ولا ارتكاب قبيحة.
وكان مع ذلك من أصح الناس رأيًا لمن استشاره، وأضلهم عنه في ذاته، وأشدهم جناية على حاله ونصابه. وكان له في الكرم والجود انهماك، مع شرف وبطالة، حتى شارف الإملاق، فمضى على هذه السبيل ﵀، انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وقد أخرجت من أشعاره الشاردة، ورسائله الباقية الخالدة؛ ونوادره القصار والطوال، وتعريضاته السائرة سير الأمثال، ما يحل له الوقور حباه، ويحن معه الكبير إلى صباه.
@جملة من كلامه في أوصاف شتى
فصول من رقعة خاطب بها المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن أبي عامر:
لولا أن من العادة بين السادة والمسودين، والمالكة والمتملكين
[ ١ / ١٩٣ ]
تطارح ادمة، وتدارس لطائف الحرمة، لأكبرته - أيده الله - عما أرغب ذكره، وأكرمته عما أطلب نشره؛ ولولا أن من السياسة وعقد الحزامة تذكير أهل العلياء، بسوالف النعماء، لربأت بما ينته الآباء والأجداد، وضربت بينه وبين افات بالأسداد، عن أن أحرز منه بتذكير، أو أدفع عنه بتقدير. لولا أن التطويل فيما أقصد قصده وأنحو نحوه على زمننا وشاغله، ومجد خطبنا وهازله، موجب للقول وموجد للسبيل إلى الطعن ممن ضعف حجاه، وقصر به مرماه، لرسمت إليه من الورق، أعداد الورق، ولرقمت إليه من المهارق، أشباه النمارق.
وفي فصل أيضًا:
وأقل ما أمت به، وأنطق عنه، ممتد عنان الأمل، كارعًا في بحر الرجاء لا الوشل، من مواتي بالمنصور جده - ﵄ - أني نشأت في حجره، وربيت في قصره، وارتضعت ثدي كرائمه، واعتجرت رداء مكارمه؛ واغتذيت من فيه، أكلًا زقنيه، وماء علنيه، فصرت من أفراخ نعمائه الحمر الحواصل، ولحقت بأخوة أبنائه الغر العباهل.
ومن مواتي بالمظفر عمه - عمته رحمة الله. إن أبي عبد مننكم لما بعد أمله، وبان خشوعه، وسالت دموعه، نكب عن طريق أهل الدنيا، ورمى مرمى من مرامي أهل الأخرى، فكسر همتي، وحلق لمتي، وسلبني بزي، وعراني من خزي، فكانت أفدح نازلة نزلت بصبوتي، وأقلق حادثة سلبت رونق بهجتي؛ وأنا ذاك ابن ثمان، قد هجنت في مدارع الكتان؛ ولقيني الوزير ابن مسلمة وقد عاد أبي
[ ١ / ١٩٤ ]
إثر إبلال، وعند نقوه من اعتلال، فسألني عن الحال، وعما شغل البال، فلم يكن جوابي غير النشيج والعجيج، وسوى العويل والضجيج؛ ولقي المظفر على حينه، وأدى إليه ما شاهد مني، فوجه عني، فلما صرت بين يديه، أمر بي فألبست ثياب الحرير، وضمخت بنفاح العبير، وحملت على فرس بسرجه ولجامه، ينهل من أعطافه ماء جمامه، وأتبع ذلك ألف دنيار في طبق، كأنها عيون النرجس الصفر الحدق، وعقد لي على الشرطة، وكانت لسني أرفع خطة، فانصرفت وأنا أنظر عطفي عن شوس، وقد ضاق صدري على أبي عن سعة نفس.
ومن مواتي بالناصر أبيه - برد الله مضجعه، ونعم مهجعه - أني صرت بين يدي المنصور، في يوم مطير، وأنا ابن خمس، أذكر ذلك ذكري لما كان بالأمس، وكان من إكرامه لي، ولطيف اهتمامه بي، ما يطول به الكتاب، ولا يحتمله الخطاب؛ وعينه ومحضه، وصريحه وزبده: أنه وهبني يومًا تفاحةً كانت بين يديه كبيرةً، ورآني أنظر إليها نظر الكلف، وأتأملها تأمل الشره، فأمرني بالقبض عليها، والعض فيها، فضاق فمي عن أن أحيط بجزء من أجزاء كرتها، وصغرت كفي عن أن تقبض إلا بمخنق من مخانق أنحائها، فجعل يقطع لي بفمه، ويطعمني على حكمه؛ ودعا الناصر، ومعه فتى سمعتهم يكنونه أبا شاكر، فقال له: احمله إلى أمك، وارفق به في أمك؛ فأخذا بيدي أمامه، وابتدار يسيران بي قدامه، وأنا لا أسمح في القياد لشدة ذلك الوابل، وتتابع قطر ذلك الهاطل، فصاح بهما:
[ ١ / ١٩٥ ]
أقلاه فاحملاه على أعناقكما، وسوقا به سوقًا رفيقًا أحسن مساقكما. فلفا أعضاد هما لفًا، ووصلا أذرعهما بأعناقهما وصلا، وامتطيت العاتق الكريم، على عين الملك الزعيم، امتطاء امتنان، لا امتطاء امتهان، ومرا بي حتى أنزلاني بين يدي السيدة، وإليها أمر كل قيمة؛ فاستوت بي على سريرها، وعلى مفرقها إكليل من مهابة أميرها؛ فلا أنسى ذلك البهاء في ذلك البهو، وذلك الحسور إليّ من قناع الزهو، وطار الخبر بقدومي في مقاصير العقائل، وحجرات الكرائم؛ فأرقلن من تلك المصانع، تطير بهن أجنحة الصنائع، فيا لها من كسى وخلع، وغرائب وبدع! وأمرت السيدة بألف تحمل معي عن نفسها، وثلاثة آلافٍ عن سيدها، فانصرفت بالغنى، من ذلك الجنى، ولم أصرف إلى المنصور حتى صرت عند أبي، وقد ظننت أنه متجاف عنه لي، أو تارك منه معي؛ وكانت لي فيه آمال، من التوزيع على الخدمة والعمال، من الصبيان وصبايا الجيران. أمر ففرق منه على بطانته، وأشار بحمل باقيه إلى خزانته، فظللت واجمًا، وطفقت راغمًا، أطفئ جمرتي فتذكو، وأخفي من لوعتي فتبدو. وبلغ ذلك المنصور، سفوجه نحوي بخمسمائة دينار، وأقسم على أبي بحياته ألا يمنعني منها، وأن يدعني بحكمي فيها؛ فبادرت بالركب والرجل، وأخذت في العطاء والبذل، وحبوت بأجزل الحباء، والخيل إذا ذاك نخب من قصب، والدرق قشور من خشب، فيومي مذكور في منية المغيرة إلى الآن، إذ كان مسكننا بدار ابن النعمان.
[ ١ / ١٩٦ ]
وأغربها ماتة، وألطفها وصلة، أن أخي موسى انتزعه المنصور من أبيه، وأحله محل بنيه، فاجتمعت الأفواه على الثدي، والتقت الشفاه على الدر المري؛ وقبضه الله إليه وقد رتع في مراتعكم، وجثم في مضاجعكم، فنحن عمار مقاصركم أحياء، وقطان مقابركم أمواتًا، جمعنا بذلك عشرة العاجلة والآجلة، وحصلنا على صحبة الدنيا والآخرة.
هذه - أيده الله - لمعة أبديتها له من وصائلي، وغرة أطلعتها إليه من وسائلي.
وفي فصل:
ومملوكك عاكف على الوطن، فكوع الراهب على الوثن، ولم يبق من النعمة غير مصاصة بلةٍ قد آن لها أن ترتشف، وتفاهة ثمرة حان لها أن تخترف؛ وعرج لمآله، والنظر لعاقبة حاله، على استخراج ما يمكن من أصول نعمتكم، ليصون بها جمة وجنته، ويفر عليها نطفة صفحته، إذ لا سبيل إلى التعريج على غير ذلك قطعًا، ولا إلى الالتباس بسواه حتمًا، ولو لحس التراب، وذاب في الثياب، فإنه يتنفس عن نفس همتها الكوكب، وهمها الغيب؛ فلولا همتها لأظلم الدهر، ولولا همها لأسفر الأمر، وهذا موضع الحدس لا امتراء، وخليفة النفس لا ادعاء. ووعد الوزير عباس بصرف ضيعة لي بجهة تدمير، حالت الفتن دونها، واضطراب الأحوال عن
[ ١ / ١٩٧ ]
مطالعتها. وأنا أسأل فضلك سؤال المدل في استنجار ما وعد، فإنه يعتاض من شكري له وثنائي عليه، وصدعي في المحافل بفضله، أجل فائدةٍ يصطفيها، وأكرم نفيسةٍ يقتنيها.
وأصل اصطفائنا لتلك الضيعة وسائر أخواتها أن المنصور - ﵁ - استعمل أبي عبده على تلك الجهة الشرقية تسعة أعوام توالف بتدمير وبلنسية، فلما سئم العمل خاطبه برقعة يقول فيها: إن كبير حق المولى لا يذهب بصغير حق العبد، ولي حرمة أدل بها، وذمة أنبسط لها، وقد طالت علي الغربة، وسئمت الخدمة، ومللت من النعمة، فالإدالة الإدالة، فأداله - ﵁ - على رضاه، وأشخصه إليه على هواه، فورد قرطبة بأربعمائة ألف دينار نائضةً، ومائة ألف من ذهبٍ آنيةً، ووثائق خمسمائة زوج مكتسبةً، ومائتي نسمة من رقيق الصقلب متنتقاةً، والسعر إذ ذاك بها سامٍ جدًا، ونفقة أبي رأس كل شهر سبعون مديًا من قمح، وعلف ثمانين دابة من شعير. فكتب إليه يعرض عليه ما جاءه به، ويحكمه فيه، ويسأله أخذه، أو الأخذ منه، فجاوبه يقول: لو أردنا أخذ ما أعطيناك، ما قد مناك، ونحن نخاف أن تستصفي نفقتك ما استقته، وتأتي على ما اجتلبته، برتفاع ثمن الطعام، وأنك لم ترد منه على ذخيرة، وقد صككنا لك
[ ١ / ١٩٨ ]
بألفي مديٍ بشطرين من قمحٍ وشعير تستظهر بهما على زمانك، فاقبضها من أهراء فلانة لقربها من مكانك، إن شاء الله.
مكرمة - أعز الله المؤتمن - لم تعهد لغير عامري، ولا سمع بمثلها لغير معافري. ولما عز الخطاب، ووقع الكتاب، وكان عبدك منسوبًا إلى شيء من نظم الكلام، قال على كلة الذهن وفلة الغرب بالحان، وشغل البال، ما علم وفهم:
أما الرياح بجو عاصم فحلبن أخلاف الغمائم يقول فيها:
سهر الحيا برياضها فأسالها والنور نائم
حتى اغتدت زهراتها كالغيد باللج العوائم
من ثيباتٍ لم تبل كشف الخدود ولا المعاصم
وصغار أبكار شكت خجلا فعاذت بالكمائم
ورد كما خجلت خدو د العين من لحظات هائم
وشقيق نعمانٍ شكت صفحاته من لطم لاطم
وغصون أشجارٍ حكت رقص المآثم للمآثم
بكر الحسان يردنها من كل واضحة الملاغم
وضحكن عجبًا فالتقت فيها المباسم بالمباسم
ضحكت وأومض بارق فظللت للبرقين شائم
[ ١ / ١٩٩ ]
وتشوفت فتطامنت أجياد أظبيها الحوائم
ورنت فبادر نرجس يشكو عماه إلى حمائم
طاردتهن بقتيةٍ حرد على حرب المسالم
وكأنني فيهم لقي ط قاد من أحياء دارم
وتكاوست فيها الأبا رق وهي فاهقة الحلاقم
وكأنها أظبٍ رعف ن فثرن دامية الخياشم
وجرى بها فلك الصبا باللهو، والقضب اللوائم
وكأننا فيها العفا رت والكؤوس من الرواجم
وعلا بنا سكر أبى إلا الإنابة للمحارم
نرمي قلانسنا له ونجر من عذب العمائم
وترنمت فيها القيا ن لنا ورجعت البواغم
قمنا نصفق بالأكف لها ونرقص بالجماجم
وأعن من سدن الملو ك سليل أقيال خضارم
يشكو الرعات تنعمًا ويضج من حمل التمائم
لا تستحيه الراشفا ت ولا تباليه اللوائم
يجنينه ثمر النحو ر ويعتلين به المحازم
متجاهلات أنه يهوى وهن به علائم
[ ١ / ٢٠٠ ]
لازمت باب محله والنجح من قنص الملازم
حتى إذا وثقت بنا عجز الحواضن والخوادم
القيت من أخذي له وتلوت من سور العزائم
واقتدته بشكائمي فانقاد في تلك الشكائم
فوردت جمات المنى وكرمت عن لوم المآثم
وأغر قد لبس الدجى بردًا فراقك وهو فاحم
يحكي بغرته هلا ل الفطر لاح لعين صائم
فكأنما خاض الصبا ح فجاء مبيض القوائم
ويسير في يبس الثرى وكأنه في البحر عائم
حتى إذا علم الصبا ح أشار من تلك المعالم
وتمايلت أيدي الثريا وهي مذهبه الخواتم
ورنت ذكاء بنظاظر رمد من الاقذاء سالم
طلع الصوار لحينه وكأنه الموج المراكم
أو عسكر ركبوا الخيو ل الشهب واحتفروا الاداهم
فاشتد سبقنا له يكثرون عن مثل اللهاذم
وكأننا في رميها نستل من بيض الصوارم
فحمى أواخره أغر معاود تلك الملاحم
[ ١ / ٢٠١ ]
يهوي بروقي محربٍ طبنٍ بحرب الغضف حازم
وكأنما أرواقها مسودةً أقلام عالم
فتبادر الفتيان من جنباته أشهى المطاعم
شيًا ومطبخًا على جمر زهته الريح جاحم
وبعيدة الأرجاء نا زحةٍ على أيدي الرواسم
لا تدعي جوبًا لها ذات الخوافي والقوادم
من فتنةٍ قد أسبلت ظلماتها بيد المظالم
عمهت لها أحلامنا وكأنها أضغاث حالم
وتضاءلت أجرامنا فيها بموبقة الجرائم
وتحولت فينا الذنا بي الرأس، وابن المجد راغم
وأدار كل صغير قد ر المنتهى أرحي العظائم
فكأننا عمي نسا ق على العمى في ظل عاتم
حتى انتضى عبد العزي - ز عزيمة من صدر عازم
فبدت لنا سبل الهدى بنواجم غير الهواجم
ضرب الأعاجم سودها بالسد من بيض الأعاجم
فاستجفلوا فكأنما ضرب الثعالب بالضراغم
أبناء ملكٍ حميري قام بالغر القماقم
من عامرٍ أهل المصا نع والصنائع والكرئم
الكفر عنهم قاعد قدمًا ودين الله قائم
حكم الزمان بظلمهم دهرًا وصرف الدهر ظالم
[ ١ / ٢٠٢ ]
فارتد بهجة ملكهم كر الخبعثنة الضبارم
واشتد ينظم حزمهم شيحان طلاع المخارم
ذكر على ذكر يصو ل وصارم يسطو بصارم
إيهٍ هيا عبد العزي - ز وأنت رجام المرجم
قمر تضيء له الخطو ب على دآديها الفواحم
تسري الرياح بمجده فنسيمها بالغور فاغم
لم يرو من ماء الشبا ب وكل أشيب عنه خائم
رعيًا لمؤتمنٍ رعى فينا الحدايث والقدايم
بدأت أوائله وعا د لكشف غاشية الغياهم
ى تتركن صرم الزما ن على ظبا تلك الصوارم
وارم الخطوب بمثلها عزمًا فأنت لها مساهم
وإليكها من ناطق يدعوك إذ صمت البهائم وله من جواب على خطاب:
ورد كتابك الكريم، بفضله العميم، يتبلج تبلج البرق، ويتحلب تحلب الودق، متكسرًا في المشية، جاليًا لليل الشك والمرية، قائدًا بأزمة المنى والبغية، كلما اشتق موجًا غمره، أو
[ ١ / ٢٠٣ ]
لاعب مرجًا بهره، أو جزع واديًا أمده من أتيه، ونعم من أنبوب برديه، أو مر بروض شق عليه رداء ورد، وأثار به عجاج ند، أو عارض حمامةً حيته بغنائها، أو سامت لقوة نزلت إليه من هوائها، أو مسح بعصمٍ حنت إليه، أو خطر بأسد تهالكت عليه؛ كتاب منع جانبه، وحمي حامله، كلما خبط بطحاء كتبت بالكتائب، أو ركب جرعاء رقمت بالأراقم، كان لهذه مدية، ولتلك رقية؛ وكلما كحل مقلةً شوساء خشعت، أو لمس كفًا خشناء بخعت؛ أو وقع إلى رئيس وضعه على رأسه، أو دفع إلى ذي بأس أخدمه من بأسه، أو لمحته شقراء حمحمت، أو بصرت به بيضائ ترنمت، هو الحديقة، تساق سوق الرسيقة، أو اللطيمة في ثنيها الغنيمة؛ فثرت إليه قائمًا، وأرقلت نحوه ساعيًا، وكان أول تحيتي له أن قبلته ووضعته على راسي، وحبست عليه أنفاسي، ثم فضضت ختمه، واسترقت شمه، ففتق علي نسيم العبير لخلخ به صدور الحور، وأهدى إليّ عبق الياسمين، ذر عليه مسك دارين، فأنعمت في نشر طيه، وضربت في مدرج ليه، فإذا ببنات من البر مسلمة علي، وثغور من الإكرام ضاحكة إليّ، وفاض اللألاء، وكثر الهتاف والإيماء، فكلت عيني عن ذلك الرونق
[ ١ / ٢٠٤ ]
وحبست أذني عن ذلك المنطق، فلم أتمالك أن عطيت وجهي حياء، وقد تصببت ماء، وتقضبت في ردني، وقد ضاق به عطني.
وفي فصل: فتنفضت تنفض العقاب، وهزتني أريحيات الشباب، وقام بوهمي أني ملأت الأرض بجسمي، فأومأت إلى الجوزاء بكفي أن تأملي، وإلى العواء أن أقبلي، وقلت المجرة في عيني أن تكون لي منديلًا، وصغر الزبرقان عندي أن أتخذه إكليلًا، فقلت: هكذا يكون الألوك، وبمثل هذا تنفح الملوك.
وفي فصل منها:
ولما طال الكلام - أيد الله المؤتمن - ولم يبلغ مملوكه الغاية التي إليها قصد، ولا استوفى من الإيراد ما إياه اعتمد، خشي أن يصيبه ما يصيب التطويل من السآمة المخصوصة به، والملال الموقوف عليه، ففصله بنظم، فيه عون على الدرس، وتنبيه لشهوة النفس، وهو:
هاتيك دارهم فقف بمعانها تجد الدموع تجد في هملانها
[عجنا الركاب بها فهيج وجدنا دمن ذعرن السرب من أدمانها]
دار عهدت بها الصبا لي دوحة أتفيأ الفرحات من أفنانها
[ ١ / ٢٠٥ ]
أرعي على بقر الأنيس بجوها وأحكم الصبوات في غزلانها
وإذا تهادت بالشموس نواعمًا فيها الغصون جنيت من رمانها
قضت النوى بذياد رجح عينهم ظلمًا وكان الدهر من أعوانها
رجروا اغترابًا من نعيب غرابها وقضوا ببينٍ من مغرد بانها
فبدا لهم وجه الفراق موقحًا آت على خبر النوى بعيانها
يقذفن در الدمع في يوم النوى عن جمة لعب الأسى بجمانها
[ودعتهم وبنات قرح في الحشا دون الضلوع تشب من نيرانها
وأسلتها ذوب الجفون كأنها أيدي بني المنصور في سيلانها]
يا صاحبي إذا ونى حاديكما فتنشقا النفحات من ظيانها
وخذا لمرتبع الحسان فربما شفع الشباب فكنت إلف حسانها
عاودت ذكر العيش فيه وما انقضى من صبوتي وطويت من أزمانها
فبكيت من زمن قطعت مراحلا وشبيبة أخلقت من ريعانها
ورعيت من وجه السماء خميلة خضراء لاح البدر من غدرانها
وكأن نثر النجم ضأن وسطها وكأنما الجوزاء راعي ضانها
وكأنما فيه الثريا جوهر نثرت فرائده يدا دبرانها ومنها يفخر:
أنا طودها الراسي إذا ما زلزلت أيدي الحوادث من فؤاد جبانها
[ ١ / ٢٠٦ ]
وعلي للصبر الجميل مفاضة زغف أفل بها شباة سنانها
والنفس نفسص من شهيد سنخها سنخ غذت منه العلا بلبانها
ما أحول نحوي لحظ مقلة ساخط إلا وضعت السهم في إنسانها
ولو أنه نطح النجوم بقرنه كنت الزعيم له بنحس قرانها
وقضت بعز النفس مني دوحة من عامر أصبحت من أغصانها
يا ابن الأبالج من معافر والذي أربى يزيد على علا بنيانها
أعلى كتابك في مهمي حرمتي وجلا جوابك من دجى حرمانها
فليطلعن إليك من زهر الحجى أبكار شكر لحن في إبانها
حر القوافي ماجد في أهلها والشعر عبد في بني عبدانها
مدح الملوك وكان أيضًا منهم ولقد ترى والشعر من ديوانها
أمسى الفرزدق كفؤها في حوكه وجرى القضاء لها على صلتانها هذا - أيد الله المؤتمن - جوهر رطب، نظم بلا ثقب، غاية حسنه لو لفظه بحره على قرب، وقد كان أقل حقوق مولاي أن أقف ببابه، وأخيم بفنائه، وأهدي إليه الشكر غضًا، وأنثر عليه المدح نضًا، ولكني ممنوع، وعن إرادتي مقموع، يملكني سلطان قدير، وأمير ليس كمثله أمير، شيء غلب صبر الأتقياء، واستولى على عزم الأنبياء، وهو العشق، باطل يلعب بالحق، ليبين ضعف البشر
[ ١ / ٢٠٧ ]
وتلوح قدرة مصرف القدر؛ والذي أشكو منه أغرب الغرائب، وأعجب العجائب، بث شاغل، وبرح قاتل، وصبر يغيض، ودمع يفيض، لعجوز بخراء، سهكةٍ درداء، تدعى قرطبة:
عجوز لعمر الصبا فانيه لها في الحشا صورة الغانيه
زنت بالرجال على سنها فيا حبذا هي من زانيه
تريك العقول على ضعفها تدار كما دارت السانيه
فقد عنيت بهواها الحلوم فهي براحتها عانيه
تقاصر عن طولها قونكة وتبعد عن غنجها دانيه
ترديت من حزن عيشي بها غرامًا فيا طول أحزانيه طاب لي الموت على هواها، ولذ عندي سقي دمي لثراها:
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذ ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا ولما استطرد طيب هذا المساق، وارفض كلمه كالماء المهراق، وخفق جناح العشق المذكور، وتدحرج وصفه كاللؤلؤ المنثور، تحركت لي أطراب، واهتز لرداء شوقي أهداب، وتمحضت نفسي فصارت نفسًا، وتراكم ذاك النفس فصار كلامًا، وانتظم ذلك الكلام فصار عقدًا، فقلت متغزلًا، وبما صدر في أيام السرور متمثلًا:
[ ١ / ٢٠٨ ]
سقيًا لطيب زماننا وسروره وغرير عيش مسعف بغريره
وتكفري برداء وصل مقرطق كتبوا بنقس المسك في كافوره
متلفع بحريره متضمخ بعبيره مترنح بفتوره
وسنان ناولني مدامة طرفه فشربتها وسمعت من طنبوره
يدعو بلكنة بربري لم يزل يستف بالصحراء حب بريره
متقدم بمضائه متلفع بردائه متكلم في عيره
مستفتح لبيانه ببنانه يهدي السلام إلى رجال عشيره
متنصب كالغصن إلا أنه يهتز من أعجازه وصدوره
طارحته كلمًا وكنت زعيمه غردًا أحرك منكبي لزميره
فمشى إليّ فثرت غير معفر كالليث مطردًا إلى يعفوره
وملكته بالكف ملكةً قادرٍ فانصاع مؤتمر لحكم أميره
فقضيت ما لم أقض فيه بريبةٍ يأبى العفاف وعصمتي بحضوره
زمن قضى ثم انقضى فكأنه حلم قرأت الموت في تفسيره ومنها:
وبراحتي من فكرتي ذو ذكرةٍ عهدت تذاكرني بطبع ذكيره
[ ١ / ٢٠٩ ]
فرد إذا بعثت دياجي صرفه هولًا علي خبطت في ديجوره
حتى بدا عبد العزيز لناظري أملي، فمزقت الدجى عن نوره
ملك تبقى المجد ناصره له وتقيل العلياء عن منصوره
ورأى الزمان يحيد عن تأميره فسقى سهام المجد من تاموره فإن طعن طاعن على نسيب هذا الشعر، وقال: إن الملوك لا تقابل بمثله، والعظماء لا تتلقى بشبهه، قلنا: ذلك لجهله بأخبارهم، وقلة روايته لآثارهم؛ ولو شئت أن أملأ الصحف وأرقم القراطيش بما جرى عند الملوك ومعهم، وما استعمل لهم، وتوصل به إليهم، لفعلت، ولكني اقتصرت من ذلك على قريب معجب، واكتفيت منه بحديث مطرب.
قال ابن بسام: وأنشد أبو عامر إثر هذا قطعة شعرٍ لأبيه، هي ثابتة في القسم الرابع من هذا التصنيف، قال فيها:
قهقه الإبريق مني ضحكًا ورأى رعشة رجلي فبكى ثم قال: فإن استهل الطاعن صارخًا، وقال: هكذا الشعر، وهكذا الطبع، وهذا الماء رقة وعذوبة، والهواء لطافةً وسهولة، لا ما كنا فيه من الشنائع والقعاقع، قلنا له:
أذن الديك فثب أو ثوب وانضح القلب بماء العنب
وتأمل آيةً معجزةً ما قرأنا مثلها في الكتب
ركع الإبريق من طاعته وبكى فابتل ثوب الأكؤب
[ ١ / ٢١٠ ]
ولول المزهر ينفي كربي وتطربت فأعيا طربي
وربيب قام فينا ساقيًا كالرشا أرضع بين الربوب
ظبية دون الصبايا قصصت فأتت غيداء في شكل الصبي
فتح الورد على صفحتها وحماه صدغها بالعقرب
فمشت نحوي وقد ملكتها مشية العصفور نحو الثعلب ومنها:
وغمامٍ باكرتنا عينه تترع الأفق بدمع صيب
مثل بحر جاءنا من فوقنا جرمه من لؤلؤ لم يثقب
فدنا حتى حسبنا أنه يمسح الأرض بفضل الهيدب
فسألناه، وقد أعجبنا حشوه العين بمرأى معجب:
أنت ماذا - قال: مزن علمت كفه النفحة كفًا درب
سامني بالشرق أن أسقيكم رحمةً منه بأقصى المغرب
فسألناه: أين ذاك لنا قال: هل يخفى ضياء الكوكب -
[ملك ناصب من خالفكم عامري المنتمى والمنصب]
فعلمنا أنها نفحة من ورث الجود أبًا بعد أب ومنها:
لك كف بالثريا فيضها ولها بسط الندى من كثب
كقليب دلوها مترعة أشرقت بالماء عقد الكرب
تبصر العينان منه إن بدا قمر السرج وشمس الموكب
[ ١ / ٢١١ ]
أنجبته للمعالي أسرة نزلوا للمجد أعلى الرتب
بنفوس من سناء غضة في جسوم بضة من حسب
ووجوه مشرقات أومضت ضاحكات في وجوه الكرب
لهم أيام حربٍ كثرت في عداهم داعيات الحرب
لم يطق عام قدمًا مثلها لا ولا عمرو بن معد يكرب
سحبوا من ذيل مجد إذ هم للوغى في ظل نقعٍ أشهب
يا ابن أم المجد خذها عبرةً جد قول يشتهى كاللعب
من بنات اللب زانتك كما زان صدر المهر حلي اللبب
خمرة من طيبها قد سبيت قطعت نحوك عرض السبسب فإن يراجع - أعزك الله - المؤتمن منصفًا فهو أولى به وأستر له، لا كقوم عندنا، حظهم من الفهم الحفظ، ومن العلم الذكر، وهذا حظ القصاص، وأعلى منازل النواح، فترى الممخرق منهم إذا قرئ عليه الشعر يزوي أنفه، ويكسر طرفه، وإذا عرضت عليه الخطبة يميل شقه، ويلوي شدقه، فإن تناولهما لم يبق ملحةً إلا حشدها، ولا أبقى عفصة فجةً إلا جلبها. وأصل قلة هذا الشأن، وعدم البيان، فساد الأزمنة، ونبو الأمكنة؛ وإن الفتنة نسخ للأشياء، من العلوم والأهواء، ترى الفهم فيها بائر السلعة، خاسر الصفقة يلمح بأعين الشنآن، ويستثقل بكل مكان. وهذا رأينا، وحربنا
[ ١ / ٢١٢ ]
أنا طلبنا البيان، فأدركناه بكل لسان، والتمسنا الإبداع فأثبتنا كل معجب، وأتينا على كل مطرب، فما سقطنا على سوقة يهش إلينا، ولا دفعنا إلى ملك يصبو بنا؛ وليت إذ لم يكن غنم، ألا يكون غرم؛ ووددنا أنا برازخ لا حرب ولا سلم، ولا يقظة ولا حلم " كفى بذلك إنحاء على الزمن ". ولولا أن المؤتمن نجم من تلك الأنجم الكريمة، وفرع من تلك الدوحة القديمة، أمسك على الدنيا عينها، وحفظ عليها زينها، لقلت: إنها نسخ، وإن أصلها مسخ، سناؤها للئيم أو غد، وزمامها بيد بوم أو قرد.
وله من أخرى إلى الوزير ابن عباس: ولما أسندت منك إلى هضبة لا انخرام معها، واستمسكت بعروةٍ لا انفصام لها، إذ ورد علي كتاب رسولي إليك، يذكر تغيرك له، وأنكرت ذلك عليك، ثم تذكرت قولهم: ما نزل حتى رحل، وقول الآخر:
كريشة بمهب الريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق وفي فصل: وقلت: أستنوق الجمل، ويتضح الكوكب، وتخف حصاة الحلم، ويتضعضع جبل العمل والعلم، ويكبو جواد الهمم، وتزل نعل الكرم، وتغلب الدنيا الدين، ويسطو الشك باليقين - ثم تذكرت علمي بك، وقولي فيك:
غير أني مع الوزير أبي القا سم حزب محض من الأحزاب
[ ١ / ٢١٣ ]
التقي التقي كهلًا وطفلًا فارس الجيش راهب المحراب فعلمت أنك صاحب محراب، ومؤمن بآية الكتاب؛ فتللت الأوهام للجباه، وكبحت الظنون كبحة أقعدتها عن الأشباه، ولم تبق إلا بقية من قول القائل:
ولو ترك الناس الملوك لأحسنوا ولكن أولاد الزنا كثير فبحثت عمن طرأ عليك من الأنذال، وحل بساحتك من الأعلاج، فقيل لي: ابن فتح، فأنعمت البحث، وأعملت لطائف الكشف، حتى صح عندي أنه كدر صفوك علي، وغير شربك لدي، فقلت: من هاهنا أتينا، وعن هذه القوس اللئيمة رمينا؛ وقصصي مع هذا العلج طويل.
وفي فصل منها: ولم يزل يسعى لإفساد تلك النيات حتى فسدت وانتفضت، وزاد في إفساد الضمائر، ورام التدبير من غير طرق الأكابر، حتى تلف وأتلف، وكانت العاقبة ما عاينت، والمغبة ما شاهدت؛ ولقد سألني أبو جعفر أن ينفرد ذات يومٍ بأكبر وزيرين عندنا، ووجهني فيهما، وحضرا، فنفث هذا الساحر فانصرفا، فخاطبته بأبيات أقول فيها:
[ ١ / ٢١٤ ]
هلا سترت الشين بالزين من قبل إحضار الوزيرين -
قد علما أنهما أحضرا لخلوةٍ أثقل من دين
لما تدانت قاب قوسين أصابها الحاسد بالعين
فانصرفا مثل انصراف الفتى أسلم إلفًا ليد البين
صدهما من قردك المصطفى نطحة نطاح بروقين
وما رأى الناس على ما مضى من قبله قردًا بقرنين
أربعة في مجلس جمعوا فطار هذان بهذين
قد لزما جنبيك لم يبرحا لهفي على ضيعة جنبين
فأنت ما بينهما جالس جلوس أبر بين خصبين وما كان هذا القرد أهلًا لأن يحمل عليه حر كلام، ولا ليرمى بفضل بيان. وبالحرا أن يرقم على عتبة دكان، أو يصور على باب حمام، وقد غرس في وجعائه رأس نخلة، وحيي في سعفها عش نحلة؛ أو ينقش في خاتم قيمار، وقد علاه خنزير، وعطس مستنجاه بإبرة زنبور، فإنه بقية من بني إسرائيل الذين استحلوا الحرام، واجترحوا السيئات والآثام؛ فلما عتوا عما نهوا عنه، قيل لهم كونوا قردةً خاسئين، فجعلت نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين.
ولولا أنه منتسب إلى آل هاشم، إلى عصابة أقلني كرمهم
[ ١ / ٢١٥ ]
وأظلتني نعمهم، ومسند على العلات من أبي جعفر، إلى وزير كان لي وزرًا، رقرق شرابي، وأخصب به جنابي؛ لأدرت بداره دائرة السوء، وسريت إليها في لمةٍ في صعاليك الأحرار، وصميم الرجال، فأحرقتها على نازلها، وجعلت عاليها سافلها، امتثالًا لقوله تعالى في ديار قوم لوط؛ فالشائع لدينا أنها قرار لبنات السحق، وبركة لسمكات العشق، يتناكح بها النسوان بعضهن إلى بعض بالصدقات، ويستعملن خرز جلود البقر في الكيرنجات. فالله الله في قبول هذا القرد والالتباس به، فإنه قدار من لزمه، وهو والفرضي رضيعًا لبان، وفرسا رهان، ولذا لم يؤثر فيه إذ نقره على الرأس، لأن الأفعى لا تقتلها نهشة الأفعى، وأخاف عليك عاديته، وأتقي على أيامك بادرته؛ كان الله خليفتي عليك يا أبا القاسم؛ والله الله في إعادة نفحة من كرائم نفحاتك على قرية أبي الجودي، فلو أنها الجودي كرامةً، وقرية النمل عمارة، لقلت في جنب ما أتغنى به من شكرك، وأترنم به من تقريظك ومدحك. والذي أستقبله من ذلك أكثر منىً: علي أن أهدي من ذلك لطيمةً إلى جارتك القيروان، وأخرى إلى حبيبتك مكة بيت الرحمن، بكلام عذب، ومساق رطب، يبكي الحجيج، ويقدح نار العجيج، تحن له الرباب، وترق له الأعراب. واعلم أن نعمتك فيها، لشهرتها بك، وارتفاعها بارتفاعك، مكتوبة بكف
[ ١ / ٢١٦ ]
الثريا في مفرق السماء، نونها الهنعة، وعينها الشولة، وميمها النثرة، فإن أعقبتها " لا "، كان الدبران كاتبها عليك، ترمقها الأبصار، على انتزاح الأقطار.
وفي فصل: وبحثت على من تجرد للتنبيه على مثل ذلك وتفرغ للاشتغال به، فوقعت على الكاتب الوزير، اليقظ النحرير، خالد بن يزيد الكيميائي أبي عبد الله الفرضي، فقلت: شنشنة أعرفها من أخزم، لا يصلح للأفعى مراد الروض، ولا ورود الحوض، ولا يدفع لؤم الكلب، كرم الصحب، وإنما الأخلاق جارية على الأعراق، والأفعال مأخوذة عن الأعمام والأخوال؛ وهذا المذكور مشئوم، أدوى من موم، وأشأم من بوم، يسيء لمن أحسن إليه، ومن أجاره تجنى عليه؛ منته نفسه على ضيق نفسها ملك الملوك، وإحياء وقائع اليرموك، فارتبك فيما ارتبك، ولولا القدر لطحنته الرهك، لقد أخطأت استه الحفرة، وما ثبت عند النفرة؛ أولى له! لقد خبث مغرسه عما حاول، ولؤم معطسه عما تناول؛ وهيهات! لا تبصر الشمس العمش، ولا تهتدي السبل الخفش. وإني لأخاف على سعدك نحسه، وأحذر على يومك أمسه، أفقده الله حسه، وأورده الكنيف
[ ١ / ٢١٧ ]
رمسه، فإنه لو جاور البحر لسده، ولو جاس أبا قبيس لهده. وما أبعد أن تمنيه نفسه الخبيثة الفتك بك، والوثوب عليك، فإن أمره أسخف، وصفاقة مخه أشف، من ألا يجري هذا المجرى، ولا يرمي هذا المرمى؛ وربما ساعده القدر: هذا حمزة قعصه وحشي، وبسطام صرعه عاصم، وكسرى فتك به مرازبة له.
وكتب الوزير أبو مروان ابن الجزيري إلى الوزير أبي عامر ابن شهيد:
قل للوزير الذي بانت فضائله وقام فينا مقام الغيث نائله
إذ بان فضل مساعيه وهمته بين لنا شرح معنى سال سائله:
أواخر الورد إذ تجنيه ملتقطًا أزكى وأعطر نشرًا أم أوائله -
وأي حاليه موجودًا ومفتقدًا أولى وأجدر أن ترعى وسائله -
وقد أتاك لتوديع على عجل خضرًا مقانعه حمرًا غلائله
فامنحه منك قبولًا واقض نهمته من الوداع فقد زمت رواحله فأجابه:
يا سيدًا أرجت طيبًا شمائله وشاكهت شعره حسنًا رسائله
وسائلًا لي عما ليس يجهله ولا الذي كلف التفضيل جاهله
الورد عهدًا ونشرًا صنو عهدك لا تنسي أواخره طيبًا أوائله
[ ١ / ٢١٨ ]
ووصله في كلا الحالين مفترض سيان قاطعه جهلًا وواصله
فالعود يخفق، والمزمار يتبعه وهاجر الراح قد هاجت بلابله
تخبر بمثل الذي أنت العليم به أيامنا والصبا تعصى عواذله قال أبو الحسن: وقد ضارع أبو عامر هذا محاسن الطبقة العالية البغدادية المضارعة التي بانت فيها قوته، ولدنت اختراعاته ومقدرته، فصار يتناول المعنى الحسن فيصيره محسًا بحسن مساقه، فمنها وصفه للنحل والعسل: واسعة الأكفال والصدور مرهفة. ووصف البرغوث فقال: أسود زنجي. ووصف البعوضة فقال: مليكة لا جيش لها سواها. ووصف الثعلب فقال: أدهى من عمرو. فهذه أوصاف لو رامها غيره لكبا جواد بنانه، ونبا حسام لسانه. وقد عارضه فقال في صفة النحلة:
وطائرة تهوي كأن جناحها ضمير خفي لا يحدده وهم
ملازمة للروض حتى كأنما لها كل ما تفتر عنه الربى طعم
تمج بفيها الشهد صرفًا ويختفي لمشتاره ما بين أحشائها سهم
منافرة للإنس تأنس بالفلا مفرقة للشهد، من بعضها السم
فإدناؤها رشد وهتك حجابها إذا احتجبت في غير أيامها ظلم وقال في صفة البرغوث:
[ ١ / ٢١٩ ]
ومنفر للنوم مسكنه إذا نام المملك بين أثناء الثياب
يسري إلى الأجسام يهتم عدوه عن كل جسمٍ صيغ بالنعمى حجاب
ويعض أرداف الحسان وماله كف ولكن فوه من أعدى الحراب
متحكم في كل جسم ناعم متدلل ما بين ألحاظ الكعاب
فإذا هممت بزجره ولى ولا يثنيه عما قد تعوده طلاب
وترى مواضع عضه مخضوبةً بدم القلوب وما تعاوره خضاب
قرم من الليل البهيم مكور يمشي البراز وما تواريه ثياب
عظمت رزيته ولكن قدره أخزى وأهون من ذباب في تراب رجع. وله: تخلصك الله منه! ثلاثة سموم: أفعى وعقرب ويعسوب نحل. شرب الماء واردًا وعنده حشائش استفادها من كيميائه، تكفيه وعثاء عنائه، إذا رام فتكًا أو حاول وثبًا. وإذ قد اطرد هذا القول، وانثالت هذه الكلمات، فلا بد من تعريف الموفق - وفقه الله - أصل هذا الفاسق وفرعه، وإن كلفته تطويله وسجعه: صحبته منذ أعوام، أيام اختلافنا إلى الزاهرة، وإذ تلك المواطن قائمة غير دائرة، وبالغرر من آل عامر عامرة، وكنا كثيرًا ما نتدارس ضروب العلم: من ادب وخبر وفقه وطب وصنعة وحكمة؛ على أنه في أهل الفهم واو عمرو، أو لسان بظر. وكان - ولا أشعر - يدالس يوالس
[ ١ / ٢٢٠ ]
قد استهتر على الفلوس، واستهلك على التدليس، وصار في ذلك وضح النهار، ونفخة المزمار؛ لو لمس البدور لعادت زيوفًا، أو تناول الشموس لغشاها كسوفًا، وقصدته يومًا، على جهل بتلك الخليقة منه، لأستريح إليه، وألقي من شيئي عليه، فألفيته قد خلا بابه، وغاب بوابه، فولجت فثار إليّ صبي غرير أصبته هنالك قائلًا لي: طال انتظارنا لك! وتقدمني وسرت حتى انتهيت إلى دار ذات أجوان، قد غشيها دخان، كقطع العنان، تعبق منها صنان، من زرنيخ وكبريت، وزنجفور وأنزروت؛ فتذكرت ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس، هذا عذاب أليم﴾ (الدخان: ١٠، ١١) فاستشعرت الشر، وأردت الفر، ثم التفت فإذا أنا بأكداس جمر، وآلات تبر، وأشخاص سود وصفر؛ ثم أفضيت إلى بيت فيه عدة أشباح، كأنها قباض الأرواح، غرابيب، بأيديهم كلاليب؛ رزادق قد تقلدت مطارق؛ فلما رأونى صاحوا: فضحكم الواغل، فامحقوه من عاجل؛ فلما نظرت إلى امنية، وخشيت فصل القضية، ضحكت إليهم وقلت: تخطتكم النعمة، ولا هديتم سبيل الحكمة، أهكذا تعجلون، ولا تدرون من تريدون - قالوا: ومن أنت - قلت: من أخذ الطلق، فسحقه بالمدق، وشق بيد الذكاء، عن زهرة الأشياء، فبشر الآباء بالأبناء. فقالوا: بنار أم بماء - قلت: بهما جميعًا وبهواه. فأمضوا إليّ ضاحكين، واستقبلوني معتذرين، وقالوا: كدت والله أن تلتهم
[ ١ / ٢٢١ ]
وتكون السواد المخترم! قلت: وأين أبو عبد الله - قالوا: انفرد يرقق ماء بيض، ويصفق دم حيض، وغرضه استخراج دهن الحجر الكريم؛ فقلت: حبس حديث أو قديم - فنادوا: أواه، أواه! على الخبير سقطتم. ثم تلطفت وخرجت، تطير بي رجلاي، وقد حقن الله دني بعطفه، واستنقذني من يدي منيتي بلطفه. ووصفت لمن استوثقته ذلك بعد أن استكتمته، فجاس وخاص، وكأني أودعت سري ريحًا؛ فاضطغن ذلك علي، وأكد ذلك أيضًا معاملة عاملني بها أيام حرب المدينة، وكانت حبالها إذ ذاك منية، أعقبته وقع السوط على رأسه، وعض الحجل على ساقه؛ وكان الأمير بها أبو أيوب ابن المرتضى ﵄، فأعددت شعرًا نويت أن أنشده إياه أول بيعته، وكان ما كان، وبلغه الشعر، فزادت نفسه لي خبثًا، ومنه:
فلما بدا فيهم سليمان عندها وصاح ابن ذكوان فثار رجال
هدى من ضلال الحائرين محمد وأذن بالبيت العتيق بلال
وقام أبو عمران يرأب صدعها بسعي تجلى عن هداه ضلال
وزير متى يستوزر الملك رأيه أمرت له في النائبات حبال
[ ١ / ٢٢٢ ]
وليس كمنحوس من القوم منحس تعاظم حتى قيل ليس ينال
أعانته أموال تخون عينها وأعلته غثر سوقة وسفال
له كعب نحسٍ لم يصاحب به امرءًا على الدهر إلا رد وهو خيال
ففي كل عصر من عصور حياته تثل عروش أو تدك جبال
هو الداء فاستأصله تلبس جمالها وداء كعوب المنحسين عضال ولما قضي ماقضي، ووقعت تلك الهنات، ودرج أبو أيوب وعظم تأسفي، رميته بأبيات بلغته، فاصطكت أجرام عداوته، وأخذ في وجوه مطالبته، منها.
نالت سليمان منه رجل من قبل ما أرجلت أباه
فاستدرجا كاشفي دجاه يا ويلة المرء؛ ما دهاه -
يا سخط رب العلا عليه إذ أدت المرتضى يداه
لم يبق من زمرة المعالي إلا هشام العلا أخاه
يا رب فاحرسه لي بعين تمنعه الدهر من أذاه وفي فصل: وقال فيه أيضًا مسلمة بن عبد الملك:
لا تعرضن لإمام فبحر نحسك طامي
أصميتهم دون رمي والله إنك رامي ثم اشتدت وطأة هذا الخبيث أيام المستظهر، فلم يبق غايةً من اهتضامي إلا امتد لها، وأجرى نحوها، وقصرت به الأقدار دونها
[ ١ / ٢٢٣ ]
وظاهر صاحبه أبا الحسن علي، وقاد مضرته إليّ، وصنع شعرًا حملنيه عنده، وهو:
يا كسرة دهمتنا ليس تنجبر وسبةً لحقتنا ما لها عذر
باتت قعودًا رجال طاب محتدها وقام نذلان في سنخيهما بخر
أمسى قدار يسوس الأمر أجمعه لقد تأنق فيما ساءنا القدر
وذا أبو اليسر قد أمسى لها وزرًا إنا إلى الله، يسر جره عسر
نذلان ما حركا إلا فشا ذفر نفح الكلاب إذا ما مسها المطر
لو أن أشياخنا كانت لهم همم تبقي رياستنا لم ترأس البقر
لكنهم - وقضاء الله محتمل -
إذا هم اجتمعوا يومًا لمعضلة رأيت نار التقالي كيف تستعر
بوم يرى الشؤم باد في صحيفته وقرد سوءٍ على صفحاته وبر فأغريا بي، وأرصدا لي، فكفى الله شرهما؛ فشبا حرب البسوس، وتناقرا على الرؤوس، وكانت هامة أحدهما صينية، أو مرآة هندية، فكبا الجد بمن كبا، ونبا المجد عن هامة من نبا، ليبلغ الكتاب أجله، ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
فكيف يصغي الموفق - أيده الله - إلى رجلٍ هذه صفته، وبيني وبينه
[ ١ / ٢٢٤ ]
ما قد شرحته وأوضحته - فليجرني من قبول حديث هذا الخبيث في، وإصغائه إلى كذبه علي، وليجر نفسه من عاديته، وينظر من وجه فائدته، يجده أشقى الأشقياء، وأضعف الضعفاء. إنما هو لطبخ إكسير، أو لشد قصدير، أو لنقش في ذكير، أو لادعاء أعمال، لو لتغشيةٍ مثقال، أو إقامة طلسمات، وهو خلي من ذلك كله، والحقيقة نائية عنه، والشعوذة غير مستملحة منه، لبرد طباعه، وقصر باعه؛ وإنما هي لأديب ظريف، ذي فهم لطيف. فأما هو فأبرد من ثلجة، وأشد عفوصةً من عفصةٍ فجة، إذا تقبض أنفه، وشمخ طرفه. ولولا أن المولك لا تتهادى بالوضيع، ولا تعتمد في تحفها غير الرفيع، لرأيت أن تهديه إلى البلينة ملكة البحر، والقيمة بالأمر، لينصرف البارد إلى عنصره، وعسى أن يخرجه البحر بعد حين في عنبره، فيكون أحر قليلًا، وأهدى إلى ذلك سبيلًا؛ ولولا أن وصف هذا الخبيث داخل في معاتبة الموفق، لما ارتضيت سوقه، ولا غشيته من كلامي روقة، فإنما يتعاتب الأكفاء، ويتمازح الأخلاء.
@فصول قصار اقتضبتها من طويل كلامه
فصل: جلا الشكوك بيقينه، واستنبط معرفة الأعمال من شئونه؛ وقسم ليله نصفين: نصفًا للتلاوة، ونصفًا للسياسة؛ ويومه شطرين:
[ ١ / ٢٢٥ ]
شطرًا للميدان، وشطرًا للديوان، فاستجم در الخراج، ونزف دماء الأعلاج، من الأوداج.
فصل: لا نعمة للخالق على المخلوق أجمل عاقبةً، وأحمد مغبةً، وأروق بهاء، وأسبغ رداءً، وأبعد مأثرة، وأيسر مكرمة، من تقى يشعرها قلبه، وأدب يزين به عقله، ولسان مبين يفيضه عليه فيعرب به عن نفسه، ويكشف عن حقيقة ذاته، قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (الحجرات: ١٣) وقال: ﴿هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر: ٩)، وقال ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ (الأحزاب: ١٩)، وقال: ﴿أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ (الزخرف: ١٨) وقال علي ﵁: قيمة كل امرئ ما يحسن، وقال: المرء مخبوء تحت لسانه. ولذلك كانت الملوك تعدل ببنيها عن التنعم إلى شظف العيش، وتدني محالتهم من البادية، وتبوئهم منازل الفصاحة، لتحتد أفئدتهم، ونمتد ألسنتهم، وينسابوا في لصاب الدهاء، ومزاحف النكراء، فيجيدوا الحز، ويطبقوا المفصل، ويسوسوا النوب، ويكبتوا الخصوم، ويخرجوا من الغماء، ويمضوا قدمًا في الشنعاء، كما قال عمرو لمعاوية:
فإن تعطني مصرًا فأربح بصفقة أخذت بها شيخًا يضر وينفع وإن امرءًا يقابل ابن هند بهذا، وهو هو، لفضفاض قميص الأدب، طويل نجاد المعرفة، موقوف على ذروة الفضل.
[ ١ / ٢٢٦ ]
فصل: واصل الجهاد، واستأصل الكفر والعناد، واتخذ ظهر الجواد بيتًا، وظل اللواء كنًا، واستبدل من نقر الكران قرع الطبول؛ ومن نغم القيان شجا الصهيل، ومن وجبة المعازف لجب الجيوش؛ يمشي في الهجير، ويسري في الزمهرير، ويحن إلى الأذان والتكبير؛ في خطة إبليس، ومصدح الناقوس.
فصل: كنت أسمع من هذه المآثر والمكارم مثل نفح الصبا، ويقرع أذني منها جرس ألذ من نغمة الصبا، فلا أكذب، لصدق الشاهد، وأمانة الناقل، وكثرة القائل. والحكيم أبو فلان خادم الشيب، ومصلح العيب، وله جوارشات مؤلفة، حارة مفلفلة، تكاد ترد الخصي فحلًا، والثور المسن عجلًا.
فصل: أجل ما بيننا ارتضاع الكاس، وشم الآس، والجري في حافات الصبا، والصيد بالسكر في الربى؛ وإن كانت هنات مخلقة، وأوقات موبقة، ذهبت وبقي وزرها، وظعنت وأقام شرها، فإن المرجوع للعليم الحكيم، رب العرش العظيم.
وله من رقعة خاطب بها مجاهدًا أمير دانية وقته: قد يحلف الغمام، وتغدر اللئام، وتقطع الأرحام. من عز بز، ومن ريش طار، ومن سارت به الأيام سار، وعلى الجد المدار. جد كبا، وحسام نبا، وآمال
[ ١ / ٢٢٧ ]
تفرقت أيدي سبا. كلمات أنثرها عليك، وآمال أصرفها إليك. كنا قبل أن ترمي بنا النوى مراميها، وتلقي الخطوب علينا مراسيها، وتمخضنا الأيام مخضًا، وتركض بنا الليالي ركضًا، تر بي صحبة، وحليفي صبوة؛ قد تخلينا عن الأنساب، وانتسبنا إلى الآداب، والدار إذ ذاك صقب، والملتقى كثب؛ فإذا شمخ بأحدنا مارن، وثار به كمد ساكن، بعتب على زمن، وتقصير بإرادة عن سكن، تعاطينا كأس الشكوى، وتجاذبنا حبل البلوى، والزمان غر، وحواصلنا صفر، نترنم ترنم الحمام، على زق الجمام؛ ثم ألقت الأيام علينا بكلكل، وأناخت من فوقنا بجران، فنثرتنا بكل فج عميق، وأفق سحيق، نثر الدرر، شذر مذر؛ ونفحت عليك رياح السعد، وجاءتك المنى من تهامة ونجد، وامتطيت ظهر الجوزاء، وافترشت لبدة العواء؛ وكلما دعيت إلى النزال والعراك، تترست بالثريا وطعنت بالسماك، فزحمت منكب الدهر، وقضيت أربك منه على قهر. فكان أول حيصتك عن الرفاء، وحيدتك عن رعاية قديم الإخاء، أن تركت المخاطبة، وأضربت عن المكاتبة، خشية أن يكون كلنا عليك، ورغبتنا في ما لديك، وهيهات! يأبى ذلك كرم محض، وهمة علياء ما لها خفض. ثم قلت: حمل أحسن الظن أجمل، والقضاء بأكرم العهد قبل، قد تشتغل الرؤساء، وتتجاذب العظماء، وعينه مع ذلك راعية، وأذنه واعية، وإنما الوصل بالفؤاد لا بالمداد، والالتقاء بالحلوم لا بالجسوم، فانطويت على ود، وثبت على صحة عقد. ثم دارت الدهور، وطلع البشير، أن قيل طالعكم عسكر جرار، فيه لأسد العرين نار، قضي لكم
[ ١ / ٢٢٨ ]
به الأمر، وخفقت عليكم ألوية النصر، فقلت: من زعيم هذا الجيش - قيل لي: أخوك أبو الجيش [قلت: رؤوف عطوف، شقاق للصفوف، وواحد يعدل بألوف. وقلت: رد شهيد في أمتك] من أمم، وجاءتك تسعى على قدم، وضح الصبح لذي عينين، وأمكن البطش ذا يدين؛ هذا حبيبك قائد أعنتها، وذا خليلك مالك أزمتها، هذا أبو الجيش مصعب على مقرب، ومغضب يضرب بمقضب، آن لذهب العلم أن يزف، وحان لجوهر الفهم أن يشف؛ ويل للجهل وبنيه، وعشيرته وأقربيه.
وفي فصل: ولقيت إخوانًا لقوك، فو الذي جعل الغدر من شعارهم، والحذر من دثارهم، ما أجروا في ذكرك، فضلًا على أن يجروا ذكري لك. وهم يعلمون أن مرماي غير مرماهم، ومغزاي سوى مغزاهم، ويوقنون أن أبعد آمالي في صديق إذا سما، وأرفع رغباتي لديه إذا طمى، انفراج بابه، وانهتاك حجابه، يمتعني بإشراق وجهه، ويوردني غدير بشره، ويزنني بغيري من إخوانه، ويضربني بسواي من أهل زمانه، ولا يقلل حظي من إكرامه، ولا يهجر قسطي من لطيف اهتمامه، بعد أن يعدل القسطاس، ويميز الذهب من النحاس.
وفي فصل: وهذا أخف حمل وأيسر. فأدركني ما يدرك من طاب غرسه، وكرمت عليه نفسه، وأزمعت على المقاطعة، فقلت: الصبر
[ ١ / ٢٢٩ ]
أولى، والإنصاف أحجى، لا بد أن توفى الرجال مقاديرها في أزمانها، ويستحال لها عند استحالة أعيانها؛ وتخشع من أوهد لمن أصعد سداد، وتلين من أتهم لمن أنجد رشاد، فتقلقلت واضطربت، وتجمعت لي وانقبضت، ثم جاشت كما يجيش البحر، له همهمة وزخر، فقالت: ثكلتك المكارم يا ابن المكارم! ألست من أشجع في العلا، ومن شهيد في الذرى، وللخالق في صدرك حكمة، وللرزاق في حجرك نعمة - تقول بهذه فتسمع، وتعنى بتلك فلا تخضع، وساويت امرءا لم تحتج إليه، ووازنته ما لم تطمع فيما لديه - لا أسر إنما أعلن، قيمة كل امرئ ما يحسن. قلت لها: فأين اليأس - قالت: هو في القلب والرأس، لئن أصابه غيرك فارسا، إنك لغير بعيد منه راجلا، فقلت: لقد أدركتك عجرفية، واستولت عليك أعرابية، لا بد من قصدي أبا الجيش، قالت: ليهنك العيش، في أبرد من ظل الخيش! وقصدتك من جهتي، فلم أشك ولم أقر، ولم أعرف ولم أنكر، وانصرفت بين الحالتين، لا قرب ولا شحط، ولا رضى ولا سخط.
[وعرضت] فصول من كلامه على الكاتب أبي بكر المعروف باشكمياط فقال: فقر حسان إلا أنه عثر عليها. فوصل كلامه إلى أبي عامر فكتب إليه: ما أغيرك أبا بكر، على نظم ونثر، لو إليك كان العلم، أو بكفك كان
[ ١ / ٢٣٠ ]
الفهم، لم تترك لأرض أعلاما، ولا لغيرك إنعاما؛ أحشا عند رعدتك -! عرضت عليك الدر منظوما، فقلت: نعم ما صنعت لو اخترعت؛ وما أحسن ما أطلت لو ابتدعت. معرضا بالتقصص، ومشيرا إلى التلصص؛ هيهات! لا يزيد الحز من الغرب، ولا يضيء السليط في لأقطعن حبالك هاجرا، ولأتركن ليلك ساهرا.
وله في فصل: وإصابة البيان لا يقوم بها حفظ كثير الغريب، واستيفاء مسائل النحو، وإنما يقوم بها الطبع مع وزنه من هذين: النحو والغريب؛ ومقدار طبع الإنسان إنما يكون على مقدار تركيب نفسه مع جسمه، فمن كانت نفسه في أصل تركيبه مستولية على جسمه، كان مطبوعا روحانيا، يطلع صور الكلام والمعاني في أجمل هيئاتها، وأروق لبساتها؛ ومن كان جسمه مستوليا على نفسه - من أصل تركيبه - والغالب على حسه، كان ما يطلع من تلك الصور ناقصا من الدرجة الأولى في الكمال والتمام
[ ١ / ٢٣١ ]
وحسن الرونق والنظام. فمن كانت نفسه المستولية على جسمه فقد تأتي منه في حسن النظام، صور رائقة من الكلام، تملأ القلوب، وتشعف النفوس. فإذا فتشت لحسنها أصلًا لم تجده، ولجمال تركيبها أسًا لم تعرفه؛ وهذه هو الغريب، أن يتركب الحسن من غير حسن، كقول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي فإن هذه الديباجة إذا تطلبت لها أصلًا من غريب معنى لم تجده؛ وكقول أبي نواس:
طرحتم من الترحال ذكرًا فغمنا فلو قد شخصتم صبح الموت بعضنا ثم قال فيها:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد هواك، لعل الفضل يجمع بيننا فهذا من الكلام الغث، واللفظ الرث، الذي لو رامه حمار الكساح لأدركه، ولكن له من التعلق بالنفس، والاستيلاء على القلب ما ترى.
وفي فصل له: وقول الجاحظ: إنا إذا اكترينا من يعلم صبياننا النحو
[ ١ / ٢٣٢ ]
والغريب قنع منا بعشرين درهمًا في رأس كل شهر، ولو اكترينا من يعلمهم البيان لما قنع منا بألف درهم. ولم يقل هذا إلا وقد ألف " كتاب البيان ". ولو كشف فيه عن وجه التعليم، وصور كيفية التدريج، لأرى كيف وضع الكلام، وتزيين البيان، وكيف التوصل إلى حسن الابتداء، وتوصيل اللفظ بعد الانتهاء، وأبدى لهم عن تدبير المقاطع والمطالع، فإنها معادن الصنعة، ومواضع مفاتح الطريقة؛ ولكنه استمسك بفائدته، وضن بما عنده، غيرةً على العلم، وشحًا بثمرة الفهم، وعرف أن النفع كثير، والشاكر قليل، فلم يفد بما أوضح من أمر البيان فائدةً غير أهله، ومن كرع في حوضه، واستاف من نده. وأما أن يخلارج مبتدئًا، أو يعلم جاهلًا فلا ألبتة.
وفي فصل له: قال أبو عمار: وقد كنا أطعمنا من هذا الطعام بعض التلاميذ، فاستطابه وعلم مقداره، ولكن البطالة على الفتيان غالبة، والسآمة عليهم مستولية؛ فمن بنى على تعليم هذا الشان فلا يعلم إلا أهل النجابة والمثابرة على التعليم، لأنه من لم ينجب له تلميذ حمل عليه ذلك النقص، وظن به العجز.
جلس إليّ يومًا يوسف بن إسحاق الإسرائيلي، وكان أفهم تلميذ مر بي، وأنا أوصي رجلًا عليّ من أهل قرطبة، وأقول له: إن للحروف
[ ١ / ٢٣٣ ]
أنسابًا وقراباتٍ تبدو في الكلمات، فإذا جاور النسيب النسيب، ومازج القريب القريب، وطابت الألفة، وحسنت الصحبة؛ وإذا ركبت صور الكلام من تلك، وحسنت المناظر، وطابت المخابر، أفهمت - قال لي: إي والله، قلت له: وللعذوبة إذا طلبت، والفصاحة إذا التمست، قوانين من الكلام، من طلب بها أدرك، ومن نكب عنها قصر، أفهمت - قال: نعم، قلت: وكما تختار مليح اللفظ، ورشيق الكلام، فكذلك يجب أن تختار مليح النحو، وفصيح الغريب، وتهرب عن قبيحه، قال: أجل، قلت: أتفهم شيئًا من عيون كلام القائل:
لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت خفاتًا على آثارهم لصبور
غداة التقينا إذ رميت بنظرة ونحن على متن الطريق نسير
ففاضت دموع العين حتى كأنها لناظرها غصن يراح مطير فقال: إي والله، وقعت " خفاتًا " موقعًا لذيذًا، ووضعت " رميت " و" متن الطريق " وضعًا مليحًا، وسرى " غصن يراح مطير " مسرىً لطيفًا، فقلت له: أرجو أنك تنسمت شيئًا من نسيم الفهم، فاغد عليّ بشيء تصنعه. قال أبو عامر: وكان ذلك اليهودي ساكتًا يعي ما أقول؛ فغدا ذلمك القرطبي فأنشدني:
حلفت برب مكة والجمال لقد وزنت كروبي بالجبال
[ ١ / ٢٣٤ ]
في أبيات تشبهه. وجاء اليهودي فأنشدني:
أيمم ركبانهم منعجًا وقد ضمنوا قلبك الهودجا - واستمر إلى آخر قصيدته، فأتى بكل حسن، فقال لي ذلك القرطبي: شعر اليهودي أحسن من شعري، قلت: ولا بأس بفهمك إذ عرفت هذا. ولم يزل يتدرب باختلافه إليّ حتى ندي تربه، وطلع عشبه، ثم تفتح زهره، وضاع عبقه. ورآني أستعمل وحشي الكلام في مواضعه ولم يشعر بحسن الوضع فاستعمل شيئًا منه وعرض عليّ، فقلت: استره، فقال: تبخل عليّ به. وعرضه على ابن الإفليلي، فقال له: تنكب هذا الكلام، فقال له: إن أبا عامر يستعمله، فقال: يضعه في موضعه، وهو أدرب منك في استعمال.
وفي فصل له: وربما لاذ بنا المستطعم باسم الشعر ممن يخبط العامة والخاصة بسؤاله، فيصادف منا حالةً غير ذات فضلة، لا تتسع له في كبيرة مبرة، فنشاركه ونعتذر له؛ وربما أفدناه بأبيات يعتمد بها البقالين ومشيخة القصابين، فإذا قرعت أسماعهم، ومازجت أفهامهم، در حلبهم، وانحلت عقدهم، وجل شخص ذلك البائس في عيونهم، فما شئت إذ ذاك من خبزة وثيرة يحشى بها كمه، ورقبة سمينة تدفن في مخلاته، ومن كوز فقاع يصب في فمه، وتينة رطبةٍ يسد بها حلقومه، وسنبوسقة ودكة تدس تحت لسانه
[ ١ / ٢٣٥ ]
وفالوذجة رطبةً يحنك بها حنكه، فلا يكاد البائس يستتم ذلك حتى يأتينا فيكب على أيدينا يقبلها، وأطرافنا يلطعها، راغبًا في أن نكشف له السر الذي حرك العامة فبذلت ما عندها له، وبادرت بدرها إليه. وتعليمه ذلك النحو من أنحاء السحر لا نستطيعه، لأن هذا الذي يريده منا هو تعليمه البيان، وبين فكره وبينه حجاب؛ ولكل ضرب من الناس ضرب من الكلام، ووجه من البيان؛ والمرء لا يفجر صفاة غيره إلا أن يوفي على معرفة ذلك بفهمه التبيين والتبين، ويكون من المستنبطين بوجوه الحيل على قوانين قائمة، وأصول ثابتة، فتكون النتيجة ما سمعت.
وفي فصل: وأصعب من هذا تحريك البخلاء من الكبراء إلى البذل، لأنهم بعادتهم لا تمكن نقلتهم لعزتهم، ولما اشتملت عليه ثياب مجدهم، فلا ينجع تقريظهم؛ فها هنا يحتاج إلى أثقب ما يكون من الذهن، وأوسع ما يمكن من الحيلة، إلا أن هذه العصابة لا يتمكن لذي التفاهة تحريكها، ولا بد لها من طبقةٍ يكون لها في العين بعض التصويب والتصعيد، ولهذا صار سب الأشراف عسيرًا عويصًا؛ فإنك تجدهم يتدحرج عنهم قبيح المقال، ولا يضعضعهم خبيث الكلام، لقوة بنيانهم، وثبات أركانهم؛ فهدم بنيان هؤلاء صعب، ولذلك فخرت العرب بمن لا يمكن له ذلك فيهم من أهل الكلام، ولذلك سب
[ ١ / ٢٣٦ ]
الأشراف، واستحسنوا من ذلك قول ابن صفوان في شبيب: ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية.
وفي فصل له: قال أبو عامر: وكما أن لكل مقام مقالًا، فكذلك لكل عصرٍ بيان، ولكل دهرٍ كلام، ولكل طائفةٍ من الأمم المتعاقبة نوع من الخطابة، وضرب من البلاغة، لا يوافقها غيره ولا تهش لسواه. وكما أن للدنيا دولًا، فكذلك للكلام نقل وتغاير في العادة. ألا ترى أن الزمان لما دار كيف أحال بعض الرسم الأول في هذا الفن إلى طريقة عبد الحميد وابن المقفع وسهل بن هارون وغيرهم من أهل البيان - فالصنعة معهم أفسح باعًا، وأشد ذراعًا، وأنور شعاعًا، لرجحان تلك العقول، واتساع تلك القرائح في العلوم. ثم دار الزمان دورانًا، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة إبراهيم بن العباس ومحمد بن الزيات وابني وهب ونظرائهم، فرقت الطباع، وخف ثقل النفوس. ثم دار الزمان فاعترى أهله باللطائف صلف، وبرقة الكلام كلف، فكانت إحالة أخرى إلى طريقة البديع وشمس المعالي وأصحابهما.
وكذلك الشعراء انتقلوا عن العادة في الصنعة بانتقال الزمان، وطلب كل ذي عصرٍ ما يجوز فيه، وتهش له قلوب أهله، فكان من صريع الغواني وبشار وأبي نواسٍ وأصحابهم في البديع ما كان، من استعمال أفانينه والزيادة في تفريغ فنونه. ثم جاء أبو تمام فأسرف في التجنيس، وخرج عن العادة، وطاب ذلك منه، وامتثله الناس، فكل شعر لا يكون اليوم
[ ١ / ٢٣٧ ]
تجنيسًا أو ما يشبهه تمجه الآذان، والتوسط في الأمر أعدل؛ ولذلك فضل أهل البصرة صريع الغواني على أبي تمام، لأنه لبس ديباجة المحدثين على لأمة العرب، فتركب له من الحسن بينهما ما تركب.
وفي فصل له: قال أبو عمار: أهل صناعة الكلام متباينون في المنزلة، متفاضلون في شرف المرتبة، على مقدار إحسانهم وتصرفهم.
فمنهم الذي ينظم الأوصاف، ويخترع المعاني، ويحرز جيد اللفظ، إلا أنه يصعب عليه الكلام، ويكد قريحته التأليف، حتى إنه ربما قصر في الوصف، وأساء الوضع. فهذا في الأبيات القليلة نافر، وفي القريبة المأخذ سائر، وفي طريقة الجمهور الأعظم ذاهب، حتى إذا ازدحمت عليه، وانحشدت إليه، وطالبته ببهاء البهجة، وشرف المنزلة، وقف وانفل، وتلاشى واضمحل.
ومنهم الكارع في بحر الغزارة، القادح بشعاع البراعة، الذي يمر مر السيل في اندفاعه، والشؤبوب في انصبابه، لا يشكو الفشل، ولا يكل على طول العمل، إذا ازدحمت في الكلام عليه المطالب، وعلقت بحواشي فكره المآرب، وحشرت عليه الصعائب والغرائب، استقل بها كاهله، واضطلع بثقلها غاربه، وأعارها من نظره لمحة، ومن فكره قدحة، ثم رمى بها عن جانبيه، قد رويت بمائها، ولبست شعاع بهائها، وبقي
[ ١ / ٢٣٨ ]
كاللقوة في المرقب، سام نظره، قد ضم حجناحيه، ووقف على مخلبه، لا تتاح له جارحة إلا اقتصها، ولا تنازله طائرة إلا اختطفها، جرأته كشفرته، وبديهته كفكرته، فذلك الألسن يوم حرب الكلام، لا تخطئ ضربته، ولا تصاب غرته.
ومنهم من يتجافى الكلام، ويروغ عن المقال، فإذا مني به، أخذ بأطراف المحاسن، وشارك في أنحاء من الصنعة، وجل ما عنده تلفيق وحيلة، وبذلك يصاحب الأيام، ويجاري أبناء الزمان، ما كان له عقل يغطى على نقصانه، وسياسة يسوس بها فحول زمانه. ومن خرج عن هذه الطبقات الثلاث لم يستحق اسم البيان، ولا يدخل في أهل صناعة الكلام.
وفي فصل له: قال أبو عامر: وقوم من المعلمين بقرطبتنا ممن أتى على أجزاء من النحو، وحفظ كلمات من اللغة، يحنون على أكبادٍ غليظة؛ وقلوبٍ كقلوب البعران، ويرجعون إلى فطنٍ حمئة، وأذهانٍ صدئة، لا منفذ لها في شعاع الرقبة، ولا مدب لها في أنوار البيان. سقطت إليهم كتب في البديع والنقد فهموا منها ما يفهمه القرد اليماني من الرقص على الإيقاع، والزمر على الألحان، فهم يصرفون غرائبها فيما يجري عندهم تصريف من لم يرزق آلة الفهم، ومن لم تكن له آلة الصناعة، مما هي مخصوصة بها، لا تقوم تلك الصناعة إلا بتلك الآلة؛
[ ١ / ٢٣٩ ]
فهو كالحمار لا يمكنه أن يتعلم صناعة ضرب العود والطنبور، لتوتد رسغه، واستدارة حافره، ولا له بنان يجس به على دستبان. ولو جاز أن يكون حمار يغني:
ما بال أنجم هذا الليل حائرةً أضلت القصد أم ليست على فلك وشبهه، من أجل أن له حنكًا ولسانًا وقصبة رئة، لما جاز أن يوقع بالمضراب على الأوتار، ويتمم بجس الأنامل، ويرخي الوتر في مجرى السبابة والبنصر، فيبلبل بنشيده، ويولول في ضربه على بسيطه.
فهذه حال العصابة من المعلمين: يدركون بالطبيعة، ويقصرون بالآلة. وتقصيرهم بالآلة هو من طريق العلل الداخلة من فساد الآلة القابلة للروحانية، والخادمة لآلات الفهم، الباعثة لرقيق الدم في الشريانات إلى القلب، وزيادة غلظ أعصاب الدماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي. يعين على ذلك بالحدس وطريق الفراسة فساد الآلة الظاهرة، كفرطحة الرأس وتسفيطه، ونتوء القمحدوة، والتواء الشدق، وخزر العين، وغلظ الأنف، وانزواء الأرنبة. فنستعيذ بالله ألا يشوه خلقة قلوبنا، ولا يجسي أجرام أكبادنا، ويضم أوتارنا وأعصابنا، ولا يعظم أنوفنا، ولا يجعلنا مثلةً للعالمين.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وفي فصل له: وليس العجب في هذه العصابة إلا من أبي القاسم، فإنه زاد عليهم في الصناعة، وبزهم بوفور البضاعة. دخل الشعراء فأخذ لباقتهم، وصار في جملة الكتاب فاستعار صلفهم ورشاقتهم، وباشر أهل الحساب فاستفاد طريقة البراهين، وناظر أهل الجدل فتعلم القوانين، وعرف عناصر الكلام؛ فكل علم يزعمه قبض يده، وكل جد وهزل فإليه منسوب، وعنه مأخوذ؛ وهو مع ما اجتمع له من ذلك كله، وحبي به، أشدهم صبابة بألا يكون بالأندلس محسن سواه، ولا مجيد حاشاه. وكان الرأي عندي له أن يسكن أرض جليقية أو قطرا بعد عن الإسلام، حتى لا يسمع فيه الخطيب ذكرا، ولا يحس لشاعر ركزا، فيكون هناك فردا.
ومن العجب أيضًا في أمره أن كل كاتب كتب للسلاطين عندنا، وكل شاعر مدحهم، رويت أشعاره ورسائله غير أبي القاسم وحده. على أنه إنما جلس للتعليم على هذا المعنى. وربما عرض بأن يؤخذ منه شيء من أشعاره ورسائله ولا يجيبه تلميذ؛ والمحروم محروم؛ ولو أنه اشترى
[ ١ / ٢٤١ ]
الزبيب لصبيان المساجد، وقشور أصل الجوز لصبغ شفاه خراجيات الخانات، وروى الطبقتين ما عنده، لعرضتا رسومه وجعائله، ورويتا أشعاره ورسائله، وغنتا بها على قوارع الطرق ومناقع المياه ومطارح الزبول، كما تغنبان أشعارهما، وتسعان حماقتهما، فيكون ذلك سببا إلى أن تدب وتدرج، وتعتاد الطيران فتطير، ويراها الناس فتعرف. وهو مع هذا كله يسمينا الهمج الهامج، ويسمي البديع والصابئ وشمس المعالي العضاريط. وهو أبخل أهل الأرض لا محالة. ولم يقصر بنا عنده إلا توقيرنا لثغامته. وهو يرى أن بعض صبيانا قد أقلقوه حين قالوا: ليست مشيته مشية أديب، ولا وجهه وجه أريب، ولا جلسته جلسة عالم، ولا أنفه أنف كاتب، ولا نغمته نغمة شاعر. وحكوا أنه إذا مشى الخيزلى، وتقدم قليلا ثم رجع القهقرى، والقصبة في يده، والخرج على عاتقه، أحذق الناس في إخراج لعبة اليهودي، فأقلقوه بما يسمع، فكيف لو عضته أنياب غير مفلولة، وخدشته أظافر غير مقلمة
[ ١ / ٢٤٢ ]
وفي فصل له: ذكر يومًا عند أبي القاسم سهل بن هارون والجاحظ، فضرب فيها مثل العامة: بينها ما بين الملائكة وصبيان الحرس. هذا من الإنحاء العظيم على سهل. والأولى أن يسميا محسنين، إلا أن سهلًا كاتب سلاطين، والجاحظ مؤلف دواوين. وقد يؤدي النظر إلى أنهما في طريقين مختلفين، وكلاهما محسن في بابه؛ إلا أنه لم ير أغبن من الجاحظ لنفسه؛ إن كان واحد البلاغة في عصره، فما باله لم يلتمس بها شرف المنزلة بشرف الصنعة، وقد رأى ابن الزيات وإبراهيم بن العباس بلغا بها ما بلغا، وهو يلتمس فوائدهما والجاه بهما - فلا يخلو في هذا إما أن يكون مقصرًا عن الكتاب وجمع أدواتها، أو يكون ساقط الهمة، أو يكون إفراط جحوظ عينيه قعد به عنها، كما قصر بي أنا فيها ثقل سمعي، وبأبي القاسم ورم أنفه. إذ لا بد للملك من كاتب مقبول الصورة تقع الصورة عليها عينه، وأذن ذكية تسمع منه حسه، وأنف نقي لا تذم أنفاسه عند مقاربته له. ولذلك استحسنوا من الكاتب أن يكون طيب الرائحة، سليم آلات الحواس، نقي الثوب، ولا يكون وسخ الضرس، منقلب الشفة، مكحل الاظفور، وضر الطوق. وربما أنكر منكر قولنا في شرط جمع أدوات الكتابة فقال: وأي أداةٍ نقصت الجاحظ - فنقول: أول أدوات الكاتب العقل، ولا يكون كاتب غير عاقل. وقد نجد عالمًا غير عاقر، وجدليا غير حصيف، وفقيهًا غير حليم. وقد وجدنا من ينسب العقل إلى سهل أكثر من نسبته إلى الجاحظ. لو شهد الجاحظ
[ ١ / ٢٤٣ ]
سهلًا يخادع للرشيد ملكًا، ويدبر له حربًا، ويعاني له إطفاء جمرة فتنة، مستضلعًا في ذلك كله بعقله، وجودة علمه، لرأى أن تلك السياسة غير تسطير المقال، في صفة غراميل البغال، وغير الكلام في الجرذان، وبنات وردان، ولعلم أن بين العالم والكاتب فرقًا.
وفي فصل له: ومن دليل تقصير عصابة المعليمن أنهم لا يقدومون أن يجعلوا ما يحملون من المعرفة تصنيفًا، ولا تغزر مادتهم أن ينشئوها تأليفًا، وإنما تفسو به أنفاسهم فسوًا بين تلاميذهم، ولا يقدر أن يزيد في النفخ فيضرط به ضراطًا يسمع. فهم في ذلك أمثال الجنادب، وقرناء الخنافس لا توازن الظربان في قوة فسائه، وإن زادت عليه في نتنه، ولا يبلغون درجة الحمار الوحشي في شدة ضراطه، وإن شاركوه في اسمه، ولا تروى لهم نادرة، ولا تؤثر عنهم في البلاد شاردة.
قال: ومما علم من خلق هذه العصابة إذا لمحتنا أبصارهم قابلونا بالملق، وهم منطوون على حسد وحنق. فإذا جمعتنا المحافل، وضمتنا المجالس، تراهم إلينا مبصبصين، وعن الأخذ في شيء من تلك المعاني زائغين. وإنما يتبين تقصير المقصر، وفضل السابق المبرز، إذا اصطكت الركب، وازدحمت الحلق، واستعجل المقال، ولم توجد فسحة لفكرة، ولا أمكنت نظرة لروية؛ أو في مجالس الملوك عند أنسها وراحتها، فإنه يقع فيها، ويجري لديها، ما لا ينفع له الاستعداد، ولا
[ ١ / ٢٤٤ ]
ينفذ فيه غير الطبع والغريزة المتدفقة. فترى الجواد السابق إذ ذاك متشوفًا بأذنه، باحثًا لكديد الإحسان بيده، طامح النظر، صهصلق الصهيل، وأهل الصنعة خرس، لا يسمع لهم جرس، ولا شيء عندهم غير حسو الكاس، وشم الآس، وتنفس الصعداء، قد اصفرت ألوانها، وقلصت شفاهم، كأنهم من رجال عذرة. وما أذكر أني فزت من هذا المجلس بخطير غير مرة، بين يدي هشام بن محمد، والمجلس قد غص بالعمائم والطماطم من أهل المصر لجواب بعض الرؤساء عن فصول خبيثةٍ حادةٍ لا جواب فيها ولا عذر عنها. فجرى ما أكره ذكره من أجل أنه متصل بتعجيز أهل البيضة، والغض من الأصحاب، على أنهم جدراء بذلك، لقلة إنصافهم لنا، وتسلطهم علينا، وإسرافهم في ثلبنا.
@فصول من رسالة سماها بالتوابع والزوابع، وإن صدرت عنه
@مصدر هزل، فتشتمل على بدائع روائع
قال في صدرها مخاطبًا لأبي بكلار ابن حزم: لله أبا بكر ظن
[ ١ / ٢٤٥ ]
رميته فأصميت، وحدس أملته فما أشويت! أبديت بهما وجه الجلية، وكشفت عن غرة الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذي تكسبته، ورأيته قد أخذ بأطراف السماء، فألف بين قمريها، ونظم فرقديها، فكلما رأى ثغرًا سده بسهاها، أو لمح خرقًا رمه بزباناها، إلى غير ذلك. فقلت: كيف أوتي الحكم صبيًا، وهز بجذع نخلة الكلام فاساقط عليه رطبًا جنيًا - أما إن به شيطانًا يهديه، وشيصبانًا يأتيه؛ وأقسم أن له تابعةً تنجده، وزابغةً تؤيده، ليس هذا في قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قلتها أبا بكر فأصخ أسمعك العجب العجاب:
كنت أيام كتاب الهجاء، أحن إلى الأدباء، واصبوا إلى تأليف الكلام، فاتبعت الدواوين، وجلست إلى الأساتيذ، فنبض لي عرق الفهم، ودر لي شريان العلم، بمواد روحانية؛ وقليل الالتماح من النظر يزيدني، ويسير المطالعة من الكتب يفيدني، إذ صادف شن العلم طبقة. ولم أكن كالثلج تقتبس منه نارًا، ولا كالحمار يحمل أسفارًا. [فطعنت ثغرة البيان دراكًا، وأعلقت رجل طيره أشراكًا، فانثالت لي العجائب، وانهالت على الرغائب] . وكان لي أوائل صبوتي هوىً اشتد به كلفى، ثم لحقي لعد ملل في أثناء ذلك الميل. فاتفق أن مات من كنت أهواه مدة
[ ١ / ٢٤٦ ]
ذلك الملل، فجزعت وأخذت في رثائه يومًا في الحائر وقد أبهمت عليّ أبوابه، وانفردت فقلت:
تولى الحمام بظبي الخدور وفاز الردى بالغزال الغرير إلى أن انتهت إلى الاعتذار من الملل الذي كان، فقلت:
وكنت مللتك لا عن قلىً ولا عن فسادٍ جرى في ضميري فأرتج عليّ القول وأفحمت، فإذا أنا بفارسٍ بباب المجلس على فرسٍ أدهم كما بقل وجهه، قد اتكأ على رمحه، وصاح بي: أعجزًا يا فتى الإنس - قلت: لا وأبيك، للكلام حأحيان، وهذا شأن الإنسان؛ قال لي: قل بعده:
كمثل ملال الفتى للنعيم إذا دام فيه وحال السرور فأثبت إجازته، وقلت له: بأبي أنت، من أنت - قال أنا زهير بن نمير من أشجع الجن. فقلت: وما الذي حداك إلى التصور لي - فقال: هوى فيك، ورغبة في اصطفائك. قلت أهلًا بك أيها الوجه الوضاح، صادفت قلبًا إليك مقلوبًا، وهوى نحوك مجنوبًا. وتحادثنا حينًا ثم قال: متى شئت استحضاري فأنشد هذه الأبيات:
[ ١ / ٢٤٧ ]
وآلى زهير الحب يا عز أنه إذا ذكرته الذكرات أتاها
إذا جرت الأفواه يومًا بذكرها يخيل لي أني أقبل فاها
فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت أجارع من داري هوىً لهواها وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عني.
وكنت أبا بكر متى أرتج علي، أو انقطع مسلك، أو خانني أسلوب، لأنشد الأبيات فيمثل لي صاحبي، فأسير إلى ما أرغب، وأدرك بقريحتي ما أطلب؛ وتأكدت صحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتاب لذكرها أكثرها، لكني ذاكر بعضها.
فصل: تذاكرت يومًا مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء، وما كان يألفهم من التوابع وازوابع، وقلت: هل حيلة في لقاء من اتفق منهم - قال: حتى أستأذن شيخنا، وطار عني ثم انصرف كلمح بالبصر، وقد أذن له، فقال: حل على متن الجواد. فصرنا عليه، وسار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدو فالدو، حتى التمحت أرضًا لا كأرضنا، وشارفت جوًا لا كجونا، متفرع الشجر، عطر الزهر، فقال لي: حللت أرض الجن أبا عامر، فبمن تريد أن نبدأ - قلت: الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشوق. قال: فمن تريد منهم - قلت: صاحب امرئ القيس. فأمال العنان إلى وادٍ من الأودية
[ ١ / ٢٤٨ ]
ذي دوح تتكسر أشجاره، وتترنم أطياره، فصاح: يا عتيبة بن نوفل، بسقط اللوى فحومل، ويم دارة جلجل، إلا ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرفتنا كيف أجازتك له. فظهر لنا فارس على فرس شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك! أهذا فتاهم - قلت: هو هذا، وأي جمرةٍ يا عتيبة! فقال لي: أنشد، فقلت: السيد أولى بالإنشاد، فتطامح طرفه، واهتز عطفه، وقبض عنان الشقراء، وضربها بالسوط، فسمت تحضر طولًا عنا، وكر فاستقبلنا بالصعدة هازًا لها، ثم ركزها وجعل ينشد:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا حتى أكملها ثم قال لي: أنشد. فهممت بالحيصة، ثم اشتدت قوى نفسي وأنشدت:
شجته مغانٍ من سليمى وأدؤر حتى انتهيت فيها إلى قولي:
ومن قبةٍ لا يدرك الطرف رأسها تزل بها ريح الصبا فتحدر
[ ١ / ٢٤٩ ]
تكلفتها والليل قد جاش بحره وقد جعلت أمواجه تتكسر
ومن تحت حضي أبيض ذو سفاسق وفي الكف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعًا مقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى وذا غصن في الكف يجنى فيثمر فلما انتهيت تأملني عتيبة ثم قال: اذهب فقد أجزتك. وغاب عنا.
فقال لي زهير: من تريد بعد - قلت: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضة شجرها شجران: سام يفوح بهارًا، وشحر يعبق هنديًا وغارًا. فرأينا عينًا معينةً تسيل، ويدور ماؤها فلكيًا ولا يحول. فصاح زهير: يا عنتر بن العجلان، حل بك زهير وصاحبه، فبخولة وما قطعت معها من ليلة، إلا ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكب جميل الوجه، قد توشح السيف، واشتمل عليه كساء خز، وبيده خطي، فقال: مرحبًا بكما! واستنشدني فقلت: الزعيم أولى بالإنشاد، فأنشد:
لسعدى بحزان الشريف طلول حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:
[ ١ / ٢٥٠ ]
أمن رسم دارٍ بالعقيق محيل حتى انتهيت إلى قولي:
ولما هبطنا الغيب نذعر وحشه على كل خوار العنان أسيل
وثارت بنات الأعوجيات بالضحى أبابيل من أعطاف غير وبيل
مسومة نعتدها من خيارها لطرد قنيص أو لطرد رعيل
[إذا ما تغنى الصحب فوق متونها ضحيًا أجابت تحتهم بصهيل]
ندوس بها أبكار نور كأنه رداء عروسٍ أوذنت بحليل
رمينا بها عرض الصوار فأقعصت أغن قتلناه بغير قتيل
وبادر أصحابي النزول فأقبلت كراديس من غض الشواء نشيل
نمسح بالحوذان منه أكفنا إذا ما اقتنصنا منه غير قليل
فقلنا لساقيها أدرها سلافةً شمولًا ومن عينيك صرف شمول
فقام بكأسيه مطيعًا لأمرنا يميل به الإدلال كل مميل
وشعشع بكأسيه مطيعًا لأمرنا برأس كريمٍ منهم وتليل
إلى أن ثناهم راكدين لما احتسوا خليعين من بطش وفضل عقول
نشاوى على الزهراء صرعى كأنهم أساطين قصر أو جذوع نخيل فصاح عنتر: لله أنت، اذهب مجاز. وغاب عنا.
[ ١ / ٢٥١ ]
ثم ملنا عنه فقال لي زهير: إلى من تتوق نفسك بعد من الجاهلين - قلت: كفاني من رأيت؛ اصرف وجه قصدنا إلى صاحب أبي تمام؛ فركضنا ذات اليمين حينًا، ويشتد في أثرنا فارس كأنه الأسد، على فرس كأنها العقاب، وهو في عدوه ذلك ينشد:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ لها نفذ لولا الشعاع أضاءها فاستربت منه، فقال ي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطار صاحب قيس بن الخطيم. فاستبى لبي من إنشاده البيت، وازددت خوفًا لجرأته وأننا لم نعرج عليه؛ فصرف إليه زهير وجه الأدهم، وقال: حياك الله أبا الخطار، فقال: أهكذا يحاد عن أبي الخطار ولا يخطر عليه. قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأقسم أنك إن لم تجد ليكونن يوم شر؛ فأنشدته قولي من قصيدة:
منازلهم تبكي إليك عفاءها ومنها:
خليلي عوجا بارك الله فيكما بدارتها الأولى نحي فناءها
فلم أر أسرابًا كأسرابها الدمى ولا ذئب مثلي قد رعى ثم شاءها
[ ١ / ٢٥٢ ]
ولا كالضلال كان أهدى لصبوتي ليالي يهديني الغرام خباءها
وما هاج هذا الشوق إلا حمائم بكيت لها سمعت بكاءها
عجبت لنفسي كيف ملكها الهوى وكيف استفز الغانيات إباءها -
ولو أنني أنحت علي أكارم ترضيت بالعرض الكريم جزاءها
ولكن جرذان الثغور رمينني فأكرمت نفسي أن تريق دماءها
إليك أبا مروان ألقيت رابيًا بحاجة نفس ما حربت خزاءها
هززتك في نصري ضحى فكأنني هززت - وقد جئت الجبال - حراءها
نقضت عرى عزم الزمان وإن عتا بعزمة نفسٍ لا أريد بقاءها فلما انتهيت تبسم وقال: لنعم ما تخلصت! اذهب فقد أجزتك.
ثم انصرفنا وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء، يتفجر من أصلها عين كمقلة حوراء. فصاح زهير: يا عتاب بن حبناء، حل بك زهير وصاحبه، فبعمرو والقمر الطالع، وبالرقعة المكفوفة الطابع، إلا ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر، ثم اشتق الهواء صاعدًا إلينا من قعرها حتى استوى معنا. فقال حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك! فقلت: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب - قال: حيائي من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه. فصحت: ويلي منه، كلام محدث ورب الكعبة؛ واستنشدني فلم أنشده إجلالًا له، ثم أنشدته:
[أبكيت إذا ظعن الفريق فراقها
[ ١ / ٢٥٣ ]
حتى انتهيت فيها إلى قولي]:
إني امرؤ لعب الزمان بهمتي وسقيت من كأس الخطوب دهاقها
وكبوت طرفًا في العلا فاستضحكت حمر الأنام فما تريم نهاقها
وإذا ارتمت نحوي المنى لأنالها وقف الزمان لها هناك فعاقها
وإذا أبو يحيى تأخر نفسه فمتى أؤمل في الزمان لحاقها - فلما انتهيت قال: أنشدني من رثائك. فأنشدته:
[أعينا امرءًا نزحت عينه ولا تعجبا من جفون جماد
إذا القلب أحرقه بثه فإن المدامع شلو الفؤاد]
يود الفتى منهلًا خاليًا وسعد المنية في كل واد
[ويصرف للكون ما في يديه وما الكون إلا نذير الفساد]
لقد عثر الدهر بالسابقي ن ولم يعجز الموت ركض الجواد
لعمرك ما رد ريب الردى أريب ولا جاهد باجتهاد
[ ١ / ٢٥٤ ]
[سهام المنايا تصيب الفتى ولو ضربوا دونه بالسداد]
أصبن على بطشهم جرهمًا وأصمين في دارهم قوم عاد
وأقعصن كلبًا على عزه فما اعتز بالصافنات الجياد إلى أن انتهيت فيها إلى قولي:
ولكنني خانني معشري وردت يفاعًا وبيل المراد
وهل ضرب السيف من غيرٍ كفٍ - وهل ثبت الرأس في غير هاد - فقال: زدني من رثائك وتحريضك، فأنشدته:
أفي كل عام مصرع لعظيم - أصاب المنايا حادثي وقديمي
هوى قمرا قيس بن عيلان آنفًا وأوحش من كلب مكان زعيم
فكيف لقائي الحادثات إذا سطت وقد فل سيفي منهم وعزيمي -
وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت وقد فقدت عيناي ضوء نجوم -
مضى السلف الوضاح إلا بقيةً كغرة مسود القميص بهيم
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومنها:
رميت بها الآفاق عني غريبةً نتيجة خفاق الضلوع كظيم
لأبدي إلى أهل الحجى من بواطني وأدلي بعذرٍ في ظواهر لوم
أنا السيف لم تتعب به كف ضاربٍ صروم إذا صادفت كف صروم
سعيت بأحرار الرجال فخانني رجال ولم أنجد بجد عظيم
وضيعني الأملاك بدءًا وعودةً فضعت بدارٍ منهم وحريم فقال: إن كنت ولابد قائلًا، فإذا دعتك نفسك إلى القول فلا تكد قريحتك، فإذا أكملت فجمام ثلاثة لا أقل، ونقح بعد ذلك، وتذكر قوله:
وجشمني خوف ابن عفان ردها فشقفتها حولًا كريتًا ومربعا
وقد كان في نفسي عليها زيادة فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا وما أنت إلا محسن على إساءة زمانك. فقبلت على رأسه، وغاص في العين.
ثم قال لي زهير: من تريد بعده - قلت: صاحب أبي نواس، قال: هو بدير حنة منذ أشهر، قد غلبت عليه الخمر، ودير حنة في ذلك الجبل.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وعرضه علي، فإذا بيننا وبينه فراسخ، فركضنا ساعةً، وجزنا في ركضنا بقصرٍ عظيم قدامه ناورد يتطارد فيه فرسان، فقلت: لمن هذا القصر يا زهير - قال: لطوق بن مالك؛ وأبو الطبع صاحب البحتري في ذلك الناورد فهل لك في أن تراه - قلت: ألف هل، إنه لمن أساتيذي، وقد كنت أنسيته. فصاح: يا أبا الطبع، فخرج إلينا فتىً على فرس أشعل، وبيده قناة، [فقال له زهير: إنك مؤتمنا، فقال: لا، صاحبك أشمخ مارنًا من ذلك لولا أنه ينقصه؛ قلت: أبا الطبع على رسلك، إن الرجال لا تكال بالقفزان، أنشدنا من شعرك] . فأنشد:
ما على الركب من وقوف الركاب حتى أكملها، ثم قال: هات إن كنت قلت شيئًا، فأنشدته:
هذه دار زينبٍ والرباب حتى انتهيت فيها إلى قولي:
وارتكضنا حتى مضى الليل يسعى وأتى الصبح قاطع الأسباب
فكأن النجوم في الليل جيش دخلوا للكمون في جوف غاب
وكأن الصباح قانص طير قبضت كفه برجل غراب
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومنها:
وفتو سروا وقد عكف اللي ل وأرخى مغدودن الطناب
وكأن النجوم لما هدتهم أشرقت للعيون من آدابي
يتقرون جوز كل فلاة جنح ليلٍ جوزاؤه من ركاب
عن ذكري لمدلجيهم فتاهوا من حديثي في عرض أمر عجاب
همة في السماء تسحب ذيلًا من ذيول العلا وجد كابي
ولو أن الدنيا كريمة نجرٍ لم تكن طعمة لفرس الكلاب
جيفة أنتنت فطار إليها من بني دهرها فراخ الذباب ومنها يفخر:
من شهيد في سرها ثم من أش جع في السر من لباب اللباب
خطباء الأنام إن عن خطب وأعاريب في متون عراب حتى أكلمتها، فكأنما غشى وجه أبي الطبع قطعة من الليل، وكر راجعًا إلى ناورده دون أن يسلم. فصاح به زهير: أأجزته - قال: أجزته، لا بورك فيك من زائر، ولا في صاحبك أبي عامر.
[فضرب زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا في قنته]، وسرنا
[ ١ / ٢٥٨ ]
حتى انتهينا إلى أصل جبل دير حنة، فشق سمعي قرع النواقيس، فصحت: من منازل أبي نواس، ورب الكعبة العلياء؛ وسرنا نجتاب أديارًا وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى دير عظيم تعبق ورائحه، وتصوك نوافحه. فوقف زهير ببابه وصاح: سلام على أهل دير حنة! فقلت لزهير: أو هل صرنا بذات الأكيراح - قال: نعم. وأقبلت نحونا الرهابين، مشددة بالزنانير، قد قبضت على العكاكيز، بيض الحواجب واللمحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، مكثرين للتسبيح، عليهم هدي المسيح؛ فقالوا: أهلًا بك يا زهير من زائر، وبصاحبك أبي عامر، ما بغيتك - قال: حسين الدنان. قالوا: إنه لفي شرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به. فقال: وعلى ذلك. ونزلنا وجاءوا بنا إلى بيت قد اصطفيت دنانه، وعكفت غزلانه، وفي فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث زهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة، وحواليه صبية كأظب تعطو إلى عرارة. فصاح به زهير: حياك الله أبا الإحسان! فجاوب بجوابٍ لا يعقل لغلبة الخمر عليه. فقال لي زهير: اقرع أذن نشوته بإحدى
[ ١ / ٢٥٩ ]
خمرياتك، فإنه ربما تنبه لبعض ذلك، فصحت أنشد من كلمةٍ لي طويلة:
ولرب حان قد أدرت بديره خمر الصبا مزجت بصفو خموره
في فتية جعلوا الزقاق تكاءهم متصاغرين تخشعًا لكبيره
وإلى علي بطرفه وبكفه فأمال من رأسي لعب كبيره
وترنم الناقوس عند صلاتهم ففتحت من عيني لرجع هديره
يهدي إلينا الراح كل معصفرٍ كالخشف خفره التماح خفيره فصاح من حبائل نشوته: أأشجعي - قلت: أنا ذاك، فاستدعى ماءً قراحًا، فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إليّ من حاله، فأدركتني مهابته، وأخذت في إجلاله، لمكانه من العلم والشعر. فقال لي: أنشد، أو حتى أنشدك - فقلت: إن ذلك لأشد لتأنيسي، على أنه ما بعدك لمحسنٍ إحسان، فأنشد:
يا دير حنة من ذات الأكيراح من يصح عنك فإني لست بالصاحي
يعتاده كل محفوف مفارقه من الدهان عليه سحق أمساح
[ ١ / ٢٦٠ ]
لا يدلفون إلى ماءٍ بآنيةٍ إلا اعترافًا من الغدران بالراح فكدت والله أخرج من جلدي طربًا. ثم أنشد:
طرحتم من الترحال أمرًا فغمنا وأنشد أيضًا:
لمن دمن تزداد طيب نسيم على طيب ما أقوت وحسن رسوم
تجافى البلى عنهن حتى كأنما لبسن من الإقواء ثوب نعيم واستمر فيها حتى أكملها. ثم قال لي: أنشد. فقلت: وهل أبقيت للإنشاد موضعًا - قال: لابد لك، وأوعث بي لا تنجد. فأنشدته:
أصفيح شيم أم برق بدا أم سنا المحبوب أورى أزندا
هب من مرقده منكسرًا مسبلًا للكم مرخٍ للردا
يمسح النعسة من عيني رشا صائد في كل يوم أسدا
قلت: هب لي يا حبيبي قبلةً تشف من عمك تبريح الصدى
[ ١ / ٢٦١ ]
فانثنى يهتز من منكبه قائلًا: لا؛ ثم أعطاني اليدا
كلما كلمني قبلته فهو إما قال قولًا رددا
كاد أن يرجع من لثمي له وارتشافي الثغر منه أدردا
قال لي يلعب: خذ لي طائرًا فتراني الدهر أجري بالكدا
[وإذا استنجزت يومًا وعده قال لي يمطل: ذكرني غدا]
شربت أعطافه خمر الصبا وسقاه الحسن حتى عربدا
وإذا بت به في روضةٍ أغيدًا يقرو نباتًا أغيدا
قام في الليل بجيدٍ أتلعٍ ينفض اللمة من دمع الندى
رشأ بل غادة ممكورة عممت صبحًا بليل أسودا
أححت من عضتي في نهدها ثم عضت حر وجهي عمدا
فأنا المجروح من عضتها لا شفاني الله منها أبدا فلما انتهيت قال: لله أنت، وإن كان طبعك مخترعًا منك. ثم قال لي: أنشدني من رثائك شيئًا، فأنشدته من قولي في بنيةٍ صغيرة:
[ ١ / ٢٦٢ ]
[أيها المعتد في أهل النهى لا تذب إثر فقيد ولها حتى انتهيت إلى قولي]:
وإذا الأسد حمت أغيالها لم يضر الخيس صرعات المها
وغريب يا ابن أقمار العلا أن يراع البدر من فقد السها فلما انتهيت قال لي: أنشدني من رثائك أشد من هذا وأفصح. فأنشدته من رثائي في ابن ذكوان؛ ثم قال: أنشدني جحدريتك من السجن، فأنشدته:
قريب بمحتل الهوان بعيد حتى انتهيت فيها إلى قولي:
فإن طال ذكري بالمجون فإنني شقي بمنظوم الكلام سعيد
وهل كنت في العشاق أول عاشقٍ هوت بحجاه أعين وخدود
[ ١ / ٢٦٣ ]
وفمن مبلغ الفتيان أني بعدهم مقيم بدار الظالمين طريد
لست بذي قيد يرق وإنما على اللحظ من سخط الإمام قيود فبكى لها طويلًا ثم قال: أنشدني قطعةً من مجونك، فقد بعد عهدي بمثلك، فأنشدته:
وناظرة تحت طي القناع دعاها إلى الله والخير داعي
سعت بابنها تبتغي منزلًا لوصل التبتل والإنقطاع
فجاءت تهادى كمثل الرؤوم تراعي غزالًا بأعلى يفاع
أتتنا تبختر في مشيها فحلت بوادٍ كثير السباع
وريعت حذارًا على طفلها فناديت: يا هذه لا تراعي!
فولت وللمسك من ذيلها على الأرض خط كظهر الشجاع فلما سمع هذا البيت قام يرقص به ويردده، ثم أفاق، ثم قال: هذا والله شيء لم نلهمه نحن؛ ثم استدناني فدنوت منه فقبل بين عيني، وقال: اذهب فإنك مجاز على بظر أم الكاره.
فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل، فقال لي زهير: ومن تريد بعد
[ ١ / ٢٦٤ ]
قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيب، فقال: اشدد له حيازيمك، وعطر له نسيمك، وانثر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريقٍ، فجعل يركض بنا، وزهير يتأمل آثار فرسٍ لمحناها هناك؛ فقلت له: ما تتبعك لهذه الآثار - قال: هي آثار فرس حارثة بن نعمان المغلس صاحب أبي الطيب، وهو صاحب قنص. فلم يزل يتقراها حتى دفعنا إلى فارسٍ على فرس بيضاء كأنه قضيب على كثيب، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامة حمراء، قد أرخى لها عذبةً صفراء. فحياه زهير، فأحسن الرد ناظرًا من مقلة شوساء، قد ملئت تيهًا وعجبًا. فعرفه زهير قصدي وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول، قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفرة غير قاطعة، قال: فأنشدني، وأكبرته أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أولها:
أبرق بدا أن لمع أبيض قاصل حتى انتهيت فيها إلى قولي:
تردد فيها البرق حت حسبته يشير إلى نجم الربى بالأنامل
ربى نسجت أيدي الغمام للبسها غلائك صفرًا فوق بيض غلائل
سهرت بها أرعى النجوم وأنجمًا طوالع للراعين غير أوافل
وقد فغرت فاها بها كل زهرةٍ إلى كل ضرعٍ للغمامة حافل
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومرت جيوش المزن رهوًا كأنها عساكر زنجٍ مذهبات المناصل
وحلقت الخضراء في غر شهبها كلجة بحرٍ كللت باليعالل
تخال بها زهر الكواكب نرجسًا على شط وادٍ للمجرة سائل
وتلمح من جوزائها في غروبها تساقط عرش واهن الدعم مائل
وتحسب صقرًا وافعًا دبرانها بعش الثريا فوق حمر الحواصل
وبدر الدجى فيها غديرًا وحوله نجوم كطلعات الحمام النواهل
كأن الدجى همي ودمعي نجومه تحدر إشفاقًا لدهر الأراذل
هوت أنجم العلياء إلا أقلها وغبن بما يحظى به كل عاقل
وأصبحت في خلفٍ إذا ما لمحتهم تبينت أن الجهل إحدى الفضائل
وما طاب في هذي البرية آخر إذا هو لم ينجد بطيب الأوائل
أرى حمرًا فوق الصواهل جمةً فأبكي بعيني ذل تلك الصواهل
وربت كتاب إذا قيل: زوروا بكت من تأنيهم صدور الرسائل
وناقل فقه لم ير الله قلبه يظن بأن الدين حفظ المسائل
وحامل رمح راح فوق مضائه به كاعبًا في الحي ذات مغازل
حبوا بالمنى دوني وغودرت دونهم أرود الأماني في رياض الأباطل
وما هي إلا همة أشجعية ونفس أبت لي من طلاب الرذائل
وفهم لو البرجيس جئت بجده إذًا لتلقاني بنحس المقاتل
[ ١ / ٢٦٦ ]
ولما طما بحر البيان بفكرتي وأغرق قرن الشمس جداولي
رحلت إلى خير الورى كل حرةٍ من المدح لم تخمل برعي الخمائل
وكدت لفضل القول أبلغ ساكتًا وإن ساء حسادي مدى كل قائل فلما انتهيت قال: أنشدني أشد من هذا، فأنشدته قصيدتي:
هاتيك دارهم فقف بمعانها فلما انتهيت قال لزهير: إن امتد به طلق العمر، فلابد أن ينفث بدرر، وما أراه إلا سيختصر، بين قريحة كالجمر، وهمة تضع أخمصه على مفرق البدر. فقلت: هلا وضعته على صلعة النسر -! فاستضحك إليّ وقال: اذهب فقد أجزتك بهذه النكتة. فقلبت على رأسه وانصرفنا.
قال لي زهير: من تريد بعده - فقلت: مل بي إلى الخطباء، فقد قضيت وطرًا من الشعراء. فركضنا حينًا طاعنين في مطلع الشمس ولقينا فارسًا أسر إلى زهير، وانجزع عنا. فقال لي زهير: جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك - قال: للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن. وانتهينا إلى المرج فإذا بناد عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام، فردوا وأشاروا بالنزول، فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع، جاحظ العين
[ ١ / ٢٦٧ ]
اليمنى. على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة. فقلت سرًا لزهير: من ذلك - قال: عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عتيبة؛ قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. قال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه؛ وعرفه صغوي إليه وقولي فيه، فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغرى بالسجع، فكلامك نظن لا نثر. فقلت في نفسي: قرعك - بالله - بقارعته، وجاءك بمماثلته. ثم قلت له: ليس هذا - أعزك الله - مني جهلًا بأمر السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت ببلدي فرسان الكلام [ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرا أن أحركهم بالازدواج. ولو فرشت للكلام] فيهم طولقا، وتحركت لهم حركة مشولم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم، فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس - قلت: نعم، إنها لحاء الشجر، وليس ثم ثمر ولا عبق. قال لي: صدقت، إني أراك قد ماثلت معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم - قلت: ليس
[ ١ / ٢٦٨ ]
لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدي إليه طريق، ولا للبيان عليه سمة. إنما لكنة أعجمية يؤدون بها المعاني تأدية المجوس والنبط. فصاح: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها! ارمهم يا هذا بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، [ويطير لك ذكرًا فيهم، وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجيء إليهم]، فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقبة إلى ما يكون منه: لا يغرنك منه أبا عيينة ما تكلف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة، ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه في ميدان البيان، لصلى كودنه، وكل برثنه. وما أراه إلا من اللكن الذين ذكر، وإلا فما للفصاحة لا تهدر، وللأعرابية لا تومض - فقلت في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقه ورب الكعبة؛ فقلت له: لقد عجلت أبا هبيرة - وقد كان زهير عرفني بكنيته - إن قوسك لنبع، وإن ماء سهمك لسم، أحمارًا رميت أم إنسانًا، وقعقعة طلبت أم بيانًا - وأبيك إن البيان لصعب، وإنك منه لفي عباءة تتكشف عنها أستاه معانيك، تكشف است العنز عن ذنبها. الزمان دفء لا قر، والكلام عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى الضب على ما ضغيك. فتبسم إليّ وقال: أهكذا يا أطيلس، تركب لكل نهجه، وتعج إليه عجه - فقلت: الذئب
[ ١ / ٢٦٩ ]
أطلس، وإن التيس ما علمت؛ فصاح به أبو عيينة: لا تعرض له، وبالحرا أن تخلص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافية لو كان له حجر؛ فبسطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأت رسالتي في صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها، ومن رسالتي في الحلواء حيث أقول:
خرجت في لمة من الأصحاب، وثبة من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلوى فاستخفه الشره، واضطرب به الوله، فدار في ثيابه، وأسال من لعابه، حتى وقف بالأكداس، وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج فقال: بأبي هذا اللمص، انظروه كأنه الفص، مجاجة الزنابير، أجريت على شوابير، وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ألسنة الأحبة.
ورأى الخبيص فقال: بأبي هذا الغالي الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح باللحظ، ويذوب من اللفظ، بم ابيض - قالوا بماء البيض البض. قال: غض من غض، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرة الرقيب.
ولمح القبيطاء فصاح: بأبي نقرة الفضة البيضاء، لا ترد عن
[ ١ / ٢٧٠ ]
العضة. أبنار طبخت أم بنور - فإذا أراها كقطع البلور؛ وبلوز عجنت أم بجوز - فإني أراها عين عجين الموز. ومشى إليها وقد عدل صاحبها أرطال نحاسه. وعلق قسطاسه من أم راسه؛ فقال: رطل بدرهمين، وانتهشها بالنابين، فصاح: القارعة ما القارعة. هيه! ويل للمرء من فيه.
ورأى الزلابية فقال: ويل لأمها الزانية، أبأحشائي نسجت، أم من صفاق قلبي ألفت - فإني أجد مكانها من نفسي مكينًا، وحبل هواها على كبدي متينًا، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني - والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثار؛ ومشى إليها، فتلمظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح: الثعبان الثعبان!
ورفع له ثمر النشا، غير مهضوم الحشا، فقال: مهيم -! من أين لكم جنى نخلة مريم - ما أنتم إلا السنار، وما جزاءكم إلا السيف والنار؛ وهم أن يأخذ منها، فأثبت في صدره العصا، فجلس القرفصا، يذري الدموع، ويبدي الخشوع. وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد. فرقت له ضلوعي، وعلمت أن الله فيه غير مضيعي. وقد تجمل الصدقة على ذوي وفر، وفي كل ذي كبد رطبة أجر. فأمرت الحلواني بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التي أنطقته، وتحتوي على ضروبها التي أضرعته. وجاء بها وسرنا إلى مكان خالٍ طيب، كوصف المهلبي:
[ ١ / ٢٧١ ]
خان تطيب لباغي النسك خلوته، وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع؛ فجعل يقطع ويبلع، ويدحو فاه ويدفع، وعيناه تبصان، كأنهما جمرتان، وقد برزتا على وجهه كأنهما خصيتان، وأنا أقول له: على رسلك أبا فلان! البطنة تذهب الفطنة! فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها ووصل خورنقها بسديرها، تجشأ فهبت منه ريح عقيم، أيقنا لها بالعذاب الأليم، فنثرتنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر، فالتمحنا منه الظربان، وصدق الخبر فيه العيان: نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفح هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها والسلام.
فاستحسناها وضحكا عليها، وقالا: إن لسجعك موضعًا من القلب، ومكانًا من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غينه. وقد بلغنا أنك لا تجازى في أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض
[ ١ / ٢٧٢ ]
لك، فمن أشدهم عليك - قلت: جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به في سرقسطة العصا. فقالا: إلى أبي محمد تشير، وأب القاسم وأبي بكر - قلت: أجل. قالا: فأين بلغت فيهم - قلت أما أبو محمد فانتضى علي لسانه عند المستعين، وساعدته زرافة استهواها من الحاسدين، وبلغني ذلك فأنشدته شعرًا، منه:
وبلغت أقوامًا تجيش صدورهم علي، وإني منهم فارغ الصدر
أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزًا وغاصوا على سري فأعياهم أمري
فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره وقال فريق: أيمن الله ما ندري
أما علموا أني إلى العلم طامح وأني الذي سبقًا على عرقه يجري
وما كل من قاد الجياد يسوسها ولا كل من أجرى يقال له: مجري
فمن شاء فليخبر فإني حاضر ولا شيء أجلى للشكوك من الخير وأما أبو بكر فأقصر واقتصر على قوله: له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلي فمكانه من نفسي مكين، وحبه بفؤادي دخيل، على أنه حامل علي، ومنتسب إليّ. فصاحا: يا أنف الناقة ابن معمر، من سكان خيبر! فقام إليهما جني أشمط ربعة وارم الأنف، يتظالع
[ ١ / ٢٧٣ ]
في مشيته، كاسرًا لطرفه، وزاويًا لأنفه، وهو ينشد:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا فقالا لي:: هذا صاحب أبي القاسم، ما قولك فيه يا أنف الناقة - قال: فتى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسي: العصا من العصية١ إن لم تعربي عن ذاتك، وتظهري بعض أدواتك، وأنت بين فرسان الكلام، لم يطر لك بعدما طائر، وكنت غرضًا لكل حجر عابر. وأخذت للكلام أهبته، ولبست للبيان بزته؛ فقلت: وأنا أيضًا لا أعرف على من قرأت. قال ألمثلي يقال هذا - فقلت: فكان ماذا - قال: فطارحنى كتاب الخليل، قلت: هو عندي في زنبيل، قال: فناظرني على كتاب سيبويه. قلت: خريت الهرة عندي عليه وعلى شرح ابن درستويه؛ فقال لي: دع عنك، أنا أبو البيان، قلت: لاها الله! إنما أنت كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسيء فيلهي، قال: لقد علمنيه المؤدبون، قلت ليس هو من شأنهم، إنما هو من تعليم الله تعالى حيث قال: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾ (الرحمن: ٣ - ٤) ليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر، هيهات حتى يكون المسك من أنفاسك، والعنبر من أنقاسك، وحتى يكون مساقك عذبًا، وكلامك رطبًا، ونفسك من نفسك، وقليبك من قلبك؛ وحتى تتناول الوضيع فترفعه، والرفيع
[ ١ / ٢٧٤ ]
فتضعه، والقبيح فتحسنه -! قال: أسمعني مثالًا، قلت: حتى تصف برغوثًا فتقول: أسود زنجي، وأهلي وحشي؛ ليس بوان ولا زميل، وكأنه جزء لا يتجزأ من ليل، وشونيزة، أوثبتها غريزة، أو نقطة مداد، أو سويداء قلب قراد؛ شربه عب، ومشيه وثب؛ يكمن نهاره، ويسري ليله؛ يدارك بطعنٍ مؤلم، ويستحل دم كل مسلم، مساور للأساورة، يجر ذيله على الجبابرة؛ يتكفر بأرفع الثياب، ويهتك ستر كل حجاب، ولا يحفل ببواب؛ يرد مناهل العيش العذبة، ويصل إلى الأجراح الرطبة، لا يمنع منه أمير، ولا ينفع فيه غيرة غيور، وهو أصغر كل حقير، شره مبثوث، وعهده منكوث، وكذلك كل برغوث؛ كفى بهذا نقصًا للإنسان، ودالًا على قدرة الرحمن.
وحتى تصف ثعلبًا فتقول: أدهى من عمرو، وأفتك من قائل حذيفة بن بدر؛ كثير الوقائع في المسلمين، مغرى بإراقة دماء المؤذنين؛ إذا رأى الفرصة انتهزها، وإذا طلبته الكماة أعجزها؛ وهو مع ذلك بقراط في إدامه، وجالينوس في اعتدال طعامه؛ غداؤه حمام أو دجاج، وعشاؤه تدرج أو دراج.
قال أبو عامر: وكان فيما يقابلني من ناديهم فتى قد رماني بطرفه
[ ١ / ٢٧٥ ]
واتكأ لي على كفه، فقال: تحيل على الكلام لطيف وأبيك! فقلت: وكيف ذلك - قال: أومأ علمت أن الواصف إذا وصف شيئًا لم يتقدم إلى صفته، ولا سلط الكلام على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واجتزا بيسير البيان - لأنه لم يتقدم وصف يقرن بوصفه، ولا جرى مساق يضاف إلى مساقه، وهذه نكتة بغدادية، أنى لك بها يا فتى المغرب - فقلت لزهير: من هذا - قال: زبدة الحقب، صاحب بديع الزمان. فقلت: يا زبدة الحقب، اقترح لي. قال: صف جارية، فوصفتها؛ قال: أحسنت ما شئت أن تحسن؛ قلت: أسمعني وصفك للماء، قال: ذلك من العقم [قلت: بحياتي هاته، قال]: أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور؛ انتخب من الفرات، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة.
فقلت: انظره يا سيدي كأنه عصير صياح، أو ذوب قمرٍ لياح؛ لعه في إناثه، اصباب الكوكب من سمائه؛ العين حانوته، والفم عفريته، كأنه خيط من غزل فلق، أو محضر يضرب به من ورق؛ يرفع عنك فتردى، ويصدع به قلبك فتحيا.
فلما انتهيت في الصفة، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهوت، وتدهدى إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره. فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتد
[ ١ / ٢٧٦ ]
غيظ أنف الناقة علي فقال: وقعت لك أوصاف في شعرك تظن أني لا أستطيعها - فقلت له: وحتى تصف عارضًا فتقول:
ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلًا وحط بجرعاء الأبارق ما حطا
سعى في قياد الريح يسمح للصبا فألقت على غير التلاع به مرطا
وما زال يروي الترب حتى كسا الربى درانك، والغيطان من نسجه بسطا
وعنت له ريح تساقط قطره كما نثرت حسناء من جيدها سمطا
ولم أر درًا بددته يد الصبا سواه، فبات النور يلقطه لقطا
وبتنا نراعي الليل لن نطو برده ولم يجر شيب الصبح في عرفه وخطا
تراه كملك الزنج في فرط كبره إذا رام مشيًا في تبختره أبطا
مطلًا على الآفاق والبدر تاجه وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا حتى تصف ذئبًا فتقول:
إذا اجتاز علوي الرياح بأفقه أجد لعرفان الصبا يتنفس
تذكر روضًا ذا شوي وباقر تولته أحراس من الذعر تحرس
إذا انتابها من أذؤب القفر طارق حثيث إذا ما استشعر اللحظ يهمس
أزل كسا جثمانه متسترًا طيالس سودًا للدجى وهو أطلس
فدل عليه لحظ خب مخادع ترى ناره من ماء عينيه تقبس
[ ١ / ٢٧٧ ]
فصاح فتيان الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة كآبة، وظهرت عليه مهابة، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذ بوادٍ في خطابه، رحمه لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر. وشمر لي فتى كان إلى جانبه عن ساعدٍ، وقال لي: وهل يضر قريحتك أو ينقص من بديهتك أو تجافت لأنف الناقة وصبرت له - فإنه على علاته زير علم وزنبيل فهم وكنف رواية. فقلت لزهير: من هذا - فقال: هو أبو الآداب صاحب أبي إسحاق بن حمام جارك. فقلت: يا أبا الآداب، وزهرة ريحانة الكتاب، رفقًا على أخيك بغرب لسانك، وهل كان يضر أنف الناقة، أو ينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه، ان يصبر لي على زلة تمر به في شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة من طراميذه - فقال: إن الشيوخ قد تهفو أحلامهم في الندرة. فقلت: إنها المرة بعد المرة. ثم قال لي الأستاذان عتبة بن أرقم وأبو هبيرة صاحب عبد الحميد: إنا لنخبط منك ببيداء حيرة، وتفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندري أنقول: شاعر أم خطيب - فقلت: الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى، ولابد من قضاء. فقالا: اذهب فإنك شاعر خطيب. وانفض الجمع والأبصار إليّ ناظرة، والأعناق نحوي مائلة.
قال ابن بسام: وامتد بأبي عامر الكلام في هذا الباب، ومد فيه أطناب الإطناب والإسهاب، فلذلك وقفت دون الغاية، وقطعت قبل النهاية.
[ ١ / ٢٧٨ ]
قوله في ما عرض به لصاحب أبي تمام: " بعمرو والقمر الطالع، والرقعة المفكوكة الطابع " أشار إلى قول أبي تمام في غلامه:
يا عمرو قل للقمر الطالع اتسع الخرق على الراقع
يا طول فكري فيك من حاملٍ لرقعة مفكوكة الطابع
ما أنت إلا رشا خاذل حل بمعنى أسدٍ جائع وحكى الصولي في أخباره قال: كان أبو تمام يتعشق غلامًا خزريًا للحسن بن وهب، وكان الحسن يتعشق غلامًا روميًا لحبيب. فرآه يعبث بغلامه فقال له: والله لئن سرت إلى الرومي لأسيرن إلى الخزري. فقال الحسن: لو شئت حكمتنا واحتكمت! فقال أبو تمام: أنا أشبهك بداود ﵇، وأشبهني أنا بخصمه. فقال الحسن: لو كان هذا منظومًا! فقال أبو تمام من جملة أبيات:
أذكرتني أمر داود وكنت فتىً مصرف القلب في الأهواء والفكر
أعندك الشمس لم يحظ المغيب بها وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر -
إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
ورب أمنع منه جانبًا وحمىً أمسى وتكته مني على خطر
[ ١ / ٢٧٩ ]
جردت فيه جنود العزم فانكشفت عنه غياهبها عن نيكة هدر
أنت المقيم فما تعدو رواحله وأيره أبدًا منه على سفر وقيل لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن من غلامه لك. قال: أجل لأن غلامي يجد عنده مالًا، وأنا أعطي غلامه قيلًا وقالا.
وكان ابن الزيات قد وقف على ما كان بينهما في غلاميهما، فاتفق أن عزم يومًا غلام أبي تمام على الاحتجام، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك، ويستدعيه مطبوخًا. فوجه إليه بمائة زق ومائة دينار، وكتب إليه بشعر يقول فيه:
ليت شعري يا أملح الناس عندي هل تداويت بالحجامة بعدي -
دفع الله عنك لي كل سوءٍ باكر رائحٍ وإن خنت عهدي
قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي فبدا منه غير ما كنت أبدي
وخلعت العذار إذ علم النا س بأني إياك أصفي بودي
فليقولوا بما أحبوا إذ كن ت وصولًا ولم ترعني بصد واتفق أن وضع الرقعة تحت مصلاه، وبلغ محمد بن الزيات خبرها، فوجه إلى الحسن من شغله بالحديث، وأمر من جاءه بتلك الرقعة، ففكها وقرأها وكتب فيها على لسان أبي تمام:
ليت شعري عن ليت شعرك هذا أبهزل تقوله أم بجد
[ ١ / ٢٨٠ ]
فلئن كنت في المقال مجدًا يا ابن وهب لقد تطرفت بعدي
وتشبهت بي وكنت أرى أن ي أنا العاشق المتيم وحدي
لا أحب الذي يلوم وإن كا ن حريصًا على صلاحي ورشدي
بل أحب الأخ المشارك في الحب وإن لم يكن به مثل وجدي
كنديمي أبى علي وحاشا لنديمي من مثل شقوة جدي
إن مولاي عندي غيري ولولا شؤم جدي لكان مولاي عندي ثم قال: ضعوا الرقعة مكانها. فلما قرأها الحسن قال: إنا لله! افتضحنا والله عند الوزير! وأعلم أبا تمام بما جرى، ووجه إليه بالرقعة. فلقيا محمد بن عبد الملك، فقالا له: إنما جعلنا هذين الغلامين سببًا لتكاتبنا بالأشعار، فلا يظن الوزير - أعزه الله - إلا خيرًا. فقال: ومن يظن غير هذا بكما - فكان قوله أشد عليهما.
رجع:
قال ابن بسام، قال ابن حيان: وكان أبو القاسم المعروف بابن الإفليلي الذي به عرض، وجعله الغرض، قد بذ أهل زمانه بقرطبة، في علم اللسان العربي، والضبط لغريب اللغة، وفي ألفاظ الأشعار الجاهلية والإسلامية، والمشاركة في بعض معانيها، وكان غيورًا على ما يحمل من ذلك الفن، كثير الحسد فيه، راكبًا في الخطأ البين إذا تقلده
[ ١ / ٢٨١ ]
أو نشب فيه، يجادل عليه، ولا يصرفه صارف عنه. وعدم علم العروض ومعرفته مع احتياجه إليه، وإكمال صناعته به، فلم يكن له شروع فيه. وكان لحق الفتنة البربرية بقرطبة، ومضى الناس من حائن وظاعن، فازدلف إلى الأمراء المتداولين بقرطبة من آل حمود ومن تلاهم إلى أن نال الجاه.
واستكتبه محمد بن عبد الرحمن المستكفي بعد ابن برد، فوقع كلامه جانبًا من البلاغة، لأنه كان على طريقة المعلمين المتكلفين، فلم يجر في أساليب الكتاب المطبوعين فزهد فيه. وما بلغني أنه ألف في شيء من فنون المعرفة إلا كتابه في شعر المتنبي لا غير. ولحقته تهمة في دينه في أيام هشام المرواني في جملة من تتبع من الأطباء في وقته كابن عاصم الشبانسي والحمار وغيرهم. وطلب ابن الفليلي وسجن بالمطبق، ثم أطلق. وفيه يقول موسى بن الطائف من قصيدة:
يا مبصرًا عميت نواظر فهمه عن كنه عرضي في البديع وطولي
[ ١ / ٢٨٢ ]
لو كنت تعقل ما جهلت مقاومي من ضاق فرسخه بخطوة ميل
ولئن ثلبت الشعر وهو أباطل فلقد ثلبت حقائق التنزيل
وخلعت ربق الدين عنك منابذًا ولبست ثوب الزيغ والتعطيل
وأقمت للجهال مثلك في الغبا علمًا مشيت أمامه برعيل
ومن المغائظ أن تكون مقلدًا علمًا، ولو مقدار وزن فتيل
تعتل في الأمر الصحيح معاندًا أبدًا وفهمك علة المعلول
وتظن أنك من فنوني موسر وكثير شأنك لا يفي بقليلي
سيسل روحك من خبيث قراره تأثير هذا الصارم المصقول
وأخص سيف الدولة الملك الرضى ليعيد عقد رباطك المحلول
وأريك رأي العين أنك ذرة عبثت بها مني قوائم فيل رجع الحديث إلى أخبار ابن شهيد
قال أبو عامر: وحضرت أنا أيضًا وزهير مجلسًا من مجالس الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعراء من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر، فأنشد قول الأفوه بعض من حضر:
وترى الطير على آثارنا رأي عينٍ ثقةً أن ستمار وأنشد آخر قول النابغة:
[ ١ / ٢٨٣ ]
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
تراهن خلف القوم خزرًا عيونها جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
جوانح قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى الجيشان أول غالب وأنشد آخر قول أبي نواس:
تتأيى الطير غدوته ثقةً بالشبع من جزره وأنشد آخر قول صريع الغواني:
قد عود الطير عادات وثقن بها بهن يتبعه في كل مرتحل وأنشد آخر قول أبي تمام:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىً بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها من الجيش إلا أنها لم تقاتل فقال شمردل السحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى، ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم
[ ١ / ٢٨٤ ]
مشترك يحتمل أن يكون ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى؛ وإنما المحسن المتخلص المتنبي حيث يقول:
له عسكرا خيل وطير إذا رمى بها عسكرًا لم تبق إلا جماجمه وكان بالحضرة فتىً حسن البزة، فاحتد لقول شمردل، فقال: الأمر على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطير إذا شبعت أي القبيل الغالب. وأما الطير الآخر فلا أدري لأي معنى عافت الطير الجماجم دون عظام السوق والأذرع، والفقارات والعصاعص - ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحسن التركيب، ودل بلفظة واحدةٍ على ما دل عليه شعر النابغة وبيت المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب في قوله:
وتدري سباع الطير أن كماته إذا لقيت صيد الكماة سباع
لهن لعاب في الهواء وهزة إذا جد بين الدارعين قراع
تطير جياعًا فوقه وتردها ظباه إلى الأوكار وهي شباع
تملك بالإحسان ربقة رقها فهن رقيق يشترى ويباع
[ ١ / ٢٨٥ ]
وألحم من أفراخها فهي طوعه لدى كل حربٍ والملوك تطاع
تماصع جرحاها فيجهز نقرها عليهم وللطير العتاق مصاع فاهتز المجلس لقوله، وعلموا صدقه. فقلت لزهير: من فاتك بن الصقعب - قال: يعني نفسه. قلت له: فهلا عرفتني شانه منذ حين -[إني لأرى نزعات كريمة] . وقمت فجلست إليه جلسة المعظم له. فاستدار نحوي، مكرمًا لمكاني، فقلت: جد أرضنا - أعزك الله - بسحابك، وأمطرنا بعيون آدابك؛ قال: سل عما شئت، قلت: أي معنى سبقك إلى الإحسان فيه غيرك، فوجدته حين رمته صعبًا عليك إلا أنك نفذت فيه - قال: معنى قول الكندي:
سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال قلت: أعزك الله، هو من العقم. ألا ترى عمر بن أبي ربيعة، وهو من أطبع الناس، حين رام الدنو منه والإلمام به، كيف افتضح في قوله:
ونفضت عني النوم أقبلت مشية ال حباب وركني خيفة القوم أزور قال: صدقت، إنه أساء قسمة البيت، وأراد أن يلطف التوصل، فجاء مقبلًا بركنٍ كركنه أزور؛ فأعجبني ذلك منه، وما زلت مقدمًا لهذا المعنى رجلًا، ومؤخرًا عنه أخرى، حتى مررت بشيخٍ يعلم بنيًا له صناعة
[ ١ / ٢٨٦ ]
الشعر وهو يقول له: إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك فأحسن تراكيبه وأرق حاشيته، فاضرب عنه جملة، وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك، وتقوى منتك، فتذكرت قول الشاعر وقد كنت أنسيته:
لما تسامى النجم في أفقه ولاحت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفيف كما ينساب من مكمنه الأرقم فعلمت أنه صدق، وابن أبي ربيعة لو ركب غير عروضه لخلص، فقلت أنا في ذلك:
ولما تملأ من سكره فنام ونامت عيون العسس
دنوت إليه على بعده دنو رفيق درى ما التمس
أدب إليه دبيب الكرى وأسمو إليه سمو النفس
وبت به ليلتي ناعمًا إلى أن تبسم ثغر الغلس
أقبل منه بياض الطلا وأرشف منه سواد اللعس فقمت وقبلت على رأسه، وقلت: لله در أبيك!
[ ١ / ٢٨٧ ]
قال ابن بسام: وذكر بعض الرواة إن هذين البيتين، [نعني البيتين المتقدمين على شعر أبي عامر]، غنى بهما في مجلس الواثق مخارق، فطرب واستملح معناهما، وقال الواثق:
قالت إذا الليل دجا فأتنا فجئتها حين دجا الليل
خفي وطء الرجل من حارسٍ ولو درى حل بي الويل وأنشد بعضهم لأبي دهبل الجمحي:
قالت: إذا ما جئتنا فأتنا ليلًا إذا ما هجع السامر
واسقط علينا كسقوط الندى ليلة لا ناه ولا زاجر قال أبو عامر: فقال لي فاتك بن الصقعب: فهل جاذبت أنت أحدًا من الفحول - قلت نعم، قول أبي الطيب:
أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه وأترك الغيث في غمدي وأنتجع قال لي: بماذا - قلت بقولي:
[ ١ / ٢٨٨ ]
ومن قبةٍ لا يدرك الطرف رأسها تزل بها ريح الصبا فتحدر
إذا زاحمت منها المخارم صوبت هويًا على بعد المدى وهي تجأر
تكلفتها والليل قد جاش بحره وقد جعلت أمواجه تتكسر
ومن تحت حضني أبيض ذو سفاسق وفي المف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعًا مقيلان من جد الفتى حين يعثر
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى وذا غصن في الكف يجنى فيثمر فقال: والله لئن كان الغيث أبلغ، فلقد زدت زيادةً مليحة طريفة، واخترعت معاني لطيفة. هل غير هذا - فقلت: وقوله أيضًا:
وأظمأ فلا أبدي إلى الماء حاجةً وللشمس فوق اليعملات لعاب قال: بماذا - قلت: بقولي:
ولم أنس بالناووس أيامنا الألى بها أيننا محبوبها وحبابها
وفتية ضربٍ من زناتة ممطر بوبل المنايا طعنها وضرابها
وقفنا على جمر من الموت وقفةً صلي لظاه داب قومي ودابها
إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا جرى جشعًا فوق الجياد لعابها فصاح صيحةً منكرةً من صياح الجن كاد ينخب لها فؤادي فزعًا والله منه.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكان بنجوة منا جني كأنه هضبة لركانته وتقضبه، يحدق في دونهم، يرميني بسهمين نافذين، وأنا ألوذ بطرفي عنه، وأستعيذ بالله منه، لأنه ملأ عيني ونفسي. فقال لي لما انتهيت، وقد استخفه الحسد: على من أخذت الزمير - قلت: وإنما أنا نفاخ عندك منذ اليوم - قال: أجل! أعطنا كلامًا يرعى تلاع الفصاحة، ويستحم بماء العذوبة والبراعة، شديد الأسر جيد النظام، وضعه على أي معنى شئت. قلت: كأي كلام - قال: ككلام أبي الطيب:
نزلنا على الأكوار نمشي كرامةً لمن بان عنه أن نلم به ركبا
نذم السحاب الغر في فعلها به ونعرض عنها كلما طلعت عتبا وكقوله:
أرأيت أكبر همة من ناقتي حملت يدًا سرحًا وخفًا مجمرا
تركت دخان الرمث في أوطانها طلبًا لقوم يوقدون العنبرا
وترفعت ركباتها عن مبرك تقعان فيه، وليس مسكًا أذفرا
فأتتك دامية الأظل كأنما حذيت قوائمها العقيق الأحمرا وكقوله:
[ ١ / ٢٩٠ ]
على كل طاوٍ تحت طاو كأنما من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها تحتهم زي الفوارس فوقها فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلًا بالنفوس على القنا ولكن صدم الشر بالشر أحزم فآدني والله بما قرع به سمعي، وقلت له: أي ماء لو كان من جمامك، واستهلت به عيون غمامك! ثم استقدمت فأنشدته:
ولرب ليل للهموم تهدلت أستاره فمحا الصوى بستوره
كالبحر يضرب وجهه في وجهه صعب على العبار وجه عبوره
طاولته من عزمتي بمضبرٍ أثبت همي في قرارة كوره
وعلي للصبر الجميل مفاضة تلقى الردى فتكل دون صبوره
وبراحتي من فكرتي ذو ذكرةٍ عهدت تذكرني لطبع ذكيره
فردًا إذا بعثت دياجي جنحه هولًا علي خبطت في ديجوره
حتى بدا عبد العزيز لناظري أملي فمزقت الدجى عن نوره [وأنشدته:
الله في أرض غذيت هواءها وعصابةٍ لم تتهم إشفاقها
نكزتهم أفعى الخطوب وعوجلوا بمثمل منها فكن درياقها
[ ١ / ٢٩١ ]
وافتح مغالقها بعزمة فيصل لو حاولت سوق الثريا ساقها
ولو أنها منه إذا ما استلها تتعرض الجوزاء حل نطاقها] وأنشدته:
لا تبكين من الليالي أنها حرمتك نغبة شارب من مشرب
فأقل ما لك عندها سيف الردى يستل من شعر القذال الأشيب
ورحيل عيشك كل رحلة ساعةٍ وفناء طيبك في الزمان الأطيب وأنشدته:
ولم أر مثلي ما له من معاصر ولا كمضائي ما له من مضافر
ولو كان لي في الجو كسر أؤمه ركبت إليه ظهر فتخاء كاسر
وهمت بإجهاش علي وقد رأت مصابي في آثار إحدى الكبائر
فقلت لها: إن تجزعي من مخاطرٍ فإنك لن تحظي بغير المخاطر
[تشهت ثمار الوفر مني وإنها لدى كل مبيض العنانيز وافر
[ ١ / ٢٩٢ ]
له في بياض اليوم يقظة فاجر وتحت سواد الليل هجعة كافر]
رويدك حتى تنظري عم تنجلي غيابة هذا العارض المتناثر
ودون اعتزامي هضبة كسروية من الحزم سلمانية في المكاسر
إذا نحن أسندنا إليها تبلجت مواردنا عن نيرات المصادر
وأنت ابن حزم منعش من عثارها إذا ما شرقنا بالجدود العواثر
[وما جر أذيال الغنى نحو بيته كأروع معرورٍ ظهور الجرائر]
إذا ما تبغى نضرة العيش كرها لدى مشرعٍ للموت لمحة ناظر
فسل من التأويل فيها مهندًا أخو شافعيات كريم العناصر
[لمعتزلي الرأي ناءٍ عن الهدى بعيد المرامي مستميت البصائر]
يطالب بالهندي في كل فتكةٍ ظهور المذاكي عن ظهور المنابر وأنشدته:
وقالت النفس لما أن خلوت بها أشكو إليها الهوى خلوًا من النعم:
حتام أنت على الضراء مضطجع معرس في ديار الظلم والظلم -
[وفي السرى لك، لو أزمعت مرتحلًا برء من الشوق أو برء من العدم]
ثم استمرت بفضل القول تنهضني فقلت: إني لأستحبي بني الحكم
[ ١ / ٢٩٣ ]
المحلفين رداء الشمس مجدهم والمنعلين القريا أخمص القدم
ألممت بالحب حتى لو دنا أجلي لما وجدت لطعم الموت من ألم
وذادني كرمي عمن ولهت به ويلي من الحب أو ويلي من الكرم
تخونتني رجال طالما شكرت عهدي وأثنت بما راعيت من ذمم
لئن وردت سهيلًا غب ثالثةٍ لتقرعن علي السن من ندم
هناك لا تبتغي غير السناء يدي ولا تخف إلى غير العلا قدمي
حتى تراني في أدنى مواكبهم على النعامة شلالًا من النعم
ريان من زفرات الخيل أوردها أمواه نيطة أرعى لحق العلا من سالف الأمم ففتح علي عينين كالماويتين ثم قال لي: من القائل -
طلع البدر علينا فحسبناه لبيبا
والتقينا فرأينا هـ بعيدًا وقريبًا قلت: أبي، قال: فمن القائل -
[فيا من إذا رام معنى كلامي رأى نفسه نصب تلك المعاني]
شكوت إليك صروف الزمان فلم تعد أن كنت عون الزمان
[ ١ / ٢٩٤ ]
وتقصر عن همتي قدرتي فيا ليتني لسوى من نمائي
ولا غرو للحر عند المضيق أن يتمنى وضيع الأماني قلت: أخي، قال: فمن القائل -
صدود وإن كان الحبيب مساعفًا وبعد وإن كان المزار قريبًا
وما فتئت تلك الديار حبائبًا لنا قبل أن نلقى بهن حبيبا
ولو أسعفتنا بالمودة في الهوى لأدنين إلفًا أو شغلن رقيبا
وما كان يجفو ممرضي، غير أنه عدته العوادي أن يكون طبيبا قلت: عمي، قال: فمن القائل -
أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا إليك ولا قلب إليك مشوق
ولكننا زرنا بفضل حلومنا حمارًا تلقى برنا بعقوق قلت: جدي، قال: فمن القائل -
ويلي على أحور تياه أحسن ما يلهو به اللاهي
أقبل في غيد حكين الظبا بيض تراق حمر أفواه
يأمر فيهن وينهى ولا يعصينه من آمرٍ ناهي
[ ١ / ٢٩٥ ]
حتى إذا أمكنني أمره تركته من خيفة الله قلت: جد أبي، قال: فمن القائل -
ويح الكتابة من شيخ هبنقةٍ يلقى العيون برأس مخه رار
ومنتن الريح إن ناحيته أبدًا كأنما مات في خيشومه فار قلت: أنا، قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضت لك أبدًا، إني أراك عريقًا في الكلام، ثم قل واضمحل، حتى إن الخنفساء لتدوسه، فلا يشغل رجليها. فعجبت منه، وقلت لزهير: من هذا الجني - فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجل فبدرت من قفاه، هذا فرعون بن الجون. فقلت: أعوذ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرجيم! فتبسم زهير وقال لي: هو تابعة رجل كبير منكم، ففهمتها عنه.
وله فصل في مثل ذلك: قال أبو عامر: ومشيت يومًا أنا وزهير بأرض الجن أيضًا نتقرى الفوائد، ونعتمد أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارة غناء، تفتر عن بركة ماء، وفيها عانة من حمر
[ ١ / ٢٩٦ ]
الجن وبغالهم، قد أصابتها أولق فهي تصطك بالحوافر، وتنفخ من المناخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها ونهاقها، فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه، فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بدأتني بالتفدية، وحيتني بالتكنية، فقلت: ما الخطب، حمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك - قالت: شعران لحمارٍ وبغل من عشاقنا أختلفنا فيهما، وقد رضيناك حكمًا. قلت: حتى أسمع. فتقدمت إليّ بغلة شهباء، عليها جلها وبرقعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة وسخف الحركة، فقالت: أحد الشعرين لبغل من بغالنا وهو:
على كل صبٍ من هواه دليل سقام على حر الجوى ونحول
وما زال هذا الحب داءً مبرحًا إذا ما اعترى بغلًا فليس يزول
بنفسي التي أما ملاحظ طرفها فسحر، وأما خدها فأسيل
تعبت بما حملت من ثقل حبها وإني لبغل للثقال حمول
وما نلت منها نائلًا غير أنني إذا هي بالت بلت حيث تبول والشعر الآخر لدكين الحمار:
دهيت بهذا الحب منذ هويث وراثت إراداتي فلست أريث
كلفت بإلفي منذ عشرين حجةً يجول هواها في الحشا ويعيث
[وما لي من برح الصبابة مخلص ولا لي من فيض السقام مغيث]
[ ١ / ٢٩٧ ]
وغير منها قلبها لي نميمة نماها أحم الخصيتين خبيث
وما نلت منها نائلًا غير أنني إذا هي راثت رثت حيث تروث فضحك زهير، وتماسكت وقلت للمنشدة: ما هو يث - قالت: هو هويت، بلغة الحمير، فقلت: والله إن للروث رائحة كريهةً، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك، وأشارت إلى العانة أن دكينًا مغلوب، ثم انصرفت قانعةً راضية.
وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر - قلت: لو كانت ثم علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلة أبي عيسى، والخال على خدها، فتباكينا طويلًا، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقت الأيام منك - قلت: ما ترين، قالت: شب عمرو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي! - أهم على العهد - قلت: شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الخلان، ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة، فتنفست الصعداء وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود، بحرمة الأدب، إلا ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما تأمرين وأكثر.
وكانت في البركة بقربنا إوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ذر عليها الكافور، أو لبست غلالةً من دمقس الحرير، لم أر أخف من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صبًا، تثني سالفتها
[ ١ / ٢٩٨ ]
وتكسر حدقتها، وتلولب قمحدوتها، فترى الحسن مستعارًا منها، والشكل مأخوذًا عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتم بالهوى، ورضيتم من حاكمكم بغير الرضى؛ فقلت لزهير: ما شأنها - قال: هي تابعة شيخٍ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتكنى أم خفيف، وهي ذات حظ من الأدب، فاستعد لها، فقلت: أيتها الإوزة الجميلة، العريضة الطويلة، أيحسن بجمال حدقتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر أسك، مقابلة الضيف بمثل هذا الكلام، ولقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال - وأنا الذي همت بالإوز صبابةً، واحتملت في الكلف بها عض كل مقالة، وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا، واستهلك عليها الظرفاء منا، ورضيت بدلًا من العصافير، ومكلمات الزرازير، ونسيت لذة الحمام، ونقار الديوك، ونطاح الكباش. فدخلها العجب من كلامي، ثم ترفعت وقد اعترتها خفة شديدة في مائها، فمرة سابحة، ومرة طائرة، تنغمس هنا وتخرج هناك، [قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذناباها، وهي تطرب تطريب السرور]؛ وهذا الفعل معروف من الإوز عند الفرح والمرح، ثم سكنت وأقامت عنقها، وعرضت صدرها، وعملت بمجدافيها، واستقبلتنا جائية كصدر المركب، فقالت: أيها الغار المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تحكم الأصول - ما الذي تحسن - قلت: ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح
[ ١ / ٢٩٩ ]
والنصبة، قالت: ليس هذا أسألك، قلت: ولا بغير هذا أجاوبك، قالت: حكم الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام، ومادة البيان. قلت: لا جواب عندي غير ما سمعت، قالت: أقسم أن هذا منك غير داخلٍ في باب الجدل، قلت: وبالجدل تطلبيننا [وقد عقدنا سلمه، وكفينا حربه] وإن ما رميتك به منه لأنفذ سهامه، وأحد حرابه [وهو من تعاليم الله ﷿ عندنا في الجدل في محكم تنزيله، قالت: أقسم أن الله ما علمك الجدل في كتابه، قلت: محمول عنك أن خفيف، لا يلزم الإوز حفظ أدب القرآن، قال الله ﷿ في محكم كتابه حاكيًا عن نبيه إبراهيم ﵇: ﴿ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت﴾ (البقرة: ٥٥٨) . فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال، ولكن النبي ﷺ لما لاحت له الواضحة القاطعة رماه بها وأضرب عن الكلام الأول، قال ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؛ فبهت الذي كفر﴾ وأنا لا أحسن غير ارتجال شعر، واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة. فاهتزت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمت بالطيران، ثم اعتراها ما يعتري الإوز من الألفة وحسن الرجعة، فقدمت عنقها ورأسها إلينا تمشي نحونا رويدًا، وتنطق نطقًا متداركًا خفيًا، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذللت، على أني أحب الإوز وأستظرف حركاتها وما يعرض من سخافاتها] .
ثم تكلمت بها مبسبسًا، ولها مؤنسًا، حتى خالطتنا وقد عقدنا
[ ١ / ٣٠٠ ]
سلمها وكفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء. وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدب أم العقل - قالت: بل العقل، قلت: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزة، ودعيني من مثلهم في الحبارى - قلت: لا، قلت: فتطلبي عقل التجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه وبؤت منه بحظ، فحينئذ ناظري في الأدب، فانصرفت وانصرفنا.
قال أبو عامر: وكنت يومًا بحمام لي مع أصحابنا فأتى رسول الحاجب أبي عامر يرغب إخلاءه لبنيان عرض في حمامه منعه من دخوله، وكنت لم أصحبه، فخرجنا له عنه، ورغبوا أن أكتب إليه في ذلك فقلت:
شكرت للدهر حسن ما صنعا طائر مجد بجنتي وقعا
نفرت لما أيقنت جيئته وطارت النفس عندها قطعا
يا حسن حمامنا وقد غربت شمس الضحى فيه بعد ما متعا
أيقن أن الهلال زاكنه فضاء للحاضرين واتسعا
فانعم أبا عامر بنعمته واعجب لأمرين فيه قد جمعا
نيرانه من زنادكم قدحت وماؤه من بنانكم نبعا قال أبو الحسن: وننشد هنا بعض مقطعات تتعلق بذكر الحمام
[ ١ / ٣٠١ ]
قال المنفتل:
انظر إلى حمامنا قد حكى حالين من حال الأحباء
حرارة الأنفاس يوم النوى وحرة الأنفاس في الماء
فماؤه من أدمعي سائل وناره من حر أحشائي وقال في صفة حمامٍ كانت مضاويه من زجاج أحمر، وفي سمائه حمرة وبياض:
تحيرت من طيب حمامنا بخيل لي أن فيه الفلق
فمن حمرة فوقنا وابيضاض كخد الحبيب إذا ما عرق
رأى الدهر ما شذ من حسنه فسد كوى سقفه بالشفق ومما يتعلق أيضًا بصفته قول الآخر، ولكنه خلطه بالنسيب، وأشار فيه إلى معنى غريب، فقال:
ولم أدخل الحمام يوم رحيلهم طلاب نعيم قد رضيت ببوسي
ولكن لتجري دمعتي مطمئنةً فأبكي ولا يدري بذاك جليسي ودخل الحمام يومًا من أهل عصرنا الأديبان: أبو جعفر ابن هريرة التطيلي، وأبو بكر ابن بقي، فقال أبو جعفر:
يا حسن حمامنا وبهجته مرأى من السحر كله حسن
ماء ونار حواهما كنف كالقلب فيه السرور والحزن ثم أعجبه هذا المعنى أيضًا فقال فيه:
[ ١ / ٣٠٢ ]
ليس على لهونا مزيد ولا لحمامنا ضريب
ماء ويه لهيب نارٍ كالشمس في ديمة تصوب
وابيض من تحته رخام كالثلج حين ابتدا يذوب وقال أبو بكر:
حمامنا فيه فصل القيظ محتدم وفيه للبرد سر غير ذي ضرر
ضدان ينعم جسم المرء بينهما كالغصن ينعم بين الشمس والمطر وقال أبو جعفر التطيلي، وقد نظر فيه إلى غلام وسيم:
هل استمالك جسم ابن الأمير وقد سالت عليه من الحمام أنداء -
كالغصن باشر حر النار من كثبٍ فظل يقطر من أعطافه الماء - وفي أبي عامر ابن المظفر الذي ذكر يقول أبو عامر بن شهيد من جملة قصيدةٍ بقول فيها:
جمعت بطاعة حبك الأضداد وتألف الأفصاح والأعياد
كتب القضاء بأن جدك صاعد والصبح رق والظلام مداد ونقلت من خط أبي مروان ابن حيان قال: سلف لأبي عامر بن المظفر
[ ١ / ٣٠٣ ]
هذا بقرطبة عيشة راضية في سرور وحبور وقتًا، إلى أن ساءت الأيام بطامة ففارقها بغصة، وكان من محاسنه أنسه بالأدب، وغلبة أهله على خاصته، ولم يكن في مغدىً ولا مراح، فتجملت آثاره بهم، وسارت أقوالهم فيه، وكان من ألهجهم بذكره أبو عامر بن شهيد، له معه أخبار مأثورة مشهور. شاهدتهم ليلةً في مجلسه [و] طفيلةً صغيرةً عجيبة الخلق كانت تسقيهم [تسمى] أسماء عجبوا من مكابدتها السهر معهم، على صغر سنها، وحسن قيامها بخدمتهم، فسأله ابن المظفر وصفها فقال:
أفدي أسيماء من نديمٍ ملازمٍ للكؤوس راتب
قد عجبوا في السهاد منها وهي لعمري من العجائب
قالوا: تجافى الرقاد عنها فقلت لا ترقد الكواكب قال أبو عامر وابن حيان: واستوحش أبو عامر ابن المظفر هذا من هاشم المعتد ووزيره حكم بن سعيد القزاز، وكانوا قد رموه بذنب سليمان بن هشام الناصري، فلما خاف دبر الفرار، وخرج في لمةٍ من ثقات أصحابه وأعوانه، وحمل معه عيون ذخائره وخاصة حرمه، وقطع أرضًا بعيدة، ولم يعلم المعتد بخبره، إلى أن جاء خبر اجتيازه قرطبة راجعًا على عقبه من شاطبة، لم يتفق له فيها ما أراد، فكر إلى ابن عبد الله بقرمونة مستجيرًا به في ظنه، فأحلف ابن عبد
[ ١ / ٣٠٤ ]
الله ظنه، وخاطب قائده بحصر المرور وبإزعاجه عن قطره، ولا يجتاز على شيء من عمله، فضاقت به الأرض يومئذ، فألقى نفسه على أبي حمامه حرزة اليصدراني، فأجاره وبوأه منزلًا في حصنه على نهر قرطبة، أقام به كمد وغصة، والحمام يغازله إلى أن مات عنده.
وحدثني أبو عبد الله ابن هريرة الكاتب قال: قصد أبو عامر ابن المظفر في خروجه من شاطبة إلى مواليه العامريين بعد مراسلة متقدمة، لما وصل ردوه خجلا خائبًا، فرغب أن تخرج إليه أخته بنت المظفر الأيم المقيمة - كانت - عندهم وقتهم، فأسعفوه بذلك وخرجت إليه، فخلا بها وأودعها جوهرًا نفيسًا كان احتمله، وولى ناكصًا، والعبدى تطرده عن ناحيتها، وأسلموه غرضًا للحتوف، فمات عند حرزة اليصدراني كما وصفناه. وعلم ابن عمه عبد العزيز بمكان ذلك الجوهر، فلما هلك اختدعها ووعدها أن ينكحها، وكانت ضعيفة الرأي، فأسلمته إليه وغدر بها ولم ينكحها، فصارت بقية دهرها تجفوه وتشتمه.
ولما استقر أبو عامر عند حرزة، وأيس المعتد من انصرافه، قبض ما خلفه بداره ونقله إلى القصر، فطلب أسبابه، وتتبع ودائعه وعقاره، فانفتح على أهل قرطبة في هذا الباب بذلك الوقت بلاء عظيم، أجلى بعضهم عن الأوطان، بسبب تلك الودائع العامرية؛ انتهى كلام ابن حيان.
@جملة من شعره في أوصاف شتى
حدث عن نفسه قال: لما قدم زهير الصقلبي فتى بني عامر حضرة
[ ١ / ٣٠٥ ]
قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر ابن عباس وزيره عن لمة من أصحابنا منهم ابن برد، وأبو بكر المرواني، وابن الحناط، والطبني، فسألهم عني، وقال: وجهوا عنه، فوافاني رسوله مع دابة له بسرجٍ محلى ثقيل، فسرت إليه ودخلت المجلس، وأبو جعفر غائب، فتحرك المجلس لدخولي وقاموا جميعًا إليّ، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحبًا لذيل لم ير أحد سحبه قبله، وهو يترنم، فسلمت عليه سلام من يعرف حق الرجال، فرد ردًا لطيفًا، فعلمت أن في أنفه نعرةً لا تخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، فرأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه فسألتهم عن ذلك، فقال لي الحناطي، وكان كثير الإنحاء علي، جالبًا في المحافل ما يسوء الأولياء إليّ: إن الوزير حضره قسيم من شعره، وهو يسألنا إجازته. فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشده، وهو:
مرض الجفون ولثغة في المنطق فقلت لمن حضر: لا تجهدوا أنفسكم فلستم المراد؛ فأخذت القلم وكتبت بديهةً:
مرض الجفون ولثغة في المنطق سيان جرا عشق من لم يعشق
من لي بألثغ لا يزال حديثه يذكي على الأكباد جمرة محرق
يبني فينبو في الكلام لسانه فكأنه من خمر عينيه سقي
[ ١ / ٣٠٦ ]
لا ينعش الألفاظ من عشراتها ولو إنها كتبت له في مهرق ثم قمت عنهم فلم ألبث أن وردوا علي، وأخبروا أن أبا جعفر لم يرض ما جئنا به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الكلام على حتاره، وذكروا أن إدريس هجاه فأفحش، فلم أستحسن الإفحاش، فقلت فيه معرضًا إذ التعريض من محاسن القول:
أبو جعفر رجل كاتب مليح شبا الخط حلو الخطابه
تملأ شحمًا ولحمًا وما يليق تملؤه بالكتابه
وذو عرق ليس ماء الحياء ولكنه رشح فضل الجنابه
جرى الماء في سفله جري لينٍ فأخذت في العلو منه صلابه [قال ابن بسام: وليت شعري ما التصريح عند أبي عامر إذا سمى هذا تعريضًا - ولولا أن الحديث شجون، والتتابع فيه جنون، والكلام إذا لان قياده، سهل اطراده، وإذا قرب بعضه من بعض، لم يفرق فيه بين سماء وأرض، لما استجزت أن أشين كتابي بهذا الكلام البارد معرضه، البعيد من السداد غرضه، وقد يطغى القلم، وتجمح الكلم.
وقوله:
جرى الماء في سفله جري لين يشبه قول الآخر، وضمن بيت النابغة:
[ ١ / ٣٠٧ ]
يا سائلي عن خالد، عهدي به رطب العجان وكفه كالجلمد
" كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعياله وأسفله ندي " وقوله:
وذو عرق ليس ماء الحياء ألم به ابن زيدون فقال من جملة أبيات:
مخضت في أسته الأيور حليبًا فعلى عينه من الزبد نقطه وتأنق في هذا المعنى أبو الحسين ابن الجد فقال:
وأزرق والأمور لها اشتباه وتؤتى العين من قبل العجان
ومما شك أسفله العوالي بدا في عينه زرق السنان] قال ابن بسام: قول أبي عامر في صفة الألثغ مما أحسن فيه، لا سيما على البديه. ومن أحسن ما سمعت في صفته قول الرمادي:
لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا الهجر يجمعنا فنحن سواء
فإذا خلوت كتبتها في راحتي فبكيت منتحبًا أنا والراء
[ ١ / ٣٠٨ ]
وأخذ لفظ الرمادي هذا أبو القاسم ابن العريف فقال:
أيها الألثغ الذي شف قلبي جد ينطق ولو نطقت بسب
هجرك الراء مثل هجري سواء فكلانا معذب دون ذنب
فإذا شئت أن أرى لي مثيلًا في هواني خططت راء بجنبي على أن أبا الطيب قد قال فأحسن:
قشير وبلعجلان فيها خفية كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق ويشبه قول أبي الطيب قول بعض أهل عصرنا، وهو أبو الوليد ابن حزم الإشبيلي، يصف سكران:
ويروم قول أبي الوليد وربما كتمت مكانه لامه الواوان وقال أبو عامر يتغزل:
مر بي في فلك من ربرب قمر مبتسم عن شنب
زينوا أعلاه بالدر كما ثقلوا أسفله بالكثب
[ ١ / ٣٠٩ ]
فازدهتني أريحيات الصبا واستخفتني دواعي طربي
فتعرضت لتسليم له فإذا التياه لا يعبأ بي
قال: هذا العبد من دلله ما الذي أمنه من غضبي -
يا ظبا لحظي خذي لي رأسه فهو لا شك من أهل الريب
فانبرت ألحاظه تطلبني وأنا قدامها في الهرب
لو تراني وأنا ألطفه وأداريه مداراة الصبي
خلته جبار قوم مردوا وأنا في لطف الوعظ نبي قال أبو عامر: ومن الواجب على الناقد أن يبحث عن الكلام، ويفتش عن شرف المعاني، وينظر مواقع البيان، ويحترس من حلاوة خدع اللفظ، ويدع تزويق التركيب، ويراطل بين أنحاء البديع، ويمثل أشخاص الصناعة، فقد ترى الشعر فضي البشرة، وهو رصاصي المكسر، ذا ثوب معضد أو مهلهل، وهو مشتمل على بهق أو برص، مبنيًا بلبن التماثيل، وصفوان التهاويل، وهو لا يجن صاحبه عن النسيم فضلًا عن الحرجف، ولا يقيه رقيق ريق الندى فضلًا عن شؤبوب الكنهور، وقد ملحته ملاحة الأسماء، واتقد فيه الهوى، واضطرمت في جانبه نيران الجوى، ولمع فيه البرق، واستن فيه الودق، وسفحت عليه الدموع، وبان فيه الخشوع، وهو
[ ١ / ٣١٠ ]
﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا﴾ (النور: ٣٩) لا يستحق صاحبه غير أن يكون تلعابةً، أو صاحب براعة. وإنما يستحق اسم الصناعة بتقحم بحور البيان، وتعمد كرائم المعاني والكلام، وأن ينطق بالفصل، ويركب أثباج الجد، ويطلب النادرة والسائرة، وينظم من الحكمة ما يبقى بعد موته، ويذكر بعد فوته، ويتصرف تصرف الملح، ويتلون تلون أبي براقش. ونحن نرجو أنا ذهبنا بقولنا هذا مذهبًا كريمًا من الكلام:
ولما رأيت الليل عسكر قره وهبت له ريحان تلتطمان
وعمم صلع الهضب من قطر ثلجه يدان من الصنبر تبتدران
رفعت لساري الليل نارين فارتأى شعاعين تحت النجم يلتقيان
فأقبل مقرور الحشا لم تكن له بدفع صروف النائبات يدان
فقلت: إلى ذات الدخان، فقال لي وهل عرفت نار بغير دخان -
فملت به أجتره نحو جمرةٍ لها بارق للضيف غير يمان
إذا ما حسا ألقمته كل فلذةٍ لفرخة طير أو لسخلة ضان
فما زال في أكل وشرب مدارك إلى أن تشهى الترك شهوة واني
فألحفته فامتد فوق مهاده وخداه بالصهباء تتقدان
وما انفك معشوق الثواء نمده ببشر وترحيب وبسط لسان
تغنيه أطيار القيان إذا انتشى بصنجٍ وكيشار وعود كران
[ ١ / ٣١١ ]
ويسمو دخان المندل الرطب فوقه كما احتملت ريح متون عثان
إلى أن تشهى البين من ذات نفسه وحن إلى الأهلين حنة حاني
فأتبعته ما سد خلة حاله وأتبعني ذكرًا بكل مكان قوله: " وعمم صلع الهضب " البيت، كقول بعض أهل عصرنا يصف الثلج أيضًا:
وأترع الوهد من ازباد لجته بالبرس ينبت بين القوس والوتر
فالأرض ملساء لا أمت ولا عوج كنقطة من سراب القاع لم تمر وقوله: " فأتبعته ما سد خلة حاله " البيت، كقول حبيب:
فراح في ثنائي ورحت في ثيابه وأخذه بعض أهل عصرنا فقال:
وخذ حمدي بجودك، ذا بهذا كلانا اليوم أربح صيرفي
لأصبح من نوالك في رياش وتصبح من مقالي في حلي قال أبو عامر: ولما أنشد المعتلي بالله يحيى بن علي بن حمود قول ابن قاضي ميلة يصفف مركبًا للروم أوقع به المسلمون وغرقوه وذكر قتل العلج:
[ ١ / ٣١٢ ]
إذا طفا أبصر الصمصام يرقبه أو غاص في الماء من خوف الردى شرقا
وأي عيشٍ لموقوف على تلفٍ يراقب الميتتين: السيف والغرقا وكانت إثر ذلك وقعة للمعتلي بالله على السودان بإشبيلية، فأمر أبا عبد الله ابن الحناط بصفة ذلك إذ الوقعتان متشابهتان، ففعل؛ وبلغني أنا ذلك، فكتبت إلى المعتلي بشعر طويل في المعنى أوله:
غناك سعدك في ظل الظبا وسقى " فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقا " ومنها في صفة الوقعة:
سقيًا لأسد تساقى الموت أنفسها وتلبس الصبر في يوم الوغى حلقا
قامت بنصرك لما قام مرتجلًا خطيب جودك فيها ينثر الورقا
سريت تقدم جيش النصر متخذًا سبل المجرة في إثر العلا طرقا
في ظل ليلٍ من الماذي معتكر يجلو إلى الخيل منه وجهك الفلقا
وصفح قرن غداة الروع يكتبه من الظبا قلم لا يعرف المشقا
أجريت للزنج فوق النهر نهر دمٍ حتى استحال سماء جللت شفقا
وساعد الفلك الأعلى بقتلهم حتى غدا الفلك بالناجي به غرقا
من كل أسود لم يدلف على ثلج بأن جدك يجلو صفحه يققا
كأن هامته والرمح يحملها غراب بينٍ على بان النقا نعقا
[ ١ / ٣١٣ ]
ومنها:
إذا ولى ثغر ثغرته أو عاذ مسلوب القوى غرقا
وأي نهر يرجي العبر عابره وسفنه طافيات غودرت فلقا قوله: " حتى استحال سماءً " البيت، إلى قول المعري أراه أشار.
وعلى الأفق من دماء الشهيدي ن علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا ن وفي أولياته شفقان وقوله: " كأن هامته والرمح " البيت، أخذ معناه ابن الحداد فقال من قصيدة في مدائح ابن صمادح، يصف غلبته على وادي آش سنة خمس وخمسين:
بلاد غدت يأجوج فيها فأفسدت فكنت كذي القرنين والجحفل السد
وما زال شرقي المرية عاطلًا إلى أن علاها من رؤوسهم عقد
وقد عوضوا من بائنات جسومهم بمصمتةً لا عظم فيها ولا جلد
كأنهم فيها غرابيب وقع على باسقات لا تروح ولا تغدو ومن مشهور هذا المعنى قول الآخر:
[ ١ / ٣١٤ ]
وعاد لكنه رأس بلا جسد يسري ولكن على ساق بلا قدم
وإذا تراءى على الخطي أسفر في حال العبوس لنا عن ثغر مبتسم ولم أسمع في صفة الرأس المصلوب على الرمح أحسن من قول أبي فراس يخبر عن سيف الدولة وقد أنقذ أبا وائل التغلبي من الأسر، وقتل آسره:
وأنقذ من ثقل الحديد ومسه أبا وائل والدهر أجدع صاغر
وآب ورأس القرمطي أمامه له جسد من أكعب الرمح ضامر وكان هذا المقتول الذي أوقع به سيف الدولة قد ظهر على أطراف الشام والتفت عليه القبائل، وكان يعرف بالمبرقع، فحارب أبا وائل تغلب بن داود وهو خليفة سيف الدولة على حمص، فهزمه وأسره وألزمه شراء نفسه بعدد من الخيل والمال، فخرج سيف الدولة من حلب وأسرى حتى لحق في اليوم الثالث بنواحي دمشق، فأوقع بالمبرقع، وفي ذلك يقول المتنبي:
ولو كنت في أسر غير الهوى ضمنت ضمان أبي وائل
فدى نفسه بضمان النضار وأعطى صدور القنا الذابل
[ ١ / ٣١٥ ]
ومناهم الخيل مجنوبةً فجئن بكل فتىً باسل
كأن خلاص أبي وائلٍ معادوة القمر الآفل
دعا فسمعت وكم صامت على البعد عندك كالقائل قال ابن بسام: وإذ قد أجرى أبو عامر ذكر يحيى بن حمود، فلنشر إليه، ونتلو قصيدة أبي عامر بفصل نجعله منبهًا عليه، إذ قد مر ذكره فيها، ونسقت له قوافيها. وأنا أشرح في هذا الموضع مقتله خاصةً، إذ كان خاتمة آثاره، ومميزًا من سائر أخباره. وسيمر في أخباره عمه القاسم كيف نجم ملكه، وعلى يدي من نظم سلكه.
@ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن حمود الذي ذكر
قال ابن حيان: حكى لي أبو الفتح البرزالي قال: لما كان عيد الأضحى سنة ست وعشرين وأربعمائة، وانغمس يحيى بن حمود في شربه ولهوه، سرت مع لمة من بني عمي إلى اللحاق بإشبيلية، للاجتماع بابن عمنا محمد بن عبد الله والقاضي ابن عباد، فوصلنا وأنبأناهما من خبر ابن حمود يحيى ولهوه ما رأيا أن يوجها إليه بجيشٍ لقتاله. فخرج إسماعيل بن عباد مع ابن عمنا محمد بن عبد الله في المحرم من سنة سبع وعشرين بعدها، وهما في بيعة هشام بن الحكم تلك الأيام، فجئنا إلى باب قرمونة بالجيش كي نغيظ يحيى فيخرج
[ ١ / ٣١٦ ]
أو يخرج أحد من قبله، وقد قدمنا سريةً كمن الجيش ناحية أخرى، وقد كنا وجهنا فوارس ليلًا للسامرة بسور قرمونة، فطار الخبر إلى يحيى وهو تلك الليلة على شراب وقد أخذ منه، فنعر نعرةً ووثب قائمًا يقول: وابياض بختي الليلة، وابن عباد ليلًا على باب قرمونة، وأصحابه يتلاحقون، فالتأمت عدته في نحو ثلثمائة فارس أكثرهم دغل السريرة، فمضى على وجهه مغترًا يضرب إبطي أهجن خيله، معنقًا إلى حينه.
قال أبو الفتح: وأقول إنه على ذلك عند انتهائه، لو ضرب مصافًا يقيم فيه ويقدم رجاله للحرب طائفة يمدهم بطائفة، وتقف خيلهم ردءًا لهم ما فارق الصواب. لكن الحين غطى على بصره فألقى نفسه علينا في أوائل خيله، ولما تستبن الأشباح ظلمةً. فانتشب الحرب معنا غلس ذلك اليوم ووالى علينا الشدات الصعاب بنفسه، فعلمنا أنه لا ينجينا إلا الصدق، فاستقبلناه بوجوهنا ثم رددنا عليه الكرة، وطاولنا بالقوة، فحمل علينا حملة ثالثةً مع أصيحاب له، وكنا في سند ضروس كؤود، منيع الصعود إلينا، نؤود منه وننال من أصحابه، فإذا رددنا عليهم استعنا بفضل الانحدار من علٍ، فنخطفهم خطف الأجادل، فصدقنا هذه الحملة، فساقنا حتى رمانا على إسماعيل بن عباد ومن معي من الأندلسيين، فثاروا في وجهه، فتواقف الفريقان ساعةً، وظهر كمين
[ ١ / ٣١٧ ]
ابن عباد وجاد صبره، وحرض غلمانه العجم، فشدت الجماعة على يحيى شدة منكة، وحدروا من ذلك التل الذي تسنموه فانكسروا، وصرع في ذلك قوم وتمادى الطلب وراءهم بعد مواقفة عظيمة، فصرع يحيى وحز رأسه، وطير به إلى ابن عباد بإشبيلية فخر ساجدًا وسجد من حضر لسجوده، وانطبق البلد فرحًا، واستمرت الهزيمة على أصحاب يحيى، حتى ساء ذل محمد بن عبد الله، وبدت عصبيته لقومه، وكلم ابن عباد في رفع السيف عنهم فأطاعه في ذلك، وتم لابن عبد الله ما أراد من حقن دماء قومه، إذ لم يأت الذي أتاه إلا عن ضرورة، ولم يتلعثم أن أسرع الركض إلى قرمونة دون إسماعيل بن عباد، فجاءها لوقته وقد ملك سودان يحيى أبوابها على أهلها، فدنا إلى مكان عورتها من سورها الجوفي وقد عرفه، ففتح له ودخل من ساعته دار يحيى وحاز جميع ما ألفاه من مال ومتاع، واشتمل على نسائه وأباح حرمه لبنيه، واستحل حرامهن، واستوى في مجلسه، ونصر نصرًا لا كفاء له، ورد الله عليه ملكه، ثم لم يجده على ذلك شاكرًا للنعمة، ولا مقصرًا عن ارتكاب المعصية. وسقط الخبر بمقتل يحيى على أهل قرطبة فما صدقوه من الفرح.
قال أبو عامر: ومما يلزم المدعي لصناعة الكلام إذا اعتمد وصف حالة أن يسوفي جميعها، ويكون ما يطلبه من الإبداع والاختراع فيها غير خارجٍ عنها وما هو بسبيلها، فذلك أبهى لكلامه، وأفخم للمتكلم به
[ ١ / ٣١٨ ]
وأدل على أن الكلام له ومن تأليفه، لا كما شهدته يومًا عند ابن حمود وقد قد صدر عن ابن الشرب، ومدحه عدة شعراء صدور أشعارهم لزينب والرباب ولميس وفرتنى، وأعجازها للجود والكرم وبذل اللهى، ولم يلمم أحد منهم بذلك الغرض والمغزى إلا في بيتين أو ثلاثة، فأنشدته أنا يومئذ من جملة قصيدة أولها:
فريق العدا من حد عزمك يفرق وبالدهر مما خاف بطشك أولق
عجبت لمن يعتد دونك جنةً وسهمك سعد والقضاء مفوق
ومن يبتني بيتًا ليقطع دونه ممر رياح النصر وهو الخورنق
وما شرب ابن الشرب قبلك خمرةً من الذل بالعجز الصريح تصفق
توهم فيه الرعن حصنًا فزرته بأرعن فيه مرعد الموت مبرق
وحولك أسياف من السعد تنتضى وفوقك أعلام من النصر تخفق
بأبيض مسود الدلاص كأنه شهاب عليه من دجى الليل يلمق
وأسود مبيض القباء كأنما يطير به نحو الكريهة عقعق
وخيل تمشى للوغى ببطونها إذا جعلت بالمرتقى الصعب تزلق وهذا البيت مما لم يحسن أبو عامر سرقته، ولا بلغ به طبقته، وهو من قول أبي الطيب:
إذا زلقت مشيتها ببطونها كما تتمشى في الصعيد الأراقم
[ ١ / ٣١٩ ]
وله من أخرى في سليمان المستعين:
بكى اسفًا للبين يوم التفرق وقد هون التوديع بعض الذي لقي
وما للذي ولى به البين حسرة بكيت، ولكن حسرةً للذي بقي
وقد شاقني الورق السواجع بالضحى ومن يستمع داعي الصبابة يشتق
على فنن من أيكة قد تعلقت بحبل النوى من قلبي المتعلق
فصدقتها في البين من غير عبرةٍ وكم من كثير الدمع غير مصدق
لعل نسيم الريح تأتي به الصبا بنشر الخزامى والكباء المعبق
كأن عليها نفحةً عبشميةً أتت من جناب المستعين الموفق ومنها:
فنلت الذي قد نلت إذ ليس للعلا سواك كأن الدهر للناس منتقي قوله: " وما للذي ولى به البين حسرةً " البيت، يلمح قول محمد بن هانئ:
لا تسلني عن الليالي المواضي وأجرني من الليالي البواقي وأوضح منه قول الآخر:
[ ١ / ٣٢٠ ]
ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت مبت الأحياء وقوله: " كأن الدهر للناس منتقي " لفظ بيت أبي الطيب:
ولما رأيت الناس دون محله تيقنت أن الدهر للناس ناقد ولأبي عامر قصيدة يقول فيها، وقد أزمع على الخروج من قرطبة إلى مالقة لاحقًا بيحيى بن علي:
أرى أعينًا ترنو إليّ كأنما تساور منها جانبي أراقم
أدور فلا أعتام غير محاربٍ وأسعى فلا ألقى أمرءًا لي يسالم
ويجلب لي فهمي ضروبًا من الأذى وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم
وأوجع مظلوم لقلب وذي حجىً فتى عربي تزدريه أعاجم
غنيتم على ما تزعمون عن الورى لقد سفهت تلك الحلوم الزواعم
وهل يقدم البازي على الطير في الضحى إذا زال عن ريش الجناح القوادم
سلام عليكم لا تحية شاكرٍ ولكن شجىً تنسد منه الحلاقم
وما قرعت سني عليكم ندامةً وأوشك غدًا أن يقرع السن نادم
عليكم بداري فاهدموها دعائمًا ففي الأرض بناءون لي ودعائم
لئن أخرجتني عنكم شر عصبةٍ ففي الأرض إخوان علي أكارم
وإن هضمت حقي أمية عندها فهاتا على ظهر المحجة هاشم
ولا غرو من تلك القلانس جاليًا إذا عرفت حقي هناك العمائم
[ ١ / ٣٢١ ]
قال أبو الحسن: وقد تقدم القول من تحيل حذاق الصناعة في أخذ المعاني أن تترك القافية والوزن، وكذلك يجب أن يقصد إلى التطويل إذا قصر المتقدم؛ ألا ترى قول أبي عامر حين سمع الرمادي يقول:
ولم أر أحلى من تبسم أعين غداة النوى عن لؤلؤ كان كامنا فقال أبو عامر في هذه القصيدة:
ولما فشا بالدمع من سر وجدنا إلى كاشحينا ما القلوب كواتم
أمرنا بإمساك الدموع جفوننا ليشجى بما تطوي عذول ولائم
[فظلت دموع العين حيرى كأنها خلال مآقينا لآل توائم]
أبى دمعنا يجري مخافة شامت فنظمه بين المحاجر ناظم
وراق الهوى منا عيون كريمة تبسمن حتى ما تروق المباسم فقام بهذا التركيب ما نسيت له حيلة التطويل.
وبيت الرمادي من قول ابن عبد ربه:
وكأنما غاص الأسى بجفونها حتى أتاك بلؤلؤ منثور فاحتال الرمادي حتى أتى باللؤلؤ وعوض من الغائص التبسم، ووقعت له استعارة التبسم للعين موقعًا لطيفًا، وإنما هو للثغور، بسبب توسط اللؤلؤ الذي هو للعيون والثغور، فنسخ المعنى نسخًا، وقلبه قلبًا.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وتشبيه الدموع باللؤلؤ أكثر من أن يحصى، ومن أحسنه قول القائل:
ولما وقفنا للوداع ودمعها ودمعي يثيران الصبابة والوجدا
بكت لؤلؤًا رطبًا وفاضت مدامعي عقيقًا فصار الكل ف نحرها عقدا ومن أحسن ما جاء من توقع أهل النمائم، والاحتيال لكتمان الدموع السواجم، لا سيما وقد أزف الفراق، وعصت بما فيها من الدمع الآماق، قول بعض العرب:
ومما شجاني. أنها يوم ودعت تولت ودمع العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ إليّ التفاتًا أسلمته المحاجر وقال آخر:
ولما أبت عيناي أن تحسبا البكا وأن تمنعا در الدموع السواكب
تثاءبت كي ابغي لدمعي علةً ولكن قليلًا ما بقاء التثاؤب
أعرضتماني للهوى ونممتما علي، لبئس الصاحبان لصاحب وأنشد ثعلب:
ومستنجد بالحزن دمعًا كأنه على الخد مما ليس يرقأ حائر
ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه لما انهل من عينيه في الماء ناظر
نظرت كأني من وراء زجاجة إلى الدار من ماء الصبابة أنظر>
فعيناي طورًا تغرقان من البكا فأعشى وطورًا تحسران فأبصر
[ ١ / ٣٢٣ ]
ناقص
[ ١ / ٣٢٤ ]
ناقص
[ ١ / ٣٢٥ ]
فرأى سوابق عبرةٍ مسفوحةٍ عمرو فقال: بكى أبو الخطاب! وقال العباس بن الأحنف، ورجع إلى الطريق:
لكن ذهبت لأرتدي فطرفت عيني بالرداء وقال ابن فتوح من أهل عصرنا:
وقد تعلق بالأشفار منحدرًا تعلق القطر بالأغصان والورق وقال أبو جعفر ابن هريرة التطيلي:
يكفكف من تلك الدموع وربما جلاها الرداء وامترتها الأصابع وحدث أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر بن عثمان المصحفي قال: دخلت يومًا على أبي عامر، وقد ابتدأت علته التي مات منها فتأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض إخواني علي، ونفاره عني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين، فخرجت عنه، واتفق لقائي بذلك المتجني مع بعض إخواني، وأعزهم علي، فلما رآني موليًا عن ذلك الصديق أنكر علي، وسأله عن السبب الموجب، فأخبره وزادا في مشيهما حتى لحقا بي وعزما علي في مكالمة صاحبي، وتعاتبنا عتابًا أرق من الهوى، وأشهى على الظما، حتى جئنا دار أبي عامر، لمما رآني ضحك وقال: من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده - فقلنا: قد كان ما كان، فأطرق قليلًا ثم أنشد:
[ ١ / ٣٢٦ ]
من لا أسمي ولا أبوح به أصلح بيني وبين من أهوى
أرسلت من كابد الهوى فدرى كيف يداوي مواضع البلوى
ولي حقوق في الحب ظاهرة لكن إلفي يعدها دعوى
يا رب إن الرسول أحسن بي يا رب فاحفظني من الأسوا قال ابن المصحفي: ودخلت عليه يومًا في تلك العلة ومعي غلام وسيم من إخواننا، وكان أبو عامر قبل ذلك يجب ممازحته فينافره، حتى خاطب أبو عامرٍ بعض إخوانه بشعر مسه فيه بطرف لسانه، فقال له ذلك الغلام: فجوتني يا أبا عامر دون أن تستثبت في أمري، وأن تعلم من سري ما يوجب ذلك، فقال: علي تكفيره بما يمحوه من القراطيس والصدور، وكان ذلك إثر صلاة العشاء الأولى، فطفنا بالجامع ثم انصرفنا إليه وأنشدنا:
ألا بأبي زائري في العتم بوجه يجلي سواد الظلم
تكتم بالليل في ظله وهل يمكن الصبح أن يكتتم -
أتى يستجير أليفًا له كما جاور البان رطب العنم
وقد رق ما ورد تلك الخدود بما سال من مسك تلك اللمم
وكان يحمحم تحت العذار كحمحمة الخيل تحت اللجم
فقلت: من الزائري والدجى يسد العيون بثوب أحم
فقال أبو جعفر: لائم بما جئت من كذب ينتظم
[ ١ / ٣٢٧ ]
فأيقنت أن أبا خالد سرى وخيال حبيبي ألم
فأبصرت وجهًا حكاه الهلال وثغرًا حكى الدر لما ابتسم
وإلا فعفو يقيل العثار فذو العرش يرحم من قد رحم
فقال: بل العفو يا سيدي وقبلني من بعيد وضم
فبت على برد طيب الرضى أسر بليلي وإن لم أنم
وقلت: ابن زيدون، لا كنت لي بخال ولا كنت لي بابن عم
خبيث سعى بيننا بالنميم وقطع خلتنا بالجلم @فصل في ذكر آخر أيام أبي عامر ووفاته، ﵀
قال: ولما طال بأبي عامر ألمه، وتزايد سقمه، وغلب عليه الفالج الذي عرض له في مستهل ذيب القعدة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة، لم يعدمه حركةً ولا تقلبًا، وكان يمشي إلى حاجته على عصا مرةً، واعتمادًا على إنسان مرة، إلى قبل وفاته بعشرين يومًا، فإنه صار حجرًا لا يبرح ولا يتقلب، ولا يحتمل أن يحرك لعظيم الأوجاع، مع شدة ضغط الأنفاس وعدم الصبر، حتى هم بقتل نفسه، وفي ذلك يقول من قصيدة:
أنوح على نفسي وأندب نبلها إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها
رضيت قضاء الله في كل حالةٍ علي وأحكامًا تيقنت عدلها
[ ١ / ٣٢٨ ]
أظل قعيد الدار تجنبني العصا على ضعف ساق أوهن السقم رجلها
وأنعى خسيسات ابن آدم عاملًا براحة طفل أحكم الضر نصلها
ألا رب خصمٍ قد كفيت، وكربة كشفت، ودار كنت في المحل وبلها
ورب قريض كالجريض بعثته إلى خطبة لا ينكر الجمع فصلها
فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم أخو فتكةٍ شنعاء ما كان شكلها
عليكم سلام من فتى عضه الردى ولم ينس عينًا أثبتت فيه نبلها
يبين وكف الموت تخلع نفسه وداخلها حب يهون ثكلها ونقلت من خط الفقه أبي محمد علي بن حزم الشافعي قال: كتب إليّ أبو عامر ابن شهيد في علته التي اعتلها بهذه الأبيات:
ولما رأيت العيش ولى برأسه وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي
تمنيت أني ساكن في غيابةٍ بأعلى مهب الريح في رأس شاهق
أذر سقيط الحب في فضل عيشةٍ وحيدًا وحسي الماء ثني المفالق
خليلي من ذاق المنية مرةً فقد ذقتها خمسين قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفز قديمًا من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي يدًا في ملماتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارق وحسبك زادًا من حبيب مفارق
فلا تنس تأبيني إذا ما فقدتني وتذكار أيامي وفضل خلائقي
فلي في إدكاري بعد موتي راحة فلا تمنعونيها علالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدمت ذنوبي به مما درى من حقائقي
[ ١ / ٣٢٩ ]
ومن جواب ابن حزم له:
أبا عامر ناديت خلًا مصافيًا يفديك من دهم الخطوب الطوارق
وألفيت قلبًا مخلصًا لك ممحضا بودك موصول العرى والعلائق
شدائد يجلوها الإله بلطفه فلا تأس إن الدهر جم المضايق
ورب أسير في يد الدهر مطلق ومنطلق والدهر أسوق سائق
سفينة نوح لم تضق بحلولها وضاق بهم رحب الفلا المتضايق
فإن تنج قلت الحمد لله مخلصًا فمن أعظم النعمى بقاء المصادق وسمع في تلك العلة نعي الوزير الكاتب أبي جعفر ابن اللمائي، فقال في قصيدته هذه:
أمن جنابهم النفح الجنوبي أسري فصاك به في الغور غاري -
أهدي إليّ ظلامًا ردع نافجة أدماء شق بها الدأماء هندي
والليل قد قام في أثواب نادبةٍ كأنه فوق ظهر الأرض نوبي
والنجم تحسبه قدام تابعه حمامةً رامها في الجو بازي
وجدول الأفق يجري في منافسه ماء سقى زهرة الخضراء فضي
فقلت والسقم منشور على جسدي يحدو الردى ورداء العيش مطوي:
أهدى اللمائي من أزهار فكرته نشرًا فقال الدجى: مر اللمائي
فقيل مات فقال الليل قارب ذا فانهل من مقلتي نوء سماكي
وبت فردًا أناجي مقلتي شغفًا كأنني في نقوب الدار جني
[ ١ / ٣٣٠ ]
لا عشت إن مت لي يا واحدي أبدًا وموتنا واحد لا شك مرئي
إن الكريم إذا ما مات صاحبه أودى به الوجد والثكل الطبيعي
إن مت قبلك لا تعجب فذو أمل قد حم من دونه يومًا حمامي
أومت قبلي فما منعاك لي عجب إن الكريم إلى الأصحاب منعي
زاد البلاء على نفسي فأعدمها صبري فصبري عليك اليوم وحشي
حتى أهم بقتلي كل داجيةٍ يا قوم هل رام هذا قبل إنسي -
إني إلى الله من عقبى بليت بها جرى بها الحكم والأمر الإلهي وقال أيضًا في علته تلك:
اقر السلام على الأصحاب أجمعهم وخص عمراص بأزكى نور تسليم
وقل له: يا أعز الناس كلهم شخصًا علي وأولاهم بتكريم
الله جارك من ذي منعة ظفرت منه الليالي بعلق غير مذموم
ما كان حبك إلا صوب غاديةٍ طيبًا وحاشا لحبي فيك من لوم
إن شاء صرف الردى تقديم أطوعنا فقد رضيت - حماك الله - تقديمي
وإن أحب الثرى جسمًا ليأكله أسمح بجسمي له يفديك تعظيمي
عشنا [أليفين] في بر الهوى زمنًا حتى زقا بنوانا طائر الشئوم
فشتت نوب الأيام ألفتنا قسرًا ولم يغنها ظني وتنجيمي وكتب أيضًا إلى جماعةٍ من إخوانه في علته يومئذ:
هذا كتابي وكف الموت تزعجني عن الحياة وفي قلبي لكم ذكر
[ ١ / ٣٣١ ]
إن أقضكم حقكم من قلة عمري إني إلى الله لا حق ولا عمر
لهفي على نيرات ما صدعت بها إلا وأظلم من أضوائها القمر
فاقر السلام على المنصور أفضل من سعى لثأر بني الإسلام فانتصروا
واعطف بها عطفة تهتز من كرم على المظفر فهو الفلج والظفر وقال أيضًا في علته تلك:
تأملت ما أفنيت من طول مدتي فلم أره إلا كلمحة ناظر
وحصلت ما أدركت من طول لذتي فلم ألفه إلا كصفقة خاسر
وما أنا إلا رهن ما قدمت يدي إذا غادروني بين أهل المقابر
سقى الله فتيانًا كأن وجوههم وجوه مصابيح النجوم الزواهر
إذا ذكروني والثرى فوق أعظمي بكوا بعيون كالسحاب المواطر
يقولون: قد أودى أبو عامر العلا أقلوا فقدمًا مات آباء عامر
هو الموت لم يصرف بإجراس خاطبٍ بليغ ولم يعطف بأنفاس شاعر
ولم يجتنب للبطش مهجة قادر قوي ولا للضعف مهجة صافر
يحل عرى الجبار في دار ملكه ويهفو بنفس الشارب المتساكر
وليس عجيبًا أن تدانت منيتي يصدق فيها أولي أمر آخري
وليس عجيبًا أن بين جوانحي هوى كشرار الجمرة المتطاير
يحركني والموت يحفز مهجتي ويهتاجني والنفس عند حناجري وبلغني أن آخر شعر قاله يودع إخوانه هذه الأبيات:
[ ١ / ٣٣٢ ]
أستودع الله إخواني وعشرتهم وكل خرق إلى العلياء سباق
وفتيةً كنجوم القذف نيرهم يهدي، وصائبهم يودي بإحراق
وكوكبًا لي منهم كان مغربه قلبي، ومشرقه ما بين أطواقي
الله يعلم أني ما أفارقه إلا وفي الصدر مني حر مشتاق
كنا أليفين خان الدهر ألفتنا وأي حر على صرف الردى باقي
فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا وإن أمت فسيسقيه كذا الساقي
لا ضيع الله إلا من يضيعه ومن تخلق فيه غير أخلاقي
قد كان بردي إذا ما مسني كلف لا يثلم الحب آدابي وأعراقي
حتى رمتنا صروف الدهر عن كثب ففرقتنا، وهل من صرفه واقي -
إني لأرمقه والموت يضغطني فأقتضي فرجةً مرتد أرماقي ثم أوصى أن يدفن بجنب صديقه أبي الوليد الزجالي، ويكتب على قبره في لوح رخام هذا النثر والنظم:
بسم الله الرحمن الرحيم " قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون "، هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. مات في شهر كذا من عام كذا، ويكتب تحت هذا النثر هذا النظم:
[ ١ / ٣٣٣ ]
يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجود -
فقال لي: لن نقوم منها ما دام من فوقنا الصعيد
تذكر كم ليلة لهونا في ظلها والزمان عيد -
وكم سرور همى علينا سحابة ثرةً تجود -
كل كأن لم يكن تقضى وشؤمه حاضر عتيد
حصله كاتب حفيظ وضمه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكبتنا رحمة من بطشه شديد
يا رب عفوًا فأنت مولى قصر في أمرك العبيد ينظر قوله: " لن نقوم منها " البيت، إلى قول ابن المعتز يصف أهل القبور:
وسكان دار لا تزاور بينهم على قرب بعض في المحلة من بعض
كأن خواتيمًا من الطين فوقهم فليس لها حتى القيامة من فض وما أرى أبا عامر إلا نقله من قول المعري في رثاء أمه حيث يقول:
سألت متى اللقاء - فقيل حتى يقوم الهامدون من الرجام قالوا: وكان أبو عامر كثيرًا ما كان يخشى صعوبة الموت، وشدة السوق، فيسر الله عليه، وما زال يتكلم ويرغب إلى الله أن يرفق به، ويكثر من ذكره، وقد أيقن بفراق الدنيا، إلى أن ذهبت نفسه ﵀
[ ١ / ٣٣٤ ]
يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة. لم يشهد على قبر أحد ما شهد على قبره من البكاء والعويل، وأنشد على قبره من المراثي جملة موفورة لطوائف كثيرة، منها قول أبي الأصبغ القرشي من قصيدة يقول فيها:
شهدنا غريبات المكارم والعلا تبكي على قبر الشهيدي أحمدا
وما زال أهل الدين والفضل والتقى عكوفًا به حتى حسبناه مسجدا
أريد بسقيا الغيث إحياء حفرة كدرنا بها نجم العلا المتوقدا
ولم أر مثلي بات مستسقي الحيا لماء حياء كان يشفي من الصدى
فاي جمال صار في قبضة الثرى وأي بهاء قد طوته يد الردى
وأي قناة في طلى الأرض غيبت وأي حسام في حشا القبر أغمدا
بنفسي الذي أودى وأنشأ للندى حمامًا على دوح العلاء مغردا
أبا عامر، بعدًا لسهم مصيبة رماك به ريب المنون فأقصدا
لقد فت في نشر الفضائل يافعًا وبرزت في جمع المكارم أمردا
لشقت عليك المكرمات جيوبها وأظهر فيك المجد خدًا مخددا ومنه قول أبي حفص ابن برد الأصغر من قصيدة أولها:
بفيك الترب من ناع نعاني نعى غيري إليّ وما عداني
وكيف ولم يسل طرفي بدمعٍ عليه، ولم يجن له جناني
لأية خصلة تبكيك عيني ومالي بالحساب لها يدان
أللهمم المنوطة بالثريا أم الشيم المهذبة الحسان
[ ١ / ٣٣٥ ]
أم الكرم الذي ما زال يجري مع الأنواء في طلق الرهان
أم القلم الذي قد كان يجني من القرطاس نوار البيان
أم الرأي الذي ما زال يغني عن السيف المهند والسنان
شهدت لقد أصيب بنو شهيدٍ بقاطعة السواعد والبنان
به درجوا من الدنيا فبانوا وكل ما خلا الرحمن فإني @فصل في ذكر ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد
@ابن زيدون، واجتلاب عيون من أخباره،
@وفصوص من رسائله واشعاره
قال أبو الحسن: كان أبو الوليد صاحب منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء مخزوم، أحد من جر الأيام جرًا، وفات الأنام طرًا، وصرف السلطان نفعًا وضرًا، ووسع البيان نظمًا ونثرًا؛ إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، وللنجوم الزهر اقترانه. وحظٍ من النثر غريب المباني، شعري الألفاظ والمعاني.
حدثني غير واحد من وزراء إشبيلية قال: لما خلص ابن عبد البر
[ ١ / ٣٣٦ ]
من يد عباد، خلوص الفرزدق من يد زياد، بقيت حضرته من أهل هذا الشان، أعرى من ظهر الأفعوان، وأخلى من صدر الجبان. فهم يومًا باستخلاف أبي عمر الباجي المشهور أمره، الآتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ذكره، فكأن أبا الوليد غص بذلك، وواطأ أبا محمد ابن الجد على الإشارة بالاستغناء عما هنالك، فكانت الكتب تنفذ من إنشاء أبي الوليد إلى شرق الأندلس، فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منها بالمنثور.
قرأت في كتاب أبي مروان ابن حيان، وقد أجرى ذكر من اصطنع ابن جهور من رجال دولته فقال: ونوه أيضًا بفتى الآداب وعمدة الظرف، والشاعر البديع الوصف والرصف، أبي الوليد أحمد بن زيدون ذي الأبوة النبيهة بقرطبة، والوسامة والدراية وحلاوة المنظوم والسلاطة وقوة العارضة والافتتان في المعرفة. وقدمه إلى النظر على أهل الذمة لبعض الأمور المعترضة، وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء، فأحسن التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك.
قال أبو مروان: وكان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام
[ ١ / ٣٣٧ ]
الجماعة والفتنة، وفرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به العجب كل مذهب، وهون عنده كل مطلب. وكان علقه من عبد الله بن أحمد بن المكوي أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن فألقى نفسه يومئذ على أبي الوليد ابن جمهور في حياة والده أبي الحزم، فتشفع له وانتشله من نكبته، وصيره في صنائعه. ولما ولي الأمر بعد والده نوه به وأسنى خطته، وقدمه في الذين اصطنعهم لدولته، وأوسع رابته، وجلله كرامةً لم تقنعه، زعموا. واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن علي الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك، واقترب من إدريس، وخف على نفسه، وأحضره مجالس أنسه. فعتب عليه ابن جهور، [وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى جميل رأيه فيه]، وصرفه في السفارة بينه وبين رؤساء الأندلس فيما يجري بينهم من التراسل والمداخلة؛ فاستقل بذلك لفضل ما أوتيه من اللسن والعارضة
[ ١ / ٣٣٨ ]
فاكتسب الجاه والرفعة، ولم يبعد في ذلك من التهافت في الترقي لبعد الهمة، فهوى عما قليل إلى عبادٍ صاحب إشبيلية، اجتذبه إلى ذلك فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه وصحابته، يجالسه في خلواته، ويسفر له في معهم رسائله على حال من التوسعة. وكان ذهابه إلى عباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، [فخلا بالحضرة مكانه، وكثر الأسف عليه انتهى كلام ابن حيان] .
قلت: فأما سعة ذرعه، وتدفق طبعه؛ وغزارة بيانه، ورقة حاشية لسانه، فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد، والرمل الذي لا يحصر ولا يعد.
أخبرني من لا أدفع خبره من وزراء إشبيلية قال: لعهدي بأبي الوليد قائمًا على جنازة بعض حرمه، والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم، فما سمع يجيب رجلًا منهم بما أجاب به آخر، لحضور جنانه، وسعة ميدانه.
وقد أخرجت من أشعاره التي هي حجول وغرر، ونوادر أخباره التي هي مآثر وأثر، ورسائله التي أخرست ألسنة الحفل، [واستوفت أمد المنطق الجزل، ما يسر الآداب ويصورها، ويستخف الألباب ويستطيرها]
[ ١ / ٣٣٩ ]
@جملة من نثره، مع ما ينخرط في سلك ذلك من شعره
[له من رقعةٍ خاطب بها ابن جهور من موضع اعتقاله يقول فيها:
يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتدادي به، واعتمادي عليه، أبقاك الله ماضي حد العزم، واري زند الأمل، ثابت عهد النعمة. إن سلبتني - أعزك الله - لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع ثنائي عليك، وأحس الجماد بإسنادي إليك، فلا غرو فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفة - والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلي، والنكبة " سحابة صيفٍ عن قريب تقشع "، وسيدي إن أبطأ معذور.
وإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا فأفعله اللائي سررن ألوف وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو - ولا أخلو من أن أكون برئيًا، فأين العدل - أو مسيئًا فأين الفضل - وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ابتلى به جنود طالوت، وقدت لأبرهة الفيل، وعاهدت قريشًا على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة
[ ١ / ٣٤٠ ]
ونفرت إلى العير ببدر، وانخزلت بثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاتي في بني قريظة، وأنفت من إمارة أسامة، وزعمت أن خلافة الصديق فلتة، " ورويت رمحي من كتيبة خالد "، وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به، لكان فيما جرى عليّ ما يحتمل أن يسمى نكالًا، ويدعى ولو على المجاز عقابًا.
وحسبك من حادثٍ بامرئ ترى حاسديه له راحيمنا فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق - والله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي، وأني غلبني المغلب، وفخر على الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار - ومالك لا تمنع مني قبل أن أفترس، وتدركني ولاما أمزق وقد زانني اسم خدمتك، وأنلت الجميع من سماطك، وقمت المقام المحمود على بساطك -
ألست الموالي فيك نظم قصائدٍ هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
[ ١ / ٣٤١ ]
وهل لبس الصباح إلا بردًا طرزته بمحامدك، وتقلدت الجوزاء إلا عقدًا فصلته بمآثرك، وفيت المسك إلا حديثًاَ أذعته بمفاخرك، وما يوم حليمة بسر، وحاش لله أن أعد من العاملة الناصبة، وأكون كالذبالة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق.
وفي فصل منها:
ولعمري ما جهلت أن الرأي في أن أتحول إذا بلغتني الشمس، ونبا بي المنزل، وأضرب عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال، ولا أستوطئ العجز فيضرب بي المثل: خامري أم عامر. وإني مع المعرفة بأن الجلاء سباء، والنقلة مثلة، لعارف أن الأدب الوطن الذي لا يخشى فراقه، والخليط الذي لا يتوقع زياله، والنسب الذي لا يجفى؛ أينما توجه ورد أعذب منهل، وحط في جناب قبول، وضوحك قبل
[ ١ / ٣٤٢ ]
إنزال رحله، وأعطي حكم الصبي على أهله،
وقيل له أهلًا وسهلًا ومرحبًا فهذا مبيت صالح وصديق غير أن الوطن محبوب، والمنشأ مألوف، واللبيب يحن إلى وطنه، حنين النجيب إلى عطنه، والكريم لا يجفو أرضًا بها قوابله، ولا ينسى بلدًا فيه مراضعه، قال الأول:
أحب بلاد الله ما بين منعجٍ إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها عق الشباب تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها مع مغالاتي بعلو جوارك، ومنافستي، في الحظ من قربك، واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع، والغنى من سواك عناء، والبدل منك أعور، والعوض لفاء:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ضنًا به نظري إلى الأمراء وكل الصيد في جوف الفرا، وفي كل شجر نار واستمجد المرخ
[ ١ / ٣٤٣ ]
والعفار. فما هذه البراءة ممن يتولاك، والميل عمن يميل إليك؛ وهلا كان هواك في من هواه فيك، ورضاك لمن رضاه لك:
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم أعيذك ونفسي أن أشيم خلبا، وأستمطر جهامًا، وأكد غير مكدم، وأشكو " شكوى الجريح إلى العقبان والرخم ". وإنما أبسست بك لتدر، وحركت لك الحوار لتحن، ونبهتك لأنام،، وسريت إليك لأحمد السرى لديك، بعد اليقين أنك إن سنيت عقد أمري تيسر، ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر، وعلمك محبط بأن المعروف ثمرة النعمة، والشفاعة زكاة المروءة، وفضل الجاه - تعود به - صدقة.
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعةً من جاهه فكأنها من ماله
[ ١ / ٣٤٤ ]
لعلي ألقي العصا بذراك، وتستقر بي النوى في ظلك، فتستلذ جنى شكري من غرس عارفتك، وتستطيب عرف ثنائي من روض صنيعتك، فأستأنف التأدب بك، والاحتيال على مذهبك، فلا أوجد للحاسد مجال لحظة، ولا أدع للقادح مساغ لفظة، والله شهيدك من إطلابي بهذه الطلبة، وإشكائي من هذه الشكوى، لصنيعة تصيب بها طريق المصنع، وقد تستودعها أحفظ مستودع، [حسبما أنت خليق له، وأنا منك حري به، فذلك بيدك، وهين عليك] . [ولما توالت غرر هذا النثر، واتسقت درره]، فهز عطف غلوائه، وجر ذيل خيلائه، عارضه النظم مباهيًا، بل كايده مداهيا، حين أشفق من أن يعطفك استعطافه، وتميل بنفسك ألطافه، فاستحسن العائدة منه، واعتد بالفائدة له، وما زال يستكره الذهن العليل، والخاطر الكليل، حتى زف إليك منه عروسًا مجلوة في أثوابها، منصوصة بحليها وملابها، وهاهي:
الهوى في طلوع تلك النجوم والمنى في هبوب ذاك النسيم
سرنا عيشنا الرقيق الحواشي لو يدوم السرور للمستديم ومنها:
[ ١ / ٣٤٥ ]
وطر ما انقضى إلى أن تقضى زمن ما ذمامه بالذميم
زار مستخفيًا وهيهات أن يخ فى سرى البدر في الظلام البهيم
فوشى الحلي إذ مشى وهفا الطي ب إلى حسن كاشح بالنميم
أيها المؤذني بظلم الليالي ليس يومي بواحد. من ظلوم
ما ترى البدر إن تأملت والشم س هما يكسفان دون النجوم
وهو الدهر ليس ينفك ينحو بالمصاب العظيم نحو العظيم
بوأ الله جهورًا شرف السؤ دد في السر واللباب الصميم
واحد سلم الجميع له الفص ل فكان الخصوص فوق العموم
قلد الغمر ذا التجارب فيه واكتفى جاهل بعلم عليم ومنها في ذكر اعتقاله:
سقم لا أعاد منه وفي العا ئد أنس يفي ببرء السقيم
نار بغي سرت إلى جنةالأر ض بياتًا فأصبحت كالصريم
[بأبي أنت إن تشأ تك بردًا وسلامًا كنار إبراهيم]
للشفيع الغناء والحمد في صو الحيا للرياح لا للغيوم وبعد تمام هذه القصيدة: هاكها - أعزك الله - يبسطها الأمل، ويقبضها الخجل، لها ذنب التقصير، وحرمة الإخلاص، فهب ذنبًا لحرمة، واشفع نعمة بنعمة، لتأتي الإحسان من جهاته، وتسلك إلى الفضل طرقاته، إن شاء الله] .
[ ١ / ٣٤٦ ]
وهذا البيت الأخير، إلى معنى بيت البحتري يشير:
حماز حمدي وللرياح اللواتي تجلب الغيث مثل حمد الغيوم وأخذه البحتري من قول أبي تمام:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعةً من جاهه فكأنها من ماله وقوله: " سقم لا أعاد منه " البيت، من قول علي بن الجهم
بيت يجدد للكريم كرامةً ويزار فيه ولا يزور ويحقد وله أيضًا في ابن جهور، وكتب بها [إليه] من السجن:
ما جال بعدك لحظي في سنا القمر إلا ذكرتك ذكر العين بالأثر
ولا استطلت ذكاء الليل من أسف إلا على ليلةٍ سرت مع القصر
في نشوة من سنات الوصل موهمة أن لا مسافة بين الوهن والسحر
يا ليت ذاك السواد الجون متصل قد استعار سواد القلب والبصر
أما الضنى فجنته لحظة عنن كأنها والردى جاء على قدر
فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي إن الحوار لمفهوم من الحور ومنها:
[ ١ / ٣٤٧ ]
من يسأل الناس عن حالي فشاهدها محض العيان الذي يغني عن الخبر
لم تطو برد شبابي كبرة وأرى برق المشيب اعتلى في عارض الشعر
قبل الثلاثين إذ عهد الصبا كثب وللشبيبة غصن غير مهتصر
يا للرزايا لقد شافهت منهلها غمرًا فما أشرب المكروه بالغمر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجب قد يودع الجفن حد الصارم الذكر
وإن يثبط أبا الحزم الرضى قدر عن كشف ضري فلا عتب على القدر
من لم أزل من تأنيه على ثقة ولم أبت من تجنيه على حذر
وزير سلم كفاه يمن طائره شؤم الحروب ورأي محصد المرر
أغنت قريحته مغنى تجاربه ونابت اللمحة العجلى عن الفكر
كم اشترى بكرى عينيه من سهرٍ هدوء عين الهدى في ذلك السهر
في حضرة غاب صرف الدهر خشيته عنها، ونام القطا فيها ولم يثر
حرمت منه وحظ الناس كلهم لهذه العبرة الكبرى من العبر
وكنت أحسبني والنجم في قرن ففيم أصبحت منحطًا إلى العفر
أحين رف على الآفاق من أدبي غرس له من جناه يانع الثمر
وسيلة سبب إلا تكن نسبًا فهو الوداد صفا من غير ما كدر
يا زهرة الزهر حيًا وهو إن فنيت حياته زينة الآثار والسير
لي في اعتمادك في التأميل سابقة وهجرة في الهوى أولى من الهجر
[ ١ / ٣٤٨ ]
هل من سبيل، فماء العتب لي أسن إلى العذوبة من عتباك والخصر
لا تله عني فلم أسألك معتسفًا رد الصبا غب إيفاء على الكبر
فاشفع أكن مثل ممطور ببلدته جذلان بالوطن المألوف والمطر [قوله: قد استعار سواد القلب والبصر " لفظ المعري حيث يقول:
يود أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر] وقوله: " هل الرياح بنجم الأرض عاصفة " البيت، معنى قد طوي ونشر، ومنه قول أبي تمام:
إن الرياح إذ ما أعصفت قصفت عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم
بنات نعشٍ ونعش لا كسوف لها والشمس والبدر منها الدهر في الرقم وأخذه منه البحتري فقال:
ولست ترى شوك القتادة خائفًا سموم الرياح الآخذات من الرند
ولا الكلب محمومًا وإن طال عمره ألا إنما الحمى على الأسد الورد وبيت البحتري الأخير من قول حبيب أيضًا:
فإن تك قد نالتك أطراف وعكة فلا عجب قد يوعك الأسد الورد
[ ١ / ٣٤٩ ]
وأخذه الأمير شمس المعالي، وننشد القطعة بجملتها:
[قل للذي بصروف الدهر عيرنا: هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تطفو فوقه جيف وتستقر بأقصى قعره الدرر]
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد وليس يكسف إلا الشمس والقمر ومعنى بيت شمس المعالي الثاني من متداولات المعاني، منها قول ابن الرومي:
دهر علا قدر الوضيع به وغدا الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه سفلًا وتطفو فوقه جيفه وقد كرره ابن الرومي في مواضع، منها قوله:
قالت علا الناس إلا أنت قلت لها: كذاك يسفل في الميزان ما رجعا وقال المتنبي:
ولو لم يعل إلا ذو محل تعالى الجيش وانحط القتام وقول ابن زيدون: " حضرة غاب صرف الدهر خشيته ".. [البيت
[ ١ / ٣٥٠ ]
مع الذي بعده، لم يخله من برد، ولا أقامه على ساق نقد، وخير منهما ما وصف من خبر التاجر] مع أبي دلف وقد مر به في مكان، فوطئ له طرف طيلسان، فقال له: يا أبا دلف، ليس هذا كرجك، هذه حضرة أمير المؤمنين، الشاة والذئب يشربان فيها من إناء واحد.
ومن اللفظ المليح، الطيار الخفيف الروح، في هذا المعنى قول ابن عمار:
وألف بين الظبي والذئب عدله فلا تجزعي أن زار ربعك ذيب وله أيضًا قصيدة فريدة خاطب بها ابن جهور، وهو تلك الحال من الاعتقال، أولها:
ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي ويطلب ثاري البرق منصلت النصل
وهلا أقامت أنجم الليل مأتمًا لتندب في الآفاق ما ضاع من نبلي
فلو أنصفتني وهي أشكال همتي لألقت بأيدي الذل لما رأت ذلي
ولافترقت سبع الثريا وغاظها بمجمعها ما فرق الدهر من شملي
لعمر الليالي إن يكن طال نزعها لقد قرطست بالنبل في مقتل النبل
[ ١ / ٣٥١ ]
تحلت بآدابي وإن مآربي لسانحة في عرض أمنية عطل
أخص لفهمي بالقلى وكأنما يبيت لذي الفهم الزمان على ذحل
وأجفى على نظمي لكل قلادة مفصلة السمطين بالمنطق الفصل
ولو أنني أسطيع - كي أرضي العدا - شريت ببعض العلم حظًا من الجهل
أمقتولة الأجفان مالك والهًا ألم ترك الأيام نجمًا هوى قبلي -
أقلي بكاء لست أول حرةٍ طوت بالأسى كشحًا على مضض الثكل
وفي أن موسى عبرة إذ رمت به إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
ولله فينا علم غيب وحسبنا به عند جور الدهر من حكم عدل
وإن رجائي في الهمام ابن جهور لمستحكم الأسباب مستحصد الحبل
كريم عريق في الكرام وقلما يرى الفرع إلا مستمدًا من الأصل
يرف على التأميل لآلاء بشره كما رف لآلاء الحسام على الصقل
ويغنى عن المدح اكتفاءً بسروه غنى المقلة الكحلاء عن زينة الكحل
أبا الحزم إني في عتابك مائل على جانب تأوي إليه العلا سهل
حمائم شكري صبحتك هوادلًا تناديك من أفنان آدابي الهدل
جواد إذا استن الجياد إلى مدى تمطر فاستولى على أمد الخصل
ثوى صافنًا في مربط الهون يشتكي بتصهاله ما ناله من أذى الشكل
أأن زعم الواشون ما ليس مزعمًا تعذر في نصري وتعذر في خذلي -
ولم أستثر حرب الفجار ولم أطع مسيلمة إذ قال إني من الرسل
وإني لتنهاني نهاي عن التي أشار بها الواشي ويعقلني عقلي
[ ١ / ٣٥٢ ]
أأنفقض فيك المدح من بعد قوةٍ فلا قتدي إلا بناقضة الغزل -
هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب لقيل الأعادي إنها زلة الحسل
ألا إن ظني بين فعليك واقف وقوف الهوى بين القطيعة والوصل
وإلا جنيت الأنس من وحشة النوى وهول السرى بين المطية والرحل
سيعنى بما ضيعت مني حافظ ويلفى لما أرخصت من خطري مغلي
وأين جواب منك ترضى به العلا إذا سألتني عنك ألسنة الحفل - ومعنى هذا البيت الأخير كقول الآخر:
فاختر لنفسك ما أقول فإنني لابد أخبرهم وإن لم أسال وقوله: " ثوى صافنًا في مربط الهون " كقول المتنبي:
وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ظهور جريٍ فلي فيهن تصهال قال القسطلي:
وذو غرة معروفة السبق في المدى وقد قرح التحجيل من ألم الشكل وقوله: " ويغنى عن المدح اكتفاء بسروه " البيت، معنى متداول وينظر إليه قول القائل:
[ ١ / ٣٥٣ ]
وأعشق كحلاء المدامع خلقةً لئلا ترى في عينها منة الكحل وفي بني جهور يقول:
بني جهورٍ أحرقتم بجفائكم جناني فما بال المدائح تعبق -
تعدوني كالمندل الرطب إنما تطيب لكم أنفاسه حين يحرق وأراه توارد في هذين البيتين مع أبي علي ابن رشيق القيرواني حيث يقول:
أراك اتهمت أخاك الثقه وعندك مقت وعندي مقه
وأثني عليك وقد سؤتني كما طيب العود من أحرقه وأخذاه معًا من قول أبي تمام:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود وأنشدني بعض أهل وقتنا وهو أبو مروان ابن شماخٍ لنفسه:
نوائب غالتني فأبدت فضائلي فكانت وكنت النار والعنبر الوردا ولغيره:
إن مست النار جسمي أبديت طيب نسيم
كالدهر إن عض يومًا أبان فضل الكريم
[ ١ / ٣٥٤ ]
وأبو الوليد ابن زيدون على كثير إحسانه كثير الاهتدام، في النثار والنظام.
وكتب إلى الأديب أبي بكر ابن مسلم وهو مختف بقرطبة بعد فراره من السجن فصلًا من رقعة [يقول فيها]:
أبدأ أولًا بشرح الضرورة الحافزة إلى ما صنعت، إذ بلغني أنك صدر اللائمين لي عليه، ومن أمثالهم: ويل للشجي من الخلي، وهان على الأملس ما لاقى الدبر. وأعاتبك على افنصالك عني، وبراءتك أمد المحنة مني، [عسى أن تتلاقى عودًا ما أضعت بدءًا، وإن كنت في ذلك كدابغة وقد حلم الأديم، ومنفعة الغوث قبل العطب، وفي علمك أني سجنت مغالبةً بالهوى، وهو أخو العمى، وقد نهى عنه تعالى فقال: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ (ص: ٢٦) الآية. وشهد علي فلان الناشر أذنيه طمعًا، ليأكل بيديه جشعًا، قال، وكان القول ما قالت حذام؛ وليت مع قبول من لا تجهل شهادته علي يعذر فيه إليّ، ولم يقرن الحشف بسوء الكيلة. وكنت أول حبسي بموضعٍ جرت العادة فيه وضع مستوري الناس وذوي الهيئات منهم، وفي الشر خيار، وبعضه أهون من بعض. ثم نقلت بعد إلى حيث الجناة المفسدون
[ ١ / ٣٥٥ ]
واللصوص المقيدون، ومنع مني عوادي، فشكوت إلى الحاكم الحابس لي، فصم عني، ولو ذات سوارٍ لطمتني:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مغلب] فلم استطع صبرًا، وعلمت أن العاجز من لا يستبد، والمرء يعجز لا المحالة، ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلين: العير والوتد. وذكرت أن الفرار من الظلم، والهرب ممن لا يطاق، من سنن المسلمين، وقد قال تعالى على لسان موسى: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ (الشعراء: ٢١) فنظرت في مفارقة الوطن، إذ قديمًا ضاع الفاضل في وطنه، وكسد العلق الغبيط في معدنه، كما قال:
أضيع في معشري وكم بلدٍ يعود عود الكباء من حطبه واستخرت الله في إنفاذ العزم، وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن، إلا أن السعي لم يرتفع، ومادة البغي لم تنقطع. وختم رسالته بهذا النظم:
شحطنا وما للدار نأي ولا شحط وشط بمن نهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ولت بحادث عهدنا حوادث لا عهد عليها ولا شرط
[ ١ / ٣٥٦ ]
لعمركم إن الزمان الذي قضى بشت جميع الشمل منا لمشتط
وما شوق مقتول الجوانح بالصدى إلى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما أريد المنى منه القتادة والخرط
وفي الربرب الإنسي أحوى كناسه نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم فريسة من يعدو ونهزة من يسطو -
وأن الجواد الفائت الشأو صافن تخونه شكل وأزرى به ربط -
عليك أبا بكر بكرت بهمة لها الخطر العالي، وإن نالها حط
أبي بعد ما هيل التراب على أبي ورهطي فذًا حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالها علي ولا جحد لدي ولا غمط
ولولاك لم تقدح زناد قريحتي فينتهب الظلماء من نارها سقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت من الروضة الغناء طاولها القحط
ولما انتحوني بالتي لست أهلها ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار إرابة فقد فر موسى حين هم به القبط
وإني لراج أن تعود كبدئها لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
فما لك لا تخصني بشفاعة يلوح على دهري لميسمها علط - كأن أول هذه القصيدة ناظر إلى قول راشد أبي حكيمة حيث يقول:
[ ١ / ٣٥٧ ]
ومستوحش لم يمس في أرض غربة ولكنه ممن يحب غريب [وقال الآخر:
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ولكن من تنأين عنه غريب ويناسبه أيضًا قول المتنبي:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هم وقوله: " هرمت وما للشيب " البيت، ناقص عن قول المتنبي:
إلا يشب فلقد شابت له كبد شيبًا إذا خضبته سلوة نصلا وقوله: " وإن الجواد "، كقول أبي الطيب أيضًا:
وما في طبه أني جواد أضر بجشمه طول الجمام وقد كرر هذا المعنى أبو الطيب في مواضع من شعره، وكلف به وشغف، وصرف الكلام فيه فتصرف، وقد تقدم إنشاده. ومنه أيضًا قول عبد الجليل، المرسى للمعتمد بن عباد:
أتتك على خلائقها جيادي وإن كان الضياع لها شكالا وكتب من سجنه إلى أبي حفص ابن برد:
[ ١ / ٣٥٨ ]
ما على ظني باس جرح الدهر وياسو
ربما أشرف بالمر ء على الآمال ياس
ولقد ينجيك إغفا ل ويرديك احتراس
والمحاضير سهام والمقادير قياس
يا أبا حفص وما سا واك في فهم إياس
من سنا رأيك لي في ظلم الخطب اقتباس
وودادي لك نص لم يخالفه القياس
أذؤب هامت بلحمي فالتهام وانتهاس
كلهم يسأل عن حا لي وللذئب اعتساس
يلبد الورد السبنتى وله بعد افتراس
إن أكن أصبحت محبو سًا فللغيث احتباس
فتأمل كيف يغشى مقلة المجد النعاس
ويفت المسك في التر ب فيوطا ويداس
لا يكن عهدك وردًا إن عهدي لك آس
وأدر ذكري كاسًا ما امتطت كفك كاس
فعسى أن يسمح الده ر فقد طال الشماس قوله: " يلبد الورد السنتى " البيت، كقول النابغة:
وقلت يا قوم إن الليث منقبض على براثنه للوثبة الضاري
[ ١ / ٣٥٩ ]
وأخذه ابن الرومي فقال:
سكنت سكونًا كان رهنًا بوثبةٍ عماس كذاك الليث للوثب يلبد وقوله: " لا يكن عهدك وردًا " من قول العباس بن الأحنف:
لا تجعلي وصلنا كالورد حين مضى ذا طلعة وأديمي الود كالآس وكرره العباس في موضع آخر فقال:
ولكنني شبهت بالورد عهدها وليس يدوم الورد دائم @ما أخرجته من شعر ابن زيدون في النسيب وما يناسبه
قال من قصيدة طويلة:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم رأيًا ولم نتقلد غيره دينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سودًا وكانت بكم بيضًا ليالنا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الوصل دانية قطوفها فجنينا منه ما شينا
[ ١ / ٣٦٠ ]
ليسق عهدكم عهد السرور فما كنتم لأيامنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا أن طالما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيا كان يحيينا
ربيب ملك كأن الله أنشأه مسكًا وقدر إنشاء الورى طينا
إذا تأود آدته رفاهيةً توم العقود وأدمته البرى لينا
كانت له الشمس ظئرًا في أكلته بل ما تجلى لها إلا أحايينا
يا روضة طالما أجنت لواحظنا وردًا جلاه الصبا غضًا ونسرينا
ويا حياةً تملينا بزهرتها منى ضروبًا ولذات أفانيننا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها والكوثر العذب زقومًا وغسلينا
كأنن لم نبت الوصل ثالثنا والسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
إنا قرأنا الأسى عند النوى سورًا مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهله شربًا وإن كان يروينا فيظمينا
لم أنجف أفق جمال أنت كوكبه سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيارًا تجنبناه عن كثب لكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك وقد حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على الوصل - ما دمنا - محافظةً فالحر من دان إنصافًا كما دينا
[ ١ / ٣٦١ ]
فما استعدنا خليلًا عنك يصرفنا ولا استفدنا حبيبًا عنك يسلينا
[ولو صبا نحونا من علو مطلعه بدر الدجى لم يكن - حاشاك - يسبينا]
أبلي وفاءً وإن لم تبذلي صلةً فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
وفي الجواب متاع إن شفعت به بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
[عليك مني سلام الله ما بقيت صبابة بك نخفيها فتخفينا] وهذه القصيدة بجملتها فريدة، وقد عارضه فيها جماعة قصروا عنه، منهم أبو بكر ابن الملح، فإنه نازعه فيها الراية، فقصر عن الغاية، حيث يقول من قصيدة أولها:
هل يسمع الربع شكوانا فيشكينا أو يرجع القول مغناه فيغنينا ثم استمر في غزلها واسحنفر فقال:
يا باخلين علينا أن نودعكم وقد بعدتم عن اللقيا فحيونا
قفوا نزركم وإن كانت فوائدكم نزرًا ومنكم بالوصل ممنونا
سترتم الوصل ضنًا لا فقدتكم فكان بالوهم موجودًا ومظنونا
سرى من المسك عن مسراكم خبر يعيد عهد هواكم نشره فينا
أيام بدركم يحيي ليالينا قربًا وظبيكم يرعى بوادينا
مهلًا فلم نعتقد دين الهوى تبعًا ولا قرأنا صحيف الحسن تلقينا
[ ١ / ٣٦٢ ]
ومنها:
قد انصرف القول يغوينا ويرشدنا ونترك الدار تشجينا وتسلينا
ونتبع الحي والأشواق محرقة نحوم بالماء وارماح تحمينا
كواكب في سماء النقع قد جعلت لنا رجومًا وما كنا شياطينا قول ابن زيدون: " وإن كان يروينا فيظمينا " معنى متداول، ومن أشهره قول ابن الرومي:
ريق إذا ما ازددت من شربه ريًا ثناني الري ظمآنا
كالخمر أروى ما يكون الفتى من شربها أعطش ما كانا وقال ابن الرومي أيضًا فيما يناسبه من بعض الوجوه:
يا رب ريق بات بدر الدجى يعله بين ثناياكا
يروي ولا ينهاك عن شربه والماء يرويك وينهاكا وأشبه به ما أنشده الثعالبي:
كرضاب الحبيب يشفي عليلا ثم ينشي إلى المزيد غليلا وقوله: " سران في خاطر الظلماء " البيت [مما زاد فيه
[ ١ / ٣٦٣ ]
لمليح الاستعارة على قول أبي الطيب:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي] على أن أبا الطيب أجاد فيه ما أراد، وكرره في مواضع من شعره كقوله:
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ تخبر أن المانوية تكذب وإنما أخذه من مصراعٍ لابن المعتز حيث يقول:
فالشمس نمامة والليل قواد وكل من إلى هذا المعنى أشار، فحوالي المثل دار، وهو قولهم: الليل أخفى للويل.
وله من أخرى: في أثر نزهة كانت له بمدينة الزهراء:
غني ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
[ ١ / ٣٦٤ ]
والروض عن مائه الفضي مبتسم كما حللت عن اللبات أطواقا
لا سكن الله قلبًا عن ذكركم فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملي نسيم الريح حين سرى وافاكم بفتىً أضناه ما لاقى
يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى قلبي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا
الآن أحمد ما كنا لعهدكم سلوتم وبقينا نحن عشاقا قوله: " وللنسيم اعتلال في أوصائله " البيت، أراه ألم فيه يقول ابن المعتز:
والريح تجذب أطراف الثياب كما أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان وقلبه الرضي فقال:
وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا على الكثيب فضول الربط واللمم وأحسب الفرزدق أبا عذرته، وواسم غرته، بقوله:
وركبٍ كأن الريح تطلب عندهم لها ترةً من جذبها بالعصائب ومد أطناب المعنى بالبيت الآخر حيث يقول:
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم إلى شعب الأكوار ذات الحقائب وقوله: " سولتم وبقينا نحن عشاقًا " يناسب قول الآخر:
[ ١ / ٣٦٥ ]
أشكو الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا قال ابن بسام: والشيء يذكر بالشيء وإن لم يكن من المنهاج، ولابد مع ذكر المعترضات من المعاج: قرأت في كتاب " أخبار بغداد " لابن طاهر، قال محمد بن عبدوس الفارسي: سرت يومًا إلى ابن الجهم فأنشدني لنفسه في العناق:
ألا رب ليلٍ ضمنا بعد هجعة وأدنى فؤادًا من فؤاد معذب
وبتنا جميعًا لو تراق زجاجة من الراح فيما بيننا لم تسرب فاقتدح زندي لإبراء مثله، فأطرقت وقلت:
لا والمنازل من نجد وليلتنا بفيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى في لطف مسلكه يومًا فما أنفك لا خد ولا عضد
ما أنصفوني دعوني فاستجبت لهم حتى إذا قربوني منهم بعدوا أردت هذا البيت.
وقوله: " لو شاء حملي نسيم الريح " البيت، كقول المجنون وهو أحسن ما قيل في النحافة، على زعم المبرد.
[ ١ / ٣٦٦ ]
إلا إنما غادرت يا أم مالكٍ صدى أينما تذهب به الريح يذهب وقال المتنبي:
كفى بجسمي نحولًا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني وقال الخبز أرزي:
أنحلني الحب فلو زج بي في مقلة النائم لم ينتبه وله من أخرى، وكتب بها من بطليوس أيام تكرره عليها، وهي من غرر نظامه، وحر كلامه:
يا دمع صب إن شئت أن تصوبا ويا فؤادي آن أن تذوبا
إن الرزايا أصبحت ضروبًا لم أر لي في أهلها ضريبا
قد ملأ الشوق الحشا ندوبًا في الغرب أن رحت به غريبا
عليل دهر ضامني تعذيبا أدنى الضنى إذ أبعد الطبيبا
ليت القبول أحدثت هبوبا ريح يروح عهدها قريبا
بالأفق المهدي إلينا طيبًا تعطرت منه الصبا جيوبا
يبرد حر الكبد المشبوبا يا متبعًا إساده التأويبا
مشرقًا قد سئم التغريبا أما سمعت المثل المضروبا:
[ ١ / ٣٦٧ ]
أرسل حليمًا واستشر لبيبا إذا أتيت الوطن الحبيبا
والجانب المستوضح العجيبا والحاضر المنفسح الرحيبا
فحي منه ما أرى الجنوبا مصانع تجاذب القلوبا
حيث ألفت الرشأ الربيبا مخالسًا في وصله الرقيبا
كم بات بدري ليله الغربيبا لما انثنى في سكره قضيبا
يشدو حمام عقده تطريبا هصرته حلو الجنى رطيبا
أرشف منه المبسم الشنيبا حتى إذا ما اعتن لي مريبا
شباب أفق هم أن يشيبا بادرت سعيًا هل رأيت الذيبا -
أهاجري أم موسعي تأنيبا من لم أسغ من بعده مشروبا
ما ضره لو قال: لا تثريبا فلا ملام لحق المغلوبا
قد طال ما تجرم الذنوبا ولم يدع في العذر لي نصيبا
إن قرت العين بأن أؤوبا لم آل أن أسترضي الغضوبا قد ينفع المذنب أن يتوبا قوله: " هل رأيت الذيبا - " أخذه من قول الراجز يصف، لبنًا ممذوقًا:
جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط - وهذا التشبيه عند أهل النقد نوع من أنواع الإشارة، لأنه أشار إلى تشبيه لونه بالماء الذي غلب على اللبن فصار كلون الذئب.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقال من أخرى:
وضح الحق المبين ونفى الشك اليقين
ورأى الواشون ما غر تهم منه الظنون
أملوا ما ليس يمنى ورجوا ما لا يكون
وتمنوا أن يخون ال عهد مولى لا يخون
فإذا الغيب سليم وإذا الود مصون
قل لمن دان بهجري وهواه لي دين:
يا جوادًا بي إني بك والله ضنين
أرخص الحب فؤادي لك والعلق ثمين
يا هلالًا تتراءا هـ نفوس لا عيون
عجبًا للقلب يقسو منك والقد يلين
ما الذي ضرك لو سر بمرآك الحزين -
وتلطفت بصب حينه فيك يحين
فوجوه اللفظ شتى والمعاذير فنون وقال أيضًا:
صحت فصح بها السقيم ريح معطرة النسيم
مقبولة هبت قبو لًا فهي تعبق بالشميم
[ ١ / ٣٦٩ ]
إيهًا أبا عبد الإل هـ نداء مغلوب العزيم
إن عيل صبري من فرا قك فالعذاب به أليم
الله يعلم أن حب ك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمل عنك بي جسم فعن قلب مقيم
قل لي: بأي خلال سر وك قبل أفتن أو أهيم
أبمجدك العمم الذي نسق الحديث مع القديم -
أم بالدائع كاللآ لي من نثير أو نظيم -
إن أشمست منك الطلا قة فالندى عنها مغيم
وبلاغة إن عد أه - لوها فأنت لهم زعيم
إن الذي قسم الحظو ظ حباك بالحظ العظيم قوله: " ولئن تحمل عنك بي جسم " البيت، معنى مشهور أنشدت فيه لبعضهم:
أقول له حين ودعته وكل بعبرته ملبس:
لئن رجعت عنك أجسامنا لقد سافرت معك الأنفس وفي قريب منه، وإنما أنشدته لحسنه، ولكون هذا المعنى فرعًا من غصنه، قول الآخر:
[ ١ / ٣٧٠ ]
حملتك في قلبي فهل أنت عالم بأنك محمول وأنت مقيم -
ألا إن شخصًا في فؤادي محله وأشتاقه شخص علي كريم وقال أيضًا:
يا ليل طل لا أشتهي إلا كعهد قصرك
لو بات عندي قمري ما بت أرعى قمرك وقال أيضًا:
ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناءً وسنًا حفظ الله زمانًا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك وقال:
بيني وبيمك ما لو شئت لم يضع سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعًا حظه مني ولو بذلت لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن وول أقبل وقل أسمع ومر أطع
[ ١ / ٣٧١ ]
أراه احتذى في هذا البيت مذهب أبي العميثل الأعرابي:
فاصدق وعف وفه وأنصف واحتمل واصفح ودار وكاف واحلن واشجع
والطف ولن وتأن واحلم واتئد واحزم وجد وحام واحمل وادفع وكقول ديك الجن:
احل وامرر وضر وانفع ولن واخ شن ورش وابر وانتدب للمعالي وهذا الباب صنعه المولدون وعدوه تقسيمًا وتقطيعًا وتبعهم المتنبي فقال:
أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد زدهش بش تفضل أدن سر صل ثم زاد أبو الطيب في هذا وتباعض حتى قال:
عش ابق اسم سد قد جد مر انه رف اسر نل بيته المعروف، وأحسن لعمري ابن زيدون في هذا التقسيم، ودفع بالحديث في صدر القديم، ولو قرع سمع أبي منصور، بما في تضاعيف هذا التصنيف من الشذور، لما كان عنده ابن وشمكير بمذكور، ولا
[ ١ / ٣٧٢ ]
أغرب بغرائب الصاحب، ولا ببديع البديع.
ومن شعر ابن زيدون في النسيب السائر الغريب، الطيار المليح، الخفيف الروح، قوله:
أما رضاك فشيء ما له ثمن لو كان سامحني في ملكه الزمن
تبكي فراقك عين أنت ناظرها قد لج في هجرها عن هجرك الوسن
إن الزمان الذي عهدي به حسن قد حال مذ غاب عني وجهك الحسن
والله ما ساءني أني خفيت ضنىً بل ساءني أن سري في الهوى العلن
لو كان أمري في كتم الهوى بيدي ما كان يعلم ما في قلبي البدن وهذا البيت الأخير، إلى معنى صريع الغواني يشير:
فقلت: قلبي مكاتم جسدي ولو درى لم يقم به السمن وهذا البيت الرابع منها ناظر إلى قول الآخر:
والله ما جزعي نفسي وإن هلكت وإنما جزعي ما سر حسادي وقال من أخرى:
أنت معنى الضنى وسر الضلوع وسبيل الهوى وقصد الدموع
[ ١ / ٣٧٣ ]
أنت والشمس ضرتان ولكن لك عند الغروب فضل الطلوع
ليس بالمؤيسي تكلفك العت ب دلالًا من الرضى المطبوع
إنما أنت، والحسود معنى كوكب يستقيم بعد الرجوع وقال أيضًا:
غريب بأرض الشرق يشكر للصبا تحملها مني السلام إلى الغرب
وما ضر أنفاس الصبا في احتمالها سلام فتىً يهديه جسم إلى قلب وهذا منقول من قول العباس بن الأحنف حيث يقول:
تالله ما شطت نوى ظاعنٍ سار من العين إلى القلب وقال أيضًا:
سأحب أعدائي لأنك منهم يا من يصح بمقلتيه ويسقم
أصبحت تسخطني وأمنحك الرضى جورًا وتظلمني ولا أتظلم
يا من تألف ليله ونهاره فالحسن بينهما مضي مظلم
قد كان في شكوى الصبابة راحة لو أنني أشكو إلى من يرحم أول مصراع من هذه المقطوعة مقتطع من قول أبي الشيص:
[ ١ / ٣٧٤ ]
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ كان حظي منك حظي منهم وكذلك قوله فيها: " يا من تألف ليله ونهاره " البيت، مقتضب من قول أبي الطيب:
الحزن يقلق والتجلد يردع والدمع بينهما عصبي طيع @ما أخرجته من شعر ابن زيدون في المدائح
@مع ما يتشبث به من سائر الأوصاف
قال من قصيدة:
أما في نسيم الريح عرف معرف لنا هل لذات الوقف بالجزع موقف
فتقضني أوطار المنى من زيارة لنا كلف منها بما نتكلف
ضمان علينا أن تزار ودونها رقاق الظبا والسمهري المثقف
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم وأزهرها من ظلمة الحقد أكلف
يودون لو يثني الوعيد زماعنا وهيهات ريح الشوق من ذاك أ " صف
وفي السيراء الرقم وسط قبابهم بعيد مناط القرط أحور أوطف
وليلة وافينا الكثيب لموعد سرى الأيم لم يعلم لمسراه مزحف
تهادى أناة الخطو مرتاعة الحشا كما ريع يعفور الفلا المتشوف
[ ١ / ٣٧٥ ]
فما الشمس رق الغيم دون أياتها سوى ما أرى ذاك الجبين المنصف
قعيدك أنى زرت، نورك فاضح وعطرك نمام، وحليك مرجف
هيبك اغتررت الحي واشيك هاجع وفرعك غربيب، وليلك أغضف
فأنى اعتسفت الهول خطوك مدمج وردفك رجراج وخصرك مخطف
لجاج تمادي الحب في المعشر العدا وأم الهوى الأفق الذي فيه نشنف
كفانا من الوصل التحية خلسةً فيومئ طرف أو بنان مطرف
وإني ليستهويني البرق صبوة إلى برق ثغر إن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهم لظلم به كالراح لو يترشف
ويذكرني العقد المرن جمانه مرنات ورق في ذرى الأيك هتف
فما قبل من أهوى طوى البدر هودج ولا ضم رئم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد حوى البحر مجلس ولا حمل الطود المعظم رفرف وهذا بيت القسطلي بجملته حيث يقول في ابن أبي عامر:
وكيف استوى بالبر والبحر مجلس وقام بعبء الراسيات سرير - وفيها يقول ابن زيدون:
هو الملك الجعد الذي في ظلاله تكف صروف الحادثات وتصرف
رويته في الحادث الإد لحظة وتوقيعه الجالي دجى الخطب أحرف
طلاقة وجه في مضاء كمثل ما يروق فرند السيف والحد مرهف
[ ١ / ٣٧٦ ]
على السيف من تلك الصرامة ميسم وفي الروض من تلك اللطافة زخرف
أظن الأعادي أن حزمك نائم - لقد تعد الفسل الظنون فتخلف ومنها:
ولما قضينا ما عنانا أداؤه وكل بما يرضيك داع فملحف
رأيناك في أعلى المصلى كأنما تطلع من محراب داود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم تشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد بها يتلف المال الجسيم ويخلف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ولا ذل مقتاد ولا لان معطف
لك الخير أنى لي بشكرك نهضة وكيف أؤدي فرض ما أنت مسلف -
أنرت بهيم الحال مني غرةً يقابلها طرف الحسود فيطرف قوله: " وما ولعي بالراح " البيت، أراه قلب قول أبي الطيب:
وما شرقي بالماء إلا تذكرًا لماء به أهل الحبيب نزول وقوله: " ويذكرني العقد المرن " البيت، نسخة من قول أبي تمام ونقص عنه:
وبالحلي إن قامت ترنم فوقها حمامًا إذا لاقى حمامًا ترنما
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقوله: " طلاقة وجه " البيت، معنى مشهور، وهو في شعرهم كثير، ومنه قول البحتري:
ويحسن دلها والموت فيه كم يستحسن السيف الصقيل وزاد فيه بعض أهل عصري زيادة مليحة فقال:
مضاء كحد السيف لدنًا مهزه يكفكفه حلم كحاشية البرد وقوله: " ولما حضرنا الإذن " البيت، مع الذي بعده، أرى أبا الوليد احتذى فيه حذو الوليد في أبيات أنشدها لحسنها، وهي من أحسن ما قيل في الهيبة:
ولما حضرنا سدة الإذن أخرت رجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة أقابل بدر التم حين أقابله
كما انتصب الرمح الرديني ثقفت أنابيبه واهتز للطعن عامله
وكالبدر وافته لتم سعوده وتم سناه واستهلت منازله
فسلمت فاعتاقت جناني هيبة تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى إليّ ببشر آنستني مخايله
دنوت فقبلت الندى من يد امرئ كريم محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ورقت كما رق النسيم شمائله وقول ابن زيدون: " وصلنا فقبلنا الندى منك في يد " البيت
[ ١ / ٣٧٨ ]
معنى مليح، ولفظ صحيح، إلا أنه كما تراه، لفظ بيت البحتري ومعناه. ويقول بعض أدبائنا إن ابن زيدون بحتري زماننا وصدقوا، لأنه حذا حذو الوليد، إلا أن أبا الوليد في بعض قصائده كابن حميد سعيد. وقال بعض أهل عصرنا وهو أبو محمد ابن سارة الشنتريني من جملة أبيات:
وإن فمي يصافح راحتيه فيعرف فيهما عرف السياده وقال بعض أهل العصر:
ولثمت يمناه فأعيا حسدي أأنا لثمت العارض المثعنجرا - وقال ابن زيدوزن من جملة قصيدة:
يا أيها الملك الذي تدبيره أضحى لمملكة الزمان ملاكا
أعرض عن الخطرات إنك إن تشأ تكن النجوم أسنة لقناكا
هصر النعيم بعطف دهرك فانثنى وجرى الفرند بصفحتي دنياكا
دنيا لزهرتها شعاع مذهب لو كان وصفًا كان بعض حلاكا
فتجل في فرش الكرامة ناعمًا واعقد بمرتبة السرور حباكا
وأطل إلى شدو القيان إصاخةً وتلق مترعة الكؤوس دراكا
لك أريحية ماجد إن تعترض في لهو راحك تستهل لهاكا
من كان يعلق في خلال ندامه ذم ببعض خلالخ فخلاكا
[ ١ / ٣٧٩ ]
أسبوع أنس محدث لي وحشةً علمًا بأني لست فيه أراكا
وأنا المعذب غير أني مشعر ثقةً بأنك ناعم فهناكا
أنى أقوم بشكر طولك بعد ما ملأت من الدنيا يدي يداكا
بردت ظلال ذراك واحلولى جنى نعماك لي، وصفت جمام نداكا وله من أخرى في ابن جهور أولها:
هذا الصباح على سراك رقيبا فصلي بفرعك ليلك الغربيبا
ولديك أمثال النجوم قلائد ألفت سماءك لبةً وتريبا يقول فيها:
لينب عن الجوزاء قرطك كلما جنحن بفرعك جناحها تغريبا
وإذا الوشاح تعرضت أثناؤه طلعت ثريا لم تكن لتغيبا
ولطالما أبديت إذ حييتنا كفًا هي الكف الخضيب خضيبا
أظنينةً دعوى البراءة شأنها أنت العدو فلم دعيت حبيبا -
ما الهجر إلا البين إلا أنه لم يشح فاه به الغراب نعيبا ومنها في المدح:
متمرس بالدهر يقعد صرفه إن قام في نادي الخطوب خطيبا
لا يوسم الرأي الفطير به ولا يعتاد إرسال الكلام قضيبا
[ ١ / ٣٨٠ ]
بسام ثغر السن إن عقد الحبا فرأيت وضاحًا هناك مهيبا
ملأ النواظر صامتًا ولربما ملأ المسامع سائلًا ومجيبا
إن الجهاورة الملوك تبوأوا شرفًا جرى معه السماك جنيبا
فإذا دعوت وليدهم لعظيمةٍ لباك رقراق السماح أديبا
همم تعاقبها النجوم وقد تلا في سؤدد منها العقيب عقيبا
ومحاسن تندى رقائق ذكرها فتكاد توهمك المديح نسيبا
كان الوشاة، وقد منيت بإفكهم أسباط يعقوب وكنت الذيبا قوله: " فصلي بفرعك ليلك الغربيبا "، من قول أبي الطيب:
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا وقال التهامي:
وتود لو جعلت سواد قلوبها وسواد عينيها سواد عذاري ومنه قول المعري وقد تقدم:
يود أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر وقال محمد بن هانئ:
[ ١ / ٣٨١ ]
قد أظلموا بالدهم منها فجرهم فتكدرت شمس النهار تغضبا
واستأنفوا بشياتها فجرًا فلو عقدوا نواصيها أعادوا الغيهبا وقوله: " فتكاد توهمك المديح نسيبا " البيت، من قول حبيب:
طاب في المديح والتذ حتى فاق وصف الديار والتشبيبا وقوله: " ملأ النواظر صامتًا " البيت، من قوله أيضًا:
فاسألنها واجعل بكاك جوابًا تجد الشوق سائلًا ومجيبا وينظر إلى هذا المعنى من بعض الوجوه لفظ أبي الطيب حيث يقول في ابن العميد:
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه كالخط يملأ مسمعي من أبصرا ويلمح أيضًا هذا المعنى قول أبي نواس، على ما فسره بعض الناس:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر
[ ١ / ٣٨٢ ]
وهذا التفسير فيه، أضعف الوجوه. وبيت ابن شرف أشبه من هذا كله ببيت ابن زيدون، وهو قوله يمدح صاحب القيروان:
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ملء المسامع والأفواه والمقل وقال ابن زيدون من أخرى:
أما وألحاظٍ مراضٍ صحاح وتصبي وأعطاف نشاوى صواح
لفاتنٍ بالحسن في خده ورد وأثناء ثناياه راح
لم أنس إذ باتت يدجي ليلةٍ وشاحه اللاصق دون الوشاح
لأصفين المرتضى جهورًا عهدًا لروض الحسن عنه افتضاح
بشرت آمالي بتأميله فما عداني منه فوز القداح
لم أشيم البرق جهامًا ولم أقتدح النار بزند شحاح
يا مرشدي جهلًا إلى غيره أغنى عن المصباح ضوء الصباح
ذو باطن أقبس نور التقى وظاهر أشرب ماء السماح
إيه أبا الحزم اهتبل غرةً ألسنة الدهر عليها فصاح
لا طار لي حظ إلى غايةٍ إن لم أكن منك مريش الجناح
عتباك بعد العتب أمنية ما لي على الدهر سواها اقتراح
لم يثنني عن أمل ما جرى قد يرقع الخرق وتوسى الجراح
[ ١ / ٣٨٣ ]
اشفع فللشافع نعمى بما سناه من عقد وثيق النواح
إن سحاب الأفق منها الحيا والحمد في تأليفها للرياح قوله: " وشاحه اللاصق " البيت، معنى متداول، ومن أقربه عصرًا قول النحلي من أهل وقتنا:
إن العزيز علي خصرك إنه بالردف حمل منه ما لا يحمل
فخذي له جسمي مكان وشاحه إن العليل بشكله يتعلل وقال ابن زيدون من أخرى في بني جهور عند نكبة بني ذكوان:
لولا بنو جهور ما أشرقت هممي
هم الملوك ملوك الأرض دونهم> كمثل بيض الليالي دونها الدرع
قوم متى تحتفل في وصف سؤددهم لا يأخذ الوصف إلا بعض ما يدع
أبو الوليد قد استوفى مناقبهم فللتفاريق منها فيه مجتمع
مهذب أخلصته أوليته كالسيف بالغ في إخلاصه الصنع
إن السيوف متى ما طاب جوهرها في أول الطبع لم يعلق بها الطبع [ومنها في عتابه أيضًا]:
قل للوزير الذي تأميله وزري إن ضاق مضطرب أو هال مضطلع:
أصخ لهمس عتابٍ تحته مقة تكلف النفس فيه فوق ما تسع
[ ١ / ٣٨٤ ]
ما للمتات الذي أحصفت عقدته قد خامر القلب من تضييعه جزع -
لا تستجز وضع قدري بعد رفعكه فالله لا يرفع القدر الذي تضع
إن الألى كنت من قبل افتضاحهم مثل الشجى في لهاهم ليس ينتزع
تلك العرانين لم يصلح لها شمم فكان أهون ما نيلت به الجدع
أودعت نعماك منهم شر مغترس لن يكرم الغرس حتى تكرم البقع قوله: " إن السيوف إذا ما طاب جوهرها " البيت، ينظر من لحظ مريب، إلى قول حبيب:
والسيف ما لم يلف فيه صقيل من سنخه لم ينتفع بصقال وله من أخرى يهنئ المعتضد عبادًا بهزيمة ابنه إسماعيل لابن الأفطس، وقتل ولد إسحاق بن عبد عبد الله في تلك الحرب:
ليهن الهدى إنجاح سعيك في العدا وأن راح صنع الله نحوك أو غدا
وبشرك دنيا غضة العهد طلقة كما ابتسم النوار عن أدمع الندى
دعوت فقال النصر لبيك ماثلًا ولم تك كالداعي يجاوبه الصدى
وأحمدت عقبى الصبر في درك المنى كما بلغ الساري الصباح فأحمدا
ولما اعتمدت الله كنت مؤهلا لديه بأن تحمى وتكفى وتعضدا
[ ١ / ٣٨٥ ]
وجدناك إن ألقحت سعيًا نتجته وغيرك شاو حين أنضج رمدا
سل الخائن المغتر كيف احتقابه مع الدهر عارًا بالفرار مخلدا
رأى أنه أضحى هزبرًا مصممًا فلم يعد أن أمسى ظليمًا مشردا وهذا منقول من قول أبي الطيب:
فأتيت معتزمًا ولا أسد ومضيت منهزمًا ولا وعل رجع:
يود إذا ما جنه الليل أنه أقام عليه آخر الدهر سرمدا
لبئس الوفاء استن في ابن عقيده عشية لم يصدره من حيث أوردا
وأصبح يبكيه المصاب بثكله بكاء لبيد حين فارق أربدا ونلمع من أخبار هذه الوقعة بلمعة:
قال أبو مروان: وفي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة أوقع ابن عباد بابن الأفطس إلى جنب يابرة؛ وكان سبب هذه الحرب أن فتح بن يحيى صاحب لبلة يومئذ حليف ابن الأفطس وإلى عبادًا لضرورةٍ
[ ١ / ٣٨٦ ]
فكاشفه ابن الأفطس وخانه فيما كان ائتمنه من ماله الصامت، عندما حمله إليه وديعةً وقت تورطه في حرب عبادٍ قبل؛ وانبتت بينهما العصمة، وأرسل ابن الأفطس في ذلك الوقت خيله للضرب على ابن يحيى فاستغاث عبادًا، فأرسل إليه خيلًا منتقاةً، فلحقت الخيل الأفطسية وهي قد شنت الغارة على لبلة، فكرت عليهم إذ كانوا ضعفهم، واسترسلوا في اتباع العباديين ولا يشعرون، فإذا بعباد بجملته في كيمنٍ قد خرج إثرهم، قد هشوا وولوا الأدبار فركبهم السيف، وبذل عباد المال في رؤوسهم وكانت نقاوة خيل ابن الأفطس وأبطال رجاله، فجز لعبادٍ من رؤوسهم مائة وخمسون رأسًا ومن خيلهم مثلها، فقص جناح قرنه، وأفنى حماة رجاله. ثم إن عبادًا إثر ذلك جمع خيل حلفائه وخيله وقود عليها ابنه إسماعيل مع وزيره ابن سلام، وخرج نحو بلاد ابن الأفطس يابرة. وقد استدعى أيضًا ابن الأفطس حليفه إسحاق بن عبد الله فلحقت به خيله مع ابنه العز بعد أن جمع ابن الأفطس بقايا جيشه من هزيمتهم المتقدمة الذكر، وأخرج كل من قدر على ركوب دابة من البياض ببلده، وحشر من رجال البوادي بعلمه خلقًا كثيرًا، وأقبل بجمعه هذا المنخوب ليدفع خيل ابن عباد عن بلده يابرة. وقد كان برابرة حليفه إسحاق في عسكره قالوا له: لا تلقهم فلست تعرف قدر من زحف نحوك، ونحن رأيناهم وسمعنا بجمعهم بإشبيلية؛ فلم يسمع منهم ومضى، فالتقى الفريقان من غير نزول مولا تعبئةٍ، فاختلطوا واجتلدوا مليًا، فحقق العباديون الضراب
[ ١ / ٣٨٧ ]
وتابعوا الشدات، فغحاد البرابر عنه أصحاب إسحاق، وانهزم ابن الأفطس وحمل السيف على جميع من معه، فاستأصلهم القتل، وقتل ولد إسحاق العز، وحز رأسه وبعث به إلى إشبيلية مع رأس ابن عم لابن الأفطس صاحب يابرة يدعى عبيد الله الخراز، ونجا ابن الأفطس في قطعة من خيله إلى يابرة.
قال أبو مروان: وأقل ما سمعت في إحصاء قتلى هذه الوقيعة من ثلاثة آلاف رجل فأزيد. وأخبرني من أثق به أن بطليوس بقيت مدةً خالية الدكاكين والأسواق من استئصال القتل لأهلها في وقعة ابن عباد هذه بفتيان أغمارٍ إلا الشيوخ والكهول الذين أصيبوا يومئذ. فاستدللت بذلك على فشو المصيبة. وجزع إسحاق بن عبد الله من مصاب ابنه، ولم يخضع لضده عبادٍ في طلب رأس ابنه، فإن عبادًا ضافه رأس جده محمد ابن عبد الله الذي هو مختزن عنده بإشبيلية؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: ولم يزل الرأسان عند آل عبادٍ مع عدة رؤوس أهدتها إليهم الفتنة المبيدة، حتى فتحت إشبيلية على الأمير الأجل سير بن أبي بكر فجيء بجوالقٍ مقفل مطبوع عليه، فأمر بفتحه، لا يشك أنه مال أو ذخيرة، فإذا هو مملوء من رؤوس. فأعظم وهاله، وأمر بدفع كل رأس منها إلى من بقي من عقبه بالحضرة.
[ ١ / ٣٨٨ ]
حدثني من رأى رأس يحيى بن علي الحمودي ثابت الرسم، غير متغير الشكل، فدفع إلى بعض ولده فدفنه.
[رجع]
قال ابن زيدون في ابن جهور من قصيدة أولها:
أجل إن ليلى حيث أحياؤها الأزد مهاة حمتها في مراتعها الأسد
يمانية تدنو وينأى مزارها فسيان منها في الهوزى القرب والبعد
إذا نحن زرناها تمرد مارد وعز فلم نظفر به الأبلق الفرد
هو الملك المشفوع بالنسك ملكه فلله ما يخفى ولله ما يبدو
لقد أوسع الإسلام بالأمس حسبةً نحت غرض الأجر الجزيل فلم تعد
أباح حمى الخمر الخبيثة حائطًا حمى الدين من أن يستباح له حد
فطوق باستئصالها المصر منة يكاد يؤدي شكرها الحجر الصلد
غني فحسن الظن بالله ماله عزيز فصنع الله من حوله جند
لنعم حديث البر أوضعت الصبا تبث نثاه حيث لا يوضع البرد وكان ابن جهور كسر يومئذ دنان الخمر، وكان مدحه أيضًا يومئذ بمثل ذلك عبد الرحمن بن سعيد المصغر بشعرٍ أوله:
[ ١ / ٣٨٩ ]
كسرت لجبر الدين أوعية الخمر فأحرزت خصل السبق في الكسر والجبر
عمدت إلى الشر الذي جمعوا له ففرقت منه فاسترحنا من الشر في أبيات غير هذه استبردت جملتها. وإنما ذهب إلى عكس قول من تقدم من عباث الشعراء من ذم صب الشراب، ومن أشهره قول بكر ابن خارجة الكوفي، وقد رأى من سلطان وقته مثل ذلك فقال:
يا لقومي مما جنى السلطان لا يكن للذي أهان الهوان
سكبوا في التراب من حلب الكر م عقارًا كأنها الزعفران
صبها في مكان سوء لقد صا دف سعد السعود ذاك المكان
من كميتٍ يبدي المزاج لها لؤ لؤ نظم والفصل فيها جمان
فإذا ما اصطبحتها صغرت في القد ر عندي من أمه الخيزران
كيف صبري عن بعض نفسي موهل يص - بر عن بعض نفسه الإنسان - وبلغني أن الجاحظ أنشد هذه الأبيات، فقال للمنشد: " من حق الفتوة أن أكتبها قائمًا، وما أقدر إلا أن تعمدني " لنقرسٍ كان به. قال المحدث: فعمدته وقام فكتبها.
وكان بكر بن خارجة هذا مولى بني أسدٍ، طيب الشعر، خليعًا ماجنًا، وكان يألف هدهدًا في موضع يأتيه كل يوم بقنينة شرابٍ، فلا يزال
[ ١ / ٣٩٠ ]
يشرب على صوته إلى أن يسكر، وكان أيضًا يهوى غلامًا نصرانيًا وهو القائل:
زناره في خصره معقود كأنه من كبدي مقدود وبكر القائل:
قلبي إلى ما ضرني داعي يكثر أسقامي وأجاعي
كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي - ولصالح بن عبيد في مثل ما تقدم:
ليس همي ولا طويل انتحابي لمشيبٍ أدال عني شبابي
لا ولا لاغتراب أحباب قلبي أو لصد الإخوان والأصحاب
إنما حسرتي وعبرة عيني لشراب يصب فوق التراب
سرت الأرض حين صب عليها فبكت صبةً عيون السحاب رجع:
وقال ابن زيدون يرثي:
[ ١ / ٣٩١ ]
انظر لحال السرو كيف تحال ولدولة العلياء كيف تدال
من سر لما عاش قل متاعه فالعيش نوم والسرور خيال
ولى أبو بكر فراع له الورى هول تقاصر دونه الأهوال
يا من شأى الأمثال منه واحد ضربت به في السؤدد الأمثال
نقصت حياتك حين فضلك كامل هلا استضيف إلى الكمال كمال
من للقضاء يعز في أثنائه إيضاح مشكلة لها إشكال
من لليتيم تتابعت أرزاؤه - هلك الأب الحاني وضاع المال
هيهات لا عهد كعهدك عائد إذ أنت في وجه الزمان جمال
حيا الحيا مثواك وامتدت على ضاحي ثراك من النعيم ظلال
وإذا النسيم اعتل فاعتامت به ساحاتك الغدوات والآصال
ولئن أذالك بعد طول صيانةٍ قدر فكل مصونةٍ ستذال وله من أخرى مما وجدته بخط ابن حيان يرثي بها أبا الحزم ابن جهور:
ألم تر أن الشمس قد ضمها القبر وأن قد كفانا فقدها القمر البدر
وأن الحيا إن كان أقلع صوبه فقد فاض للآمال في أثره البحر
إساءة دهر أحسن الفعل بعدها وذنب زمان جاء يتبعه العذر
فلا يتهن الكاشحون فما دجا لنا الليل إلا ريثما طلع الفجر
وإن يك ولى جهور فمحمد خليفته العدل الرضا وابنه البر
لعمري لنعم العلق أتلفه الردى فبان ونعم العلق أخلفه الدهر
[ ١ / ٣٩٢ ]
همام جرى يتلو أباه كما جرى معاوية يتلو الذي سنه صخر
فقل للحيارى قد بدا علم الهدى وللطامع المغرور قد قضي الأمر
أبا الحزم قد ذابت عليك من الأسى قلوب ومنها الصبر لو ساعد الصبر
دع الدهر يفجع بالذخائر أهله فما لنفيس إذ طواك الردى قدر
مساعيك حلي للزمان مرصع وذكرك في أردان أيامها عطر
أمامك من حفظ الإله صنيعة وحولك من آلائه عسكر مجر
وما بك من فقر إلى نصر ناصر كفتك من الله الكلاءة والنصر
تحامى العدا لما اعتلقتك جانبي وقال المناوي: شب عن طوقه عمرو ووجدت له قصيدة أخرى، على رويها ووزنها، رثى بها أم أبي الوليد ابن جهور، وكرر أكثر أبياتها، أولها:
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر فمن شيم الأحرار في مثلها الصبر يقول فيها:
هنيئًا الأرض أنس مجدد بثاويةٍ حلته فاستوحش الظهر
بطاهرة الأثواب قانتة الضحى مسبحة الآناء محرابها الخدر
فإن أنثت فالنفس أنثى نفيسة إذ لجسم لا يسمو بتذكيره ذكر
حصان إذا التقوى استبدت بذكرها فمن صالح الأعمال يستوضح الجهر
بني جهور أنتم سماء رياسةٍ مناقبكم في أفقها أنجم زهر
[ ١ / ٣٩٣ ]
ترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينه وإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر إلى أبيات غير هذه من سائر أبيات القصيدة استمر فيها بالتقديم والتأخير، والتأنيث والتذكير، ثم رثى بها آخرًا عبادًا المعتضد، وجعل أول قصيدته قوله:
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر البيت المتقدم، ثم اتبعه بقوله:
حياة الورى نهج إلى الموت مهيع له فيه إيضاع كما يوضع السفر
فيا واضح المنهاج جرت فإنما هو الفجر يهديك الصراط أو البحر
إذا الموت أضحى قصر كل معمر فإن سواء طال أو قصر العمر
ألم تر أن الدين ضيم ذماره فلم تغن أنصار عديدهم كثر
بحيث استقل الملك ثاني عطفه وجرر في أذياله العسكر المجر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى وأخطر علق للهدى أفقد الدهر
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك حليه وذكرك في أردان أيامه عطر
[ ١ / ٣٩٤ ]
غشيت فلم تغش الطراد سوابح ولا جردت بيض ولا أشرعت سمر
لئن كان بطن الأرض هنئ أنسه بأنك ثاويه لقد أوحش الظهر
ولا ثنت المحذور عنك جلالة ولا عدد دثر ولا نائل غمر
فهل علم الشلو المقدس أنني مسوغ حال ضل في كنهها الفكر -
وأن متاتي لم يضعه محمد خليفتك العدل الرضا وأبنك البر -
وأرغم في بري أنوف عصابةٍ لقائهم جهم ولحظهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوةٍ وقام سماطا حفله فلي الصدر فتلاعب أبو الوليد كما ترى في هذه القصيدة تلاعب الحطيئة بنسبه، وتصرف تصرف أبي حنيفة في مذهبه، فأنث وذكر، وقدم وأخر [كما] قال أبو العلاء:
رب لحد قد صار لحدًا مرارًا ضاحك من تزاحم الأضداد وبلغني أنه وجد لابن زيدون إثر موت عباد شعر يقول فيه:
لقد سرنا أن النعي موكل بطاغية قد حم منه حمام
تجانف صوب المزن عن ذلك الصدى ومر عليه الغيث وهو جهام وقال يخاطب الوزير أبا عامر بن عبدوس من قصيدة أولها:
[ ١ / ٣٩٥ ]
أثرت هزبر الشرى إذ ربض ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلًا إليه يد البغي لما انقبض
أرى كل مجرٍ أبا عامر يسر إذا في خلاء ركض
أعيذك من أن ترى منزعي إذا وتري بالمنايا انتفض
أبا عامر أين ذاك الوفاء إذ الدهر وسنان والعيش غض -
وأين الذي كنت تعتد من مصافاتي الواجب المفترض -
عمدت لشعري ولم تتئد تعارض جوهره بالعرض
لعمري لفوقت سهم النضال وأرسلته لو أصبت الغرض
وشمرت للخوض في لجةٍ هي الموت ساحلها لم يخض
وغرك من عهد ولادةٍ سراب تراءى وبرق ومض
هي الماء يأبى على قابضٍ ويمنع زبدته من مخض [وبعد ما أمسكت عنه.
قوله: " هو الماء يأبى على قابض " البيت، أبلغ منه في المعنى قول الوزير أبي محمد بن عبد الغفور:
هي الشمس تأبى على قابضٍ إذا الماء نالت نداه اليد]
ونبئتها بعدي استحمدت بسير إليك لمعنىً غمض
أبا عامر عثرة فاستقل لتبرم من ودنا ما انتقض
[ ١ / ٣٩٦ ]
ولا تعتصم ضلةً بالحجاج وسلم فرب احتجاج دحض
وحسبي أني أطبت الجنى لأفنانه وأبحت النفض
ويهنيك أنك يا سيدي غدوت مقارن ذاك الربض وكتب إلى المظفر سيف الدولة أبي بكر بن الأفطس من رقعة، وضمنها قصيدة أولها:
لبيض الطلى ولسود اللمم بعقلي - مذ بن عني - لمم: لما لبس الحاجب - أعزه الله - رداء المجد معلما، وحمل لواء الحمد معلنا، فاستطار بارق فجره، واستضاع فائح ذكره، وشهرت محاسنه على كل لسان، وسارت مآثره مسير الشمس بكل مكان، لما سوغ من كرمه، وأسبغ من نعمه، ووطأ للآملين من أكنافه، وهز إلى الراغبين من أعطافه، ورفرفت أجنحة الأهواء عليه، واهتزت جوانح الآمال إليه، وكثر التغاير على تفيؤ ظله، والتنافس في الاعتلاق بحبله، وكل استفرغ جهده، وتوسل على حسب ما عنده، ولا غرو أن يستمطر الغمام، ويؤمل الكرام، ويكثر في المشرب العذب الزحام.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وما زلت - أبقى الله الحاجب - أتلقى من مساعيه المشكورة، ويقرع سمعي بمآثره المأثورة، ما هو أندى من بلوغ الأمل، وأشهى من اختلاس القبل، وأغض من جني الزهر، وألطف من نسيم السحر، حتى انقادت نفسي في زمام التأميل والمودة، ونازعت إلى الأخذ بحظٍ من الاعتلاق والممازجة. ونظرت إلى ما دون ذلك من أسباب البعد المانعة، وامتداد البلاد المعترضة، فغضضت طرف الخيبة، وطويت كشحًا على اليأس من درك الأمنية، إلى أن ندبني الأديب أبو فلان إلى مخاطبته، وحرضني على مكاتبته، ونبهني على ما في التثاقل عن مداخلته، من التضييع الصريح، والتقصير البين الصحيح، إذ هي أسنى علق غولي به، وأنفس ذخر نوفس فيه. فطربت إلى ذلك " كما طرب النشوان مالت به الخمر "، واهتززت له " كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب ". ورأيت من شكر يد العلياء فيما حثني إليه، وحضني عليه، مما فيه حلية الفخر، ومكرمة الدهر، أن أستفتح باب المكاتبة بالشفاعة، وأنهج طريق المخاطبة في العناية به، وبيننا، بعد، من ذمام الطلب، وحرمة الود والأدب، ما أستقصر نفسي معه أن أتقدم في خدمة رغبته بقلمي، وقد تأخرت قدمي، ويعد لاقتصار غيبته كتابي، دون أن أزم لذلك ركابي، وهو فتى نام جده، واستيقظ حده؛ فتنكر الزمان له، واعترت الأيام به، بين ذئاب سعاية عوت عليه، وعقارب وشايةٍ دبت إليه، وأصلي بنار حربٍ لم يجنها، وأعدته مبارك جرب التبس بها
[ ١ / ٣٩٨ ]
وآل به الأمر إلى فراق أحبته، والبعد عن مسقط رأسه ومعق تمائمه، على ضيق حاله، وضعف إحسانه. وأشهد أن ذلك لم يزده للحاجب لا ولاءً، وعليه إلا ثناء، وأنه لا يزال يعيد شكره ويبديه، وينثر حمده ويطويه، والحاجب - أدام الله إعزازه - ولي إعدائه على زمنه الغشوم، وأسلا بإنصافه من دهره الظلوم، بإلباسه من جميل رأيه ما عري منه، وإيراده من شريعة رضاه ما حليء عنه، والتخلية بينه وبين الأفق الذي لم ير كوكب سعد إلا فيه، ولا تلقى نسيم حياة إلا منه، فإنه مما يوليه من إحسانه، ويأتيه من الفضل في شانه، مستجزل شكر من أنهضه لسان، واستقل به بيان، وهو أهل الفضل، والمعهود منه كرم الفعل، والله يبقيه ويعليه، وهو حسبه وحسبي فيه.
ولما اطرد هذا النثر لحسن اتساقه، ولذ مساقه، هزت النظم أريحية جذب لها بعنانه، وعارضه بها في ميدانه؛ وأبت أن ينفرد النثر بلقاء الحاجب ومشافهته، ويستبد بأن يلمح غرته، ويخدم بالحضور حضرته، فأثبت منه ما إن أنعم عند تصفحه بالصفح عن الزلل يعرض فيه، والخلل يبدو منه، وصل النعمة بمثلها، وقرن العارفة بشكلها:
لبيض الطلى ولسود اللمم بعقلي، مذ بن عني، لمم
ففي ناظري عن رشاد عمى وفي أذني عن ملام صمم
قضت بشماسي على العاذلين شموس مكللة بالظلم
[ ١ / ٣٩٩ ]
وما سقمت لحظات العيون إلا لتغريني بالسقم
يلوم الخلي على أن أحن وقد مزج الشوق دمعي بدم
وما ذو التذكر ممن يلام ولا كرم العهد مما يذم
وإني أراح إذا ما الجنوب راحت بريا جنوب العلم
وأصبو لعرفان عرف الصبا وأهدي السلام إلى ذي سلم
ومن طرب عاد نحو البراق أجهشت للبرق حين ابتسم
أما وزمان مضى عهده حميدًا لقد جار لما حكم
قضى بالصبابة لما انقضى وما اتصل الود حتى انصرم
ليالي نامت عيون الوشاة عنا وعين الرضى لم تنم
ومالت علينا غصون الهوى فأجنت ثمار المنى من أمم
وأيامنا مذهبات البرود رقاق الحواشي صوافي الأدم
كأن أبا بكر المسلمي أجرى عليها فرند الكرم
ووشح زهرة ذاك الزمان بما حاز من زهر تلك الشيم
هو الحاجب المعتلي للعلا شماريخ كل منيف أشم
مليك إذا سابقته الملوك حوى الخصل أو ساهمته سهم
فأطولهم بالأيادي يدًا وأثبتهم في المعالي قدم
وأروع لا مبتغي رفده يخيب ولا جاره يهتضم
ذلول الدماثة صعب الإباء ثقيف العزيم إذا ما اعتزم
سما للمجرة في أفقها فجر عليها ذيول الهمم
وناصت مساعيه زهر النجوم وبارت عطاياه وطف الديم
نهيك إذا جن ليل العجاج سرى منه في جنحه بدر تم
[ ١ / ٤٠٠ ]
فشام السيوف بهام الكماة وروى القنا في نحور البهم
جواد ذراه مطاف العفاة ويمناه ركن الندى المستلم
يهيج النزال به والسؤال ليثًا هصورًا وبحرًا خضم
شهدنا لأوتي فصل الخطاب وخص بفضل النهى والحكم
وهل فات شيء من المكرمات جرى السيف يطلبه والقلم
ومستحمد بكريم الفعال عفوًا إذا ما اللئيم استذم
شمائل تهجر عنها الشمول وتجفى لها مشجيات النغم
على الروض منها رواء يروق وفي المسك طيب أريجٍ يشم
أبوه الذي فل غرب الضلال ولاءم شعب الهدى فالتأم
ولاذ به الدين مستعصمًا بذمة أبلج وافي الذمم
وجاهد في الله حق الجهاد من دان من دونه بالصنم
فلا سامي الطرف إلا أذل ولا شامخ الأنف إلا رغم
تقيل في العز من حميرٍ مقاول عزوا جميع الأمم
هم نعشوا الملك حتى استقل وهم ظلموا الخطب حتى اظلم
نجوم هدىً والمعالي بروج وأسد وغى والعوالي أجم
أبا بكر اسلم على الحادثات ولا زلت من ريبها في حرم
أناديك عن مقة عهدها كما وشت الروض أيدي الرهم
وإن يعدني عنك شحط النوى فحظي أخس ونفسي ظلم
وإني لأصفيك محض الهوى وأخفي لبعدك برح الألم
ومستشفع بي بشرته على ثقةٍ بالنجاح الأتم
[ ١ / ٤٠١ ]
وغيرك أخفر عهد الذمام إذا حسن ظني عليه أذم
وقدمًا أقلت مسيء العثار وأحسنت بالصفح عما اجترم
وعندي لشكرك نظم العقود تناسق فيها اللآلي التوم
تجد لفخرك برد الشباب إذا لبس الدهر برد الهرم
فعش معصمًا بيفاع السعود ودم ناعمًا في ظلال النعم
ولا يزل الدهر أيامه لكم حشم والليالي خدم هذا - أعز الله الحاجب - ما اقتضته القريحة من اقتضائها، وأجابتنا به البديهة عن استدعائها، والذهن عليل، والطبع كليل، والروية فاسدة، وسوق الأدب إلا عنده كاسدة. ولو أني أوتيت في النثر غزارة عمرو، وبراعة ابن سهل، وأمددت في النظم بطبع البحتري، وصناعة الطائي، لما رددت إلى الحاجب إلا ما أخذت منه، ولا أوردت عليه غير ما صدر عنه، ولما أنفذت ما أنفذت إلا بين أمل يبسط، وخجل يقبض، فرأيه موفقًا في أن يمنح ما بعث الأمل إسعافًا، وما أوجب الخجل إغضاء، ليأتي الإحسان من جهاته، ويسلك إلى الفضل طرقاته، ومراجعته لي عن كتابي بعهد كريم، يكون كحلًا لعين الرضى بوجنة القبول، أقف به من توالي النعم عليه، وانتظام الأحوال بالصلاح لديه، على ما تبتهج له نفسي، وينتظم معه عقد أنسي، يد عندي جناها شهد، وشذاها عنبر وورد، أرفلها الشكر الجزيل، وأتبعها الثناء الجميل، إن شاء الله. وليبلغ مني سلامًا يهدي إليه نفسه، وتحيةٍ آخرها عندي وأولها عنده.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وكتب من قرطبة إلى ابن مسلمة بإشبيلية قبل تحوله إليها:
يا سيدي، وأرفع عددي، وأول الذخائر في عددي، وأخطر علق ملأت من اقتنائه يدي، ومن أبقاه الله في عيشة باردةٍ الظلال، ونعمة سابغة الأذيال، قد تقاصر الثناء عليك، وتوالى الحديث الحسن عنك، حتى حللت محل الأمانة، وكنت موضع تقليد الوطر، وإثبات الطوية، والله يمتعك بما حازه لك من الخير، ووفره عليك من طيب الذكر.
في علمك - أعزك الله - ما تقتضيه العطلة من إظلام الخاطر، وصدأ النفس، ويجنيه طول المقام من إخلاق الديباجة، وإرخاص القدر. وقد آن أن أجتني ثمرةً من آداب أطلت الاعتناء بها، وأخلاق أدمت رياضة الأنفس عليها. ولما مخضت الملوك، وجدت عميدهم الذي أنسى السالف قبله، وتقدم الراهن معه، وأتعب الغابر بعده، الحاجب فخر الدولة مولاي، ومن أطال الله بقاءه، وكبت أعداءه، لما خصه الله به من سناء الهمم، وسماحة الشيم، وانتظام أسباب الرياسة، وكمال آلات السياسة، واجتماع المناقب التي أفردته من النظراء، وأعلته عن مراتب الأكفاء، فرأيت قبل أن أحمل لغيره نعمة، أو أوسم ممن سواه بصنيعة، أن أعرض نفسي مملوكة عليه، عرض من لا يؤهلها
[ ١ / ٤٠٣ ]
لإجازته إلا بالاستجارة، ولا يطمع لها في قبوله إلا مع المسامحة، فلو كنت الوليد بن عبيد براعة نظم، وجعفر بن يحيى بلاغة نثر، وإبراهيم بن المهدي طيب مجالسة، وإمتاع مشاهدة، ثم حضرت بساطه العالي، لما كنت مع سعة إحاطته إلا في جانب التقصير، وتحت عهدة النقصان، غير أنه لم يعدم مني نجابة غرس اليد، وإصابة طريق المصنع، من ولاية أخلصها، ونصيحة أمحضها، وشكر أجنيه الغض من زهراته، وثناء أهدي إليه العطر من نفحاته، ففوضت إليك هذه السفارة، واعتمدتك بتكليف النيابة، لوجوه: منها حظوتك لديه، ومواتك إليه، سوغك الله الموهبة في ذلك، وأنهضك بأعباء الشكر لها، ومنها سرو مذهبك، وكرم سجيتك، وصحة مشاركتك، لمن لم يستوجبها استيجابي، ولا استدعاها بمثل أسبابي، من تداني الجدار، وتصافي السلف، والانتماء إلى أسرة الأدب. فإن وافقت السانحة الإرادة، فحظ أقبل، وعبد بلغ من قبول سيده ما أمل، ولم أقل: " عمرك الله " كما قيل في النجمين، بل قلت: " وقد يجمع الله الشتيتين "، وإن عاق حرمان عادته أن يعوق عن الظفر ويعترض دون الأمل، فأعلمه - أيده الله - أني في حالي العطلة مع غيره والتصرف، ويومي الإيطان والتوف، كالمهتدي بالنجم حين عدم ذكاء، ومتيمم الصعيد إذ لم يجد الماء:
فإن أغش قومًا غيره أو أزرهم فكالوحش يدنيه من الأنس المحل
[ ١ / ٤٠٤ ]
والله يتولاه بالفسحة في عمره، والإعلام لأمره، ويصرف الأقدار مع إيثاره، ويصرف وجوه التوفيق إلى اختياره.
ولك يا سيدي في انتدابك لما ندبتك له، ما للساعي المنجح من الشكر، وللمجتهد البالغ من العذر، وملاك الأمر تقديم المراجعة بالإيجاب فأسكن إليها، والجواب فأعتمد عليه، وأهدي إليك ندي الغض الناضر من سلامي، والأرج العاطر من تحيتي.
وكتب إثر ذلك إلى المعتضد رقعةً يقول فيها:
أطال الله بقاء الحاجب فخر الدولة مولاي وسيدي، ومولى المناقب الجليلة، والضرائب النفيسة، في أكمل ما تكفل له به من علو القدر، ونفاذ الأمر، وخصه من النعم بأسبغها سربالًا، وأبردها ظلالًا، وأحمدها مآلًا.
كنت - أعز الله الحاجب مولاي - قد كتبت إلى الوزير أبي عامر عبده بما أيقنت أنه انتهى إليه، واشتمل عليه، فكتب الوزير إلى بعض أسبابه بما يقوم مقام المراجعة لي بما يرتفع عن قدري، ولا تتسع له ساحة شكري، لعلمي أنه عن الحاجب - أيده الله - صدر، وبإذنه نفذ، والذي عداني عن أن يكون الكتاب في ذلك إلى الحاجب - أبقاه الله - التأدب بآداب حصفاء العبيد في الإجلال والإعظام، وترك التبسط والإقدام، وقلما استغنت أوائل مطالب الأتباع بحضرة الملوك من وسائط تمهد لها، وتعتمد
[ ١ / ٤٠٥ ]
أوقات الإمكان بها، لا أني اتخذت إلى الحاجب - أدام الله علوه - إلى استطلاع ما قبله شك في كرمه، ولا سوء ظن بسماحة شيمه، بل لزوم الطريقة في التوطئة للمطلب، والتدرج إلى إحراز الأرب، وحسبي أن أملي قد ارتاد الجناب الرحب، والمشرب العذب، ولعل الحظوظ ستكشف، والنوائب ستصرف، إلى أن أبلغ إلى أبعد غايات الأمل من مشاهدة حضرته العلياء، والنظر إلى غرته الزهراء، فوالله ما ينصرف فكري، ولا ينصرم حين من عمري، إلا في الذكر له والشوق إليه، وتصور المثول بين يديه، وأنا أقدم الاعتذار من مهابة تستملك جنابي، وحصر يكاد يقطع في أول المشافهة لساني، فإن حدث فعذري عذر الفضل بن سهل، وقد انقطع بين يدي الرشيد فقال له: يا أمير المؤمنين، من فراهة العبد أن تملك قلبه مهابة سيده.
وسيفضي ذلك بمشيئة الله إلى ما يستجيزه الحاجب مولاي من إمتاع ويقبله من شاهد، ويشتطرفه من أدب، ويستلطفه من إجمال طلب، وجمال مذهب، كما أني أعلم أني سأصل إلى ما لم أعهد مثله من بهاء منظر، وسناء مخبر، ورفعة شان، وعظم سلطان، ولعل السعادة تهيء لي من الحظ ما أثبت به ما ادعيته لنفسي من هذه الصفات، وأنجز معه ما قدمت عنها من هذه العدات، فحول الله في ذلك كفيل، وهو حسبي ونعم
[ ١ / ٤٠٦ ]
الوكيل. زاد الله الحاجب مولاي من سني قسمه، وهني نعمه، وبلغه النهاية من آماله، وصرف بعزته غير الزمان عن كماله.
وكتب إليه بعد أن صدر عن حضرته إلى قرطبة رقعةً يقول فيها:
أطال الله بقاء مولاي للنعم يطوقها،، والمنن يقلدها، والأحرار يستعبدها. يعلم الذي أسأله إعزاز مولاي، وإعلاء أمره، وصلة تأييده، وتمكين نصره، أني لم أزل منذ فارقت حضرته الجليلة، حضرة المجد والسيادة، ومحل الإقبال والسعادة، لهج اللسان بما أجناني من ثمار الحكمة والنعمة، وأفادني من عقد الأدب والنشب، فمن كبد حاسد تصدعت، وأنفاس منافس تقطعت، وناعم البال كسفت باله، ومتمن لحالي طالما تمنيت حاله، وقل لمن نال أدنى مكانة منه، ورقي أول درجة من الخصوص به، أن تحسده الكواكب في إشرافها، وتنحشد إليه الأماني من أطرافها، والله يبقيه لعبيده الذين أنا آخرهم في الخدمة، وأولهم في شكر النعمة، ويرفع من هممهم ما انخفض، ويبسط من آمالهم ما انقبض، ولا يعدمهم التقلب في نعمه، والاعتلاق بأسباب ذممه، بمجده وكرمه.
وكانت من مولاي - أعزه الله - إشارة بل عبارة أعددتها طليعة لسعود ستتوافى طلقًا، ومقدمةً لمسرات ستتوالى سبقًا؛ فلما لحق الجسم بعد تركه النفس لديه، والبراءة منه إليه، بالوطن الذي
[ ١ / ٤٠٧ ]
أسلاني عنه، وأسنى لي العوض منه، تأتيت من طاعته المقترنة بطاعة الله في نفسي مملوكته، حاولته، ولا عداني تيسر أمر تناولته، ولم تبق علة تسوغ باعتراضها الاعتذار، إلا ما يتراخى ريثما يعاود أمره، ويتجدد في الحركة إذنه، ولم أستأذن لأن الأذن بعد عهد،. فلمولاي الطول في أمر الواسطة عبده بمراجعة أعتمد عليها، وأجتهد في الانتهاء إليها، والله يبلغني الأمل من وقفة بحضرته ونظرة إلى غرته، وتقبيل لراحته، وتصرف في ساحته، فهو المالك لذلك، والقادر عليه.
وله من رسالة حذف أبو الحسن ﵀ هنا أكثرها، ولم يذكر منها إلا قطرة من وابل، أو نفثة من سحر بابل، وها أنا مثبتها على تواليها إشادة بحسن معانيها، واستفادة من سني آدابه فيها، وهي:
يا سيدي الذي كنت أراه أعد عددي لأبدي، وأحصن جنني من زمني، ومن أبقاه الله في أصلح الأحوال، وأفسح الآمال؛ أبدأ من كتابي إليك، بشرح الضرورة الحافزة إلى ما صنعت، مما بلغني أنك صدر اللائمين لي عليه، وأول المسفهين لرأيي فيه، ومن أمثالهم: ويل للشجي من الخلي، وهان على الأملس ما لاقى الدبر، وأوسطة بمعاتبتك على ما كان من انفصالك عني، وبراءتك أمد المحنة مني، وأنك لم تكن في ورد ولا صدر من مشاركتي فيها، ولا كانت لك ناقة ولا جمل في مظاهرتك لي
[ ١ / ٤٠٨ ]
عليها، مع القدرة بك على تهوين خطبها، وتذليل صعبها، وتليين شديدها، وتقريب بعيدها:
فأرى صدقك الحديث وماذا ك لبخلي عليك بالإغضاء
أنت عيني وليس من حق عيني غض أجفانها على الأقذاء وإنما يعاتب الأديم ذو البشرة، والمثل السائر: " ويبقى الود ما بقي العتاب " وقال الأول:
أبلغ أبا مسمعٍ عني مغلغلةً وفي العتاب حياة بين أقوام وأختمه بتكليفك ما كان سبب الكتاب، والداعي إلى الخطاب، عساك أن تتلاقى عودًا ما ضيعت بدءًا، وتهتبل آخرًا ما أغفلت أولًا، فيعود غيثه على ما أفسد، وإن كنت في ذلك كدابغة وقد حلم الأديم، فمنفعة الغوث قبل العطب:
وخير الأمر ما استقلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا في علمك أني سجنت مغالبة بالهوى، وهو أخو العمى، وقد نهى الله تعالى عن اتباعه، وذكر أنه مضل عن سبيله، إذ يقول: ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ (ص: ٢٦) . وقال الشاعر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال دون تأن تدرك بعض الحاجة به، أو استثبات تؤمن مواقعة الزلل معه، بل
[ ١ / ٤٠٩ ]
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل وشهد ابن العطار العشار العاري من الثقة والأمانة، البعيد من الرعية والصيانة الناشر لأذنيه طمعًا، الآكل بيديه جشعًا، فكان القول ما قالت حذام. ولم يقتصر على أن ألحق بالشهود وهو واو عمرو فيهم، ونون الجمع المضاف معهم، دون أن يلحق بخزيمة ذا الشهادتين، وينوب منفردًا عن اثنين،
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وليتني مع من لا يحل قوله علي، أعذر في شهادته إليّ، ولم يقترن الحشف مع سوء الكيلة، وتستضف لي الغدة إلى الموت في بيت سلولية. خطتا خسف لم أر النجاء منهما إلا أن ركبت الحولي الأشهب، ورأيت خراسان مكان السوق أو هي أقرب. وكان المتولي سجني بعد شهر من إنفاذه، له مجلس حضره فقهاء الحضرة، ومن أعلم بسيماهم، وجرى في غشيان الحكام مجراهم، فذكر له أنه اتهمني بالمغيب على عهد المتوفى مولاي - كان - نقع الله صداه وبل ثراه - وثبت عنده مع ذلك أني ممن تعلقه التهم، ولا ترتفع عنه الظنن، فكلهم أفتى بالإعذار إليّ، فيما شهد به عن ذلك علي، ثم سجني
[ ١ / ٤١٠ ]
إن لم آت بمدفع، أو أصدع من الحجة بمقنع؛ فاحتاط واجتهد، وتحرى واقتصد، وصالحني من هذه الفتيا على النصف، بتأخير الإعذار، وتقديم السجن، والصلح جائز بين المسلمين؛ ثم أظهرت إليه عقدًا كان المتوفي - قدس الله روحه ونور ضريحه - قد أشهد فيه أن لا مال له، وأن جميع ما تحيط به الدار التي توفي بعيد هذا الإشهاد فيها إنما هو للغانية التي في عصمته حاشا دقائق بينها، ومحقرات عينها، ومعلوم أن من أشهد بهذا على نفسه، وتقيد إلى مثله من لفظه، فمحال أن يخلف عهدًا، أو يهلك عن وصية. وسألته الشورى فيما أثبته من هذا العقد، فلم يجبني إلى ذلك. ولو لم تكن الشورى من أدب الله إذ يقول: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ (آل عمران: ١٥٩) لوجب أن يعلم أنها لقاح العقل، ورائد الصواب، وأن للمشاور إحدى الحسنيين: صوابًا يفوز بمحمدته، أو خطأ يشارك في مذمته، قال الشاعر:
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي عدة للقوادم قد قرعت له العصا، ونبه على الذي دعوته إليه، لا يسوغ لي دفعه عنه، ولا يجوز منعي منه، فحينئذ عللني بمواعيد
كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا إذا قطعن علمًا بدا علم وكان آخرها الذي نسخ به ما قبله أن تدرج الشورى إلى إبقاء الشورى للورثة، فشويت أرقب هذا الحين وأرجو أن يحين،
كما يرجو أخو السنة الربيعا كما في بطون الحاملات رجاء
فكانت وإياه سحابة ممحلٍ رجاها فلما جاوزته استهلت
[ ١ / ٤١١ ]
وفي فصل منها:
ولم أقص عليك يا سيدي مما اجتلبته إلا ما شهر شهرة الاسم، وعرف معرفة النسب، و" ما يوم حليمة بسر ". وكنت أول حبسي قد وضعت من السجن في موضع جرت العادة بوضع مستوري الناس وذوي الهيئات منهم فيه، وفي الشر خيار، وبعضه أهون من بعض. فمنيت من مطالبة بعض من يأتمر الناظرون في السجن له ويسمعون منه. بما اقتضى نقلي إلى حيث الجناة المفسدون، واللصوص المقيدون. وشكوت ذلك إلى الحاكم الحابس لي في اليوم الذي مضى ذكره بمشهد من تقدم وصفه، فانتفى من الرضى به، وأظهر الامتعاض منه، وتقدم إلى الموكل بالسجن في اختيار مجلس أباين فيه من لا تليق بي ملابسته، وأنتبد عمن لا ترضى لي مجالسته. ثم لم لبث أن أحضره مجلس نظره، وأمر بتأديبه على امتثاله في ما أمره به، وانتهائه إلى ما حد له، وأستأنف العهد في التضييق علي، ومنع من اعتاد صلتي من الوصول إليّ، فأصعدت إلى غرفة في السجن اقنعني بها مع خساستها، وأسلاني عن المصيبة بالكون فيها على مضاضتها، انفرادي من لفيف الأخلاط، ومن ضمه السجن من السلفة والسقاط، فحين استوائي إليها عهد بخطي إليهم وخلطي بهم ووضعني بينهم، فنقلت في نفسي ثلاث نقل على أقبح النصب، وأسوأ الرتب. ودخل إليّ. في هذه الحال من أبلغني عن ابن أخي الحكم رسالة جامعة من السب الفاحش لفنون، مشتملة من الوعيد المرهب على ضروب، فلو ذات سوارٍ لطمتني!!
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب فلم أستطع صبرًا، وعلمت أني قد أبليت عذرًا، ولم يتق إلا أن يعذرني لبيد وكاد ورأيت أن العاجز من لا يستبد، فالمرء يعجز لا المحالة، ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلين: العير والوتد. وذكرت أن الفرار من الظلم والهرب مما لا يطاق من سنن المرسلين، قال الله ﷿ على لسان موسى ﵇ ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ (الشعراء:
[ ١ / ٤١٢ ]
لا عار ولا في الفرار فقد فر نبي الهدى إلى الغار ونظرت في مفارقة الوطن، والبين عن الأحبة، فتبين لي أن إيحاش نفسي، بإيناس أهلي، وقطعها في صلة وطني، غبن في الرأي، وخور في العزم، ووجدت الحر ينام على الثكل، ولا ينام على الذل، وأذنت إلى قولهم: ليس بينك وبين البلاد نسب فخيرها ما حملك.
وإذا نبابك مبزل فتحول
وقال بعض المحدثين:
أرى الناس أحدوثةً فكوني حديثًا حسن
كأن لم يزل ما أتى وما قد قضى لم يكن
إذا وطن رابني فكل مكان وطن ولم أستغرب أن أسام مثل هذا الخسف في مسقط رأسي، ومعق تمائمي، وأول أرض مس ترابها جلدي، فقديمًا ضاع المرء الفاضل في وطنه، وكسد العلق الغبيط في معدته؛ قال بعضهم:
أضيع في معشري وكم بلد يعد عود الكباء من حطبه فاستخرت الله ﷿، واضح العذر، ثابت قدم الحجة، عند من غض عين الهوى، وخزن لسان التعسف. والله يصيب غرض الصواب برأيي، ويقرب غاية النجاح على سعيي، حسبما في علمه أني مظلوم مبغي عليه، منسوب ما لم آته إليّ، فهو المؤمل بذلك والمرجو له.
ولعمرك يا سيدي إن ساحة العذر لتضيق، وما تكاد تتسع لك في إسلامك لتلميذك وابن جارك وشيخك الذي لم تزل متوفرًا عليه، آخذًا عنه، مقتبسًا منه، مع إكثارك من ذكر هذا، والاعتداد به، وادعاء الحفظ له. وقد رويت أن حسن العهد
[ ١ / ٤١٣ ]
من الإيمان، وسمعت المثل: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فالمرء كثير بأخيه، وألا أقل من استعمال الجد، واستغراق الجهد:
فمبلغ نفس عذرها مثل منجح ولا لوم في أمري إذا بلغ العذر ولكن من لك بأخيك كله - وأين الشريك في المر أينا وبعد ما مر بي فالقضاء غالب، وما حم واقع، ولا حذر من قدر، وقد سبق السيف العذل، وتقدم من فعلي ما جف به القلم، وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن، إلا أن رزًا من وعيد سقط إليّ بأن السعي لم يرتفع، وأن مادة البغي لم تنقطع، وأن البصيرة مستحكمة في استرجاعي من الأفق الذي أحل به، والجناب الذي أحط فيه. وأكد ذلك في ظني ما كان أشار إليه بعض من كنت آوي إلى الثقة بعهده، وأبني على الوثاقة من عقده، من الفقهاء الموسومين بالأثرة عند الحكم المذكور، والمكانة منه؛ وقد عاتبته على تأخيره عن مظافرتي، وتقصيره في مؤازرتي، فاعتذر بأن ذلك لا سبيل إليه، ولا منفذ للحيلة فيه، إذ المحرض علي لا تتأتى معارضته، ولا يتهيأ الاستبداد عليه، وأنه وصفني بالبذاء، وعابني بالتسلط على الأعراض، ووالله ما استجزت هذا بعد أن هتك من ستري ما هتك، وانتهك من حرماتي ما انتهك، إذ كنت أقول معذورًا، وأنفث مصدورًا، فكيف قبل ذلك إذ لم يحدث سبب، ولا عرض موجب -
وما لي وهذا المجتنى ثم ماليا و﴿ستكتب شهادتهم ويسئلون﴾ (الزخرف: ١٩) وليست هذه ببكر من النمائم التي دخل بها بين العصا ولحائها:
وإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديمًا صحيحا
[ ١ / ٤١٤ ]
ومن يأذن إلى الواشين تسلق مسامعه بألسنة حداد ويا سيدي:
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري ووالله توعمته أني أوتى ممن زعم أني أتيت منه، مع اتصالي به وانقطاعي إليه، واتسامي بالتأمل له والتعويل عليه،
إن المعارف في أهل النهى ذمم ولكن:
إذا كان غير الله للمرء عدة أتته الرزايا من وجوه الفوائد لقد كان من محاسن الشيم، وشروط المروءة والكرم، أن يهب لي ما أنكر لما عرف، ويغفر ما أسخط لما أرضى، ويدفع بالتي هي أحسن، ويؤثر الذي هو أجمل وأرفق، ويتوقف عند ما نص عليه من سعاية، وزف إليه من وشاية؛ فإن كان باطلًا ألغاه، وفضح المخبر المتقرب به وأقصاه، وإن كان حقًا صبر صبر الحليم، وأغضى إغضاء الكريم وقبل إنابة المعتب، واقتص في مؤاخذة المنب، فقدم التوقيف قبل التثقيف، والتأنيب قبل التأديب،
فإن الرفق بالجاني عتاب والحر يلحى والعصا للعبد
ولست بمستبق أخًا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب - وهو يرى ويسمع أن بالحضرة قومًا لا يحصرهم العد، تحتمل سقطاتهم، وتغتفر هفواتهم، وتقال عثراتهم:
[ ١ / ٤١٥ ]
وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا وما أعلم أنهم يدلون بوسيلة لا أشاركهم فيها، ولا يمتون بذريعة ينفردون دوني بها
هو الجد حتى تفضل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيدا فإن كانت مسامحتهم لسابقة سلفت فقد أحرزت منها الحظ الأعلى، أو لكمال أدب فقد ضربت فيه بالقدح المعلى، أو للطف تودد فما قصرت في الاجتهاد، غير أني حرمت التوفيق
والأمر لله، رب مجتهدٍ ما خاب إلا لأنه جاهد
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء ففي سوء القضاء لي العذر والله لقد أظهرت مدحه، وأضمرت نصحه، وتممت على الصياغة له، وجريت ملء العنان إلى الاعتلاق به، أسقيه السائغ من مياه ودي، وأكسوه السابغ من برود حمدي، وأجنيه الغض من ثمرات شكري، وأهدي إليه العطر من نفحات ذكري، لا يفيدني التحبب إليه إلا ضياعًا لديه، ولا يزيدني التقرب منه إلا بعدًا عنه:
كأني أستدني به ابن حنيةٍ إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا والذي أحبه منك، وأثق في المسارعة إليه بك، لقاؤه مجاريًا ذكري، مفاوضًا في أمري، معلمًا له بما لا يذهب عنه من أن الذي اخترته لنفسي غاية ما يسيء القرونة، ويساء المولى منه، فالجلاء أخ القتل، والغربة أحد السبائين، قال الله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ (النساء: ٦٦)، وقال الشاعر:
ومن يغترب عن داره لا يرى مصارع مظلوم مجرًا ومسحبا
[ ١ / ٤١٦ ]
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا وقد هجرت الأرض التي هي ظئري، والدار التي كانت مهدي، وغبت عن أمٍ أنا واحدها، تمتد أنفاسها شوقًا إليّ،، والله يرى بكاءها، ويسمع لي على من ظلمني نداءها، فالاستجابة مضمونة للمخلص والمظلوم؛ وقد حملت السمتين، واستوجبت الصفتين، ولتكن بغيتك التي تدخرها عليها كلمة تأمن، وإشارة إلى تأنيس وتسكين، تراجعني بها فأظهر بحيث أنا آمنًا، وألقي العصا مطمئنًا، فإن وجدت محز الشفرة فالعوان لا تعلم الخمرة فإن أشبهت الليلة البارحة، أعلمتني بذلك، فطلبت الأمن في مظانه، وتقريت السلامة في مواطنها، وصبرت حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. ﴿كل يوم هو في شان﴾ (الرحمن: ٢٩)، ومع اليوم غد:
ولكل حالٍ معقب ولربما أجلى لك المكروه عما تحمد ولك يا سيدي في انتدابك لما اندبتك إليه الفضل، والأيادي قروض، والصنائع ودائع، " لا يذهب العرف بين الله والناس "، والتحية الطيبة والسلام المردد على سيدي.
@ومما يتعلق بذكر وفاة ذي الوزارتين، رحمة الله عليه
فصل من تاريخ الشيخ أبي مروان ابن حيان، رأيت إثباته لنبل مساقه، وحسن اتساقه، يقول فيه:
[ ١ / ٤١٧ ]
وفي يوم الاثنين لثلاث عشرةً ليلةً خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وأربعمائة، سار الحاجب سراج الدولة عباد بن محمد إلى إشبيلية - الحضرة الأثيرة - لمطالعتها وتأنيس أهلها من وحشةٍ خامرت عامتهم، من أجل عدوان رجلٍ منهم على يهودي جاء لامرجة السوق عندهم، ماراه في بعض الأمر، فزعم أنه سب الشريعة، فبطش به المسلم وسط السوق وجرحه وحرك عليه العامة، فقبض عليه صاحب المدينة عبد الله بن سلام واعتقله، فكان لعامة الناس في إنكار حبسه كلام وإكثار خشي وباله، فخاطب السلطان بقرطبة ما كان منه ويستأمر في شأنه، فعجل إنفاذ ولده الحاجب سراج الدولة إلى إشبيلية في جيش كثيف من نخبة علمائه ووجوه رجاله، لمشارقة القصة، والاحتياط على العامة، فغدوا معه وسط هذا اليوم، وأنفذ معه ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أحد الثلاثة كابري وزرائه المثناة وزارتهم، عمد دولته، النفوذ مع الحاجب على بقية وعكٍ كان متألمًا منه، ولم يعذره في التوقف من أجله. فمضى لطيته مسوقًا إلى منيته، وخلف ولده أبا بكر الفذ الوزارة، المرتسم بالكتابة وراءه، سادًا مكانه بالحضرة، فأقر فيها أيامًا، ثم أمر بالمسير وراء والده لأمر كلفه، أعجل بالانطلاق له؛ فمضى بعينه غداة يوم السبت لثمان خلون من المحرم سنة ثلاث وستين بعدها. فخلت منهم منازلهم وصيرت إلى سواهم، فتحدث الناس بنبو مكان الأديب ابن زيدون لدى السلطان، وأن استساكه بعلى مرتبته، بعد مختصه المعتضد بالله، كان من المعتمد على الله رعايةً لخصوصية ابنه
[ ١ / ٤١٨ ]
به، يغص باستمرارها ثقتاه المختصان به، الحظيان لديه، المستهمان لخاصته: ابن مرتين وابن عمار، إلى أن عملا في إبعاده وإبعاد ابنه الرقيب بعده، فأمضي خلفه، فعندها استساغا غصته، واستهما مكانه، واحتويا على خاصة السلطان وتدبير دولته؛ ولكل دولة رجال، ولكل مكتف أبدال.
ولم يطل الأمد بابن زيدون - ﵀ - بعد لحاق ابنه به، ووجدانه إياه متزايدًا في مرضه، نازحًا عن ألافه، على جهده في استدعائها على انتهاء المدة، وانتهاك القوة؛ فاستقر به وجعه إلى أن قضى نحبه، وهلك بدار هجرته إشبيلية صدر رجب سنة ثلاث وستين، فدفن بها مشهودًا مفتقدًا، واحتوى تربها عليه، فيا بعد ما بين قبره وقبر ابنه لدينا، رحمة الله عليهما؛ فقد تولى من أبي الوليد كهل لن يخلف الدهر مثله جمالًا وبيانًا وبراعة ولسانًا وظرفًا، وحلولًا من مراتب البلاغة - نظمًا ونثرًا - بمرقبةٍ لم يخلف لها بعده عاطيًا، بقرانه بين الكلامين، وبراعته في الفنين، إلا أن يكون عند أولي التحقيق والتحصيل في النظم أمد طلقًا، وأحث عنقاص، فلا يلحقه فيه تقصير ولا يخشى رهقًا، أشهاده في الفنين عدول مقانع حضور عند أهل المعرفة.
لقد اتصل خبر هلكه بعشيرته أهل قرطبة فتناعوه، وسيئوا لفقده، وحزنوا عليه، إذ كان منهم، متعصبًا لهم، هاويًا إليهم، حدبًا عليهم، وليجة خير بينهم وبين سلطانهم الحديث الولاية، فصار مصابه لديهم كفاء ما اجتث فيه من تأميلهم، والبقاء لمن تفرد به وحده، لا رب غيره.
ولا جرم أن عزى الله إخوانه عنه بامتداد بقاء فتاه الندب أبي بكر ولده، سادًا ثلمه، ساميًا مسماه، غائظًا عداه، عاطيًا منتهاه، بأنواط صدق، يجذبن إلى العلاء بضبعه، من شماخة ودماثة وحصافة ونزاهة ومعرفة، ووفور حظ من أدب بلاغة وكتابة، وشركة في التعاليم المعلية، واشتداد
[ ١ / ٤١٩ ]
في رعاية متقادم الذمة، لم يفقد إخوان أبيه معها إلا عينه: خلال حركن حاله عما قليل بعد أبيه عند سلطانه قسطاس السياسة، فاستبصر في إحضاره، وأدناه من اجتبائه، ورقاه في مراتب والده، منقلًا له في درجاتها، راضيًا بلاءه فيما ناط به منها، حتى فرع ذروتها عما قليل، فأحظاه بالوزارة ووزره بحضرته الأثيرة إشبيلية، وجمع له أعاظم خططها العلية، معاطن التنافس من قوام المملكة: خطة ولاية المدينة مجموعة إلى خطة ولاية السكة - بكل استقل، وعلى كل استظهر، فكفى وعدل، فاغتبط به السلطان، وواتاه الزمان، والله يؤتي فضله من يشاء، له الفضل والامتنان.
وفي فصل: وكان أبو الوليد ممن أنشأته دولة الجهاورة، واصطفته الفرس للأساورة؛ اختص بأبي الوليد اختصاص القرح بالنور، وارتبط بهم ارتباط الإفاضة بالفور. وأبو الحزم ابن جهور إذ ذاك رأس الجماعة، وأصل تلك الإمرة المطاعة، من رجل أدهى من فقيد عمان، وأجرأ من ليث خفان، وأدهى من عمرو بن الجعان.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ومان ابن زيدون متصلًا بابنه أبي الوليد أطول حقبة، اتصال أبي زبيد بالوليد بن عقبة " وبينهما تألف أحرما بكعبته وطافا، وسقياه من تصافيهما نطاقا، وابن زيدون يعتد ذلك حسامًا مسلولًا، ويرى أنه يرد به صعب الخطوب ذلولًا، إلى أن طلب عند ابيه أبي الحزم وتوسل، فاستدفع به تلك الأسنة المشرعة والأسل، فما ثنى إليه عنان عطفه، ولا كف عنه سنان صرفه " مع استعطافه له بكل مقال يحل سخائم الأحقاد، واستلطفه إياه بما يرد الصعب سلس القياد؛ فمن بديع ذلك وأحسنه قوله:
إيه أبا الحزم اهتبل غرةً ألسنة الشكر عليها فصاح
لا طار لي حظ إلى غاية إن لم أكن منك مريش الجناح
عتباك بعد العتب أمنية مالي على الدهر سواها اقتراح
لم يثنني عن أمل ما جرى قد يرقع الخرق وتوسى الجراح
فاشحذ بحسن الرأي عزمي يرع منه العدا بكل شاكي السلاح
واشفع فللشافع نعمى بما تمر من عقد وثيق النواح
إن سحاب الأفق منها الحيا والحمد في تأليفها للرياح وكان القاضي أبو بكر ابن ذكوان، أجل من اشتمل عليه أوان، مجدًا وشرفًا، وتفننا في العلم وتصرفًا، مع دعابة حين خلواته تحل حبى المحتبي، ورقاعة عند نشواته كالتنوخي والمهلبي؛ فإذا أصبحوا بكر أبو بكر إلى مصادرة ما يتجه عليه الحكم ومواجهته، وأنكر ما كان عليه من فكاهته، فكأنما في برديه الأنام، وكأنه وقارًا يذبل أو شمام، مع عدله فيقضائه، وإنفاذ الحكم بمقتضى الحق وإمضائه. حتى إذا راح
[ ١ / ٤٢١ ]
الرواح عادوا إلى القصف، وتجاوزوا في ميدانهم كل وصف. إلى أن اختلس أبو بكر منهما، وتقلص ذيل مؤانسته عنهما، فاعتاضا عنه بسواه، وأفاضا فيما كانا فيه وما تعدياه.
واتفق أن مر بقبره في لمة من أخوانه، وجماعة من عمار ميدانه، فعطفوا عليه مسلمين ووقفوا عليه متألمين، فقال أبو الوليد:
ما أقبح الدنيا خلاف مودع غنيت به في حسنها تختال
يا قبره العطر الثرى لا يبعدن حلو من الفتيان فيك حلال
ما أنت إلا الجفن أصبح طيه نصل عليه من الشباب صقال
يا من شأى الأمثال منه واحد ضربت به في السؤدد الأمثال
نقصت حياتك حين فضلك كامل هلا استضاف إلى الكمال كمال
زرناك لم تأذن كأنك غافل ما كان منك لواجب إغفال
أين الحفاوة روضها غض الجنى أين الطلاقة ماؤها سلسال
هيهات لا عهد كعهدك عائد إذ أنت في وجه الزمان جمال
فاذهب ذهاب البرء أعقبه الضنى والأمن وافت بعده الأوجال
حيا الحيا مثواك وامتدت على ضاحي ثراك من النعيم ظلال
وإذا النسيم اعتل فاعتامت به ساحاتك الغدوات والآصال
ولئن أذالك بعد طول صيانةٍ قدر فكل مصونة ستدال وله:
على دارة الشرقي مني تحية زكت وعلى وداي العقيق سلام
ولا زال روض بالرصافة ضاحك بأرجائها يبكي عليه غمام
معاهد لهو لم تزل في ظلالها تدار علينا للسرور مدام
زمان رياض العيش خضر نواعم ترف وأمواه النعيم جمام
فإن بان مني عهدها فبلوعةٍ يشب لها بين الضلوع ضرام
[ ١ / ٤٢٢ ]
ومن اجلها أدعو لقرطبة المنى بسقيا ضعيف الطل وهو رهام
فما لحقت تلك الليالي ملامة ولا ذم من ذاك الحبيب ذمام وله:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى فما حال من أمسى مشوقًا كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
وما انفك جوفي الرصافة مشعري دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسي صبابة لقلبي لا تألو زناد الأسى قدحا
وليس ذميمًا عهد مجلس ناصح فأقبل في فرط الولوع به نصحا
كأني لم أشهد لدى عين شهدةٍ نزال عتاب كان آخره الفتحا
وقائع جانيها التجني فإن مشى سفير خضوعٍ بيننا أكد الصلحا
وأيام وصل بالعقيق اقتضيتها فإن لا يكن ميعاده العيد فالفصحا
معاهد لذات وأوطان صبوةٍ أجلت المعلى في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازحٍ تقضت مبانيها مدامعه نزحًا!
مقاصر ملك أشرقت جنباتها فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
هناك الجمام الزرق تندى حفافها ظلال عهدت الدهر فيها فتىً سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها صدى فلوات قد أطار الكرى ضبحا
ومن حملي الكأس المفدى مديرها تقحم أهوال حملت لها الرمحا وله يرثي:
[ ١ / ٤٢٣ ]
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك حليه وذكراك في أردان أيامه عطر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى وأخطر علق للهدى أفقد الدهر
فهل علم الشلو المقدس أنني مسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وأن متاني لم يضعه محمد خليفتك العدل الرضا وابنك البر
وأرغم في بري أنوف عصابةٍ لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حيوة وقام سماطًا حفله فلي الصدر ومما أغفل ابن بسام من نسيب أبي الوليد الصحيح الأقسام، النازح عن الأطماع والأوهام، المصدق قول الجعفرية فيما ينص من الإلهام، قوله:
لئن قهر اليأس فيك الأمل وحال تجنيك دون الحيل
وناجاك بالإفك في الحسود فأعطيته جهرة ما سأل
وراقك سحر العدا المفترى وغرك زورهم المفتعل
وأقبلتهم في وجه القبول وقابلهم بشرك المقتبل
فإن ذمام الهوى لن أزال أبقيه حفظًا كما لم أزل
فديتك إن تعجلي بالوفاءفقد يهب الريث بعض العجل
علام اطبتك دواعي القلى وفيم نهتك نواهي العذل
ألم أوثر الصبر كيما أخف ألم أكثر الهجر كيلا أمل
ألم أرض منك بغير الرضى وأبدي السرور بما لم أنل
ألم أغتفر موبقات الذنو ب عمدًا أتيت بها أم زلل
وما ساء ظني في أن يسيء بي الفعل حسنك حتى فعل
على حين أصبحت حسب الضمير ولم تبغ منك الأماني بدل
وصانك مني وفي أبي لعلق العلاقة أن يبتذل
سعيت لتكدير عهد صفا وحاولت نقض وداد كمل
[ ١ / ٤٢٤ ]
فما عوفيت مقتي من أذى ولا أعفيت ثقتي من خجل
ومهما هززت إليك العتا ب ظاهرت بين ضروب العلل
كأنك ناظرت أهل الكلام وأوتيت فهمًا بعلم الجدل
ولو شئت راجعت حر الفعال وعدت لتلك السجايا الأول
فلم يك حظي منك الأخس ولا عد سهمي فيك الأقل
عليك السلام سلام الوداع وداع هوىص مات قبل الأجل
وما باختياري تسليت عنك ولكنني مكره لا بطل
ولم يدر قلبي كيف النزوع إلى أن رأى سيرة فامتثل
وليت الذي قاد عفوًا إليك أبي الهوى في عنان الغزل
يحيل عذوبة ذاك اللمى ويشفي من السقم تلك المقل وقوله أيضًا:
فديتك ليس لي قلب فأسلو ولا نفس فآنف إن حفيت
فإن يكن الهوى داء مميتًا لمن يهوى فإني مستميت
أسر عليك عتبًا ليس يبقى وأضمر فيك غيظًا لا يبيت
وما ردي على الواشين إلا رضيت بحب قاتلي رضيت وقوله:
أنى أضيع عهدك أم كيف أخلف وعدك -
وقد رأتك الأماني رضىً فلم تتعدك
يا ليت ما لك عندي من الهوى ما لي عندك
وطال ليلك بعدي كطول ليلي بعدك
سلي حياتي أهبها فلست أملك ردك
الدهر عبدي لما أصبحت في الحب عبدك
[ ١ / ٤٢٥ ]
ولأبي بكر بن عمار يخاطب أبا الوليد ابن زيدون، رحمهما الله:
كيف اعتززت على الدليل وقطعت أسباب الوصول -
وقتلتني وزعمت أن الذنب منا للقتيل
وعليك جاهدت العدا وإليك ملت عن العذول
يا قاتلي ودمي بصف حة خده أهدى دليل
ما أليق الفعل الجمي ل بذلك الوجه الجميل
أبرزت في خلق الكري م وراءه خلق البخيل
ودعوتني حتى أجب تك ثم حدت عن السبيل
جد بالقليل فإن نف سي منك تقنع بالقليل
واذكر على زمن قطع ناه بصافية شمول
إذ نسحب الأذيال ما بين الخليج إلى النخيل
ونحل من سيف الغدي ر بقبة الظل الظليل
والروض ممطور تنم عليه أنفاس القبول
والشمس ترمقنا خلا ل الغيم عن طرف كليل
إبان يحدو الرعد من ورق السحائب كالحمول
ويهز كف البرق في ال آفاق مرهفة النصول
زمن ستبكيه الحما م معي وتذهل عن هديل
يا برق أد رسالتي تفديك نفسي من رسول
عرج بشلب محييًا ما شئت من تلك الطلول
والمع على شرفات حم ص قرارة الشرف الأثيل
فإذا اجتلاك أبو الولي د بناظر اليقظ النبيل
فاقرأه من قلبي سلا مًا يقتضي حسن القبول
يا غرة الزمن البهي م وعزة الأدب الذليل
ومحكم القلم القصي ر على شبا الرمح الطويل
[ ١ / ٤٢٦ ]
أعلمت أني خادم ذكراك بالشكر الجزيل
لم أستحل عما عهد ت مع الزمان المستحيل
أشفع عنايتك الجلي لة لي لدى الملك الجليل
ولئن أجبت لراغبٍ وأقلت عثرة مستقيل
فلكم أتيت بمثلها وهي الصنيعة في مثيلي
يا أنس بدر في الظلا م وبرد ظل في المقيل وله يتغزل في ولادة:
يا نازحًا وضمير القلب مثواه أنستك دنياك عبدًا أنت مولاه
ألهتك عنه فكاهات تلذ بها فليس يجري ببال منك ذكراه
عل الليالي تبقيني إلى أجل الدهر يعلم والأيام معناه وله يتشوق إليها:
غريب بأقصى الشرق يشكر للصبا تحملها منه السلام إلى الغرب
وما ضر أنفاس الصبا في احتمالها سلام فتى يهديه جسم إلى قلب وله:
أيوحشني الزمان وأنت أنسي ويظلم لي النهار وأنت شمسي -
وأغرس في محبتك الأماني فأجني الموت من ثمرات غرسي -
لقد جازيت هجرًا عن وفاء وبعت مودتي ظلمًا ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكمي فديتك من مكارهه بنفسي
[ ١ / ٤٢٧ ]
وله:
ولقد شكوتك الهوى ودعوت من حنق عليك فأمنا
منيت نفسي من هواك بضلة ولقد تغر المرء بارقة المنى " وله يتغزل، ويعاتب من يستعطف ويستنزل ":
يا مستخفًا بعاشقيه ومستغيثًا لناصحه
ومن أطاع الوشاة فينا حتى أطعنا السلو فيه
الحمد لله إذ أراني تكذيب ما كنت تدعيه وكتب عن المعتضد إلى صهره الموفق أبي الجيس بن مجاهد:
عرفت عرف الصبا إذ هب عاطره من أفق من أنا فيقلبي أشاطره
أراد تجديد ذكراه على شحط وما تيقن أني الدهر ذاكره
نأى المزار به والدار دانية يا حبذا الفأل لو صحت زواجره
خلي أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنا فيشتفي منك قلب أنت هاجره
[ ١ / ٤٢٨ ]
@بعض خبر ولادة
قال ابن بسام: وأما ولادة التي ذكرها أبو الوليد بن زيدون في شعره فإنها بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري. وكانت في نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر. وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبًا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب. على أنها - سمح الله لها. وتغمد زللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. كتبت - زعموا - على أحد عاتقي ثوبها:
أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها وكتبت على الآخر:
[ ١ / ٤٢٩ ]
وأمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها هكذا وجدت هذا الخبر، وأبرأ إلى الله من عهدة ناقليه، وإلى الأدب من غلط النقل إن كان وقع فيه.
ولها مع أبي الوليد بن زيدون أخبار طوال وقصار، يفوت إحصاؤها ويشق استقصاؤها.
قال أبو الوليد: كنت في أيام الشباب، وغمرة التصاب، هائمًا بغادة، تدعى ولادة، فلما قدر اللقاء، وساعد القضاء، كتبت إليّ:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يسر فلما طوى النهار كافوره، ونشر الليل عنبره، أقبلت بقد كالقضيب، وردف كالكثيب، وقد أطبقت نرجس المقل، على ورد الخجل، فملنا إلى روض مدبج، وظل سجسج، قد قامت رايات أشجاره، وفاضت سلاسل أنهاره، ودر الطل منثور، وجيب الراح مزرور، فلما شببنا نارها، وأدركت فينا ثارها، باح كل منا بحبه، وشكا أليم ما بقلبه، وبتنا بليلة أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور. فلما انفصلت عنها صباحًا، أنشدتها ارتياحًا:
[ ١ / ٤٣٠ ]
ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنًا حفظ الله زمانًا أطلعك
أن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك قال أبو الوليد: وكانت عتبة قد غنتنا:
أحبتنا إني بلغت مؤملي وساعدني دهري وواصلني حبي
وجاء يهنيني البشير بقربه فأعطيته نفسي وزدت له قلبي فسألتها الإعادة، بغير أمر ولادة، فخبا منها برق التبسم، وبدا عارض التجهم، وعاتبت عتبة، فقلت:
وما ضربت عتبى لذنب أتت به ولكنما ولادة تشتهي ضربي
فقامت تجر الذيل عاثرة به وتمسح طل الدمع بالعنم الرطب فبتنا على العتاب، في غير اصطحاب، ودم المدام مسفوك، ومأخذ اللهو متروك. فلما قامت خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، وأنفت من الاعتراف، وباكرت إلى الانصراف، وشت بمسك الأنقاس، على كافور الأطراس:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا لم تهو جاريتي ولم تتخير
[ ١ / ٤٣١ ]
وتركت غصنًا مثمرًا بجماله وجنحت للغصن الذي لم يثمر
[ولقد علمت بأنني بدر السما ولكن دهيت لشقوتي بالمشتري] وأما ذكاء خاطرها، وحرارة نوادرها، فآية من آيات فاطرها: مرت بالوزير أبي عامر ابن عبدوس - المتقدم الذكر - وكان بقرطبة أحد أعيان المصر، وبعض من هذى باسمها، وتصرف على حكمها، وأمام داره بركة دائمة تتولد عن كثرة الأمطار، وربمًا استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار، وقد نشر أبو عامر كميه، ونظر في عطفيه، وحشر أعوانه إليه، فقالت له: أبا عامر:
أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا فكلاكما بحر فتركته لا يحير حرفًا، ولا يرد طرفا.
وطال عمرها وعمر أبي عامر حتى أربيا على الثمانين، وهو لا يدع مواصلتها، ولا يغفل مراسلتها. وتحيف هذا الدهر المستطيل حال ولادة، فكان يحمل كلها، ويرقع ظلها، على جدب واديه، وجمود روائحه وغواديه، أثرًا جميلًا أبقاه، وطلقًا من الظرف جرى إليه حتى استوفاه.
وكانت - زعموا - تقرض أبياتًا من الشعر، وقد قرأت أشياء منه في بعض التعاليق، أضربت عن ذكره، وطويته بأسره، لأن أكثره هجاء وليس له عندي إعادة ولا إبداء، ولا من كتابي أرض ولا سماء.
[ ١ / ٤٣٢ ]
ونشير هاهنا أيضًا إلى شيء من أخبار أبيها المستكفي مدًا لأطناب الآداب، ووفاء بشرط الكتاب.
@التعريف بمحمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الناصري
@والد ولادة
قال أبو حيان: بويع محمد بن عبد الرحمن الناصري، يوم قتل عبد الرحمن المستظهر يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة، فتسمى بالمستكفي بالله، اسمًا ذكر له فاختاره لنفسه، وحكم به سوء الاتفاق عليه، لمشاكلته لعبد الله المستكفي العباسي - أول من تسمى به - في أفنه ووهنه وتخلفه وضعفه، بل كان هذا زائدًا عليه في ذلك، مقصرًا عن خلال ملوكية كانت في المستكفي سميه، لم يحسنها محمد هذا لفرط تخلفه، على اشتباههما في سائر ذلك كله: من توثبهما في الفتنة، واستظهارهما بالفسقة، واعتداء كل واحد منهما على ابن عم ذي رحم ماسة، وتوسط كل واحد منهما في شأنه بامرأة خبيثة، فلذلك حسناء الشيرازية، ولهذا بنت سكرى المورورية فأصبحا في ذلك على فرط التنائي عبرة.
وقال صاحب كتاب نقط العروس: ومن العجب اتفاقهما في الأخلاق
[ ١ / ٤٣٣ ]
وفي العمر واللقب، وأن كل واحد منهما خلع عن الأمر، وكل واحد منهما تركه أبوه صغيرًا.
قال أبو حيان: ولم يكن هذا المستكفي من هذا الأمر في ورد ولا صدر، إنما أرسله الله تعالى على أهل قرطبة محبة وبلية، إذ كان منذ عرف غفلًا عطلًا منقطعًا إلى البطالة، مجبولًا على الجهالة، عاطلًا من كل خلة تدل على فضيلة، عضته الفتنة فأملق حتى استجاز طلب الصدقة. رأيته أيام الخسف بأهل بيته في الدولة الحمودية، ولم يكن ممن لحقه الاعتقال لتحقير أمره، يقصد أهل الفلاحة أوان ضمهم لغلاتهم يسألهم من زكاتها تكليمًا ومخاطبة.
وبالجملة في تلخيص التعريف بأمره أن أجمع أهل التحصيل أنه لم يجلس في الإمارة مدة تلك الفتنة أسقط منه ولا أنقض، إذ لم يزل معروفًا بالتخلف والركاكة، مشتهرًا بالشرب والبطالة، سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة، ضدًا لقتيله عبد الرحمن المستظهر في اللب والمعرفة. وكان افتتح هذه السنة المؤرخة القاسم بن حمود بخلافته، واختتمها هذا المستكفي المذكور. وكان بينهما عبد الرحمن المستظهر القتيل، فتصرمت تلك السنة النكدة عن ثلاثة خلفاء، وهذا من غريب الأنباء، ولله البقاء السرمدي.
وقلد هذا المستكفي الأمر ولم يكن من أهله، فتلقى جميع الناس بالإيناس، واستمالهم بالأهوية، ورأى أن المال عزيز، فظن البشر الرخيص يقوم مقامه أو ينوب منابه، فكان يقول للناس أجمعين: ارتعوا
[ ١ / ٤٣٤ ]
كيف شئتم، وتسموا بما أحببتم من الخطط. فتسمى بالوزارة في أيامه مفردةً ومثناة أراذل الدائرة، وأخابث النظار، فضلًا عن زعانف الكتاب والخدمة. وأما الشرطة العليا وما دونها من رفيع المنازل فحملها كثير من التجار والعامة، وانثال الناس على ابتغاء هذه المنازل عند السلطان بالطماعية في كرة الدولة، فغشوا بابه، وعمروا فناءه، وتعللوا بالمنى. فلما استبانوا ضعفه رفضوا خططهم، وتبرأ كثير منهم منها، وأقسم أنه لم يتقلدها، ولا سيما عند تكرر التقسيط عليهم للغرامة عند إلحاح الإضاف، فجرت لبعضهم عند الانتفاء عن تلك الخطط نوادر ظريفة مضحكة؛ وانتهى هذا التنويه العام، بهذا الملك الهمام، إلى أن فضه أيضًا في طبقات أهل العلم، فأسهم منهم الفقهاء، فآثر العلية منهم المشاورين أصحاب الفتوى بالإرقاء إلى خطة الوزارة، خالطًا بهم فيها من ذكرناه من زعانف الخدمة، وكبار الدائرة النظار. وجاءوا في ذلك بطامة لم تسمع في الأعصر الخالية، فأخطأوا وألحقوا بالدين وصمةً، وطلبوا زيادة المعتلي على العامة، ففتنوا بهذه الخطة، وشدوا أيديهم عليها، وهجروا من حطهم في الخطاب عنها، معرضين بما يعاب من ذلك، إلى أن مضوا بسبيلهم. وارتقى المستكفي أيضًا بكثير ممن يحمل المحابر، ويدرس مسائل الدفاتر، من أصاغر الطبقة الفقهية، إلى ما بلغت عليتهم من منزلة الشورى، فوسم كافتهم بوسم الفتوى، فأسرف في ذلك حتى
[ ١ / ٤٣٥ ]
بلغ عددهم بقرطبة يومئذ إلى الأربعين، وذلك ما لم يعهد في الغابرين.
وكثر الإرجاف بتغيير رجال الدائرة، فاضطربت قرطبة لكثرة من كان فيها من المردة، فقبض على جماعة من بني عمه وحاشيته، منهم علي بن أحمد بن حزم، وعبد الوهاب ابن عمه المتقدما الذكر، سجنوا بالمطبق، ثم عاجل المستكفي ابن عمه عبد العزيز العراقي، فخنق وأمسى ميتًا ونعاه إلى الناس، فلم يخف عليهم اغتياله.
وفي أيام المستكفي هذا استؤصل بقية قصوره جده الناصر بالخراب، وطمست أعلام قصر الزهراء، واقتلع نحاس الأبواب ورصاص القني، وغير ذلك من الآلات. فطوي بخرابها بساط الدنيا، وتغير حسنها، إذ كانت جنة الأرض، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فأرة المسك، وأوهن بنية من بعوضة النمرود، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت.
فلما كانت سنة ست عشرة وتحرك يحيى بن حمود إلى قرطبة، وضعف أمر المستكفي، اتفق الملأ على خلعه، فدخلوا عليه وقالوا له: قد علم الله اجتهادنا في تثبيتك، فاعتاص ذلك علينا، واضطررنا إلى مقارعة عدونا، وها نحن خارجون إليه، ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا، فإن تك لك الكرة فلا تيأس، فمع اليوم غد. فأجمل الرد، وانقاد للدنية
[ ١ / ٤٣٦ ]
واستشعر الذل، واهتبل الغرة، وعزم على الهروب. فخرج على وجهه وقد لبس ثياب الغانيات منتقبًا بين امرأتين لم يميز منهما لمرانته على التخنيث. وخرج عن قرطبة فمات بأقليش، فكانت دولته سبعة عشر شهرًا صعابًا نكدات، سودًا مشوهات مشؤومات؛ انتهى ما لخصته في حديثه من كلام ابن حيان.
@فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط
@الكفيف وسياقة جملة من نثره ونظمه
[قال ابن بسام]: وأبو عبد الله بن الحناط هذا زعيم من زعماء العصر - كان - ورئيس من رؤساء النظم والنثر في ذلك الأوان، وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام، وغمرة علم سالت بأعلام الأنام، فكم له من وقذة لا يبر أميمها، ونكزةٍ لا يسلم سليمها. وكانت بينه وبين أبي عامر بن شهيد بعد تمسكه بأسبابه. وانحاشيه - كان - إلى جنابه، مناقضات في عدة رسائل وقصائد أشرقت أبا عامر بالماء، وأخذت عليه بفروج الهواء، وقد أوردت من ذلك ما يكون أنطق لسان بنباهة ذكره، وأعدل شاهد على براعة قدره.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقد ذكره ابن حيان في فصل من كتابه فقال: وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة نعي إلينا أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط الشاعر الضرير القرطبي، بقية الأدباء النحارير في الشعر، هلك بالجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم، وهلك إثره ابنه الذي لم يكن له سواه بمالقة فاجتث أصله. وكان من أوسع الناس علمًا بعلوم الجاهلية والإسلام، بصيرًا بالآثار العلوية، عالمًا بالأفلاك والهيئة، حاذفًا بالطب والفلسفة، ماهرًا في العربية والآداب الإسلامية، وسائر التعاليم الأوائلية؛ من رجل موهن في دينه، مضطرب في تدبيره، سيء الظن بمعارفه، شديد الحذر على نفسه، فاسد التوهم في ذاته، عجيب الشأن في تفاوت أحواله، ولد أعشى الحملاق، ضعيف البصر، متوقد الخاطر، فقرأ كثيراص في حال عشاه، ثم طفئ نور عينيه بالكلية، فازداد براعةً، ونظر في الطب بعد ذلك فأنجح علاجًا. وكان ابنه يصف له مياه الناس المستفتين عنده، فيهتدي منها إلى ما لا يهتدي له البصير، ولا يخطئ الصواب في فتواه ببراعة الاستنباط؛ وتطبب عنده الأعيان والملوك والخاصة، فاعترف له بمنافع جسيمة، وله مع ذلك أخبار كثيرة مأثورة.
@جملة من نثره
فصل له من رقعة خاطب بها ابن دري: حنانيك أيها الغيث الهطل، ولبيك أيها الروض الخضل، فإنه طلع علينا من رعين رائد رتع بروضك، وكرع في حوضك؛ هز بك عطف الشعر، فمد إليك طرفه، وثنى إليك عنان الشكر، فحث نحوك طرفه.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وكان فلان ذو الخلق العميم، والخلق الكريم - ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ (الحديد: ٢١) يتحفنا من ذكرك بنافجة مسك، ويخبرنا بخبرك عن واسطة سلك، وتعرف مواقع الغيث برواده. فعن مقة نزعنا إليك فاجتهدنا، وعن ثقة نبهنا لها عمر ثم نمنا، وما حركنا من أدبك ساكنًا، ولا أثرنا من كرمك كامنًا، غير أن الجمر يحش على ذكائه، والنصل يهز على مضائه، فدونكها قد حبر الحبر تطريزها، وإليكها قد خلص الفكر إبريزها، تتلفع منها في حلة ثناء، وتتوج منها إكليل بهاء، يخال مدادها من بهيم الليل صنع، ويحسب رقها من أديم الصبح قطع. أرسلناها كافورةً بمسك موسومة، وأهديناها درة بياقوت مختومة، وأقدم أولًا الإعتراف بالتقصير، وأذعن في الكف عن التعبير، إذ أهديت الدرغلى منظمه، وخلعت الوشي على منمنمه.
وله من أخرى:
الإسهاب كلفة، والإيجاز حكمة، وخواطر الألباب سهام، يصاب بها أغراض الكلام؛ وأخونا أبو عامر يسهب نثرًا، ويطول نظمًا، شامخًا بأنفه، ثانيًا من عطفه، متخيلًا أنه قد أحرز السباق في الآداب، وأوتي
[ ١ / ٤٣٩ ]
فصل الخطاب، فهو يستقصر أساتيذ الأدباء، ويستجهل شيوخ العلماء:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس وفي فصل منها: في ليلة بتها، والكف الخضب سوارها البدر، والشعرى العبور وشحها النسر، وكأنما سماؤها روضة تفتحت النجوم وسطها زهرًا، وتفجرت المجرة خلالها نهرًا، وادٍ يسيل بعسجد على رضراض زبرجد. فلما أصبت الغرة، وأقصدت الثغرة، تقلبت عرارًا، وتناومت غرارًا، حتى أنبهني الفجر ببرده، وسربلني الصباح ببرده، وهببت من النومة، وصحوت من النشوة، فزففتها إليك بنت ليلتها عذراء، وجلوتها عليك كريمة فكرتها حسناء. تتلفع بحبرة حبر، وتتبختر في شعار شعر، مؤتلف بين رقها ومدادها، ومجتمع في بياضها وسوادها: الليلاذا عسعس، والصبح إذا تنفس؛ وقعتها كافور نمنم بمسك، وختامها ياقوت نظم في سلك، فتحسب خطها تيم لفظها فشكا، وتخال القلم رق لما به فبكى، فأنشدها أخاك الشهيدي، وكلفه على العروض والقافية معارضتها، وحمله على اللين والشدة مقارضتها، فستوقد بقلبه قبسًا، وتضرب في أذنه جرسًا، فيتبين به حظه، ويعرف لغيره فضله، وختم الرقعة بهذه الأبيات:
أقصر عن لومي اللائم لما درى أنني هائم
[ ١ / ٤٤٠ ]
ما زلت في حبه منصفًا من لم يزل وهو لي ظالم
أسهر ليلي غرامًا به وهو أخو سلوة نائم
مهفهف ماس في برده غصن ثنته الصبا ناعم
شمس ولكنما فرعها ليل على صبحها فاحم
إن ابن ذكوان ذو راحة كديمة صوبها دائم
لم يأتلق برقها خلبًا ولا اتقى خلفه الشائم
ومن أبوه أبو حاتم قصر عن جوده حاتم
يبني العلا بالندى جاهدًا وغيره للعلا هادم
محكك حول قلب محنك حازم عازم
تبصره دهره قاعدًا وهو بأعبائه قائم
إذا انتضى سيفه معلمًا لم تدر أيهما الصارم
من لم يكن شاعرًا عالمًا فإنني الشاعر العالم
البدر في أخمصي شسعة والشمس في خنصري خاتم
الدر لو بلغوه المنى نظمه في فمي الناظم قوله: " لم تدر أيهما الصارم "، كقول حسان بن المصيصي:
قوم يمانون إن سلوا يمانيةً لم تعرف السيف في الهيجا من الرجل وقال عبد الجليل:
شبيه ما اعتقلوه من ذوابلهم فالحرب جاهلة من منهم الأسل
[ ١ / ٤٤١ ]
ولابن عبد ربه:
إذا أدارت بنانه قلمًا لم تدر للشبه أيها القلم وقال بعض أهل العصر:
بها نخيل والأبطال والبيض والقنا سواء بحكم العين والأذن واللب
فلا فرق إلا أن يهب بها الردى فيعرف أن الفضل للرجل الندب وقال أبو الطيب:
همام إذا ما فارق السيف غمده وعاينته لم تدر أيهما النصل وكرره في موضع آخر فقال:
قلوبهم في مضاء ما امتشقوا قاماتهم في قوام ما اعتقلوا وهو من متداولات المعاني. وإنما نقلوا كلهم بيت الحماني:
ما علق السيف منا بابن عاشرةٍ إلا وعزمته أمضى من السيف وكرره أيضًا الحماني فقال:
[ ١ / ٤٤٢ ]
والسيف إن قسته يومًا بنا شبهًا في الروع لم تدر عزمًا أينا السيف وله من رقعة طويلة بها المظفر بن الأفطس قال في أولها:
حجب الله عن الحاجب المظفر - مولاي وسيدي - أعين النائبات، وقبض دونه أيدي الحادثات، فإنه مذ كان أنور من الشمس ضياء، وأكمل من البدر بهاء، وأندى من الغيث كفًا، وأحمى من الليث أنفًا، وأسخى من البحر بنانًا، وأمضى من النصل لسانًا، وأنجبه المنصور فجرى على سننه، وأدبه فأخذ بسننه، وكانت الرياسة عليه موقوفة، والسياسة إليه مصروفة، قصرت الأوهام عن كنه فضله، وعجزت الأقلام عن وصف مثله، غير أن الفضائل لابد من نشرها، والمكارم لا عذر في ترك شكرها:
فالشكر للإنسان أربح متجرٍ لم يعدم الخسران من لم يشكر وله في فصل:
وردني كتاب كريم جعلته عوض يده البيضاء فقبلته، ولمحته بدل غرته الغراء فأجللته، كتاب ألقى عليه الحبر حبره، وأهدى إليه السحر فقره، أنذر ببلوغ المنى، وبشر بحصول الغنى، تخير له البيان فطبق مفصله، ورماه البنان فصادف مقتله: معارك آداب، ووقائع ألباب، سال المداد به نجيعًا، وجرى الغرض المجرى إليه صريعًا، ووصل معه المملوك والمملوكة اللذان سماهما هدية، وتنزه كرمًا أن يقول
[ ١ / ٤٤٣ ]
عطية؛ همة تزحم السماكين، ونعمة تملأ الأذن والعين.
ومنه:
كتبت على البعد مستجديًا لعلمي أنك لا تبخل
فجاء الرسول كما أشتهي وقد ساق فوق الذي آمل
وما كان وجهك ذاك الجميل ليفعل غير الذي يجمل وفي فصل:
وما حرك الحاجب - أيده الله - بكتابه ساكنًا بحمده، ولا نبه نائمًا عن قصده، كيف وقد طلعت الشمس التي صار بها المغرب شرقًا، وهبت الريح التي صار بها الحرمان رزقًا - صاحب لواء الحمد، وفارس ميدان المجد، طلاع كل ثنية، وفعال كل سنية، يسير صدر الجيش وهو ربه، ويتقلب فيه وهو قلبه، ولواء النصر عليه منشور، وفؤاد الكفر منه مذعور.
وفي رسالته هذه طول تصرف فيها في أنواع البديع، تصرف المطبوع، واندرج له في أثنائها عدة مقطوعات من شعره كقوله:
ومهفهف قلق الوشاح يروعه جرس السوار ويشتكي من ضيقه
وسنان خط المسك فوق عذاره لامًا فهمت الموت في تعريفه
[ ١ / ٤٤٤ ]
مزج المدام بريقه لما سقى فسكرت من فمه ومن إبريقه وختم الرقعة بقصيدة هنأه فيها بخروجه من الأسر، منها قوله:
ولما أقال الله عثرتك التي قضى الله فيها بالنجاة وقدرا
تهللت الدنيا وأشرق نورها وأقبل سعد كان بالأمس أدبرا وسينخرط في سلك أخبار ابن عباد خبر إساره، وكيف خرج بدره من سراره، إن شاء الله.
@ما أخرجته من قصائد في المدح، وما يتشبث به
@من الأوصاف
له من قصيدة في علي بن حمود، أولها:
راحت تذكر بالنسيم الراحا وطفاء تكسر للجنوح جناحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت من برقها كي تهتدي مصباحا
وكأن صوت الرعد خلف سحابها حاد إذا ونت السحائب صاحا
جادت على التلعات فاكتست الربى حللًا أقام لها الربيع وشاحا
روض يحاكي الفاطمي شمائلًا طيبًا ومزن قد حكاه سماحا
أعلي إن تعل الملوك فإنهم بهم جعلت أغرها الوضاحا
لما طلعت لها بكل ثنية أنسيتها المنصور والسفاحا
[ ١ / ٤٤٥ ]
وله من أخرى [فيه]:
شقي بعدنا بالبعد من نعم نعمان وأوحش من لبنى على البعد لبنان
سقى القطر ما بين العقيق وضارج معارف فيها للأحبة عرفان
وحيا الحيا عهدًا عهدناه باللوى لوى ديننا فيه صدود وهجران
ليالي روض الوصل فيهن ممرع وغصن الصبا إذ ذاك أخضر فينان
تدير علينا الراح فيها جآذر ويسكرنا باللحظ منهن غزلان
ولم أر مثلي كيف صار بقلبه من الوجد بركان وفي الجفن طوفان
ولا مثل هذا العدل كيف أعاده علي وقد مرت من الظلم أزمان وله من أخرى فيه أيضًا:
بكيت لها شجوًا وهن الحمائم ينحن بلا دمع ودمعك ساجم
ولما علونا الحزن واعتسفت بنا رسوم الديار اليعملات الرواسم
لوينا بأعناق المطي إلى اللوى وقد علمتنا اللبث تلك المعالم
لئن أوحش الربع الذي كان آنسًا وأقوت من الحي الرسوم الطواسم
فكم ليلة فيه وصلت نعيمها بأخرى وأنف الهجر بالوصل راغم
سقى منبت اللذات منها ابن هاشم إذا انهملت من راحتيه الغمائم
إمام أقام الدين حد حسامه طريرًا ومنه في يد الله قائم
ويزهر في يمناه نور من الظبا له من رؤوس الدارعين كمائم وهذا البيت ينظر إلى قول المتنبي:
[ ١ / ٤٤٦ ]
سقاك وحيانا بك الله إنما على العيس نور والخدور كمائمه وقال أبو بكر بن عمار:
ندامى وما غير السيوف أزاهر لديهم وما غير الغمود كمائم وكذلك البيت الذي قبله كقول المتنبي:
على عاتق الملك الأغر نجاده وفي يد جبار السموات قائمه وهو من قول حبيب:
لقد حان من يهدي سويداء قلبه لحد سنان في يد الله عامله وفي هذه القصيدة يقول ابن الحناط:
سيوف إذا اعتلت جهات ثغورها فمنهن في أعناقهن تمائم
بكل خميس طبق الجو نقعه وضيق مسراه الجياد الصلادم
كأن مثار النقع إثمد عينه وأشفار جفنيه الشفار الصوارم
تعد عليه الطير والوحش قوتها إذا سار والتفت عليه القشاعم وهذا المعنى قد تقدم منه جملة في مكانه، وذكرت من استن في ميدانه.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وقوله: " سيوف إذا اعتلت " البيت، من قول المتنبي:
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم وله من أخرى:
لم يخل من نوب الزمان أديب كلا فشأن النائبات ينوب
أمسي قرارًا للخطوب وأغتدي غرضًا تفوق نحوه فتصيب
وإذا انتهيت إلى العلوم وجدتها شيئًا يعد به عليك ذنوب
وغضارة الأيام تأبى أن يرى فيها لأبناء الذكاء نصيب
ولذاك من صحب الليالي طالبًا جدًا وفهمًا فاته المطلوب وهذا أيضًا من قول المتنبي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي بأصعب من أن أجمع الجد والفهما وقال أبو علي ابن رشيق وولد معنىً زائدًا مشتظرفًا:
أشقى لجدك أن تكون أديبًا أو أن يرى فيك الورى تهذيبا
ما دمت مستويًا ففعلك كله عوج وإن أخطأت كنت مصيبا
كالنقش ليس يتم معنى ختمه حتى يكون بناؤه مقلوبا
[ ١ / ٤٤٨ ]
ومنها:
أمت أمير المؤمنين مواحلًا فسقى صداها غيثه الشؤبوب
المعتلي بالله والملك الذي تاج الفخار برأسه معصوب
إن كان عدوا حب آل محمدٍ ذنبًا فإني لست منه أتوب وهذا كقول العباس بن الأحنف:
إن كان ذنبي في الزيارة فاعلمي إني على كسب الذنوب لجاهد وله من قصيدة يرثي أبا الحزم بن جهور، ويهنئ ابنه أبا الوليد، وكتب بها من الجزيرة الخضراء، إذ أقصي عن قرطبة، أولها:
إنا إلى الله في الرزء الذي فجعا والحمد لله في الحكم الذي وقعا
ولى أبو الحزم عن ملك تقلده أبو الوليد فعز الملك وامتنعا
اب كريم غدا الفردوس مسكنه وابن نجيب تولى الأمر واضطلعا
لله شمس ضحى في اللحد قد غربت فأعقبت قمرًا بالسعد قد طلعا [ومنها]:
[ ١ / ٤٤٩ ]
يا واحد الدين والدنيا أقل زللا يدعوك جانبه أن تقتص أو تدعا
لو أنه أعطي الدنيا بما رحبت ولم ينل عفوك المأمول ما قنعا
وما عساك سوى الإحسان تصنعه إلى مسيء رجا عتباك فارتجعا
وقد رأيت ابن سعد حين أمكنه بشر عفا عنه فادفع بالذي دفعا
ليمحون مديحي فيك من كثبٍ محوًا حديث ملامي حيثما سمعا وقال من أخرى:
تفرغت من شغل العداوة والظعن وصرت إلى دار الإقامة والأمن
أمقتولة الأجفان من دمع حزنها أفيقي فإني قد أفقت من الحزن
فلله سيري يوم ودعت صحبتي زماعًا ولم أقرع على ندم سني
رحلت فكم من جؤذر وغضنفر يروي الثرى من فضل أدمعه الهتن
وما عن قلى فارقت تربة أرضكم ولكنني أشفقت فيها من الدفن وينظر هذا إلى قول القسلطي:
وفاحت ليالي الدهر مني ميتًا فأخزين أيامًا دفنت بها حيا وكذلك قوله: " رحلت فكم من جؤذر " البيت، من قول المتنبي:
[ ١ / ٤٥٠ ]
رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنٍ علي وكم باك بأجفان ضيغم ومنها:
مررت بشوسٍ والنجوم كأنها توقد من فكري وتسرج من ذهني
وأسريت من بدر الظلام بألبةٍ بصحبة مطفي الجمر أو مكفئ الظعن
لبسنا بها ليلًا من الثلج أبيضًا كسته يد الصنبر ثوبًا من القطن
ورحنا على ألبيرة فاستقل بي جناح عقابٍ لا يروح إلى وكن
ولما تنكبنا المنكب لم نجد لنا مركبًا أهدى سبيلًا من السفن
ترامت بنا الأهوال في كل لجةٍ تخيلها جوًا تجلل بالدجن
ترى السفن فوق الموج فيها كأنها تحدر من رعن وتوفي على رعن [ومنها]:
فبوأت رحلي ظل أروع ماجد يقول بلا خلف ويعطي بلا من
إمام وصي المصطفى وابن عمه أبوه، فتم الفخر بين أب وابن وله من أخرى:
أرقت وقد غنى الحمام الهواتف بمنعرج الأجزاع والليل عاكف
أعدن لي الشوق القديم وطاف بي على النأي من ذكرى المليحة طائف
وما الجانب الشرقي من رمل عالج بحيث استوت غيطانه والنفانف
[ ١ / ٤٥١ ]
إذا ما تغنى الرعد فوق هضابه سقى الروض من وبل الغمامة واكف
بأحسن من أطلال علوة منظرًا وإن درست آياته والمعارف
خليلي هل بالخيف للشمل ألفة فيأمن قلب من نوى الخيف خائف
أفي وقفة عند العقيق ملامة على دنف شاقته تلك المواقف
سقى عرصات الدار كل ملثة من المزن تزجيها البروق الخواطف
كأن نثير القطر منها جواهر تفرقها للريح أيد عواصف
كأن ابتسام البرق فيها إذا بدت سيوف عليٍ بالدماء رواعف وله من أخرى في القاسم بن حمود، ويصف خيران الصقلبي، وقتل المرتضى المرواني، أولها:
لك الخير خيران مضى لسبيله وأصبح ملك الله في ابن رسوله يقول فيها:
وفرق جمع الكفر واجتمع الورى إلى ابن حبيب الله بعد خليله
وقام لواء الجمع فوق ممنع من النصر جبريل أمام رعيله
وأشرقت الدنيا بنور خليفةٍ به لاح بدر الحق بعد أفوله
من الهاشميين الذين بمجدهم تعود شخص المجد جر ذيوله
فلا تسل الأيام عما أتت به فما زالت الأيام تأتي بسوله
ولما دعا الشيطان في الخيل حزبه وأقبل حزب الله فوق خيوله
كتائب من صنهاجة وزناتةٍ تضايق في عرض الفضاء وطوله
[ ١ / ٤٥٢ ]
تقدم خيران إليها بزعمه ليدرك ما قد فاته من ذحوله
فلما التقى الجمعان عاود رأيه فخلى لبعض الهول جل فضوله
وولى وأبقى منذرًا من ورائه يقيم لأهل الغدر عذر نكوله @ذكر الخبر عن مقتل الأمير المرتضى المذكور
قال ابن حيان: كان عبد الرحمن بن محمد من ولد الناصر لدين الله قد نصب خليفةً بشرقي الأندلس، وسمي المرتضى، فزحف بمن تألف معه من الموالي العامريين وغيرهم إلى غزو البرابرة المنتزين بقرطبة وأعمالها، وأميرها يومئذ القاسم بن حمود، وعقدوا مع المرتضى على غزو قرطبة، فخرجوا بجملتهم سنة تسع وأربعمائة، فعرجوا به في طريقهم إلى غرناطة ليبدأوا بحرب ذلك الفريق من صنهاجة لما ارتأوه من الغدر بسلطانهم، فأوبقوا الجماعة وأحلوا بها الفاقرة، على أيدي البرابرة، ورسا بتلك الوقعة ملك الحمودية، وإذا قضى الله أمرًا سبب له أسبابًا، فجاءوا معهم، في جملتهم منذر التجيبي وخيران الصقلبي وقطعة من خيل الإفرنجة. ولما حلوا غرناطة وأميرها يومئذ زاوي بن زيري بن مناد، ارتاعت صنهاجة واعصوصبوا بأميرهم زاوي كبش الحروب، فأحكم لهم التدبير، والدولة تسعده، والمقدار ينجده؛ وحملت عنه في تلك الرحوب حكايات بديعة: منها أن المرتضى لما نازله خاطبه بكتابٍ يدعوه فيه إلى طاعته، ومسح أعطافه، وأجمل موعده. فلما قرئ على زاوي قال لكاتبه: اكتب على ظهر رقعته:
[ ١ / ٤٥٣ ]
﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾ السورة، لا تزده، فلما بلغت المرتضى أعاد إليه كتاب وعيد، فلما قرئ على زاوي قال: ردوا عليه ﴿ألهاكم التكاثر﴾ إلى آخرها لم يزده حرفًا. فازداد المرتضى غيظًا، ويئس منه، وناشبه القتال ودنا إليه في تعبئة محكمة، وكراديس منتظمة، فاقتتلوا أيامًا إلى أن أنهزم الأندلسيون، وطاروا على وجوههم، مسلموهم وإفرنجهم، لا يلوي أحد على أحد، والخيل تطردهم في تلك المضايق، وصرع المرتضى في ضنك ذلك المأزق، ووقع البرابرة من نهب محلة المرتضى على ما كفاء له اتساعًا وكثرة - ظل الفارس منهم يجيء من اتباعه المنهزمين، ومعه العشرة الأبغل فما دون ذلك موقرةً بفاخر النهب، ورفيع الشارة والحلية، وحيزت فساطيط أولئك الأمراء ومضارب الرؤساء الذين كانوا في جميع ذلك المعسكر المخذول، يتباهون بالقوة والشارة، بجميع ما فيها. وسبق سلطانهم زاوي إلى سرادق الحائن المرتضى، فحازه بما حواه مما كان الأمراء قد جمعوا له وجملوه به. وكان أمراؤه والوجوه من أهله قد تنازعوا بالبشارة، وجاءوا مجيء من لا يشك في الظفر، فساقوا مع أنفسهم رفيع الحلية كي يتباهوا بذلك إذا دخلوا قرطبة، حتى إن كثيرًا من جاليتها والتجار المتجهزين منهم ومن سواهم اغتروا بذلك العسكر الخاوي فصحبوه مبادرين ميسرة الفتح، وسعة الربح، فخابوا وحاق البغي بهم، وخسروا أموالهم.
وأول من انهزم من ذلك العسكر منذر بن يحيى وخيران الصقلبي، وكان منذر قد أوقع في نفوس مدده من رجال الإفرنجة الذعر من غدر الموالي العامريين، فشغل بذلك بالهم. فلما انهزم لم يعرفوا السر، وأجفل منذر في أصحابه الثغريين، فمر بسليمان بن هود صاحبه وهو مثبت للإفرنجة لا
[ ١ / ٤٥٤ ]
يريم موقفه. فصاح به: النجاة يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك؛ فقال له سليمان: جئت والله بها صلعاء، وفضحت أهل الأندلس! ثم انقلع وراءه ببقية عسكره، وانقلع أيضًا خيران برجاله. وصبر الموالي العامريون قليلًا حول صاحبهم المرتضى، على أحر من جمر الغضا، وهو مع جبنه حسن الثبات، حتى استحر القتل في أصحابه، وصرع كثير منهم حوله، فانكشفوا عنه، وخاف أن يقبض عليه فولى، فوضع عليه خيران عيونًا لئلا يخفى أثره، فلحقوه بقرب وادي آش وقد أمن على نفسه، فهجموا عليه وقتلوه، وجاءوا برأسه إلى خيران ومنذر، وقد لحقا بالمرية، فتحدث الناس أنهما اصطحبا على رأسه سرورًا بمهلكه، وتناولاه من الذكر عبثًا بما لم يكن له أهلًا له، وجعلا يقولان: يا أحيمق قم فاعرض جندك؛ كلمة تحدث بها عنهما جرأة على الله ونكثًا لعهوده. ففقد المرتضى على هذه السبيل، ونجا من تلك الملحمة أخوه أبو بكر ابن هشام، ولحق بالموالي العامريين فزهدوا فيه، فاستقر عند ابن القاسم صاحب حصن البونت، وكان شيعة المروانية على سوء ما أسلفوه في سلفه، فأجاره وضيفه، ولم يزل مقيمًا عنده إلى أن كان من تقديمه للخلافة ما كان.
قال ابن حيان: فحل بهذه الوقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار.
وورد على القاسم بقرطبة كتاب زاوي بشرحها مع نصيبه من الغنيمة
[ ١ / ٤٥٥ ]
وفي جملتها سرادق المرتضى. فضربه القاسم على نهر قرطبة وغشيه من النظارة جملة من علية الناس، وقلوبهم تتقطع حسرة منه؛ فركدت ريح المروانية من ذلك الوقت بقتل من نجم منهم في أطراف الأرض، وأيس الناس من دولتهم، وألوى الخمول بجملتهم، فتقطعوا في البلاد ودخلوا في غمار الناس، وامتهنوا واستهينوا.
حدثت بزوائد في شرحها حصرتها تتميمًا للقصة:
قالوا: لما جاء منذر التجيبي في جيشه مع الإفرنج وغيرهم للاجتماع بالمرتضى بشاطبة لغزو قرطبة، وفي جملته ابن مسوف، اجتاز على بلنسية فأغلق واليها مبارك بابها في وجهه، ومنعه أن يخرجه معهم للغزو فلم يجبه المرتضى لذلك، وأقام عذر مبارك أن يخرجه معهم للغزو فلم يجبه المرتضى لذلك، وأقام عذر مباركٍ، وأقعده خلفه لجمع الأموال وإنفاذها خلفه، فأحقده عليه، فتجمع ابن مسوف وخيران ومنذر، وتظاهروا على الغدر به، فمالوا به إلى غرناطة، وقالوا: لا يصلح أن نسير إلى قرطبة ووراءنا هذا العدو، ثم دسوا إلى زاوي وأسروا عليه الغدر بالمرتضى، فلما أصبحوا للقتال جعل منذر يحرض الموالي العامريين سخرية يبغي توريطهم ويقول: أين أنتم معشر أرباب المملكة المؤثرين على كل طبقة - أين أصحاب الوظائف المرتبة - هذا يومكم، تقدموا. فحمي القوم وخرجت صنهاجة ومغراوة من زناتة فاجتلدوا أيامًا، فلما حمي الوطيس
[ ١ / ٤٥٦ ]
أشار منذر وخيران بإدناء المحلة إلى قرب حومة القتال. فلما زحزحت صنهاجة من موضعها اضطرب العسكر، وشد البرابر شدة منكرة، فانحاز منذر وخيران لأول وقتهما وانهزما على وجوههما، فلم يك للناس ثبات بعدهما، فاستمرت بهم الهزيمة حسبما تقدم.
وأخبر عن منذر أنه الذي ورط المرتضى وحلفاءه، وأقحمهم أوعارًا صعبةً حتى أنزلوهم فوق رؤوس صنهاجة في الجبل المطل عليهم. ولما شرع في قتالهم بان لمنذر جد الموالي، ولم يشك في ظهورهم فحسدهم وتحيل لهم بما فل حدهم. وكان بلغه أيضًا عن زاوي أنه لا يشك في الغلبة فتداركه بكتاب يثنيه به عن حربه، فتراجعت نفس زاوي وطمع في النجاة فلذلك ما جد في القتال.
ولهول ما عاينه زاوي من اقتدار أهل الأندلس في تلك الحرب وجعجاعهم به، وإشرافهم على التغلب عليه، ما هان سلطانه عنده بالأندلس وعزم على الخروج عنها نظرًا في عاقبة أمره، ودعا جماعة قومه مستنصحًا فعصوه في ذلك، لظنهم بطيب معيشتهم بالأندلس، فلم يثنه ذلك عن عزمه، وركب هو البحر بماله وأهله فلحق بإفريقية وطنه. فكان من أغرب الأخبار في تلك الدولة الحمودية انزعاج ذلك الشيخ الباقعة زاوي ابن زيري عن سلطانه، ولفظه لما كان يلوكه من فلذة كبد الأندلس
[ ١ / ٤٥٧ ]
أرض ألبيرة، بأثر الفتح العظيم الذي أتيح له على المرتضى ومن كان معه من عساكر أهل الأندلس. فأخذ في عبور البحر حين صفا العيش واخضر عوده، ووقم العدو وفل غربه، فصمم في الرحيل بعد أن استأذن صاحب إفريقية يومئذ المعز بن باديس ابن عمه، في ذلك، فأذن له، وحرص جميع بني عمه بالقيروان على رجوعه لهم لحال سنه، وتعريهم يومئذ عن مثيله من مشيختهم لمهلك جميع إخوتهم، وحصوله هو قعدد بني مناد، الغريب شأنه، في ألا يحتجب عنه من نسائهم زهاء ألف امرأة في ذلك الوقت، هن - زعموا - محرم له بنات إخوته وبناتهن وبني بنيهن. فرحل عن الأندلس سنة عشر وأربعمائة، واستقلت به سفنه من مرسى المنكب، وفي شحنتها من ذخائر الأندلس ما يفوت الإحصاء كثرة لعظيم ما خمسه أيام الفتنة. فاجتمع شمله بالقيروان، وأقره المعز في دولته وكنفه. إلا أنه لم يؤثره ولا أناف بمحله ولا قلده ولا واحدا من ولده شيئا من عمله بل وكلهم إلى سحتهم.
قال ابن حيان: وحدثت عن السبب المزعج كان لزاوي يومئذ في ارتحاله، وذلك أنه لما انهزم المرتضى قال زاوي لقومه: كيف رأيتم ما قد خلصنا منه - قالوا: عظيما، قال: فلا تتناسوه وتغالطوا أنفسكم بعده، إن انهزام من رأيتموه لم يكن من قوة منا. إنما جره مع القضاء غدر ملوكهم لسلطانهم ليهلكوه كما فعلوا، فإني عرفت ذلك من يوم نزولهم، ولذلك ما كنت أقوي نفوسكم، وقد نجانا الله منهم برحمته، ومضى
[ ١ / ٤٥٨ ]
القوم ولم يعدموا إلا رئيسهم، واستخلافه هين عليهم، ولست آمن عودهم جملة إليكم فيما بعد، فلا يكون لنا قوام بهم، فالرأي الخروج عن أرضهم، واغتنام السلامة مع إحراز الغنيمة، والرجوع إلى الجملة التي انفصلنا عنها كانفين للعيال والذرية، مباعدين لهم لما وراءنا من أهل جنسنا زناتة، الأعداء في الحقيقة، الذين لا يغفلون عنا وإن غفلت الخليقة، لا سيما وقد قرفنا قرحهم، ونبشنا أحقادهم المدفونة. فإن فرغوا لنا على قلة عددنا، وظاهروا علينا الأندلس وقعنا منهم بين لحيي أسد فاصطلمونا، وها أنا قد أديت لكم النصيحة وأنا راحل عن الأندلس، فمن أطاعني فليرحل معي. فلم يساعده أحد، فرحل كما وصفناه.
ويلغني أن حلالي بن زاوي تلوم بغرناطة، بعد حصول والده بالمنكب، أياما لتتميم لباناته،. وقد دبر مع الراحلين من بني عمه القبض على قاضي البلد ابن أبي زمنين والمشيخة من أهله إذا رجعوا من تشييع أبيه ليأخذ أموالهم. فاهتدى ابن أبي زمنين لتدبيره ونكب عن المنكب إلى حبوس، وكان متوقفا بحصن آش يرتقب ركوب عمه البحر فيلحق بغرناطة، فكان ذلك كذلك. فركب مع ابن أبي زمنين وقد خوفه بوائق الإبطاء، فلم تشعر صنهاجة حتى أطل عليهم قارعا طبوله، فخرجت صنهاجة تستقبله ووقف ابن عمه حلالي بباب البلد حائرا قد فسد تدبيره على ابن أبي زمنين، ولم يعرج حبوس عليه حتى صعد إلى قصبة غرناطة فضبطها وحط رحله فيها. ثم خرج إلى ابن عمه حلالي ليودعه
[ ١ / ٤٥٩ ]
فعاتبه حلالي في اقتحامه عليهم وقال له: الفوت خفت أبا مسعود في بدارك -! أهذا دخول مكتئب بفراق عشيرته -! هو بدخول شامت أشبه! ! كأنك فتحت بلدا وطردت عدوا -! فاعتذر له حبوس، وقال: ما ذاك إلا لرسم الإمارة، وإرهاب الرعية. ثم استوطن حبوس البلد وأورثه عقبه.
قال ابن حيان: وبلغني أن زاوي استوهب علي بن حمود، يوم قتل سليمان بن الحكم رأسه، حنقا على بني مروان المهدى إليهم رأس زيري والده، وأنه أسعفه بذلك، فصار عنده، ونقله من الأندلس معه في ذلك الوقت مفتخرا به على أهل بيته. فإن يكن ذلك حقا فزاوي أكبر من أدرك الثأر المنيم، ورحض العار المقيم. وأخبار هذا الداهية زاوي كثيرة، ونوادر أفعاله مأثورة.
وكان حبوس هذا أحد نابي برابرة الأندلس اللذين يفترون عنهما لم يبق بعده يومئذ، سوى محمد بن عبد الله نظيره، من ترهب لد شذاة. وكان على قسوته يصغي إلى الأدب، وينتمي في العرب، للأثر المقفو في قومه صنهاجة. وكان يؤثر لذلك " كتاب التيجان " لابن دريد في ذكر مناقبهم، ولا يغب سماعه ومطالعته. وكان وقورا حليما، فظا مهيبا، نزر الكلام، قليل الضحك، كثير الفكر
[ ١ / ٤٦٠ ]
شديد الغضب، غليظ العقاب، شجاعا حسن الفروسية، جبارا متكبرا داهية، واسع الحيلة، كامل الرجولية، له في كل ذلك أخبار مأثورة.
أخبرني أبو الوليد ابن زيدون قال: سأل حبوس يوما محمد بن عبد الله في بعض التقائمها عن سنه بمعراض فقال: ابن كم كنت يوم قتل ابن الخير - فأجابه مسرعا: كنت يوم قتل زيري بن مناد يفعة، وشهدت وقعته مع قومي ابن كذا. فتبسم حبوس، وعجب من حضر من فطنتهما. وإنما أراد حبوس تعيير ابن عبد الله بمقتل ابن الخير سلطان زناتة المصاب في وقعة صنهاجة، فعارضه ابن عبد الله بذكر وقعتهم بجد حبوس زيري بن مناد. فلو كانا في الرعيل الأول من أذكياء العرب ما زاد على ما أتيا به.
وقد أعاد علي ولد ابن عبد الله أيام لقيته بقرطبة عن والده محمد ابن عبد الله بألطف من هذا التعريض، مكتفيا باسم الموضعين عن ذكر اسم الرجلين، فقال: قال حبوس لوالدي يوما: أشهدت يوم تلمسان - فقال له والدي: لا، مشاهدي يوم كرض؛ ويوم تلمسان يوم الخير وزناتة، ويوك كرض يوم زيري وصنهاجة. فلمي يزد أحدهما
[ ١ / ٤٦١ ]
على التبسم، وما درى من معهما ما ذهبا إليه؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: ومن مليح التلويح بالمعاريض قول رجل من نمير وقد سايره ابن هبيرة الفزاري فزادت بغلة النميري عليه، فقال له ابن هبيرة: غض من لجامها، فقال: أنها مكتوبة - أعزك الله - فضحك. وإنما أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير وأراد النميري قول ابن دارة في فزارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار وكانت فزارة ترمى بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق يهجو ابن هبيرة:
[أمير المؤمنين وأنت بر حليم لست بالجشع الحريص]
أوليت العراق ورافديه فزاريا أحذ يد القميص -
ولم يك قبلها راعي مخاض ليأمنه على وركي قلوص ومن المعاريض: أن رجلا هلاليا بات مع رجل من محارب على بعض المياه، وقد كثر فيه صياح الضفادع، فقال الهلالي: ما تركنا شيوخ محارب ننام الليلة، فقال له المحاربي: إنها أضلت برقعا فجعلت
[ ١ / ٤٦٢ ]
تطلبه. أراد الهلالي قول القائل:
تجيش بلا شيء شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صوتها حية البحر وأراد المحاربي قول الآخر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ولابن يزيد برقع وجلال وحضر باب عبد الملك ناس من العرب فيهم تميمي ونميري، فمر عليهم رجل يحمل بازيا، فقال التميمي: ما أحسن هذا البازي! فقال النميري: أجل، وهو يصيد القطا؛ أراد التميمي قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير أتيح لها من الجو انصبابا وأراد النميري قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلت ومن المعاريض قول معاوية للأحنف بن قيس: ما الشيء الملفف في البجاد - قال: السخينة يا أمير المؤمنين؛ أراد معاوية قول القائل:
إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بمسن أو الشيء الملفف في البجاد
[ ١ / ٤٦٣ ]
وأراد الأحنف أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة، وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر، وفي ذلك يقول شاعر كنانة:
يا شدة ما شددنا غير كاذبة على سخينة لولا الليل والحرم ومن المعاريض قول النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة مخفيا لشأنه عن قريش، ومعه أبو بكر، فكلما سألهما سائل عن شأنهما قال: نحن باغ وهاد، يريد باغيا وهاد، يريد باغيا للخير، وهاديا إليه.
ومنه: قوله ﵇، حين خرج هو وأبو بكر يتحسسان عن العير، وقد سألا بسبسا فأخبرهما على أن يخبراه بأمرهما، فلما أخبرهما وسألهما، قال ﵇: نحن من ماء، فقال لهما بسبس: ما رأيت كاليوم عجبا، أمن ماء كذا، أم من ماء كذا - يعدد مياه العرب. وقد قال ﵇ لأصحابه، حين أرسلهم إلى بني قريظة أيام الأحزاب: إن رأيتموهم على غير ما أحب فالحنوا لي. فلما انصرفوا قالوا له: يا رسول الله، عضل والقارة، وقد كان هذا القبيلان غدرا، فكنى له بهما أصحابه عن غدر بني قريظة.
ومما يتعلق بباب المعاريض: قوله ﵇ للمرأة: علمي حفصة رقية النملة، وكانت حفصة ﵍ عندما يريدها ﷺ ربما تأبت، فأراد أن يلحن لها برقية النملة، وكانت العرب ترقيها في
[ ١ / ٤٦٤ ]
الجاهلية، يقول لها: العروس تكتحل وتحتفل، وكل شيء تفتعل، غير تعاصي الرجل.
وشبيه هذا ما فعله معاوية - ﵀ - حين بلغه أن بعض بناته تمتنع، فدخل عليها، فجعل ينكت بقضيبه وينشد:
من الخفرات البيض أما حرامها فصب وأما حلها فذلول ومن المعاريض الخبر المأثور عن كثير وجميل، قال: زار جميل بثينة ورام إيصال شيء إليها فعزه ذلك. فلقي كثيرا وقد ارتحل من عند أبيها، فسأله عن موضع مبيته، فقال: كنت عند أبي بثينة. فقال له: هل إلى إعلامها أني ها هنا سبيل - فقال: هل كان بينكما شيء تعرفه هي - فقال: نعم، آخر عهدي بها بأسفل وادي الدوم، وأصاب عمامتي شيء فغسلته جاريتها. فرجع كثير قبل أن يقوم والد بثينة من مجلسه، فقال: ما رجعك - قال له كثير: أبيات قلتها وأحببت أن تسمعها، قال: هات ما عندك، فأنشده:
وقلت لها: يا عز أرسل صاحبي على طول نأي والرسول موكل
[بأن تجعلي بيني وبينك موعدا وأن تأمريني فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل] فقالت بثينة: اخسأ! فقال أبوها: ما لك يا بثينة - قالت: كلب يأتينا
[ ١ / ٤٦٥ ]
إذا هوم الناس من وراء هذه الرابية.
قال: ودخل محمد بن أمية الشاعر مجلسا فيه قينة تغني فأعجبته، فقال لها: جعلت فداك، أتحسنين أن تغني:
خبريني من الرسول إليك واجعليه من لا ينم عليك فقال له: لا، وقدمت قبلك، ولكني أغني في طريقته:
أحمد قال لي ولم يدر ما بي أتحب الغداة عتبة حقا وأومأت إلى مخنث كان على رأسها اسمه أحمد.
وقد أرخص الفقهاء في هذه المعاريض، وقال بعض السلف: في المعاريض مندوحة عن الكذب.
وكان النخعي إذا خرج من عنده أصحابه يقول لهم: قولوا لمن سألكم عني: لا ندري أين هو، فإنكم لا تدرون أين أتحول من الدار.
ومنها قول شريح، ﵀، في شأن عبد الملك، وقد عاده
[ ١ / ٤٦٦ ]
في علته التي مات منها: تركته يأمر وينهى، فلما استفهم قال: يأمر بالوصية وينهى عن البكاء.
وأهدي علي بن هشام إلى المأمون جاريةً اسمها " صرف " حين أحس بتغيره عليه، وأمرخا أن تكتب إليه بما عسى أن تحس به من ذلك إليه؛ فوقف يومًا بين يديه فسقطت منه رقعة، فأخذها المأمون فإذا فيها: " يا موسى، يا موسى " ليس شيء غير ذلك. فقال المأمون لجلسائه: أيكم يعلم إيماء هذه الرقعة - فكلهم قال: لا أدري. فقال: هذه كتبت من قصري، تخوف هذا الرجل بادرتي، أراد كاتبها قوله تعالى: ﴿يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ ثم حذف إخفاء، وكرر توكيدًا. فبحث عن أمر الرقعة فإذا هي لصرف.
ومن مليح فطنة المأمون أيضًا - وله بهذا الباب بعض تعلق - أنه جلس يومًا في بعض مجالس أنسه، وفي المجلس عريب المأمونية، وأحمد ابن محمد بن حمدون الذي كان يهواها، فأومأ إليها بقبلة، فاندفعت تغني بيت النابغة الجعدي:
رمى ضرع نابٍ فاستمر بطعنةٍ كحاشية البرد اليماني المسهم فقال المأمون: من أومأ إلى عريب بقبلة - فوجم الحاضرون، فعزم عليهم ليخبروه. فقال أبو عيسى أخوه: لا تظلم الناس؛ من يجترئ
[ ١ / ٤٦٧ ]
على هذا إلا هذا الفاسق - وأومأ إلى ابن حمدون، فاستفسر المأمون من أين وقع له ذلك، فقال: هي لا تغني حتى تؤمر واندفعت تغني ارتجالًا.
ودخل حارثة بن بدر على زياد وفي وجهه أثر. فقال له زياد: ما هذا الأثر في وجهك - قال: ركبت فرسي الأشقر فجمح بي! فقال: أما إنك لو ركبت فرسك الأشهب ما فعل ذلك! فكنى بالأشقر عن النبيذ، وبالأشهب عن اللبن.
@فصل في ذكر الأديب أبي بكر عبادة بن ماء السماء، وإثبات
@جملة من شعره مع ما يتعلق به من ذكره
قال ابن بسام: [هو عبادة بن عبد الله الأنصاري من ذرية سعد بن عبادة، وقيل له ابنم ماء السماء لجدهم الأول، ولحق بقرطبة الدولة العامرية والحمودية ومدح رجالها] . وكان أبو بكر في ذلك العصر شيخ ؤالصناعة، وإمام
[ ١ / ٤٦٨ ]
الجمعة، سلك إلى الشعر مسلكًا سهلًا، فقالت له غرائبه مرحبًا وأهلًا. وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه، واشتهر بها اشتهارًا غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته.
وهي أوزان كثر استعمال أهل الأندلس لها في العزل والنسيب، تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب. وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيثما بلغني - محمد بن محمود القبري الضرير. وكان يصنعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويضع عليه الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان. وقيل إن ابن عبد ربه صاحب كتاب " العقد " أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات عندنا. ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي فكان أول من أكثر فيها من التضمين في المراكيز، يضمن كل موقف يقف عليه في المركز خاصة. فاستمر على ذلك شعراء عصرنا كمكرم بن سعيد وابني أبي الحسن. ثم نشأ عبادة هذا فأحدث التضفير، وذلك أنه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب.
وقد أثبت من شعر عبادة في هذا الفصل ومن سائر كلامه، ما يدل على تقدمه وإقدامه.
@جملة من شعره في أوصاف شتى
أخبرني الفقيه أبو بكر بن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال، أخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم أن أبا بكر عبادة كان حيًا في صفر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكان البرد المشهور خبره في ذلك الوقت الذي لم ير مثله، فقال عبادة:
يا عبرة أهديت لمعتبر عشية الأربعاء من صفر
رسل ملء الأكف من برد جلامدًا تنهمي على البشر
فيا لها آيةً وموعظةً فيها نذير لكل مزدجر
كاد يذيب القلوب منظرها ولو أعيرت قساوة الحجر قال أبو عبد الله الحميدي: وذكر أبو عامرٍ ابن شهيد أن عبادة هذا مات
[ ١ / ٤٧٠ ]
في شوال سنة تسع عشرة بمالقة، ضاعت له مائة مثقال فاغتم عليها وكانت سبب وفاته. فلا أدرى من وهم منهما، وأبو محمد بن حزم أعلم بالتواريخ وأحفظ للتقييد، والله أعلم.
وقال:
لا تشكون إذا عثر ت إلى خليط سوء حالك
فيريك ألوانًا من ال إذلال لم تخطر ببالك
إياك أن تدري يمي نك ما يدور على شمالك
واصبر على نوب الزما ن وإن رمت بك في المهالك
وإلى الذي أغنى وأق نى اضرع وسله صلاح حالك وقال يتغزل:
إذا رمت قطف الورد ساورني الصدغ بعقرب سحر في فؤادي له لدغ
غزال بجسمي فترة من جفونه وفي أدمعي من لون وجنته صبغ
زيارته أخفى خفاءً من السها ودون فراغي من محبته الفرغ وقال:
ما مر يوم علي لم أرك إلا وجدت الضمير صورك
[ ١ / ٤٧١ ]
ولا مبيتي وأنت لست معي إلا مبيت القطاة في الشرك
أما أنا فالبعاد غيرني وأنت خوف الرقيب غيرك
يا لعبة صورت لسفك دمي غطي بفضل النقاب محجرك وقد رويت هذه الأبيات لابن القطان.
نقلت من خط الوزير أبي عامر بن مسلمة قال: أنشدني أبو بكر عبادة لنفسه.
اجل المدامة فهي خير عروس تجلو كروب النفس بالتنفيس
واستغنك اللذات في عهد الصبا وأونه لا عطر بعد عروس قال: وأنشدني أيضًا له:
اشرب فعهد الشباب مغتنم وفرصة في فواتها ندم
وعاطنيها بكف ذي غيدٍ ألحاظه في النفوس تحتكم
كأنها صارم الأمير وقد خضب حديه من عداه دم
واحد بتذكاره الكؤوس فما يلذ نقلًا سوى ثناه فم وقال أيضًا:
[ ١ / ٤٧٢ ]
وليلةٍ لسرور كان لها بحسن ساق كحسن خلخال
قصيرةٍ أقصر الغرام بها كأنها مستهل شوال
ناولني الماس بدرها بيدٍ عنابها من طريف أنقال
يعلني ريقة الحياة فم قضى بتعطيل كل علال وقال أيضًا:
سقى الله أيامي بقرطبة المنى سرورًا كري المنتشي من شرابه
وكم مزجت لي الراح بالريق من يدي أغر يريني الحسن ملء ثيابه
أوان عذاري لم يرع بمشيبه شبابي ولم يوحش مطار غرابه
تعللني فيه الأماني بوعدها وهيهات أن أروى بورد سرابه
سل العنم البادي من السجف دانفًا لتعذيب قلبي هل دمي من خضابه - وقال أيضًا:
فهل ترى أحسن من أكؤس يقبل الثغر عليها اليدا -
يقول للساقي: أغثني بها وخذ لجينًا وأعد عسجدا
أغرق فيها الهم لكن طفا حبابها من فوقها مزبدا
كأنما شيبها شارب أمسكها في كفه سرمدا
[ ١ / ٤٧٣ ]
وهذا البيت أراه اخترع معناه.
وله من أخرى في القاسم بن حمود:
ما ضيع الله ملكًا أنت راعيه ولا أباح ذمارًا أنت حاميه
لله درك من مولىً عوارفه لم تبق في الأرض إلا من يواليه
تهديه والناس قد ضلوا كواكب من آرائه في سماء من معاليه
مكفلًا برضاه همةً أنفًا ترمي إلى الغرض الأقصى فتصميه
كانت خلافتنا في الغرب مظلمةً كأن أيامنا فيها لياليه
سياسة أبرأت بالرفق في مهل داء الخلاف وقد أعيا مداويه
وحكمة خضعت هام الملوك لها عزًا فلا حر موجود بواديه
مؤيد جاءت الدنيا إلى يده عفوًا ولبته من قرب أمانيه
جلت أياديه حتى إن أنفسنا وما ملكناه جزء من أياديه وقال يتغزل من قصيدة:
مستجبر لا يطيبه بالرضى أحد ولا يجري الوفاء بباله
دارت دوائر صدغه فكأنما حامت على تقبيل نقظة بباله
رشأ توحش من ملاقاة الورى حتى توحش من لقاء خياله
فلذاك صار خياله لي زائرًا إذ كنت في الهجران من أشكاله
ولقد هممت به ورمت حرامه فحماني الإجلال دون حلاله
وحببته حب الأكارم رغبةً في خلقه لا رغبةً في ماله
[ ١ / ٤٧٤ ]
وهذا ينظر إلى قول المتنبي:
وأغيد يهوى نفسه كل عاقل عفيف ويهوى جسمه كل فاسق وقال عبادة في الحاجب ابن أبي عامر:
لنا حاجب حاز المعالي بأسرها فأصبح في أخلاقه واحد الخلق
فلا يتغرر منه الجهول ببشره فمعظم هول الرعد في أثر البرق قال عبادة: أول شعر قلته أني وقفت على هدف الرمي بعدوة النهر بقرطبة، وثم غلمان من أبناء العبيد ينتضلون، فقلت:
وما راعني إلا سهام رواشق إلى هدف بنحوه كل يدي ظبي
أقاموه كي يرموا إليه فلم يكن لهم غرض حاشا فؤادي في الرمي وهو القائل في ميمون بن الغانية وكان وسيمًا:
قمر المدينة كيف منك خلاص أو أين عنك إلى سواك مناص -
ما أنت إلا درة الحسن التي قلبي عليها في الهوى غواص
والشادن الأحوى الذي في طرفه سحر يصاد بسهمه القناص
أمن جفونك من مغبة ما جنت فينا فليس على الملاح قصاص وقال عبادة من قصيدة يمدح ابن حمود:
أبسل عليك الماء حتى يشوبه دم والكرى حتى تقض المضاجع
[ ١ / ٤٧٥ ]
أجم جيادًا أدمن الغزو نهكها فمنها حسير في الجهاد وظالع
وأغمد سيوفًا تشتكيك جفونها كما تشتكي نجل العيون البراقع
وسكن عجاج الركض شيئًا فقلما يرى الجو مما هجته وهو ناصع
وآنس قصورًا طال إيحاشها به فقد أشفقت مما صنعت المصانع
وهل ضرك الباغي بسهم مكيدة وأنت بواقي عصمة الله دارع -
وأي يدٍ قراعك بعدما رأينا يد الجبار عنك تقارع - وهذه المعاني كلها متداولة، وألفاظها متناقلة، وإن كان قد تشبث بها معان أخر، فهي أشهر من أن تذكر، منها قول المتنبي:
فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ومل سواد الليل مما تزاحمه
ومل القنا مما تدق صدوره ومل حديد الهند مما تلاطمه وقال عبادة فيه من أخرى:
صلى عليك الله يا ابن رسوله ووليه المختص بعد خليله ومنها:
وله من السعد المتاح معدل يغني أخا التنجيم عن تعديله وهذا كقول المتنبي:
يقر له بالفضل من لا يوده ويقضي له بالسعد من لا ينجم
[ ١ / ٤٧٦ ]
وأبين منه قول ابن شرف:
ونجوم آمالي طوالع بالمنى والسعد يستغني عن التقويم وفيها يقول عبادة:
كم يبعث الباغون رسلهم إلى من كتبه من زرقه ونصوله
وزع الإله ببأسه وعقابه ما لم يزع بالنص من تنزيله
هذا علي ناصر الدين الذي نظمت له غرر السنا بحجوله وهذا البيت الثالث منها كقول المتنبي:
ولا كتب إلا المشرفية عنده ولا رسل إلا الخميس العرمرم وكرره في موضع آخر فقال:
ورب جواب عن كتاب بعثته وعنوانه للناظرين قتام
حروف هجاء الناس فيه ثلاثة: جواد ورمح ذابل وحسام وقال المعري:
ولا قول إلا الضرب والطعن عندنا ولا رسل إلا ذابل وحسام ومعنى البيت الرابع منها نظمه من قول الحسن بن أبي الحسن البصري: " يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ".
[ ١ / ٤٧٧ ]
وكان عبادة يظهر التشيع في شعره، من ذلك قوله في يحيى بن حمود:
فها أنا ذا يا ابن النبوة نافث من القول أريًا غير ما ينفث الصل
وعندي صريح في ولائك معرق تشيعه محض وبيعته بتل
ووالي أبي قيس أباك على العلا فخيم في قلب ابن هند له غل وله من أخرى في علي بن حمود الحسني:
أطاعتك القلوب ومن عصي وحزب الله حزبك يا علي
فكل من ادعى معك المعالي كذوب مثل ما كذب الدعي
أبى لك أن تهاض علاك عهد هشامي وجد هاشمي
وما سميت باسم أبيك إلا ليحيا بالسمي له السمي
فإن قال الفخور أبي فلان فحسبك أن تقول أبي النبي قوله: " عهد هشامي " قد تقدمت الإشارة به، والوجه الذي قاله بسببه، في أخبار الخليفة سليمان، المفتتح باسمه هذا الديوان.
وله من أخرى يرثيه ويهنئ أخاه القاسم بالخلافة:
صلى على الملك الشهيد مليكه وسقاه في ظل الجنان الكوثر
مولىً دهته عبيده، وغضنفر تركته أيدي العفر وهو معفر
كانت تهيبه الأسود فغاله في قصره مستضعف مستحقر
لم يثن عز الملك عنه منونه فسمت له من حيث لم يك يحذر
[ ١ / ٤٧٨ ]
ختلته سرًا والقبائل درع تحميه لكن المنايا جسر
ولو إنها رامته جهرًا لانثنت والبيض تقرع والقنا يتكسر ثم خرج إلى المدح فقال:
ما غاب بدر التم إلا ريثما جلى الدجى عنا الصباح الأزهر
إن يهو من أفق الخلافة نير يهدي السبيل فقد تلاه نير
بالقاسم المأمون أفرخ روعنا فالقسم وافٍ والنصيب موفر قوله: " ختلته سرًا " البيت مع الذي يليه، معنى قد طوي ونشر، كسف رواؤه مما ابتذل، وأسن ماؤه مما عل به ونهل، ومنه قول المهلبي يرثى جعفرًا المتوكل:
جاءت منيته والعين هادئة هلا أتته المنايا والقنا قصد
فخر فوق سرير الملك منجدلًا لم يحمه ملكه لما انقضى الأمد ومنه قول الأسدي أيضًا يرثيه، وألم بهذا المعنى فيه:
هكذا فلتكن منايا الكرام بين ناي ومزهر ومدام
بين كأسين أردياه جميعًا كأس لذاته وكأس الحمام
لم يزل نفسه رسول المنايا بصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلنًا فدب إليه في كسور الدجى بحد الحسام وأخذ هذا المعنى عبد الكريم التميمي فقال يرثي صاحب خراج المغرب، وكان تناول فمات بسببه:
[ ١ / ٤٧٩ ]
سنايا سددت الطرق عنها ولم تدع لها من ثنايا شاهق متطلعا
فلما رأت سور المهابة دونها عليك ولما لم تجد لك مطمعا
ترقت بأسباب لطاف ولم تكد تواجه موفور الجلالة أروعا
فجاءتك في سر الدواء خفيةً على حين لم تحذر لداء توقعا وقد أخذ أيضًا هذا المعنى أهل وقتنا وهو أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، فقال من قصيدة يرثى بها الوزير أبا المطرف ابن الدباغ الكاتب:
ثارت إليه المنايا من مكانها سرًا على غفلة الحراس والسمر
أولى لهن وأولى لو هممن به والمنع ذو راحة والدفع ذو حذر في أبيات غير هذه هي ثابتة في موضعها من هذا المجموع.
ولله در صريع الغواني فإنه أخذ عليهم ثنايا البديع في هذا المعنى، وإن كان بينهم بعد كما ترى، حيث يقول:
ألم تعجب له أن المنايا فتكن به وهن له جنود - وقال أبو الطيب:
تخون المنايا عهده في سليله وتنصره بين الفوارس والرجل
[ ١ / ٤٨٠ ]
@ذكر الخبر عن ولاية القاسم بن حمود قرطبة إلى انقضاء الأمر
@بانقطاع دولته القاضي ابن عباد عليها
قال ابن حيان: بويع القاسم بن حمود بقرطبة صبيحة يوم الأحد، بعد ست ليال من مقتل أخيه علي بها، وأحسن تلقي الناس وأجمل مواعيدهم، وأخرج النداء في أقطار البلاد بأمان الأحمر والأسود وتخلية الناس لشأنهم، وبراءة الذمة ممن تسور على أحد. وقرر الفتية الثلاثة التي فتكت بأخيه فأقروا بجريمتهم، ونفوا عن جميع الناس المواطأة والتدليس، فقتلهم القاسم لوقته، وأطفأ النائرة بولايته. وتنسم الناس روح الرفق، وباشروا ظل الأمن، وأطمأنت بهم الدار. وأمر بإسقاط رسم التقرية، وأظهر البراءة منها، وأقصى السعاة وطردهم، وأقر القاضي والحكام والخدمة على منازلهم. وزاد كلف القاسم في اتخاذ السودان، وقودهم على أعماله، إلى أن ضعف أمره، وتسلط البرابرة عليه حتى احتقروا. فكاتب منذر بن يحيى ابن أخيه علي بالعدوة، وأخوه إدريس بمالقة، فلما قتل أبوهما علي اتفقا لأول وقتهما على ضبط مالقة وشد سلطانها، إلا أنهما أظهرا مبايعة عمهما القاسم، إلى أن انكشف له يحيى من أول سنة عشر وأربعمائة، وانتقل إلى مالقة وجعل أخاه بالعدوة ليقرب هو من أذى عمه القاسم، فحل بالأندلس
[ ١ / ٤٨١ ]
لأول وقت جواز يحيى شواظ من نار، وأضرمها سعيرًا، واستخف بعمه، وضم الرجال وسعى لتبديد شمل عمه. وشكا القاسم أمره إلى البرابرة فتثاقلوا عنه، وأجبوا التضريب بينهما. ولم يزل أمر يحيى يقوى، وأمر القاسم يضعف، فلم يجد مخرجًا مما وقع فيه إلا الهرب من دار الخلافة والانقلاب إلى عمله بإشبيلية؛ وكان يكثر الندم على ما دخل فيه من سلطانهم إلى أن عيل صبره، ففر من قرطبة إلى عمله بإشبيلية في خمسة فوارس من خاصته، وذلك ليلة السبت لثمان خلت لربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، اتخذ الليل جملاص ولم يعلم بخبره إلا عند الصباح. فضبط البربر قصر قرطبة إلى أن لحق يحيى ابن أخيه بعد خطوب، فبويع يحيى في التاريخ، واجتمع عليه الفريقان: الأندلس والبرابرة من أهل قرطبة وأعمالها خاصة. وكانت أم يحيى لبونة بنت محمد بن الأمير حسن ابن القاسم الملقب بقنون، فعرف يحيى بكرم الولادة لما جاء هاشمي الأبوين، رابع أربعة من أبناء القرشيات من خلائف الإسلام: أولهم جده الأكبر علي بن أبي طالب، وابنه الحسن بن علي، ثم الأمين محمد بن هارون. فعرف يحيى بهذه الفضيلة، وسلك سبيل والده في التحقيق بالفروسية والحب لركض الخيل والخروج للقنص، وتنكب ما سوى ذلك من مذموم أخلاق أبيه ومكروه سيرته، فجانب العصبية وآثر النصفة وطلب السلامة، فطاب خبره. إلا أن العجب والكبر شانا خصاله هذه، إلى أن خلط وتبلد. وتمرست به عفاريت
[ ١ / ٤٨٢ ]
زناتة، فضيقت عليه التكاليف، حتى أقصر بعدما قصر، وتولى دون أن يعذر، وركب ما عاب مثله على عمه، فصارت عاقبة أمره خسرًا.
وأقر يحيى أصحاب الخطط على مراتبهم؛ وحسن رأيه في أحمد بن برد وعول عليه في كتابته، واستخلص من الأندلسيين صحبه: جعفر ابن محمد بن فتح والفقيه الأديب أبا عمر بن موسى بن محمد اليماني الوراق صاحب محمد بن عبد الله النبهاني، وولاه خطة الوزارة فكادت الجبال تنهد لهذه العظيمة، وجمح مركبها به وأبدع في الكبر والخنزوانة. وقدم أيضًا إلى الوزارة محمد بن الفرضي الكاتب، فكان أعدى من الجرب على دولته، وارتقب عقلاء الناس عند ذلك حلول المحنة، فقديمًا استعاذوا بالله من وزارة السفلة. ووصل جعفر بن فتح صاحبه الأقدم إبراهيم بن الإفليلي كبير الأدباء بقرطبة بالخليفة يحيى، ورغبه في الإحسان إليه، فذاكره وحدثه ونوه به. وسما في أيامه أبو بكر بن ذكوان وأبو العباس أحمد بن أبي حاتم أخوه، وأنهضهما إلى الوزارة عقب وفاة الشيخ أبي العباس ابن ذكوان. وغرب شأو أبي بكر منهم، فجاء أحوذيًا نسيج وحده في فضله وعلمه وعفته. وعدل بروع الظرف بابن عمه أبي العباس إلى الاشتهار بالمجون، فجاء فيه طرفًا ليست وراءه غاية، يصور القلوب برقة ظرفه وحرارة
[ ١ / ٤٨٣ ]
نادرته، لا يكاد أحد يمكنه من أذنه إلا أخذ بفؤاده رقةً وحلاوةً، ويشوبها ببعض الهزل عند انبعاث النادرة، له في ذلك أخبار مشهورة، من أشهرها ما تفاكه الناس به في تلك الدولة من قطعة له مجونية، نبس بها بديهةً في بعض خلواته، وقد أكثروا عليه تهنئةً بالوزارة فقال:
أنا مشغول بعزفي وبضربي للحجاره
إنما يصلح مثلي أن يرى راكب جاره
أو يرى في جوف خانٍ لابسًا نصف غراره
قد نضا عني ثيابي حثي الكأس المداره وملحه في الأدب غزيرة شاهدة له بقوة الطبع وخفة الروح. ثم لم يبعد أن أقصر بعد عن الهزل على حين الذكاء، فاعتدلت حاله، وهبت له ريح بعد حينٍ، أحظته عن العلية من نمطه.
قال ابن حيان: ثم فر يحيى بن علي أيضًا عن قرطبة إلى مالقة أمام
[ ١ / ٤٨٤ ]
البرابرة، وجيء بعمه القاسم بن حمود إلى قرطبة كرته الأخرى التي أعقب ابن أخيه يحيى بن علي، في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، فتكنف سريره أغمار الناس من البرابرة، وخرجوا لقتالهم سنة أربع عشرة على نظام مسرود، فانهزموا وقتلوا قتلًا ذريعًا، فارتحلوا عن قرطبة وحلوا بقلشانة وشذونة وغيرها من الكور. وانتبذت من الهزيمة طائفة من صعاليك القبائل وألفاف البطون، والتفوا بالقاسم يرجون به كرة الدولة، فدعوه إلى الرجوع إلى إبيلية، وكان خلف بها ولده محمد بن القاسم مع وزيره محمد بن خالص، فسار بجماعته تلك يؤمها، وإذا بخبر هزيمته قد سبقه إليها، فخاف أهلها معرة من معه، فوثبوا على ولده وأصحابه وحصروهم بدار الإمارة، وأحاطوا به، ووقع بينهم قتال شديد. فوافى القاسم باب إشبيلية بمن معه، ولاطفهم في القول، وطمع خديعتهم فلم يصغوا إليه، واشتد الأمر على ولده ورجاله، فرضي القاسم من أهل البلد بإسلامهم جميعًا إليه موفورين بماله وأهله، فعاقدوه على ذلك، فخرج ابنه وولده محمد وأهله، ودخل بهم إلى شريش. ولم يدع مع ذلك السعي في الفتنة على ابن أخيه يحيى صاحب الدولة. وكانت آفة القاسم بإشبيلية من قبل ثقته محمد ابن زيري بن دوناس اليفرني، فقدم زعيمهم القاضي محمد بن إسماعيل ابن عباد، وأطعمه في إمارة البلد بعد دفع القاسم عنه، فاغتر بقول ابن عباد وعاقده على ذلك، فأعان أهل إشبيلية على قتال محمد بن القاسم، فلم يك لأصحابه بعد نظام، وخرجوا عن البلد، وملكه أهله. فوثبهم ابن عباد زعيمهم بالغادر محمد بن زيري، فخرج وصفت إشبيلية من البرابرة. وآلت حال القاسم بعد ابن أخيه يحيى إلى أن حاربه بشريش، وحاصره عشرين يومًا، كانت بينهم فيها حروب صعاب، قتل الله فيها من الفريقين أمة. وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمه القاسم، وحمله مقيدًا إلى مالقة أسيرًا، وقبض على حرته، " أميرة " القرشية وسائر حرمه وولده وأسبابه، بعد نهبٍ
[ ١ / ٤٨٥ ]
وامتهان لجماعتهم، لم يقدر يحيى على تخليصهم منه لتلظي الحرب. وكان يحيى أولًا في حلف مع محمد ولد عمه القاسم، فدله على إشبيلية حارس لابن عباد، فلما انجلت الحرب وقع يحيى على نكث لعمه القاسم، فقبض على ابنه محمد وقيده وبعث به إلى مالقة، وحينئذ صمد إلى شريش لعمه فبلغ فيه ما وصفناه.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي حفص بن برد الأصغر،
@وإيراد جملةٍ من نظمه ونثره، مع ما يتصل
@من قصة وخبرٍ بذكره
قال ابن بسام: كان أبو حفص ابن برد الأصغر في وقته فلك البلاغة الدائر، ومثلها السائر، نفث فيها بسحره، وأقام من أودها بناصع نظمه وبارع نثره، وله إليها طروق، وفي عروقها الصالحات عروق، إذ كان أبو حفص الأكبر - على ما تقدم ذكره - واسطة السلك، وقطب رحى الملك، بالحضرة العظمى قرطبة، وقد تقدم من أخباره المأثورة ورسائله المشهورة في أخبار سليمان، وغيره من ملوك بني أبي عامر وبني مروان، أول ما يشهد أن آل برد جمهور كتابة، ومحور خطابة، وقد فخر أبو حفصٍ هذا بذلك في كتابه الموسوم ب - (سر الأدب وسبك الذهب " من أرجوزة يقول فيها:
[ ١ / ٤٨٦ ]
يا طالب الدنيا بأقصى الجهد إسع بجدٍ منك لا بكد
من شاء خبري فأنا ابن برد حد حسامي قطعة من حدي
وأرفع الناس بناءً جدي من نظم الألفاظ نظم العقد
ونقد الكلام حق النقد وكف بالأقلام أيدي الأسد
به استضاء في الخطوب الربد كل إمامٍ وولي عهد @فصول مقتبضة من كتابه المذكور
قال في صدره: أما بعد، فإن الله تعالى - وله الحمد - جعلنا أهل بيت أشرب حب ثناعة الكلام نفوسهم، وشغل بطلب البيان والتبيين قلوبهم، فغذانا بالحبث عن الأصول، على حسب ما وهب الله تعالى لنا من المعرفة، وسهل علينا من الحزونة، حتى عرفنا المقسوم لنا منها فتفقنهاه، وفهمنا المنعم به علينا فأحكمناه، ثم انعطفنا على الفروع فذهبنا مع فنونها، واستكثرنا من عيونها. ثم أنا لما رأينا أن الأصول قد اخترناها زاكية المنابت طيبة المغارس، وأن الفروع قد لويناها لدنة الأفنان عذبة، ترامت بنا آمالنا إلى أن نجتبي من زهرتها ونطعم من ثمرتها، فرأينا أن نمد يدًا إلى غرس قد أبرناه، حتى بلغ إناه، فنقطف من خياره، ونتأنق في اختياره. وأصبحنا بعد نرمي أغراض الكلام بأسهم أزرها التسديد، ونعقل مناظم القول بألسن برئ منها التعقيد، ونذيب من المنثور جداول النطاف، ونجمد
[ ١ / ٤٨٧ ]
من المنظوم جواهر الأصداف. وكان جدي أحمد بن بردٍ - ﵀ - بطول ممارسته لهذه الصناعة، برخاء اللبب والنهمة في الطلب، ودعة الزمان وإقبال السلطان، ومسافة العمر الممتدة له، قد اقتعد سنامها، ورفع أعلامها، وأصبح إمامها، وزين أيامها، وركب وسط مساقها، وأحرز قصب سباقها.
وفي فصل منه:
فإني وافقت أول معالجتي لهذه الصناعة آخر أيامه، وأوان بتات عمره وانصرامه، خلا أنه - عفا الله عنه - ولما يحل المقدور به، قد كان أقبسني مصابيح من وصاياه فيها، ووطأ لي مراكب من دلائله إليها، وضرب لي صوى من هداياته نحوها، أفاد الله بها نفعًا، وأوسع معها إرشاد. ثم إن الأيام إثر مصابه، وبعد ذهابه، باكرتني صروفها، وشغلتني برقع خروقها، ومكابدة ضيقها، وسوق الأدب قد كسدت، وجمرة السلطان قد همدت، والعي أمضى من البيان، والإساءة أحمد من الإحسان؛ وأقلامنا يومئذ في عطلة، ومحابرنا في عقله، وكتبنا تحت موجدة، وحينئذ قلت:
قرعنا بالكتابة باب حظٍ لندخله فزاد لنا انغلاقا
[ ١ / ٤٨٨ ]
فلم تبلغ بلاغتنا مناها ولا مد المداد لنا ارتفاقا
ولا راحت تقرطس بالأماني قراطيس أجدناها مساقا
وقلمت المطالب من حداها لنا أقلامنا ساقًا فساقا
فلا هطلت على الآداب مزن ولا برحت أهلتها محاقا
وعوضنا بما ندريه جهلًا لعل السوق مدركة نفاقا فما زلنا مع الخطوب مساجلين، ولصروف الأيام مناضلين فيوم لنا ويوم علينا. حتى إذا أراد الله أن يحيى لهذه الصناعة رسمًا، ويعيد لها دولة واسمًا، ويرفع سائر العلوم من التخوم إلى النجوم، وفنون الآداب من التراب إلى السحاب، طرف جفن السعد الباهت، وارتد نفس الحد الخافت، ولقي عثرة العلم مقيلها، ودولة الجهل مديلها، ونخوة الباطل مزيلها، ورسوم الغباوة محيلها، وقداح البلاغة مجيلها؛ ورفعت لي سجوف الأماني، عن الملك اليماني، غرة كندة التي تضحك عنها، وهضبة تجيب التي تأوي إليها، أبي الأحوص معن بن محمد، أيده الله كما أيد الحق، وصدقه وعده كما أحيا الصدق، فوصلت به سببي، ولويت بقوى أطنابه طنبي، ورأيت به للحلم جبلًا موطودًا، وللديانة ظلًا ممدودًا، وللتقوى حبلًا مشدودًا، وللعلم بحرًا طموحًا، وللأدب روضًا مجودًا
[ ١ / ٤٨٩ ]
مروحًا. ولم يزل - لا زالت به النعل - منذ اعتصمت بحرمته، واعتزيت إلى خدمته، يقبل عليّ في مجالسه المأنوسة باللحظ واللفظ، ويكسبي بمنازعة الأدب شرف المرتبة والحظ، فأتمرن على تثقيفه وتقويمه، وأتضمر عن رياضته وتعليمه، وتلزني هيبة كماله، وروعة جلاله، إلى شخذ سجايا، وجمع قواي، واجتناب الخطل في إيوانه، والزلل في ميدانه، فلا ترى شيئًا أشبه في التفضل، وبي في التقبل، من قول حبيب:
نرمي بأشباحنا إلى ملكٍ نأخذ من ماله ومن أدبه والبلاغة وإن كانت من فنون العلم أرق ما استرق، وألطف ما غرف، وأيسر ما به حاضر، وأقل ما أمل، وأوهن ما خزن، وأدنى ما اقتنى، فله كلف بانتقادها شديد، وصوت في معرفة نقادها بعيد. وقد خلص بيمينه العالية جوهر الكلام من أخباثه، وممر القول من أنكاثه، في غير ما كتابٍ منتم إلى البلاغة، معلم في الكتابة، فجاء بالصواب حاسرًا، وبيان الحقيقة سائرًا، وفي هذا النقد سقط العشاء بمن سقط على السرحان، وفيه أساء من أحسن بنفسه الظن في ألإحسان.
[ ١ / ٤٩٠ ]
ومن هذا الباب تولجت إلى صنعة هذا الكتاب ليرى - أيده الله - كيف نبت كلامي على سقيه، ونما ما أودع تربة قبولي من غرسه. فإني ضمنته، في فنون من البلاغة وفصول من اكتابة، سلطانيات وإخوانيات. وكل ما أوردته مما ولدته، وما وضعته مما صنعته، لم أغله لغيري، ولا خنت فيه أمانة سواي؛ إلا أنني طرزته بأبواب من بيوت الشعر المحتوية على الحكم البوالغ، والجارية مجرى الأمثال السوائر، لشعراء مجيدين، وعلماء مفيدين، قد ركبوا من المعاني أوطأها مركبًا، ووردوا للألفاظ أعذبها مشربًا، وتخطوا في نظمهم الخشونة إلى اللدونة، والتكلف إلى التلطيف، وخاضوا جسوم الحكم إلى الأرواح، وخرجوا بحسن التخلص من الالتباس إلى الإيضاح، لئلا تباين طبقة منثورة طبقةً منظومة، ولا تبعد مرتبة جامدة من مرتبةٍ ذائبة، وليأتي في ازدواج الليل والنهار، وامتزج الماء بالعقار.
@فصول له في التحميدات
فصل: الحمد لله الذي علا وقهر، وبطن وظهر، وبحكمته قدر وأمر، وبعدله قدم وأخر.
فصل آخر: الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، المحجوب عن الأبصار، والفائت إحاطة الأفكار، تعالى في
[ ١ / ٤٩١ ]
الحجب العلا، واطلع على النجوى، وعلم السر وأخفى، خلق الخلق للفناء، ثم يعيدها للبقاء.
فصل: الحمد لله اللطيف الخبير، العالم بذات الصدور، الذي يطلع على الإصرار، ويعلم خفي الأسرار، ويتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار.
فصل: الحمد لله جالي الكرب السود، وفاتح المبهم المسدود، الذي أقال العشرات، وأدال من الحسرات، وانتاش متن البأساء وأعقب بالنعماء، وأراح من جهد البلاء.
فصل: الحمدل لله واصل الحبل بعد انقطاعه، وملائم الشمل بعد انصداعه، المصبح بنا من ليالي الخطوب، والماحي عنا غياهب الكروب، والناظم لما انتثر من الألفة، والجامع لما انتشر من الكلمة.
فصل: الحمد لله الكائن قبل المكان، والموجود في عدم الزمان، الحي الذي لا يدركه الموت، والدائم الذي لا يلحقه الفوت، والفرد الذي ليس له نظير، والصمد دون وليٍ ولا ظهير، وارث الأرض ومن قطنها، والسماء ومن سكنها، مميت كل حي وباعثه، ومحيي كل ميتٍ ومنشره.
فصل: الحمد لله خالق العوالم على نتافر في الصفات شديد، وتباينٍ
[ ١ / ٤٩٢ ]
في التركيبات بعيد، فمن صلصالٍ كالفخار، ومن مارجٍ من نار، ومن جواهر روحانيةٍ، وأنوار، وكل عالمٍ منها ناطق بأنه خالق، وشاهد بأنه واحد.
فصل: الحمد لله وإن عثرت الجدود، وهوت السعود، المرجو للإدالة، والمدعو في الإقالة، والقادر على تعجيل الانتصار، والآخذ للإسلام بمنيم الثار.
فصل: أما بعد فما أتيت البصائر من تعليل، ولا الأعداد من تقليل، ولا القلوب من خور، ولا السواعد من قصر، ولا السيوف من كهم، ولا الرماح من جذم، ولا الجياد من لؤم أعراق، ولا الصفوف من سوء اتساق. ولكن النصر تعذر، والوقت المقدور حضر، ولم يكن لتمضي سيوف لم يرد الله مضاءها، ولا لتبقى نفوس لم يرد الله بقاءها. وفي قوله تعالى أحسن التأسي وأجمل التعزي ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله؛ وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (آل عمران: ١٣٩) .
فصل: الحمد لله مؤلف الآراء، وجامع الأهواء، على ما أغمد من
[ ١ / ٤٩٣ ]
سيف الفتنة، وأطفأ من نار الإحنة، وأصلح الفاسد، وألف الشارد، ونشر الأمن، وأحيا الحق، وجمع الشمل، ووصل الحبل، ورجع الكلمة إلى أجمل نظام، وأنعم على المسلمين أتم إنعام.
فصل: الحمد لله الذي صير أعداءنا وأضدادنا من أعضادنا، والسيوف المسلولة علينا مسلولةً دوننا، والجيوش المجهزة إلينا مجهزة عنا، حمد من لا يستغرب له صنعًا، ولا يرى من آياته بدعًا، ولا يطيق لنعمه عدًا، ولا يحسد لآلائه حدًا.
@وله فصول في شكر النعم
فصل: إن للنعم عيونًا إذا كحلن بالشكر أرين المنعم عليه السبيل التي يأتي المزيد منها، وتنحدر المواد عليها، والمناهج التي تفضي بها إلى دار إقامتها، وتبليغها مأمنها وملقى عصاها.
فصل: أما بعد، فإن زهر النعمة إذا تفتح بوابل الشكر رأت فيه قرتها العين، وأخذت منه حاجتها النفس.
فصل: نعم حاضن النعمة الشكر، يغذوها فتنمى، ويحرسها فتحتمي
[ ١ / ٤٩٤ ]
ويلطفها فتلقي عصاها، ويعطفها فتعطي جناها. ولبئس الجار لها الكفر، يطيرها عن موضعها، وينفرها عن مشرعها، ويبقى صاحبها مبلسًا من إلباسها، وحشًا من إيناسها.
فصل: من ربى النعمة في حجر الشكر، وأرضها ثدي الحمد، وكفلها بأداء الحق، رأى في شخصها النماء، وتعرف من عمرها البقاء، وأمن عليها التحول والالتواء.
فصل:
- الشكر حرم للمنة، وأمان بيد النعمة.
- إذا أقفل باب النعمة فالشكر مفتاحها.
- الشكر عوذة على العرافة، وتميمة في جيد النعمة.
- من شكر النعمة التحف بها، ومن كفرها عري منها.
- الكفر غراب ينعب على منازل النعم.
- الشكر بيد النعمة أمان، وعلى وجه العارفة صوان.
- مهر النعمة الشكر، وطلاقها الكفر.
@فقر في صف القلم والمداد والكتاب
- الكتاب من حلية الملائكة، قال الله تعالى: ﴿كرمًا كاتبين
[ ١ / ٤٩٥ ]
يعلمون ما تفعلون﴾ (الافطار: ١١ و١٢) .
- المداد كالبحر، والقلم كالغواص، واللفظ كالجوهر، والقرطاس كالسلك.
- الدواة كالقلب، والقلم كالخاطر، والصحيفة كاللسان.
- العقل أب، والعلم أم، والفكر ابن، والقلم خادم.
- ما أعجب شأن القلم، يشرب ظلمةً ويلفظ نورًا.
- قد يكون قلم الكاتب، أمضى من سنان المحارب.
- القلم سهم تنفذ به المقاتل، وشفرة تطبق بها المفاصل.
- إذا أخذ الكتاب شكتهم للكلام، واخترطوا ظبات الأقلام، فكم من عرشٍ يثل، ودمٍ يطل، وجبار يذل، وجيشٍ يفل.
- لولا القلم ما عبئت كتائب، ولا سريت مقانب، ولا انتضيت سيوف، ولا ازد لفت صفوف.
- على غيث القلمٍ يتفتح زهر الكلم.
- ما أصوغ القلم لحلي الحكم.
- قاتل الله القلم، كيف يفل السنان، وهو يكسر بالأسنان.
- فصاد القلم خدر في أعضاء الخط.
قال ابن بسام: وهذا محلول من قول القائل حيث يقول:
من خط يومًا ببريةٍ فسدت أصاب أعضاء خطه خدر - رداءة الخط قذىً في عين القارئ.
[ ١ / ٤٩٦ ]
@فصول له تنخرط في سلك الأمان
: إن أفضل ما تناجي المسلمون به، ووجهوا بصائرهم إليه، وصححوا نياتهم فيه، ولم يلوهم لاو عنه، ولا لفتهم لافت دونه، ما قرب من رضى الله، وأبعد من سخطه، وعمل فيه بأمره، واحستب فيه خلافة رسوله في أمته، من الإصلاح بين المتحاربين وتحذيرهم في سفك الدماء، وتأريث نار الشحناء، وتوكيد رر الحقود، وإيقاظ عيون الحروب، من فساد الدين، ووهن اليقين، وذهاب الرجال، ونفاذ الأموال، واجتياح النعم، واستنزال النقم. قال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (النساء: ١١٤) وقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ (الحجرات: ٩) .
فصل: إن الحرب مثكلة للنفوس، متلفة للأموال، للندامة في العواقب، تلذ مباديها للأشرار، وتنجي كلاكل عاقبتها على الأخيار. وقلما يقدح شعلها، ويغلي مرجلها، إلا فراش الشر وذبان الطمع، ممن لا يحفل بعار، ولا يستحيي من فرار، فإن هلك لم يفقد، وإن نجا لم يحمد. ثم ترتكض جماهير الناس وأولو الذكر، والأعاجم أخطارًا، والأحاسن آثارًا، في لججٍ تبعد عنها السواحل، وينوءون بفوادح تهد عنها الكواهل، فأصح
[ ١ / ٤٩٧ ]
الناس لبًا، وأبعدهم نظرًا، وأخيرهم أحسابًا، من حض على الصلح، ونسب إلى إبراء الجرح، ولم يأل إرشادًا وتبصيرًا، ومن سوء العواقب تخويفًا وتحذيرًا، وبادر نار الفتنة بالإطفاء، وعصب المتحازبين بالإرخاء، وشوكة الحرب بالخضد، فحقن الدم، وحمى الحرم، وأوطن النعم.
: أما بعد، فقد آن أن توقظوا سواهي العقول، وأن تريحوا عوازب الأحلام، فتسلوا السخائم، وتغمدوا الصوارم، وتعيدوا السهام في كنائها، وتقفوا الأسنة في مراكزها، وتسلموا الخيول في مرابضها، وتعلموا أن الله القادر عليكم الآخذ بنواصيكم أقلها استئصال آثار النعم عليكم، وسطوات أبرزها تحكم أيدي البلاء فيكم، فكم صال بناركم لم يشرككم في قدحها، وشقيٍ بفتنكم ولم يغمس معكم يدًا فيها، وموفور سعيتم لذهاب وفره، ومستور أعنتم على انكشاف ستره، فلا العظة تسمعون، ولا على أنفسكم ترعون؛ أما والله لتجرعن الخطبان، ولتقرعن الأسنان، ولتحاولن الأوبة ولا مآب لكم، والتوبة ولا قبول منكم.
: بايع الإمام عبد الله فلان بانشراح صدرٍ، وطيب نفس، ونصاحة جيبٍ، وسلامة غيبٍ، بيعة رضىً واختيار، لا بيعة إكراه وإجبار، على السمع والطاعة، والمؤازرة والنصرة، والوفاء والنصيحة، في السر والعلانية، والجهر والنية، والعمل على موالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، من بعيدٍ وقريب، وغريبٍ ونسيب، ويقسم
[ ١ / ٤٩٨ ]
على الوفاء به والقيام بشروط بيعته، بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشهادة، والقائم على كل نفسٍ بما كسبت، ويعطيه على ذلك كله ذمة الله وذمة محمدٍ ورسوله، وذمة الأنبياء والمرسلين، والملائكة والمقربين، وعباد الله الصالحين.
ومتى خلعت ربقةً بخترٍ أو غدر، أو طويت كشحًا على نكث أو حنث، فعليك المشي إلى بيت الله الحرام ببطحاء مكة من مستقرك ثلاثين حجة، نذرًا واجبًا لا يقبل الله تعالى إلا الوفاء به؛ وكل زوجة لك مهيرة، أو تنكحها إلى ثلاثين سنةً، فطالق تحتك طلاق الحرج ثلاثًا. وكل أمة أو غرة أو عبد لك أو تملكه فأحرار لوجه الله العظيم. مال لك من صامتٍ أو ناطقٍ أو تملكه إلى ثلاثين سنةً غير عشرة دنانير أو قدرها فصدقة على الفقراء والمساكين، وقد برئ الله تعالى منك ورسوله وملائكته. والله بجميع ما انعقد عليك في هذه البيعة شهيد، وكفى به شهيدًا، وعلى الأعمال والنيات مثيبًا.
: أما بعج، فإن الغلبة لنا والظهور عليك جلباك إلينا على قدمك دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك. ولكنا، بما وهب الله تعالى لنا من الإشراف على سرائر الرياسة، والحفظ لشرائع السياسة، تأملنا من ساس جهتك قبلنا، فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين حزامته عوراء، وقدم مداراته شلاء، لأنه مال عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه، فأدتك حاجتك إلى طلاب الطعم الدنية، وقلة مهابتك إلى التهالك على المعاصي الوبية. وقد رأينا أن نظهر فضل سيرتنا فيك
[ ١ / ٤٩٩ ]
ونعتبر بالنظر في أمرك، فمهدنا لك الترغيب لتأنس إليه، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه، فإن سوت الحالتان طبعك، وداوى الثقاف والنار عودك، فدلك بفضل الله عليك، وبإظهاره حسن السياسة فيك؛ وأمان الله لك مبسوط منا، ومواثيقه بالوفاء لك معقودة علينا، وأنت إلى جهتك مصروف، وبعفونا والعافية منا منكوف، إلا أن تطيش الصنعية عندك، فتخلع الربقة وتمرق من الطاعة، فلسنا بأول من بغى عليه، ولست بأول من بدت لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت، وانفتحت لنا أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت.
أمان غريب الصنعة: أما بعد، فإنكم سألتم الأمان أوان تلمظت السيوف إليكم، وحاولت المنايا عليكم، وهمت حظائر الخذلان أن تفرج لنا عنكم، وأيدي العصيان أن تتحفنا بكم. ولو كلنا لكم بصاعكم، ولم نرع فيكم ذمة اصطناعكم، لضاق عنكم ملبس الغفران، ولم ينسدل عليكم ستر الأمان. ولكنا علمنا أن كهولكم الخلوف عنكم، وذوي أسنانكم المعاصين لكم، ممن يهاب وسم الخلعانن ويخاف سطو السلطان، وأنهم لا يراسلونكم في ميدان معصية، ولا يزاحمونكم منهل حيرة، ولا يماشونكم إلى موقف وداع نعمة. ولولا تحرجنا أن نقطع أعضادهم بكم، ورجاؤنا أن يكون العفو على
[ ١ / ٥٠٠ ]
المقدرة تأديبًا لكم، لشربت دماءكم سباع الكماة، وأكلت لحومكم ضباع الفلاة. وقد أعطيناكم بتأميننا إياكم عهد الله تعالى وذمته، ونحن لا نخفرهما أيام حياتنا إلا أن تكون لكم كرة، ولغدرتكم ضرة، فيومئذٍ لا إعذار لكم ولا إقصار عنكم، حتى تحصدك ظباة السيوف، وتقتضي ديون أنفسكم غرماء الحتوف.
وفي العتاب: أظلم لي جو صفائك، وتوعرت علي أرض إخائك، وأراك جلد الضمير على العتاب، غير ناقع الغلة من الجفاء. فليت شعري ما الذي أقسى مهجة ذلك الود، وأذوى زهرة ذلك العهد - عهدي بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة، ومودتنا تسمو عن صفة العتاب ونسبة الجفاء؛ واليوم هي آنس بذلك من الرضيع بالثدي، والخليع بالكأس. وهذه ثغرة إن لم تحرسها المراجعة، وتذك فيها عيون الاستبصار، توجهت منها الحيل على هدم ما بنيناه، ونقض ما اقتنينا، وتلك ناعية الصفاء، والصارخة بموت الإخاء.
لا أستبد - أعزك الله - من الكتاب إليك، وإن زعم أنف القلم، وانزوت أحشاء القرطاس، وأخرس فم الفكر، فلم يبق في أحدها إسعاد لي على مكاتبتك، ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك، لقوارص عتابك، وقوارع ملامك، التي قد أكلت أقلامك، وأعضت كتبك، وأضجرت رسلك. وضميري طاوٍ لم يطعم تجنبًا عليك، ونفسي وادعة
[ ١ / ٥٠١ ]
لم تجن ذنبًا اليك، وعقدي مستحكم لم يمسسه وهن فيك. وأنا الآن على طرفٍ من إخائك معك، فإما أن تدلي بحجةٍ فأتنصل عندك، وإما أن تنبئ بحقيقة فأستديم خلتك، وإما أن تأزم على فأسك فأقطع حبلي منك، كثيرًا ما يكون عتاب المتصافيين حيلةً تسبر المودة بها، وتستثار دفائن الأخوة عنها، كما يعرض الذهب على اللهب، وتصفق المدام بالفدام. وقد يخلص الود على العتب خلاص الذهب على السبك. فأما إذا أعيد وأبدي، وردد وولي، فإنه يفسد غرس الإخاء، كما يفسد الزرع توالي الماء.
@فصول في الاستزارة
- اليوم يوم بكت أمطاره، وضحكت أزهاره، وتقنعت شمسه، وتعطر نسيمه، وعندنا بلبل هزج، وساق غنج، وسلافتان: سلافة إخوانٍ، وسلافة دنان؛ قد تشاكلتا في الطباع، وازدوجتا في إثارة السرور؛ فاخرق إلينا سرادق الدجن تجد مرأى لم يحسن إلا لك، ولا يتم إلا بك.
- الزيارة في الليل أخفى، وبالزائر والمزور أحفى، وقد سدل حجابه، ووقع غرابه، وتبرقعت نجومه بغيومه، وتلفعت كواكبه بسحائبه؛ فاهتك إلينا ستره، وخض نحونا بحره؛ ولك الأمان من عين واشٍ تراك، وشخص رقيبٍ يلقاك.
- البدر صنوك، فإن طلعت معه علي ذعر الخافقان، والشمس
[ ١ / ٥٠٢ ]
تربك، فإن صاحبتها إليّ استراب الثقلان؛ فاجعل ليالي السرار مواقيت الازديار، وأيام الانكساف ساعات الائتلاف.
- لم نلتق منذ عرينا مركب اللهو، وأخلينا ربع الأنس، وقصصنا جناح الطرب، وعبسنا في وجوه اللذات. فإن رأيت أن تخف إلى مجلسٍ نسخت فيه الرياحين بالدواوين، والمجامر بالمحابر، والاطباق بالأوراق، وتنازع المدام بتنازع الكلام، واستماع الأوتار باستماع الأخبار، وسجع البلابل، بسجع الرسائل، كان أشحذ لذهنك، وأصقل لفكرك، وآنس لخاطرك، وأطيب لنفسك، وأفرج لهمك، وأرشد لرأيك.
- نحن من منزل أبي فلان بحيث نلتمس سناك، ونتنسم رياك؛ وقد راعنا اليوم باكفهرار وجهه، وما ذر من كافور ثلجه، فاردعنا له بالستور، وانغمسنا بين جيوب السرور، ورفعنا لبنات الزناد راياتٍ حمراء، وأجرينا لبنات الكروم خيلًا شقراٍ، وأحببنا أن تشهد جيش الشتاء كيف يهزم، وأنفاس البرد كيف تكظم.
@فصل قصار في مدح الإخاء
- بيننا خصائص ودادةٍ، كأنها وشائج ولادة.
[ ١ / ٥٠٣ ]
- رعيت به السعدان، وأخذت من ريب دهري به الأمان.
- جلى من مطلبي ما أظلم عليّ، وأشعل من همتي ما خمد لدي.
- أمضى لساني، وبل ريقي، وأشاد باسمي، وأعلى قدري.
- ولا والحجر اليماني، والسبع المثاني، لا جعلت سواه قصدي، ولا استكفيت غيره عظم أمري.
- ناصري إذا تكاثرت الخطوب عليّ، ومجيري إذا أثخنت الأيام جانبي.
- هو ذخري المعد، وركني الأشد، وسلاحي الأحد.
- خزانة سر لا إقليد لها، ولا للصوص حيلة فيها.
- آراؤه كالمرائي إذا جليت، والسيوف إذا انتضيت.
يحسن عشرة الجار، ويسيء عشرة الدرهم والدينار.
وله في ضد ذلك:
- خليت عنه يدي، وخلدت قلاه خلدي.
- بيض الأنوق من رفده أمكن، وصفا المشقر من خده ألين.
- منزور النوال، رث الفعال.
- أحاديث وعده لا تعود بنفع، ولا هي من غربٍ ولا نبع.
- مطحلب الوجه، مهراق ماء الحياء، مظلم الخلق، دبوري الريح، مقشعر الوجه.
[ ١ / ٥٠٤ ]
- طاشت عنده الصنيعة، وضاعت فيه اليد.
- على وجهه من التعبيس قفل ضاع مفتاحه، وليل مات صباحه.
- غنى من الجهل، مفلس من العقل.
- تتضاءل النعم لديه، وتقبح محاسن الإحسان عليه.
- لم ينظم عليه قط خرز ثناء، ولا استحق أن يلبس بزة مديح.
- غربال حديثٍ، إذا وعى سرًا قطر منه.
- أجال قدحًا غير قامرٍ، ورمى بسهم غير صائب.
- كبد الزمان عليه قاسية، ونعم الله له ناسية.
- شر بقعةٍ لغرس المودة وبذر الإخاء.
- قصير الوفاء للإخوان، عون عليهم مع الزمان.
- هو كدر الدنيا وسقم الحياة.
- رقدت ملء عيني في فرش القلى له، وشربت زلال ماء العزاء عنه.
- مربٍ لأطفال الإحن، محيٍ لأموات الدمن.
@وهذه جملة أيضًا من شعره في أوصاف شتىً
@النسيب وما يناسبه
قال:
لما بدا في لازور دي الحرير وقد بهر
[ ١ / ٥٠٥ ]
كبرت من فرط الجما لو قلت: ما هذا بشر
فأجابني: لا تنكرن ثوب السماء على القمر وهذا كقول ابن الرومي:
يا ثوبة الأزرق الذي قد فاق العراقي في السناء
كأنه فيه بدر تمٍ يشق في زرقه السماء وابن المعتز أيضًا القائل:
وبنفسجي الثوب قت - ل محبة من رائه
الآن صرت البدر حي - ن لبست ثوب سمائه ورأى ابن بردٍ غلامًا قد بيض على عادة أهل أفقنا في لباس البياض عند الحزن فقال:
أجل جفونك في ذا المنظر الحسن ولم على النأي منه حادث الزمن
واعجب لضدين في مرآه قد جمعا: شخص السرور عليه لبسة الحزن وفي لباس أهل أفقنا البياض على المتوفي يقول الحلواني:
لئن كان البياض لباس حزنٍ بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي لأني قد حزنت على الشباب
[ ١ / ٥٠٦ ]
وقد أخذ هذا المعنى بعض أهل عصرنا وهو أبو العباس أحمد بن قاسم المحدث بقرطبة فقال:
قالت وقد نظرت فروعها شيب على فودي منتشر:
ما شأن تلك البيض - قلت لها: مات الشباب فبيض الشعر وقال ابن برد:
أقبل في ثوب لازوردٍ قد أفرغ التبر من عليه
كأنه البدر في سماءٍ قد طرز البرق جانبيه وقال أيضًا:
بأبي طائر حسنٍ لاقط حب القلوب
كلما اهتز جناح ال - صد هزت بالوجيب
يتغنى بلسانٍ معربٍ فوق قضيب:
أعطي الملك محب فاز مني بنصيب وينظر من هذا بعض النظر قول أبي نواس:
وما أنا إن عمرت أرى جنابًا وإن ضنت بمبخوس النصيب
مقنعة بثوب الحسن ترعى بغير تكلفٍ ثمر القلوب
[ ١ / ٥٠٧ ]
وقال ابن برد أيضًا:
كيف لا أعشق ظبيًا سارحًا في ظل ملك -
إنما السمرة فيه مزج كافورٍ بمسك وهذا كقول ابن فتوح:
قد قضيبٍ وبدر ديجور وثغر در ولحظ يعفور
نازل صبري وأي مصطبرٍ يفي بتلك اللواحظ الحور
كأنما نوره وسمرته مسك مشوب بذوب كافور وقال ابن برد:
بأبي أنت وأمي لم تطبعت بظلمي -
أبدًا تأتي بعتبٍ دون أن آتي بجرم
بيننا في الحب قربى سقم عينيك وجسمي وهذا كقول ابن الرومي:
يا عليلًا جعل العل - ة مفتاحًا لسقمي
ليس في الأرض عليل غير جفنيك وجسمي وأخذه محمد بن هانئٍ فقال:
المدنفان من البرية كلها: جسمي وطرف بابلي أحور
والمشرقات النيرات ثلاثة: الشمس والقمر المنير وجعفر
[ ١ / ٥٠٨ ]
وقال ابن برد:
يا كثير الجفاء لي ومضيعًا وسائلي
طال حبي ولم تفز منك نفسي بطائل
أنت لي هاجر وإن كنت في ثوب واصل
أنت أمررت منهلًا كان أحلى مناهلي
سوف أبكيك لا ستحا لة تلك الشمائل
بجفونٍ قريحةٍ ودموعٍ هوامل وقال أيضًا:
يا من بفيه يعبق العنبر ومن لماه سكر مسكر
صح الهوى منا ولكنني أعجب من بعد لنا يقدر
كأننا في فلكٍ دائرٍ فأنت تخفى وأنا أظهر وقال أيضًا:
صب ذكت في فؤاده الحرق يغرق في دمعه ويحترق
لدده في دجى صبابته وجه بماء الشباب مؤتلق
لما رمته العيون ظالمةً وأثرت في جماله الحدق
ألبس سن نسج شعره زردًا صيغت له من زمرد حلق وقال في مثله:
[ ١ / ٥٠٩ ]
هو في الحسن كالجوا د بريح الصبا حذي
زين إذ جاء سابقًا بعذاري زمرذ وقال أيضًا:
وجه لمصباح السماء مباهي يبدي الشباب عليه رشح مياه
رقم العذار غلالتيه بأحرفٍ معنى الهوى في طيها متناهي
نادى عليه الحسن حين لقيته: هذا المنمنم في طراز الله وهذا كقول المتنبي:
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه كالخط يملأ مسمعي من أبصرا وقال ابن برد:
أعنبر في فمه فتتا أم صارم من لحظه أصلتا -
يا شاربًا ألثمني شاربًا قد هم فيه الآس أن ينبتا
انظر إلى الذاهب من ليلنا وامزج بماء الذهب المنبتا كأنه ذهب في البيت الثاني منها إلى معارضة ابن المعتز في قوله:
قد صاد قلبي قمر يسحر منه النظر
بوجنةٍ كأنما يقدح منها الشرر
[ ١ / ٥١٠ ]
وشاربٍ قد هم أو نم عليه الشعر
ضعيفة أجفانه والقلب منه حجر
كأنما مقلته من فعله تعتذر
الحسن فيه كامل وفي الورى مختصر وليست يد ابن بردٍ فيه عن مرماه بقاصرةً، ولا صفقته حين جاراه بخاسرةٍ، بل ساواه وزاد. وأجاد ما أراد. ألا ترى قول ابن المعتز على تقدمه: " قدهم أو نم عليه الشعر " لا يكاد يخرج عن لفظ العامة، وابن برد جمع في بيته بين ما بابين من أبواب البديع: فجانس بين الشارب والشارب، وأنبأ أن محبوبه في آخر درجة من المرودة وأول درجة من اللحية، بإشارة عذبة وعبارة حلوة رطبة، دون تطويل، ولا تثقيل - وقول ابن برد: " وامزج بماء الذهب المنبتا " -[يعنى بذلك الفضة، والمنبت مولد ليس من كلام العرب]- ينظر إلى قول الصنوبري:
وليلة كالرفرف المعلم محفوفة الظلماء بالأنجم
تعلق الفجر بأرجائها تعلق الأشقر بالأدهم
عدلت فيها بين خمرين من خمر العناقيد وخمر الفم
[ ١ / ٥١١ ]
تناول الجام يدي من يدٍ موشية الراحة والمعصم
شبهت ذوب الراح في جامها بذوب دينار على درهم وإن كان الصنوبري أراد غير ما ذهب إليه ابن برد، لأنه أمر محبوبه ان يمزج له مدامة صفراء بماء زلال، والصنوبري شبه ذوب الراح في كأسها بذوب الذهب [وشبه الكأس بالدرهم، فعلم ابن برد الإشارة، وأن الخمر إذا اصفرت شبهت بالذهب] والمنبت إذا ذوب أشبه الماء، فناسب قول الصنوبري على هذه الإشارة. وقد نحا هذا النحو [بعض أهل أفقنا] وهو أبو علي الحسن بن حسان المعروف بالسناط فقال:
أدر كأسيك يا قمر الندي فقد نام الخلي عن الشجي
كفى بك والمدامة لي صباحًا يفرق عسكر الليل الدجي
فخذ ذهبًا ورد له لجينًا تكن في النقد أربح صيرفي وقول ابن المعتز " والقلب منه حجر " البيت، كقول المؤمل المحاربي:
[ ١ / ٥١٢ ]
فما اكترثت يا قلبها أحديد أنت أم حجر - وبعده:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فتأتيكم فنعتذر وقال ابن برد:
بخداع عللوه وبهجر وصلوه
لم يبالوا يوم صدٍ أي وجد حملوه
أخرجوه عن محلٍ للتسلي دخلوه
بلغوا فيه الأعادي كل شيءٍ أملوه
رب ستر للتصابي فوقه قد سدلوه
وسنا نار حميا في الدجى قد أشعلوه
كلما سقوه كأسًا إثر كأس قتلوه
وهلال بشري بنجوم كللوه
في بهيم من ظلام بسناه حجلوه
نشطوه ثم لما لان عظفًا أخجلوه
عذلوه عن وصالي حسدًا ثم ولوه
إنما حبي فيكم مثل ما قد سألوه
[ ١ / ٥١٣ ]
وذكرت بهذه القطعة قطعةً على وزنها ورويها، ويتعلق بها خبر من سيء الأخبار وشرها. قالوا: كان الأمين محمد بن هارون يومًا على بركة ماء وقد عضه ببغداد الحصار، وأخذت عليه الأقطار، إذ دخل عليه غلامه كوثر الخادم الوسيم، وكان له من حبه جزء مقسوم، وقد أصابه سهم خرق حجاب قلبه فخر لحينه، فجزع عليه الأمين جزعًا كان دونه الجنون: ثن قال:
قتلوا قرة عيني ومن اجلي قتلوه
يا هلال الدجن قل لي ما لقومي جهلوه -
طلع البدر نهارًا فلذا لم يعرفوه
أخذ الله لقلبي من أناسٍ خرقوه! وذكر بعض الرواة أن أبا محمد التيمي زاد في هذه الأبيات فقال:
من رأى الناس له فض لًا عليهم حسدوه
مثلما قد حسد القا ئم بالملك أخوه وفي غلامه كوثر يقول، وقد نظر إلى طولع البدر، وهو يشرب على الفسطاط:
[ ١ / ٥١٤ ]
وصف البدر حسن وجهك حتى خلت أني وما أراك أراكا
وإذا تنفس النرجس الغض توهمته نسيم شذاكا
خدع للمنى تعللني في ك بإشراق ذا ونكهة ذاكا
لأقيمن ما حييت على الشك ر لهذا وذاك إذ حكياكا وهو القائل فيه حين يئس من نفسه:
يا كوثري من ملكي إلا الذي تراه والجسران والماطر وقال ابن برد:
أسمر في اللون ولكنه قد وقف الصبح على الإفتضاح
يا عجبي من شادن أهيف يطارد الخيل ويثني الرماح
إذا مشى والجيش قدامه صاح عليه حسنه: لا براح وذكرت بهذا المعنى قول محمد بن هانئ وإن لم يكن به فيتطرف المغزى [بنا] إليه:
قمر لهم قد قلدوه صارمًا ولو انصفوه قلدوه كوكبا
جاءوا به من بعد أن حشدوا له من ردفه جيشًا لئلا يغلبا
[ ١ / ٥١٥ ]
وكأنما طبعوا له من لحظه سيفًا رقيق الشفرتين مشطبا
خالسته نظرًا وكان موردًا فاحمر حتى كاد أن يتلهبا
هذا طراز ما العيون كتبنه لكنه قبل العيون تكتبا
صفة تحير بعضها في بعضها حتى غدا التوريد فيها مذهبا وقال ابن برد:
زدتك ذلًا فزدت تيها واخطةً ذل من يليها!
ليتك حملت بعض ما بي فذقت ما ذقت منك فيها
يا شاعر الحسن بي ترفق لا تقتلني به بديها @ومن شعره في سائر الأوصاف
قال:
ويوم تفنن في طيبه وجاءت مواقيته بالعجب
تجلى الصباح به عن حيًا قد أسقى وعن زهر قد شرب
وما زلت أحسب فيه السحا ب ونار بوارقها تلتهب
بخاتي توضع في سيرها وقد قرعت بسياط الذهب يناسب معنى البيت الثاني منها قول ابن حمديس الصقلي:
من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور القاح وقوله: " بخاتي توضع في سيرها " البيت، يشبه قول الآخر من أناشيد أبي علي البغدادي:
[ ١ / ٥١٦ ]
حتى إذا ما رفع لآل الضحى حسبته سلاسلًا من الذهب وقد قال بعض أهل عصرنا وهو أبو بكر ابن بقي فذهب به مذهبًا عجيبًا، وولد معنى غريبًا:
يا لك من برق ومن ديمةٍ خلتهما في ليلي العاتم
سوطًا من العسجد تومي به كف النجاشي إلى حاتم وقال ابن برد:
رضابك ري لمن قد عطش وقربك أنس لمن قد وحش
وكم ليلة جلتها فانجلت إلى مدنف زرته فانتعش
وقد فتح الأفق للناظرين عن شهلة الصبح هدب الغبش وينظر هذا إلى قول المعري:
وصبح قد فلينا الليل عنه كما يلفى عن النار الرماد وقال ابن برد:
عارض أقبل في جنح الدجى يتهادى كتهادي ذي الوجى
أتلفت ريح الصبا لؤلؤه فانحنى يوقد عنه السرجا
[ ١ / ٥١٧ ]
وكأن الرعد حادي مصعب كلما صال عليه وسجا
وكأن البرق كاس سكبت في لهاة المزن حتى لهجا
وكأن الجو ميدان وغىً رفعت فيه المذاكي رهجا ومعنى البيت الثاني من هذا كقول ابن المعتز، وهو من أحسن ما قيل في الصبح:
والصبح يتلو المشتري فكأنه عريان يمشي في الدجى بسراج وقال تميم بن المعتز:
وكأن الصباح في الأفق بازٍ والدجى بين مخلبيه غراب وقال البحتري:
والصبح يلمح من خلال سحابه كالماء يلمع من خلال الطحلب وقال ابن برد:
سقاني وجفن الليل يغسل كحله بماء الصباح والنسيم رقيق
مدامًا كذوب التبر أما نجارها فضخم وأما جرمها فدقيق
[ ١ / ٥١٨ ]
وقال أيضًا:
وكأن الليل حين لوى هاربًا والصبح قد لاحا
كلة سوداء حرقها عامد أسرج مصباحا وقال أيضًا:
تأمل فقد شق البهار مغلسًا كمائمه عن زهره الخضل الندي
مداهن تبر في أنامل فضةٍ على أذرع مخروطة من زبرجد وقال:
سقى جوف الرصافة مستهل تؤلف شمله أيدي الرياح
محل ما مشيت إليه إلا مشى في ابتهاجي وارتياحي
كأن ترنم الأطيار فيه أغان فوق أوتار فصاح
كأن تثني الأشجار فيه نصل عذارى قد شربن سلاف راح
كأن الجدول المنساب نصل صقيل المتن هز إلى كفاح
كأن رياضه أبراد وشي تعطف فوق أعطاف ملاح وقال:
يا نعمة من عشيٍ غاب حاسده وصح فيه اجتماع دون تشتيت
[ ١ / ٥١٩ ]
[رحنا إلى النهر والأرواح لاعبة بموجه بين إحياء وتمويت]
ولاح في الماء منه منظر حسن حبست مني عليه طرف مبهوت
كأنما هو من صافي اللجين وقد ذابت على متنه زرق اليواقيت وقال يصف كلف البدر:
والبدر كالمرآة غير صقلها عبث العذارى فيه بالأنفاس
والليل ملتبس بضوء صباحه مثل التباس النفس بالقرطاس ورأيت ابن برد قد ذكر في كتابه أنه لم يسمع فيه لأحد شيئًا، وابن المعتز القائل في وصف الفرند:
جرى فوق متنه الفرند كأنما تنفس فيه القين وهو صقيل قال أبو الحسن: وإذ قد انتهينا إلى ذكر البدر فنلمع بشيء مما قبل فيه من مقطوعات وأبيات لها موقع بهذا الموضع، لمحدثين متقدمين ومعاصرين:
قال ابن المعتز:
انظر إليه كزورق من فضةٍ قد أثقلته حمولة من عنبر
[ ١ / ٥٢٠ ]
وسمع ابن الرومي هذا التشبيه فقال: أنا لم أر قط زورقًا من فضة، وإنما أصف ما شاهدته، وأشبه بما عاينته، قال:
ما أنس لا أنس خبازًا مررت به يدحو الرقاقة وشك الملح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرةً وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بقدار رؤيتها في كفه كرةً في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر [وقال المعري:
ولاح هلال مثل نون أجادها بذوب النضار الكاتب ابن هلال] وقال:
وكأن الهلال يهوى الثريا فهما للوداع معتنقان وقال ابن المعتز:
مثل القلامة قد قدت من الظفر
[ ١ / ٥٢١ ]
وقال أبو المغيرة ابن حزم:
لما رأيت الهلال منطويًا في غرة الفجر قارن الزهره
شبهته والعيان يشهد لي بصولجان أوفى لضرب كره وله:
قلبي وقلبك لا محالة واحد شهدت بذلك بيننا الألحاظ
فتعال فلنعظ الحسود بوصلنا إن الحسود بمثل ذاك يغاظ وله إلى من ودعه، وأودعه من الجوى ما أودعه:
يا من حرمت وصاله أو ما ترى هذي النوى قد صعرت لي خدها -
زود جفوني من جمالك نظرةً فالله يعلم إن رأيتك بعدما قال ابن برد: ولما مات محمد بن ربيب، صنيعة أبي الأحوص وأبي عتبة، وورد الخبر قرطبة، سألني أبو عامر بن شهيد رثاءه ووصف علته، وكانت العلة الكبرى، فقلت:
سيروح المرء إن لم يغتد والمنايا للفتى في مرصد
مات من كنا نراه أبدًا بارئ النفس عليل الجسد
بحر سقم ماج في أعطافه فرمى في جلده بالزبد
كان مثل السيف إلا أنه حمل الدهر عليه فصدي
[ ١ / ٥٢٢ ]
وكأن المرء لم يحم الأذى لائذ منها بثنيي زرد
ينثني الإخوان عنه جانبًا ويفل الدهر قصد العود
وترى المشفق عنها ينزوي وترى الآنف منها يفتدي ومن بدائعه العقم، المستنزلة للعصم، وما أرى أبا الحسن تجافى عنها غاضًا منها، لكن قدر أعجله، أو زمن لم يسمح له، ولأمر ما عطل هذا الورق، وأحال على الأيام أن تستنطق، فالحمد لله الذي لم يثكلنا بها، ويسرنا لاكتتابها.
رسالة في السيف والقلم وكتبها إلى الموفق أبي الجيش مجاهد، يقول فيها: أما بعد حمد الله بجميع محامده وىلائه، والصلاة على خاتم أنبيائه، فإن التسابق من جوادين سبقا في حلبة، وقضيبين نسقا في تربة؛ والتحاسد من نجمين أنارا في أفق، وسهمين صارا على نسق؛ والتفاخر من زهرتين تفتحتا من كمامة، وبارقتين توضحتا من غمامة، لأحمد وجوه الحسد، وإن كان مذمومًا مع الأبد. وربما امتد أحد الجوادين بخطوة، أو خص أحد القضيبين بربوة، أو كان أحد السهمين أنفذ مصيرا، أو راح أحد النجمين ضوأ تنويرا، أو غدت الزهرتين أندى غضارة، أو أمست إحدى البارقتين أسنى إنارة؛ فالمقصر يرتقب تقدمًا، وتقارب الحالتين في المجانسة يشب نار المنافسة، وإن حال بينهما قدح النقاد، وقبح تحاسد الأضداد.
وإن السيف والقلم لما كانا مصباحين يهديان إلى القصد، من بات يسري إلى المجد، وسلمين يلحقان بالكواكب، من ارتقى لساميات المراتب، وطريقين يشرعان نهج الشرف لمن تقوى إليه، ويجمعان شمل الفخر لمن تأشب عليه، ووسيلتين يرشفان العلى فم عاشقها، ويبسطان في وصال المنى يد وامقها، وشفيعين لا يؤخر تشفيعهما، ومجمعين لا يفرق تجميعهما، جررا أذيال الخيلاء تفاخرًا، وأشما بأنف الكبرياء تنافرًا، وادعى كل واحد منهما أن الفوز لقدحه، وأن الوري لقدحه، وأن الدر من أصدافه، وأن البكر من زفافه، وأن البناء من تشييده، وأن الملاء من تعضيده، وأن كباء الثناء
[ ١ / ٥٢٣ ]
موقوف على مجامره، وأن خطيب الفخر محبوس على منابره، وأن حلل المآثر من نسيجه، وأن أفراد المفاخر من تزويجه. وحين كشف الجدال قناعه، ومد الخصام ذراعه وهز الإباء من عطفه، وأشم الأنف من أنفه، قاما يتباريان في المقال، ويتساجلان في الخصال، ويصف كل واحد منهما جلال نفسه، ويذكر فضل ما اجتني من غرسه، ويبأى بمنقبة نافرت السها، ومرتبة ريضة خيسها، ورياسة من ذوائب الجوزاء صادها، ونباهة في صهوة العيوق أفادها.
فقال: ها، الله أكبر! أيها المسائل بدءاص يعقل لسانك، ويحير جنانك، وبديهة تملأ سمعك، وتضيق ذرعك. خير الأقوال الحق، وأحمد السجايا الصدق. والأفضل من فضله الله ﷿ في تنزيله، مقسمًا به لرسوله، فقال: ﴿ن. والقلم وما يسطرون﴾ (القلم: ١)، وقال: ﴿أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ (العلق: ٤) فجل من مقسم، وعز من قسم، فما تراني، وقد حللت بين جفن الإيمان وناظره، وجلت بين قلب الإنسان وخاطره - لقد أخذت الفضل برمته، وقدت الفخر بأزمته.
فقال السيف: عدنا من ذكر الطبيعة إلى ذكر الشريعة، ومن وصف الخصلة إلى وصف الملة، لا أسر ولكن أعلن، قيمة كل امرئ ما يحسن. إن عاتقًا حمل نجادي لسعيد، وإن عضدًا بات وسادي لسديد، وإن فتى اتخذني دليله لمهدي، وإن امرءًا صيرني رسيله لمفدي؛ يشق مني الدجى بمصباح، ويقابل كل باب بمفتاح. أفصح والبطل قد خرس، وأبتسم والأجل قد عبس؛ أقضي فلا أنصف، وأمضي فلا أصرف؛ أزري بالوفاء، وأهتك اللأمة هتك الرداء.
فقال القلم: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وقبحًا للتحلي بالجور. وتسود ما بيض الصفاء، وتكدر ما أخلص الإخاء، وتوكد أسباب الفتن، وتضرب بقداح الفتن. الحق أبلج، والباطل لجلج، إن فإنها في قدحها لمأمونة الطائر، محسود الباطن والظاهر. أحكم فأعدل، وأشهد فأقبل؛ وترحل عزماتي شرقًا
[ ١ / ٥٢٤ ]
وغربًا ولا أرحل؛ أعد فأفي، وأستكفى فأكفي، أحلب الغنى من ضروعه، واجتني الندى من فروعه. وهل أنا إلا قطب تدور عليه الدور، وجواد شأوه يدرك الأمل، شفيع كل ملك إلى مطالبه، ووسيلته إلى مكاسبه؛ وشاهد نجواه قبل كل شاهد، ووارد معناه قبل كل وارد.
فقال السيف: يالله! استنت الفصال حتى القرعى، ورب صلف تحت الراعدة؛ لقد تحاول امتدادًا بباع قصيرة، وانتفاضًا بجناح كسيرة. أمستعرب والفلس ثمنك، ومستجلب وكل بقعة وطنك - جسم، ودمع بار، تحفى فتنعل بريًا، حتى يعود جسمك فيا، إن الملوك لتبارد إلى دركي، ولتتحاسد في ملكي، ولتتوارثني على النسب، ولتغالي في على الحسب؛ فتكللني المرجان، وتنعلني العقيان، وتلحفني بخلل كحلل، وحمائل كخمائل، حتى أبرز براز الهندي يوم الجلاء، والروض غب السماء.
فقال القلم: من ساء سمعًا ساء إجابة. أستعيذ بالله من خطل أرعيت فيه سوامك، وزلل افتتحت به كلامك؛ إن ازدراءك بتمكن وجداني، وبخس أثماني، لنقص في طباعك، وقصر في باعك؛ ألا وإن الذهب معدنه في العفر، وهو أنفس الجواهر، [والنار] مكمنها في الحجر، وهي إحدى العناصر، وإن الماء وهو الحياة، أكثر المعايش وجدانًا، وأقلها أثمانًا، وقلما تلفى الأعلاق النفيسة، إلا في الأمكنة الخسيسة. وأما التعري، فغنينا بالجمال عن جر الأذيال؛ وهل يصلح الدر حتى يطرح صدفه، أو يبتهج الإغريض حتى يشذب سعفه، أم يتلألأ الصبح حتى تنجلي سدفه - إن الضحاء
[ ١ / ٥٢٥ ]
للرجال معروف. وإن الخفر على النساء موقوف. ولولا جلاء الصياقل صدأك لأسرعت ذهابًا، وعدت مع التراب ترابًا.
فقال السيف: جعجعة رحى لا يتبعها طحن، وجلجلة رعد لا يليها مزن، في وجه مالك تعرف أمرته؛ وجه لئيم، وجسم سقيم، وغرب يفل، ودم يطل، ودموع سجام، كأنهن سخام، ورأس يتقلقل فيه لب، وجوف لم يتخضخض فيه قلب، أوحش من جوف العير، يشهد عليه كثرة الجور بقلة الخير. فهب من نومك، وأفطر من صومك، وتحكم بطرف نظار، في جسم ماء وحلة نار. إن امتضاني جاهل، أوهمته أني سائل، ففر خوفًا أن يغرق، وولي حذرًا أن يحترق؛ في بحر زبده الشعل، وبرق سحابه الخلل. لو انتضت والشم كاسفة لم ينظر وقت تجليها، أو السنون مجدبة أيقن بالحيا راعيها. قد خط الفرند في صفحتي أمثال صغار الخيلان، في البيض من صفحات الحسان. أكرع يوم الوغى في لبة البطل، فأعود كالخد كسي صبغ الخجل، كأنما اشتملت بالشقيق، أو شربت ماء العقيق.
فقال القلم: إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا. ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة. إن ماءك السائل الجامد، وإن جرمك الملتهب لبارد، ولن يغرق فيه حتى تكرع في السبسب العطاش، ولن يحترق به حتى يقع في نار الحباحب الفراش، فأقصر عن جفنك من العمى رواقًا، واحلل من خصرك للجهل نطاقًا، يسفر البلاء لك عن قضيب عاج، ولسان سراج، وقدح ورق جلل بالعقيان، وحلة نرجس فوق جسم أقحوان؛ لليل في فوديه لطخ، وللمسك في صدغيه نضخ. أنجلي عن المهارق، انجلاء
[ ١ / ٥٢٦ ]
الغمام عن الحدائق، وأرقم في بطون الصحف، مالا يرقم الربيع في الروضة الأنف، من منمنم يختال بين مسهم، ومعضد فوق مسرد.
ولما كثر تعارضهما، وطال تراوضهما، وقابل كل واحد منهما بجمعه جمعًا، وقرع بنبعه نبعًا، ولم ينثن أحد الصارمين كهامًا، ولا ارتد أحد العارضين جهامًا، تبادرا إلى السلم يعقدان لواءهما، وإلى المؤالفة يردان ماءها؛ وقالا إن من القبيح أن تتشتت أهواؤنا، وتتفرق آراؤنا، وقد جمعنا الله في المألف الكريم، وأحلنا بمحل غير ذميم، بأعلى يد نالت آمالها، ووافت المطالب في أوطانها، ولم تقابل بابًا مغلقًا إلا قرعته، ولا حجابًا مضلعًا إلا رفعته، ولا جدًا عاثرًا إلا أقالته، ولا أملًا غائرًا إلا أسالته - تلك يد الموفق أبي الجيش مولى المعالي ومسترقها، ومستوجب المكارم ومستحقها، العاقد لواء المجد بذوائب السماك، والمطل بفخره على الأفلاك، والمقدم إذا أحجمت الأبطال، والضاحك إذا بكت الآجال، والساري إلى العلياء إذا أدلج الكرام، والمسهد في الآراء إذا هجد الأنام، والطالب ثأر العديم بجوده، والمشفع النيل بمزيده، والمسعف لميعاده، والمخلف لإيعاده، والمجري في ذاويات الهمم ماء، والمطلع في ظلمات الآمال سناء. فإذا قد عدل بيننا بكمه، يوم وغاه ويوم سلمه، فجاوز بك حد المسالمة، وجاوز بي حد المشارسة، ولم يثنك حتى بلغ مناه، ولم يثنني حتى وافق، ولم يقصر بي عن غاية بلغك إليها، ولم يقدمك إلى مرتبة أخرني عنها، فأجمل رداء نرتديه، وأفضل حذاءٍ نحتذيه، وأهدى سبيل نقصده، وأصفى منهل نرده، مؤالفة نجرر ذيلها، ونميل ميلها، ومعاشرة نتجانى ثمارها، ونتعاطى عقارها، وذنوب نخلي أوطانها، ونهدم بنيانها، ودمن نعفي دمنها، ونرد في أجفانها وسنها.
ثن ثقال القلم: إن مما نبرم به عقدنا وننظم عقدنا، ويستظهر به بعضنا على بعض، إن حالت حال، كان للدهر انتقال، أن نخط كتابًا مصيبًا، يكون لنا منابًا وعلينا رقيبًا، فقد يدب الدهر بعقاربه، بين المرء وأقاربه، ويسعى بالنميمة، بين الفرعين من الأرومة.
فقال السيف: أنت والبيان، وجريًا والميدان. فقال القلم: إن النثر في ذلك مثل
[ ١ / ٥٢٧ ]
يسير، وإن الشعر في ذلك ذكر خطير، وإن لشدو الحادي، وزاد الرائح والغادي. وأختاره على النثر، تنويهًا بالذكر، فقال:
قد آن للسيف ألا يفضل القلما مذ سخرا لفتىً حاز العلى بهما
إن يجتنى المجد غضًا من كمائمه فإنما يجتنى من بعض غرسهما
ما جاريا أملًا فوافيا أمدًا إلا وكانت خصال السبق بينهما
سقاهما الدهر من تشتيته جرعًا ولليالي صروف تقطع الرحما
حتى إذا نام طرف الجهل وانتبهت عين النهى قرعا سنيهما ندما
راحا بكف أبي الجيش التي خلقت غمامة كل حين تمطر النعما
فعاد حلبنهما المنبت منعقدًا وراح شملهما المنفض ملتئما
يا أيها الملك السامي بهمته إلى سماء علًا قد أعيت الهمما
لولا طلابي غريب المدح فيك لما وصفت قبل علاك السيف والقلما
وإنما كان تعريضًا كشفت به من البلاغة وجهًا كان ملتثما:
أما بعد - جعلك الله من المؤثرين على أنفسهم والموقين شحها، والمنجزين لمواعيدهم والمعطين صدقها - فقد علمت ما سلف لنا في العام الفارط من عتابك، ولبسنا شكته من ملامك، لما كتمتنا صرام النخلة التي هي بأرضنا إحدى الغرائب، وفريدة العجائب، هربًا من أن نلزمك الإسهام في رطبها، وحرصًا على تمام لذة الاستبداد بها، وقلت، وقد سألناك من جناها قليلًا، ورجونا أن تنيلنا منها ولو فتيلًا: لو علمت أن لكم به هذا الكلف، وإليه هذا النزاع، لأمسكته عليكم وجعلت حكم جداده إليكم؛ ولكنها إن شاء الله في العام الآنف غلتكم، عتاد نفيس لكم، وذخر حبيس عليكم.
فأما نحن فرسمنا تلك العدة في سويداوات قلوبنا، ووكلنا بها حفظة خواطرنا؛ وأما أنت فهلت عليها التراب، وأسلمتها إلى يد البلى. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها
[ ١ / ٥٢٨ ]
وأزينت زينتها، وبلغت غايتها، وأشبع صبغها، وأحكمت الشمس نضجها، دببت إليها بصرامك، ومشيت نحوها الجهر بجرامك، على حين نام السمار، وغفلت الجارة والجار، وأبت بها إيابة الأسد بفريسته، وتحكمت فيها تحكمه في عنيزته.
ولما رأينا على ذلك طلائع الرطب في الأسواق، والجني من بكر النخيل على الأطباق، هزت جوانحنا ذكر العدة، وقلقل أحشاءنا حذر الخيبة، فركضنا الهماليج إلى حرمتك، وجعلنا نشتد طمعًا في لقائك، فلما غشينا الجهة تلقانا فتىً وضاح الجبين، آخذ بالعيون، في وجهه للأدب شاهد، وبين عينيه من الظرف رائد، فقال: بأبي أنتم، وعين الله تكلؤكم حيث كنتم، أراكم ناشدي ضالة أو مستدركي سيب فائت، فاسألوا فربما سقطتم على الخبير، وشاوروا فالمشورة تفتح غلق الأمور. فقلنا له: بآبائنا أنت، إنا لنرجو بيمن لقياك ظفرًا بالمطلب، ونجحًا في المذهب. جارك وصديقنا الذي نحن تلقاء منزله، وفي حاشية محله، وعدنا منذ عام بأن يسهم لنا في جنى نخلة لديه، لم تتفقأ تربة هجر عن مثلها، ولا أوت قماري بصرى إلى شكلها، فجئناه لنأكل منها وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين.
قال الفتى: يا لإخواني في الخيبة، وشركائي في فوت الأمل؛ أنا ساكن المحلة التي منبت هذه النخلة في ساحتها، وقد صرمها منذ خمسة عشر يومًا؛ ولقد كنت قبل صرامها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق، فإذا رأت الطير وهي على سعفها ما أواصل إليها من لحظاتي، وأتابع عليها من زفراتي، رمتني بأفراد من رطبها أحلى من شفاه العذارى. وأنا اليوم أبكي منها ربعًا خاليًا، وبعد ثالثة أغدو عنها جاليًا.
[ ١ / ٥٢٩ ]
فما هذا الخيس أبا عبد الله بعهدك، وما هذه الربدة في وجه عدوك، وما هذا الاستئثار على إخوانك المؤثرين لك - إن كنت لم تحضرنا يوم صرامها لنحتكم على قولك فيها، ونأخذ معك بأجزل الأقسام منها، فالعذر لا يضيق عنك، واللوم لا ينبسط إليك. هات مما ذخرته لساعات تفكهك، أسهم لنا فيما اعتدته ليوم نوروزك. لم يكن جناها بنزر فيقتسمه الإهداء، ولا بدون فتطيب عنه النفس. ولا تخش منا ما أفسد به حين قال لهم: " أكلتم تمري وعصيتم أمري "، إذا نحن أكلنا منها فمرنا نناصب عنك أعداءك برًا وبحرًا، ولا نعص لك أمرًا.
جلعنا الله فداك: نحن عصابة نتحلى بأدب، وننتمي إلى حظ غريب وصياغة قريض. وربما لم تصدق في هذا الطريق مضاءنا، ولا قبلت يقينًا غناءنا؛ فأدرنا أن نصف لك شيئًا من كلام العرب في النخل وبدء نباته، والتمر حالاته، فإن سرك ما جئنا به، وراقك ما أفضنا فيه، جعلت جوائزنا تمرًا، وكان ذلك لنا أجرًا.
نعم، تقول العرب لصغار النخل: الجثيث، والودي، والهراء، والفسيل، والأشاء، والكافور، والضمد، والإغريض. فإذا انعقد سمته السياب، فإذا اخضر قبل أن يشتد سمته الجدال، فإذا عظم فهو البسر، فإذا صارت فيه طرائق فهو المخطم، فإذا تغيرت البسرة إلى الحمرة فهي شقحة، فإذا ظهرت الحمرة فهي الزهو وقد أزهى، فإذا بدت فيه نقطة من الإرطاب قيل وقد وكت، هي بسر موكتة، فإذا أدرك حمل النخلة فهو الإناض، فإذا أتاها التوكيت من قبل ذنبها فهي مذنبة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهو المجزع والمجرع، لغتان، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة، فإذا جرى الإرطاب فيها كلها فهي منسبتة.
[ ١ / ٥٣٠ ]
فيا أبا عبد الله أمجدنا رطبًا، نمجدك خطبًا. هذا قليل من كثير، وثماد من بحور، وليس يطيب وصفنا نظمًا ونثرًا لمناقب هذه النخلة إلا بعد اختيارنا منها، وفوز قداحنا بها. إذا أنت فعلت فكلفنا فيها خاصة ما تكلفه عمرو بن بحر الجاحظ في نخل الدنيا عامة نأتك به، ونربي فيه عليه. ولعلك تحب أن تسمع شيئًا من منظوم الكلام في النخل يذيب من جمودك، ويولد عقيم جودك، فالمنظوم خداع بحسنه، مستميل بطنه. أنشد الأصمعي لأبي الغفار الرياحي:
غدت سلمى تعاتبني وقالت رأيتك لا تريغ لنا معاشا
فقلت لها أما تكفيك دهم إذا أمحلت كن لنا رياشا
بوارك ما يبالين الليالي ضربن لها وللأيام جاشا
إذا ما القاريات طلبن مدت بأسباب ننال بها انتعاشا
ترى أمطاءها بالبسر هدلًا من الألوان ترتعش ارتعاشا هذا وإنا لنخشى أنك أزيد تماديًا في أمرك، وأعظم شحًا على تمرك، إراغة المعاش ومعالجة الاقتيات. فقال لها: في النخل التي رزقنا الله كفاف من العيش كاف، وبلغة من القوت مقنعة. ثم أعظم من أمرها بدنو طعامها في الجدوب، وصبرها لتصرف الليالي والأيام. وما ترى أرسل هذه الأبيات على ألسنتنا إلا شيطان قد شكا إليك عسرة فأنلته بسرة. فهو يحب إبقاءنا عندك، ودفع متطفلي الإخوان عنك؛ فلعن الله الشيطان وأعاذنا منه، وصلى الله على محمد ولا صدنا عنه، فإنه يقول: " نعمت العمة لكم النخلة "، والخطاب لجميع المسلمين. وأنت قد استوليت على عمة من عماتهم، تستبد بخيرها دونهم، وتمسك معروفها عنهم. ونحن رجال من بني أخيها أتينا نعتقها، فإن أنت سويتنا مع نفسك فيما تدر به عليك، وتملأ منه يديك، وإلا نافرناك إلى السلطان، وألبنا عليك أبناء الزمان، ونستغفر الله ونسأله أن يبدلنا من بخلك نوالًا، وبمطلك إعجالا.
ورسالة سماها بالبديعة في تفضيل أهب الشاء على ما يفترض من الوطاء، يقول فيها: ألهمك الله مراشد الأمور، ومنحك صواب التدبير، وعرفك
[ ١ / ٥٣١ ]
من بركة التواضع ما يدخلك في أهله، وقبح إليك من نقيضه الكبر ما يعدل بك عن سبله، وجعل أحب أسباب معايشك إليك، ما عاد قليله بكثير المنفعة عليك. وما دعائي هذا بحق استوجبته بالتسليم لمن إلى الدنيا سبقك، وإلى باكورة التجارب مد يده قبلك، ولكنه عرض لمحاسن الأخلاق عليك، وضراب عن وجه المعاتبة لك، في الهوة التي كانت منك. وإني وإن كان شأو سني أمد، وساعد زمني أشد، وكنت بالأيام أقطن، ولمسائل تجاريبها أفطن، فما احب أن أقتني الخمر بالربا، ولا أن أجزع عن أحمد أخلاق أهل الفتا، فأحتج عليك معنتًا، وأرادك القول مجملا، استطالة بأبهة الكبر عليك، وأنسًا إلى مساعدة الجاهلين فيك، على ما عليه اليوم أقوام أساءوا تدبيرهم، وجهلوا مقاديرهم، ورأوا لأنفسهم من الحق ما لم يجعلهم الله له أهلًا، ولا أسلكهم منه حزنًا ولا سهلًا. وإن طالت مناقلتنا الكلام، وامتد لنا ميدان الخصام، فلا تحسبني منهم، ولا تنظمني في سلكهم، وانثن من دوحة كلامك على أي غصن شئت، وانعطف من جداول معانيك في أي جزع أحببت.
عبتني - أعزك الله - بارتخاص الأشياء ومقا في الشراء، وقلت: لم تؤثر ذلك إلا اللؤم الخليقة، والهمة الدقيقة، وإلا فالشيء ربما غولي في ثمنه لطول الاستمتاع به، وتعرف نماء فائدته، وربما مالت نفس الحريص إلى الرخيص، فطال بقاؤه معه، وبلغ في التعويض منه أضعاف الذي كان استشنعه، ونامت هناك عين الرأي، واحتجب دونك وجه النظر. وسأفسح للكلام ميدانًا، وأنثر عليك من الألفاظ مرجانًا، وأعاطيك من سلاف المعاني أكواسًا، وأشمك من روض البيان آسًا، وأريك صورة الحسنة في جمالها، وأعطيك الحلية بزمامها، فلعلك أن تكون سلس الرجوع إلى الحق، ملوي ثني العنان عن التمادي في الباطل، فنروح مشكورين: أنت على الاستماع وأنا على الإفهام.
جل ما له عبت، وفيه قلت ورددت، وبه أبدأت وأعدت، [من] إيثاري في الصيف والشتاء، اهب الشاء، ومراوحتي منها في البرد والحر، بين البطن والظهر. وأي بساط منها أدل عل التواضع وأعرب عن القناعة، وأدفأ في السبرة، وألين في المس، وأخف في المحمل، وأمكن للنقلة، وأوفق لمقدار الحاجة، وأجدر بطول المتعة
[ ١ / ٥٣٢ ]
وأبقى على حدث الدهر، وأغنى عن تكلف التبطين ومراعاة الترفيع، والمحافظ على الطي والنشر - تجد على الابتذال، وتعتق مع الامتهان، ولا تحوجك إلى خياط ينازلك في السوم، ويخجلك أما القوم، تنتح جبينك بعرق الاختلاف إليه، وذل التكرر عليه، وهو تبحبح في دكانه، واشتغل عن سوء مقامك باستطالة محادثة صبيانه. ثم لعل القمل الذي يكون لم يحضرك، فتشمت العدو بنفسك، وتبدي ما كان مستورًا من مالك. هذه بأنفسنا مكتفية، وعن سواها مستغنية، مع صيانة المروءة ووقاية ماء الوجنة. إن قلبتها لبطونها شتوت على وثارة، أو صرفتها لظهورها صفت في لدونة. للعيال فيها - فضلا عنك - على تقادم العهد ووقوع الاستبدال، أكبر عون وأكمل انتفاع، في التمهيد للطفل الصغير، واستعمالها في أبي الخمير في سحرة الليلة القرة. فإن دعتك حاجة نفسك إلى البكور بالغداة، فقد وجدت من ذلك نعم المعين، وإن أدلج إليك ضيف يكرم عليك، لم يكن بحضوره لوقته عندك منفس تقيسه به وتقرنه معه.
وبعد، فإنك لا تتكلف شراءها إلا في وقت تتقرب إلى ربك به، وتستجزل من كريم ثوابه عليه، لأنك تستعملها في أضحيتك التي ترجو بركتها، وتأخذ نسيئة إليها فيها، فتنفلك أجر أخراك، وتعجل لك منفعه دنياك. ثم أن جردتها مع الأعوام فتجرد آخر استئناف منفعة، فهي أيمن قعيد لك، وأغبط كائن معك.
وباب الارتخاص الذي نعيت علي هاهنا، باب قد قامت الدلائل على فضله، وكان له ظهري من نفسه. فغال ولو في درانك عبقر، ورفرف تستر، فلن تبلغ من هذه الفضيلة، ولن تحظى بمثل هذه المزية، مع قلة المؤنة ونزارة الكلفة.
ثم أعلن أنها من معاهد صالحي السلف ورؤساء الحكمة، الذين كانوا بالدنيا أعرف، وعن زخارفها أعزف، جاءت بذلك الأخبار، ونقله الخيار. ولم يجعل الله ﷿ من هذا الجنس أقرب قربان فدى به ابن خليله، وسماه ذبحًا عظيمًا في تنزيله، إلا لسر من فضله سبق في علمه.
فإن قلت: لا ترى صنفًا من الناس أكثر افتراشًا لها من المعلمين، وقد قيل إن الثقل لا يرضى عندهم، فكيف تسلم في حسن الاختيار لهم، واختيار المرء قطعة من عقله، وعيار على نقصه أو فضله - قلت لك: الصوف تجمع أنت وكل ذي معرفة على أنه زي
[ ١ / ٥٣٣ ]
النساك، ولباس المنقطعين للتعبد، وعمدة الطراز الأول من السلف. فإن قلت: وهاهو في جزيرتك زي رهبان البيع وأرباب الخانات، وهم أضعف الناس أحلامًا وأدناهم طينة، والقائلون بأن الله ثلاثة - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. فجملة القول في هذا المعنى أنه لم يحجب الله تعالى وجوه المعاش، التي يصحبها جميل النظر، ويلوح عليها سيما البركة عن جنس من خلفه دون جنس، ولا أبداها إلى صنف وحجبها عن صنف، بل ألهم الكل إلى رشده، وعرفه نهج معرفته، الأشكال والمراتب، واختلفت النحل والمذاهب. كما جعلها لقدرته في سائر الحيوان من الطائر والداخر بين الآنس والشارد في صحصح القفر، كل ختلف مسعاه لنفسه، ووجه تدبيره لشأنه، على ما يسر ما تعود وألهم إليه. والمعلمون نظروا إلى ضعف سبب اكتسابهم، وفكروا في تيسر ما تعود عليهم صناعتهم، فأخذوا بالأقوى والأرفق، واعتمدوا على الأرخص والأوفق، ثم علموا أنهم إن تحاملوا على أنفسهم، وافترشوا ما يزينهم لم يلبث أحدهم أن يقوم عن مجلسه لبعض الأمر أو لقضاء الفرض، فتقوم حرب لعب الصبيان على ساق، وتبلغ بتمزيق ذلك الذي افترشه وغالى فيه بالأيدي والأقدام، والترامي والأزدحام، ما لا تبلغ أنياب كلاب القنص في إهاب العقيرة، فيعود ما يسخن العين، ويوجب الرين. وهذا النوع الذي أنسوا إلى خيره، وآثروه على غيره، لو أقامه الصبيان مقام الطبل، وجعلوه هدفًا للنبل، لم يكن أثرهم فيه إلا أثر الندى في صم الصفا.
وفي اختلاف ألوانه تذكرة للناظر إليه، وعظة لمجيل بصره فيه، فما كان منه أسود ذكر بسواد الشباب، وقميص الفتوة، وطيب زمن الحداثة، فأبكى لفراقه، وقلة المتعة به؛ وما كان أبيض ذكر ببياض المشيب، ونذير الرحلة ورائد الأجل، فجر إلى العبادة وبعث على صالح العمل.
هذه - أبقاك الله - خصال لو قسمت على كل مستعمل لهذا الشأن من رخيص وغال، ودون وعال، لأربت على الكفالة، وجازت مدى الغاية، فعها من ممليها، ودع القوس لباريها، وأسلم أعنة الجياد إلى مجريها. لم آت في معناها بظلمة تحتاج إلى صباحك، ولا جئت بلفظ ذي تهمة يضطر إلى إيضاحك. فإن كنت قد لبست شكة المعارضة، وأوترت قسي المناقضة، ورشت سهام المناقلة، فإلى غيري فاكشف صفحتك
[ ١ / ٥٣٤ ]
في سوى هذا الفن فشمر عن ساعديك، فقد قام بنفسه وأعرب عن ذاته، ولم يترك مقالًا لقائل، ولا مجالًا لجائل.
وأخاف عليك - شحًا بك - أن تستقبل بذم هذه الأهب كل مفترش لها، مغتبط بها، فلا تجده إلا شيخًا رائع الوسامة، ابيض الشعرة، أنس إخوانه، وحلس أسطوانه، قد حفظ المسائل، وملأ من إجازات الشيوخ الخزائن، تقصده الفتيات والفتيان، وتفديه الجارات والجيران، وتتنافس في حضوره أيام الزفاف، ويختص بصدور المجالس وطيبات الصحاف، أو معلما ذا سبلة طولى، وجبين أخلى، قد ائتمنته الملوك على ثمار قلوبها، وعماد ظهورها، وقطع أكبادها، يتوسط من صبيته قلب جيش، ويعيش بألطاف أمهاتهم أخصب عيش؛ يقعد عنده الوراقون، ويتحاكم إليه في الخطوط الناسخون، فإذا كانت أيام الأخمسة والجمعات أطال قلنساته، وولى الزيارة منساته، وسار مهينما بتسبيحه وتقديسه، وتهليله وتحميده، يزور الإخوان ويتعاهد المعارف، والكل هش إليه، مقبل عليه.
فإن عارضت هذا الجنس، وناقضت هذا الصنف، دون اتقاء من وراءها من الأصاغر والأكابر، والملوك والسوقة، ضاقت عليك الأرض وكثر عدد الحصى، ولم يستنبت في شانك، ولا رقت كبد لرقة بيانك. وأخوك من صدقك، ومحبك من نصحك؛ وأنا استغفر الله مما كان في ذلك من قول أو عمل، والسلام.
@فصل في ذكر الأديب أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني
@واجتلاب جملة من أشعاره مع ما يتشبث بها من أخباره
كان أبو مروان هذا أحد حماة سرح الكلام، وحملة ألوية الأقلام، من أهل بيت اشتهروا بالشعر، اشتهار المنازل بالبدر
[ ١ / ٥٣٥ ]
أراهم طرأوا على قرطبة قبل افتراق الجماعة، وانتشار شمل الطاعة، وأناخوا في ظلها، ولحقوا بسروات أهلها، وأبو مضر أبوه زيادة الله علي التميمي الطبني هو أول من بنى بيت شرفهم، ورفع بالأندلس صوته بنباهة سلفهم.
قالابن حيان: وكان أبو مضر نديم محمد بن أبي عامر، أمتع الناس حديثًا ومشاهدة، وأنصعهم ظرفًا، وأحذقهم بأبواب الشحذ والملاطفة، وآخذهم بقلوب الملوك والجلة، وأنظمهم لشمل إفادة ونجعة، وأبخلهم بدرهم وكسرة، وأذبهم عن حريم نشب ونعمةً، له في كل ذلك أخبار بديعة؛ من رجل شديد الخلابة، طريف الخلوة، يضحك من حضر، ولا يضحك هو إذا ندر، رفيع الطبقة في صنعة الشعر، كثير الإصابة في البديهة والروية؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وشعر أبي مضر ليس من شرط هذا المجموع لتقدم زمانه.
فأما ابنه أبو مروان هذا فكان من أهل الحديث والرواية
[ ١ / ٥٣٦ ]
ورحل إلى المشرق، وسمع من جماعة من المحدثين بمصر والحجاز، وقتل بقرطبة سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ولمقتله خبر طن ابن حيان به، ولم يمنعه من سرد قصصه استبشاعه، وحسبك من شر سماعه؛ ونلمع منه بلمعة:
قال ابن حيان: وذلك أنه عدا عليه - زعموا - نساؤه بتدبير ابن سوء خلف له، حملهن على ذلك لشدة تقتيره على نفسه وعليهن في المعيشة، وحبسه لهن مع ذلك عن التماس الحيلة لتوسعة الضيقة. فقد كان في ذلك، مع انسدال الستر عليه، وسعة ريعه بالحضرة، وبعد نجعته لابتغاء الفائدة، إلى استناده لرابت هلالي واسع كان يجريه السلطان عليه [عونًا] على صيانته، ويأبى إلا الزيي بالقل والاعتزاء إلى المسغبة، عجبًا لمن عرفه أو سمع به، يصدق زعم الجاحظ في نوادر كتابه في البخلاء ويزيد عليها؛ فحمل عنه في ذلك أشياء يكاد النظر يحيلها، حتى لأفضى به تقتيره على أهله أن وكلهن إلى أنفسهن في أكثر مؤنهن، وقاتهن بأمداد من غلث الحبتين القمح والشعير، يستدعيها لهن من متقبل غلته مياومةً، ويكلفهن استطحانها بأيديهن، وهو قد استوحش منهن واعتزلهن، وانفرد بنفسه ليله ونهاره، لا مؤنس له سوى غلام حزور من ولده، مئوف الخلقة، ضعيف العقل، لا أم له، يدعى عبد الرحمن، آواه إليه من جميع ولده وأقصى سائرهم في قعر داره، وصير بينه وبينهن عدة أبواب موصدةن فأصبح بمكانه ذلك في ربيع الآخر من العام المؤرخ قتيلًا فوق فراشه، مضرجًا بدمه، مبعوجًا بالخناجر في
[ ١ / ٥٣٧ ]
وريده وإلبته وأعالي جسده، مفزعا لمن عاين مصرعه، قد أعلن نساؤه بالنوح عليه، يزعمن أنه طرق بمكانه منفردا عنهن، وأخبرن أن ابنه زيادة الله المسمى باسم جده لم يكن عنده علم حتى جئن إليه وأخبرنه بما جرى على أبيه، فهب مستعملا للروع مغالطا بالدمع، داعيا بويله، سائلا عن أبيه سؤاله بالشيء الذي هو جاهله، بلسان تحيل ينبئ عن دهشه، وعين جمود تدل على صحوه. وقد تكابس الناس عليه توجعا لأبيه. وطلب موضع تسور عليه، أو نقب يولج منه إليه، فلم يقف أحد على عين ولا أثر من ذلك، فعرف ابن جهور بما جرى، فأوقع التهمة به، واستبعد أن يطرق أبوه بتلك الداهية، من يد أعتى المردة، إذ كان من وطاءة الخلق، ودماثة النفس، وخلابة المنطق، واجتلاب المودة، من جميع الخلق، وطلب السلامة منهم، بحيث لا يحقد عليه ذو غائلة منهم ولا يغتاله صاحب فتكة. فأحاق به تهمته وأمر صاحب المدينة بالتوكيل به والكشف على داهية أبيه المصاب، والوقوف على صور محنته، فلم يوقف على أثر امتحان، وبحث عن الأمر فشملت الريبة أهله؛ واستفهم صاحب المدينة الغليم ابنه عبد الرحمن فوصف أنه شاهد المحنة، وأخبر أن امرأته أم ولده زيادة الله وابنتيها، ابنتي القتيل، تولين شأنه بسكينه الذي كان يحاول النسخ حتى برد، ولم يذكر أن ابنه زيادة الله حضر ذلك، ففحشت القصة، واضطر صاحب المدينة إلى هتك حجاب القتيل في نسوانه، وبطش به يضرب أم ولده الفاجر زيادة البشر، فدرأت عن نفسها العذاب بإقرارها بكيفية الحال وصفة المحنة المهولة؛ فسجنوا. ودفن
[ ١ / ٥٣٨ ]
أبو مروان اليوم الثاني من مصابه، ولم يتخلف أحد عن جنازته ممن سمع خبره، لاشتهار فضله فيهم، واجتماع صالح الخلال له من الفقه والحديث والرواية والأدب والشعر واللغة والعربية، إلى دماثة الخليقة، واستقامة الطريقة، والتزام الحقائق، واكتمال الإيمان، بقضائه لجميع فرائضه، وعوده في نافلة الحج بعد تأدية فرضه، على وهن بجسده، وتخلف في ناضه، رغبة في الاستكثار من الخير، والترقي في المعرفة، وزيادة لمعاني العلم [وطلبه] ولقاء رجاله. فأكثر الناس من تأنيبه، وأخلصوا الدعاء على قاتليه، واستبطأوا السلطان في إنفاذ الحد عليهم بالشبهة التي ظهرت. وأفتى الفقهاء بتطويل سجنهم بعد الضرب المبرح. وتوقف ابن القطان عن صدع الفتوى في القصة إلا بعد إنعام النظر على عبد الرحمن ابنه، والوقوف على جنس آفته: هل هي في جسمه دون عقله، أو في أحدهما، أو كليهما، فيعمل بحسب ذلك. فإن كان مميزا عاقلا فهو ولي الدم القائم بطلبه دون من تقدم إلى ذلك من بني أخي المقتول وأبناء عمه، وعندها تستقيم له الفتوى في طلبه. فخالفه صاحبه ابن عتاب، وألغى حق الغليم ابنه عبد الرحمن، ونجم الخلاف وبان الإشكال. فأخذ ابن جهور برأي ابن عتاب، وانفصل الحفل عن الأخذ بالقسامة على
[ ١ / ٥٣٩ ]
المتهمين ثلاثتهم، زيادة الله ابن القتيل وأمه ولده الأخرى، وسجن زيادة الشر ابنه زمانا طويلا، ثم سرح فظل خاسئا بين الناس، يخال أنه طليق وهو من شنآنهم ومقتهم، في محابس موصدة. وطاح دم أبي مروان - ﵀ - فلم يقرع فيه أحد بضغث، ولا حبقت فيه عنز. وبلغت تركته قيمة وافرة في أثمان دفاتر، وأثاث فاخر، ومتاع رفيع، من كسوة وفرش كثر الناس جملته، وأخذوا في مذمته لسوء ما كان يدعيه من القل، ويأخذ نفسه به من شظف المعيشة. وللغرائز المفطورة سلطان على النفوس لا يغالب بصدق نظر ولا قوة معرفة، ومن أدى حق الله في ماله فليس بشحيح فيما قتر من إنفاقه؛ على أن المرء راع مسئول عمن يقوته من أهله، حبانا الله بالتوفيق، وأقامنا على وضح الطريق، بمنه؛ انتهى ما لخصته في هذه الحادثة من كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: قول أبي مروان فيما تقدم من وصفه لابن القتيل إذ جاء سائلًا عن مصيبته " سؤاله بالشيء الذي هو جاهله "، محلول من قول خوات بن جبير، ويتعلق به خبر نورده على العادة من الزيادة في الإفادة: ذكر أهل الأدب أن الأتراك لما تقلوا المتوكل جعفرًا بتدبير ابنه المنتصر
[ ١ / ٥٤٠ ]
وكان ذلك ليلًا، فلما وقعت الصيحة وارتفعت حضر المنتصر للحين، فجلس على كرسي وحف به بغا الصغير وجميع قتلة أبيه، فجعل المنتصر يسأل ويقول: ما هذا الصياح وما هذا الخبر - سؤال جاهل به، فكان كما قال خوات بن جبير:
وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله
فأقبلت في الساعين أسأل عنهم سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله فقال بغا: إن الفتح بن خاقان عدو الله قتل أمير المؤمنين، فقال: وما فعلتم بالفتح - قالوا: قتل وسفك دمه.
وخبر قتل المتوكل جعفر بتدبير ابنه المنتصر أشهر من أن يذكر، وقد ألمعت من ذلك بلمعة في أخبار [الخليفة] سليمان، المفتتح به هذا الديوان. وكان البحتري ليلة قتله حاضرًا فاختفى في طي الباب، وهو القائل فيه من قصيدة يرثيه:
وكان ولي العهد أضمر غدرةً فمن عجب أن ولي العهد غادره
فلا ملي الباقي تراث الذي مضى ولا حملت ذاك الدعاء منابره وكان كثيرًا ما يرتاح في شعره إلى ذكره الفتح بن خاقان وتأبينهما، وهو القائل فيهما:
[ ١ / ٥٤١ ]
مضى جعفر والفتح بين موسد وبين قتيلٍ في الدماء مضرج
أأطلب أنصارًا على الدهر بعدما ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي وفيهما أيضًا يقول:
تداركني الإحسان منك ونالني على فاقة ذاك الندى والتطول
ودافعت عني حين لا الفتح يرتجى لدفع الأذى عني ولا المتوكل وقال في غلام له:
عسى آيس من رجعة الوصل يوصل ودهر تولى بالأحبة يقبل
أيا ساكنًا فات الفراق بنفسه وحال التعازي دونه والتزيل
أتعجب لما لم يغل جسمي الضنى ولم يخترم نفسي الحمام المعجل -
فقبلك بان الفتح مني مودعًا وفارقني شفعًا له المتوكل
فما بلغ الدمع الذي كنت أرتجي ولا فعل الوجد الذي خلت يفعل
وما كل نيران الجوى تحرق الحشا ولا كل أدواء الصبابة يقتل @جملة ما أخرجته من أِشعار بني الطبني
أخبرني الفقيه أبو بكر ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال أخبرني أبو الحسن العائذي أن أبا مروان الطبني لما رجع من بلاد
[ ١ / ٥٤٢ ]
المشرق إلى قرطبة، واجتمع إليه في مجلس الإملاء أنشد:
أني إذا حضرتني ألف محبرةٍ تقول أنشدني طورًا وأخبرني
يا حبذا ألسن الأقلام ناطقة " هذي المكارم لا قعبان من لبن " ووجدت في بعض التعاليق بخط بعض أدباء قرطبة قال: لما عدا أبو عامر أحمد بن محمد بن أبي عامر على الحذلمي في مجلسه وضربه ضربًا موجعًا وأقر بذلك أعين مطالبيه، قال أبو مروان الطبني فيه:
شكرت للعامري ما صنعا ولم أقل للحذيلمي لعا
ليث عرين عدا لعزته مفترسًا في وجاره ضبعا
[لا برحت كفه ممكنةً من الأماني فنعم ما صنعا]
وددت لو كنت شاهدًا لهما حتى ترى العين ذل من خضعا
إن طال منه سجوده فلقد طال لغير السجود ما ركعا [وابن رشيق القائل قبله:
كم ركعة الصفعان تحت يدي ولم يقل سمع الله لمن حمده]
[ ١ / ٥٤٣ ]
قال ابن بسام: والعرب تقول فلان يخبأ العصا وفلان يركع لغير صلاة إذا كنوا عن عهر الخلوة. ومن مليح الكناية لبعض المتقدمين يخاطب امرأته:
قلت التشيع حب أصلع هاشم فترضي إن شئت أو فتشيعي
قالت: أصيلع هاشم! وتنفست بأبي وأمي كل شيء أصلع ولما صنت كتابي هذا عن شين الهجاء، وأكبرته أن يكون ميدانًا للسفهاء، أجريت هاهنا طرفًا من مليح التعريض في إيجاز القريض، مما لا أدب على قائليه، ولا وصمة أعظم على من قيل فيه. والهجاء ينقسم قسمين: قسم يسمونه هجو الأشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سباباص مقذعًا ولا هجرًا مستبشعًا، وهو طأطأ قديمًا من الأوائل، وثل عرش القبائل، إنما هو توبيخ وتعيير، وتقديم وتأخير، كقول النجاشي في بني العجلان، وشهرة شعره تغني عن ذكره، واستعدوا عليه عمر بن الخطاب، وأنشدوه قول النجاشي فيهم فدرأ الحد بالشبهات. وفعل مثل ذلك بالزبرقان حين شكا الحطيئة، وسأله أن ينشد ما قال فيه، فأنشد قوله:
[ ١ / ٥٤٤ ]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فسأل عن ذلك كعب بن زهير فقال: والله ما أود بما قال له حمر النعم. وقال حسن بن ثابت: لم يهجه وإنما عليه بعد أن أكل الشبرم، فهم عمر بعقابه ثم استعطفه بشعره المشهور.
وقد قال عبد الملك بن مروان يومًا: احفظوا أحسابكم يا بني أمية، فما أود أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأن الأعشى قال في:
تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غرثى بين خمائصا ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى وقال: أنحن نفعل هذا بجاراتنا - ودعا عليه؛ فما ظنك بشيء يبكي علقمة بن علاثة، وقد كان عندهم لو ضرب بالسيف ما قال حس! - وقد كان الراعي يقول: هجوت جماعةً من الشعراء وما قلت فيهم ما تستحي العذراء من إنشاده في خدرها.
ولما قال جرير:
فغض الطرف إنك من نميرٍ فلا كعبًا بلغت ولا كلابا أطفأ مصباحه ونام، وقد كان بات ليلته تململ، لأنه رأى أن قد بلغ حاجته وشفى غيظه. قال الراعي: فخرجنا من البصرة فما وردنا
[ ١ / ٥٤٥ ]
ماءً من مياه العرب إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه، حتى أتينا حاضر بني نمير فخرج إلينا النساء والصبيان يقولون: فبحكم الله وقبح ما جئتمونا به!
والقسم الثاني هو السباب الذي أحدثه جرير وطبقته، وكان يقول: إذا هجوت فأضحكوا. وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتًا، ولا عيرت به قبيلة، وهو الذي صنا هذا المجموع عنه، وأعفيناه أن يكون فيه شيء منه، فإن أبا منصور الثعالبي كتب منه [في يتيمته] ما شانه وسمه، وبقي عليه إثمه.
ومن مليح التعريض لأهل أفقنا قول بعضهم:
في بني الحيان سر فيه للعالم
يفهم القوم بشيء نسأل الله الكفايه ومن مليح التعريض لأهل أفقنا ما قال بعضهم في غلامٍ كان يصحب رجلًا يعرف بالعبوضة:
أقول لشادنكم قولةً ولكنها رمزة غامضه
لزوم البعوض له دائمًا يدل على أنها حامضه وأنشدت في مثله لبعض أهل الوقت:
[ ١ / ٥٤٦ ]
بيني وبينك سر لا أبوح به الكل يعلمه والله غافره وحكى أبو عامر بن شهيد عن نفسه قال: عاتبت بعض الإخوان عتابًا شديدًا عن أمرٍ أوجع فيه قلبي، وكان آخر الشعر الذي خاطبته به هذا البيت:
وإني على ما هاج صدري وغاظني ليأمني من كان عندي له سر فكان هذا البيت أشد عليه من عض الحديد، ولم يزل يقلق به حتى بكى إليّ منه بالدموع.
وهذا الباب ممتد الأطناب، ويكفي ما مر ويمر منه في أضعاف هذا الكتاب.
ومن شعر أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن زيادة الله الطبني، مما أخذته عنه، قوله:
كم بالهوادج يوم البين من رشأ يهفو عليه وشاح جائل قلق
وكم برامة من ريمٍ يفارقنا لهفان يثنيه عن توديعنا الفرق
ونرجس كفرند السيف ساهرني معللًا بنسيمٍ عرفه عبق
[ ١ / ٥٤٧ ]
نادمته وشباب الليل مقتبل والنجم كف يحيينا بها الأفق
في فتيةٍ كنجوم السعد أوجههم في أوجه الحادثات الجون تأتلق
نلهو برقراقةٍ صفراء صافيةٍ يكاد ينجاب من أضوائها الغسق
يعسى بها مرهف كالغصن نعمه ماء النعيم عليه النور والورق وأنشدني أيضًا له:
يا ساليًا عاشقيه وعاشقًا كل تيه
ومن مدامي ونقلي بوجنتيه وفيه
هلا جزيت فؤادي ببعض مالك فيه وأنشدني أيضًا لنفسه:
عجبًا أن يكون ساكن قلبي راتعًا منه في بساتين حبي
ويجازي على الوفاء بغدرٍ حسبي الله ثم حسبي وحسبي
جازني كيف لا أترك الذن - ب إذا كان فرط حبك ذنبي وهذا كقول أبي بكر ابن عمار:
لئن كان ذنبي للزمان محبتي فذلك شيء لست منه أتوب
[ ١ / ٥٤٨ ]
وقال العباس بن الأحنف:
إن كان ذنبي في الزيارة فاعلمي إني على كسب الذنوب لجاهد @فصل في ذكر أبي عبد الله محمد بن مسعود وإثبات
@جملة من أقواله، في جده وأهزاله
وكان - ﵀ - ظريفًا في أمره، كثبير الهزل في نظمه، ونثره، وأراه فيما انتحاه، تقيل منهاج سميه وكنيه محمد بن حجاج بالعراق، فضاقت ساحته، وقصرت راحته، وأعياه الصريح فمذق، ولم يحسن الصهيل فنهق. ولما كان هذا المجموع كتاب أدب، وعقدًا يجمع الدر والمخشلب، رأيت أن لا أخليه من ذكره، وهذه فصول من نظمه ونثره.
فصل له من رقعة خاطب بها ابنه إذ توجه إلى الغرب، وقد بلغه خلع عذاره في البطالة والشرب، قال فيها: فاز يا بني استشعر البر والتقوى، واستمسك بالعروة الوثقى، واعتصم بحبل القناعة والرضى، وتحصن بالعفاف، وتبلغ بالكفاف، فلم يزاحم الأقدار، ولا غالب الليل والنهار.
ولشد يا بني ما أوغلت في البلاد، واستوطأت في غربتك خشونة المهاد، وتورطت موحش المجاهل، وتوردت آجن المناهل:
[ ١ / ٥٤٩ ]
تجاوزت في هذا وذلك ما به أمرت ولم تقنع من البعد بالدون
ولم تتذكر شوق أم حزينةٍ عليك وشيخٍ هائم القلب مخزون
بماذا يفي وذلك لو حوت يمينك ما حازت خزائن قارون فأخبرني يا تاجر البحرين، وسمسار العراقين، ودليل الحجازين، وخريت الفلاتين، وابن عظيم القريتين؛ أتعس بك من خراجٍ ولاجٍ، ماضٍ على السرى والإدلاج، جرئ على الليل الداج، كالسراج الوهاج، والعارض الثجاج، وصف لي موقع الشمس في العين الحمئة، وكيف كان مخلصك من تلك البلاد الوبئة، وكيف رأيت مدينة يونس [وجنة إرم]، والبركان [المؤنس] وجزيرة الغنم، والزاوية وصخرة العقاب، وبئر الهاوية وكنيسة الغراب، وهول العرف، والمعدن وذلك الجرف، ومبيض العنقاء، والفلاة الخرقاء يوم البلقاء، والثنية الخلقاء، ومرسى الزرقاء، وإيوان كسرى، وكفرتوثي، والهرمين والمنار، وجبل اللكام والغار، وغانة السودان، وغرائب البلدان، وفيفاء بني تميم، والكهف والرقيم، وحلق وادي الأشبونة، ومدينة جيبونة؛ وكيف كان دكك على المجوس، بضروب
[ ١ / ٥٥٠ ]
الشعوذة والناموس [واحك لنا من لغاتهم أحسنها، ومن هيئاتهم أتقنها:
لقد اجترأت على الزمان وأهله ولقيت كل غريبةٍ شنعاء
" وخرجت منها كالشهاب ولم تزل مذ كنت خراجًا من الغماء " فقل الحمد لله.
[وعليك يا بني بالشجرة الجامعة واللبان، من عيون ذوي الحسد والشنآن] . فأين منك الحية النضنانض، وسليك بن السلكة والبراض - أو ما سمعت أن السفر الطويل، يرد خشبة البلد إلى عويد قنديل -
صح عندي أن العسل في [تلك] الجهة غير غال، ومنحط غير عال، فتناول إقامته وتركيبه، وأتقن صناعته وتربيبه. لقد نسيت يا بني أن أبعث إليك بنسخةٍ في تربيب العسل المشروب، مطابقةٍ للمرغوب، التقطتها [مغتنمًا] عن فلان اليهودي كان انتخبها المنصور بن أبي عامر وأصحابه كعيسى بن سعيد وعبد الله بن مسلمة. ولست بحمد الله دونهم، فنجابتك قد ظهرت، والدرة
[ ١ / ٥٥١ ]
قد ندرت، ومخايل السعود طالعة، وآيات الفلاح ساطعة، كما سمي اللديغ سليمًا، وسمع عن طهر الإوز قديمًا. كانت تلك النسخة في طيبها يا بني غاية، وفي لذتها نهايةطح ولست تعدم في الجهة عوضًا منها، فابحث عنها، فخير المال يا بني ما هبط من الأنبوط، وصفي على القنوط. وقد صح عند عنك بعض ذلك، والألمعي ذو تنجيم. ولا تعدن هذا تعديدًا عليك، ولا كرامة، للشيطان الرجيم.
فاشرب على ودي وقف صافنًا فعل المحب الوامق الذاكر
ولا تكن تشرب إلا على حسن أغاني خلفق الزامر
وزد جفاءً لا تكن ناسيًا فهو من المستطرف النادر
وخذ على الريق من اسبابه جوارش الأول والآخر
حتى ترى أملس طاوي الحشا قرة عين الشامت الساخر والبلد بكثرة الصيد موسوم، والحوت الطري هناك غير معدوم، واللبرجان الذي عليه المدار موافق، والصاحب مشاكل مطابق.
وله من أرجوزة [مزدوجةٍ] خاطب بها الوزير ابن بقنة على لسان
[ ١ / ٥٥٢ ]
جارية كان أهداها إليه، وضاعت بين يديه، وهي طويلةً منها:
إني بالله وبالوزير أدفع ما حل من المحذور
وهبتني لأوحد منقطع في القبح والفقر خفي الموضع
[ولم يبين لي بهذا العيب من فقره حتى دهى بالشيب
عيبان في الدرهم نقص وردي وواحد قد كان يكفي لو قد]
جعلتني أسيرةً مملوكه لطلعة حائلةٍ صعلوكه
يعزى على الفال إلى مسعود وهو شقي ليس بالمحمود
كما يكنى بأبي البيضاء أسود كالسروة في الظلماء
وكنت أرجو معه للراحه إذ لم يفز بطائل الملاحه
إذا به أدخلني في شغل لفرط الالمام بسوق الغزل
وقال لي إن كنت تهوين التحف والأكل والشرب وحلة الطرف
فانتبهي وحكمي الأصابع واطرحي عن نفسك المطامع
ألا وهبتني لشخص تاجر ولم أكن عند فقير فاجر
أو ليتني كنت لبعض الجند فربما حاز نفيس المجد
يضرب بالسيف ولا يقاسي خطة خسفٍ بسؤال الناس
قد كدت آدابه والشعر فما له عند البرايا قدر
ألحن في أشعاره من تيس أعجز في البيت من الضريس
ولو تراه سائرًا للسوق إذا بدا في كسوة الغرنوق
[ ١ / ٥٥٣ ]
مشمرًا في الطين عن ساقيه مداولًا عصاه في كفيه
يأخذ في التعيير والإزهاد منكمشًا في طلعة الصياد
فمرةً يعطى وألفًا يمنع ومرةً يمشي وعشرًا يقع
ولو ترى يا ذا الندى مثواه لقلت سبحان الذي أبلاه
قطعة لبد دارس الآثار قد طرحت حول مكان النار
إلى قدورٍ هي أقصى عقل لم يك فيها قط غير البقل
وقدسٍ معلقٍ مقابلي أودع فيه في الدجى مغازلي
وطوبة بوضع الرقاد كأننا من أعبد العباد
يا شوقنا فيه إلى قنديل وتوقنا أيضًا إلى منديل!
هذا جميع كل ما في البيت بلا دقيق يرتجي وزيت
[وقد شكا منه لبعضٍ بعضي إن كان عندي من ثياب الأرض
غير الذي كسوتني بمالقه فبنت قبل الليل منه طالقه]
فلا تدعني غرضًا للقر فقد كفاني عدمي للبر
لا سيما، زيادةً في التحفه أنني حبلى مقرب ينطفه
وربما جئت له باثنين لكي يحوز قرة العينين
بذا وذا تنطبخ الششون يا ليته لو أنه قبون
[ ١ / ٥٥٤ ]
كيس الفقير كله في طرفه بعد سلطان الهوى من ظرفه وله من أخرى:
ولم أزل في عكاظ أصبح في دكان:
هذا الطبيب المداوي هذا الحكيم المعاني
فيا لعوقي وكتبي وكحلي الأصبهاني
إذا تكحلت منه يومًا فلست تراني
قم يا غلام فناد: علم الدنا علمان
فالعلم في الدين حق كالعلم في الأبدان
هذا لهذا قوام كالروح للجثمان
أنا أبط بحذق نغانغ الصبيان
أنا أشق بلطف مني على السرطان
أنا المرجي المسمى مشمر الأجفان
عندي سنًا حرمي وطرف سلكٍ وران
عندي حمامي ولبنى في مرود قيرواني
أنا دللت البرايا على خفي المعاني
[ ١ / ٥٥٥ ]
أنا تكلفت صيد ال - عنقاء بالورشان
أنا بعثت رسولًا للفرس عن ترجمان
وسست نمرود حتى تمت له الهرمان
أنا رأيت بعيني تسافد الغربان
أنا أدرت يرأيي ناعورة الخذلان
لكنها لم تقدر للحين بالدوران وله من مقطعاتٍ اندرجت في رسائله الهزلية:
طرة مسكٍ وشارب أخضر وثغر درٍ ومقلتا جؤذر
ريم إذا رمت أن أكلمه كلمني من جفونه خنجر
وإن تعرضت من عوارضه لثمًا تجني عليّ واستكبر
كأن خيلانه ووجنته سماء حسنٍ نجومها تزهر
طرز فيه الجمال مبتدعًا وشيًا بلطف المهيمهن الأكبر
وقام في خده لعاشقه عذر بذاك العذار إذ غدر وقال أيضًا:
قل للذي دلهني حبه أفسدت ما أصلحته أولا
لما بدا وجهك في حسنه كالبدر وافى السعد واستكملا
كأنما طرفك من سحره من مقل الحور قد استكحلا
[ ١ / ٥٥٦ ]
أطعمتني حتى إذا قلت قد آن حرمت الصب ما أملا
والله لولا لحظات الهوى لكنت من ذا العالم الأفضلا وقال:
جنبونا سجية العشاق ودعونا من الهوى والتلاقي
وأقلوا من البكاء على الرس - م ولا تأسفوا غداة الفراق
ما بشخص الحبيب يفرح ذو العق - ل ولا بالخدود والأحداق
إنما الملك ثردة من تفايا من دجاجٍ مسمناة عتاق
وإذا قيل لي: بمن أنت صب وعلام انسكاب دمع ألمآفي -
قلت: بالسكباج والجمليا ت ورخص الشوا معًا بالرقاق
وجشيش السميذ أعذب عندي من رضاب الحبيب عند العناق وقال:
ما زارني طيفك يا هذه إلا تمنيت بألا يزور
فتور ألحاظ ذاك الذي أعار أعضائي هذا الفتور
وقدك المائس فوق النقا قد فؤادي الهائم المستطير
كم قائل: صفها لنا واختصر ولا تطول؛ قلت: شمس القدور
[ ١ / ٥٥٧ ]
قيل وزد قلت لهم إنها في سعةٍ مثل الدنا والبحور
تستقذر الجيفة أنفاسها وتجعل الفسو مكان البخور
للكحل والغمرة في وجهها والطيب والزين شهادات زور
نقراء شقراء على سمرةٍ فهل ترى يا سيدي من فطور وله من أخرى في سليمان بن الحكم المستعين يقول فيها:
هل لك يا مولاي في طرفة تنسيك حسنًا طرف المتحفين -
ليس على مرسلها نحوكم من حرجٍ إن راح صفر اليمين
قد أبدعت أهزال أشعاره في العالم السحر الحلال المبين
لكنها كاسدة ها هنا أكسد منها في قرى شريون
ليس على عاتقه عقدة إلا من البرد، لأجل اليمين
وانتتفت عنفقتي بعدما شبت وذا من حرفة المملقين
وكنت ذا هدي وسمت إلى أن لفني موج الخنا والمجون
ولا بديع لا ولا منكر أن يفسد الدين صلاح البطون
فعلت في آخر عمري كما تفعل شاة السوء بالحالبين
أصبت في نسكي وزهدي الذي أصابه منذر في ألبيرون
وكان صوتي قبل ذا فتنةٍ تستنزل الطير بحسن الرنين
وقد غدا ناعورةً خانها ال - ماء كذا الدهر مجيح خؤون وله فيه من أخرى يصف اللص الذي أخذه في طريق قرطبة:
[ ١ / ٥٥٨ ]
يا ابن خير الملوك والخلفاء وأجل الولاة والأمراء
قيض الله لي من ابنا أبي الر يش غليظ الفؤاد ذا كبرياء
لم يكن مثله متن اولاد جالو ت ولكن من فراخ الزناء
قال لي قرطبي أنت تحيل ت وراقبت غفلة الرقباء -
ما أنا - يافديتكم - قرطبي قال دع ذا فليس حين انتماء
وقل الحق والفصاحة خل ليس هذا بموضع الفصحاء
الشعير الشعير دعني من الشع - ر أنا الآن أشعر الشعراء
هات ذاك النطاق واخلص وإلا لم تقلب عينيك نحو السماء
وأراد العدو ذبحي ولكن حاط ذو العرش صبيتي ونسائي
فعلاني بالهندواني حتى اس - ود ظهري وسال مني دمائي
واعتراني ما لست أذكر لكن ظن ما شئت غير كشف الغطاء
يا صبابًا خليت في ذلك الفح - ص كثيفًا مطبق الأرجاء
وهو باقٍ هناك ما خبت الري - ح ولاحت كواكب الجوزاء
كيف أحتال بالتخلص من قر دي - انبتونا معشر الأولياء
لو يكون الحرمان أقصى خراسا ن حداه إليّ دون حداء
إن أكن ثاويًا بحمص غريبًا هينًا بينكم دميث الثواء
فوق رأسي قبالة عهدها من زمن المنذر بن ماء السماء
[ ١ / ٥٥٩ ]
فلقد عشت برهةً ناعم البا ل لحمًا خصيب الفناء ومنها:
كنت يممتكم أرجي حياةً في اتصال بكم فمت بدائي
وخرجنا كما دخلنا بلا شي ءٍ ولكن ربحت صفع قفائي
مد في ذا المكان ذا الحرف لما مده صفع ظالمٍ باعتداءٍ وقال من أخرى:
لاح على عارضي القتير فحل ما منه أستجير
وكان ذا الدهر قد كساني برد صبًا ماؤه نمير
فاعتضت منه رداء شيبٍ واسترجع المنحة المعير
أبيض لكنه سواد في القلب مستبشع نكير
إنا إلى الله لا ارتداع والعمر كالبرق يستطير
وإن تماديت ذا خمارٍ فلا خمير ولا فطير
من لم يكن بالمصف يغلي برأسه الحر والحرور
لم تغل حين الشتاء منه بالبر في بيته القدور
وزارني زائدًا لهمي من لا يسمى إذا يزور
فاجأني والمحل صفر للبرد في جوفه صفير
[ ١ / ٥٦٠ ]
والفأر يدعو وحق صومٍ في فيه إذ خانه السحور
لهفان قد أزمع ارتحالًا لو يستطيع الشقي يسير
الشعر قوتي وقوت فأري إذا سبي قلبه الشعير
فلو ترانا به حيارى والهر في قبضنا أسير
أبصرته مثخنًا طريحًا ذا وبرٍ منه يستطير
والشيخ من بين ذا وهذا وهذه خاسئ حسير
حيران من دهشة كأني قلبق خانه الغدير وله من أخرى:
أمغنى سليمى اسلم سقاك الحيا مثنى وإن كان ما أغنى وقوف على مغنى
فكم قد بكى في الدار قيس صبابة ولم يقض أن يقضي اللبانة من لبنى ومنها:
أبا القاسم اسمع من عبيدك طرفةً أبثكها فأذن لها تلج الأذنا
دنت ليلة النيروز منا ولم تكن لترضى لنا فيها من العيش بالأدنى
وقالت خجولي سر إلى السوق واحتفل ولا تبق فيها من جراديقها منا
[ ١ / ٥٦١ ]
وقف بابن نصر واحشون ثم قفة من اطرف ما يحويه كي تذهب الشجنا
وجز بالفتى الجزار واختره هابلًا بقد ابن فتوي أبي بكر المضنى
ولابد من أترجة صعترية وإياك أن تنسى التوابل والحنا
فقلت وأين النقد يا ابنة عزةٍ لقد جئتها بلقاء منتنةً نتنا
فقالت: أديب شاعر متفنن حوى من حظوظ الظرف في زعمه الأسنى
بلا قطعة - هذه لعمرك هجنة فسر راشدًا عنا فما لك من معنى
لئن لم تجئ بالتين ألبست شيرة وبالزيت أضحى سجنك البيت والدنا
فلا ينكسر بالله جاهي عندها وخذ في الذي أحتاج شعري ذا رهنا ووجدت لابن مسعود هذا غير ما قصيدة في مثل هذه الأنحاء، تربي على حصى الدهناء، وفيما مر منها كفاية، ولا يتسع هذا المجموع لاستقصاء الغاية.
@محمد بن مسعود آخر
وكان أيضًا قبله بحضرة قرطبة بن مسعود آخر يعرف بالبجاني، وينتمي في غسان، وكان شاعرًا مجودًا جزل المقاطع، حسن المطالع، جيد
[ ١ / ٥٦٢ ]
الابتداع، لطيف الاختراع، كثير الغوص على دقيق المعاني، حسن الاستخراج للألفاظ الرائقة والتصريف لمستعمل الكلام.
وقرف عند المنصور بن أبي عامر بالرهق في دينه، وسجن بالمطبق مع الطليق القرشي لأمر غريب اتفق له، والطليق يومئذ غلام وسيم، وكان ابن مسعود به كلفًا، فقال فيه من قصيدة أولها:
غدوت في الجب خدنًا لابن يعقوب وكنت أحسب هذا في التكاذيب [يقول فيها]:
رأت عداني تعذيبي وما شعرت أن الذي فعلته ضد تعذيبي
راموا بعادي عن الدنيا وزخرفها فكان ذلك إدنائي وتقريبي
لم يعلموا أن سجني لا أبا لهم ق كان غاية آمالي ومرغوبي
يا ابن الخلائف من مروان واحزني عل ضياعك يا ابن الصبية الشيب
وفيك ما يتسلى العاشقون به من حسن خلق ومن ظرف ومن طيب
بلى لقد فجعت نفسي لمحتجب قد كان عن لحظ عيني غير محجوب
[ ١ / ٥٦٣ ]
قد صيغ من فضة بيضاء صافيةٍ ووشح الحسن خديه بتذهيب
والتف بالياسمين الغض بينهما نضير ورد بماء الحسن مهضوب
ما أقبح الصبر عندي بعد فرقته يا نفس ذوبي عليه هكذا ذوبي
تعجب القطر من عيني حين همت منها الشآبيب في إثر الشآبيب
عندي استقرت جنود الكرب أجمعها فلست تسمع من بعدي بمكروب
سجن وقيد وأعداء منيت بهم لا يسأمون مع الأيام تثريبي
في منزل مثل ضيق القبر أوسعه دخلته فحسبت الأرض تهوي بي
يحن عند مقاساة البلاء به قلبي إليك حنين الهيم والنيب
ولو توسد أطباق الثرى جسدي ناداك قلبي بترجيع وتثويب وكان ابن مسعود يومئذ بالمطبق مع جماعة من رؤساء الأدباء، فلم يزل الطليق يأخذ عنهم، ويستمد منهم، حتى ثري تربه، وطلع عشبه، وسما ذكره، وطار شعره. وكانت أشعاره تأتي ابن أبي عامر فيتهمه فيها.
وانطلق الطليق من معتقله وبقي ابن مسعود مدة محبوسًا إلى أن انطلق سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بعد مديدة. وليس من طبقة كتابي لتقدم زمانه، وإنما جر حديثه حديث سميه المتقدم الذكر، وكذلك الطليق أيضًا متقدم الأوان، وليس من طبقة هذا الديوان.
وابن مسعود هو القائل في سجنه، وقد انطلق الطليق عنه، وقرب ضده منه:
[ ١ / ٥٦٤ ]
ولي جليس قربه مني بعد الأماني كلها عني
قد قذيت من لحظه مقلتي وقرحت من لفظه أذني
نادمني في السجن من قربه أشد في السجن من السجن
لو أن خلقًا كان ضدًا له زاد على يوسف في الحسن
إذا اشتهى قطعي في حجة سلط إبطيه على ذهني
كأنه يجلس من ذا وذا بين كنيفين من النتن والطليق القائل:
غصن يهتز في دعص نقا يجتني منه فؤادي حرقا
أطلع الحسن لنا من وجهه قمرًا ليس يرى ممحقا
ورنا عن طرف ريم أحورٍ لحظه سهم لقلبي فوقا
وتناهى الحسن فيه إنما يحسن الغصن إذا ما أورقا
رب كأس قد كست جنح الدجى ثوب نورٍ من سناها يققا
ظلت أسقيها رشًا في طرفه سنة تورث عيني أرقا
فكأن الكأس في أنمله صفرة النرجس تعلو الورقا
أصبحت شمسًا وفوه مغربًا ويد الساقي المحيي مشرقا
فإذا ما غربت في فمه تركت في الخد منه شفقا
[ ١ / ٥٦٥ ]
وهذا يشبه قول الآخر:
ومدامة صفراء عللني بها رشأ كغصن البان في حركاته
صهباء تغرب إن بدت من كفه في فيه ثم تلوح في وجناته
وغمام هطل شؤبؤبه نادم الروض فغنى وسقى
فكأن الأرض منه مطبق وكأن الهضب جان أطبقا
خلع البرق على أرجائه ثوب وشي منه لما أبرقا
وكأن العارض الجون به أدهم طل عليه بلقا
في ليال ظل ساري نجمها حائرًالا يستبين الطرقا
وقد البرق لنا مصباحها فثنى جنح دجاها مشرقا
وشدا الرعد حنينًا فجرت أكؤس المزن عليها غدقا
فانتشى شربًا وأضحى مائلًا مثل نشوان وقد خر لقى
وغدت تحنو له الشمس وقد ألحفته من سناها نمرقا
وكأن الورد يعلوه الندى وجنة المعشوق تندى عرقا وله من أخرى:
قمري الوجه أبدى بضحى وجهه خط الغوالي غبشا
فأراني سبحًا في ذهب من عذاريه كما اصفر العشا
ضرجت خداه حتى خلتها عض طرفي فيهما أو خدشا
[ ١ / ٥٦٦ ]
وحوت عيناه [خمرًا] لم يرح صاحيًا من سكره صاحي الحشا
فكأن الصبح في وجنته قد سقاه طرفه حتى انتشى
عشيت عين امرئ لم تكتحل للبكا والسهد فيه بعشا
جد في قتلي حتى خلته أنه فيه من الدهر ارتشا
لم يزل يوشى بنا حتى غدا سحر عينيه بنا في من وشى ومنها:
أين لي ملجًا إذا ما طرفه بجيوش السحر نحوي جيشا
ونضت ألحاظه أنصلها فثناني بطشها أن أبطشا
رشأ إما مشى تحسبه غصنًا نيط بهضب فانتشى
ثقل الخصر بردف راجح مثلما أثقلت الدلو الرشا
فإذا ما ظل يومًا قاعدًا خلته أوطئ منه فرشا
خمشت ألحاظ عيني خده مثلما باللحظ قلبي خمشا
نقشت عيني عليه أسطرًا أعربت عما بقلبي نقشا
منعت ثم تجلت فدنت ربما أرداك ما قد نعشا
أنت كالبدر يرى الليل به مؤنسًا طورًا وطورًا موحشا
كن كما شئت فقد شاء الهوى إنه ينفذ فينا ما يشا
[ ١ / ٥٦٧ ]
ورد جانب من خطبة الذخيرة في النفح ٢: ٥٠٠، كما نشرها دوزي في النصوص التي جمعها عن تاريخ بني عباد ٣: ٣٩ - ٥٦.
ط: ينثال ذلك.
ط: نجوم.
ط: القطر.
ط: الفئتين.
ط: وحذوا حذاء.
ط: بغرائب.
ط: المشرق.
النفح: المعادة.
أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي (٦١ - ١١٧ أو ١١٨)، كان من حفاظ أهل زمانه، وقد تفاوتت فيه الآراء فيه: كان حاطب ليل، كما قيل فيه: فلما يحد من يتقدمه، وأنه كان من علماء الناس بالقرآن والفقه (انظر تهذيب التهذيب ٨: ٣٥١ - ٣٥٦) .
ط: لحنوا.
الرذية: الناقة الهزيلة المتروكة التي لا تقدر أن تلحق بالركاب؛ يعني أن أخبارهم وأشعارهم مطروحة منبوذة.
ط: محاسنها.
أبو عمر أحمد بن فرج الجياني (- ٣٦٠ أو حوالي ٣٦٦)؛ عرف بكتابه " الحدائق الذي ألفه للحكم المستنصر، وكان من مقدمي الشعراء في العهد الأموي، وقد سجنه الحكم وصدرت عنه وهو في السجن أشعار كثيرة (انظر الجذوة: ٩٧ والبغية رقم: ٣٣١ والمطمح: ٧٩ والمغرب ٢: ٥٦ والصلة: ١١ واليتيمة ٢: ١٦ والوافي بالوفيات ٨: ٣٤ ومعجم الأدباء ٤: ٢٣٦) وله أشعار في كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس.
ط: رأيًا.
الأصبهاني صاحب كتاب الزهرة هو محمد بن داود الظاهري، وكتابه الزهرة صنفه عنفوان شبابه (انظر ابن خلكان ٤: ٢٥٩ والفهرست: ٢١٧ وتاريخ بغداد ٥: ٢٥٦ وطبقات الشيرازي: ١٧٥ والوافي ٣: ٥٨) وقد نشر القسم الأول من كتابه بتحقيق لكل وطوقان، بيروت ١٩٣١.
ط: وضجت.
ط: من برد.
ط: الفرع المتكلفين.
من قول زهير (ديوانه: ٥٨):
تحمل أهلها منها فبانوا على آثار من ذهب العفاء ط: بين التمتع والرقة.
ط: فأروا.
ط: كلاهما.
سيترجم له ابن بسام في القسم الثاني.
ط: حظ.
انظر النفح ٣: ١٥٤.
ط: يمر بي.
س ط: محاصاة.
ط: بلغني.
ط: الزواج.
ففتحت وبيان: لم يرد في ط.
ط: أربي.
ديوان أبي تمام ١: ٢٢١ - ٢٢٢.
قرت الحياض: جمعت الماء.
س: أوريه.
ط: التحاسين.
ط: بالحبل (اقرأ: بالخبل) .
ط: به.
ط س: عين.
ط س: ونقلته.
ط: ضمنته.
ط: أو شنات.
من قول المجنون (الأغاني ٢: ٧٣):
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني بقول يحل العصم سهل الأباطح ط: تشعشعت رائحته.
من قول أبي نواس (ديوانه: ٣٢٥):
أيها الرائحان باللوم لوما لا أذوق المدام إلا شميما
فاصرفاها إلى سواي فإنني لست إلا على الحديث نديما ط: لا نتباذ من.
شنترين (Santarem) تقع في البرتغال على بعد ٦٧ كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من لشبونه؛ استولى عليها الفونسو الخامس القشتالي سنة ٤٨٥ فاضطر ابن بسام إلى الفرار عنها (انظر الروض المعطار، الترجمة الفرنسية: ١٣٩، ومادة " شنترين " في الموسوعة الإسلامية) .
ط: قمر.
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٣٨٤ والميداني ٢: ٨٢.
من قول المتنبي: بهماء تكذب فيها العين والأذن (ديوانه: ٤٦٩) .
البيت للمتنبي (ديوانه: ٢٤٨) والرواية فيه: مهالك.
حمص: اسم يطلقه الأندلسيون على إشبيلية.
من قول المتنبي (ديوانه: ١٢):
حتى وصلت بنفس مات أكثرها وليتني عشت منها بالذي فضلا ط: أنيس.
كمون: مكررة في ط.
ط: الأرض.
ط: وجديد؛ وهذا من قولهم " هو جذيلها المحكك "، يعني أنه يستشفي برأيه كما تستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك بالجذل، وهو عود ينصب لذلك الغرض.
لم يسمه هنا، ولعله سير بن أبي بكر الذي تولى إشبيلية في فترة تأليف الذخيرة.
ط: أقصر.
ط: ويمنحون.
ط: أبوه من.
س: باله.
ب س: لحضرة.
والوزير أبو الوليد زياد: سقط من ط، وجاء في ب س بعد هذا قوله: " وقع ذكر هؤلاء في المسودة وسقط عند الاتنفاء والنقل "؛ قلت: وليس في نسخ الذخيرة الموجودة بين أيدينا تراجم لهؤلاء.
في النسخ: الطبانية.
ط: الجياني.
ط: والأديب.
زيادة لم ترد في النسخ، لكن الترجمة ثابتة في موضعها من الكتاب، اعتمادًا على النسختين ب س، ويبدو أن الترجمة مأخوذة عن " الجذوة " إما إضافة من ابن بسام أو من غيره.
زاد في ط: والأديب أبو أحمد عبد العزيز بن خيرة، وهو المنفتل.
زيادة لم ترد في النسخ، اعتمادًا على أن الترجمة وردت في هذا الموضع من الكتاب، ووقع في ط بعد ابن وهبون: " وأبو بكر الخولاني المنجم ".
س ب: صارة.
ط: الثقات.
ط: وقتل.
س ب: وتولى.
ط: الأول.
ط: أدرج.
ط: وأبو الحسن بن فضال.
ط: والشريف المرتضى.
ط: ابن المغربي.
ط: وابن أبي الشخباء.
ط: لأدب.
ط: وصفت.
أجر اللسان: حبسه عن الحركة.
فيه إشارة إلى قول الحطيئة وقد سئل عن أشعر الناس " فحسبك والله بي إذا رفعت أحد رجلي على الأخرى ثم عويت عواء الفصيل في اثر القوافي " (الشعر والشعراء: ٢٤٢ - ٢٤٣) .
والوزراء: سقطت من ط.
ط: الآصال.
ط: أغفل.
أنظر أخبار المستعين في الجذوة: ١٩ والحلة السيراء ٢: ٥ - ١٢ وابن عذاري ٣: ٩١، ١١٣ وأعمال الاعلام: ١١٤ والمعجب: ٩٠ وابن خلدون ٤: ١٥١ والنفح: ٤٢٨ وبروفنسال ٢: ٣٠٤ وما بعدها، وspanish Islam لدوزي: ٥٤٧ - ٥٦١.
نقل ابن عذاري هذا الوصف في البيان المغرب ٣: ١١٨.
ط: نكرات.
ط: تغيير.
ط: العصبية.
شانجة غرسية (Sancho Garcia) صاحب قشتالة؛ وارمنقد Ermengaud أو Armengol أخو ريمند بوريل الثالث صاحب برشلونة، وقد كان لكل منهما دور في الفتنة؛ راجع الجزء الثاني من تاريخ اسبانيا الإسلامية لبروفنسال (صفحات متفرقة) .
س ب: جري.
ط: وآلت من التي.
قرف الندوب: قشرها بعد أن تيبس، والندوب: الجروح؛ وفي هامش ط: أظنه الذنوب، وهو وهم.
شقندة (Secunda) أحد أرباض قرطبة (انظر الروض المعطار: ١٢٧ من الترجمة الفرنسية ومادة شقندة في الموسوعة الإسلامية.) .
كان تملك علي بن حمود لسبتة عقب شهر شوال سنة ٤٠٠ إذ انتزى فيها باسم المستعين (البيان المغرب ٣: ٩٦) .
ط: دمه.
نقل ابن عذاري هذا النص ٣: ١١٤.
البيان: عشيرته.
انظر هذا الخبر في مروج الذهب ٧: ٢٦٢ وما بعدها، وفي نقل ابن بسام تصرف.
ط: على قتله.
ط: بالإحسان.
ط: فقال.
ط: القلنوسة.
من رأسه: سقطت من ط.
ط: فقال له: يا باغر.
ط: إنه حدث ووله؛ وفي المروج: إنه حدث وإنه ولدي.
ط: بمكاني.
ط: ولعلني استصلحه.
ط: يقتل.
النقل مستمر عن مروج الذهب ٧: ٢٦٧.
ط: وسيق وانتضي.
ط: الحديث.
ط: منذ دفعه إلى باغر فيها بذلك السيف.
ط: كان.
فيه إشارة إلى قول الشاعر:
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد من المثل: " هذا أجل من الحرش " انظر فصل المقال: ٤٧١، يضرب لمن كان يخشى شيئًا ثم وقع فيما هو أشد منه.
ط: خيران وطمع.
ط: لزق.
انظر النص في البيان المغرب ٣: ١١٧.
ط: معه وجثا.
ط: كان.
ط: تحمل في المحلة.
بعدها في س ب: " ومشورة " ولعلها: ومشورة، أي موضع الشورى، وهو القصر.
البيان: يتلبس.
حسبما تقدم: لم ترد في ط.
ط: أمرها.
ط: واجتمع فاتخذه.
س ط: سلائحهم.
ط: بعدهم.
ط: البطل.
ط: فأظهره.
ط: وتطير؛ وتمطر: استخفى.
ط: وجاء بهم.
ط: بها.
ط: به.
ط: وجدد.
وبكى عليه: ليست في ط.
ط: منيره؛ س: مهوه؛ ب: فهوه.
ط: هلاك.
ط: الآخرة.
ط: ما تقدم.
نقل النص في البيان المغرب ٣: ١١٨.
ط: مد.
البيان: وقف.
ط: الرشيد هارون؛ انظر أبيات هارون في الحلة ٢: ٩ والجذوة: ٢١ والمعجب ٩٢ والأغاني ١٦: ٢٦٩ والغيث ٢: ٣٢٦، وقد نسبتها المصادر للرشيد، إلا أنها أدرجت في ديوان العباس بن الأحنف: ٢٧٩.
انظر الحلة والجذوة والمعجب والغيث في التعليق السابق.
ط: الأبطال.
وقع هذا البيت آخرًا في ط.
انظر في أخبار المستظهر: الجذوة: الجذوة: ٢٤ والحلة ٢: ١٢ - ١٧ وفيه نقل عن ابن حيان، والبيان المغرب ٣: ١٣٥ والمعجب: ١٠٥ وأعمال الأعلام: ١٣٤ والنفح ١: ٤٨٨ وبروفنسال ٢: ٣٣٤ ودوزي (Spanish Is): ٥٧٤.
ط: فتجند.
فيها: سقطت من ط والحلة.
ط: أراد.
ط: بعد.
ط: الجماعة.
ط: للمسجد.
ط: فكنت.
كذا يرد في النسخ بالخاء المعجمة " مخامس "، وفي الجذوة (ص: ٢٨٨) من اسمه عثمان بن مخامس، بالحاء المهملة.
ط: لا تصلح بسواه.
ط: شرقي في: سقط من ط.
س ب: هاتفين.
ط: صرامة.
ط: وبراعة ظرفه.
ط: المنهتك.
والطعام: سقطت من ط.
ط: مراتب.
ط: أنواع.
انظر أيضًا البيان المغرب ٣: ١٣٧.
ط: الشيطان.
ط: طالبوه.
ط والبيان: بطائل.
البيان: تعدى عليه؛ ط: تعرى.
ط: طلب.
ط: تقتض.
نقل الخبر في البيان المغرب ٣: ١٣٨.
ط: ذلك حسن.
ط: سجنه.
ط: يبتر؛ س: نتر.
ط: بالرجالة.
ط: الأغلال.
ط: وأشار.
ط: ونجا.
الابزن (Basin): الحوض؛ وفي س ب والبيان: أتون، حيث وقعت.
ط: مختفيًا.
ط: وقام الدائران؛ وفي بقية النسخ: وقام الفاسقان، البيان: وقام الدائران الفاسقان، كما أثبته.
البيان: وعنبر.
ط: فوجد.
ط: الرهابة.
انظر البيان المغرب ٣: ١٣٩ وأعمال الإعلام: ١٣٤ والحلة السيراء.
الحلة والبيان: حدوث.
الحلة: شنف؛ ط: منتف.
ط: جليبة.
وردت القصيدة في الحلة، وبعض أبياتها في الجذوة.
ط: عزيزة.
البيان، س ب: بيت؛ ط: عيش.
الحلة: لما بي.
ط: جوائدها؛ س ب: جرائرها.
ط: ويسبي.
انظر الحلة ٢: ١٥.
ط: بسلامه.
ط: الظبي.
س ب: الماء.
ط: اخترامه.
الحلة ٢: ١٦.
س ب والحلة: ينوب عن.
الحلة ٢: ١٦ والنفح ١: ٤٣٦، ٤٨٩.
الحلة ٢: ١٦ والبيان المغرب ٣: ١٤٠ والنفح ١: ٤٩٠.
النفح: الطرس.
النفح: ملكه.
النفح الأعصر.
المستظهر بالله: سقطت من ط.
ط: بما أظهرت.
البيان: لدى الرئاب.
ط: وهو القائل زعموا يوم الوثوب عليه.
ط: مع بعض.
ط: ونصله.
ترجمة ابن دراج في الجذوة: ١٠٢ (والبغية رقم: ٣٤٢) والصلة: ٤٤ والمطرب: ١٤٥ والمغرب ٢: ٦٠ ومواضع متفرقة من النفح؛ واليتيمة ٢: ١٠٤ وابن خلكان ١: ١٣٥ والوافي ٨: ٤٩ والمسالك ١١: ٢٠١ وعبر الذهبي ٣: ١٤٢ والشذرات ٣: ٢١٧. وقد نشر ديوانه الدكتور محمود مكي (دمشق ١٩٦١) وصدره بمقدمة هامة، حشد فيها مزيدًا من المصادر التي أوردت له خبرًا أو شعرًا (المقدمة: ١٩ - ٢٠) وانظر دراسة عنه في كتابي: تاريخ الأدب الأندلسي، عصر سيادة قرطبة: ط ثانية؛ ودراسة لبلاشير في Hesperis: ٩٩ ١٢١ (١٩٣٣)، انظر أيضًا كتاب التشبيهات.
ط: نظمه ونثره مع ما يتعلق بذلك من خبره.
اليتيمة ٢: ١٠٤، وليس في اليتيمة " بلغني أن أبا عمر القسطلي ".
اليتيمة: الفحول، وكان ينظم ويقول.
ط: قدره.
س ب: ويستغيثهم.
ط: عقله.
ط: أقام.
ط: عند من بره.
بالغة: لم ترد في ط.
وأنا أقول والأقلام: سقط من ط.
جملة من: لم ترد في ط.
لم يرد هذا الفصل في ط.
ط: فصل له من رقعة.
ط: استشفي بعد؛ س: استشفي.
مضمن، وهو للحطيئة (ديوانه: ٢٠٨) .
لم هذا الفصل في ط.
ط: أخطاه.
ط: أنقاض.
ط: سماك.
ط: فخرهم.
ومن كتاب له: سقط من ط، والكلام متصل بما قبله.
ط: وشفي العليل وسقي الغليل.
ط: على.
ط: لؤد.
الديوان: ٥١٦.
في النسخ: مجر؛ والتصحيح عن الديوان.
ط: أسوة.
س ب: وحرمة.
س ب والديوان: رجعت.
الديوان: حزن.
ط: قال ابن حيان.
للخليفة يومئذ: لم يرد في ط.
ط: فمدحه بقصيدته.
الديوان: ٦٠ - ٦٦.
س ب والديوان: الأعياد.
الديوان: بك.
ب س والديوان: لنا.
ط والديوان: يومك.
في النسخ: النوال، وقراءة الديوان أدق.
الديوان: في ساعة.
الديوان: يوم.
في النسخ: جبي شرنبة؛ وشرنبة نهير من فروع تاجه يسمى اليوم Rio Jarama، قاله محقق الديوان: ٦٣.
اسم المعركة التي دارت بين المستعين والمهدي سنة ٤٠٠.
الديوان: بكت.
الديوان: الغواة.
في النسخ: يعيدها، ورواية الديوان أصح.
هذه هي قراءة الديوان، وفي الأصول: وقوامها، ولا أراه صوابًا.
أرمنقود (Ermengaud) قد مر التعريف به ص: ٣٦. وقد قتل في عقبة البقر.
آر (Guadiaro) واد في جنوب الأندلس كانت عنده الوقعة بين المستعين والمهدي في ٦ ذي القعدة ٤٠٠؛ ورواية الديوان: ودنت لها في آر.
الديوان: يشيع.
زيادة من الديوان.
الديوان: رأينا توده.
الديوان: ولتهننا.
انظر الديوان: ٥٤ - ٥٩.
الديوان: الشرك.
ط: ميدان.
الديوان: ثوب.
س ب والديوان: سمي.
س ب: حكمت.
س ب: كلامه نظامه.
ط: الحرب.
وقع هذا البيت متقدمًا على الذي قبله في ط؛ ورواية الديوان: بكل زناتي.
في وصف إليه: سقط من ط.
س ب: وساعد.
الديوان: ١٧٣.
الديوان: إقدام.
ط: واحتوى.
ط: وما استكنت؛ الديوان: ولا أسكنت.
في النسخ: زيادة، وصوبته عن الديوان.
في النسخ: فتترك؛ س ب: عزته.
الديوان: بنصر.
الديوان: ونخبة.
الديوان: بيض الصوارم.
الديوان: عاذ كما عاذ.
هذه هي القراءة الصحيحة، لأن الميت يضجع على شقه الأيمن؛ وهي قراءة ط ب؛ وفي الديوان " جنبيا "، وهو بمعناه.
الديوان: ببحريك.
ثناه الأسى مسيا: أي أن الأسى رد الصباح مساء، وهي قراءة ط ب والديوان، وفي المطبوعة " نساه الأسى نسيا "، ولا أراه صحيحا.
انظر الديوان: ١٢٤ - ١٣١.
ط: موج.
الديوان: ببغائها.
الصرى: الماء الذي طال ركوده.
الديوان: وليعلم بعدهم.
جار مجرى المثل: انظر فصل المقال: ١٠ والميداني ٢: ٥٤.
الحارث الجفني، أي أحد ملوك بي جفنة الغسانيين.
س ب: تكسو.
هذه هي قراءة ط؛ وب س: بحدك؛ وفي الديوان " بحدل " وهو شيخ الكلبيين الذين نصروا الأموية في معركة مرج راهط.
ط: أرى القسطلي ذهب مذهب أبي الطيب حيث يقول في قصيدة يمدح بها ابن العميد.
ديوان المتنبي: ٥٤١.
الديوان: وسمعت.
ط: أهل وقتنا يصف إبلا، وانظر ديوان الأعمى التطيلي: ٢٤٣ - ٢٤٥ وهو مكن قصيدة كتب بها إلى ابن بياع السبتي الذي يرد ذكره فيما يلي.
ط: كقول بعض أهل العصر، وانظر ديوان التطيلي: ٢٥٠ وهو مأخوذ عن الذخيرة إلا أنه يلتئم في موضعه من القصيدة: ٣٨، ص ١٠٠ - ١٠٥.
ط: هوجاء.
ط: البيت.
ديوان الهذليين: ١٢٣٠.
ط: من أخرى في الوزير.
سيعرف به ابن بسام في هذا القسم الأول من الذخيرة؛ وقصيدة ابن دراج هذه في ديوانه: ٤٣ - ٤٨.
الديوان: فيك.
بعد هذا البيت وقع خرم في ب ضاعت بسببه أوراق.
ط: آخر.
شروح السقط: ٥٣.
تجيء ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
سيترجم له ابن بسام في هذا القسم من الذخيرة.
ط: وفيها يقول.
في النسخ: أصفى الناس، وآثرت رواية الديوان.
الديوان: ريبة.
ديوان المتنبي: ٣.
الديوان: جياده.
س والديوان: بوجهي.
الديوان: الضلوع.
هو أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة، أحد المطبوعين من الشعراء المولدين (انظر ترجمته في الاغاني ١٩: ٢٠ وطبقات ابن المعتز: ٢٨٨ ومعجم المرزباني: ١٠٩ والشعر والشعراء: ٧٥٠) والبيت من قصيدة له في الشعر والشعراء: ٧٥١ والكامل للمبرد ٢: ٣٢.
ترجمة عمارة في طبقات ابن المعتز: ٣١٦ والأغاني ٢٣: ٤٢٤ والخزانة ٢: ٤٩٧ وتاريخ بغداد ١٢: ٢٨٢ ومعجم المرزباني: ٧٨ والكامل ١: ٢٩، وبيته يرد في القسم الثالث.
شروح السقط: ٣٣.
ديوان المتنبي: ٥٠٢.
شروح السقط: ١٨٦.
ديوان ابن زيدون: ٢٦٧.
ديوان ابن زيدون: ٢٨٧.
عبد الجليل بن وهبون: ترد ترجمته في القسم الثاني.
من جملة المجموع: سقط من ط.
زاد في ط: من أخرى، وسقط قوله: " من قصيدة أولها ".
ديوان ابن دراج: ٨١ ٨٦.
الديوان: بكل.
ديوان ابن دراج: ٢٩٧ - ٣٠٤.
الديوان: دعيني.
ط: بما ليس له من شبيه.
ولا مثيل ولا عديل: سقط من ط.
ط: واستمطئ.
ومنها: سقطت من ط.
ط: وآية.
ط: فقد.
وقال من أخرى؛ أما ابن أزرق فكان أحد كتاب منذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة.
انظر ديوان ابن دراج: ٣٢٧ - ٣٣١.
البيت غير واضح المعنى، ونقله على حاله محقق الديوان، إذ انفرد به وبالأبيات قبله كتاب الذخيرة؛ وهو مما ورد في ط دون غيرها.
الديوان: حواها الرق.
ط: دعوت.
الديوان: صفح تحوي.
س والديوان: النعيم.
س والديوان: يطوق.
ط: ذيب (اقرأ: ديف) .
الديوان: ضلال.
ط: فجال وحن؛ والتصويب عن الديوان.
الديوان: ويستثير.
الديوان: يحن.
ط: حاز.
قال أبو الحسن: سقطت من ط.
لم يردا في القسم الثالث من الكتاب:
ط: طويلة، وإنما مرت فيها ألفاظ لو قرعت الخ.
ط: في خروج.
وقد أثبت وأولها: سقط من ط؛ وانظ القصيدة في ديوان ابن دراج: ٧٥ - ٨١.
الديوان: الندى.
فيه إشارة إلى الآية: ١٦ من سورة سبأ.
الديوان: الرواعد.
هذا البيت شديد الاضطراب في الأصول، وقد اعتمدت قراءة محقق الديوان، وهي وجه مرجح.
بعد هذا البيت ورد في س ب ومنها، وليس ثمة حذف.
ط: والديوان: نفوسًا.
اليتيمة ٣: ١٣٨.
ستأتي ترجمة أبي العرب في القسم الرابع من الذخيرة؛ وانظر التكملة: ٣٨٦ والسلفي ٦٨، ١٣٨ والمسالك ١١: ١٨١ والخريدة ٢: ٢١٩ وابن خلكان ٣: ٣٣٤، والبيت في الخريدة.
ط: وفيها يقول.
الديوان: يسيل.
الديوان: من بعد.
الديوان: للحلول.
في س: بغض، والتصويب عن الديوان.
ترجمة ابن شرف في القسم الرابع من الذخيرة، انظر المطبوعة ٤ / ١: ١٣٣ وما بعدها؛ والبيت يقع في ص: ١٧٨، وراجع ترجمة ابن شرف في الوافي ٣: ٩٧ ومعجم الأدباء ١٩: ٣٧ والخريدة ٢: ٢٢٤ والمغرب: ٢٣٠ والصلة: ٥٤٥ والمطرب: ٧١ ومسالك الأبصار ١١: ٤٣ وبغية الوعاة: ٤٧ والزركشي: ٢٧٨ وفوات الوفيات ٣: ٣٥٩ ومعالم الإيمان ٣: ٣٩ وعنوان الأريب ١: ٥٦.
إلى هنا تنتهي ترجمة ابن دراج في النسخ ما عدا س التي تنفرد بما تبقى منها؛ ويبدو إن هذه الزيادة دخيلة لأنها فصلت بين قصيدته عن ابن حمود وبين إيراد الخير عن علي بن حمود نفسه.
ديوان ابن دراج: ٨٦ - ٩٤.
الديوان: آواك.
الديوان: النجح.
الديوان: عن.
الديوان: حز.
الديوان: عنا بنا.
س: إخوان.
الديوان: آيس.
الديوان: المفجع.
قبل هذا البيت في س: ومنها، ولكن لا حذف هنالك.
الديوان: تظفروا.
الديوان: حصى.
س: بموج.
س: وإيمانه للأهل، وهو خطأ.
الديوان: الهدى.
الديوان: شهد.
الديوان: عريان.
الديوان: الندى.
الديوان: في الضحى.
س: زاد فرادوا.
ط: إمرة.
ترجمة علي بن حمود وأخباره في جذوة المقتبس: ٢١ والبيان المغرب ٣: ١١٩ - ١٢٤ والمعجب: ٩٨ وجمهرة ابن حزم: ٥٠ - ٥١ وأعمال الأعلام: ١٢٨ وابن خلدون: ٤: ١٥٢ ونفح الطيب ١: ٤٣١، ٤٨٢ وبروفنسال ٢: ٣٢٦ والصوفي (نهاية الخلافة الأموية): ٢٥٦ ودوزي (Spanish Is.): ٥٦٢.
س: القتبي.
س: لفظتهم.
س: إلى طرف من بلاد المغرب.
وتبربروا معهم: سقطت من ط.
ط: غمائها.
س: شرح.
قارن البيان المغرب ٣: ١٢٢.
س: الأسماء الخلافية.
س: وهو اسم.
ط: قبله.
س: صاحب الأندلس.
ط: ولما صارت الخلافة إليه.
ط: بربر.
ط: أطوع البشر.
سقط في ط من هذا النص قوله: " وهو مفتوح الباب "، " للوارد والصادر "، " في الأرض ذات الطول والعرض " مما يشير إلى طبيعة هذه النسخة التي تعتمد الإيجاز كثيرًا وبخاصة إن كان النص منقولًا عن ابن حيان؛ وعلى هذا سأقلل من الإشارة إلى ما ينقصها في سائر الكتاب، اقتصادًا واكتفاء.
ط: مباشرة.
س: رقابهم.
ط: ينتسبون.
ط: بعينيه.
ط: لنفيسة.
س: لأهل الأندلس.
س: أهلكوا.
ط: مزال العدال.
ط: إلا بموكلين.
ط: وأمروا.
ط: قبض.
لم يرد هذا العنوان في ط؛ وقارن بالبيان المغرب ٣: ١٢٢.
س: جسرهم الله تعالى على مواثبته في قصره وموضع محله وأمنه.
س: بدروا.
س: هامته.
س: فضربوه.
واستطال ودخل عليه فلم يرعهم الخ.
ط: إلى إشبيلية عن أخله القاسم.
ط: ليقف على صحة ذلك.
ط: فانكف.
ط: فصلى عليه وأنفذه.
ط: إلى أن.
ط س: الجياني.
هذا الديلمي المنتزي بعد الثلاثمائة هو مرداويج بن زيار - فيما أقدر - وقد استولى على أصبهان وحاول الأتراك قتله في الحمام سنة ٣١٥ وظنوا أنهم قضوا عليه؛ ولكنه عاش بعد ذلك (انظر تكملة تاريخ الطبري: ٥١) .
ط: برازقه.
ط: تعلق.
الأخبار عن أبي حفص أحمد بن برد قليلة إذ له ترجمة موجزة في الجذوة: ١١١ (البغية رقم: ٣٨٧) وعلى الجذوة اعتمد ابن بشكوال في الصلة: ٢٤ وقد مر ذكره في البيان المغرب لصلته بالكتابة عن عبد الملك المظفر ابن المنصور ثم عن غيره حتى عهد يحيى بن علي بن حمود.
هو عبد الملك بن إدريس الجزيري (- ٣٩٤)، كان كاتبا في دولة المنصور بن أبي عامر، ثم حبس في إحدى القلاع الأندلسية، وله رسائل وأشعار كثيرة (انظر ترجمته في الجذوة: ٢٦١ (البغية رقم: ١٠٥٨) والمطمح: ١٣ والصلة: ٣٥٠ واعتاب الكتاب ١٩٣ والمغرب ١: ٣٢١ واليتيمة ٢: ١٠٢ والنفح؛ وسيذكره ابن بسام في القسم الرابع من الذخيرة.
جاء في النسخة ط: " ولم أجد حين إخراج هذه النسخة من رسائله إلا ما لا يكاد يعرب ولا يوضح مشهور دلائله، وقد أثبت منها على ذلك بعض ما ألفيته هنالك "، ويبدو أن العبارة المثبتة بدلا من رواية ط تمثيل عهدا تاليا، حين أتيح لابن بسام العثور على عدد من رسائله يمثل صورة أوضح عن فنه النثري.
س: فصل: عهد عقد هشام.
ورد هذا العقد في البيان المغرب ٣: ٤٤ وتاريخ ابن خلدون ٤: ١٤٨ وأعمال الأعلام: ٩١ ونفح الطيب نقلا عن ابن خلدون ١: ٤٢٤.
ط: القدر.
ط: ونفض، وآثرنا ما جاء في المصادر، وفي البيان: ونظر.
ط: ومن.
ط: ورعته؛ النفح: وصيانته.
النفح: مرتبته.
ط: أمور مكنون.
ط: وله من أخرى.
ط: ومن أعجب العجب.
إشارة إلى الآية: ١٣ من سورة نوح " ما لكم لا ترجون لله وقارا ".
ط: سلطانهم.
س: القدرة.
ط: سبع محيل.
ط: عدة.
القنداق: من الإغريقية (Kontakion) وهو الكتاب الرسمي أو البراءة أو ما أشبه (انظر ملحق دوزي)؛ وفي س: الكتاب.
ط: وإن قوما منهم.
ط: الرقوق.
ط: قبل.
ط: الصفة.
س: وله من أخرى عن سليمان بن (اقرأ: إلى) هذيل بن رزين، وهذا هو الأشبه بالصواب، أعني أن الرسالة قد تكون موجهة عن سليمان المستعين إلى هذيل لأن هذيلا أبى التخلي عن هشام والدخول مع منذر التجيبي وغيره في تأييد دعوة سليمان، وظل كذلك حتى توفي هشام، فسلك هذيل مسلك منذر، فرضي منه سليمان بذلك وعقد له على ما بيده، فزاده ذلك بعادا من سليمان (البيان المغرب ٣: ١٨١) .
ط: ويبلو.
س: أجناسا.
ناظر إلى الآية: ١٠٢ من سورة التوبة.
ناظر إلى الآية: ١١٨ من سورة هود.
ط: فالسعيد.
ط: الهناة.
ط: تهيأ.
الدوسر: الأسد الصلب الموثق الخلق، وفي س: ذو سن؛ ولو قرأت " ذي سن " لكان ذلك أنسب للحديث عن مروان بن الحكم.
عد في هذه الفقرة عددا من العائلات الهامة التي كانت تعد موالي لبني أمية، وهي عائلات احتلت مراكز هامة في الإدارة والمجتمع، إذ كان الولاء رابطة سيادة؛ وبعض مؤسسي هذه العائلات دخلوا الأندلس عربا أحرارا أو موالوا بني أمية في المشرق، ثم انتقل ولاؤهم إلى بني أمية بالأندلس (انظر تفصيل ذلك في فجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس، وبخاصة ص ٤٠٨ - ٤١٠) .
س: فرقت.
ط: وله من أخرى عنه إليهم.
س: هم العارفون.
سقط جانب من هذه الرسالة في ط.
ط: حسبناه.
مطموس في س؛ ولم يرد في ط.
لعله يعني بالطالبي " علي بن حمود " فقد قدمه واليًا على سبتة، ثم كان من خروج علي عليه ما كان.
أغلب الظن أنه عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، أموي كان بقرطبة في الفتنة وخرج منها إلى شرق الأندلس، وقد دعا له مجاهد العامري بالخلافة سنة ٤٠٥ (انظر الصلة: ٢٦١ والبيان المغرب ٣: ١١٦) .
المتغير: الخارج في زي العيارين وسلوكهم.
لم يرد هذا الفصل والذي يليه في ط.
انظر التعليق: ١، ص: ١٠٨ إذ كان منذر ممن والوا المستعين ونبذوا خلافة هشام المؤيد.
صاف السهم: حاد عن الهدف.
تبدأ الرسالة في ط من هنا.
ط: قدم.
س: ناصرا.
س: اجترح.
ديوان أبي تمام ٢: ١١٥.
قارن بما ورد في أخبار أبي تمام: ٢٠٣ - ٢٠٥، وبيت عمران من أبيات في زهر الآداب: ٨٥٥ والموازنة ١: ٧٢ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٦٦ حيث ذكر أنها لبعض الخوارج من أصحاب قطري، وذلك أقرب إلى الصواب من نسبة الأبيات والموقف نفسه إلى عمران (انظر شعر الخوارج: ١٦٩ الطبعة الثانية) .
بقية هذا الفصل لم ترد في ط.
ط: بنا.
باغه (أو بيغه كما في س): Rriego تعد ولاية قرطبة وتقع بينها وبين غرناطة (انظر الروض المعطار: ٧٦ من الترجمة الفرنسية) .
ط: بأبي.
س: كف يد.
س: فحنقت.
ط: بمداخلته.
ط: وهمة نفسه.
قارن بما في البيان المغرب ٣: ٣٠.
س: المذكورة، والتصويب عن البيان.
ط: فصار.
س: بالقصة.
ط: فأخبر.
أبو حاتم محمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان (- ٤١٤) كان هو وأخوه أبو العباس أحمد عميدي بيت بني ذكوان منذ أيام المنصور، وكان أبو حاتم صاحب المظالم، حسن السيرة ذا بصر بالفقه (انظر الصلة: ٤٧٧ والبيان المغرب ٣: ٣٢ وترتيب المدارك ٤: ٦٦٧ وديوان ابن شهيد: ٨٩ والنباهي: ٨٦ - ٨٧) .
ذكر في البيان (٣: ٣٢) أن اسمه خلف بن سعيد وأنه كان أحد الموالي صنائع ابن أبي عامر الأندلسيين.
ط: جذبه، والبيان: والقضاء يجذبه.
ط: عتابه.
البيان: ويولي.
هما خلف بن خليفة وحسن بن فتح، كما في البيان (٣: ٣٣) .
ط: منازل عيسى وأصحابه.
س: وقبض جميع.
س: كالتراب.
ط: وأعظم الناس قتله.
ط: وسار منهم خلق كثير إلى الزاهرة ليروا رأسه.
س: آياته.
قارن بالبيان ٣: ٣٥.
البيان: فأولت.
س: عيش غير.
ط: بزور.
س: فالعلم.
ط: الأمر.
س: مخضوب.
البيت في زهر الآداب: ٧ والمسالك ١٤: ٧١، منسوبًا لكثير، وانظر ديوانه: ١٧٦.
اليتيمة: ٣: ١٧٦.
اليتيمة: ذي ملة.
ط س: يرسم، وآثرت ما في اليتيمة لأنه أدق.
أبو المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم (- ٤٣٨)؛ له ترجمته في الصلة: ٣٦١ والجذوة: ٢٧٣ (البغية رقم: ١١١٠) والمغرب ١: ٣٥٧ والمطمح: ٢٢ والنفح ١: ٦١٦ - ٦١٨، ٦٢٠ (نقلًا عن المطمح) ٢: ٧٩ - ٨١.
س: والقمر.
س: تمام الصلة بالعائد.
ط: وحدث.
س: ممتطيًا.
انظر النفح ٣: ١٥٦، وأبو علي ابن الربيب القروي لعله الحسن بن محمد التميمي التاهرتي الأصل، كان عارفًا بالأدب وعلم النسب قوي الكلام يتكلفه بعض التكلف، وكان عبد الكريم النهشلي يعده شاعرًا متقدمًا (انظر المسالك ١١: ٣١٩ نقلًا عن الانموذج) .
النفح: بلادكم إذ كانت؛ ط: بلادكم. (ويتلو ذلك في النفح: علمائهم، أدبائها الخ) .
س: الخارس.
تثعبن الحفاث: اتخذ هيئة الثعبان، والحفاث: حيوان كالثعبان يفح فحيحه ويثب مثل وثبه، ولكنه غير مؤذ (الحيوان ٦: ٣٣، ٣٤٥) .
النفح: وراتب.
زاد في النفح: وإن ألف أن يخالف ولا يوالف.
ناظر إلى الآية: ٣١ من سورة الحج.
هو الشاعر ابن مقبل، الذي يقول في وصف قدح:
غدا وهو مجدول وراح كأنه من الصك والتقليب في الكف أفطح
خروج من الغمى إذا صك صكة بدا والعيون المستكفة تلمح (انظر ديوانه: ٢٨ - ٢٩ وثمار القلوب: ٢١٨) وقدح ابن مقبل يضرب في حسن الأثر.
النفح: دغفل، وهو دغفل النسابة من بني ذهل بن ثعلبة وكان عالمًا بأنساب العرب. (انظر ديوان القطامي: ٣١، واللسان والتاج: عض) .
أبو العميثل: عبد الله بن خليد (أو خالد أو خويلد): أعرابي خدم طاهر بن الحسين تجدد؛ وطبقات ابن المعتز: ٢٨٧ وابن خلكان ٣: ٨٩ - ٩١.
النفح: رحلة.
ط: فالكتب.
فارط القطا: المتقدم منها نحو الورد.
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٧٦ والميداني ٢: ٢٥١.
س:: ومارى.
ناظر إلى قول المتنبي (ديوانه: ٥٠٥):
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش أشغال الجنن: القبر.
باعتمادك الإفك: سقط من ط.
هو لكثير في ديوانه: ٢٢٢ ولعبد الرحمن بن الحكم في الأغاني ١٥: ١١٧ (ط. دار الكتب) والغيث: ٧٠ ويروى لعمرو بن معد يكرب؛ انظر القسم الثالث: ١١.
ط: بآداب.
البيت لقعنب ابن أم صاحب من قصيدة في مختارات العلوي: ٧ - ٩ والحماسية رقم: ٦٠٦ (شرح المرزوقي: ١٤٥٠)، وعقنب شاعر إسلامي كان موجودًا أيام الوليد ابن عبد الملك (٨٦ - ٩١) .
ط: والأكياس.
ط: وتعمد.
س: أبو الحسن.
ديوان المتنبي: ١١١.
راجع ترجمة بن طاهر في القسم الثالث من الذخيرة: ٢٤ وكذلك ترجمة ابن عبد العزيز: ٤٠.
انظر رسائل البديع: ٨٤ وزهر الآداب: ٧٣٢.
وقلت أهذا الطامع مغناها: سقط من ط.
س: نسيانك.
ط: فتفيت.
هذه قراءة تقديرية، إذ اللفظة لم ترد في ط، ووردت في س: بنك؛ والخب: الخداع.
انظر فصل المقال: ٣٥٧ والميداني ٢: ١٠ والفاخر: ٩٠ والضبي: ٧.
ط: جوارحه.
س: وهوى.
ستأتي ترجمته في هذا القسم من الذخيرة.
هو علي بن محمد بن منصور بن بسام المعروف بالبسامي (- ٣٠٢ أو ٣٠٣)؛ انظر ترجمته في الفهرسيت: ١٥٠ (فلوجل) ومعجم المرزباني: ١٥٤ وتاريخ بغداد ١٢: ٦٣ ومعجم الأدباء ١٤: ١٣٩ ومروج الذهب ٤: ٢٩٧ واعتاب الكتاب: ١٨٨ ووفيات الأعيان ٣: ٣٦٣ والفوات ٣: ٩٢ واللباب (البسامي) والهدايا والتحف: ١٣٩.
س ط: ابنه.
هنا تعود النسخة ب فتشترك مع ط س.
تكررت هذه القصة في القسم الثالث من الذخيرة: ٤٩٨.
ط: فرثاه بالقصيدة التي يقول فيها.
البيت من قصيدة أوردها المبرد في الكامل ٤: ٦٢ وانظر طبقات ابن المعتز: ١٢٢ - ١٢٤ ونهاية الأرب ٣: ٨٣.
ط: عبد المجيد.
انظر الذخيرة ٣: ٦٦٩.
المطمح: ٨٩ والنفح ٧: ٥٥ (نقلًا عن المطمح) .
المطمح: ضرجت؛ النفح: صوحت.
النفح والمطمح وب: وجد.
ط: ولأبي الحسن هذا.
ط: ياذا.
شروح السقط: ٢٨.
شروح السقط: ١٦٠، باختلاف في الرواية.
سترد ترجمته في القسم الثاني.
نسب البيت في س ب إلى ابن عبد الغفور أيضًا.
ترد ترجمته في القسم الثاني.
س ب: نفضت عليه صباغها.
ترجمته في القسم الثالث: ٨٢١.
س ب: سمراء.
انظر ترجمته في القسم الثالث: ٤٤٨.
ديوان ابن الجهم: ١٦٢ عن شرح المقامات ١: ١٣١.
ديوانه: ٣٦ والغيث ٢: ٣٤٥ ونهاية الأرب ٢: ٣٩ وشرح المقامات ١: ١٣١.
في النسخ: بمقلة.
زهر الآداب: ٢٢٩ - ٢٣٢ وابن بسام هنا يتابعه؛ وفي ط: وأبو حفص الشطرنجي قبله القائل.
ط: البصائر.
ديوان أبي نواس: ٢٥٠.
ب س وزهر الآداب: فضائلها.
زهر الآداب: ولم نختبر ولم نذق.
زهر الآداب: ٢٣٢ والصناعتين: ٢٠٦ والموازنة ١: ٨٣ وأخبار أبي تمام: ٢٢٠.
لم يرد هذا الفصل في ط.
ب س: وللعرسيين.
حرصًا: لها وجه من معنى، ولعلها أن تقرأ " ترصا " وهو الأحكام.
ب: ظلم.
ب س: بأديب.
في ط ب س: الاندال، وبهامش ط: الأذيال.
ط: اللعب.
ط: أجنب.
ط: غريب.
وحالي حال فلان: سقط من ط، وجاء في موضعه: " وفي فصل منها ".
ط: تلبسه.
البختج: العصير المطبوخ، والحب: وعاء مثل الدن.
ط: والتمهد.
سقط هذا الفصل والذي يليه من ط.
ديوان المتنبي: ٤٧٨.
س ب: يولي.
ط: أتت.
ط: وهو.
ديوان المتنبي: ٢٧١.
ديوان المعتمد: ١٠.
ط: النثر والنظم.
ديوان ابن هانئ: ٣٠.
سقط هذا الفصل من ط.
الأبس: التحقير؛ وربما كانت " الألس " أي الكذب والغش.
ديوان المتنبي: ١٤.
البيت للعباس بن الأحنف، ديوانه: ٨٤ (رقم ١٥٩) والشعر والشعراء: ٤٧٦، ٧٠٧، وروايته: أشكو الذين.
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النميري القرطبي (- ٤٦٣)؛ انظر ترجمته في ابن خلكان ٧: ٦٦ وترتيب المدارك ٤: ٨٠٨ وتذكرة الحفاظ: ١١٢٨ والصلة: ٦٤٠ والجذوة: ٣٤٤ (وبغية الملتمس رقم: ١٤٤٢) والمغرب ٢: ٤٠٧ والديباج المذهب: ٣٥٧.
ديوان المتنبي: ٥٢٦.
س ب: أعلام.
ط: كنا نروي.
ط: من مقابح يحليها (اقرأ: يجليها) العار ويكشفها.
ط: يخاطب.
ديوان أبي نواس: ٣٢٥.
ط: لسهم؛ ولعل الصواب: " لا مدب فيها لسهم ".
ط: ارفق.
ط: ولعالم.
ط: ومكابدة.
ط: مدارسهم.
الجربياء: الريح التي تهب بين الجنوب والصبا؛ وقيل هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور، وقيل هي ريح شمالية باردة.
ط: وقلت في كتابك " واتأخها ".
انظر نفح الطيب ١: ٧٩.
تمثل به وأبو المغيرة، وهو للأشل البكري الأزرقي كما في البيان ١: ٤٢ والكامل ١: ٣١ وشعر الخوارج: ١٣٠.
من قول قاتل محمد السجاد:
يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم النفح: تلينهم.
ديوان البحتري: ١١٣٣.
ترجمة أبي محمد في الجذوة: ٢٩٠ (البغية رقم ١٢٠٤) والصلة: ٣٩٥، وطبقات الأمم: ٨٦ والمطمح: ٥٥ والمغرب ١: ٣٥٤ والمعجب: ٣٠ وتاريخ الحكماء للقفطي: ١٥٦ وتذكرة الحفاظ: ١١٤٦ ومسالك الأبصار (ج -: ٨) ونفح الطيب ١: ٧٧ ومعجم الأدباء ١٢: ٢٣٥ وعبر الذهبي ٣: ٢٣٩ والشذرات ٣: ٢٩٩ وابن خلكان ٣: ٣٢٥ وفي طوق الحمامة أخبار كثيرة عنه، وقد كتبت عنه دراسات كثيرة في العصر الحديث.
ط: وله في ذلك عدة تواليف.
هذه التهمة موجودة في طبقات صاعد: ٨٦.
ط: على.
هو داود بن علي بن خلف (- ٢٧٠) أصبهاني الأصل، نشأ ببغداد، وأوجد القول بالظاهر فاستقل بمذهب بعد أن كان شديد العصبية للشافعي (انظر ابن خلكان ٢: ٢٥٥ وتاريخ بغداد ٨: ٣٦٩ والفهرست: ٢١٦ وطبقات السبكي ٢: ٤٢ وتذكرة الحفاظ: ٥٧٢) .
ط: واستسناده.
ط: يرقه.
ب: متلقنه.
لبلة (Niebla) في الجنوب الغربي من إسبانيا؛ انظر الروض المعطار، الترجمة الفرنسية: ٢٠٣ والموسوعة الإسلامية؛ وابن حزم من قرية قريبة منها تدعى منت لشم.
ط: العلم.
ط: فيهم.
ط: المناظرة.
ومزقت لسبيله: لم يرد في ط.
ط: وبالأندلس.
في بعض هذا جانب من الغرابة، فابن حزم في رسالة في أسماء الخلفاء والولاة يعتقد بإمامة ابن الزبير ويقول في مروان ابن الحكم " وهو أول من شق عصا المسلمين بلا تأويل ولا شبهة وبايعه أهل الأردن وخرج على ابن الزبير " (جوامع السيرة: ٣٥٩، وانظر نقاشنا في المقدمة: ١٢ لهذا القول أيضًا) ويقول ابن حزم أيضًا في المحلى ١: ٢٣٦ " مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ".
نشر هذا الكتاب في خمسة أجزاء (القاهرة: ١٣١٧ - ١٣٢١) .
هو رسالة نشرتها مع مجموعة من رسائله (انظر الرد على ابن النغريلة: ١٣٧)؛ القاهرة ١٩٦٠.
أكثر النقل عنه ابن رضوان في كتاب " الشهب اللامعة "، واستخرج الأستاذ إبراهيم الكتاني ما أورده ابن رضوان ونشره مستقلا.
هو رسالة في صورة " مذكرات " (انظر رسائل ابن حزم ١١٣ - ١٧٣) القاهرة ١٩٥٤. وقد نشرتها السيدة ندى طومش وترجمتها إلى الفرنسية. (بيروت: ١٩٦١) .
من هذا الكتاب قطعة بدار الكتب المصرية.
ابن عباد: سقطت من ط.
ط: الراقبين.
جذوة المقتبس: ٢٩١ - ٢٩٣.
هو أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن بشر بن غرسيه، ويعرف بابن الحصار، كان عالمًا بارعًا متفننًا في العلوم، ولاه علي بن حمود قضاء الجماعة صدر سنة ٤٠٧ وبقي في منصبه حتى سنة ٤١٩ حين عزله المعتد، وتوفي سنة ٤٢٢ (الصلة: ٣١٣ والجذوة: ٢٤١ والبغية رقم: ٩٩٣) .
ط: ومن شعره ما أنشد الحميدي في كتابه.
ط: للعبد قصة.
لم يرد هذا في ترجمة ابن حزم من جذوة المقتبس.
ورد البيت في الأغاني ٢٢: ٥٢ والغيث ١: ١٤٧ لأبي حفص الشطرنجي.
انظر النفح ٢: ٨٢ - ٨٣.
ديوان أبي تمام ٣: ٣٣٨.
ديوان البحتري: ٦٣٣.
ديوان الصنوبري: ٤٠٣.
اليتيمة ٢: ٤٠٢ وابن خلكان ٤: ٥٢، ٤٠٧.
يبدو وكأنها معارضة لابن زيدون، انظر ديوانه: ٤٧٩ - ٤٩٨.
ط: نبيت.
ط: الليل.
ومنها: سقطت من ط.
العراص: الرمح حين يكون لدن المهزة.
ط: ميعاد الخليل.
القنعاس: الجمل العظيم الضخم.
منكوتًا: مطروحًا.
ط: فشككت.
ط: وعتيبة وابن الحباب؛ س ب: وعتيبة بن أبي الحباب.
ديوان أبي تمام: ٢٠٥ وفي الديوان: دفع الإله؛ وفي بعض أصوله " خلى " موضع " جلى ". وذو النون سيف كان لعمرو بن معد يكرب، وروي أنه كان لمالك بن زهير سيف بهذا الاسم.
راجع أخبار منذر بن يحيى التجيبي في البيان المغرب ٣: ١٧٥ - ١٨١ وأعمال الإعلام: ١٩٦ - ٢٠١ والمغرب ٢: ٤٣٥ وبروفنسال ٢: ٣٢١ - ٣٣٠ ودوزي (Span. Ish Is.) ٥٦٨ - ٥٦٩ وقد نقل دوزي هذا الفصل عن الذخيرة في كتابه Recheres (الملحق رقم ١٤ ص ٣٥ من الملاحق) .
جاء هذا الفصل في ط كثير الحذف؛ وقارن بما في البيان المغرب.
ط: وقرفه.
البيان: وسدها بيسير.
ط: واعتقب.
ط: عقداه بحضرة منذر.
ط: وهوى اثره ريمنده.
ط: مدوش.
ط: وابن أزداق.
ب س: هشام.
ط: فأوطن.
تطيلة (Tudela) على بعد ٧٨ كيلومترًا إلى الشمال الغربي من سرقسطة (الروض المعطار، الترجمة الفرنسية: ٨٠ - ٨١) .
ط: اجتاز بنا.
ط: لعقد مصاهرتهما.
فخرصتها: أي قدرت عددها تخمينًا؛ ط: فخرستها.
ط: إلى أن.
ط: الطاغية.
ط: شيعهم.
من هنا حتى آخر الفصل سقط من ط.
قارن بالبيان المغرب ٣: ١٧٨، وما نقله دوزي في Recherches (الملحق رقم: ١٦ ج - ١، ص ٣٩ من الملاحق) ويلاحظ أن البيان يتفق في المحذوف من النص مع النسخة ط.
البيان: عبد الله بن الحكم.
ب س ودوزي والبيان: خدم السوء.
البيان: دفع عنه.
ط: حاسرًا.
البيان: عصاه.
ب س ودودزي والبيان: وتوطيدًا.
واضطربت لها حالهم: سقطت من ط والبيان.
ط: من جاورهم.
ط: في جمعه.
ط: وسارع إلى سرقسطة إذ فجأه الخبر؛ البيان: حين مجيئه (اقرأ: فجأه) الخبر.
ب س ودوزي: التقدير.
ط: رياسة الملك؛ البيان: لحق طعمه الملك.
ط: للناس.
ط والبيان: عن قاضي.
ط: مرسل؛ ب س: مزمل.
روطة اليهود: (Rueda de Jalon) في ولاية سرقسطة. وهذه التسمية تميزها عن ورطة ثانية في ولاية وشقة وعن روطة ثالثة في ولاية قادش.
ط: يرتصد.
ط والبيان: مع نفسه أخوين لمنذر.
انظر عن الحماديين، تاريخ ابن خلدون ٦: ١٧١ - ١٧٧ وقد حكم بلقين بن محمد ٤٤٧ - ٤٥٤ حيث قتل على يد الناصر بن علناس.
من قول الشاعر:
يغضي حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم س ب: شرود.
ب س: وتطارح.
ب س: المقلقلة.
ط: راحة.
ط: إلى غرب العدوة.
ط: وليفتكن.
ط: أنه.
ترجمة ابن شهيد في المطمح: ١٦ والمطرب: ١٤٧. واليتيمة ٢: ٣٥ والجذوة: ١٢٤ (والبغية رقم: ٤٣٧) ومعجم الأدباء ٢: ٢١٨ واعتاب الكتاب: ٢٠٣ وابن خلكان ١: ١١٦ والمغرب ١: ٧٨ والخريدة ٢: ٥٥٥ والوافي ٧: ١٤٤ والمسالك ١١: ٢٠٦ وقد جمع شعره كل من يعقوب زكي (القاهرة: ١٩٦٩) وشارل بلا (بيروت: ١٩٦٣) ولشارل بلا محاضرات عنه (عمان: ١٩٦٦) وانظر فصلا عن ابن شهيد في كتابي " تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة: ٢٧٠ الطبعة الثانية.
ط: شيخ قرطبة.
ط: في غير مكان.
ب س: الحادة.
من رجل قبيحة: سقط من ط.
ب س: ماله.
يتحدث ابن بسام في القسم الثالث: ٢٤٩ عن المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن أبي عامر الذي كان يلقب أيضًا بالمنصور ثم سماه خليفة قرطبة القاسم بن حمود " المؤتمن ذا السابقتين " وقد ظل واليًا على بلنسية حتى سنة ٤٥٢ وخلفه ابنه عبد الملك (وانظر أيضًا البيان المغرب ٣: ١٦٤ - ١٦٥) .
ب س: برد.
ط: المصفر.
ط: يجزء من أجزائها.
ب س: يدعونه بشاكر.
ب س: البذل والعطاء.
ط: نجب.
ط: تمكن.
ط: قال.
ط: أدلي.
الزوج من البقر أو البغال المتخذة للحرث، ثم تكون الالة اللفظة على مقدار من المساحة.
ط: ومنتقاه.
ط: جاء.
الديوان (يعقوب زكي): ١٥٥ ويضاف إلى مصادر تخريجها الوافي ٧: ١٤٦.
الوافي: الغيد.
ب س: والوافي: وأزعج.
ط: فتضامنت.
المسالك: الحماحم.
الوافي: صبر على حرب المسالم؛ ط: حرب على جرد المسالم.
ط: أجياد.
ط: والقصف؛ المسالك: وانقضت اللوائم.
كذا في الأصول والمصادر، وأرجح أنه " الإباية ".
ب س: أيقنت؛ والصواب ما أثبته، والمعنى أنني طرحت له الأخذ وهي جمع أخذة ومعناها رقية تشبه السحر، ومما يقوي هذا قوله بعد ذلك: " وتلوث من سور العزائم ".
ط: حبات؛ المسالك: مأمول.
الوافي: القوادم.
ط: بالسحر.
ط: أغن.
الخبعثنة: الرجل العظيم الخلق؛ الوثيق الخلق، الجرئ.
ب س: زحام المزاحم.
الدآدي: الليالي الثلاث الأخيرة من الشهر.
ط: بالغرو.
ط: مرت.
ط: ويستحلب.
ط: صوجا؛ س: صرما.
ط: موجًا؛ ب: قهره.
ب س: شوهاء.
ب س: ورفلت؛ ط: وأرفلت.
ب س ط: وحسبت.
لخلخ: طيب.
ط: تشريطه.
ط: وصوبت.
زاد في ط: منها.
س ب، أريحية كأريحية الشباب.
زاد في ب س: فوادهما أنك من نيله والحقني أنك من نسله.
ط: المملوك.
الديوان: ١٦٥.
ط: دعون.
ب س: صلفًا.
ب س: غرابهم.
ط: موشحًا.
ط: بعمانها.
ب س: هاديكما.
ط: ساقط.
ب س: يدي.
ب: دونهانها؛ ذوبانها.
ب س: مخلوع.
ط: شهم.
انظر الديوان: ١٦٨ ولم ترد إلا في الذخيرة.
ب س: عبثت.
ط: ترضيت.
البيتان لابن الرومي في ديوان المعاني ٢: ١٨٩.
ب س: الشباب.
ديوان ابن شهيد: ١١٦.
في النسخ: وغزير بغزيره؛ ولا معنى له؛ وفي اللسان (غرر) عيش غرير: أبله لا يفزع أهله؛ اما " غرير " الثانية فتعني الغلام الحدث السن.
ط: بنقش؛ ب: بحسن.
ط: عن متعرف؛ وأرى صوابه " غير معقر " - بالقاف - أي غير دهش ولا متهيب.
ب س: كالميت مطروحًا.
ط: فملكته.
ب: بجدوره؛ س: بحدوره.
ط: تأثيره.
ديوان ابن شهيد: ١٧٨.
ب س: النجعة؛ ولا أراه صوابًا، لأنه بعد ثلاثة أبيات يقول: " فعلمنا أنها نفحة من ورث الجود ".
ب س: وأسير.
ط: حشرها.
س: دأبنا.
ط: فإنا.
ب س: على الأستاه.
ارجح أنه هو جعفر بن فتح، قدمه صاحبه محمد بن الفرضي أبو عبد الله وزير يحيى بن علي بن حمود (٣١٢ - ٣١٣) كما قدم أبا القاسم ابن الأفيلي؛ (البيان المغرب ٣: ١٣٢) وكان ابن شهيد يعدهم خصومًا له؛ وسيأتي الحديث عن ابن الفرضي فيما يلي.
ط: تطول.
الديوان: ١٦٤ (عن الذخيرة وحدها) .
ط: حدهما.
كذا ولعل الصواب " وخبئ ".
ب س: قميار.
ناظر إلى الآية: ٦٥ - ٦٦ من سورة البقرة.
ب ط: القلات.
انظر الآية: ٨٢ من سورة هود.
في النسخ: الكرنجات؛ والكيرنجات: أدوات في شكل عضو الرجل (كير بالفارسية: عضو الذكر)؛ انظر محاضرات الأدباء ٣: ٢٧٢ (وقد صحفت هنالك " كير بيخات ") .
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٢١٩ والميداني ١: ٣٤٤ وجمهرة ابن دريد ١: ١٥٤، ٢: ٢١٧.
الموم: البرسام.
ارتبك: نشب ولم يكد يتخلص.
كذا في ب س؛ وفي ط: لصحبته، ولعله أن يقرأ: لصبحته الرمك، أي الخيول؛ والرهك - بتسكين الهاء - الطحن بين حجرين.
انظر الميداني ١: ١٦٥ وسرح العيون: ٤٣٠.
ب س: سره.
ط: وصفاق.
أي أن حمزة بن عبد المطلب عم النبي قتل على يد وحشي، وكان عبدًا حبشيًا، وبسطام بن قيس سيد بني شيبان قتله عاصم بن خليفة، وكان يعد في البلهاء.
ديوان ابن شهيد: ١٤٦ (عن الذخيرة وحدها) .
اليتيمة ٢: ٤٦.
اليتيمة ٢: ٤٧.
اليتيمة ٢: ٤٧.
الديوان: ١٥٠ (عن الذخيرة وحدها) .
الديوان: ٨٧ (عن الذخيرة وحدها) .
في النسخ: ولم يثنيه.
وكتب الوزير أبو مروان في تراب: سقط كله من ط.
هذا النص متصل في ط بقوله: " وكسرى فتك به مرازبة له "، دون أي فاصل، وكأنه تتمة للحديث عن الفرضي والتحذير منه.
ط: وعندها.
ب س: العلم.
يوالس: يخادع ويداهن.
الرزدق: الصف من الناس.
س ب: فاستحقوه (اقرأ: فاسحقوه) .
ب: بالبرق.
ط: يرقو ويصفو.
ط: نفس.
ط: أستوثقه.
ط: حبالنا.
ط: وضع.
ديوان ابن شهيد: ١٣٨ (عن الذخيرة وحدها) .
ط: بسعد.
ط: تخرق.
ديوان ابن شهيد: ١٦٩ (عن الذخيرة وحدها) .
ط: عبثه.
ط: بدا.
ط: يومًا ترى.
ب: صبيحته؛ ط: صبيته.
ط: وتنافرا.
ط: وليقضي.
س: كذبه وانحائه علي.
س: خلو.
ط: ولذا.
ط: ترى.
البلينة: الحوت.
ط: لتصرف.
س: الأشباه.
ط: على المخلوق أحسن من تقى الخ.
س: موف على ذروة العقل.
س ب: كميتا.
الكران: العود وقيل الصنج.
ط: ومصرخ.
سقط هذا الفصل من ط.
ط: الانتساب.
ط: علينا الأيام.
في النسخ: أبو الحبيش، وسوابه ما أثبت، لأنه يتنحدث عن مجاهد، وكنيته " أبو الجيش ".
ط: شهيدي أمتك.
هذا الفصل شديد الإيجاز في ط.
ط: ويستحمل.
في النسخ: إلى الحبيش.
هكذا ورد هذا الاسم في نسخ الذخيرة، وفي المغرب (٢: ٣١) اشكهباط، وفي النفح (٢: ٩٥) اشكنهادة؛ واسمه محمد بن قاسم، وكنيته أبو بكر، وهو ممن شهد الفتنة، ثم استقر آخرا في دانية عند مجاهد العامري.
ب س: الأرض.
الحش: أن يريش الرامي سهمه ويلزق به القذذ، استعدادا للرمي؛ ومثل هذا لا بد له من سداد وثبات جنان، أما الرعدة فإنها لا تتفق وهذا الحش لأنها تسبب طيش السهم عند الرمي.
التقصص: التتبع، أي تتبع معاني الآخرين.
هذه قراءة تقديرية، والمعنى أن الغرب بطبعه لا يصلح للسهام، فإذا أعددته ليكون سهما فإن الحز لن يزيد من قيمته؛ كما أن السليط يضيء في قنديل بسيط، ولا يضيء إذا وضع في القصب، وهي أنابيب من الجوهر.
ب: حبلك؛ ب س: أجرا.
س: صناعة الكلام وإصابة
ط ب: بل بالطبع.
النحو والغريب: زيادة من س.
زاد في ب س: ألاعم صباحًا أيها الطلل البالي، وقوله؛ وانظر ديوان امرئ القيس: ٣١.
ديوان أبي نواس: ٤٥.
س: دينارًا.
ط: في الشهر.
س: واشتار من ثغره.
ط: يوسف الاسرائيلي.
وردت الأبيات منسوبة لأعرابي في شرح المختار من شعر بشار: ٢٥٠ وأمالي القالي ٢: ٢٧١ وحماسة ابن الشجري: ١٦١ وأمالي المرتضى ١: ٥٠٠.
المختار: المنقى.
س: بكل شيء حسن.
وزاد في ب س: فانصرف إلي وعرفني بما جرى وسألني أن اكشف له السر فقلت
ب س: قارعت.
ب س: بجميع.
ب س: أضعف (اقرأ: أصعب) .
أي أن العرب يفتخرون بأولئك الذين لا يستطيع أهل الكلام هدم بنيانهم؛ وفي العبارة بعض التواء؛ وانظر حديث الجاحظ (في الحيوان ٢: ٩٣ والبيان ٤: ٤١) عن هجو الشعراء للأشراف.
يعني خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة وكانت الحال بينهما قائمة على المناقشة والمحاسدة؛ وكلمة خالد هذه في البيان ١: ٤٧ قال الجاحظ: وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف.
ط: وسهل بن هارون وأصحابهم.
ب س: ويطيب على قلوب أهله.
ط: عليه.
ط: ويحرر.
س ب: القلائل الأعداد.
س ب: اهتضمها.
ب س: عندنا.
ب س: ينحتون من.
ب س: أفكار.
من أبيات في المختار من شعر بشار: ١٥ والشعر لمحمد بن قرلمان.
ب س: بالألفة.
ط: وتبسيطه.
يعني ابن الافليلي.
ط: البرهان.
ط: الجدال.
ط: قنص.
ب س: ضنانة.
ط: حيث.
في النسخ: حراجيات، والصواب " خراجيات " بالخاء المعجمة، وقد جاء في رسالته ابن عبدون في الحسبة: ٥٠ " يجب أتن ينهى دور الخراج عن كشف رؤوسهن خارج الفندق " فسماهن " نساء دور الخراج "؛ وقال ابن هشام في كتاب لحن العامة: " ويقولون لمن يسكن في الفنادق من النساء: خرجيرات، والصواب " خراجيات " منسوبات إلى الخراج " (انظر مجلة معهد المخطوطات ٣ - ١: ١٥٦) .
لعل صوابه: " وتسمعان ".
ومن العجب هذا كله: سقط من ط؛ وبدئت العبارة بقوله: " ومن الغرائب أنه يسمينا العلج ويسمي البديع ".. الخ.
ط: لشامته.
ط: أظافير.
ط: كان واحدًا في البلاغة.
ط: يلبس.
ط: لسهل.
ب: مما ينسبه.
ب س: ويدير.
ب س: وتجربة.
ب: يحيلوا.
ب س: يقع.
ب س: باعثًا.
ط: قد غص بالطماطم؛ ب س: بالجماجم.
ط: مصدرها.
هو أبو بكر يحيى بن حزم شيخ من شيوخ الأدب، قال الحميدي (الجذوة: ٣٥١ والبغية رقم: ١٤٦٦) وهو الذي خاطبه أبو عامر ابن شهيد برسالة التوابع والزوابع التي سماها " شجرة الفكاهة " وهو من بيت خر غير بيت الفقيه أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم " قلت: إن جهل هذه الحقيقية وهي عدم وجود ايه صلة من قرابة بين أبي بكر ابن حزم والفقيه المشهور، أوقع عددًا من الدارسين في استنتاجات خاطئة حول رسالة التوابع والزوابع (انظر مثلًا: ابن شهيد لشارل بلا س: ٥٤، ٩٥) .
ط: لما رأيت.
ب س: فتساقطت.
ب س: أولى أن له سلطانًا.
ب س: يوقدني.
ط: ثغر.
ب س: إثر.
الحائر أو الحير: المكان المطمئن يجتمع فيه الماء، ثم سموا البستان به.
ب س: على باب.
يعني أنه مكن قبيلة أشجع التي تنتمي إلى الجن مثلما أن صاحبه ابن شهيد من أشجع (الإنس) .
ط: تصورت لك رغبة.
ط: وتذاكرت معه أخبار.
ب س: من اتفق من هذه الطوائف.
ب س: الأدهم.
ط ب: فسرنا.
ط: إلا ما عرضت لنا وسمعت.
الصواب: " قال " - أي زهير.
ديوان امرئ القيس: ٥٦ وعجز البيت: وحلت سليمى بطن قو فعرعرا.
ديوان ابن شهيد: ١٠٧.
ب س: تكنفتها.
السفاسق: طرائق السيف وشطيه.
ط: شجرها شجر سام.
ط: وشجر.
ديوان طرفة: ٧٦؛ وفيه " لهند "؛ والحزان: جمع حزيز، وهو الغليظ من الأرض؛ والشريف: واد بنجد؛ وعجز البيت " تلوح وأدنى عهدهن محيل ".
ديوان ابن شهيد: ١٤٠.
ب س: الجودان؛ وسقط البيت من ط. والحوذان: نبت ينبت مسطحًا في جلد الأرض لازقًا بها.
ط: فقلت.
التليل: العنق.
ط: حتى
ب س: اذهب فقد أجرتك.
ط: بعده.
ديوان قيس بن الخطيم: ٧.
ط: أنشدني يا شمعني.
ديوان ابن شهيد: ٨٢.
ط: إلينا.
ديوان ابن شهيد: ٢١٧.
اليتيمة: خمر.
ديوان ابن شهيد: ٩٧ (اعتمادًا على الذخيرة وحدها) .
في الأصل: تلو، والتصحيح عن الديوان.
ناظر إلى المثل: " في كل واد بنو سعد " أو " أينما أوجه ألق سعدًا "، انظر الميداني ١: ٣٤ والعسكري ١: ٦١ (تحقيق الأستاذ أبو الفضل إبراهيم) .
يلاحظ إيراده " الكون " و" الفساد " في هذا السياق، كأنه يومئ إلى ثقافة فلسفية.
ب س: الموت.
ط: ولن.
ب س: المنون.
ب س: حازم.
ب س، أصاب٤ وأصمى بدارهم.
ب س: يضرب.
الهادي: العنق.
ديوان ابن شهيد: ١٤٧ وهي في رثاء الوزير حسان بن مالك بن أبي عبدة، وكان من الأئمة في اللغة والآداب، روى عن أبي العباس ابن ذكوان مذاكرة، وعمل كتاب سماه " ربيعة وعقيل " في الأسمار، وتوفي قبل العشرين وأربعمائة (الجذوة: ١٨٣ والبغية رقم ٦٦٢) .
المغرب: حين.
المسالك: الرزايا.
ط: بعذري.
ب س: بواطن.
س: عودًا وبدأة.
البيتان لسويد بن كراع، الشعر والشعراء: ٢٣، ٥٣٠ وانظر الأغاني ١٢: ٣٤٥ في ترجمة سويد، والبيان ٢: ١٢.
ب س: ماءورند؛ والناورد هنا بمعنى " الميدان "، وهي من الفارسية ومعناها: معركة، قتال.
ط: على أنه من.
ط: أنيسه.
ديوان البحتري: ٨٣ وعجزه: " في مغاني الصبا ورسم التصابي ".
ديوان ابن شهيد: ٨٥.
المغدودن: المسترخي.
ب س: لبرص.
ب س: على.
ط: أجزت.
ط س: نوافجه.
ب س: أو قد صرنا.
ب س: وأرقلت.
ب س: متشدة.
ب س: شرك.
ب س: وبيمينه.
الطهرجارة: الفنجال أي شيه كأس أو طاس يشرب به.
ط: اقرع أذنيه.
ب س: فصرخت.
ديوان ابن شهيد: ١١٥.
المطمح والنفح: شربت.
المطمح والنفح: يصرف عصيره.
المطمح والنفح: السرور شعارهم.
المطمح والنفح وس: مصفر؛ ب: مصفن.
ب س: لأهدأ تأنيسًا؛ ط: لأشد من تأنيسي.
ديوان أبي نواس: ١٢٨.
ديوان أبي نواس: ٧٥، وعجز البيت: " فلو قد شخصتم صبح الموت بعضنا ".
ديوان أبي نواس: ٨٨ وانظر الذخيرة ٣: ٤٦٣.
ط: تركت.
ديوان ابن شهيد: ١٠٢.
الديوان: أصبيح؛ المطمح: أصباح.
أكثر المصادر: زندًا.
النفح: نعسته.
المغرب: متفتلا.
ب س: عن.
في الأصول: غمك.
المطمح: مائلا لطفًا وأعطاني اليدا.
ب س: مهما.
الديوان: صد لي.
المغرب: أمشي في الكدى.
المغرب: وثناه.
في الأصول: يعرو.
المغرب: خدي.
ديوان ابن شهيد: ١٧٠ (عن الذخيرة وحدها) .
انظر ديوان ابن شهيد: ٨٩ ومطلع هذه القصيدة وارد في ترتيب المدارك ٤: ٦٦٧ (ولم يرد في الديوان) وهو:
إذا لم تجد إلا الأسى لك صاحبا فلا تمنعن الدمع ينهل ساكبا
هوت بأبي العباس شمس من التقى وأسى شهاب الحق في الغرب غاربا والمرثي في هذه القصيدة هو أبو العباس ابن ذكوان (- ٤١٣)؛ انظر ترجمته في الجذوة: ١٢١ (البغية رقم ٤٢٥) والصلة: ٣٧ والمغرب ١: ٢١٠ - ٢١٢ وترتيب المدارك ٤: ٦٦٢ والنباهي: ٨٤ - ٨٧ والحلة السيراء ١: ٢٧ وصفحات متفرقة من البيان المغرب ج - ٣.
ديوان ابن شهيد: ٩٩ وعجز البيت: " يجود ويشكو حزنه فيجيد "؛ وقد كتبها حين سجنه علي بن حمود (انظر المطمح: ٢٠) .
ب س: بعيدهم.
ب س: الظاعنين.
ب س: طربًا.
ب س: عيونك.
ديوان ابن شهيد: ١٢٤.
ب س: بروض.
ب س: كخط.
ب س: وهو ذو قنص.
ب س: حتى لاح لنا.
ب س: حشيت.
ب س: أنك تتناول.
ديوان ابن شهيد: ١٤٢ وعجز البيت: " ورجع صدى أم رجع أشقر صاهل ".
ط: زهوًا؛ ب س: زهرًا.
ط والمغرب: وحلقت؛ ب س: نجمها.
المسالك، حافل.
ب: التمحتهم.
ب س: لم ينجده طيب.
ط: تأتيهم.
ديوان ابن شهيد: ١٦٥؛ وانظر ما تقدم ص: ٢٠٥.
ب س: حتى إذا سمعها.
ط: فلما انتهينا إذا.
ط: به.
ط: فقلت.
ط: بجهل (اقرأ: لجهل) مني.
ط: الكلام.
قد حاولت شرح هذه اللفظة " طولق " في القسم الثالث: ٦٥٣، وفي ظني أن معناها مما جاء في (Vocabulista) لم يتحدد بوضوح: وكلمة " يفرش " هنا قد تفيد أنها حصير أو بساط أو ما أشبه، على أن يقترن ذلك بالشعوذة أو بالدعوة إلى بيع العقاقير أو التكلم ببذاءة، أو غير ذلك من الأمور.
في كلية ودمنة: ٣١ فارقي بهذه الرقية " شولم، شولم " سبع مرات؛ فلعل حركة مشولم هي حركة الراقي وهو يردد لفظة شولم.
ط: ارقهم.
ب س: لما يأتي منه.
ط: للبيان لعصبا (اقرأ: لعصيانا) .
ب س: العير.
ب س: بفكيك.
ط: رسائلي.
ب س: فبال.
اللمص: الفالوذج.
الشوابير: جمع شابورة، وهي السمكة أو نوع من السمك، ولم يتضح لي ماذا يعني ذلك في السياق.
ط: القبيطي؛ وهو صواب أيضًا.
ب س: لا يؤذي على.
ب س: غير.
ب س: فصاح.
ب س: وهل هنا.
ب س: وهل هنا.
في أخبار ابن القوطية أن ابن هذيل لقيه عائدًا من ضيعة له بسفح جبل قرطبة، فسأله:
من أين أقبلت من لا شبيه له ومن هو الشمس والدنيا له فلك فأجابه:
من منزل يعجب النساك خلوته وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا (انظر ابن خلكان ٤: ٣٦٩) فلعل ابن القوطية تمثل به، وغير في بعض لفظه.
تبصان: تلمعان؛ ب س: بنصران.
ب س: آخرها؛ ط: مناخيرها.
ب س: النعام.
ب س: مرجعًا.
ط: عيبه.
ط: تجاري.
ط: داراهما.
يمكن القول إن أبا بكر هو ابن حزم الذي خاطبه في أول الرسالة، لأنه هو الذي اقتصر على قوله: " له تابعة تؤيده " كما سيجسء القول، وأما ابن القاسم فقد صرح بأنه ابن الإفليلي، ويبقى الثالث وهو أبو محمد، وليس لدي ما يعين على التعرف إليه.
ديوان ابن شهيد: ١١٤ والنفح. ٣: ٤٣٩ والمسالك.
النفح والمسالك: فأعجزهم.
البيت للحطيئة، ديوانه: ١٢٨.
ط: فقال.
ب س: سكتته (اقرأ: شكته) .
تكسر: تقاس مساحتها وتقدر.
اليتيمة ٢: ٤٦.
الشونيزة: الحبة السوداء.
ط: أوثقتها.
اليتيمة: كل كافر ومسلم.
ب س واليتيمة: أحقر.
اليتيمة ٢: ٤٧.
قاتل حذيفة هو قيس بن زهير.
ب س: موصوفًا.
ب س: سرد (اقرأ: سدد) .
اليتيمة ٢: ٤٦.
برهوت: واد أو بئر بحضر موت يرون أنها مقر أرواح الكفار.
ديوان ابن شهيد: ١٢١.
ديوان ابن شهيد: ١١٩.
ط: من.
ب س: الصعب.
ب س: الليل.
ط: خبيث.
ط: مهانة.
ب س: تابعة.
الطرمذة: المفاخرة والتنفج.
ديوان أبي تمام ٤: ٣٨٦.
الديوان: صحيفة.
الديوان: هل أنت.
أخبار أبي تمام: ١٩٤ - ١٩٩، وانظر الشعر في ديوانه ٤: ٤٦٣.
الصولي: لو كان هذا منظومًا خفتاه، أما منثورًا فهو عارض لا حقيقة له.
الصولي: والذكر.
الصولي: مضطرب الأحشاء؛ الديوان: مشتغل الأحشاء.
ب والصولي: دن.
الصولي: محقًا.
أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكرياء القرشي الزهري المعروف بالإفليلي (٣٥٢ - ٤٤١)؛ انظر ترجمته في الصلة: ٩٤ وأنباه الرواة ١: ١٨٣ والجذوة: ١٤٢ والبعية رقم: ٤٨٥ ومعجم الأدباء ٢: ٤ وابن خلكان ١: ٥١.
ط: النياقي (اقرأ: اليناقي)؛ وفي ب س: السباسي، وفي ابن أبي أصيبعة (٢: ٤٧) البسباسي؛ والشبانسي هو قاسم بن محمد القرشي المرواني، ذكر ابن حزم أنه قرف وشهد عليه عند القضاة بما يوجب القتل فسجن، ثم تشفع إلى المنصور ابن أبي عامر فاطلقه (الجذوة: ٣١٠ والبغية رقم: ١٢٩٦) .
الحمار هو سعيد فتحون السرقسطي، وقد ذكر أنه امتحن من قبل المنصور وسجن مدة (انظر الجذوة: ٢١٦ والبغية رقم: ٨١٣ وطبقات صاعد: ٦٨ والذيل والتكملة ٤: ٤٠ وبغية الوعاة: ٢٥٦) .
موسى بن الطائف: ذكر الحميدي (الجذوة، ٣١٧ والبغية رقم: ١٣٢٥) أنه كان شاعرًا مشهورًا أيام المنصور بن أبي عامر، ونسب إليه الأبيات " لا تنسى من سحتك المكسوب " وهي أبيات أوردها ابن بسام في القسم الثالث: ٣٢٠ - ٣٢١ لابن مهروان السرقسطي، وانظر هجائه هذا في الغيث ٢: ١٢٣.
ب س: تعلم.
بيت الأفوه في ديوانه (الطرائف الأدبية: ١٣) والخزانة ٢: ١٩٦ وزهر الآداب: ١٠٠٠ والصناعتين: ٢٢٥ والوساطة: ٢٧٤.
انظر ديوان النابغة: ٥٧، وزهر الآداب: ٩٩٨ والصناعتين: ٢٢٥ والوساطة: ٢٧٤ والمطرب: ١٦٢.
ديوان أبي النواس: ٦٩ وزهر الآداب: ٩٩٨ والصناعتين: ٢٢٦ والوساط: ٢٧٤ والمطرب: ١٦١.
ديوان صريع الغواني: ١٢ وزهر الآداب: ٩٩٨ والصناعتين ٢٢٦ والمطرب: ١٦٢.
ديوان أبي تمام ٣: ٨٢ وزهر الآداب: ٩٨٨ والصناعتين: ٢٢٦ والوساطة: ٢٧٤ والمطرب: ١٦٢.
ب س: الفرسان.
ديوان المتنبي: ٢٤٧ والمطرب: ١٦٢.
ط: كما.
أورد ابن خلكان (١: ١١٧) بيتين من هذه القصيدة ونسبهما لابن شهيد، ولعله تابع في ذلك صاحب المطرب: ١٦١؛ ونرى ابن شهيد هنا ينسب الأبيات إلى جني اسمه فاتك ابن الصقعب، فهل هو يعني نفسه؛ إن جنيه هو زهير لا فاتك، فهل كان له غير تابع واحد - يبدو ذلك، لأن هذا الجني نفسه هو الذي استطاع أن يأخذ معنى امرئ القيس " سموت إليها " البيت، وأن يحله في أبياته " ولما تملأ من سكره "؛ وهذا امرئ القيس من فعل ابن شهيد والأبيات ثابتة له؛ فلماذا اختار ابن شهيد في هذا الموقف أن يكون له تابعان - وقد أدرجت الأبيات العينية في ديوان ابن شهيد: ١٢٣.
ط: حولي.
ديوان امرئ القيس: ٣١.
ديوان عمر: ١٢٣ وفيه " خشية القوم ".
ب س: بركن أزور كركن أزوركم ذلك.
ب س: لتنبسط.
البيتان لإسماعيل ابن يسار من قصيدة له في الأغاني ٤: ٤١٧ وذكر أبو الفرج (٤١٨) إن فيهما غناء لابن سرفج، وأنه غنى بهما في حضرة الوليد بن يزيد؛ وانظر أيضًا الأغاني ٩: ٢٨١ - ٢٨٢، ٢٨٤
حتى إذا الليل خبا ضوءه وغابت الأغاني (٩: ٢٨١) .
الأغاني: خفي.
ب س: فقلت.
ب س: لتخلص.
ب س: وملت.
ب س: دنا فالتمس.
انظر الأغاني ٩: ٢٨١ - ٢٨٢.
ب س: به، وأثبت رواية ط والأغاني.
نسب هذا الشعر لوضاح اليمن، انظر الأغاني ٦: ٢٠٣ - ٢٠٤، وروايته: قالت لقد أعييتنا حجة، فأت البيت. وانظر الفوات ٢: ٢٧٢ في ترجمة وضاح اليمن (واسمه عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال) وتهذيب ابن عساكر ٧: ٢٩٥.
ب س: جاريت.
ديوان المتنبي: ٣٠٢.
انظر ما تقدم ص: ٢٤٩.
ديوان المتنبي: ٤٧٩.
ديوان ابن شهيد: ٩٥.
ط ب: أتينا.
ب س: لحومها.
ب س: كان ملء.
ب س: عمن.
ديوان المتنبي: ٣١٨.
ديوان المتنبي: ٥٤٠ - ٥٤١.
ديوان المتنبي: ٢٩٤؛ وفي ط: كل ظام.
الديوان: في الوغى.
ب س: مما.
ط: استعزمت.
انظر ما تقدم ص: ٢٠٩.
ب س: همتي.
ديوان ابن شهيد: ١٣٧.
ديوان ابن شهيد: ٩١.
ديوان ابن شهيد: ١١١ (عن الذخيرة) .
ب س: كصابي مظافر.
ب س: ولو أن لي في الجو كسرًا.
ب س: لم.
ط: الخطائر.
العناني: جمع عناز؛ جاء في الامتاع والمؤانسة (٢: ١٧٤):
أبو العباس قد حج وقد عاد وقد غنى
وقد علق عنازًا فهذا هم كما كنا وشرح المحققان العناز بأنه طبل كان يعلقه المخنثون وأصحاب الغناء في أعناقهم؛ ويقترح محققو هذا القسم من الذخيرة أن تقرأ اللفظة " عثانين ".
استمده من قول الشاعر:
رويدك حتى تنظري عم تنجلي عملية هذا العارض المتألق ب س: ببلجة.
ب س: أخا.
ط ب: فكة.
ديوان ابن شهيد: ١٥١.
ط: بفصل.
ط: تقضهني (اقرأ: تعضهني) .
ب س: الهمم.
المطمح: كلفت؛ ولعل صواب القراءة هنا " ألمت ".
نيطة: اسم موضع.
ب س: سائر.
ترجمة عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد والد أبي عامر في الجذوة: ٢٦١ (البغية رقم: ١٠٥٧) .
ذكر ابن سعيد أخا أبي عامر دون أن يسميه وأنشد له ثلاثة من الأبيات السابقة (المغرب ١: ٨٦) .
ذكر ابن سعيد أيضًا عم أبي عامر دون أن يسميه وأورد له الأبيات (المغرب ١: ٨٥) .
البيتان " أتيناك لا عن حاجة " وردا في ترجمة أحمد بن عبد الملك بن عمر، وهو جد أبي عامر، وفي المطمح: ٩ (وعنه نفح الطيب ١: ٣٨٠ - ٣٨٢) والجذوة: ١٢٣ (البغية رقم: ٤٣٩) والحلة ١: ٢٣٧.
الجذوة (٢٦٧): من خشية.
هو عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد؛ ترجم له الحميدي في الجذوة: ٢٦٧ (البغية رقم ١٠٧٢)، وأورد له ثلاثة أبيات مما نسبه أبو عامر.
ط: تأبى.
ديوان ابن شهيد: ١٠٦ (عن الذخيرة وحدها) .
ب س: ناجيته.
ط: عربيًا.
س: ففهمت.
ط: ونتعهد.
ب س: الأدب.
ب س: الوحش.
ب س: تميمة.
ب س: فاستضحك.
ط: فانصرفت رضية.
ط: الطائر.
ب س: ولا تحكم في الأصول.
ط: ما حكم.
ط: بك.
يريد النبي إبراهيم.
ط: فتكلمت.
هذا الفصل كله حتى قوله: انتهى كلام ابن حيان، لم يرد في النسخة: ط.
ديوان ابن شهيد: ١٢٦ (عن الذخيرة وحدها) .
ب س: شكوت.
ستأتي ترجمته في هذا القسم من الذخيرة.
بدائع البدائه: ٢٥٥ ونفح الطيب ٣: ٣٤٨ وديوان التطيلي: ١٤٥.
انظر المصادر السابقة.
في النفح ٣: ٣٤٧ أن البيت الثاني للأعمى إجازة.
ورد بهامش ب ١٣ بيتًا لابن دراج في وصف الحمام، وهي قصيدة في ديوان: ٢٥٢ - ٢٥٣ في مدح يحيى بن منذر، ويستطيع القارئ أن يراجعها هنالك، ولا داعي لاثباتها.
ديوان ابن شهيد: ٩٤ وبدائع البدائه: ٣٥٣ والنفح ٣: ٢٦٠ وأخطأ ابن ظافر وتابعه المقري، إذ جعل صاحب المجلس هو الحاجب المظفر نفسه لا ابنه.
قال أبو عامر وابن حيان: كذا جاء، ولعل الصواب: قال ابن حيان، وجاءت " أبو عامر " سهوًا.
من هنا تعود نسخة ط إلى الاشتراك من ب س.
بدائع البدائه: ٨٣ - ٨٤ والنفح ٣: ٦١٠ - ٦١١.
في النسخ: جلي، وأثبت ما في البدائع والنفح.
النفح: ولا ترام.
ب س والنفح والبدائع: الدواة.
ط: سماه؛ وإدريس هو ابن اليماني العبدري اليابسي، وقد أثبت ابن ظافر (بدائع البدائه: ٨٤) أبياتًا هجا فيها إدريس أبا جعفر ابن عباس.
ديوان ابن زيدون: ٥٩٣ (نقلا عن الذخيرة) .
ط: جرى.
ط: في الألثغ.
انظر ابن خلكان ٦: ٩، ٧: ٢٢٧.
أبو القاسم حسين بن وليد بن نصر المعروف بابن العريف (- ٣٩٥) قرطبي كان عالمًا بالنحور والعربية، له رحلة إلى المشرق، واستأدبه المنصور لأبنائه، وكان كثير المديح في أشعاره (ابن الفرضي ١: ١٣٤) .
ب س: بحرف.
ب س: مثالا.
ب س: قد ملح في قوله؛ وانظر ديوان المتنبي: ٣٨٨.
ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
ديوان ابن شهيد: ٩١ (عن الذخيرة وحدها) .
س: يا ظبا الهند.
س: أخذت.
ط: حلاته (اقرأ: خلا به) .
ط: مضيء.
الحرجف: الريح الباردة الشديدة الهبوب.
الكنهور: السحاب المتراكب.
س: يمتطي الفصل.
ديوان ابن شهيد: ١٦٣ والنفح ٣: ٤٤٠.
النفح: بنان.
العثان: الدخان.
البيتان للأعمى التطيلي، ديوانه: ٥٢.
ديوان أبي تمام ١: ١١٤.
ترد ترجمته في القسم الرابع من الذخيرة، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد التنوخي (انظر ابن خلكان ٥: ٣٤٨، ٦: ١٥٩) .
س: الضرغام.
س: فأمر ابن الحناط أن يصنع في ذلك شعرًا.
ديوان ابن شهيد: ١٣١.
س: مجدك.
شروح السقط: ٤٤١.
س: كقول أبي عبد الله ابن الحداد من أهل المرية من قصيدة يمدح بها ابن صمادح يقول فيها؛ وستأتي ترجمة ابن الحداد في هذا القسم من الذخيرة.
س: باسلات.
ط: مضمتة.
ورد هذا البيت في اليتيمة ١: ٣٧.
انظر ديوان أبي فراس: ١١٩ واليتيمة ١: ٣٧، وابن بسام ينقل خبر المبرقع عن اليتيمة ١: ٣٦ - ٣٧؛ وانظر خبره: سيف الدولة لكانار ص: ٢٢٠ نقلا ابن ظافر، إذ يقول: " في سنة ٣٣٦ ظفر الأمير سيف الدولة بالقرمطي الملقب بالهادي واستنقذ أبا وائل الخ ".
ديوان المتنبي: ٢٥٩ - ٢٦٠.
انظر الجذوة: ٢٣ والبيان المغرب ٣: ١٨٨ وأعمال الأعلام: ١٣٦.
ط: البرزيلي.
زاد في س: وخامر ناموسه الأمة.
البيان بالكثرة.
البيان: في جبل منيع الصعود.
البيات نذود.
ط: فساقها.
البيان: وعجب.
البيان: إلى مكان عرفه في سورها الجوفي.
س: بنيه.
س: يستوفي ذكره.
ديوان ابن شهيد: ١٣٠ (عن الذخيرة وحدها) .
ديوان المتنبي: ٣٧٩.
ديوان ابن شهيد: ١٣٢ (عن الذخيرة) .
س: الهوى.
ط: للهوى.
ديوان ابن هانئ: ٩٥.
البيت من أبيات لابن الرعلاء الغساني، والرعلاء أمه، انظر الخزانة ٤: ١٨٧ وحماسة ابن الشجري: ٥١ والسمط: ٨، ٦٠٣.
ديوان المتنبي: ٣١٢.
هنا تنتهي ترجمة ابن شهيد في ط.
ديوان ابن شهيد: ١٥٣.
كذا ورد.
انظر الجذوة: ٣٤٨.
س: بجفوننا.
المختار من شعر بشار: ٢٤٧ والعقد ٦: ١٤ والزهرة: ٢٩٤.
هو أحمد بن أبي فنن كما في زهر الآداب: ١٠١٢ والسمط: ١٩٨ والمختار: ٢٢٠ والزهرة: ٣٢٠.
السمط: ٤٩٦ والأمالي ١: ٢٠٨ وزهر الآداب: ٩٤٢.
زيادة من زهر الآداب: ٩٤٢ والأمالي ١: ٢٠٦.
لم يرد في ديوانه، وهو لبشار عند ابن خلكان ١: ٢٢٤ والسمط: ١٩٧.
لم يرد في ديوانه.
ديوان ابن شهيد: ١٧١ (عن الذخيرة) .
ديوانه: ١٥٢ (عن الذخيرة) .
س: في الدجى.
س: بثوبي أدم.
ورد بيت مضطرب قبل هذا وهو:
فقلت أمر بهم فاشعر بضرب فاحذر حان ندم س: لا كنته بحال.
س: أمر.
ديوانه: ١٤٥ (عن الذخيرة) .
ديوانه: ١٣٣ (عن الذخيرة) .
تنفرد نسخة دار الكتب ببعض أبيات هذه القصيدة والقصائد التالي، وتخل بها النسخة س.
يذر الحب: يأخذه بأطراف الأصابع.
س: فلا بأس.
س: الملا.
ستأتي ترجمة من اسمه اللمائي في هذا القسم من الذخيرة؛ ولعله شخص آخر.
الديوان: ١٧٢.
ديوان ابن شهيد: ١٤٩ (عن الذخيرة) .
ديوانه: ١٠٧ (عن الذخيرة) .
ديوانه: ١١٣.
س ب: أول الأمر.
ديوانه: ١٢٩.
س: أصحابي.
ذكره الفتح في القلائد: ١٥٣ (وعنه النفح ١: ٥٣٥ - ٦٣٦) وكناه " أبا مروان ".
ديوانه: ٩٨ والقلائد: ١٥٣ والنفح ١: ٦٣٦.
القلائد والنفح: نعمنا.
القلائد والنفح: شكرك.
ديوان ابن المعتز ٤: ٣٥٤ وزهر الآداب: ٧٧٤.
شروح السقط: ١٤٦٨.
سترد ترجمته في هذا القسم من الذخيرة.
ب: ونصوص.
ترجمة ابن زيدون في الجذوة: ١٢١، ٣٧٩ (البغية رقم: ٤٢٦) والقلائد: ٧٩ والمطرب: ١٦٤ والمعجب: ١٦٢ والمغرب ١: ٦٣ واعتاب الكتاب: ٢٠٧ والنفح (في صفحات متفرقة) والخريدة ٢: ٤٨ وابن خلكان ١: ١٣٩ والوافي ٧: ٨٧ ومقدمة سرح العيون، ومقدمة تمام المتون.
ب س: غاية.
ب س: أخبرني.
أبو محمد ابن عبد البر الكاتب، انظر القسم الثالث: ١٢٥.
ط: باستجلاب.
في الأصول: أبي محمد؛ وقد جاء في الفهرست العام في مقدمة الذخيرة أبو عمرو، وفي القسم الثاني (نسخة الرباط رقم ١٣٢٤ الورقة ٣٨ب) أبو عمر، واسمه يوسف ابن جعفر، وكان أبوه جعفر أحد الكتاب صدر الفتنة عند عدد من الملوك، وتوفي جعفر سنة ٤٣٥.
ب س: الديوان.
ط: تأتي.
ب س: بالنظم الخطير.
هو عبد الله بن أحمد بن عبد الملك بن هشام، أبو محمد ابن المكوي القرطبي، كان أبوه أبو عمر أحمد بن عبد الملك (ترتيب المدارك ٤: ٦٣٥) مولى بني أمية، وكان من أفقه أهل زمانه وأحفظهم لمذهب مالك، وعظم قدره بالأندلس وصار معتمدًا لجميع قضاتها وحكامها فيما اختلفوا فيه، توفي منبعث الفتنة البربرية (٤٠١)؛ أما ابنه أبو محمد فقد استقصاه أبو الحزم ابن جمهور سنة ٤٣٢ ولم يكن من القضاء في ولارد ولا صدر لقلة علمه، ثم صرفه أبو الوليد ابن جمهور، وبقي خاملًا حتى أدركته منيته سنة ٤٤٨ (انظر الصلة: ٢٦٧ - ٢٦٨ والمغرب ١: ١٦٠) .
يتضح من التعليق السابق أن يجن ابن زيدون تم بين ٧ محرم ٤٣٢ و٣ بقين من ربيع الأول ٤٣٥، وهي الفترة التي تولى فيها ابن المكوي.
ب س: فشفع.
ب س: اصطنع.
هو ادريس بن يحيى بن علي الملقب بالعالي، بويع سنة ٤٣٤ تم خلعه أهل مالقة سنة ٤٣٨ (انظر البيان المغرب ٣: ٢١٧) .
ب س: أمراء.
ب س: والمنفعة.
س: يحصى.
موضع هذه العبارة في ب س: وكيف يصح ذلك وهو منقول عن عمر ﵁؛ وهي عبارة غريبة في موقعها.
هذه هي الرسالة الجدية، التي شرحها الصفدي في تمام المتون؛ ونصها كما أورده الصفدي ناقلا عن خط ابن ظافر (صاحب ذخائر الذخيرة) يدل على أن ابن بسام يوجز كثيرًا بالحذف، ويغير بعض التغييرات الطفيفة محافظة على السياق الموجز.
من قول أبي شجرة السلمي وكان من الفتاك (تمام المتون: ١٨٦ - ١٨٧) .
ورويت رمحي من كتيبة خالد وإني لأرجو بعدها أن أعمرا يعني عثمان بن عفان، وفيه إشارة إلى قول حسان (تمام المتون: ١٩١)
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا البيت للعتبي، انظر تمام المتون: ١٢١.
تمام المتون (٢٦٤) وعاث العقوق في مواتي.
إشارة إلى قول امرئ القيس:
وانك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب من المثل: " لو غير ذات سوار لطمتني "؛ فصل المقال: ٣٨١ والميداني ٢: ٨١ والعسكري ٢: ١٩٣ (تحقيق أبو الفضل) وفيها: لو ذات سوار.
البيت للبحتري، ديوانه: ١٩٨٤.
انظر فصل المقال: ١٢٧، ٤٨٦ والميداني ٢: ١٥٠ والضبي: ٧٩ وتمام المتون: ٢٩٤.
إشارة إلى الآية " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " (الغاشية: ٢، ٣) .
من قول العباس بن الأحنف:
كنت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق من قول أبي تمام:
وإن صريح الرأي والحزم لامرئ إذا بلغته الشمس أن يتحولا من قول البعيث (تمام المتون: ٣١٣):
طمعت بليلي أن تريع وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع فصل المقال: ١٨٧ والميداني ١: ١٦٠ وتمام المتون: ٣١٨.
ب س: زواله.
ب س: يخفى.
ب س والصفدي: ورد منهل بر.
ب س: فنزل.
من قول عمرو بن الاهتم أو حاتم:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والزمان جديب ب س والصفدي: ومقيل؛ والبيت لعمرو بن الاهتم من مفضلية له قافية (المفضليات: ٢٤٩) .
معجم البلدان (منعج) لبعض الأعراب.
ب س: تعلق (اقرأ: بعلق)؛ وفي تمام المتون: بعقد.
في النسخ: عوز؛ وصوبته عن تمام المتون: ٣٣٩ إذ فيه إشارة إلى المثل " بدل أعور " انظر الميداني ١: ٥٩ وفصل المقال: ٨١.
اللفاء: الشيء الخسيس.
البيت لعدي بن الرقاع؛ الشعر والشعراء: ٥١٧ وتمام المتون: ٣٤٠.
فصل المقال: ١٠ والميداني ٢: ٥٤ والعسكري ٢: ١٥٠ وتمام المتون: ٣٣٧.
فصل المقال: ٢٠٢ والميداني ٢: ١٤ وتمام المتون: ٣٤١.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٣٢٤.
ب س والصفدي: واكرم غير مكرم؛ وما ثبت هنا فإنما هو من المثل " كدمت غير مكدم "، فصل المقال: ٣٥٥ والميداني ٢: ٥٧.
من قول المتنبي (ديوانه: ٥١٣):
لا تشك إلى خلق فتشتمه شكوى الميداني ١: ١٩١.
من قول بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا فنبه لها عمرًا ثم نم ناظر إلى قول بشار:
فبالله ثق إن عز ما تبتغي وقل إذا الله سنى عقد أمر تيسرا البيت لأبي تمام، ديوانه ٣: ٦٠ وتمام المتون: ٣٦٦.
الصفدي: ميسرك.
الإشكاء: إزالة الشكوى.
الصفدي: مكان.
الصفدي: أحسن.
الصفدي: بيده عليه.
ب س: حتى.
الصفدي: يستكد؛ ب: يستنكر.
ب س: وهي هذه الأبيات، وانظر ديوان ابن زيدون: ٢٧٨.
ب س: وفق.
ديوان البحتري: ٢٠٧٣.
ديوان أبي تمام ٣: ٦٠ وانظر ما سبق: ٣٤٤.
ديوان ابن الجهم: ٤٥.
ط: من قصيدة.
ديوانه: ٢٥٠.
في النسخ: إن.
ب: عصر غير محتضر.
ب س: السرى.
ب س: وبات.
أولى مؤنث صفة للفظة " وهجرة "، والهجرة الأولى دليل السابقة؛ وإنما أنبه إلى ذلك لأن محقق الديوان قد وقع في الخطأ لدى شرحه البيت (ص ٢٥٩) إذ قرأ " أولى " على أنها أفعل تفضيل.
شروح السقط: ١١٩.
س: ومنه قول أبي تمام وقد تقدم إنشاده؛ وانظر ديوانه ٣: ٢٨٠.
ديوان البحتري: ٧٥٧ - ٧٥٨ وفيه " عود الأراكة ".
ديوان أبي تمام ٢: ٩٩.
اليتيمة ٣: ٦١.
اليتيمة ٤: ٦١.
ديوان ابن الرومي: ٥٦٣.
ديوان المتنبي: ٩٢.
ط: وإنما أشار إلى.
ب س: ماء.
ب س: عفوه؛ ولم يورده صلاح خالص في مجموع شعره.
ط: وقال من أخرى وهو أيضًا بتلك الحال من الاعتقال؛ وانظر ديوان ابن زيدون: ٢٦١.
ط: يبكي الحمام على قتلي.
ب س: وغاضها.. بمطلعها.
ط: قرسطت.
ب س: الفتل.
الحسل: ولد الضب؛ ولعله إنما يريد " زلة الحذر " لأن الضب - وهو أبو الحسل - مشهور بالحذر.
ب س: وهذا مأخوذ من قول الآخر.
[ ١ / ٥٦٨ ]
شروح السقط: ٩٧٦.
ديوانه: ٥٩٢، ولم يرد البيتان في أصول الديوان، وإنما أوردهما الصفدي في المتون والوافي.
الديوان: ٥٨٢.
فيه إشارة إلى المثل: " كل مجر في خلاء يسر ".
الديوان: هي البحر.
هكذا قال هنا، ولم يرد من ذلك شيء في الديوان.
الديوان: بسري.
الديوان: لإبانه.
من هنا حتى بداية ولادة سقط كله من ط؛ وهنالك أجزاء من هذا الفصل قد زيدت في الذخيرة بعد ابن بسام، وقد صرح بذلك من زادها؛ ولعل هذا القسم الواقع قبل رسالته إلى أبي بكر ابن مسلم قد زيد لعدم قيامه على الاختيار.
س: مسيرة.
ب س: إليه.
ب س: الأمل.
ب س: ما هو ألطف.
ب س: فيه.
س: قلمي؛ وهنا موضع خرم في ب، ضاعت بسببه ورقات.
س: واعتزت.
س: وأبعد.
س: حياء.
ديوان ابن زيدون: ٤٠٦.
س: ملامي.
المسلمي: نسبة إلى بن مسلمة، وهم بنو الأفطس؛ وفي الديوان: الأسلمي، وهو خطأ.
نهيك: شجاع.
شام: أغمد.
في النسخ: بالظلم.
س: تزل.
ستأتي ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة، وهو: أبو عامر محمد بن عبد الله بن محمد ابن مسلمة الوزير الأديب، مصنف كتاب " الارتياح بوصف الراح "، هاجر من قرطبة إلى إشبيلية ووزر للمعتضد. (انظر المطمح: ٢٣ وعنه النفح ٣: ٥٤٤ والمغرب ١: ٩٦ والجذوة: ٦١ والبغية رقم: ١٧٠) .
س: يعتمدك.
س: ومكانتك إليه.
س: السابحة.
أي سهيل والثريا، كما في قول " عمرك الله كيف يلتقيان ".
من قول الشاعر:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا س: تكمل.
س: مما من.
زيادة من نسخة دار الكتب، ولم يرد في س.
زيادة من نسخة دار الكتب.
س: تتوافى.
في المطبوعة: نسقا، وهي قراءة جيدة.
الضمير في " منه " يعود إلى " الجسم ".
زيادة من نسخة دار الكتب.
واضح أن هذا القسم دخيل على الذخيرة، وقد ورد بعض هذه الرسالة ص: ٣٥٥ فيما تقدم.
س: يلقى.
س: مورد.
البيتان لابن الرومي، ديوانه: ٦٦.
صدره: إذا ذهب العتاب فليس ود، انظر التمثيل والمحاضرة: ٤٦٥.
البيت لهمام الرقاشي في البيتان ٢: ٣١٦، ٣: ٣٠٢، ودون نسبة في التمثيل والمحاضرة: ٤٦٥.
البيت للقطامي، ديوانه: ٣٥ والتمثيل والمحاضرة: ٦٧.
ورد غير منسوب في البيان ٣: ١٨٧.
فصل المقال: ٣٤٧ والميداني ٢: ٢١٤ والعسكري ١: ٩٣ (أبو الفضل) .
هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري من الأوس، يعرف بذي الشهادتين، لأن الرسول (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين (الاستيعاب: ٤٤٨) .
لأبي نواس، ديوانه ١: ١٨٥ (تحقيق فاجنر) وخاص الخاص: ٨٨ والتمثيل والمحاضرة: ٨٠، ٤٣٤ ونهاية الأرب ٣٠: ٨٠ ورواية الديوان " ليس لله ".
س: قبوله.
إشارة إلى المثل " أحشفًا وسوء كيلة " وقد مر ص: ٣٥٥.
إشارة إلى قول عامر بن الطفيل: " أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ".
نثر قول عبد الله بن الزبير الأسدي:
تخير فأما أن تزور ابن ضابئ عميرًا وإما أنتزور المهلبا
هما خطتا كره نجاؤك منهما ركوبك حوليًا من الثلج أشهبا تاريخ الطبري ٢: ٨٧٢ والشعر والشعراء: ٢٦٩ والأغاني ١٣: ٤٣٢ وطبقات ابن سلام: ١٧٦ (الطبعة الثانية) .
س: للغلامة.
لبشار بن برد، ديوانه (جمع العلوي): ٢٠٦ وانظر السمط: ٩٣٢.
صدر بيت لكعب بن زهير؛ وعجزه " وما مواعيدها إلا الأباطيل ".
من قول المكعبر الضبي (أو محرز بن المكعبر) وصدره: وإني لأرجوكم على بطء سعيكم؛ انظر الكامل ١: ٨٠، ٨١ والحماسة، شرح التبريزي (٤: ١٥ - ١٦ ط: بولاق) .
لكثير عزة، ديوانه: ١٠٣ وروايته " كأني وإياها " وانظر أمالي المرتضى ١: ٤١٤ ومجموعة المعاني: ١٤٢.
من قول أبي خراش الهذلي:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشر أهون من بعض إشارة إلى قول لبيد " ومن يبك حولاص كاملًا فقد اعتذر "، أي أنه أدى كل ما في طوقه، ولم يبق إلا أن ينجو فارًا من السجن.
عجز بيت؛ وصدره: " احذر محل السوء لا تحلل به "، ينسب إلى عنترة، قال أبو الفرج الأغاني (٨: ٢٣٤): وهذا البيت لعنترة صحيح لا يشك فيه.
عجز بيت لعروة بن الورد (ديوانه: ٤٠) وصدره: ليبلغ عذرًا أو يصيب رغيبة.
من قول الشاعر:
خير إخوانك المشارك في الضر وأين الشريك في الضر أينا وتنسب الأبيات لكثير في ترجمته من تاريخ ابن عساكر وفي الذهب المسبوك: ٣٣، انظر ديوانه: ٤٩٢؛ وهي دون نسبة في الصداقة والصديق: ٩٢ وبهجة المجالس ١: ٧١٧ والعقد ٢: ٣٠٨.
فصل المقال: ٦٧ والميداني ١: ٢٢١ والفاخر: ٤٨.
البيت في الكامل ٢: ٣٠٩ والحيوان ٥: ١٨١ ولباب الآداب: ٢٤٠ وعيون الأخبار ١: ٣٩ وقال في الكامل إنه لعلي أبي طالب أو إنه كان يكثر التمثل به.
البيت لعدي بن زيد، ديوانه: ٩٣ وهو مثل، انظر فصل المقال: ٢٦٥، ٤٨٤ والخزانة ٤: ٤٦٠.
عجز بيت للمتنبي، وصدره: " وبيننا لو رعيتم ذام معرفة ".
البيت لأبي فراس الحمداني، ديوانه: ٨٣.
عجز بيت للمتنبي وصدره: ترفق أيها المولى عليهم.
من أرجوزة لبشار، ديوانه (جمع العلوي): ٨٥.
ديوان النابغة الذبياني: ٧٨.
يدخل البيت في معلقة عمرو بن كلثوم، انظر الزوزني: ٢٣٩ وفي رسالة الغفران ١٨٢ أن البيت لعمرو بن عدي، وانظر الخزانة ٣: ١٦٢.
ديوان المتنبي: ٣٥٩.
ديوان أبي تمام ٤: ٥٧١.
لابن الرومي، ديوانه: ٧٧٠.
البيتان للأعشى، ديوانه: ٨٠ (برواية مختلفة) وانظر الأول منهما في الحماسة البصرية ٢: ٦١ والثاني في معجم البكري (كبكب) .
زيادة عن نسخة دار الكتب.
من المثل " العوان لا تعلم الخمرة "، الميداني ١: ١٣ والعسكري ٢: ٣٨ (أبو الفضل) واللسان (خمر) .
من المثل " ما أشبه الليلة بالبارحة "، فصل المقال: ٢٢٧ والميداني ٢: ١٥٢ والعسكري ٢: ٢٠٦ (٢: ٢٤٧ أبو الفضل) والفاخر: ٢٥٤.
هنا تعود النسخة ب للمشاركة مع س.
عجز بيت للحطيئة وصدره: - " من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ".
ليس من المقطوع به أن يكون هذا الفصل دخيلًا، وإن كنت أرجح ذلك، لأن طريقة اثباته لا تشبه طريقة ابن بسام.
ب س: ما أراه.
زيادة من نسخة دار الكتب.
س: أحبائه.
من الواضح أن هذا الفصل اختلط بالنقل من القلائد، وبتكرار شعر مر من قبل، كما أن استئناف الحديث عن علاقة ابن زيدون بالجهاورة بعد أن أشبع المؤلف القول فيه، يدل على أن هذا الفصل دخيل على الذخيرة.
القرح: البياض.
ارتباط الإفاضة بالفور: أي حين يفيض الناس في الحج من عرفات إلى منى، يندفعون بكثرة، والإفاضة سرعة الركض.
هو قيس بن زهير الذي كان يضرب به المثل في الدهاء، وقد جاءته منيته في عمان (انظر الدرة الفاخرة: ٢٠١) .
من قول ليلى الأخيلية:
فتى كان أحيا من فتاة حيية وأجرأ من ليث بخفان خادر وانظر الدرة الفاخرة: ١١٦.
لم أهتد لمعرفته، وفي تكرير " أدهى " ما يستوقف النظر.
عن أبي زبيد الطائي ومنادمته للوليد بن عقبة انظر الشعر والشعراء: ٢١٩ والحاشية.
ما بين أقواس صغيرة موجود نصًا في قلائد العقيان: ٧١.
قد وردت هذه الأبيات فيما تقدم: ٣٨٣ ولم يكن بابن بسام حاجة لاعادتها.
انظر ما تقدم ص: ٣٩١ الحاشية: ٣.
إشارة إلى ما قاله الثعالبي في اليتيمة ٢: ٣٣٦ عن القضاة ندماء المهلبي " ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة " يغمسون لحاهم في الشراب القطربلي ويرشون به بعضهم بعضًا، فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التزمت والتوقر.
في ب س: وقار يدخل، وصوبته بما يناسب المعنى.
قد مر بعض هذه القصيدة ص: ٣٩٢.
ديوان ابن زيدون: ١٥٢.
الديوان: الشغب الشرقي.
الديوان: نور.
ب س: حمام.
الديوان: ١٥٨ وانظر القلائد: ٧٢، ويلاحظ متابعة الرواية كما جاءت في القلائد.
الديوان: بممحوض.
الديوان: ذكرى.
ب س: الفلحا.
الديوان: ٥٦٤ وقد تكررت أبيات منها في هذه الترجمة، وكان من الممكن الاقتصار على ذكرها في موضع واحد، ومن الملاحظ أنها متابعة للقلائد في الأبيات المختار منها.
هذا القول صريح بأن هذا الفصل ليس من صنع بن بسام.
الديوان: ١٨٧.
الديوان: قصر.
ب س: أبليه حفظك.
ب س: صروف.
ب س: عهد.
الديوان: ١٧٨، والبيتان الأولان لم يردا في أصل الديوان.
الديوان: ١٦٥.
شلب (Silves) بلد بالبرتغال في الولاية المعروفة باسم الغرب (Algarve) انظر الروض، الترجمة الفرنسية: ١٢٩.
س ب: بدري.
هذا التعيين بأن هذه الأبيات غزل في ولادة مطابق لما في القلائد: ٧٣ وانظر الديوان: ١٤٨ فإنها لم ترد في أصول الديوان، وإنما زيدت فيه من المصادر، وانظر المغرب ١: ٦٥.
القلائد: ٧٥ والديوان: ١٥٣.
الديوان: هوى.
القلائد: ٧٧ والديوان: ١٨٥.
الديوان والقلائد: غدرًا.
القلائد: ٧٨ والديوان: ١٩١.
الديوان: وفائك ضلة؛ القلائد: صفائك ضلة.
هذه العبارة وردت نصًا في القلائد وبعدها الأبيات: ٧٧؛ وانظر الديوان: ١٩٠.
انظر القلائد: ٧٨ والديوان: ٢٣٦ن وهي مثطوعة لم ترد في أصول الديوان، وإنما وردت بذيله منسوبة إلى المعتضد، وقد نسبها صاحب القلائد إلى ابن زيدون، أما ابن بسام فسيوردها للمعتضد في القسم الثاني.
أهم المصادر عن ولادة - إلى جانب الذخيرة - هي الصلة: ٦٥٧ (وعنها نقل الضبي في البغية رقم: ١٥٩٥) وما أورده الحجاري في المسهب وعنه نقله صاحب المغرب (وترجمة ولادة قد ضاعت)، فأما ما جاء من نتف في القلائد فأكثره تخيل أو تخليط؛ وعن هذه المصادر الأربعة نقلت المادة المتوفرة في المطرب: ٧ وتمام المتون وسرح العيون: ٢٢ ونزهة الجلساء: ١٠١ ونفح الطيب ٤: ٢٠٥؛ وقد ورد العنوان هذا بهامش ط.
ب س: أوانها.
ط: تختلط.
ط: تختلط.
هذا النص يستوقف النظر، أولًا لأنه على لسان ابن زيدون، وثانيًا لأنه مصوغ في قالب " مقامة " وأسلوبه لا يشبه أسلوب ابن زيدون أو ابن بسام؛ ومن الغريب أنه ثابت في ط وهي أكثر النسخ اقتصادًا.
ط: عبيره.
ديوان ابن زيدون: ٣٧٧، وتنسب الأبيات في بعض المراجع لولادة.
أثبتهما ناشر ديوانه: ١٢٠ على أنهما من شعره، وليس ثمة ما يؤكد ذلك.
ديوانه: ١٧٥، وليسا من أصل الديوان.
تمام المتون: ١١ وأنيس الجلساء: ١٠٢.
ط: وكثرة.
سرح العيون: ٢٣ - ٢٤ والفوات والنفح وأنيس الجلساء.
أثبتت المصادر نماذج من هذا الهجاء.
أخبار المستكفي في الجذوة: ٢٥ والبيان المغرب ٣: ١٤٠ وأعمال الأعلام: ١٣٥ والنفح: ١: ٤٣٢، ٤٣٧ وبروفنسال ٢: ٣٣٥ ودوزي (Spanish Is): ٥٨٣.
ورد نص ابن حيان بصورة موجزة في ط.
ط: الموروية؛ ب س: المرورية؛ البيان: المروزية.
هو أبو محمد ابن حزم.
البيان: والعهر واللعب.
ط: وانثالوا عليه في طلب هذه الخطط وعمروا بابه.
ط: من تلك الخطط.
ب س: قصه.
ط: في طبقات الفقه.
ب س: بعلت.
ط: بلغ أهل الفتوى.
ب س: رجالة.
ط: عبد الرحمن.
قارن بالبيان المغرب ٣: ١٤٢.
ب س: فلا تسر.
ط: المكفوف.
ترجمة ابن الحناط في الجذوة: ٥٣ (والبغية رقم: ١٢٤) والصلة: ٦٤٠ والتكمة: ٣٨٧ والذيل والتكملة ٦: ٢٢١ والمغرب ١: ١٢١ والخريدة ٢: ٢٩٧ وطبقات الشافعية ٢: ١٦١ والوافي ٣: ١٢٤ وصفحات متفرقة من نفح الطيب.
ط: وغرة.
الوقذة: الضربة؛ الأميم: المأموم أو المشجوج.
فص ابن حيان شديد الإيجاز في ط.
ط: واهتديناها.
ط: وجعلت.
هذه الرسالة أوردها ابن عبد الملك (٦: ٢٢٤) بتمامها، وهي موجهة إلى الوزير أبي العباس ابن أبي حاتم ابن ذكوان ومعها القصيدة الميمية التالية ليأخذ بمعارضتها أبا عامر ابن شهيد.
ط: تصاب.
الذيل: قصب السبق.
البيت لجرير، ديوانه: ٢٥٠ والتاج (قنعس) .
الذيل: توسدت.
الذيل: حتى إذا ما أنبهني هببت.
ط: في شعر أو شعر.
في النسخ: قصر، والتصويب عن الذيل والتكملة.
الذيل: ديمتها.
الذيل: خلفها.
ديوان المتنبي: ٤٠.
الديوان: الغمد سيفه.
ديوان المتنبي: ١٢٧.
الحماني هو أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر العلوي الكوفي، نزل في بني حمان فنسب إليهم، بينه وبين علي بن الجهم مناقضات حول العلويين أو العباسيين، وله مراث في أخيه إسماعيل وفي يحيى بن عمر الثائر العلوي، وكانت وفاته سنة ٢٦٠ (انظر مروج الذهب ٧: ٢٣٦ - ٢٤٢ وسمط الآلي: ٤٣٩ والبصائر ١: ٢٣٦) .
كذا ورد، وهو غير منسجم مع ما قبله وما بعده في التقفية.
ب س: الغرب.
ط: واندرج له في فصول هذه الرسالة عدة مقطعات من شعره، منها قوله.
ب س: فيه.
ب س: بالنجاح.
المغرب ١: ١٢٢ والنفح ١: ٤٨٣ (بيتان) .
المغرب: مرت.
بعض أبياتها في المغرب ١: ١٢٣.
ب س: علون.
ب س والمغرب: البث.
ديوان المتنبي: ٢٤٥.
ديوان المتنبي: ٢٤٨.
ديوان أبي تمام ٣: ٢٧.
المغرب: طبق الأرض؛ ط: طوق.
ط: عليها.
ب س: افتن.
ديوان المتنبي: ٣٧٥.
الذيل والتكملة ٦: ٢٢٢ ومنها أربعة أبيات في الغيث ٢: ٧٤.
الذيل: مرادًا.
الذيل: انتميت.
الذيل: تعد به علي.
ديوان المتنبي: ١٦٢.
ديوان ابن رشيق: ٣٧.
الديوان: ليس يصح.
ب س: مدح.
ديوان ابن الأحنف: ٨١.
كان أبو الحناط ممن خاف من أبي الحزم ابن جهور بسبب ما شاع عنه من هجائه إياه فلحق ببني حمود (الذيل والتكملة: ٢٢٢) .
ب س: فاضطلعا.
ب س: في القبر.
ب س: أبقته بدر دجى.
ب س: عن.
ديوان ابن دراج: ١٨٠ وقد مر البيت ص: ٧٣.
ط س: الترب؛ ب س: مني عنبرًا.
ط: ومعنى البيت الثاني الخ.
ديوان المتنبي: ٤٥٦.
في ط والمقتبس (١٢٩) شوش " فاحتل يومه ذلك على نهر شوش "؛ وتحديده إلى الجنوب من قرطبة.
ألبيرة (Elvira)، انظر الروض المعطار: ٣٩.
المنكب (Almunecar) فرضة صغيرة على البحر تابعة لمركز مطريل (Motril) في منطقة غرناطة، وتبعد مسافة ٢٣ كيلومترًا إلى الغرب من مطريل (انظر الروض، الترجمة الفرنسية: ٢٢٥) .
وقع هذا البيت بعد تاليه في ط.
المغرب ١: ١٢٤ والبيان ٣: ١٣٠.
ط: الرفع؛ المغرب: النصر.
قارن بالبيان المغرب ٣: ١٢٥ - ١٢٩ والإحاطة (ترجمة زاوي بن زيري) ودوزي (Recherches: ج - ١ - الملحق: ١٥ والملحق: ١٧) .
البيان: يا حسن؛ ط س ب: يا أحيمر.
ط والبيان: البنت.
البيان: وقتل.
ب: المبارك.
ب: أغراء مبارك على.
ب: المعسكر.
ب س: وحلفاءهم.
حدثت بزوائد في شرحها في القتال: لم يرد هذا في ط، ولا وجود له في البيان المغرب.
زاد في س: فتجدد لذلك اثر الفتح عليه، (اقرأ: فتحدث بذلك ) .
البيان: حازه؛ ط: قشمه (اقرأ: قسمه أو قمشه) .
س ب: أعماله.
ط: محنهم.
س ط: جنه.
ط: وتلوم ابنه حلالي بغرناطة.
ب س: حاجاته.
ط: بائي؛ ب س: نائبي، وصوبته بحسب المعنى.
ب س: يفترقون عنهما؛ والنابان أحدهما حبوس والثاني هو محمد بن عبد الله البرزالي؛ وافتر عن نابه: كشف عنه.
كذا في ب س دون ط، والمشهور أن التيجان لوهب بن منبه، غير أن هذا لا يمنع أن يكون لابن دريد كتاب بهذا الاسم.
ب س: طويل.
س: الحجاب.
ط: الرجولة.
ب س: مشهورة.
محمد بن الخير بن خرز الزناتي خاض حربا ضد صنهاجة بقيادة زيري فقتل زيري، ثم إن يوسف بن زيري أراد الثأر من زناتة وغلب محمد بن الخير وهزمه (سنة ٣٦٠) وحين وجد محمد أن يوسف قد أحاط به انتحر (البيان المغرب ٢: ٢٤٣) .
قارن بما جاء في السمط: ٨٦٢ - ٨٦٤ والاقتضاب: ٥٠ والعقد ٢: ٤٦٨ - ٤٦٩ وفصل المقال: ٤ - ٦ والخزانة ٤: ١٦٨ والبيان ٢: ١٨١ - ١٨٢ وزهر الآداب: ٢١ وكنايات الثعالبي: ٥٦ - ٥٨ فقد ورد فيها معظم هذه القصص المتصلة بالتعريض.
البيتان للأخطل، ديوانه: ١٣٢ وفيه: تنق بلا شيء.
البيان والعقد: وقميص.
ط: ومر على فاس من العرب فيهم نميري وتميمي رجل.
ط: تعير بالسخينة.
ب س: غير منكرة.
لم يرد الخبر في ط؛ وانظر مسند أحمد ٦: ٣٧٢.
انظر الزهرة: ١١ - ١١٢ والأغاني ٨: ١٠٧ والشعر والشعراء: ٣٤٨.
ط: ومن المعاريض ما حكي عن جميل أنه زار
ط: والموكل مرسل، وانظر ديوان كثير: ٤٥٢.
انظر الأغاني ١٢: ١٤٤.
البيت لمحمد بن أمية، كما ذكر في الأغاني.
لأبي العتاهية، ديوانه: ٥٨٣.
ط: غلام.
ط: وقيل إن فيها.
قال الميداني (١: ٩) إنه من كلام عمران بن حصين؛ وروي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير (طبقات ابن سعد ٧: ١٤٤) ورفعه البكري في السمط: ٢٤٠ إلى الرسول (ص)؛ وانظر فصل المقال: ٤.
هنا وقع خرم في ب ضاعت بسببه ورقات.
انظر الأغاني ٢١: ٧٨ - ٧٩.
ديوانه: ١٤٣.
س: علي وعلي لئن لم تخبروني لأقتلكم.
في النسخ: زيد، وهو خطأ؛ وحارثة بن بدر الغداني كان جليس زياد (انظر ترجمته في الأغاني ٢٣: ٤٤٤ - ٥٠٠ وقد وردت القصة ص: ٤٨٢) .
ترجمة عبادة بن عبد الله بن محمد بن عبادة بن ماء السماء في الجذوة: ٢٧٤ (البغية رقم: ١١٢٣) والصلة: ٤٢٦ وأدباء مالقة: ١٤٥ (مخطوطة خاصة) وصفحات متفرقة من نفح الطيب، وله مقطعات شعرية في كتاب التشبيهات، وانظر أيضًا الفوات ٢: ١٤٩ وقد أورد له ابن شاكر موشحتين؛ إلا أن الصفدي نسب إحداهما إلى محمد ابن عبادة القزاز (الوافي ٣: ١٨٩) . وقد كان عبادة أحد تلامذة اللغوي المشهور أبي بكر الزبيدي، وقد ألف كتابًا في أخبار شعراء الأندلس (النفح ٣: ١٧٣) وعن هذا الكتاب ينقل ابن سعيد في المغرب؛ وترجم له ابن خاقان في المطمح: ٨٤ ترجمة موجزة (وعنه النفح ٤: ٥٢) وانظر المسالك ١١: ٣٩٧.
س: يتعلق بذكره.
الفوات: وأحكم.
قوله: وكانت صنعة التوشيح حسناته: النص في كتاب أدباء مالقة نقلًا عن كتاب الأصبغ.
ط: حمود؛ وهو محمد بن محمود القبري عند الحميدي (الجذوة: ٨٦) .
هذه اللفظة غير واضحة تماما في نسخة الذخيرة س؛ وقد سقط النص كله في ط ابتداء من قوله: ثم نشأ في المركز؛ ولهذا أثبت ما جاء في الفوات.
ط: وهي أوزان.
س: كتابنا هذا.
ط: حكى أبو عبد الله الحميدي عن الفقيه أبي محمد ابن حزم؛ وانظر الجذوة: ٢٧٤.
س: التاريخ.
انظر الجذوة، ومنها بيتان في المسالك.
الفوات ٢: ١٤٩ وفي الغيث ١: ٩٧ منها بيتان.
الفوات: صديقك.
الفوات: أنواعًا.
س: إذ لست أنت معي.
س: بالشرك.
س: ببعض.
س: هذه القطعة.
ط: وأنشد له أبو عامر بن مسلمة في كتابه قال أنشدني.
الفوات ٢: ١٥٠ والمسالك ١١: ٣٩٨.
انظر الفوات والمسالك.
ط: الحسن ساق بحسن خلخال.
س: ظريف.
كري المنتشي من: هذه قراءة تقديرية.
الفوات: ١٥٠ والمسالك.
هنا تنتهي النسخة س، والخرم ما يزال مستمرًا في ب؛ ولهذا يصبح أكثر الاعتماد على ط م، وستعامل م على أنها أوسع نصًا من ط، وتثبت قراءاتها دون إشارة إلى ما تزيد به على ط.
في ط م: اغتبق لي، والتصويب عن الفوات.
نسخة التيمورية: " من معانيه المخترعة وألفاظه المبتدعة ".
ط: تحليل.
ديوان المتنبي: ٣٨٦.
البيتان في المسالك ١١: ٣٩٨.
ديوان المتنبي: ٢٤٧ - ٢٤٨.
ط: أخو.
ديوان المتنبي: ٢٩٢.
النتف: ١١٢.
ديوان المتنبي: ٢٩١.
ديوان المتنبي: ٣٨١.
شروح السقط: ٦١٢.
منها أربعة أبيات في المسالك ١١: ٣٩٨.
المسالك: ولا عصي.
انظر ما تقدم ص: ٤٣.
هو يزيد بن محمد المهلبي، انظر مروج الذهب ٧: ٢٨٠ والسيوطي: ٣٧٨.
ترجمته في القسم الثالث: ٢٥١.
ديوان مسلم بن الوليد: ١٤٩.
ديوان المتنبي: ٢٧٠.
قارن بالبيان المغرب ٣: ١٢٤ - ١٣١ وخاصة ص: ١٣٠؛ والنص في ط موجز، ولهذا تم اعتماد كثير من زيادات م.
ط: المواطات.
البيان التقوية.
م: واستضم.
م: عليه.
ط: وأمر القاسم يضعف إلى أن فر.
م: الطرفين.
هنا تنتهي الخرم في النسخة ب.
ط: تبدأ هذه الفقرة بقوله " وكتب له أحمد الخ ".
ط: وقرب جعفر الخ.
م: بهذا الوضيع.
ط: أهل اللب.
ط: فقدما.
ط: إلى الخليفة.
تقدم التعريف بهما.
ط: بعزمي.
م ب: احطته.
ورد الخبر شديد الإيجاز في ط، ولذلك أبث رواية م ب في المتن، وهذه رواية ط: " ثم فر يحيى بن علي عن قرطبة أيضًا، وجيء بعمه القاسم بن حمود، وصرف إلى الخلافة بها كرة ثانية، فانبعث من ذلك فتنة عاثت في الناس معاثها، فجلس القاسم على سرير الملك بقصر قرطبة كرة أخرى في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة فبان الاختلال، إلى أن اتفق الناس على خلعه في جمادي من العام الداخل، فارتفعت بزواله عن قرطبة دولة آل حمود بعد وقعة للبرابرة على أهلها بالمرج باد فيها جماعة منهم. ثم انصرفت الكرة على البرابرة فقتلوا قتلًا ذريعًا، وارتحلوا عن قرطبة، وجاء القاسم مفلولا إلى إشبيلية، وكان خلف بها ولده محمد بن القاسم، فوثب أهل إشبيلية عليه. وجاء القاسم بعد والناس يقاتلون ابنه بالقصر، قرضي القاسم منهم بإسلامه مع من معه، فعاقدوه على ذلك. وخرج ابنه وأهله، ورحل بهم إلى شريش. وملك إشبيلية القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد، فحارب يحيى عمه القاسم بشريش، وحاصره إلى أن حمله مقيدًا أسيرًا إلى مالقة في خبر طويل ".
ترجمة ابن برد الأصغر في الجذوة: ١٠٧ (البغية رقم: ٣٥٤) والمغرب ١: ٨٦ والمطمح: ٢٤ ومعجم الأدباء ٢: ١٠٦ والمسالك ٨: ٣١١ ونفح الطيب ٣: ٥٤٥ (عن المطمح) وصفحات أخرى.
من أول الفصل لم يرد في ط؛ وفي موضعه: " فرأينا أن نمد ".
ط: ونعقد.
ب م: ومناقبه الغر.
ط: الابلة.
ط: طوا من مداد اية.
ب م: أدهى.
ب م: غفلة.
ب: ثواء.
فما زلنا علينا: سقط من ط؛ وموضعه: " وفي فصل منها ".
ط: الأدب.
ب م: ورسم.
ب م: وللآداب.
ب م: بعصمته.
ديوان أبي تمام ١: ٢٧٦.
ط: عرف.
ب م: ما حضر.
ب م: الإنسان؛ والإشارة إلى قول أبي تمام:
ويسيء بالاحسان ظنا لا كمن هو بابنه ويشعره مفتون نقل ابن سعيد بعض هذه التحميدات في المغرب.
ب م: فقهر.
ب م: توارى.
ب والمغرب: الشعب؛ م: الشعث.
ب م والمغرب: ليل.
ب م: العالم.
م: تغاير.
ب م: روحانيات.
المغرب: بالثار؛ في النسخ: النار.
حق لفظة " فصل " أن تسقط، لأن ما يجيء ليس تحمدًا وإنما هو تال للتحميد، وكذلك جاء في المغرب.
ط: أوتيت.
المغرب: لم يشأ.
المغرب: وأخمد.
ب م: وعطف.
اختار في المغرب بعض هذه الفصول.
ب م: السبل.
ب م: يفضي.
ب م: غب وابل.
ب م: فيها منها.
ب: يطير بها عن موقعها.
ب م: سليما.
ط: مفتاحه.
ب م: حلى.
المغرب: والطرس.
المغرب: القراءة.
ب م: كتب.
سقط هذا الفصل وثلاثة فصول بعده، من النسخة ط.
ب: المنحازين.
زيادة تقديرية لالتئام السياق.
ب م: حرة.
ب م: تراءت.
ب م: أمان آخر؛ وانظر المغرب: ٨٨ حيث نقل هذا الأمان.
المغرب: تنفرج.
ب: عليكم ملتقى.
ب م: المعالين (اقرأ: المقالين)؛ المغرب: العاصين.
ط: تحوجنا.
ب م: أعضاءهم.
انظر المغرب: ٨٨.
ب م: أقصى.
ب م: وأذبل.
ب م: دقائق.
ب م والمغرب: نلتمح.
المغرب: ألوية.
انظر المغرب: ٨٩.
ط: خلوت.
المغرب: المقال.
المغرب: در.
الأبيات في الجذوة والمطمح: ٣ والنفح: ٥٤٦.
ديوان ابن الرومي: ١٣٧.
ط: ينشق.
ب م: لبسة.
تجيء ترجمته في القسم الرابع.
سيترجم له ابن بسام في هذا القسم ويكرر البيتين وبيتي الحلواني أيضًا.
ديوان أبي نواس: ٣٦٢.
ط: وما لي.
سترد ترجمته والأبيات في هذا القسم.
ب م: الملاحظ.
ديوان ابن هانئ: ٣٦٢.
أورد ابن ظافر البيتين الثاني والثالث منها في بدائع البدائه: ٢٥٣ ونسبهما لابن خفاجة.
يستشهد به ابن بسام كثيرًا، وانظر ديوان المتنبي: ٥٤٠.
ب م: كأنه قد ذهب بقوله: " قد هم فيه الآس أن ينبتا ".
الأوراق للصولي: ٢٣١.
ط: نم أو هم.
الصولي: ألحاظه.
ب م: نم أو هم.
ط: المردة؛ ب م: المرودية.
ديوان الصنوبري: ٤٨٧ عن قطب السرور: ٦٩١ ومنها بيتان في نثار الأزهار: ٧٠ ونهاية الأرب ١: ١٤٥.
الديوان: يدي.
في النسخ: حسان بن الحسن؛ وقد ترجم له الحميدي في الجذوة: ١٧٩ (البغية رقم ٦٣١) وابن سعيد في المغرب ٢: ٣٧ نقلا عن المسهب باسم " الحسن بن حسان " وقد اشتهر في قرطبة أيام عبد الرحمن الناصر وله فيه مدائح، وأصله من وادي الحجارة؛ وقتل نفسه غيظًا لأنه وجد امرأته مع رجل.
الأبيات في المغرب ٢: ٣٧.
ب م والمغرب: نجميك.
المغرب: لنا.
ب م والمغرب: في الناس.
في النسخ: المأمون الحارثي؛ وهو خطأ؛ والمؤمل بن أميل من بني جسر بن محارب، كوفي مدح المهدي، وهو ولي عهد، وتوفي حوالي ١٩٠هـ - (انظر ترجمته في الأغاني ٥٢٣) والبيتان من قصيدة له طويلة، انظرهما في معجم المرزباني، والثاني منهما في التمثيل والمحاضرة: ٩٠ وخاص الخاص: ٩١.
ط ب ك: فقلت لها، والتصويب عن المرزباني.
ط: مرضتم.
ب م: ونعتذر.
ب م: أسدلوه.
ط: فيه.
ب م: مثلا قد أرسلوه.
ب م: بينا الأمين.
انظر الأغاني ١٩: ٣٢٤ - ٣٢٥ وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٢٧، والتيمي المذكور هو عبد الله بن أيوب مولى بني تميم، من أهل الكوفة، من شعراء الدولة العباسية، وكان أحد الخلعاء المجان، صديقًا لإبراهيم الموصلي وابنه ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم (الأغاني ١٩: ٣١٩) .
ب م: وعلى الفسطاط نرجس؛ السيوطي: وقد سقاه وهو على بساط نرجس؛ والأبيات تنسب أيضًا للحسين بن الضحاك الخليع، كما في تاريخ بغداد لطيفور: ٣٢٥ وزهر الآداب: ٧٠٢ والديارات: ٣٩؛ وانظر ديوان الخليع: ٨٨.
ب م: أيس.
ط: كوثر.
ب م: والجند.
ديوان ابن هانئ: ١٩٣.
ب م: طرفه.
ديوان ابن حمديس: ٨٩
ط: ومعنى البيت الأخير من قول الآخر.
ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
ب: جبتها.
شروح السقط: ٣٠٨.
الديوان: وإصباح.
ب: فانتحى.
ب م: سرجا.
ديوان المعاني ١: ٣٥٨ ومحاضرات الراغب ٤: ٥٤٧.
ديوان تميم: ٧٠.
ديوان البحتري: ٨٠.
الديوان: حتى تجلى الصبح من جنباته؛ ب: يلمع.
الحلة السيراء ٢: ٤٩ والنفح ٤: ٢٤٢ والبيان ٣: ٢٠٨ منسوبين للمعتضد، وسيردان في الذخيرة، قسم: ٢ كذلك.
انظر النفح ٣: ١٩٧.
ب م: ذاهبا.
ب م: أحرقها.
انظر الجذوة والمطمح والنفح ٣: ٢٩٣، ٥٤٦.
ب م: زمرد.
سرور النفس (الورقة: ٧٨) دون نسبة، وحلبة الكميت: ٣٠٠ والأول وحده في الغيث ٢: ١٥٣ والذخيرة ٣: ٨٧٤.
ب م: لم ير.
ط: وابن المعتز قال؛ وانظر زهر الآداب: ٧٧٦.
ديوان ابن المعتز ٤: ٩٨ والأوراق: ٢٦١ وديوان المعاني ١: ٣٤٠ وحلبة الكميت: ٢٧٥.
ب م: إننا لم نر.
مختار الديوان: ٣٤١ والشريشي ٢: ٥٨ ومجموعة المعاني: ١٩٧ وشرح مقصورة حازم ١: ١١٩ والسمط: ٤٤٢.
شروح السقط: ١١٩٧ وروايته: " بجاري النضار ".
شروح السقط: ٤٣٠.
صدره: ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا؛ انظر الصناعتين: ٢٢٢ وديوان المعاني ١: ٣٤٠ وحلبة الكميت: ٢٧٥، وديوان ابن المعتز ٣: ٥٠ وفيه " كاد يفضحه "، والأوراق: ١٨٧ - ١٨٨ وحماسة ابن الشجري: ٢٥٨ - ٢٥٩ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٣.
البيتان في المطمح: ٢٢ والنفح ١: ٦٢١.
هنا تنتهي الترجمة في ط.
البيتان لابن برد في الجذوة: ١٠٨ والمطمح والنفح ٣: ٥٤٥.
المطمح والنفح ٣: ٥٤٦.
من الواضح أن هذه الرسائل قد أدخلت على نص الذخيرة، ولهذا ميزناها بحرف طباعي مختلف، وقد انفردت بها النسختان ب م.
خيسها: ذللها.
الحور بعد الكور: النقصان بعد الزيادة.
ب م: فإن.
فصل المقال: ٤٠٢ والعسكري ١: ٧١.
فصل المقال: ٤٣٠ والميداني ١: ١٩٨ والعسكري ١: ٣١٦.
كذا في ب م؛ وزيادة عار مستوحاة مما سيجيء في السياق.
ب م: العنيان.
ب م: الجلاد.
فصل المقال: ٤٨ والميداني ١: ٢٢٣ والعسكري ١: ١٤.
فصل المقال: ٢٩٤ والميداني ٢: ١١ والعسكري ٢: ١٠٤؛ وأمرته - بفتح الهمزة وتخفيف الميم - وإمرته - بكسر الهمزة وتثقيل الميم - أي نماره وكثرته.
فيه إشارة إلى قول امرئ القيس: " وواد كجوف العير قفر قطعته ".
ب م: الشقل.
ب م: الجلل.
الميداني ١: ٢١ والعسكري ١: ٣١ (أبو الفضل) .
الميداني ٢: ١٥٦ والعسكري ٢: ٢٨٧ (أبو الفضل) .
ب م: مسهد.
ب م: عابرًا.
ب م: لمعاده.
ب م: وجربا.
الجداد - بفتح الجيم وكسرها -: قطف النخل أو الثمار عامة.
ب: حتى إذا أخذت الأرض زينتها وبلغت.
الجرام: صرام النخل؛ وفي ب م: بحرابك.
لعل الصواب: " عقيرته ".
كذا ولعل الصواب: بصرة.
ب م: رأيت.
ب م: حاليا.
وما هذه الربدة في وجه عدوك: عبارة مستقيمة المعنى إلا أن معناها غير ملائم للسياق؛ ولعل الصواب " ما هذه الربدة عدك ".
عند البلاذري (الأنساب ٥: ١٩٤ و٣٦٣ وانظر الاشتقاق: ٤٠٧) أنه قال ذلك لعامله على وادي القرى. ويقال إنه قالها بشيوخ من العراقيين وجههم إليه مصعب.
انظر المخصص ١١: ١٠٢ وما بعدها والتلخيص: ٤٨٦.
قال السيرافي (المخصص ١١: ١٢٢): بسرة موكت، بغير هاء.
ب م: المخرع؛ ولم تورده المعاجم بهذا المعنى.
ب م: ثلثها.
نهاية الأرب ١١: ١١١.
ب م: تنال.
ب م: إزاغة.
هذه العبارة الواقعة بعد الشعر قلقة في موضعها لأنها فصلت بين الأبيات ونثر الكاتب لها، ابتداء من قوله: فقال لها.
كذا في ب م: ولعلها " أخدع " أو " أنزع ".
قراءة تقديرية.
ب م: وأحذر لطول المنعة.
ب م: تنتج.
ب م: واستقل.
ب م: ظهيري.
زيادة لاكتمال المعنى.
ب م: يزنهم.
زيادة للمعنى.
ب م: اسطوانه.
ترجمة أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني في الصلة: ٣٤٣ والمغرب ١: ٩٢ والنفح ٢: ٤٩٦ (نقلا عن الذخيرة) والجذوة: ٢٦٥ (البغية رقم: ١٠٦٥) وبغية الوعاة: ٣١٢ والمسالك ١١: ٣٩٨.
ب م: بالنثر.
ب م: وأراهم.
ب م: وانتثار.
أبو مضر زيادة الله بن علي بن حسين بن محمد بن أسد التميمي الطبني (٣٣٦ - ٤١٥)؛ انظر الصلة: ١٩٠؛ وترجم الحميدي في الجذوة: ٢٠٥ لمن اسمه زيادة الله بن علي ولم يرفع في نسبه، وذكر أنه ألف للمنصور كتاب " الحمام "؛ وقد كان محمد بن حسين أخو أبي مضر ممن دخل الأندلس أيضًا سنة ٣٢٥ واتصل بالعامريين وتولى الشرطة بعهدهم وكانت وفاته سنة ٣٩٤ (الصلة: ٥٦٣) .
ط: شحذًا وملاطفة.
ط: الملوك الجلة.
ط: الإفادة والنجعة.
ب م: نسب.
م: ظريف؛ ب م: الخلقة.
ط: البديه.
ط: نمط.
ب م: جماعة المحدثين.
ط: دريعه؛ ب م: ربعه بالحاضرة.
ب م: علف البر.
ط: ويتكلفهن.
ط: وقد.
ط: وإليتيه.
ب م: لمكان تفرده عنهن.
ب م: جهل.
م: تكاثر.
ط: بانفاذ.
هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال (٣٩٠ - ٤٦٠)، كان بارعا بمعرفة المسائل واختلاف العلماء والفتاوى والوثائق، قدمه المستظهر للشورى سنة ٤١٤ (الصلة: ٦٤ - ٦٥) .
ب م: صريح.
ب م: وعند ذلك.
هو أبو عبد الله محمد بن عتاب (٣٨٣ - ٤٦٢) شيخ أهل الشورى في زمانه، قدم إلى تلك الخطة سنة ٤١٤ أيضًا وكان عليه مدار الفتوى (الصلة: ٥١٥) .
ب م: العيشة.
ب م: قدر.
ط: قوله عن ابن القتيل.
ط: حله.
ب م: لما قتل الأتراك المتوكل.
ط: للخبر.
ط: وخبر قتل المنتصر أباه جعفرًا.
ب م: المستفتح باسمه.
انظر ما تقدم ص: ٣٨ - ٤١.
ديوان البحتري: ١٠٤٨ وروايته " أكان ".
ديوانه: ٤١٨ وروايته " بين مرمل وبين صبيغ ".
ديوانه: ١٧٩٥ وروايته " ومسني على حاجي ذاك الجدا؛ يبتغي لدفع الذي أخشى ".
ديوانه: ١٨٩٢ (مع بعض اختلافات في الرواية) .
الجذوة: ٢٦٦ وانظر المغرب ١: ٩٣.
الجذوة: العابدي.
الجذوة: احتوشتني.
الجذوة: حدثني.
الجذوة: نادت بعقوتي الأقلام ناطقة؛ المغرب: صاحت بعقوتي الأقلام زاهية.
صدر بيت لأمية بن أبي الصلت، وعجزه " شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ".
النفح ٢: ٤٩٧ والمسالك ١١: ٣٩٩.
ط م ب: الخديلمي.
نقل المقري هذه القطعة في الهجاء ٢: ٤٩٧ - ٥٠٠؛ وانظر البيت في ديوان ابن رشيق: ٥٩.
البيان والتبيين ٣: ٥٦ وكنايات الجرجاني: ٣٦.
ب م: يسجد.
النفح: طلقا.
النفح: عظمى.
قصة النجاشي وبني العجلان وردت في الشعر والشعراء: ٢٤٨ - ٢٤٩، كما وردت قصة الحطيئة والزبرقان في الكتاب نفسه: ٢٤٤ - ٢٤٥، والقصتان تترددان كثيرًا في المصادر الأدبية، وقد وردتا بشيء من التفصيل في ب م، ولكن شهرتهما تعني عن إثبات النص المطول.
ب م: قوا.
ب م: وما هجوت أحدًا منهم.
ب م: أن تنشده.
ب م: هذا الكتاب.
ب م: اسمه.
ب: لبعض أهل وقتنا.
ب م: وأنشدت لأبي الحسن.
ب م: شيء.
ب م: يقول.
ب م: وفيما مر منه كفاية.
ترجمته في المغرب ١: ٩٣ وذكر أن الحجاري جعله أشعر بني الطبني؛ وانظر المسالك ١١: ٣٩٩.
وردت أبيات منها في المسالك.
ب م والمسالك: ساومني.
ب م: به.
ب م: عن.
المسالك: والعذق.
المغرب: سالبًا.
المغرب: من وجنتيه.
انظر ما تقدم ص: ٤٤٩.
ترجمته في المغرب ١: ١٣٤ (نقلًا عن الذخيرة والمسهب) وانظر المسالك ١١: ٤٠٠.
ب م: ولم.
ط: والزواية.
ط: وفلاة يوم البلقاء.
الدك: الشعوذة: وقد قال الجويري في كتابه المختار في كشف الأسرار: ٧٤ اعلم أن أهل هذه الصناعة أكبر ودك وزغل،.. وقال في ص ٦٢: وهم صناع في صوغ الكلام والدك على الناس؛ وقال: إني كشفت لهم ثلاثمائة طريقة في الدك، وقال (ص: ٦٣) ومنهم من يجعل دكه فحمة وينزل ما فيها من الدك إلى البودقة ثم تخترق العقاقير التي وضعها في البودقى ويبقى الدك سبيكة وعلى حسب العبارة الأخيرة يكون " الدك " في الأصل بعض المواد المستعملة في علم الصنعة خداعًا، ثم أصحبت اللفظة تدل على " العملية " نفسها. وذكر ابن خلكان لابن شهيد كتابًا اسمه " كشف الدك وإيضاح الشك " (الوفيات ١: ١١٦) وقال الجويري (ص: ٥) إنه رأى الكتاب المذكور وطالعه، وأنه صنف كتابه حاذيًا فيه حذو ابن شهيد.
الناموس: وقوعها بعد لفظة " شعوذة " يشير إلى أنها مرادفة لها، يقول الجوبري (ص: ٣٨): وجعل له ناموسًا من بعض النواميس يأكل به أموال النصارى أعظم ناموس لهم قنديل النور؛ ويقول أيضًا: (ص: ٥٤ - ٤٦) ثم رأيت مع هذا القرد من الناموس ما لا يقدر عليه أحد.
البيت لأبي تمام، ديوانه ١: ١٩.
ط: اللوبان.
ب م: تربية.
ب م: برزت.
ب م: وحكي.
لم أجد " الانبوط " ولعله آلة التقطير، أما القنوط فهو القصبة أو الانبوب (انظر ملحق دوزي) .
هكذا وردت في ط؛ وصورتها في م: اللرحان، وهي غير معجمة في ب؛ وأقرب الصور إليها لبركة labarca أي القارب، وهو مناسب للمعنى، لأنه يتحدث عن الصيد البحري، فلعل اللبركان (اللبرجان) هو النوتي أو صاحب القارب.
بقنة: غير واضحة الرسم في ب م؛ وربما قرئت " ابن بقية " وقد ورد هذا الاسم عند الحديث عن الهدية التي أهداها ابن شهيد إلى عبد الرحمن الناصر، انظر النفح ١: ٣٥٩، ٣٦٠ وأزهار الرياض ٢: ٢٦٤، وهذا المذكور هنا قد يكون ابنا حفيدا له.
ب م: لديه.
ط: قضي.
ب م: بالراحة، ولعل الصواب " وكنت أرضى معه بالراحة ".
ط: التعبير.
أقدر أن يكون صواب القراءة، يأخذ في التعثير والارعاد " أي يعثر في مشيه ويضطرب مهتزًا حتى يستدر عطف المحسنين، لما يرون من عجزه.
ط: بلاه.
هكذا ورد في الأصول.
ط: وطربة.
في النسخ: تنطبع؛ والششون هي البقول التي تطبخ (كالسبانخ وغيره) أو تقلى دون تتبيل (انظر: ششن عند دوزي) .
لم أهتد إلى تبين معناها.
غير واضح المعنى.
ط: غطاط.
ط: دكاني.
السنا الحرمي هو نفسه الذي يسمى سنا مكي (شرح أسماء العقار: ٢٩) والسلك هو العفص (منهاج الدكان: ١٣٥) والران لم أجده في المصادر؛ فإن كان صورة موجزة لضرورة الشعر من " الرنج " فإن هذا هو التاريخ نفسه (شرح أسماء العقار: ٢٨) وإن كان بالزاي فهو خشب معروف.
الحمامي: نوع من النبات يوجد بالشام ولا يعرف بالمغرب (ابن الحشاء: ٣٥) ولبنى هي الميعة السائلة (انظر منهاج الدكان: ١٤٣ وابن الحشاء: ٧٠) .
م: يعني، وربما قرئت في ب: بفني.
ط: أصلحت ما أفسدته.
ب م: فاستكملا.
هذه القطعة لم ترد في ط.
راجع صفحات متفرقة من كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس، للاطلاع على أنواع الثردة والتفايا.
انظر ص: ٩٤، ١١٢ من المصدر السابق.
ألوان للطعام الجملي والمثلث والمري والمخلل والمعسل الخ، (ص: ٨٥ من كتاب الطبيخ؛ وانظر ص: ١٢١ حيث يصف إعداد " جملية ".
ب: يحور؛ م: يجوز.
شريون: حصن من حصون بلنسية (انظر أخبار وتراجم أندلسية: ٧٠ ومعجم ياقوت) .
ط: عانته.
ب م: في الطريق؛ ومنها أبيات في المسالك.
ط: عند.
ب م: كثيبًا.
هذا البيت وأربعة بعد لم ترد في ط.
صورة اللفظة في ب م تشبه: " فراساي ".
قبالة (CAPELO)، قلنسوة، وغالبًا ما تكون للكاردينال.
المغرب: فلس.
ب م: ذي اعتداء.
ط: واعتضت.
ط: المحنة.
ط: يومه.
ط: السقي: ب م: السعي.
ب م: تدور.
ب م: والقط.
القلبق أو القلابق: السلحفاة المائية.
ب م: حجو.
ط: خداريقنا (دون إعجام للقاف): ب م: مداريفها؛ والجراديق: الفطائر.
هذه هي قراءة ط؛ وفي ب م: فنا، وهي قراءة جيدة بمعنى " نوعا ".
م: من أطراف.
ب م: بعد ابن بتري.
ب م: مغنى.
الشيرة: الكيس.
لم يرد هذا العنوان في ط م.
أبو عبد الله محمد البجاني، أصله من بجانة وسكن قرطبة فنسب إليها، وكان كثير الشعر (انظر الجذوة: ٨٦ والبغية رقم: ٢٨١ والنفح ٣: ٣٨٧ - ٣٨٩) .
زاد في ب م: ورأيت له عدة أشعار.
الطليق القرشي: هو أبو عبد الملك مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناسر، مات قريبًا من الأربعمائة (انظر ترجمته في الجذوة ٣٢١ والبغية: ١٣٤٣ والحلة السيراء ١: ٢٢٠ والمغرب ١: ١٨٦ والمعجب: ٢٨٥ والتيمية ٢: ٦١ والمسالك ١١: ١٧٦ ونفح الطيب ٣: ٥٨٦ وكتاب التشبيهات؛ وعنه دراسة في كتابي: تاريخ الأدب الأندلسي، عصر سيادة قرطبة: ٢٢٣ - ٢٣٥، الطبعة الثانية) .
ب م: وهو القائل يومئذ فيه.
النفح: السجن، ب م: الحب.
النفح: رامت.
النفح: كذبا.
النفح: راهنني.
النفح: إذا ارتمى فكري في وجهه.
هنا تنتهي الترجمة في ط.
انظر بعض هذه القصيدة في النفح ٣: ١٩٧، ٥٨٦ والجذوة: ٣٢٢ والمغرب ١: ١٨٦ وسائر المصادر المذكورة في ترجمة الطليق، وبخاصة الحلة السيراء ١: ٢٢٢ - ٢٢٤.
هو ابن فتوح، كما سيرد في ترجمته في هذا القسم.
ب م: الورد.
الحلة: خلى.
الحلة: لها مصباحه فانثنى.
[ ١ / ٥٦٩ ]