فصل في ذكر الشيخ الأديب الكامل أبي مروان ابن حيان (١) والاتيان (٢) بفصول مقتبسة (٣) من كلامه سوى ما مر ويمر منها في أثناء هذا الديوان
ولما تحدث بتاريخه في ملوك الطوائف (٤) بأفقنا استشرفت طائفة منهم إلى مطالعة غرره، وعدوه من فرص العمر وغرره، واهزوا لقطف زهره، وافتقروا إلى مطالعة فقره، واستهدوه إياه، وأجزلوا على ذلك قراه، وأن تسمع بالمعيدي لا أن تراه، [ليس بعشك فادرجي ولا
_________________
(١) أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان (- ٤٦٩)؛ ترجم له ابن بشكوال في الصلة: ١٥٠ وانظر الجذوة: ١٨٨ (والبغية رقم: ٦٧٩)؛ وقد كتب عنه الأب ملشور انطونية رسالة بعنوان Ibn Hayyan de Cordoba y sa Historia de la Espana musulmana (ضمن دفاتر أسبانيا، المجلد الرابع، بونس آيرس ١٩٤٦ ص ٥ - ٧٢)؛ والأستاذ غرسيه غوممس بحث صغير عنه في مجلة الأندلس (المجلد ١١، ١٩٤٦) وكتب عنه الدكتور مؤنس فصلا صغيرًا في كتابه " تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس " ص ١٠١ (مدريد ١٩٦٧) وفي كتاب بونس بويجس عن مؤرخي الأندلس وجغرافييها وللكتور محمود مكي بحث مفصل ضاف عنه جعله مقدمة على القطعة هنالك قطعتان من هذا الكتاب نشر المقتبس (القاهرة ١٩٧١)، وإلى جانب هذه القطعة هنالك قطعتان من هذا الكتاب نشر إحداهما أنطونية (باريس ١٩٣٧) ونشر الثانية الدكتور عبد الرحمن الحجي (بيروت ١٩٦٥) وهناك جزء بفترة عبد الرحمن الناصر من ٣٠٠ - ٣٣٠ وهو ما يزال قيد التحقيق.
(٢) ب م: وإيراد.
(٣) ب م: مقتضبة.
(٤) ب م: ولما تحدث في قص [] بتاريخ ابن حيان، وكان ذلك في مدة ملوك الطوائف.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
كرامة، لإنه] وإن كان فيما قرع من هذا الباب، قد مرى سحابه فصاب، فإنه أخطأ التوفيق وما أصاب، إذ جاء أكثر كلامه كما قال ابن الرومي:
مهما تقل فسهام منك مرسلة وفوك قوسك والأغراض أغراض
وما تكلمت إلا قلت فاحشةً كأن فكيك للأعراض مقراض ومن علم أن كلامه من عمله، أقل إلا فيما ينفعه، ومن اعتقد أنه مسؤول عما يقول ويكتب عليه ما يكتب، لم يستفرغ المجهود في القول فضلًا عن أن يثلب. ولله رد القائل:
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه ومع ذلك فقد كان سهمًا لا ينمي رميه، وبحرًا لا ينكش آذيه؛ لو ثلب الماء ما نقع، أو تعرض لابن ذكاء ما سطع، يتناول الأحساب قد رسخت في التخوم، وأنافت على النجوم، فيضع منارها، ويطمس أنوارها، بلفظ أحسن من لقاء الحبيب غب الموعد، وأمكن من عذر الطبيب عند العود. فرب شامخ بأنفه، ثان من عطفه، قد مر في كتابه بفصل قد جرده لوضع حسبه، وخلده أحدونة باقيةً في عقبه وولده، فيرده ورود الظمآن الرنق، ويلبسه لبس العريان الخلق.
وقد أثبت في هذا الاختبار من نثره ما هو شاهد على ما أجريت من ذكره. وكانت وفاة هذا الشيخ [الباقعة] سنة تسع وستين وأربعمائة.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
@فصول من كلامه في أوصاف شتى
فصل جعله مفتتح تاريخه الكبير، قال في صدره:
الحمد لله الذي علا في سمائه، وتفرد ببقائه، وتسمى الجبار بجبروته [وكبريائه]، فله أسماء الحسنى، والمثل الأعلى؛ خلق الإنسان علمه البيان، وأجرى بيده فلك القلم العظيم الشان، فعلمه ما لم يعلم، وأشهده ما لم يحضر، وكرر عليه نبأ ما لم يلحق من القرون الماضية، والأمم البائدة؛ وأراه سبيل منقلبهم عن هذه الدنيا الفانية، التي استعمرهم فيها قرنًا بعد قرن ليبلوهم فيما آتاهم، فتهافتوا في شهدها، وتهالكوا كالأذبة عليها؛ لا الآخر بما انتهى إليه عن الأول معتبر، ولا الغابر بما مر على الماضي مزدجر، حكمة بالغة فما تغني النذر، إذ كل مقدر كائن، وكل مربوب مسخر.
وبعض لفظه في هذا الأصل محلول، من قول القائل حيث يقول:
ترحًا لدار إنما سكانها رفق مخبه
دار غريب خيرها وترى الشرور بها مربه
أدوت وغاب دواؤها عن كل نفس مستطبه
وصفت محبة أهلها منها لمدغلةٍ مضبه
[ ٢ / ٥٧٥ ]
لم يدر فيها حلوها من مرها إلا الألبة
فتهافتوا في شهدها وتهالكوا مثل الأذبه وله من رقعة:
وبعد، فإني امرؤ يسرت لطلب هذا الخبر، واقتفاء هذا الأثر، أحرس شارده، وأقيد نافره؛ وأبيت بأبوابه، وأنصب لطلابه؛ فشغلت به دهرًا، وفجرت منه نهرًا، صيرني تربًا لعدنان، وزمامًا على الحدثان، أقص أنباءه، وأضرب أمثاله، وأحصي وقائعه، وأحترز مواعظه. وأنسأتني المدة إلى أن لحقت بيدي منبعث هذه الفتنة البربرية الشنعاء المدلهمة، المفرقة للجماعة، الهادمة للملكة المؤثلة، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية، ففاضت أهوالها تعاظمًا أدلهني منها، نفس الخناق، وبلل الرماق؛ فاستأنفت من يومئذ تقييد ما استقبلته من أحداثها؛ فأنعمت البحث عن ذلك عند من بقي يومئذ من أهل العلم والأدب لدينا، فلم أظفر منه إلا بما لا قدر له، لزهد من قبلنا قديمًا وحديثًا في هذا الفن، ونفيهم له عن أنواع العلم. وانثنيت خائبًا خجلًا ألوم نفسي على التقصير، وأحدوها بالأمل، وأعذر من قال " هممت ولم أفعل "؛ وشرعت في التقييد غب ذلك التفنيد، غير مخل به
[ ٢ / ٥٧٦ ]
ووصلت القول فيما فاتني قبل من ذكر انبعاث تلك الفتنة، وأخبار ملوكها، ومشهور حروبها، مما أصبت به عندي تذكرة، أو أخذته عن ثقة، أو وصلتني به مشاهدة، أو حاشته إليّ مذاكرة؛ حتى نظمت أخبارها إلى وقتي مكملة، وجئت بها على وجوهها، وأوردتها على سبوغها؛ ناشرًا مطاويها، ومعلنًا بخوافيها، غير محاب ولا حائف في الصدق عليها، سالكًا سبيل من ائتسيت به من مستأخري أصحاب التاريخ بالمشرق، كأبي محمد الحصني، وأبي بكر ابن القواس القاضي، والفرغاني، ونظائرهم من أعلام الفقهاء الذين لحقوا الفتنة الحادثة عندهم بالمشرق بعد الثلاثمائة، من تصريحهم بأخبار أمرائهم المتوثبين على المملكة عند وهن متقلدي الخلافة فيهم. فلأمر ما اعتنوا بذكر أخبار الأعاجم هناك من الديلم والأتراك، مع عدم الفائدة فيها وتفشي العار بوجوهها، وبعدها مما كتبه من قبلهم من أخبار ملوك العرب صدر الإسلام لفظًا ومعنى، وعقدًا ومبنى؛ حتى توسعوا في ذكرها، وتناعوا في التنقير عنها. وإن ذلك لا محالة كان لاستغرابهم شأنها، وإكبارهم مجيء الزمان بمثلها، وإشارتهم إلى أنها طرقت هادمة لما بنته الدنيا، مغيرةً لمحاسنها، مزهدة فيها، مؤذنة بانقطاعها، كي يكون البقاء لمن تفرد بجبروته، ويدوم البهاء لمن لا تتساط الغير على ملكوته.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
فركبت سنن من تقدمني فيما جمعته من أخبار ملوك هذه الفتنة البربرية، ونظمته وكشفت عنه وأوعيت فيه ذكر دولهم المضطربة، وسياساتهم المنفرة، وأسباب كبار الأمراء المنتزين في البلاد عليهم، وسبب انتقاض دولهم، حال فحال بأيديهم، ومشهور سيرتهم وأخبارهم، وما جرى في مددهم وأعصارهم، من الحروب والطوائل، والوقائع والملاحم؛ إلى ذكر مقاتل الأعلام والفرسان، ووفاة العلماء والأشراف، حسب ما انتهت إليه معرفتي، ونالته طاقتي.
وكنت اعتقدت الاستئثار به لنفسي، وخبأه لولدي، والضن بفوائده الجمة على من تنكب إحمادي به إلى ذمي ومنقضتي، طويت على ذلك كشحًا، وأوجبته عزمًا، إلى أن رأيت زفافه إلى ذي خطبة سنية أتتني على بعد الدار، أكرم خاطب وأسنى ذي همة، الأمير المؤثل الإمارة المأمون ذي المجدين، الكريم الطرفين، يحيى بن ذي النون.
وفي فصل له من أخرى، صدرها:
يا مولاي وسيدي، قحطاني زمانه، وغلاب أقرانه، المتوقي في ملكه من ضر اعتماده عليه، ومن هنأه الله جليل الفتح له، وعلى رعيته به، ولا ألهاه طمحان السرور بجلالته عن تحقيق التواضع لمولاه، وإخلاص الخشوع لوجهه، والعياذ بعصمته، من إقراف ما جر مثله على مقترفه، وسؤاله تسويغه إياه، بالنخل له، والفوز بجميل عافيته، بمنه.
وله من رقعة خاطب بها ابن عباد بظهوره على ابن ذي النون:
لو أن فتحًا اعتلى عن تهنئة ممنوحة بارتفاع قدر، أو جلالة صنع
[ ٢ / ٥٧٨ ]
أو فرط انتقام مستأصل، أو تنزل حكم من الرحمن فاصل، لكان فتحه هذا لك، على عدو أسود الكبد، مظاهر البغي على الحسد، طال الله ما استحييته لا من خجل، وتنكبته لا عن وهل؛ فأبى له رأيه الفائل، وجده العاثر، وحينه المجلوب، وحزبه المكبوب، إلا اكتساب العار، ومماتنة محصد الأقدار؛ فجمع الجيش ذا الألوف، وتجشم الشقة العنوف، ثم لا يرزأ العدو الغائظ له إلا التسلط على ضعفاء رعيته بإفساده لأقواتهم، ونيله من دماء المحاويج منهم، إلى التقاط سقاط سنبلهم؛ فكم نال فساقه الذي أرسلهم عليهم من دم أرملة غرثى، ويتيمة كفرخ الحبارى، إلى من أصيب فوقهم من عابر سبيل وضارب لمعيشة؛ مؤيم نسوة وموتم صبية؛ أضحوا طعم ذئاب.
وفي فصل منها:
حتى ابتعثك امتعاضك تحت صدق العزيمة، ومهل الروية، وصواب التدبير، وتقدم الاستخارة، مستظهرًا منهن بعدة ضربت عليه بالأسداد، باعدته عن السداد؛ وابتعثك تعالى للسمو إليه لما دنا منك قبل اكتمالك في الاحتشاد، وانتهائك في الإعداد؛ ويسرك لرميه بأهزع الكنانة
[ ٢ / ٥٧٩ ]
ومظنة النجابة، وطليعة السعادة، الحاجب سراج الدولة سيد العرب أنعم الله به عليك في من حضرك من خاصة الغلمان، لله درهم من حماة حقائق، ومدركي أوتار، ورحضة عار، اهتدوا بقمرهم الساري، وليثهم العادي، وحاميهم الواقي العبادي، مقتفيًا أثرك في محمود مواقفك؛ طرف الله عيون حسدتك فيه، ومتعك بما منحك من يمن طائره وسعده اللذين بهما انقض على عدوك انقضاض الكوكب الساري، فخسف به وبجمعه، أحفل ما كان في عديده، وأوثق ما هو بجنوده، فطواه طي الرداء، وغل أيدي كماته عن إعمال القنا، وأرغى فوقهم سقب السماء، فاقتسمتهم أيدي الحتوف بين حر الحديد وبرد الماء [أولى لهم فأولى: قبل الله معذرة المستكرهين منهم، وقارض سواهم بطاعتهم لظلوم فر عنهم فرار الظليم، وأسلم بائيًا بالعار الذي قدمًا تحاماه ذوو النهى، ورأوا أن الموت منه أحجى، ولم يقرنوا بمعذرة الحارث بن هشام ما الفرار منه أحرى] .
وله من أخرى يعاتب صاحب الصلاة ابن زياد:
يا سيدي المعتلي بسمو رتبته، المعتدي باعتداء بصيرته، ومن أصحبه الله التوفيق، وأقامه على سواء الطريق، ونحاه من معتبة الصديق: [من كلامهم]: إن أدهى المكروه ما كان من تلقاء المحبوب، لا سيما إن قارن فادح نكبة، ووافق كارث مصيبة، فزادها حطبًا وأشعلها نفخًا، وتلك داهيتي العظمى بك، إذ علمت عظيم محنتي بأمتي الفاجرة، التي فلت غربي، وفرت كبدي، ونظمت أشتات المصائب في سلكي، خبلًا للبال، وثلمًا
[ ٢ / ٥٨٠ ]
للمال، الذي لا تنام العين على حزازته وتنام على الإثكال. وكان الظن لتشيعي فيك أن تأخذ بحظك من مشاركتي، فتنكبتها، وتجاوزت إلى قطع آصرتي وتذكية لوعتي، بقيامك دون الخبيثتين النطفتين ابنتي قباط الحناط، جارتي جنبي، ومسببتي كربي، اللهجتين سرًا وعلانية بأذاتي وإمداد أمتي الفاجرة خليلتهما في غيها لكون بيتهما دبر بيتي في حائط يليهما. فلم تزل تناولها منه ما تسلله في الفلتات والخرجات السيئات حتى استأصلت متاع البيت.
وفي فصل منها:
وقد كان صاحب المدينة ذهب إلى اعتقالهما بما لاح من ظلامتي، فبادرته أنت واستنقذت وزكيت غير مستثبت في مآل من استنقذته، ولا سائل عن باطن من زكيته، وشككت السلطان في صدق تهمته، فهل سبقك إلى مثل هذه العجلة قيم شرعة، أو فارس منبر، أو واعظ أمة - فتعلم الآن أن قد قمعتني قمع المقهور، ودحرتني دحر المليم المأزور، وحركت علي من اعتكار الضمير، وفساد التفكير، ما لم أمتلك معه والله عن عرض اسمك عليه، والنجوى ببثي إليه؛ ورجل الدولة الذي اعتمدته بخطابك، وثنيت غربه عن النظر لي، قد حل يده عن ذلك، وأرسلني مخلى العنان في ميدان الخصام الرحيب الساحة؛ وكنت حسبت أنه منحرف
[ ٢ / ٥٨١ ]
عني فلذلك ما انتحيته بكتابك، وحسبت أيضًا لشغل بالي أن سراك تحت الظلام خفي علي إذ تحدث وتغزل، وأنا عنك بمعزل.
وله من أخرى خاطب بها ذا الوزارتين أبا القاسم ابن عبد الغفور: لا أبثك من ذكر حالي لانثلال عرشي، وانفلال غربي، بما أخشى تناسيك له، أو ونيك في المعونة عليه، فأنت طودي من بين هذه الهضاب، ومصدق ظني فيما ينوب من طلاب، الموحي بأشجاني إلى جنان الملك اللباب، نهاية الآمال الرغاب، أقرضك الله بغير حساب.
وخاطبه الوزير الأجل أبو بكر ابن زيدون برقعة يقول فيها: وللذي أسكن إليه من حسن قبولك، وجميل تأويلك، أقابل بالحقير، وأواجه بالتافه اليسير. ويعلم الله تعالى لو تاحفتك بهبة عمري، ما رأيت ذلك كفاءً لقدرك، ولا وفاء ببرك، فكيف ما دونه - فلك المنزلة التي لا تسامى، والجلالة التي لا توازى، وما شيء وإن جل إلا ومحتقر لك، مستصغر عند محلك. ويصل مع موصل كتابي هذا ما ثبت ذكره في المدرجة طيه، وأنت بمعاليك تتفضل بقبوله، وتصل أجمل صلة بالتغاضي عن وتاحته، والاستجازة لنزارته، مقتضيًا بذلك شكري وحمدي، ومستبدًا منهما بجميع ما عندي.
فراجعه ابن حيان برقعة يقول فيها: إن لفجآت المسرات الباغتة لآمال النفوس
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الحائمة صدمات تذهل الجنان، وتعقل اللسان؛ فمن فرح النفس ما يقتل، ومن باهر الصنع ما يذهل، ولا كمثل ما فاجأني من فضلك المبتدر ميقاته، المقتضى المزيد فيه على وفاق من إنفاض الأزودة، وخمود المصابيح المعلة، وعنة من الظنون المخوفة ينكد السنة. لم يشغلك عن جودك شاغل حتى قضيت نذرك في لأول وقته، ولم ترض بعادتك المتكلفة لي بشأن الدهن، حتى تحملت عني ثقل القوت؛ فلم أكد أشم برق الزيت، حتى نلت ودقه، حاشدًا لأحمال البر التي استحقبت أعداله [أوطابه] فأسلات غرته. وطرقني قطار هديتك الفاجئة غداةً أصبحت فيها منفضًا من الزاد، مستوفزًا للارتياد؛ فأجلت عيني منها في حديقة مجد لم يصبها مطر، ولا تكممها زهر، أكسبت فرحي دهشًا، وأحالت بياني بلها، حتى نوولت كتابك الكريم، ونظرت في لآلئه التوم، فيالي به من اهتزاز لذكرك، وارتياح لطولك. فجوزيت أوفى جزاء المنعمين، وأوفر قرض المحسنين، بما أرحت من فكري بكشفك عنتي في أديم يوم هم عام، فعمت فيه أوعيتي، وأفهقت آنيتي، مع أنك قتلت شكري، فلا فضل فيه لمقابلة
[ ٢ / ٥٨٣ ]
معروفك إلا إمحاض الدعاء لك، في حراسة مهجتك، ودوام نعمتك، واستبصار الملك الأعلى عميد الورى مستكفيك، في حسن رأيه فيك. أعاذك الله من عين الكمال، ووقاك طوارق الأيام والليال، وحفظ على زماننا ما فيك من كرم الخلال، وأنهضك بما التزمته من إحناث من أقسم أن الجود في عصرنا عدم لا ينال، بمنه ويمنه.
وله من أخرى يهنئ بعض العمال بخلاصه من نكبة: كتابي عن نفس قد أشرق وجه صباحها، وهبت رياح ارتياحها، وسرى نفس السرور فيها، بما طلع علينا من البشائر السارة بخلاصك، وجميل انفكاكك ومناصك، على حين بلغت قلوب الأوداء الحناجر، وكادت موارد الحزن لا تكون لها مصادر، فإن الأيام عمت فيك، بإساءتها إليك، كل منتسب إلى فضل، متسم باسم نبل، وإن كانت قد أصابت فيك سواد ناظرها الذي تضيء به وتتجمل، وسخت منك بحلي جيدها الذي يحق به أن تبخل، فذلك خلق لها لم نزل نصحبها عليه اضطرارًا لا اختيارًا فالحمد لله الذي كفى ووقى.
فأنت أعلم بمجاري الأمور، ومصاير الدهور، وأهدى إلى التسليم
[ ٢ / ٥٨٤ ]
للمقدور، فلم تورد الأيام عليك من حوادثها المجهول النكر، ولا وردت عليك بالفتكة البكر، ولا هاضت منك بما جنته، ولا هدت من ركنك بما أتته، بل صادفت منك الإبريز الذي لا يزيده السبك إلا تخليصًا، والمبرز الذي لا يعقبه حؤول الأحوال نكوصًا؛ تتلقى الخطوب بصدر وساع، وصبر منفسح الباع؛ وتسبر الدهر بمسباره، وتعرف من مكنونه حقيقة إيراده وإصداره.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
@وهذه فصول مقتضبة من طويل كلامه في تاريخه،
@وكنيت عن أكثر من به صرح، وأعجمت باسم
@من به أعرب وأفصح، رغبة بكتابي عن الشين،
@وبنفسي عن أن أكون أحد الهاجين، إلا في بعض
@أخبار ملوك الطوائف، لما تعلق بذكرهم من فنون المعارف
وله إلى ابن عبد الغفور، وقد أعاره سفرًا من تاريخه:
ليس يخفى عليك مكان هذه الصحف المستملاة من الصدور، المستعراة من النظير، من أنفس مؤلفيها، وقلوب مصنفيها، فأثبك شأن الاهتمام بها. وناولتك يوم التقينا السفير الحقير، ختام تاريخي المهجور، سائلًا علاك تصفحه كيما تكذب ما زور فيه علي، ولا محالة أن قد فعلت، ورددت وجهدت. واستأخر صرفه إليّ، فحملت ذلك على نسيانك، لتقسم الأشغال لخاطرك، ولمناخ القلق بي: " ويومان من هجر الحبيب كثير "؛ ونفسي منطلقة إلى حضوره حذرًا من أن يعدوك، فلا أستقبل فيه الحيرة. فنفضل بصرفه غانمًا حميدي، إن شاء الله.
فصل:
نعي إلينا فلان، وكان في غفلته، وبعد فطنته، وغباوة شاهده
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وفجاجة شمائله، وشكاسة خلائفه، آيةً من آيات خالقه، من رجلس نسمة ريب، وقرارة حرب؛ على لسانه نملة تدب على أعراض الناس، لا يراعي لأحد ذمةً، فصار مشنوءًا إليهم ومرهقًا في دينه محرومًا، لم ترتفع له قط حال، ولا فارقه إقلال، ولا أتيح له مرفق إلا من حيث يرتشيه، لتلقين خصم أو توهين عقد، أو دفع حق بمشاغبة، أو بهت خصم بمعاندة، له في ذلك نوادر محفوظة. وكان مع هذه المساوئ وسخ الثياب، زمر المرؤة، محكل الأظفور، وضر الطوق، داني الغائط من المائدة، لا يتقذر شيئًا ألبتة. وهو أول من لاعن زوجة بالأندلس فأرى الناس العمل في اللعان بالعيان.
فصل:
وكان فلان من البخل بالمال، والكلف بالإمساك، والتقتير في الإنفاق، بمنزلة بذ فيها ملوك عصره. لم يرغب قط في صنيعة، ولا سارع إلى حسنة، ولا جاد بمعروف، فما أعلمت إلى حضرته مطية، ولا عرج إليه أديب ولا
[ ٢ / ٥٨٧ ]
شاعر، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر، ولا حظي أحد منهم بطائل، ولا استخرج منه درهم في حق ولا باطل، فأصبح في اللؤم قريع دهره، وفريد عصره، لا يعد له فيه ملك ولا سوقة. وكان فرط الثوار بصقع الأندلس في إيثار الفرقة، وتشتيت كلمة الجماعة، فاقتطع ناحيةً، وتفرد في الشقاق، وصار جرثومة الخلاف والنفاق، إذ أمه من بعده، وسلك سننه، فتركه الله في ضلاله ولم يرض له عقوبة الدنيا مثوبة، لما هو أعلم به. من رجل كثرت جبايته، وكثف جمعه، فكلما درت ضروع ورقه وتبره، وغزرت استفادته، زاد حرصه، وتضاعف جشعه:
كالحوت لا يكفيه شيء يلقمه يصبح عطشان وفي البحر فمه فصل:
ونعي إلينا عدو نفسه، زاوي بن زيري موقد الفتنة بعد الدولة العامرية. ورد النبأ بمهلكه في القيروان وطنه، بعد منصرفه إليها خاملًا مغمورًا بين أعاظم قومه، لم يرتفع له ذكر بينهم. مهلكه كان - زعموا - من طاعونة أصابته. فالحمد لله المنفرد بإهلاكه، الكفيل بقصاصه؛ فلقد كان في الظلم والجور، والاستحلال للمحارم والقسوة، آية من آيات الله؛ أهان الله مثواه، ولا قدس صداه.
فصل:
وانكدر على أثره من الظلمة المسرفين المترقين من السمسرة إلى شرف المنزلة، فلان الكاتب الضعيف الرأي [والعقل] . وكان قد ركض في حلبة كتاب الرسائل، وقلد جملة من تدبير الأعمال الجلائل، من غير
[ ٢ / ٥٨٨ ]
معرفة، ولا قديم أبوة، ولا إحكام صناعة. ومن استخدام مثله في شيء من العمل كانت حذرت حكماء الملل والفلاسفة الأول، لاجتماع الخلال الذميمة فيه.
فصل:
ونعي إلينا فلان صديق فلان، وكانا أخص أخوين، فرق بينهما من عافى الفرقدين. من رجل مرخص في السماع، صب بإنشاد الأغزال المفتنة، مسامح في النبيذ، ظنين الخلوة عهرها، حاط في بعض اللذة، مسف إلى الرشوة، إلى شكاسة خلق وحدة يكدران صفوه، ويبعدانه عن رصانة طبقته.
فصل في بكيء:
وكان فلان مع تحققه بعلم اللسان، في غير ورد ولا صدر من البيان، مقلًا من العلم، مقلدًا، بريئًا من البلاغة، جريئًا على الخطابة، بإيراد ما حفظه من قول من قبله، يطيل مع ذلك فيخرج عن الغرض المقصود. وكان أول ما قام بذلك المقام اختصر القول، ليتخلص من مأزق ضنك لم يقمه قبل. ثم استمر على ذلك فازداد مع المرانة عيًا وحبسة، ونثر ألفاظه ولم ينسقها، وطمس معانيه ولم يكشفها، وأقل الابتداع، وحذف
[ ٢ / ٥٨٩ ]
الحديث، وأدق الكلام، وأحال النظم لما يسرده، فشهد مقامه ألا حر بالواد، ولا فارس للأعواد.
فصل:
وكان فلان غليظ الطبع، خشن الجانب، وخيم الخيم، فدماص جهم اللقاء، يعتريه ضجر يخل به، قلما ينجو الخصم منه من بادرة، له في ذلك أخبار شائعة. وكان فيما زاد من علته خطأ الطبيب لإصابة المقدار، فبان عليه أثر خطأ العلاج.
[قال ابن بسام]: وهذا محلول من قول ابن الرومي:
والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة المقدار فصل:
ونعي إلينا فلان، وكان فظًا قاسيًا ظنينًا جشعًا جبارًا مستكبرًا قليل الرحمة نزر الإسعاف زاهدًا في اصطناع المعروف، أحد الجبابرة القاسطين على الرعية، المجترين على رد أحكام الشريعة وكان مهلكه - زعموا - من طاعونة طلعت عليه ببعض أطرافه، فتجاسر على قطعها بفرط جهالته، فمات معذبًا في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
فصل:
ومات فلان الغني العبام، حجة الله في الرزق وغيظ الأنام، فنهض بريئًا من كل خلة جميلة، تدل على فضيلة، إلى عي غالب [عليه]؛ وكان أخوه مثله في الأفن والجهالة، وكلاهما ممن استهينت به خطة الوزارة بحملهما اسمها الخطير الأثير، من غير تعلق في حديث ولا قديم، ولا معرفة بشيء من التعاليم.
فصل:
وكان فلان من جمع الحطام الدنيوي والكلف بالترقيح، ما حدث عنه فيه كل قبيح، مع انطلاق يده على الأوقاف، وأكل أموال اليتامى والضعاف. أخذ بأوفر حظ من الفلاحة، وضرب بأعلى سهم وأفوز قدح في التجارة. ثم تجاوزهما ثانيًا عنانه إلى الاستعمال والعمارة؛ فكم زوج من عوامل البقر مسومة بالاحتراث لسنام الأرضين، محمولة على هام عتاة الجبابرة، إلى عدتها من بساتين ودكاكين، ومنازل مغلة، إلى أعجل جريًا منها وأسرع دورانًا مع الساعات من مناسج الحرير المرتفعة، يحوكها في طرزه، ويرفع له فيها السوق، فيقبض الربح، ولا يستكف سحت الظلمة بأفحش القبح كل القبح. كل هذا من داء الفتنة المبيرة، ولا يزال مع ذلك مضاع الجار.
[ ٢ / ٥٩١ ]
فصل:
ونعي إلينا فلان، وكان مع ثروته مضاع الجار، ممطول الغريم، عاتب الصديق، مكرهًا إلى الأنام، معضوضًا بأنياب الملام؛ مقدمًا في صدور الأمثال ببسطة الرزق، على ضيق الباع في العلم والفضل، والاتساع في الجهل، فلا يحفظ من الفقه مسألة، ولا يوثق من الشروط عقدًا، ولا يتخلص في التلاوة من سورة، ولا يفيض في الأدب ببيت شعر، ثم يأوي بجهله إلى حرج صدر، وغالب نزق، فلا تلقاه الخصوم أبدًا إلا سريع التغضب سيء التناول، ينازق الذباب شراسة. سولت له نفسه الجهول أنه قاض لما ناسب الذكاونة، وأول من ظفر من قلانسهم بطويلة، فنبذ مسحاة الفلاحة، وأعجبته نفسه الغثراء فخال أنه إمام الأمة المستظهر على الإمارة، فارتقى إلى الغي ذرى شاهق زلت منه قدمه، فهوى في الحضيض أسرع من رقيه. غره ابن عمه الشهير البطالة، السفيه الماجن، من رجل دد، لم يكن قط من الجد في صدر ولا ورد، دن شراب، وزير قحاب، دفتره الدف، وتسبيحه السخف، وأنسه بكأس وقينة، ودرسه لنميمة وغيبة، وقضمه لحوم الغافلين، ورأيه رأي المستهزئين. إنما أربه بطنه وفرجه، وهمه عيبته وخرجه، وبطانته كل بطال ماجن ماجن ومأفون عائب، يرضون منه بالكسرة والعرق، جزيئين على تمزيق أهب الخلق، يتجسسون
[ ٢ / ٥٩٢ ]
له عن أخبارهم، ويهدون إليه معايبهم، بها يعمر مجلسه وينفي ساعات كسله، وبنوادرها يهز مزهره، وترسل النغم عليه رياح ضلوعه. فيالك من شق بلا فصل، وإرهام من غير هطل، يقطع دهره بتعميره الموائد، وتعطيله المساجد.
فصل:
ونعي إلينا فلان الدغل، غازله السل، كالأفعوان الصل؛ وكان أحد أعاجيب الدنيا في الفجور والخبث، والزهو والكبر، والعقوق والجرأة وانكدر إثر مهلك الجبارين المذكورين؛ وكان من أكابر الظلمة المترقين من السمسرة صدور الفتنة، يجوب البلاد ابتغاء المعيشة، ولا يحاشي الترقيح عن ارتكاب كل قبيح. ولم يكن إلا " كلا " حتى فتحت له أبواب الرزق على عاميته وأفنه وأميته. وكان إذا كتب مضطرًا يضحك من تأمله، له في ذلك نوادر محفوظة أمسى بها من حجج الله تعالى في الرزق المقسوم: لو كانت الأرزاق مقسومة على الحجى لم يرزق.
وهذا من قول حبيب.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
فصل:
وفلان أحد من انسدل عليه السرت في هذه الفتنة المبيرة، وكان على نباهة اسمه عاطلًا من الفضائل التعاليمية، إلا أنه كان ذرب اللسان، كثير النوادر، ذا جواب حاضر، وكان يقلب بالجني؛ فعاتبه يومًا فتى من قريش المروانيين بقرطبة فقال له: ما عندك من خبر السماء - فقال: انقراض سلطان بني مروان؛ فأفحمه.
فصل:
وصدر فلان مع أصحابه الرسل، وقد امتلأت حقائبه مما قمشه من السحت، بضروب الكدية والشحذ، وبخل حتى بالزاد المأدوم في الطريق، وضن به على الرفيق، وأشرج عليه الجوالقات تأميلًا في توصيله للبيوت في حمارة القيظ حتى زنخ، فكان أحرص الوفد - زعموا - على قمش ذلك السحت، وأغوصهم على استخراجه، وأشرههم على التعرض بطلبه، فلان منهم الولي اللوم العاطل من كل حلية جميلة تدل على فضيلة، فإنه حملت عنه في ذلك أخبار، إلى زيادة مساو فيه غضت ممن أرسله وصرفه.
قال ابن حيان: ولولا أن أكون لهم مغتابًا، ولرسل نفذوا عن البيضة ثلابا، لشرحت من مساوئ أخبار هذا الوفد أكثر مما وصفته.
قلت أنا، صاحب الكتاب: حاشاك أبا مروان من الثلب والاغتياب.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فصل:
وفلان ساذج الكتابة، بين الجهل والتخلف، طلق اللسان بالحنا والهجر، أحد الأفسال من أولي النباهة، عظيم البطالة والباطل، ومن كل حلية جميلة عاطل، من رجل عي اللسان، مثلوم الجنان، فدم الخلقة، طويل اللحية متهافت، لم يرهف الأدب طباعه، ولا استخرج منه كلمة حكمة.
فصل:
ومن غرائب هذا الدهر الغفل في اعتبار تحول العالم، والتنويه بمضاعي الأسافل، أن هلكت أم عجوز لبني كوثر، فاهتبل بنوها في السعي لها، وإنذار طبقات الناس لشهود جنازتها بأنفسهم والمشي على أعاظم القرية بنعيها، فسارعت طبقاتهم لشهود جنازتها، فجيء بسريرها، وابن جهور الوزير يقدم حضارها ماشيًا على قدميه، قد ائتسى به كل ذي منزلة رفيعة، ووقف على جدثها إلى أن ووريت وانفض جمعها، ثم ضرب على قبرها قبة عالية تمهيدًا للمبيت عليها طول أسبوعها ومدة زيارة قبرها، حسبما كنت الجبابرة تفعله في الأعصر الخالية على قبور الملوك الأغرة؛ فقضي العجب بمشاهدة هذه النادرة في امرأة من [نساء] حثالة العامة، مرددة في الخمول، لم يكن قط بينها وبين النباهة من كلا طرفيها نسبة
[ ٢ / ٥٩٥ ]
في الدولة القريبة ولا البعيدة، ولا ظفرت ببعل مثر ولا ذرية نبيهة؛ عهدي ببعلها الشيخ مطرف ناجل هؤلاء الصبيان من بنيها قرنبى حزقةً، أحد سماسرة البر بقرطبة، يروح بها يومه الأطول كميش الإزار، أعظم أفراحه ظفره بقوت يومه. وكان مع ذلك كثيرًا ما ينتاب الخانات على قله وقماءة حاله، فيروح نشوان العشيات يمسح الأرض بأسماله. وكان له تقدم في ضرب القرقرة، محكمًا لأفانين إيقاعها. فسبحان الكبير المتعال، ناقل الأحوال مبدل العسر يسرا.
فصل: وتوفي فلان، وما علم بموته لخموله، وأخنى الدهر على أهل بيته؛ على أنه كان خالفةً منهم تطبعًا، عاطلًا من كل خلة تدل على فضيلة وله أولاد سخف قاسموه الجهل شق الأبلمة.
فصل:
وتوفي الوزير الحسيب، أحد أعاظم القرية قرطبة، فسيء عوام الناس بمهلكه. لعفاف كان يبديه، وبشر يشيعه ويستعمله، وينطوي من أمثاله لأهل الدنيا على ضده؛ إذ كان زاهدًا في إسداء المعروف، راغبًا عن اتخاذ
[ ٢ / ٥٩٦ ]
الصنيعة، تاركًا للمواساة، شرهًا إلى الحطام الدنيوي، عطلًا من جميع التعاليم المحظية، لا يجيل في شيء منها قدحًا، ولا يقيم لسانه لحنًا؛ وكان قد عضه صرف الزمان المتقلب بأهل بلده فأقعده إلى الأرض، واضطره إلى التوكل على مساحته، مرقحًا معيشته بعمارة بستانه، إلى أنعطف الدهر عليه بصحبة متوثبي السلاطين المنتزين على الأقطار وسط الفتنة، فخاض معهم، وصار أخص من مارسها، وشاطر السلطان خطة المواريث، ولزمه العمل على ذلك فسلخها نيفًا على عشرين سنة، مرى فيها درتها من غير تعقب ولا توقع عزلة، إلى أن تولت ذلك منه المنية، وقد اقتعد الثرى مطية.
فصل:
وتوفي الفقيه النبيه، السريالمغفل، المجتمع على كمال خصاله، المتفق على كمال خلاله، بقرطبة، أبو القاسم سوار بن أحمد، ختام رجال المملكة بها، وسوار معصمها لدى أيام الزينة، وكان حليمًا وقورًا ركينًا، مطلق البشر، حسن المشاركة، متوددًا إلى الناس، وجيهًا إلى السلطان - على انزوائه عنه، وقد أراده أمراء التصرف فاستعفاهم، فخلوه واختياره، وكسوه أثواب الوزارة فنضاها، ولم يعج عليها ولا ارتضاها، حتى سقط
[ ٢ / ٥٩٧ ]
عنه اسمها، وكان على خصاله الجمة من أحفظ الناس لأخبار بلده قرطبة وسير ملوكها المروانية، وأحصاهم لنوادرهم وآثارهم وعيون أخبارهم، بفصاحة لسان، وخلابة منطق، وحسن إيراد، يصور إليه الأفئدة.
فصل:
من رجل غبر دهره، عطلًا لا ينظر في شيء من التعاليم،، إلى أن فتح الله عليه درس هذه المسائل الفقهية، فركض في حلبة الفقهاء المشاورين، وقدم لعلو السن لا لعلو الدرجة، وكان في ذاته كريه الطلعة، باذ الهيئة، درن الكسوة، هزيل الدابة، يمتهن نفسه في خدمة أهله، مما يتنزه عنه كثير من العامة، تقتحمه عيون الناس ويحصون نوادره، وكان موصوفًا بالنهم، على ضؤولة جسمه، وانهداد قوته، وملازمة الذرب لمعدته، وطلبه لعلاجها.
فصل:
من رجل معدن من معادن الجهل والأفن والغباوة، وحجة من حجج الله تعالى في الرزق، واستظهر بما رأى الناس فيه من شدة وطأة المجاعة بما شاء من وفور الزاد وكثرة الطعام ونفاسة البر وسعة الثروة، فاغتدى على فرط الزلزلة في المجاعة بكثرة القوت والطعام أرسى من ثهلان وثبير، بما
[ ٢ / ٥٩٨ ]
يفوت التقدير، وولي المظالم صدر اكتهاله أيام التخليط الواقع بمنبعث الفتنة:
ومن المظالم أن ولي ت على المظالم يا فزاره فصل:
ومضى فلان فأدرج في جننه غير فقيد، لم تبك عليه غير نفسه، إذ لم يكن لغيره نصيب في خيره؛ لأنه كان جهم المحيا، باسر اللقاء، مشنأ إلى الورى، شكس الجبلة، كز الخلقة، سريع الضجر، شئن الطبيعة، متغمغم المنطق، لا يكاد يبين الكلام، لا طريق للخير من وجه عليه، ولا يتأدى بسبب إليه؛ وكان مع ذلك مصاحبًا للظلمة من أمراء الفتنة، خواضًا في دولهم المدلمة، معينًا على مظالمهم الموبقة، قد رزق الحظ في شأنه. وبعد الصيت في جودة حوكه لأعماله، فاكتسب وثري من المال، محوطًا بمنيع الجاه، مغلولًا بوثيق من الشح، لا يتسلط عليه حق ولا باطل، ولا يمتريه مجتد ولا سائل، ولا حظي أحد منه بطائل.
فصل:
وكان حجة الله في القسم، ومحنته لذوي الفهم، إذ كان من الأمية والعامية وخمول الأصل، ونذالة الفرع، ولؤم الأطراف، ودخلة الأعراق، على ثبج عظيم، وبمكان مقعد مقيم، وعفو الله لا يبعد عمن جاءه بقلب سليم.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
فصل:
وانكدر بإثر وفاته ابن باشة المعروف بالأصغر، هدام القصور، ومبور المعمور؛ وكان من التبحبح في اللؤم، والالتحاف للشؤم، مع دناءة الأصل والفرع، وتنكب السداد، وتقيل الفساد، على ثبج عظيم. بيده بادت قصور بني أمية الرفيعة، ودرست آثارهم البديعة، وحطت أعلامهم المنيعة. وصار من البديع أن قدمه ابن السقاء مدبر قرطبة وقت النظر في جميع آلات ما تهدم من القصور المعطلة؛ فاغتدى عليها أعظم آفة، يبيع أشياء جليلة القدر، رفيعة القيمة، في طريق الأمانة، ولم يك مأمونًا على باقة بقل؛ فعاث فيها عياث النار في يبيس العرفج، وباع آلاتها من رفيع المرمر، ومثمن العمد، ونضار الخشب، وخالص النحاس، وصافي الحديد والرصاص، بيع الإدبار. ولم يزل ينفق ما غل بمرأى ومسمع في أبواب الباطل، حملت عنه في التبذير نوادر تشهد بأن الدار ليست بدار مثوبة ولا جزاء. وكانت رسل أملاك الأندلس تأتيه كثيرًا في ابتغاء ما لديه من تلك الآلات بالأثمان النفيسة، فيبذلها هو في أنواع الضلالات إلى أن استنفدها على طول المدة، ثم فقر آخر مدته، واختل واعتل، ووافته منيته
[ ٢ / ٦٠٠ ]
وقد اغتدى مثلًا لمن عرفه وسمع به. وأغيظ من ذلك لأولي الألباب تسليطه على هدم قصور بني أمية المبتناة على أساس العلا، المسخر فيها أصناف الورى، المكتملة الاستواء في حقب من السنين تترى، حتى اغتدت بجزيرة الأندلس كإرم ذات العماد لا يخشى على أركانها انهدام، فلما أذن تعالى بحط أعلامها، وطمس آثارها، أتاح لها هذا الأنيسيان الضعيف القوى، القصير المدى، كإتاحة الجرذ المهين لسد مأرب ذي الأنباء البديعة، فدكدكها حتى عادت كوم رماد ومصايد ضباب، ولم يقلع عنها حتى أوقع النار على صخورها، وصيرها كلسًا لكل مرتاد. فيا لها موعظةً لمن بقي على الأرض ممن لحق هذه البقعة السعيدة بدولة أملاكها. فتبارك منزل الآيات ومعجل النقمات، ومصرف الدولات ومبدل البقعات.
قال ابن بسام: إلى هذا المكان انتهى ما أخرجته في هذا الفصل من كلام ابن حيان. وكان عندهم بقرطبة خاتمة المتكلمين وجمهور المحسنين، على ما تراه ركب من إثم، واحتقب من ظلم، وتناول من عرض، وأطبق من سماء على أرض، عجبًا بافتنانه، وتعجيبًا من بيانه، وتنبيهًا على مكانه من علو شانه ومشهور إحسانه. وعجائبه أكثر إعلامًا، وأشهر أيامًا. وأكثر ما وجدته من كلام هذا الشيخ الباقعة، ففي هذا الباب - أعني الذم - أحفى شباة قلمه، وخلد أوابد كلمه. ولو وجدت له في سواه شيئًا استشهد به على فضله، وأجعله ذريعةً إلى الثناء بنبله، لكنت له
[ ٢ / ٦٠١ ]
أجمع، واليه أسرع. وعلى كل حال فقد سلم على لسانه أكير بلده أكبر أهل زمانه، أبو الحزم ابن جمهور، وابنه بعده، فجرى لهما بأيمن طائر، ولم يعرض لذكرهما إلا بخير، وقد أثبت من ذلك ما دل على الإحسان، ووفى بشرط الديوان.
- فصول من كلامه في إيجاز الخبر عن أولية دولة بني جمهور
قال ابن حيان: وفي منتصف ذي الحجة من سة اثنتين وعشرين وأربعمائة، بعد خلع هشام المعتد ومقتل وزيره حكم الحائك، اجتمع الملأ من أهل قرطبة على تقليد أمرهم وتأميرهم للشيخ أبي الحزم ابن جهور، وعددوا من خصاله ما لم يختلف فيه أحد منهم، وأبى من ذلك، فألحوا عليه، حتى أسعفهم شارطًا اشتراك الشيخين: محمد بن عباس وعبد العزيز بن حسن ابني عمه خاصة من بين الجماعة، فرأوا مشورتهما دون تأمير، فرضي الناس بذلك، وخلعوا من دونهم من الرؤساء، ووحدوا له عقد الرياسة، فأعطوا منه قوس السياسة باريها، وولوا من الجماعة أمينها المأمون عليها، فاخترع لهم لأول وقته نوعًا من التدبير حملهم عليه، فاقترن صلاحهم به، واقتصر من الجند على أعيانهم، وسد باب البرابر جملة إلا من قد صار في البلد من بني يفرن الموثوق بهم، وأقصى من سواهم من فرق البرابرة من غير إيحاش، فنال منهم الرضى، وملكهم عما قليل، وأصبح في ذلك عجبًا.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وأجاد السياسة، فانسدل به الستر على أهل قرطبة مدته، وحصل كل ما يرتفع من البلد في جميع أوقاته، بعد إعطاء مقاتلته فارسهم وراحلهم، وصير ذلك بأيدي ثقات من أهل الخدمة، مشارفًا لهم بضبطه، فإن فضل شيء تركه بأيديهم مثقفًا مشهودًا عليه إلى أن يعن وجه تصرفه فيه، لا يلتبس بشيء منه ولا يدخل داره، ومتى سئل قال: " ليس لي عطاء ولا منع، هو للجماعة وأنا أمينهم "؛ وإذا رابه أمر أو عزم على تدبير، أحضرهم وشاورهم فيسرعون إليه، فإذا علموا مراده فوضوا إليه بأمرهم؛ وإذا خوطب بكتاب لا ينظر فيه إلا أن يكون باسم الوزراء. فأعطى السلطان قسطه من النظر، ولم يخل مع ذلك من النظر لنفسه وترقيحه لمعيشته، حتى تضاعفت ثراؤه وصار لا تقع عينه على أغنى منه، حاط ذلك كله بالبخل الشديد والمنع الخالص، اللذين لولاهما ما وجد عائبه طعنًا، ولكمل لو أن بشرًا يكمل. وكان مع براعته ورفعة قدره، وتشييده لقديمه بحديثه، من أشد الناس تواضعًا وعفة وصلاحًا، وأنقاهم ثوبًا، وأشبههم ظاهرًا بباطن، وأولًا بآخر، لم يختلف به حال من الفتاء إلى الكهولة، ولم يعثر له قط على حال يدل على ريبة؛ جليس كتاب منذ درج، ونجى نظر منذ فهم، مشاهدًا للجماعة في مسجده، خليفة الأئمة متى تخلفوا عنه، حافظًا لكتاب الله قائمًا به في سره وجهره، متقنًا للتلاوة، متواضعًا في رفعته، مشاركًا لأهل بلده، يزور مرضاهم ويشاهد جنائزهم.
وفي فصل:
واستمر ابن جهور في تدبير قرطبة، فأنجح سعيه بصلاحها، ولم شعثها
[ ٢ / ٦٠٣ ]
في المدة القريبة وأثمر الثمرة الزكية، ودب دبيب الشفاء في السقام، فنعش منها الرفات، وألحفها رداء الأمن، ومانع عنها من كان يطلبها من أمراء البرابرة المتكنفين لها، المتوزعين أسلابها، بخفض الجناح والرفق في المعاملة، حتى حصل على سلمهم، واستدرار مرافق بلادهم،. ودرأ القاسطين عليه من ملوك الفتنة، حتى حفظوا حضرته وأوجبوا لها حرمةً، بمكابدته الشدائد حتى ألانها بضروب احتياله؛ فرخت الأسعار، وصاح الرخاء بالناس أن هلموا، فلبوه من كل صقع، فظهر تزيد الناي بقرطبة من أول تدبيره لها حتى ملأوا المساجد والأفنية، وسمت أثمان الدور بها، والابتناء لخرابها الفاشي، أخذًا بالهوينا، فاتصل البنيان بها، وغلت الدور، وحركوا الأسواق، فعجب ذو التحصيل للذي أوى إليه في صلاح أحوال الناس من القوة ولما تعتدل حال، أو يهلك عدو، أو تقو جباية، وأمر الله تعالى بين الكاف والنون.
وتوفي أبو الحزم ليلة الجمعة السادس من محرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فصار الأمر إلى ابنه أبي الوليد محمد بن جهور بن محمد بن جهور ابن عبيد الله السر من آل عبدة، نهاية الشرف الأثيل بقطربة، على أس الدهر المغرب شأوه في نظم قلادة خمسة ككعوب الرمح أنبوبًا
[ ٢ / ٦٠٤ ]
على أنبوب، هم ما هم، تناقلوا الوزارة والكتابة ما بينه وبين خامسهم عبيد الله ذي المنقبة الزائدة، خولهم الله الرياسة على تعاقب الأزمان واختلاف الأعصار، ولم تنقلها الفتنة إلى أن ورثها تربها هذا الوالي الفاضل أبو الوليد، ولما يعرف البؤس يومًا، فأعانه ذلك على الحسب والمروءة، وأقر أبو الوليد لأول ولايته الحكام، وأولي المراتب على حسب ما كانوا عليه أيام أبيه.
قال ابن حيان: وكنت ممن جادته سماء الرئيس الفاضل أبي الوليد الثرة، وكرم في فعله ابتداء من غير مسألة، فأقحمني في زمرة العصابة المبرزة الخصل، مع كلال الحد وضعف الآلة؛ واهتدى لمكان خلتي وقد ارتشف الدهر بلالتي، بأن قلدني [إملاء] الذكر في ديوان السلطان المطابق لصناعتي، اللائق بتحرفي، براتب واسع، لولا ما أخذ على كتم ما أسداه لجهدت في وصفه، وإلى الله تعالى أفزع في إحمال المكافأة عني برحمته.
ثم اقتفى أبو الوليد آثار أبيه أبي الحزم في السياسة من درء الحدود ما وجد إلى ذلك سبيلًا، والتأول في تعطيل الإقادة بالحديد ألبتة، لعدم الإمام المجتمع عليه في الوقت، والتربص لإدبار الفتنة؛ فأصبح من العجب العجاب تكاف الناس في الأعم عن التظالم والتسافك، بخلاف ما كانوا عليه تحت الضبط الشديد، وتجاوز الحدود، بأيدي جبابرة أصحاب الشرطة أيام الجماعة، فلا يكاد يسمع لشرارهم من معهود ذلك إلا النادرة الفذة. وبرز أيضًا أبو الوليد في فك العقل السلطانية، وأنفذ الحكم
[ ٢ / ٦٠٥ ]
في المظالم الديوانية، وعقار الغيب عن قرطبة التس أجلها الفتنة الغماء، أشياء عظيمة القدر توقف والده عنها، فأطلقها وردها على أربابها، وشمل العالم الدعة.
وأما عترة الأشراف الأموية، فتقلب بهم الزمان، وغير أحوالهم الحدثان. وكان بقرطبة منهم طائفة غامضة الشخوص، باذة الهيئة، عارمة الأدب والمروءة، متطبعة بأخلاق العوام الغفل، أكثرهم من ولد الناصر، معصوبين بيعيسيب لهم من أبناء أمرائهم في الفتنة يدعة ابن المرتضى، أبوه كان صاحب البيعة بالثغر يومى إليه بالأصابع؛ فخالطه من ذلك على سكر الشباب وخيلاء الشرب والأفن والغباوة عجب وغطرسة، عقد ناصيته بالثريا، فاصبح من طماح همته في جهد، يراقب الناس منه فتنة عمياء، ويمشي في الناس مختالًا، أصعر الخد، أشوس اللحظ، جميل الرواء والشارة، عالي القلنسوة، تلحظه العيون، وكان له بقايا من شيع المروانية؛ فبلغ ابن جهور عنه ما بعثه على إزعاجه من قرطبة، فاستقر بشرقي الأندلس حيث اضطرب أبوه المرتضى، فبطل الإرجاف بعده.
قال ابن حيان: وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة كثر خوض أهل
[ ٢ / ٦٠٦ ]
قرطبة في الذي رأوه من تنافس ولدي أبي الوليد محمد بن جهور في الانتصاب لخلافته: عبد الرحمن كبير جماعتهم، وأخيه عبد الملك أشهمهم فؤادًا وأصلبهم عودًا، الذي كشف عن وجوهم غمة مركسهم ابن السقاء، كافر نعمتهم، فاستدرك لهم ما كان تولى من سلطانهم، لفتكته به التي أثبتت أوتاد ملكهم، ثم شد يده بطلب حقه من ذلك، ونازع أخاه كبير عبد الرحمن ما ذهب إليه من التفرد به؛ وقد كان أشار على أبيهما بعض حلفائه من رؤساء الأندل بإيثار عبد الرحمن منهما، فتمسك الشيخ بحظه من إرضاء ولده الصغير عبد الملك، فمال إلى قسمة الرياسة بينهما حياته، غير ناصبٍ لأحدهما للأمر، يقضي الله به لمن يشاء بعده، صنيع والده فيه؛ فمتع نفسه بهواها في صغير ولده، وأنشد قول ابن الجزيري:
وإذا الفتى فقد الشباب سما له حب البنين ولا كحب الأصغر فأرتع ولديه هذين في دنياه، وبسط أيديهما في سلطانه، فطفقا يستميل كل منهما طائفةً من الجند، ويصطنع من الرعية فرقة، ويفتلذ من عقيدة الملك فلذة، فأصبح الأمر مختلطًا، والأرباب متفرقين، والمخاوف تطلع من كل ثنية، والهوادي تؤذن بالأعجاز، والله كل يوم في شأن. ثم خاف عليهما، فجعل إلى أكبرهما عبد الرحمن النظر في أمر الجباية، والإشراف على أهل الخدمة ومشاهدتهم في مكان مجتمعهم، والتوقيع في
[ ٢ / ٦٠٧ ]
الصكوك السلطانية المتضمنة للحل والعقد، والاطراح والضم، وجميع أبواب النفقات، ألجأ كل ذلك إلى ختمه، وأمضاه تحت حكمه. وجعل إلى عبد الملك النظر في الجند، والتولي لعرضهم، والإشراف على أعطيتهم، والركوب فيهم لدى الروع، وتجريدهم في البعوث، والتقوية لأولادهم، وجميع ما يخصهم؛ فرضيًا منه بهذا التقسيم، وأقامها به على الصراط المستقيم.
قال ابن بسام: إلى هذا الموضع انتهى ما وجدته من أخبار الدولة الجهورية من كتاب ابن حيان وقت تجردي للفراغ من تتميم هذا الديوان، واستعجلت لإخراج هذه النسخة المقررة منه، وأعياني تتبعه لآثارهم، وشرد عليّ وجود لفظه ونظمه لبقية أخبارهم، ولم أجد من نظامها، لتجيء أخبارهم بتمامها؛ فرقعت الضحى بالغلس، وجمعت بين حافر العير وجبهة الفرس، على تفاهة علمي، وغب نوبٍ أنستني اسمي، وجرت مجرى الروح في جسمي:
كان عباد قد خامر صدره من شأن ابن السقاء مدبر دولة بني جهور ما لا يسعه بوح ولا كتم، ولا يردعه سفه ولا حلم، شرقًا يحسن سيرته
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وفرقًا من استمرار مريرته، وحسدًا لآل جهور في من حسم عنهم الأطماع، وجمع دولتهم الشعاع. فقد كان ابن السقاء هذا من الاستقلال بمكانه، والضبط لسلطانه، والاستيلاء على ميدانه، بحيث يخيف الأنداد، ويغيظ الأعداء والحساد. فدس عباد إلى عبد الملك بن جهور من جسره على الفتك، وإلى ابن السقاء من ألقى في روعه حب الملك، وكلاهما راش وبرى، حتى جرى القدر بينهما بما جرى. وسيأتي الخبر عنهما مشروح الأسباب، في القسم الرابع من هذا الكتاب.
وخلا لعبد الملك الجو بعد ابن السقاء؛ فأعرض وأطال، وطلب الطعن وحده والنزال: وأعجبه شأنه وازدهاه، وأمره شيطانه ونهاه؛ ووجد عباد السبيل إلى شيء طالما كان شرد كراه، ونغص عليه كثيرًا من لذة دنياه: من افتقار بني جهور إلى نصره، وتصرفهم بين نهيه وأمره. وانقبض عن عبد الملك لأول استبداده بالأمر حماته الذين كان ابن السقاء يرفعهم برفعه، ويصطنعهم بحذقه، ويوردهم ماء سماحته وبذله، ويلحفهم ظلي تواضعه وعدله. وقد خامر نفس يحيى بن ذي النون من الشغف بقرطبة ما هون عليه إنفاق المال، واحتمال الأثقال، وتكلف الحل والترحال؛ فهي مضمار خيله، ومدرج سيله، وحديث نفسه، وهم يومه وأمسه. وخلت السنون، وغالت عبادًا المنون؛ وصار الأمر إلى ابنه المعتمد سنة إحدى وستين [حسبما يذكر في القسم الثاني من هذا
[ ٢ / ٦٠٩ ]
المجموع، إن شاء الله] .
فلما كان سنة اثنتين بعدها، دلف ابن ذي النون إلى قرطبة، وكان لا يغبها شره، ولا ينام عنها مكره؛ وقد احتاج عبد الملك بن جهور إلى استمداد من المعتمد لانفضاض من لديه، وعجزه عما كان أسند من تدبير قرطبة إليه، فأمده المعتمد بجمهور أجناده، على أكابر قواده، قد تقدم إليهم بمرداه، ونهج إليهم سبيل إصداره وإيراده؛ فوافوا قرطبة، ونزلوا بربضها الشرقي، وأقاموا بها أياما يحمون حماها، وأعينهم تزدحم عليه، ويذبون عن جناها، وأفواههم تتحلب إليه. فلما سئم ابن ذي النون سفره واجتواه، وقضى من غزو قرطبة وطره وما قضاه، أخذ في الرحيل عنها، فما انقشعت سدفة ليله، ولا تمزق غبار سنابك خيله، حتى هتك العباديون الحريم، وركبوا الأمر العظيم؛ باتوا متحدثين بالقفول، ثم غلسوا مظهرين للرحيل؛ وعبد الملك متأهب لتشييعهم، عازم على البكور إلى توديعهم، وشكرهم على حسن صنيعهم،؛ فلم يرعه إلا إحداقهم بقصره، وارتفاع أصواتهم بالبراءة من أمره، وإصمات الأفواه عن ذكره؛ وقد تمخضت له ليلته بيوم عقيم، وافتر له ناجذ صبحها عن ليل بهيم، ومشى من أنصاره هنالك بين أسد شتيم، وأسود مسموم:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه تصيده الضرغام في من تصيدا
[ ٢ / ٦١٠ ]
وقبض للحين عليه وعلى إخوته، وسائر أهل بيته وأسرته. وبالغوا لوقتهم في انتهاك حرمه، وإزالة نعمه، وإخفار ذممه. وأخرج الشيخ اليفن أبو الوليد - بقية أشراف الأندلس في وقته - مفلوج الشدق، مائل الشق، مغلوب الباطل والحق؛ لم تحفظ له حرمة، ولا رعي فيه إل ولا ذمة.
بلغني أنه لما وسط به قنطرة قرطبة خارجا منها على مركب هجين، وحاله تقر عيون الحاسدين، رفع يديه إلى السماء، وأخذ يبتهل في الدعاء، وكان مما حفظ عنه قوله: اللهم كما أجبت الدعاء علينا فأجبه لنا؛ فمات بعد أربعين يوما من نكبته بجزيرة شلطيش مزال النعمة، [مذال الحرمة]، فتعالى المنفرد بالبقاء، جبار الأرض والسماء. وأقرت ساقته بها، فأقاموا هنالك أكثر أيام المعتمد، يأخذهم الحدثان ويدعهم، ويخفضهم الزمان أكثر مما يرفعهم.
@فصل له في ذكر رحيل أين ذي النون عن قرطبة يقول فيه: لما نزل ابن ذي النون بسبيله، فكشف الله هممه عن أهل قرطبة، أبدوا الشمات به، وقضوا بالإدبار عليه، وتنقصوا حجاه، واستفالوا رأيه، وأضافوا سمو محله إلى حظوة جده، من غير استعانة منه بغريزة لب، أو مادة معرفة، أو اكتساب تجربة، إذ جمع الجيش ذا الألوف المختلفة الألسنة، الناهك الكلفة، فجره على بعد الشقة إلى قرن غفل غبي
[ ٢ / ٦١١ ]
منخلع من صالح الخصال، مترد في هوة السفال، لا يتحرز منه في حال من الأحوال، راكب للغي، مستميت على الإمارة، مطرح للنظر في العاقبة، شتيت الشمل، قليل الوفر، نزر العدد، حال البلد حاضر أهله، إلى من فارقوا من جاليهم، قد وقذه، ورجاله ورعيته طول ما صحبوا الغلاء وحالفوا المجاعة، يكاد يأسه يستولي على طعمه فيدفعه بالتوطي عن الكريهة، والتحكيم على متقلد خطة البغي في سوء العاقبة، قد مثل منتصبا لحظته، لابسا فؤاد القاسي فوق درعه، يكاثر بحور الحصى من فرط جهله، قد جمع محاشه عند شمرته لحربه، فما إن تتامت عدتهم مائتي فارس، أكثرهم مسوقون حاقدون معوقون مستقصرون، يشتري لهم القوت من السوق، مضيقًا على رعيته، ويزدلف بهم في غد أيامهم، ويعدهم ثواب عاجل الطعن نسيئةً على مستأخر النصر؛ قد علم ذلك من اختلال أحواله عدوه المتظاهرة قواه وعدده، فنزل بساحته نزول النظير له، المتكافئ العدة، متسنمًا هضاب جبل البلد المسامتة لباب المدينة الجوفي، مهتضمًا وأحبشه اللهام، بإنزاله إياهم ساترات تلك الأهضام، كالمتقدم بالاستظهار على مرهوب بيات الليل ومغافصة النهار، قد اقتصر من اللصوص بأهل البلد والموالاة لقتالهم على قفص يده لزروعهم؛ أطال بذلك حصار قرطبة، وأعداؤه يعجبون من طول كنفه لها، ويرونه لا محالة محروم المصال، مع ما يزجي من كتائب لو قادها
[ ٢ / ٦١٢ ]
غشوم مسلط يوفيها حق إقدامها على من قادها إليه، لما قاومه نظير من أملاك أفقه، إذ يقول عدة دارعين ما بين أجناده وأمداده، ذوي ألسنة شتى، وبطارق أعزة تعرب عنهم التراجمة؛ لكنه سلطان الله يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. وما أحسن ما تمثل به معاوية عندما أفاده جده بحظوة الخلافة دون عليّ ﵁ الذي نازعه إياها، على بون ما بينهما، إذ قال وقد جرى ذكر عليّ ﵁ وخيبة سعيه:
لئن كان أدلى خاطبًا فتعذرت عليه وكانت رائدًا فتخطت
فما تركته رغبةً عن جنابه ولكنها لآخر خطت فليت شعري ما الذي يقوله مهنئ ابن ذي النون بقفوله إلى حضرته، ويصوغه ممتدحه في تمجيده، مع ضيق تولجهما، عن معذرة ينحلانها له، واعتياص احتيالهما في تخليصه ن قبيح ما ركبه - إن وجوه التكذب لتخجل دون مقابلته، والله تعالى شهيد عليه، كفيل بجزائه.
فلما تولى ابن ذي النون وقفل لطيته، أصبح فؤاد سلطان قرطبة الرابض إلى جنبه فارغًا من همه، مسترجحًا لرأيه، حامدًا لجده، واثقًا بدوام ملكه، يرى أن قد فاز بحظه، بإيقاد نار الفتنة بين ابن ذي النون وابن عباد قرنه، وأنه مخير في التشبث بها، والانفصال عنها، متى شاء وكيف ارتأى. فاشتد جذله، واسترخى لببه، وارتاح إلى منصرف من عنده من رجل ابن عباد الثقال عليه، كيما يخلو بشأنه. فجعل يدس إليهم من يعرض، ويقطع تعدهم، وهم يرونه الحرص على الانطلاق عنه، والاستبطاء لإذن أميرهم لهم وقد كاتبوه، ويأخذون في التأهب لمسيرهم، ويعدون من ذهب إلى السفر معهم بوشك رحيلهم، وسرى القين أولى بهم. وقد سرى بين قوادهم وكبار من جاورهم من أهل البلد
[ ٢ / ٦١٣ ]
من التدبير معهم، في أخذهم لسلطانهم البيعة التي تريهم أمورًا غابت عنه، أذهله عن التجسس عليها انهماكه في لذاته، ومقارفته لمدامه، إلى أن انتهت مدتها. فثارت الجماعة بعد مسير ابن ذي النون عنه بسبعة أيام سواء، وكان من خلعه وزوال أمره ما نذكره بعد هذا إن أعاننا الله.
قال ابن بسام: فصح عندي أنه وصف كيفية خلعهم وإخراجهم من قرطبة في جزء كبير سماه " البطشة الكبرى " في مجلد كبير لم يقع إليّ وقت هذا التحرير.
@فصل في ذكر الفقيه القاضي أبي الوليد المعروف بابن الفرضي
شاعر مقل، هو في العلماء أدخل منه في الشعراء، ولكنه حسن النظام، مقترن الكلام، رحل ورحل إليه، وأخذ وأُخذ عنه.
أخبرني الفقيه أبو بكر ابن الفقيه الوزير أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: حدثني الفقيه محمد علي بن أحمد بن حزم
[ ٢ / ٦١٤ ]
قال: أخبرني القاضي أبو الوليد ابن الفرضي قال: تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل فندمت، وهممت أن أرجح فأستقيل الله ذلك فاستحييت. فمات مقتولًا ﵀ في الفتنة أيام دخول البرابرة قرطبة سنة أربعمائة. قال أبو محمد ابن حزم: أخبرني من رآه بين القتلى يومئذ وهو في آخر رمق يقول: " لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك ".
كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، ثم قضى نحبه هنالك. وهذا الحديث في الصحيح، أخرجه مسلم بن الحجاح مسندًا عن النبي ﷺ.
وأخبرني الفقيه المذكور عن الحميدي قال: أنشدني الفقيه أبو عمر ابن عبد البر، قال: أنشدني أبو الوليد [ابن] الفرضي شعره في طريقه إلى المشرق في طلب العلم، وكان كتب بها إلى أهله، حيث يقول:
مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثة وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا
وما لي حياة بعدكم أستلذها ولو كان لم أكن بعده حرا
سأستعتب الدهر المفرق بيننا وهل نافعي أن صرحت أستعتب الدهرا
أعلل نفسي بالمنى في لقائكم وأستسهل البر الذي جبت والبحرا
ويؤنسني طي المراحل بعدكم أروح على أرضٍ وأغدو على أخرى
[ ٢ / ٦١٥ ]
وتالله فارقتكم عن قلىً ولكنها الأقدار تجري كما تجرى
رعتكم من الرحمن عين بصيرة ولا كشفت أيدي الردى عنكم سترا والبيت الأول من هذا ينظر إلى قول أبي عبد الله ابن شرف القروي:
فارقتهم لا لملالٍ ولا قلىً ولكن للخطوب الكبار
ستة أعوام وما كان لي فر فرقة الأيام عنهم قرار وقال أبو مروان ابن شماخ:
صبرت والبعد أحوال وذا عجب ولم أكن صابرًا والبعد أميال وقال الحميدي: وأنشدني أيضًا الفقيه أبو عمر ابن عبد البر:
إن الذي أصبحت طوع يمينه إن لم يكن قمرًا فليس بدونه
ذلي له في الحب من سلطانه وسقام جسمي من سقام جفونه وبالسند المذكور عن أبي عمر بن عبد البر قال: أخبرني أبو الوليد ابن الفرضي بتاريخه في العلماء والرواة للعلم بالأندلس.
[ ٢ / ٦١٦ ]
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر ابن اللمائي
@وإثبات جملة من نظمه ونثره
وكان أبو جعفر هذا [وقته] أحد أئمة الكتاب، وشهب الآداب، من سخرت له فنون البيان، تسخير الجن لسليمان، وتصرف في محاسن الكلام، تصرف الرياح بالغمام. طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه، ولع إنشاءات سرية، في الدولة الحمودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها، إلا أني لم أجد عند تحريري هذه النسخة من كلامه إلا بعض فصول من منثور، [هي ثماد من بحور]، وقد أخرجت من براعته ما يشهد له بالفضل في صناعته، والتقدم على أكثر جماعته.
[ ٢ / ٦١٧ ]
فصل له من رقعة خاطب بها أبا جعفر ابن عباس:
غصن ذكرك عندي ناضر، وروض شكرك لدي عاطر، وريح إخلاصي لم صبًا، وزمن آمالي فيم صبًا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيء ظلال وفائك، جان منك ثمر فرع طاب أكله، وأجناني البر قديمًا أصله، وسقاني إكرامًا برقه، ورواني إفضالًا ودقه؛ وأنت الطالع في فجاجه، السالك لمنهاجه: سهم في كنانة الفضل صائب، وكوكب في سماء المجد ثاقب، إن أتبعت الأعداء نوره أحرق، وإن رميتهم به أصاب الحدق؛ وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسره، ووصف ود أضمره، " وإنما يبلغ الإنسان طاقته ".
وموصل كتابي هذا اختل ما عهده من أمره، وطغى عليه بحر دهره، فإن سبح غرق، وإن شرب شرق، وله أصل يوصله إلى استقلال بك،.
وله من أخرى يعزيه في أبيه:
إن لم أجد التأبين، فأجد البكاء والحنين؛ وإن لم أحسن التملق والإطراء، فأحسن الإخلاص والدعاء. واتصل بي موت الوزير أبيك
[ ٢ / ٦١٨ ]
لقاه الله غفرانه - وكونك بفضل الله مكانه، فروع جنان الصبر، وأخرس لسان الشكر: بدر أفل، وهلال استقل. أعزيك وأسليك. قدر مصابك قدر ثوابك. صبرًا جميلًا عليه لتؤجر، وفعلًا حميدًا بعده لتذكر. أصاب الغرة فأصب، وأتعب أهل زمانه فأتعب. أقول محققًا، وستشهد لي مصدقًا: أولاني من البر ما لا أدفعه، وألبسني من الإكرام ما لا أخلعه:
ستفتح عيني عليه دمًا إذا ما العيون سفحن الدموعا
فقد كان غصني به ناعمًا وروضي أنيقًا ودهري ربيعا وله من أخرى إلى القاضي ابن عباد:
روض العلم - أيدك الله - في فنائك مونق، وغصن الأدب بمائك مورق، وقد لفظ بحر العلم درره، وأطلع روض المجد زهره، فأهدى ذلك مع المنشد أبي محمد نفيس أجناسه، وبعث هذا نسيم أنفاسه، فهو لؤلؤ أدب، ونوار طرب، يسقيك جنانه عقار اعتقاده، في كأس وداده؛ يغنيك لسانه أشعار حمده، في مثاني قصده؛ مشيرًا إلى ثمر معان من بدائعه لا تجنى، فوق شجر بيان من غرائبه لا ترتقي، فإذا لاحظها الفكر أنس، وإذا رامها أيس. ولم يسر إلا ليحمد سراه
[ ٢ / ٦١٩ ]
ولا قصد إلا ليبلغ مناه؛ ولم يناد بحمدك إلا لتجيبه، ولم يرم بك دهره إلا ليصيبه؛ فأمطر رجاءه بعض طلك، ووسد جوازئه أبردي ظلك، فما ماؤك بوشل، ولا وردك بنهل؛ وفيه أجر، ولديه شكر.
وله من أخرى: وردني في ذلك كتاب كريم بنت البلاغة سماء بيانه، وجادت أرض إحسانه، فنور شمسه يشرق في ليل نقسه، وكوكب نواره يتألق في اسطاره، فأصبحت تختال بخلتك، وتبسم عن مودتك، وقد سرى خيالك فشوق، واستطار برقك فأرق؛ فأجفان الإخلاص ناظرة إليك، ويد القبول مسلمة عليك، فصل ما جعلك الفضل فيه أصلا، ورآك أهلا. وقد حل المنشد أبو محمد من جفن الشكر في سواده، ومن صدر الإحسان في فؤاده، ألبسني حلة إخائك، وسقاني رسل وفائك، وحالي حال من يعدك في عدده، ويعدك من عدده.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
@ومن شعره
ولم يقع لي من نظم أبي جفعر عند إملائي هذه النسخة من هذا المجموع إلا ما أنشدني الأديب أبو بكر ابن بقي قال: أنشدني أبو الربيع ابن العريف لجده الكاتب أبي جعفر ابن اللمائي:
قد قلت إذ سار السفين بهم والبين ينهب مهجتي نهبا
لو أن لي ملكا أصول به لأخذت كل سفينة غصبا [أنشد أبو المنصور هذين البيتين للخباز البلدي في اليتيمة] .
وأنشدني أيضًا عنه له:
غني وللإيقاع فو ق بيان منطقه بيان
وكأنما يده فم وقضيبه فيها لسان ودخل عليه بعض أصحابه في علته التي مات منها، فجعل يروح عليه، فقال في مقامه:
روحني عائدي فقلت له مه، لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدة عند هبوب الرياح تتقد
[ ٢ / ٦٢١ ]
ومما قال في هذه العلة، وكانت داء النسمة:
عظم البلاء طبيب يرتجى منه الشفاء ولا دواء ينجع
لم يبق شيء لم أعالجها به طمع الحياة، وأين من لا يطمع -
" وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع " ومما وجدته أيضًا بخطه لنفسه:
طلعت طوالع للربيع فأطلعت في الروض وردا قبل حين أوانه
حيا أمير المؤمنين مبشرا ومؤملا للنيل من إحسانه
[ظنت سحائبه عليه بمائها فأتاه يستسقيه ماء بنانه]
دامت لنا أيامه موصولة بالعز والتمكين في سلطانه [وله:
يا كبدي بالبين من أكلمك ويا دموع العين من أسجمك -
ويا فؤداي كم تقاسي الهوى مكتتما عني، ما أكتمك!
علمتك الكتم أما تستحي ويحك أن تكتم من علمك -
كنت أداويك فلا ذنب لي لو أنني أعلم من أسقمك] ونقل أيضًا من خطه قصيدة من شعره يشكو نوائب دهره، أولها:
أمسى سقامي زاجري ومؤنبي وغدا مشيبي واعظي ومؤدبي
[ ٢ / ٦٢٢ ]
أوهت خطوب الدهر مني عاتقي ثقلا، وزعزع منكباه منكبي
وهمت سحائبه علي فغادرت أرضي قرارة كل خطب معجب
فأظل أبصر فيه لم أحتسب جورا وأقرأ فيه ما لم أكتب
سن حديث تحت جد شارف وسواد رأس فوق قلب أشيب
أغدو على بكر لصرف بناته وأروح مبتنيا بأخرى ثيب
أفتض منها كل يوم عذرة لا تشتهي وأزف ما لم أخطب
يا سيدي وأخي الوفي وما أخي منه إلى قلب الإخاء بأقرب
وإذا غدا العلم المشرف أهله نسبا يؤلفنا فنحن بنو أب
هلا اهتديت إلى خطاب مرزإ ما بين أضلاع الخطوب مغيب
لم يبق منه الدهر غير مدامع سفح وقلب بالسقام معذب
أخفتني الأيام في لهواتها وسجنني فيها فكيف شعرت بي -
وكتبت عن ود وقد كتب الإخا بين النفوس صحائفا لم تكتب
بأرق من دمع المشوق فؤاده وأرق من ريق الحبيب وأعذب
فظللت منه في غدير بلاغة عذب وملتف الحدائق معشب
كرمت مغارسه فأورق فرعه علما وأثمر بالكلام الطيب
صبح تدرع من سواد مداده ليلا كفعل الزائر المترقب
خفيت معانيه على أوهامنا فالفكر بين مصدق ومكذب
طلعت كواكبه ولما تطلع وغربن فيه لنا ولما تغرب
أنا مذنب لا شك إذ لم أستطع رد الجواب وأنت غير المذنب
[ ٢ / ٦٢٣ ]
حملته من طيب الإخاء محبة فيكم وإخلاص لكم فتطيب
وبعثث ماء الورد فيه سائغا عذبا لذائقه زلالا فاشرب
أذكى من المسك الفتيق نسيمه أرجا وأصفى من لعاب الجندب @فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عبد الله البزلياني
@وإثبات جملة مما نثر، مع ما يتعلق بذلك من خبر
وأبو عبد الله البزلياني كان في ذلك الأوان، أحد شيوخ الكتاب، وجهابذة أهل الآداب، ممن أراد الملوك ودبرها، وطوى الممالك ونشرها. وقد أجرى ابن حيان طرفا من ذكره، وشرح مآل أمره. وقد ألمعت أنا منه بلمعة في أخبار ابن عبد البر في القسم الثالث من هذا المجموع.
وذكره بموضع آخر من كتابه فقال: ولما قبض عابد على البكريين بأونبة وشلطيش وتملكها منهم سنة ثلاث وأربعين، جعل بهما ابنه محمدا، واستكتب ابن البزلياني الكاتب البليغ النحرير. وإلى ابن عباد صارت مصايره بعد طول تقلقله في البلاد.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
@فصول من نثره
فصول من رقعة عن حبوس إلى ابن عبد الله أمير قرمونة:
من النصح تقريع، ومن الحفاظ تضييع، ولكل مقام مقال، إذا عدي به عنه استحال. ووصل إلي منك كتاب طمست منحاه، وعميت معناه، أومأت فيه إلى النصح، ودللت على سبيل النجح؛ فوقفت على فصوله ومعانيه، وأحطت علما بجميع ما فيه. ولم يكن لمن أوحشت جهته، وتغيرت مودته، أن يدخل مدخل الناصحين، وقد خرج من جملة المشفقين. وكان بالجملة أوله سباب، [وآخره إعجاب]؛ والسباب لا ينطق به كريم، والإعجاب لا يرضى به حليم. وقد نزهني الله عن المقارضة بهذا ومثله. وما أحسن قول القائل:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم فإن كنت أردت أن تستصلح مني بسبك فاسدا، وتستقرب من ودي باستطالتك مباعدا، فما هذه شيم يقضي بها الفضل، ولا سياسة يحكم بها العقل. وإن كنت أردت التخويف والإيعاد، والإبراق والإرعاد، فقد كفني بيت الكميت:
[ ٢ / ٦٢٥ ]
أبرق وأرعد يا يزي د فما وعيدك لي بضائر وأنا أحد البرابرة: لا أخرج عن جماعتهم، ولا أبعد عن موافقتهم، ولا أرغب بنفسي عن نفوسهم:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد وفي لزوم الجماعة السداد والرشاد، والغي في الانفراد والاستبداد.
وأما قولك: " فمن كان متبوعًا قلما يستقيم أن يكون تابعًا، ومن عرف في النادي مطاعًا لم ينقلب مطيعًا، إلا أن يصادف هدي العمرين، وأجدر بذلك أن يبعد " - فقد أزريت على كل خلافة، وبينت أنك خارج عن كل فرقة، وأن غرضك المحاماة عن غزك، والمرامات دون حرزك، وليس هذا نظر مشفق، ولا قول محقق، إذ لا تتم ديانة إلا بإمامة يدعى إليها، وتجري السنن عليها، إلا في مذهب نافع بن الأرزق وعبد ربه وأشباهها.
وفي فصل منها: وما ذكرته من الذي بين الطائفتين من بني عمنا بالعدوة، فكل أمر بقدر، ولكل نبإ مستقر، والدنيا أحوال، والحرب سجال، وخيرهم وشرهم عنا بعيد، وكل من نصرك وأيدك فهو القريب الودود، وإن تفرقت الآباء والجدود. ومن شذ عن الجماعة وفارقها، ونابذها وشاقها، فهو الجاني على نفسه وعليها، والجار سوء العاقبة إليه وإليها؛ وأكثر
[ ٢ / ٦٢٦ ]
الوبال واقع على الظالم، ونازل بالجارم. والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق.
قال ابن بسام: وذكرت بإنشاده: " وتجهل أيدينا " البيت ما حدثت به عن يحيى بن علي الحمودي في أيام محاربته لاشبيلية، وبعض الرجالة يعلن بثلبه، ويصرح أقبح التصريح بسبه، وهو يظن أن قد تحصن منه بالأسوار، واحتجب عنه بما دونه من حماة الذمار، فدب إليه دبيب الكرى، وساوره مساورة ليث الثرى، حتى خالطه سيفه الصقيل، ثم انصرف إلى مركزه وهو يقول:
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم [وله من أخرى عنه إلى ابن منذر: واتصل بي ما وقع بينك وبين المؤتمن وأبي المنذر والموفق وعضد الدولة أبي الحسن، وأنكم اضطررتم إلى إخراج كل فريق منكم النصارى إلى بلاد المسلمين. فنظرت في الأمر بعين التحصيل، وتأولته بحقيقة التأويل؛ فعظم قلقي، وكثر على المسلمين شفقي، في أن يطأ أعداؤهم بلادهم، ويوتموا أولادهم، ويتسع الخرق على الراقع، وينقطع طمع التلاقي على الطامع. ولو لم تكن - يا سيدي - الفتنة إلا بين المسلمين، والتشاجر إلا بين المؤمنين، لكانت القارعة العظمى، والداهية الكبرى. فإذا تأيدنا بالمشركين، واعتضدنا بالكافرين، وأبحناهم حرمتنا، ومنحناهم
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قوتنا، وقتلنا أنفسنا بأيدينا، وأدتنا إلى الندم مساعينا، كانت الدائرة أمض، والحيرة أرمض، والفتنة أشد، والمحنة أهد، والأعمال أحبط، والأحوال أسقط، والأوزار أثقل، والمضمار أشمل. والله يعيذنا من البوائق، ويسلك بنا أجمل الطرائق.
ولما انتظرت أن يسفر لي ذلك الديجور، وتستقر تلك الأمور، وأبطأ ذلك عليّ، ولم يعد من قبلك رسول إليّ؛ داخلت عميد الدولة جاري في هذه الأنباء، وراوضته في علاج هذه الأدواء؛ وأنت يا سيدي للمسلمين الحصن الحصين، والسبب المتين، والنصيح المأمون، فاجر في جمع كلمتهم، والمراماة دون حوزتهم] .
له من أخرى: يا سيدي الذي قطعت بالاتصال به مدة عمري، ونظمت في أجياد علاه درر حمدي وشكري؛ ومن أبقاه الله للفضل يرسي هضابه، والعلم بذل صعابه، والمجد يؤلف مختلف، والحمد يلبس مفوفه. أنا أحمد حالًا آوتني إليك وإن كانت ذميمة، وعلةً أصحت أملي وإن كانت مليمة فقد عادت كريمة، فرب صغيرة عادت عظيمة، وهيهات:
[ ٢ / ٦٢٨ ]
من رغب عن الفضل فنفسه ظلم، ومن فر من الليل أدركه حيث خيم. ومن لكل ظمآن بعذب زلال، ولكل آمل بنيل الآمال - وما كل مستسقٍ يمطر، ولا كل طالب يظفر. ولولا العلل لم تحمد الصحة، ولولا الترحة لم تطب الفرحة. وما ضاق عذر من وسعه حلمك، ولا خذل دهر من نصره عزمك. وما عشت يا سيدي عمرًا لم أقطعه في ذراك، ولا نلت حظًا لم يكن بمسعاك، ولا حسن لي عمل خالف هواك، ولا لذ لي أمل لم يكن برضاك. والآن قد أمكنك استرقاق حر رائده، من حريتك، وابتناء مجد دعائمه من سروك ومروءتك، فالأبي مصحب لمرامك، والعصي مطيع لا عتزامك. وما أحسن العافية ولا كحسنها بعد البلاء، وما ألذ السعادة ولا كلذاتها بعد الشقاء، وما أنقع الورد لغلة الخوامس، وأطيب الظل للضاحي الشامس! ومن عدم الشفعاء قامت أمامه فضائلك، ومن قسا عليه الزمن لانت له شمائلك. والشمس بعد السحاب أبهى، والإمكان بعد التعذر أشهى. ومن يحسد مناوئًا، ويغبط مضاهيًا، فأنا أحسد على ملاقاتك، وأغبط نفسي على مناجاتك. فإن منعت عنك عيني فقد رأتك في كل حسن تراه، وإن حزنت بالبعد منك فقد سررت بما من لقائك أتمناه. والله يدنيني من حضرة المجد، والتماح غرة السعد.
وله فصل من رقعة: وتوجه فلان إلى ما قبلك يأمل سنًا فهداه، ورجاءً
[ ٢ / ٦٢٩ ]
هب له نسيمه فحياه وأحياه. وإن طائرًا أجري بسعدك لسانح، وإن تاجرًا افتتح باسمك لرباح، وبعزماتك تنفذ الأسنة فكيف أشحذها، ولمثلك تنفع التذكرة فكيف أنبذها - وقد تهز الصوارم فتقد الدروع، وتهاج الضراغم فتفض الجموع؛ وحماك الإسلام فكيف يباح - وركنك الإيمان فكيف يزاح - وجارك الأدب فكيف يهتضم - وحزبك القرآن فكيف يغلب ويذم -
[وله فصل من أخرى عن حبوس إلى صاحبي شاطبة:
وقد عقد الله بيننا عقودًا قادها للاختيار؛ وفي طول الأمد، وتصرم المدد وتباعد الديار، وتقلب الليل والنهار، ما يحيل الأحوال، ويقطع الآمال، ويشفق منه الضنين، وتسوء منه الظنون؛ لا سيما إلى هذه الفتنة التي تبلد الحليم، وتخلط الصحيح بالسقيم. وأنا لكما الصفي الذي لا تقدح الأيام في وده، والوفي الذي لا يخشاه الأنام على عهده. وإذ لا سبيل إلى أن أؤدي معتقدي في ذلك مشافهة، فإني أنبأته مكاتبة، مع من ينطق بلساني، ويشفق بجناني، ألصق أسرتي نسبًا، وأفضل خاصتي حسبًا، وأصدقهم عني خبرًا، وأحمدهم في السفارة أثرًا، الوزير أبي فلان] .
وله في فصل: تفديك نفس نفست عنها خناق الكروب، وأنقذتها من أيدي شعوب، وأسأل الذي سنى لك الفضل عليّ، وجعل من نعمتك أكبري:
[ ٢ / ٦٣٠ ]
همتي ولبي، وطبع يشكرك أصغري: لساني وقلبي، أن يجزيك جزاء من أحسن ثم عاد، ووالى فضله وزاد، كالرياض تعاهدتها العهاد؛ وألا يخيلك من فعل يكتب الذكر محاسنه على صفحات الدهر، ويصير ثاقبه في سماء الفخر، ثالث الشمس والبدر.
وله في فصل من أخرى: قد قيدني من برك وإيثارك ما أفصح عن طيب نجارك، وأوضح عندي كريم آثارك، وتعركني أرسف في قيود الامتنان، وأنوء بأعباء الإحسان. وأقعدني عن لقائك لسان حسير، وخاطر بهير، وحد كليل، ولحظ من الحياء عليل؛ وشيمة الدهر إذا صفا تكدر، وإذا عافى تنكر، وإذا سر أحزن، وإذا سهل اخشوشن، وإذا سمح بالإنعام، بخل بالتمام.
وله فصل: هذا الوقت الذي كنت أتأياه، والحين الذي ما زلت أتمناه، والزمن الذي قاسيت فيه تعب الانتظار، وقطعت إلى بلوغه مسافة الليل والنهار. وإلى مثلك يتقرب بإخلاص الوداد، ومن فضلك تجتني ثمرة [حسن]
[ ٢ / ٦٣١ ]
الاعتقاد؛ ولا يجتمع رجاؤك واليأس في قلب، ولا تحل محبتك والحرمان في خلب.
وله في فصل: البدر وصوف ولا كصفة الساري به، والبحر معروف ولا كمعرفة الجاري فيه، وقد جلوت بنورك من الظلمات، واجتليت بجنابك من الأمنيات، وما وسم زماني الغفل، وصار لذلك الدهر على سائر الدهور الفضل؛ أيام ناديك محط كل مرتاد، وجارك أمنع من جار أبي دواد، إلى أن ضرب البعد بجرانه، وحكم الدهر بعدوانه، وأعاد العين أثرًا، والخبر خبرًا، واللقاء توهمًا، والمناسمة توسمًا؛ ومع ذلك فما خست بذمم فضائلك، وما أنست إلا بكرم شمائلك؛ أمزج بذكرها خطبان الخطوب فتحلولي، وأسرج بسناها في أجفان الكروب فتنجلي، وأرمي بها إذا هوى سهمي فيصيب، وأتنسم عرفها إذا خوى نجمي فيصوب.
وحاربتني الأيام عليك، فلم توجدني سبيلًا إليك؛ إلى أن طلع نجمك في مطلعه، ووقع حزمك في موضعه، وأعطيت القوس باريها، والسهام راميها، والدرر أجيادها، والغرر جيادها، وفي الشمس يقوى السعد، وفي عنق الحسناء يستحسن العقد.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
[وله من أخرى إلى ابن عبد الرحيم: طيب ثنائك ثنى إليك أنسب، وغريب وفائك أفاء عليك نفسي. والثناء النفيس شرك النفوس؛ وفعل المحبوب مصائد القلوب؛ ومن كان الفضل من أنصاره، اجتمع على إيثاره؛ حين طلعت من سماء فضلك نجومه، ونضر بك من روض رجائي هشيمه. وأنا أحمد للأيام هذه الكرة، وأستغرب من أفعالها هذه الندرة. وأحب أن يعلم سيدي أني سابق في مضمار وداده، لاظ بثنايا ارتباطه واعتقاده، أثني عليه خنصري إذا عددت واعتددت، وأبدأ به بعد البسملة إذا كتبت من وددت واعتقدت. وله - أعزه الله - الرأي العالي في قبول من أقبل عليه، والنزاع من نزع إليه. فأقسم لو كتب عني عطارد، أو جعلت لك النجوم قلائد، ما أقنع في وصف ودادي، ولا بلغت الأمل من مرادي] .
وله من أخرى إلى أبي جعفر ابن عباس، وقد زاره فلم يوفه حقه:
كلف المروءة - أبقاك الله - صعبة إلا على الكرام، وطرق الجفاء رحبة لسلوك اللئام، والأحمق يرى البر خسرانًا، ويعتقد إكرام الوافدين نقصانًا، فيمنح الكثير من عرضه، ويمنع اليسير من عرضه، ويلبس درعًا وهو مهتوك بالطعن، ويجعل الكبرياء رداءه وهو مطرز باللعن؛ والكبرياء رداء الله الذي من جاذبه إياه قصمه؛ والتقى حبل الله الذي من تعلق به عصمه، وما يتكبر إلا من جهله، وعجب المرء أحد
[ ٢ / ٦٣٣ ]
حساد عقله؛ والمتكبر في النفوس صغير، والمتواضع في الصدور كبير؛ والرفيع من ترفع عن الدناءات، والوضيع من ادعى لنفسه واجبًا وضيع الواجبات. وجئتك زائرًا، فكأني جئتك آملًا، وأردت مصافحتك فما مددت يدًا، وطلبت معانقتك فخلتك مقعدًا، وبعد أن هممت بالنهوض أقعدك الكسل، كأنك خمصانة أثقلها الكفل؛ وجعلت تشير بالحاجب وتلوي الشفة، وتدعي بالجهل في كل شيء معرفة. فما كان ضرك حين أخللت لو أجللت، وما كان يسوؤك حين ناظرت لو أجملت، وما كان ينقصك حين حكمت لو عدلت -
زعمت أني أخطأت في كتب " سحن الوجه " بالسين، وطمست طرق المخارج لي وهي تستبين، وهذه اللغة كلها قد طلبتها فلم أجد فيها " صحن الوجه " بالصاد، فإن أردت أن تستعير " صحن الدار " للوجه فلا يبعد أن أجعل " السحن " جمع سحنة، وهو أقرب وأعرف؛ وإن قلت إن الأكثر اتفقوا على كتابه بالصاد، فإن لمثلي أن يختار في كلام العرب ما أراد. وما أبرئ نفسي من زله، ولا أعصمها من ظهور خلة؛ فالأدب يجعل للأديب مخرجًا، ولا يجعل باب العذر له مرتجًا.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وفي فصل منها: ومن العجب أن تنسبني إلى الشعوذة وهي حصنك إذا غلبت، وتلحنني في النطق وهي عادتك إذا كتبت. ولعمري لقد قلتها ولقد جهلتها، وتركتها وما عرفتها؛ وكما أن بركة الأشجار في الأنوار، فكذلك بركة الأدب في الرسائل والأشعار. فأين رسائلك وأشعارك، ومؤلفاتك وآثارك - هيهات هيهات: غلبك على الحق أهله، ونفاك عنه جهله؛ وكفاك ما طار لك من حسن الذكر، وطيب النشر، ولمثله فاعمل، وعلى ما كسبت منه فتوكل، فتحصد الذي زرعت، وتعلم عاقبة ما صنعت.
" وهذه نبذة من كلامه الواقع من هذا السفر، مكان الواسطة من عقد البكر، جمعها أبو الحسن في مسودة هذا التأليف، ورأيته قد ألمع منها عند التحرير بالنزر اللطيف على عادته من إيثار الاختصار واقتضاب ما يتخلص على الانتقاء والانتخاب. وقد رأيت أن أحبر منها الأوراق التي بقيت بيضا، بما يخجل الروض أريضًا، ويزري بالمسك فضيضًا، تحفظًا بتلك الآثار الكرام أن تعفو، وخوفًا على تلك الأنوار الوسام أن تخبوا ".
[] أفاز الله يا سيدي الأعلى قدحك، وجعل لمرضاته كدحك، وسدد إلى أغراض الصواب سهامك، وأورد على حياض السحاب أعلامك؛ وفتح المبهمات
[ ٢ / ٦٣٥ ]
بعزمك، وأوضح المظلمات بنجمك، وأبقى المحاسن ببقاك، وسقى مواطن العلياء بسقياك.
كتابي يا سيدي، وأجل عددي، كتب الله لك السلامة، ووهب لك الكرامة، ولو تقدمني في الاعتراف بمآثرك مطنب، أو أفحمني في أوصاف مفاخرك مسهب، ما شق غباري في ودادك مجار، ولا تعلق باثآري في اعتقادك مبار. وكيف وقد حزت الغايتين من تفضيلك [وإعزازك]، وأحرزت الفضيلتين من تبجيلك وإحرازك؛ وما انفردت من زماني بفائدةٍ توازيك، ولا استبددت من إخواني بفائدة تساويك؛ وبحسب ذلك ضني بك وشحي، ومحبتي لك ونصحي؛ وما أذكرك ما لا تذكر، ولا أبصرك ما لا تبصر؛ فأي علمٍ إلا سلكت شعابه، وأي حلم إلا ملكت رقابه؛ وإن كنت لا أورد عليك إلا ما يؤثر عنك، ولا أوفد إليك إلا ما يظهر منك، فللساعي مراده، وللداعي اعتقاده، وللمجتهد أجره، وللمقتصد عذره؛ فما أستصبح إلا من قمرك، ولا أستوضح إلا بغررك، ولا أعشو إلا لنارك، ولا أمشي إلا بأنوارك. والله يبقيك للأفضلين أسوة، ويحييك للأكرمين قدوة.
واتصل بي يا سيدي ما وسوس به الشيطان من الأمر، حتى عمد له البيان، في الفتق لأثر مسحوب وقدر مكتوب. وأنت الذي نجذته التجارب، وشحذته النوائب، وارتضع أخلاف الحروب، وامتضغ أصناف الخطوب، وعجم قناة الزمن، واقتحم غمرات المحن، بقلبٍ غير منخوبٍ ولا وهل، وعقل غير مسلوب ولا وكل، وذكاء تنكسف له ذكاء، وآراء ينكشف لها الغطاء، وعلمٍ لما تأتي وتذر، وفهمٍ بما تورد وتصدر، ومذاهب مثلها لك التحقيق، ومطالب شرحها التوفيق؛ فهي بعصمة الله محفوفة، وبنعمته مكفوفة، وعلى إرادته متوقفة، وفي طاعته متصرفة؛ فكم لك في المشركين من البلاء الجميل، وعلى المسلمين من الغناء الجزيل؛ فكم علمٍ خلدت
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وحزمٍ أيدت، وكم فضلٍ أبديت وأعدت، وكم طول بنيت وشيدت، وكم راية للدين رفعت، وغيابةٍ عن المسلمين قشعت. أفالآن يدعى للهوادة، ويسعى العادة، حين أملت للزيادة، واكتهلت في السيادة، وأرج بفخرك كل ناد، ولهج بذكرك كل حاد؛ عديم أتراب وأقران، ونديم آدابٍ وقرآن؛ لم تفتك من الفعال فضيلة، ولا شانك إلى الكمال وسيلة. ولا أعرفك من المعالي ما لا تعرف؛ ولا أصفك من المفاخر بما لا توصف؛ الألسنة عن واجبك حسيرة، والأمكنة بمناقبك معمورة، والله تعالى يزيدك علوًا ومجدًا، ويقيدك سموًا وجدا. وأنت لا تألو المسلمين نصحًا، ولا يعدمهم سعيك نجحًا، ولا يفقدهم هديك صفحا. فعياذًا بالله أن يسفك بك دم، ويهتك بسببك محرم، أو يهلك بطلبك مسلم؛ وأنت العالم بأمر الله، والقائم بسنة رسوله، والحاكم بما يرضاه، والعاصم بتنزيله، والمقتدي بسبيله، والمهتدي بدليله. فلا أتلو عليك من آدابه إلا ما أحكمت تأويله، ولا أجلو لك من تبيانه إلا ما قدمت تحصيله. فما مثلك من أهل الفضل [يذكر] يقول الله ﷿: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (التوبة: ٧٠) .
وله عنه إلى صاحبي شاطبة: كتبت يا سيدي، ومشارب الآمال قد تكدرت، ووجوه المحاسن قد تغيرت، وأيدي التوازر قد قصرت، وسبيل التناصر قد توعرت، إلا أن يتلاقى الله الخلل بتسديد نظركما، وينعش الأمل بحميد أثركما؛ فينظم الشمل، ويصل الحبل، ويسد الثلم، ويشد الحزم، ويرقع المنخرق، ويجمع المفترق، ويضع الإصر، ويرفع الوزر، ويعيد الكلمة متفقة، والأمة متسقة، والأيدي متأيدة، والنفوس متوددة، والأهواء متعاضدة، والأنحاء واحدة، والدماء محقونة، والعاقبة مأمونة؛ والله تعالى يعين كلا على الصلاح، ويفضي بنا إلى النجاح، بعزته.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
واتصل بي ما وقع بينكما وبين المظفر أبي محمد من المتنازع، الذي أخاف أن يفضي بكم إلى التقاطع، وورد عليّ كتابكما الكريم في ذلك بما ترقبت انصرام أجله، وتنظرت انحسام علله، حتى خشيت أن يتمادى بكم اللجاج، ويتعاصى في أموركم العلاج، وأشفقت من ادلال الشيطان بمخاتله، وإطلال الخذلان بحبائله؛ فيقرع الثكلان سنه من الندم، وينطوي الحران على يده من ألم. وحالي يا سيدي في الأخذ من أحوالكم بأوفر نصيب، والتزع في أموركما بأكبر ذنوب، حال من أعدكما لحوادث الزمن، وكوارث المحن، واعتقد كما العدة الكافية، والعصمة الواقية، فيما استسر وعلن، وظهر وبطن؛ فلم أر نفسي في سعةٍ من إهمال التذكرة، وإغفال التبصرة. والله يعيد الكل من الشتات والشمات، ويعيدكم إلى المواساة والمواتاة.
ولم يخف عليكما ما في صلاح ذات البين، من الفوز بخير الدارين، وأمن العباد، وخصب البلاد، وإعزاز الدين، وإذلال القاسطين، وتوهين المشركين، وقوة العضد، ووفور العدد، ودعة الأجسام، والرعة عن الآثام، وستر العورات، وحفظ الحرمات، والانتهاء إلى حدود الله، والازدجار بزجره، والتأدب بأدبه، والائتمار بأمره؛ فإنه يقول عز من قائل ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ (الأنفال: ١) وقال (واعتصموا بحبل الله جميعًا) الآية (آل عمران: ١٠٣) وقال ﷺ " لا تقاطعوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا وعلى طاعته أعوانًا ". وقد علمتم أنه لم يهلك من هلك من الأمم الماضية، والقرون الخالية إلا بتقاطعهم وتحاسدهم وتدابرهم وتخاذلهم، وأن اللجاج مطية الجهل، والهوى آفة العقل، والحمية من أسباب الجاهلية، والعصبية من العنجهية، والحرب مشتقة المعنى من الحرب؛ مع ظنك المتغلب وكأنه المتغلب، توتم الأطفال، وتلتهم الرجال، سوق
[ ٢ / ٦٣٨ ]
لا ينفق حاضروها غير النفوس والأرواح، وشرب يتعاطون المنايا بظبا السيوف وأطراف الرماح؛ مصروعهم دائر وصارعهم خاسر، وماضيهم نادم، وباقيهم واجم.
والذي يحملون من أوزارهم وأوزار مع أوزارهم، ويحتقبون من آصارهم، تسلط النصارى على المسلمين، وعيثهم في بلادهم يقتلون ويأسرون؛ فالأموال مستهلكة، والحرمات منتهكة، والدماء مهراقة، والنساء مستاقة، وعقد الدين مفسوخ، وعهد الإسلام منسوخ، والكفر عال على الإيمان، والسوء غالب على الإحسان. فقد بلغني أن مذهبكم الاستجاشة بالنصارى إلى بلاد المسلمين، يطؤون ديارهم، ويعفون آثارهم، ويجتاحون أموالهم، ويسفكون دماءهم، ويستعبدون أبناءهم، ويستخدمون نساءهم. وإن نفذ هذا - وأعوذ بالله - فهي حال مؤذنة بالذهاب، وجريرة تؤذن بالخراب؛ ولم نأمن أن يظهر لهم من الخلل في بلادنا، والقلة في أعدادنا، ما يجرئهم علينا، ويجرهم إلينا، بما لا نقدر على مكاثرتهم فيه، ولا نقوى على مصابرتهم به، فتلك الوقعة التي لا ينتعش عثورها، والقارعة التي لا ينجبر كسيرها. ولم أجد يا سيدي وعدتي دواء أنجع، ولا سعيًا أنفع، من صلة يدي بيد الفتى الكبير فلان، في توسطه هذه الأحوال بينكم، والتأني، لإصلاح ما فسد منها عليكم، ولم نلف سببًا إلى كشف هذه الغيايات، وفتح هذه المبهمات، أقوى في النجاح، وأهدى إلى الصلاح، من بعث أعلام بلدنا، ووجوه رجالنا.
وكتب إلى ابن الناصر: سيدي وأعظم عددي، بقيت لمجدٍ تؤسسه، وحمد تلبسه، كتبت - كتب الله لك ما يفوت أملك - عن نفسٍ تعدك أكرم نفائسها، فلا يساويك في هاجسها، وضمير صفا لك منهله، فلا أحد قبلك ينزله، وود أحكمت لك عقده، ونظمت بك عقده؛ حقيقة أدني نظرها إليك، وخليقة وقف سرها عليك؛ فطرف اهتبالي إليك شاخص، وضمير إدلالي عليك خالص؛ والعهد الذي أنت لحرماته لاحظ، ولأماناته حافظ، ينجد لساني في المقال، ويمد عناني في الاسترسال، ويوفد إليك النصح محضًا، ويورد عليك الصدق فرضًا؛ موازرة لا أرى التخلف عنها
[ ٢ / ٦٣٩ ]
ديانة، ومظاهرة لا أعد التبري منها أمانة؛ وأخوك من صدقك، وعدوك من مذقك.
واتصل بي، ما جزعت له، من لزومك مع الموفق أبي الجيش، ومن تبعكما من معاقديكما، لمفاتنة المظفر أبي محمد ومنازلته ومقارعته، واستجاشة كل حزب منكم بالنصارى، وطمعكم أن تمنعوا بهم ذمارًا، وتقضوا بإخراجهم أوطارًا، وتدركوا بأيديهم أوتارًا؛ ولم يخف عليك ما يتسبب بالفتن، من البلوى والمحن، وما يكتسب فيها من الحوب، ويحتقب بها من الذنوب، وما ينوب الظالم والمنصف من معرتها، ويصيب البريء والنطف من مضرتها، وما يعم من بأسائها، ويطم من دهيائها، باحترام الرجال، وإيتام الأطفال، وإرمال النساء، وإحلال الدماء، وانتهاب الأموال، واعتساف الأهوال، وإخلاء الأوطان، وجلاء السكان، وانقطاع السبل، واتساع الخلل. هذا إذا كانت الدعوة واحدة، والشرعة معاضدة، فأما إذا انساق العدو إلينا، وتطرق علينا، وضري على أموال المسلمين ودمائهم، وجرؤ على قتل رجالهم وسبي نسائهم، وبانت له العورات، وتحققت عندهم الاختلافات، وأحدوا رحاهم، واستمدوا من وراهم، لم يكن للمسلمين بهم يعد يد، ولا عن إخلاء هذه الجزيرة بد، والله يحميها من الغير، ويكفيها سوء القدر.
وإن أحق من لم شعث المسلمين، وضم منتكث الدين، من أيد الله أولهم بأوليه، ورقع خللهم بمساعيهم ومساعيه؛ وكانت وقائعه في المشركين مشهورة، وصنائعه بالكافرين مذكورة، ومن لا تؤرخ الأيام إلا بغزواته ولا تحلى الأيام إلا بفعلاته. وأنت قاضب من تلك القواضب، وثاقب من تلك الكواكب، وغرة من تلك الأوضاع، وشعلة من ذلك المصباح، ومعلى من تلك القداح، وعامل من تلك الرماح، فحقيق عليك أن تجري إلى غاياتهم، وتعلي راياتهم، وتحمي ذكرهم، وتحيي مجدهم. وقد علمت ألا عدة أعد، ولا نجدة أنجد، من توازر القلوب، وتناصر العيون، وتضامن الأيادي، وتظاهر المساعي؛ فحينئذ يخشن الجانب، ويعن المجانب، ويصحب الأبي، ويطيع العصي. ومن خلا من صالح الأعوان، وضيع الاستظهار بأحباء الإخوان، كان أجذم الرماح، كهام السلاح، مقصوص الجناح، خائب القداح، مفلول الحد، مصلد الزند؛ والمرء كثير بأخيه، والجناح بقوادمه وخاوفيه، والانفراد في الوطن غربة
[ ٢ / ٦٤٠ ]
والانقياد للآخر كربة؛ مع أن الغلبة بالتغرير والإخطار، ليست من شيم أولي البصائر والأبصار.
ومن الذي دعاك يا سيدي إلى فتنة تخوض غمارها، وتحمل أوزارها، ولا تغتبط بعقباها غالبًا ولا مغلوبًا، ولا تنتشط من بوساها حارباص ولا محروبًا -! فإن كان وفاء لمن عاهدت، وغناء عمن عاقدت، فأدنى المساعي إلى النجح، وأولى المطالب بالكدح، وأبعد المذاهب من العيب والقدح، ما بدء بالمتاركة وختم بالصلح؛ فالله تعالى يقول: " والصلح خير " " والفتنة أشد من القتل ".
والاتفاق يا سيدي أضم للشمل، وأوصل للحبل، وأحمد فاتحة وخاتمة، وأرضى بادئه وعاقبة، وأسلم دنيا وآخرة. ومعاذ الله أن تزل بك قدم، أو يحل بك ندم، أو تزعجك إلى المجاهل لجاجة، وترهج لك في الباطل عجاجةز
وله عن تأييد الدولة أبي جعفر:
كتبت - كتب الله في قلبك ذكرًا لا يمحوه نسيان، وأعذب لي من شريك ما ينسي مرارة كل خطبان - ولو أعطبت الأجسام لطافة الأرواح، لطرت إليك بلا جناخح؛ وإلا يمثل الجسم بين يديك، فالقلب مائل لديك، والنفس حائمة عليك، والأمل نزاع إليك. فهل لمولاي عطفة، تميل إلى عبده عطفه، فتقبل الثريا كفه، أم هل له إليه لحظة، تنيله الدنيا بها حظه؛ فقد طال إبعاد الليالي بلإحالة، وأوعاد آمالي بالإدالة، وأنا بينهما كالظفر يوم صفين، والخلافة يوم تحكيم المسلمين. وقد أطلت من عنان أملي ما قصر خطا العوائق، وفسحت من ميدان رجائي ما ضيق مسارح البوائق، فلا عذر لي ولم أفصل به الجوزاء عقودًا، وأنل السماء قعودًا، فالواعد حري بالوفاء، والله ملي بالعطاء.
وله: الحسب - أعزك الله - في مواطنه، كالذهب في معادنه، والشرف في الأشراف، كالدرر في الأصداف، والمجد في أهله، كالفرع في أصله؛ ومن حازت
[ ٢ / ٦٤١ ]
له آفاق المعالي تجيب؛ ورث السيادة نجيبًا عن نجيب، وكان الكرم فيه كالفرند في القواضب، والضياء في الكواكبن والصفاء في الماء، والروح في الأحياء وإن لم يحظ بك العيان، ولا أسعد بقربك الزمان؛ فالرؤية بالقلب لا بالعين، والقرب بالنفس على الدنو والبين؛ ومن كان مثالك نور ناظره، وخيالك سمير خاطره، فقد قاربك مقاربة الارتياح للأرواح، بل مازجك ممازجة الماء للراح. وإذا كان المعتقد من الإخوان أوفاهم ذمة، والمعتمد عليه في الحدثان أعلاهم همة، وأحق الناس بالوفاء وارثوه، وأشبه الأتباع لتبع بنوه، وقد أعلقت ودي منك من يزكو وده، وأوثقت عقدي بمن لا ينحل على الأيام عقده، فشاري ودك بنفسه رابح التجارة، ومضيع عهدك في أمسه فاحش الخسارة. وأنا أحمد يومًا وصلني بمعرفتك، وأذم دهرًا قطعني عن صلتك، واعتقدك أكرم العقد، وأعدك للأهل والولد، ولا وسيلة إلا فهمك، ولا وصيلة إلا همك؛ فما أزور الرياض إلا تشوقًا إلى شيمك، ولا ألحظ السحاب إلا تخيلًا لكرمك.
وفيما يحكيه فلان [مردد] شكرك، ومطيب ذكرك، من مآثرك الزاهرة، ومفاخرك الباهرة، شائق يحوم طير القلوب عليك، وسائق يحدو بالنفوس إليك؛ وأنت أرق نفسًا وطبعًا، وأكرم أصلًا وفرعًا، من أن يجمع علي بعدك وبعد كتابك، وفقدك وفقد خطابك.
وكتب إلى صديق وقد بعث تفاحًا: لو لم تكن نفسي لك، لأهديتها إليك، ولولا أنه حقك أثبته لديك، لجلوت وجه مودتي عليك، متوجًا بطيب الذكر يرفل في حلل الشكر؛ وما عسى أن يهدي الغريق في بحار برك، والمنقطع في مضمار شكرك! لكن لك الإبداء بالفضل والإعادة، ولي الاقتداء والجري على العادة، في إهداء الحقير إلى الخطير، ومقابلة الجليل بالقليل؛ فما قصرت مقدرته، من أطالت مكارمك معذرته.
ولكلفي بشمائلك الشمولة، وشغفي بخلائقك المعسولة، بعثت بما يحكيها ولا يدانيها، ويخبر برياه وطعمه عن بعض ما فيها، تفاح قطعت حمرته وصفرته من خجلات الخدود
[ ٢ / ٦٤٢ ]
ونزعت صورته شبه فوالك النهود، وختم على ألذ من سلوى النحل، وأعذب من جني النخل؛ ناسب الرياض وأفنى عمره عمرها فورثته زهرها، تذكرك أسافله سرر البطون الغلب، وطعمه لذاذة الثغور الشنب.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر أحمد بن عباس
وسياقة جملة من نثره، مع ما يتعلق من الأخبار
السلطانية بذكره
كان أبو جعفر هذا قد بذ أهل زمانه في أربعة أشياء:
المال أولًا: لم تجتمع - زعموا - عند أحد من نظرائه ما اجتمع عنده من عين وورق، ودفاتر وخرق، وآنية ومتاع، وأثاث وكراع.
والعجب: فلم يكن الفضل بن يحيى، ولا معلمه عمارة بن حمزة، ولا عبيد الله بن ظبيان، ولا مطعم بن جبير، في ذلك إلا بعض قوى سببه، وحثالة واطئ عقبه.
والبخل: حتى لو أن الجاحظ رآه ما ضرب في البخل مثلًا، ولا ذكر في رسالته رجلًا. له في ذلك أخبار تخرق سجف العادة، وتضيق عن قبول الزيادة. حدثت عن الوزير أبي محمد بن الجد، وكان امرأ صدق، أنه سافر أيام شبيبته في معسكر زهير فتى ابن أبي عامر قبل
[ ٢ / ٦٤٣ ]
أن يظهر أمره، ويشتهر بصحبة السلطان ذكره؛ فرحلوا في بعض الأيام وقد خلص إلى الأحشاء برد الأجسام، وسوى برس السماء بين الغيطان والآكام، حتى كأن الأرض صفيحة حسام، أو صبير غمام؛ وغب مطر قد غادر الكثبان وعوثا، وصير المسالك تلاعًا ميثًا؛ فكبت به فرسه وقد تأخر عن صحبه، وساخت رجله في بعض ذلك الخبار فصرع لحينه. وكانت عنده فروة فنك قد أعدها لأيام الوفد، فاستظهر بها يومئذ على شدة ما كان فيه من الجهد، ومخافة من عادية ذلك البرد، فأصابه من الطين ما كاد يشككه في عيانه، وأقام عامة يومه على إصلاح ما فسد من شأن فروته وشانه. فورد العسكر وقد زاحم الليل، وبث الوزير المذكور في طلبه الخيل، فساعة رآه قال له: ما غالك، وأي شيء حبسك لا أبا لك - فطفق يقص عليه أمره وهو يضحك، وكان آخر ما راجعه به أن قال: أو ما عندك غير ذلك الفنك - ثم انتفخ في إهابه، واستدعى في قهرمان ثيابه، وقال له: كم أودعت عيابي، وأدرجت أثناء ثيابي في سفرنا هذا من الأفناك - فجاء منها بعدد، ما ظن أنها تجتمع لأحد، ولا يحيط بها ملك يد. قال أبو محمد: ولم أشك في تحصيل فروته، وجر ذيول كسوته، فوالله ما زاد على أن عدها، وأمر القهرمان فردها؛ ثم قال: يا أبا محمد، هذه ثياب سفري ومهنتي، فكيف
[ ٢ / ٦٤٤ ]
لو رأيت ثياب المدينة، وملابس الزينة -!
والكتابة: وهي اقل أربعته، وعلى كل حال فله بها يد، ونفس ممتد، وفيها يوم وغد، وعدة وعدد.
وقد ذكر ابن حيان من أين غرب وطلع، وكيف طار حتى وقع، وأنا مثبت من ذلك في هذا المكان، ما يليق بهذا الديوان، بعد إثبات بعض فضائله، واستخراج ما حضرني من رسائله.
@فصول له في أوصاف شتى
من ذلك رقعة [خاطب بها أبا المغيرة ابن حزم] قال فيها:
أنهى إليّ كتابك رجل طويل القامة، صقل الهامة، بعينيه ليانة، وعلى أسنانه طرامة، وفي شاشيته وضارة، وفي منطقه لكنة صعبة، وعلى أنفه عقدة كالكبة، وفي أطواقه سعة، يخرج منكباه من أقطارها كأنها ثياب واله، أو شبارق راهب، وفي مشيته تفحج قبيح كأنه عائم في يبس؛ وعليه غفارة شفافة شبكية السيدارة، وأظن
[ ٢ / ٦٤٥ ]
العمالقة غزلت صوفها زمن الفطحل، والأكاسرة تولت صباغها عام الصفر؛ كأنها الطيلسان الحربي، أو التبان السعدي. ولقيت الرجل وقد أحاط بي جمع، والتف علي قوم، فوقفت معه موقفًا كفاك الله خزيه، ولا وقفك مثله. وقد عهدتك تجري بميدان الفكاهة، وتنخرط في سلك الدعابة؛ فلما أسلم إليّ الكتاب ولحظت عنوانه، وحياني بلفظ لم أفهم لسانه، قلت: خبأها [أبو المغيرة] ورب الكعبة، وأهدى إليك بهذا الإنسان لعبة؛ ورماك عن قوس فكاهته بهيئة باذة، ودهاك من تماثيل خياله بطلعة شاذة؛ وسد تطييبك بسداد من ثغره، وطار إلى أفق تنديرك بجناح من هزله. فتماسكت وما كدت، ثم تجلدت؛ ولجأت إلى فض الكتاب، وابتغت نقلة لأستتر [بجملة أسباب]؛ واعتصمت بعصمة خطه الموشي، ولفظه البالي؛ وصعدت في الكتاب وصوبت لأعمل لنفسي شغلًا، حتى رأيت النسب، وسمعت اللقب، فقلت: الرجل - لا محالة - عبري المنتمى، وشاهد الطلعة عدل مزكى، فوحق الطرب، وحرمة الأدب، لقد هممت أن أوفي الشطارة حقها، وأسم الخلاعة وسمها، فأجعل في يده عكاز قصبة خضراء، وفي رأسه قلنسوة بيضاء، وأضع على عاتقه خرجًا بنخالة، وأقيم من نفسي ومن حضر
[ ٢ / ٦٤٦ ]
عرافةً وآلة، وآخذ به من طرق بني مردخاي على قارعة المحجة بين الناس، وأقلده سيف الباجي أبي القاسم، فإنه صفيحة مقشرة لا غرار لها ولا ظبة، كأنه قضيب صاحب اسفيريا، أو عمود نيزكي لم يحدد له زجًا؛ وهذا شرط ذلك اللعب، ففي نفوس القوم خور، لا تحمل معه السلاح إلا بخوف وحذر. وتأملت خفية فإذا بهما من كيمختٍ بال، مصدران تصدير السندال، قد انهرتت أشداقهما، وتهدلت مشافرهما، وصار عاجهما آبنوسًا، ونعلهما خيالًا مرسوسًا؛ فقلت: لا يزدوج طليسان ابن حرب إلا بخفي حنين، وقد كفينا ارتياد خلعة، توافق هذه الطلعة؛ ثم جمعت جراميز صبري، وأخذت بكظم نفسي، واستعذت بالله من آفة الغفلة، وشغل بالي ذلك المرأى الشنيع، والموقف المهول، وحرمت عامة نهاري من يعلمني، حتى ظفرت بمن أوسعنيه علمًا، وفسره لي نصًا، فلففت رأسي حياءً منه، وتمنيت أن تضمرني البلاد عنه؛ وأدركته - لا محالة - خجلة ذلك الملتقى، فحماني زورته، ومنعني عودته، يرجم في الظن السوء؛ وإن يقل فمعذور، وإن يكن مني ما كان فغير ملوم، لأنك رميتني بآيدة الأوابد، وداهية الغبر، ومشكلة لا تنفرج بالبديهة، ولا ينفذ فيها إلا بطول الروية، وما أعجب
[ ٢ / ٦٤٧ ]
شأنها إن كان وقع اتفاقًا، وأغلب الظن أن تأتيها اعتمادًا.
ومن جواب أبي المغيرة عليها: وأرجع من كتابك إلى ما ركض جواد الهزل، وشهر سلاحه، ونشر علمه، وشب زبون حربه، وأوقد وطيس فتنته؛ بل إلى ما مد بساطه، وفرش أنماطه، وأدار كؤوسه، وأماط عبوسه، وحرك أوتاره، ونبه أطياره؛ بل إلى ما أقام لعبه، وحرك لعبه، وأحضر مجونه، واستجر فنونه، وزمر في بوقه، ونقر بطن دفه، ورقص على إيقاع لحنه، فقلنس في أختانه، وطرطر في قرونه، وبربر في رعي ضانه، وترهب في غير خالقه، ولم يدع من الجد طرفًا، ولا للهزل سببًا، إلا وتمسك به. فهو القائم القاعد، والغوي الراشد، في وصف القارئ بالكتاب عليك، الذي هذبه الزمان، وقاده إليك الخذلان، وحمله إليك من أنزح مكان، ليكون أتم في إلهائك، وأبلغ في إضحاكك. فالغريب من كل حق وباطل نافق، والموجود كاسد. ولم أميز من هييئته غير القامة، وأنكرت سائر ذلك من الهامة؛ فعهدي بجبينه كالصحيفة الصقيلة، وخده كمرآة الغريبة، وعينيه كناظر صقر طاوٍ على مرقب، ضفدع بنظر من خلال طحلب؛ وأنفه كغرار سيف ليس الذي قلدته به، وألقيت حمائله في عنقه، ولسانه كمخراق
[ ٢ / ٦٤٨ ]
لاعب، وبصوت شبيب به نئيمًا، وزجر أبي عروة همسًا خفيًا؛ وأثوابه تزري على اليمن بشرف صنعة صنائعها؛ وخفه لو وطئ لابسه ما أنكر مدخله، ولا تبين خلله. لطف توصل يوهمك أن السحر يمده، وقواه تشده؛ لو شاء أن يجمع بين الجن والإنس، ويضم جميع الأنواع تحت جنس، ما ارتقى صعدًا، ولا لقي كبدا. فكيف انقلبت هذه العين، وانسلخت ن ذلم الزين، وصارت آبدةً تلهى،، وناردةً تجري، لولا ما هيأة سعدك، وسببه جدك - وقد قام النوروز بما وجب عليه، ولم يوجدك السبيل إليه، فارتقب من المهرجان نعتها، وانتظر فيه شكلها. وكنت أسومك مساجلتي بنظيرها، ومقابلتي بمثيلها، لكن من لي بمساعدة الزمان بقسطك، والأخذ فيه بشرطك -
ولابن عباس من رقعة إلى أهل غرناطة يقول في فصل منها: لم أعقر ناقةً رضاكم فأسخط، ولا أكلت من شجرة عقوقكم فأشحط؛ وإنما أعطيتكم صفقة الصاغية لأكرم، وانحرفت عنكم على زاوية المقة كي لا أهان، ونمت على مهاد الثقة بكم لئلا أتهم. أفاليوم يقال: جعلتنا قنطرة، وكتبت إلى صديقك كتبًا مبطنة -! وكان ابن أبي موسى مواتًا نفخ الروح فيه، وعيالًا علينا فاستأثرتم به، وجعلتموني مركز دائرتكم
[ ٢ / ٦٤٩ ]
في اللفظ، وعين سعايتكم في القصد، فضربتم بي أمثال السوء، إلى معانٍ طوال ألصقتم بي عارها، وطوقتموني شنارها، وانحدارًا عليّ كالسيل بالليل، وتصديًا إليّ كالسهم، وتولعًا بي كأني عندكم ذنب الدهر. تلزومونني في صيد العنقاء في جحوركم، وتشترطون عليّ بيض الأنوق في بيوتكم؛ فأقروا الطير في وكناتها، واتركوا القطاة بمناها، وكونوا تجافيف الإنس، وصور الحمامات، وخيال الظل، أو ﴿كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا﴾ (النور: ٣٩) .
وأما ما عددتموه من الآثار الجميلة عندي ففصل قبيح بكم إيراده، والكريم يتنزه عن مثله، والمن بالصنيعة تكفرها؛ ولقد أجهدت نفسي في خدمة هواكم، واتباع رضاكم، وصرت منقادًا لرمز حواجبكم، وتبعًا لركابكم؛ على أنني ما أكلت من حلوائكم ما يحطني في أهوائكم، ولا لمظت من دنياكم العريضة بلمظة؛ ولقد خبنا من صفقات أرباحكم، وحصلنا على الحرمان من متاجركم؛ وقنعنا بشم قتاركم، واستنشاق النسيم من تلقائكم.
وله من أخرى إلى أهل قرطبة عن زهير الفتى: أنتم - معشر الأعلام، وأكابر الرجال - غرر المصر، وبقايا هذا العصر، وموضع اقتباس النور والرأي
[ ٢ / ٦٥٠ ]
والملأ المقتدى به، والمشار إليه، من حاط هذه الملة، وانتدب لصلاح الأمة، ومخض الرأي وهذبه، وألقح عقيمه ونتجه، ورفع عن هذا العالم أسباب الشبهة، وكشف لهم عن غطاء الهداية، فقد طالما خبطوا عشواء، وأخذوا بغتة، وكلب عليهم من بني زمانهم من انتدب لتجويز المحال، ولو أخذنا في عدهم، وبسط أولهم وآخرهم، لخرجنا عن غرض الخطاب إلى التأليف، وجانبنا سير القصد في الأمور إلى التصنيف. وأشد هذه العصابة المشؤومة ابن عباد، الذي سل سيف الفتنة والبغي، من قرابه، وأثار بعير الظلم من مبركه، وانتزى ببطنته أشرًا، ومشى في الأرض مرحًا، وظن أن يخرق الأرض ويبلغ الجبال طولًا؛ فغزا [أهل] الإسلام في عقر دارهم، وأسقط عن نفسه حرمه الله فيهم، وأذهب ذمته، وبنى أمره على دعامة زيت، وأتى لشأنه من ظهر بيت، واستعار اسم الشهيد هشام المؤيد بالله لغير أهله، وعزاه إلى من ليس من شكله؛ فضاعف السيئة، وجاهر بالمعصية، وأتبع الرسم الداثر، وجعل حظ الناس فيه التمثيل في اسم كاذب؛ واعترض على منكريه بكهانة شق وسطيح، وآيات طسم وجديس، واحتج بكتب الجفر، ودان بالتناسخ؛ وأضاف
[ ٢ / ٦٥١ ]
إلى هذه الغرائب قراع أسماع الأغمار بها، يريهم وجدوه الاستبصار، فضلًا عمن تدرج في طبقات المعرفة، وجرى على وتيرة الدراية، وسبقت له قدم صدق في الرواية. ثم رفع السوط للسيف، فأوجع قلوب المسلمين باللسان واليد، يحكم كيف شاء في أبشارهم، وصارفهم صرف الدينار بالدراهم في أموالهم؛ لا تتخلل الموعظة قلبه، ولا تقرع التذكرة سمعه، فتارةً يأخذ النصارى واليهود بذنب التوراة والإنجيل، وأخرى يقول للمسلمين توبوا مما عسى أن يكون.
[وفي فصل منها: فإن كاذبًا فيا لها حسرة، وإن كان صادقًا فما أحوج الملك إلى القطرة] ! وكتابي هذا إليكم وقد اتفقت الكلمة في وضع رأس الإمارة على كاهله، ونصل الإمامة في نصابه؛ وأعدنا الحق إلى أهله، وأصفقنا على بيعه رضىً واتفاق وطاعة لعبد الله أمير المؤمنين إدريس المتأيد بالله - أيده الله - وطهرنا المنابر من دنس تلك الدعوة المستعارة، وهتفنا بها هتف التباشر، وقامت بها الخطباء على المنابر، وانجلت الغياية عن فلق الصبح، وأقلعت الظلمة عن وضح الشمس، وأزاح - بفضله - تعالى غصة الشك، وشجى الإفك.
فاعتبروا بما ألقينا إليكم اعتبارًا من يحتاط لدينه وتقواه، ويرغب
[ ٢ / ٦٥٢ ]
عن الهضيمة بنفسه في دنياه؛ والرمز يكفيكم، والإيماء يغنيكم. ولم نجهل علمكم بحال الموصوف، لمعرفتنا بمكانكم من التحصيل، إذ أنتم أهل النظر والتأويل. ولما استوثق الأمر على منهاجه، واستتم الرأي على أدراجه، وهززناكم هزة التذكير ورمينا إليكم بنبذ يسير.
وله من أخرى إلى أبي المغيرة ابن حزم: قرأت الرقعة الكريمة التي ناولتنيها اليد العزيزة، فكأن البدر مدّ إليّ كفًا تخمت بالنجوم الزاهرة، أو الدهر أعطاني بها أمانًا من خطوبه الجائرة؛ وعاينت وشيًا منمنمًا، وأبصرت ريطًا مسهمًا، وطفقت ألتمس المجاراة، وأروم المباراة، فإذا شأوي حسير،وباعي قصير، وفمي ملجم، ولساني مفحم، ولأني تعاطيت أسد العرين وهو مشبل خادر، وموج البحر وهو مزبد زاخر:
وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورها ويطمع أن يأتي لها بضريب لله أنت من نثرة آداب، وسليل أحساب، وسمام حاسد، وسراج محامد، إن ناضل عن الحريم حماه، وإن رمى الغرض أصماه؛ يفتح مغاليق الأمور بسياسته، ويستنزل الشارد الممتنع بلطافته.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وفي فصل منها: ولو جاز أن يقرن مع البدن العجف، وينظم مع الجوهر الصدف، لشفعتها إليك، لكنها ممنوعة ما سألت، وغير مدركة ما طلبت، فالسادة لا تمتزج مع العبيد، والشهد لا يضاف إلى الهبيد. ورأيت ما نحلته الرسالة المعربة عن فنون البراعة، وأعرتها من بدائع الصناعة، التي لو رام نبذًا منها بديع الزمان، أو عمرو بن عثمان، لترددا يخبطان عشواء، وأصبحا في خجلة يطلبان النجاء. فدونكها عذبة اللثام، كريمة الأخوال والأعمام، بذل المهج أقل أثمانها، والعنبر الورد يسيل من أرادنها. فإن كنت حضضتني على أن أصونها في تامور الخاطر، وأكتبها على جبهة الأسد الخادر، فأعز من هذا أن أنوطها بذوائب العيوق، وأودعها الجوانح على التحقيق؛ فهي لمن تأمل در نثير، ولمن تنزه روضة وغدير؛ لنسيم الأدب فيها هبوب، ولكل قلبٍ منها نصيب؛ وقد وشحت بغرائب الكلم، ورصعت بجواهر الحكم.
ليس فيها عيب يدرك، ولا سبب يفرك، غير صدرها عن صدر فاجر نكس، ومن لسان ملحد رجس، لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يؤاخي إلا كل منافق كافر؛ يسب الصحابة الأبرار، ويكذب بالجنة والنار، ولا يرجو حسابًا، ولا يحذر عقابًا؛ ادعى خلافة الله فهي منه تضج، وليس أثوابها فهي عليه تعج؛ لو اتعظ بمصرع أبيه، لأقلع عما هو فيه؛ بل أشبهه حقًا فما ظلم، وتقليه نسقًا فزاد وتمم؛
[ ٢ / ٦٥٤ ]
يأخذ الرشوة على بيت الله الحرام، هـ ويستخف بشرائع الإسلام؛ يهتك الحريم ويسفك الدماء، ويستصحب الأوغاد والشطار؛ بئس الشيعة وقود جهنم وحصبها، وعليهم يزداد حنقها وغضبها.
وفي فصل منها: وبقي جزء من الإطالة أسوقه إليك، وأورده عليك: أنا مقر بالمعجز لبيانك، مقبل أنجم الثريا من بنانك، راغب أن تلبسني من عفوك ثوبًا أسحب أذياله، وأن تفيئني من صفحك ظلًا آمن زياله، إذ أنا سكيت هذه الصناعة التي بيدك لولؤها، ولك يدين رؤساؤها، وإليك، تعزى وتنسب، وباسمك على منابرها يخطب، وتردني لك كتب لو فوجئ بها نقاد الكلام، وجهابذة النثر والنظام، لألقوا إليها السلم، وادعوا عندها البكم. فأنى لي بمقاومتك، مع تقدمك وتخلفي، ومصارعتك، مع قوتك وضعفي -! فالواحد لا يقرن مع الكل، والفرع لا يضاف إلى الأصل. فأسلك وأستعفيك، وأضرع إلى مجدك ومعاليك، ألا ترهقني عسرًا، فيظهر عجزي، ولا تحملني إصرًا، فيبين نقصي؛ فإنك إمام وأنا مأموم، وأنت حاضر وأنا معدوم، وأنا قف وأنت نهر، وأنا جدول وأنت بحر.
قال ابن بسام: وسائر رسائل أحمد بن عباس ثابتة في القسم الثالث من هذا المجموع في أخبار أبي عامر ابن التاكرني، إذ تنازعا في هذه الصناعة الراية، وجريا من البلاغة فيها إلى غاية.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
@إيجاز الخبر عن مقتل أحمد بن عباس وزهير فتى بني عامر
وما اتصل به من خبر نادر
قال ابن حيان: كان سبب فساد باديس بن حبوس وجماعة قومه صنهاجة على جارهم وحليفهم القديم الحلف والولاية زهير الصقلي، فتى المنصور بن أبي عامر، موالاته لكاشحه محمد بن عبد الله زعيم زناتة. ومضى على ذلك حبوس من عداوته، وخلفها كلمة باقيةً في عقبه، أضرم زهير بعد نارها بتمادي تمسكه بالمذكور وإيفاده إليه المدد بقرمونة، واستخفافه بحق باديس، وإنزاله إياه منزظلة الأكفاء، وهيهات له من ذلك من فتى غير قليل التجربة؛ فآثر شفاء نفسه عن النظر لعاقبة أمره، وأضمر الغدر، وقدم العذر، وأرسل رسوله إلى زهير ملطفًا في العتاب، مستدعيًا تجديد المخالفة، فسارع زهير إلى ذلك، وأقبل نحو باديس إقبال المستطيل عليه، المتصور له صورة اليتيم في حجره، المضطر إلى ابتاعه وموافقته، فصار في تضييع الحزم والاغترار بالعجب، والثقة بالكثرة، والانخلاع من فضيلة الرأي وفائدة التجربة، ضدًا للقصد الذي قصده، وآية للغابرين بعده، إذ جاء مدلًا بجمعه وكثرته، أشبه شيء بمجيء الأمير الضخم إلى العامل من عماله؛ قد ترك رسوم الالتقاء بالنظراء المعهودة له ولمن قبله
[ ٢ / ٦٥٦ ]
من التوافق على المكان، والاستظهار بآخر حدود الأعمال، غير ذلك من وجوه الحزم. فأعرض زهير عن ذلك كله، وأقبل ضاربًا بسوطه، حتى تجاوز الحد الذي جرت به العادة، من الوقوف عنده من عمل باديس دون إذنه، وصير الأوعار والمضايق خلف ظهره، لا يفكر فيها، واقتحم البلد حتى وصل إلى باب غرناطة، وخرج إليه باديس في جمعه، وقد أنكر اقتحامه عليه، وعده حاصلًا في قبضته، فبدأه بالجميل والتكريم، وأوسع عليه وعلى رجاله، في القرى والتعظيم، ما مكن اغترارهم، وثبت طمأنينتهم.
ووقعت المناظرة بين باديس وزهير ومن حضرهما من رجال دولتيهما من أول يوم التقائهم، ففشا بينهما عارض الخلاف لأول وهلة، وحمل زهير أمره كله على التشطط، وخلط التغرير بالدالة، والجفاء بالملاطفة، وزعم في بعض ما يقوله أن الذي جاء به زيارة قبر حليفه وخليله حبوس، وهو قد بخل بالتعزية على ولده إثر موته. واتصلت بينهما المناظرة، والأمرار يزداد، وزهير يأبى ذلك وتهاون كأنه قد اقتدر على خصمه، ووزيره أحمد بن عباس المعجب التياه يفري في تصريح ما يعرض به زهير، إيعاد للقوم، وإغلاظًا عليهم.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فعزم باديس عند ذلك على القتال، ووافقه قومه صنهاجة، فأقام مراتبه، ونصب كتائبه، وأرسل إلى طريق زهير فقطع قنطرةً لا محيد لزهير عنها، والحائن زهير لا يشعر، وبات تتمخض له ليلته عن راغية البكر؛ وغاداه باديس صبيحتها على تعبئة محكمة، فلم يرعه إلا رجة القوم راجعين إليه، تخفق طبولهم وهدير رقاصته الأساود، فدهش زهير وأصحابه، فيا لك من أمر شتيت، وهول مفاجئ، قسم بال المرء بين نفسه وماله، ووزع همه بين روحه ورحله! إلا أن أميرهم زهيرًا أحسن ابتداء الثبات لو استتمه، وقام ينصب الحرب، فثبت في قلب عسكره، وقدم خليفته هذيلًا الصقلي في وجوه أصحابه من الموالي العامريين الفحول وعشيرته الصقلب وغيرهم لاستقبال صنهاجة. فلما رأوهم علموا أنهم حمته وشروكته، وأنهم متى خضدوها لم يثبت لهم من وراءهم، فاختلط الفريقان، واشتد بينهم القتال مليًا، فلم يكن إلا كلا، حتى حكم الله بالظهور لأقل الطائفتين عددًا ليري الله قدرته، ويجدد في قلوب عباده عبرته، فنكص في الصدمة قائدهم هذيل، والرحى عليه دائرة، إما بطعنة أردته عن متن فرسه، أو بكبوة كانت منه، وابذعر أصحابه عباديد وانهزموا، وقيد هذيل لوقته إلى باديس أسيرًا، فأعجل بضرب رقبته. فما كان إلا أن نظر زهير إلى مصرعه، فانثنى عنه وفر على وجهه، فلم يستصحب ثقة، ولا انحاز إلى فئة؛ ولج به الفرار، وانهزم أصحابه
[ ٢ / ٦٥٨ ]
خلفه لا يلوون على شيء، وركبت صنهاجة ولفها [ومن تبعها] من أمداد زناته أكتاف القوم، باذلين السيف فيهم بصدق العصبية وإيثار الفناء، فلم يبقوا على أحد قدروا عليه، ولا فرقوا بين أندلسي ولا جندي ولا سوقي، فأساءوا الاعتداء، وأبادوا أمة، حتى إمام فريضة زهير ولد الفقيه ابن نابل. فاستدل بقتلهم على من سواهم؛ وعلم المنهزمون أنه أخذ عليهم المضيق المعترض في طريقهم، فنكبوا وأخذوا في شعاب وعرة وجبال شامخة، ألجأهم إليها السيف، فكانت حتف من فر، وتقطعوا وتمزقت أوصالهم. وفي هذه السبيل أودي أميرهم زهير وصار ذلك سبب مجهل مصرعه واعتصم الرجالة بتلك الأوعار الأشبة.
وأما السودان من رجالة زهير فإنهم غدروه أول وهلة وعمدوا إلى خزانة سلاحه فنهبوها، ونادوا بشعار صنهاجة، وانقلبوا معهم، ووضعوا السلاح فيهم، وليست بالبدع من أفعالهم، وكانوا قطعة خشنة يتقاربون، الخمسمائة، وكان زهير يعدهم للنائبة، فكانوا أول من أعان عليه. ولؤم مقام الأندلسيين بهذا المأزق وانهزموا، فاصطلم عسكرهم. فنصر باديس، وغنم رجال باديس من المال والخزائن والأسلحة والحلية والعدد والغلمان والخيام ما لا يحاط به وصفًا ولا قيمة.
وظهر باديس في الموقعة على قومٍ من وجوه رجال زهير، فعجل على
[ ٢ / ٦٥٩ ]
الفرسان والقواد بالقتل، فكان ذلك من أكبر ما صنعه لخلاف الوجه في قتال أهل القبلة. واشتمل الأسار على حملة الأقلام جميعًا، وفيهم وزيره التياه المستكبر المعجب أبو جعفر أحمد بن عباس، الجار لهذه الحادثة: قيد إلى باديس، وصدره وصدور أصحابه تغلي عليه بما أوقد من هذه النائرة، فأمر بحبسه ليستخرج منه مالًا، وشفاؤه الولوغ في دمه، وعجل عليه إلى مديدة، وحلت به الفاقرة بعد دون أصحابه من حملة الأقلام، فإن باديس عف عن دمائهم من بين أصحاب السيوف إلا من أصيب منهم في الحرب، وأما الأسرى كابن حزم وابن الباجي صاحب الرسائل وغيرهم فأطلقهم.
قال ابن حيان: أخبرني القرشي المعروف بالقط عن شيخ من شيوخ صنهاجة يسمى بلقين قال: سرت والله ليلة الوقعة إلى الرفيع ابن عباس مستنزلًا له عما كان صاحبه زهير تمادى فيه من قطيعة باديس صاحبنا، وعذلته وألطفت وقلت له: اتق الله فإنما هذا منك، وصاحبك منقاد إليك، وقد تعرفنا البركة في تألفنا، وقد رببنا به مثل هذه النعمة التي كثر عليسها حسادنا، فاستدم بنا ما نحن فيه من الاتفاق، ولا تعنق إلى الفتنة، فيزول أكثر ما تراه. ما الذي غركم من موالاة ابن عبد الله
[ ٢ / ٦٦٠ ]
حتى تقاطعونا في رضاه - فأجيبوا هذا الفتى أميرنا فيما دعاكم إليه من الألفة. فجعل يستجهلني، ويجيب جواب المتبوع للتابع، وأنا أرفق به بعد أن قبلت وجهه، واستعبرت رقبةً لاستلانته، فلم يزدد بذلك إلا قسوة، وقال: دع القعقاع فليست تهولنا، وكلامي لك الليلة مثل كلامي لك أمس، والله لا نزلتم إلا على رضانا، وإلا أعقبكم على ذلك ندامة؛ " فأحفظني كلامه وقلت: يا هذا أرجع إلى الجماعة - قال: نعم وأشد منه. فانصرفت إلى أميرنا باديس ومن معه من المشيخة، وإن دموعي لتتحدر على وجهي غضبًا، فلما رأوا ما بي ابتدروا سؤالي، فخبرتهم وقلت: يا صنهاجة، هذه إحدى الكبر، قوموا لدفاعها بقوة وإلا فليست داركم! فالتظت الجماعة، وسعر بلقين ابن حبوس نار أخيه باديس، فحمى الوطيس، وكان أحرص منه على الحرب، فهيأنا لها، وصبحنا القوم على تعبئة محكمة، فما زالت الشمس إلا وهم جزر مذبحة، ومغويهم ابن عباس بدنة مشعرة.
وكان سبب نجاة القائد ابن شبيب من يدي باديس، وقد أسر ذلك اليوم، أن نظر إلى ابن عباس وهو يقاد إلى بادس أسيرًا، فلم يمنعه هول، مقامه أن صاح: حاجب! أسألك بالذي نصرك ألا يفلتك هذا المأبون الزاري بالخليفة! فوالله ما جنى كل هذا غيره، فليتني عاينت حتفه ولا أبالي القتل بعده. فتبسم باديس لقومه وعرف صدقه، وأمر بإطلاقه.
وحكى أحمد القيسي متقبل السكة بالمرية أن مهلك زهير وأصحابه كان
[ ٢ / ٦٦١ ]
بقدر الله على يدي أحمد بن عباس وزيره المدبر لسلطانه، إذ كان في باطنه فاسد الضمير عليه، حريصًا على إيراطه والحصول على المرية مكانه، إذ كانت داره والده عباس وحوزته، وأهلها صنائعه وخوله، وجندها تربيته، فهو يرى أن مهلكه تراثه، ويحرص على زواله.
وحدثت أن باديس لما تقدم تلك الليلة بحبس الأوعار أشعر بذلك زهير، وقال له بعض أصحابه: أطعني وقلدني عارها، وهون على نفسك هذا الخرق، وخل عنها، وتقدم إلى قوادك الليلة في الارتحال معك سرًا، واتخذ الليل جملًا، فلعلك تجاوز هذه الأوعار فتخر من الورطة، فإن القوم متى تبعوك فيها دخلوا من التغرير فيما خرجت عنه، وتهيأ لك العطف عليهم بمجال فسيح يمكنك القتال فيه والتعلق ببعض حصونك. وأكثر من ذلك حتى رد عليه أحمد بن عباس قوله وقال: هذا وسواس أدخلك فيه الذعر. فقال له: ألمثل تقول هذا يا أبا جعفر وأنا فارس [ابن فارس]، نيفت على عشرين وقعةً وأنت ما قرعتك قط وعوعة! - ستعلم عاقبة أمرك. فأجلت الوقعة عن أسره، وكان مناه الخلاص إلى المرية لينفرد بالإمارة.
وكان من جهله المأثور أن قال يومئذ للذين يحملونه إلى باديس: الله الله في حمولتي! قولوا لأبي منادٍ باديس يحتاط عليها لا تنخرم، فإن فيها قطعة دفاتر لا كفاء لها! فضحك البرابر من جهله.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
ولما سقط إلى المرية خبر زهير ملكوا بلدهم، وكاتبوا عبد العزيز بن أبي عامر، فلحق بالمرية ودخلها عفوًا إثر الوقعة، وذلك منسلخ ذي القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وظفر من تركه مولاه زهير وأصحابه الصقلب المصابين معه في هذه الوقعة على أموال عظيمة، وأمتعة رفيعة تفوت الإحصاء والقيمة، أمسى فيها عبد العزيز مخرقاء وجدت صوفًا، فرط تبذير، إلى مال كثير من العين أصابه ببيت مال زهير من الورق والذهب، ووضع عبد العزيز كل ذلك غير موضعه، فتضاعفت البلية.
@مقتل أحمد بن عباس
قال ابن حيان: وكان باديس قد أرجأ قتله مع جماعة من الأسرى، وكان الرئيس أبو الحزم قد وجه رسولًا إلى باديس شافعًا في جماعتهم، مؤكدًا في شأن أحمد بن عباس، وكان أبعدهم من الخلاص واعتذر في حبسهم ليمين، مغلظة، وشد صفاد أحمد، ورغب عن الرغائب المبذولة فيه، فاشتد البلاء بأحمد لفرط فزعه وثقل حديده، وامتناعه عن استيفاء الغذاء المقيم لجسمه، وتألمه من عقر القيد لظنبوبه. وظل يستعطف باديس ويشهيه بكثرة ما بذل له من الأموال في فكاك نفسه، وباديس يترجح في ذلك وقتًا، وتأبى له قوة غضبه عليه إلا شفاء بقتله، فآثر الشفاء
[ ٢ / ٦٦٣ ]
منه على عظيم ما كان يعطي في فديته، وتولى قتله بنفسه [مع] أخيه بلقين إغراقًا في العداوة وتحققًا في الأنفة. فانصرف يومًا من بعض ركباته مع أخيه بلقين، فلما توسط الدار التي فيها أحمد بن عباس وقف فيها هو وأخوه بلقين وصاحبه الخاصة عليّ بن القروي لا رابع لهم، وأمر بإخراج أحمد إليه، فأقبل يرسف في قيوده، حتى أقيم بين يديه، فأقبل على سبه وتبكيته بذنوبه، وأحمد يلطفه ويسأله إراحته مما هو فيه، فقال له: اليوم تستريح من هذا الألم وتنتقل إلى ما هو أشد! وجعل يراطن أخاه بلقين بكلامه، فبان لأحمد وجه الموت منه، وجعل يكثر الضراعة لباديس ويضعف له عدد المال، فأثار غضبه وهز مزرقته، فأخرجها من صدره، فاستغاث الله عند ذلك - زعموا - وذكر أولاده، فاعتوره أخوه بلقين بزرقات كثيرة كبته لوجهه، وشركهما ابن القروي فمزقوه. وأمر باديس بحز رأسه، وووري خارج القصر. وزعموا أن القيد الذي بساقه عسر إخراجه بعد موته على خازن باديس فرض قدميه حتى، انتزعه وهما القدمان الدرمان والكعاب التي لم يخشن لها موطئ في سالف الزمان. فمضى ابن عباس [بسبيله]، ﵀، على هذه السبيل، ولم تبك أرض عليه، ولا قطع ذنب عنزٍ فيه.
وكان أحمد بن عباس كاتبًا حسن الكتابة، مليح الخط، جيد الخطابة، غزير الأدب، قويّ المعرفة، شارعًا في الفقه، مشاركًا في العلوم، مقتبسًا للشعر من غير طبعٍ فيه، حاضر الجواب، ذكي الخاطر، جامعًا للأدوات
[ ٢ / ٦٦٤ ]
الملوكية، جميل الوجه، حسن الخلقة، كلفًا بالأدب، مؤثرًا له على سائر لذاته، جماعًا للدفاتر، [مقتنيًا للجيد منها]، مغاليًا فيها، نفاعًا من خصه بشيء منها، لا يستخرج منه شيء للؤمه إلا في سبيلها، أثرى كثير من الوراقين والتجار معه فيها، حتى جمع منها ما لم يكن عند ملك. حكى وراقه أنه حصلها قبل مقتله بسنة، فبلغت المجلدات في التحصيل أربعمائة ألف، وأما الدفاتر المحزومة فلم يقف على عددها لكثرتها.
وكان مع ذلك أغنى ملوك الأندلس، ولا يعلم ابن ورث لأبيه ما ورثه أحمد هذا. زعم بعض من عرف أمره أن ماله العين بلغ خمسمائة ألف مثقال جعفرية، سوى فضة والآنية والحلية. وأما الأمتعة في المخازن والكسوة والطيب والفرش فبحسب ذلك. ثم حاط هو تلك النعمة بالبخل الشديد القبيح، وحماها بالإمساك الصريح، وأثلها بالاكتساب والترقيح، حتى أضعفت أضعافًا؛ ولم يوفقه الله فيها لبر مزلفٍ إليه، ولا لصنيعة مشكورة منته، بل كره الخلق فيه بالكبر والعجب، والصلف والتيه، فطمست بذلك محاسنه، ووضحت مقابحه.
وحسبك من جهله وعجبه أن عامل أهل قرطبة الذين فيهم منتماه، وهم بقية الناس، أيام دخلها مع زهير صاحبه، بأسوأ ما عنده، فحجب كبيرهم الشيخ أبا عمر ابن أبي عبدة من غير عذر، وما عرف عباس
[ ٢ / ٦٦٥ ]
أبوه إلا بخدمة ابن عمه، وتنقص أديبهم أبا عامر بن شهيد ولم يك [يحسن] مستمليًا. ثم أجمل وصف جماعتهم، [وقد سئل عنهم]، فقال: ما رأيت بقرطبة إلا سائلًا أو جاهلًا. وهو مع تنقصه الخليقة أظهرها نقصًا، لم ينافس في مكرمة ولا رغب في إسداء منة، ولا لذ بنعمة شاكر، ولا هش لثناء حامد، ولا استخرج درهم من عنده إلا في سبيل الشهوات؛ فأسمن جسمه، وهزل عرضه، وأشبع بطنه، وأجاع ضيفه، يمسكه على الهون، ولعلله بالأمل.
لكي يقال عظيم القدر مقصود من رجل كان يطوف في مقاصيره - زعموا - على خمسمائة من مثمنات القيان، وربما لم يكن حظ الحسناء منهن عنده غير لدغة العضة، ثم لا يعود الدهر إليها، وأتهم على ذلك بعهر الخلوة للذي شهر به من قلة الجماع، إلى بخل لا كفاء له بالخبز فما فوقه، يحمل الناس عنه في ذلك أحاديث شائعة، من أحضرها ما حكاه لي الوزير أبو الوليد بن زيدون، عن ابن الباجي، كاتب الرسائل قالك دعاني ابن عباس يومًا مع خواص أصحابه إلى داره، فصرنا في مجلس ناهيك به، متشاكل الحسن في فرشه وستوره وآلته وآنيته، قد صفقت فيه فواكه غريبة وأنقال ملوكية على طوله، ما وقعت عيني قط على أكثرها منها ولا أغرب من أجناسها
[ ٢ / ٦٦٦ ]
ولا أنفس من أطباقها، وقد غطي جميعها بمناديل شربٍ تبين صورها من تحتها فتصور الأعين والقلوب إليها. فأخذ يلاعبنا بالشطرنج التي كانت أغلب الشهوات عليه، فاستغرق فيها ولها عن سائر ما أردنا له، ووصل اللعب نهاره كله وبعض ليلته، لا يرفع رأسه ولا يدعو لنا بطعام ولا غيره، إلى أن جعنا وألححنا عليه في الانصراف إلى منازلنا، فبعد لأيٍ أذن لنا. فانصرفنا ولم نرزأه شيئًا مما كان أعد لنا، ولا اعتذر إلينا، ولا منا إلا من رأسي على ما حرمنا من نعيم ما بين يديه، وتعجب من قحته وبخله واستخفافه بمن دعاه.
ومن صلف ابن عباس وعجبه الذي صحبه إلى يوم محنته أنه لما قيد إلى باديس أسيرًا فوقعت عينه عليه، بدأه أحمد بالابتسام وقال له: أبا مناد! رأيت أي كأس أدرتها لك على هؤلاء الكلاب -! - يشير إلى الموالي العامريين - أريد أن تتقدم إلى حفظ دفاتري فإنها أهم ما عليّ. فتجهم له باديس وقال: أمكرًا عند الموت يا ابن الفاعلة - إياي تغالط! وأمر بتله إلى محبسه. فعند ذلك عرف ما يراد به، ريئس من المغالطة في جرمه.
قال أبو مروان: وبلغني أن عبد العزيز بن أبي عامر سعى على دمه ودماء المأسورين معه من أصحاب زهير عند باديس، لما حصل على المرية، وخاف أن يتخلص فيكدرها عليه. وإن آكد ما أشخص به أبا الأحوص ابن صمادح يومئذ لباديس خبر ابن عباس، فقتله انصراف ابن صمادح عنه.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وحكى خادم باديس قال: رأيت جسد ابن عباس ثاني يوم قتل، ثم قال لي باديس: خذ رأسه مع جسده. فنبشت صداه وأضفته إلى جسده بجنب قبر أبي الفتوح قتيل باديس أيضًا. وقال لي: ضع عدوًا إلى جنب عدوّ إلى يوم القصاص.
وحكي أن باديس وبلقين أخاه إذ طعنا يومئذ أحمد بن عباس ما وقع إلا عن سبع عشرة طعنة، وإنه لباقي الذماء طلق اللسان طامع في الحياة، فعجبا من قوة نفسه، وكان الظن أن يلفظها لأول طعنة، لفرط ترفهه وغضارة جسمه، فاغتاط باديس عند ذلك وأمر بقطع جسمه.
وحدثت من غير وجهٍ أن ابن عباس كان قد أولع قبل محنته ببيت من الشعر صيره هجيراه أوقات لعبه للشطرنج، أو معنى يسنح له، مستطيلًا بجده، ومكافيًا بسعده، فيقول:
عيون الحوادث عني نيام وهضمي على الدهر شيء حرام وذاع بيته هذا في الناس وغاظهم حتى قلب له مصراع الأخير بعض الأدباء فقال " سوقظنا قدر لا ينام ". فما كان إلا " كلا " حتى تنبهت الحوادث لهضمه انتباهةً انتزعت منه نخوته وعزته، وغادرته أسيرًا ذليلًا يرسف في وزن أربعين من قيده، منزعجًا من عضه لساقه البضة، التي طالما تألمت من ظغطة جوربه - غب يومٍ أصبح فيه أميرًا
[ ٢ / ٦٦٨ ]
مطاعًا، أعتى خلق الله على عباده، وآمنهم لمكر ربه؛ فأخذه أخذ مليك مقتدر، وسلبه نعمةً لم يكن لها كفؤًا، والله غالب على أمره.
وحكي عنه أنه نزل في بعض سفره منزلًا، واستدعى ماءً لغسل رجليه، إثر خلعه لخفيه، فقدم إليه رب المنزل الماء، وكانت عليه جبة أسماط، فمر أسفلها بقدم أحمد فتألم وتأوه لخروشتها، وكأن شيئًا لدغه، [تماجنًا]، وقال: ابعدا يا هذا فقد بردت رجلي بجبتك، إنما هي اسكلفاج وليست بساج! فخجل الرجل وأخذ في طرف من الاعتذار.
وأخباره في الكبر غريبة شائعة جدًا.
وكتب إليه أبو عامر ابن التاكرني: يا سيدي، وأجل عددي، وذخيرة الأيام عندي، وفائدتها العظمى بيدي، الذي أستند إلى فضله، وأستظل من هواجر النوائب بظله، ومن أبقاه الله للأيام مقرعًا، وللخائفين مفزعًا، أحمد مسعاه، من كنت منتهاه، وحمد سراه، من كان ضيائك سناه؛ وقاد النجاح برمته، من سما إليك بهمته، وقرب منالك الجوزاء، على من امتطى إليك الرجاء، وأخصب رائد من وجدك، وأعذب وارد من وردك واعتمدك. وأتت الخيرات شفعًا من كان إليك شافعًا، ولم يعدم من الصالحات نفعًا من كان عندك نافعًا، لأن الله أحلك من حوض المجد عقره، وجمع لك بين روض
[ ٢ / ٦٦٩ ]
الحمد ومطره؛ وجريت من المكارم في مضمار طالما أحرز أبوك خصله، وأويت من حفظ الذمم إلى جوارٍ شد ما عرف أولوك فضله؛ والله تعالى يزيدك من جزيل نعمه، ولا يخليك من جليل قسمه بحوله.
إلى ذمام النسب ذمام الأدب، وأوى من تأميلك إلى حصن حصين، ومت من صحبة أبيك - ﵁ - بالسبب المتين، وحقيق على مصلك ممن جمع أشتات الفضل، واحتاز مكارم القول والفعل، أن يجمع بين شفاعتي والنجاح، ويؤلف بين حاله والصلاح. وفلان شاكر فضلك، وراحجي طولك، ممن يمت بوسائل، ويدني بوصائل، أنت المعين على رعيها، والمؤيد على حفظها، وحاجته حاجتي وإرادته إرادتي، وشكري لك على ما توليه وتوليني فيه، شكر يتضوع نسيمه، ويأرج شميمه؛ وهذه بكر حوائجي فاجعل مهرها القبول، وأول شفاعتي فأوسعها فضلك الجزيل، ورأيك الجميل، ناهجًا لأملي فيك السبيل، وموضحًا لرجائي لك الدليل، إن شاء الله.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي حفص عمر بن الشهيد
@وإيراد جملة مما انتخبته من نظمه ونثره
وأبو حفص هذا [في وقتنا] كان فارس النظم والنثر، وأعجوبه القران والعصر، ونهاية الخبر والخبر؛ رقم برود الكلام، ونظم
[ ٢ / ٦٧٠ ]
عقود النثر والنظام. وهو إن لم يزر لملك، ولم تدر عليه رحى ملك، فليس بمتأخر عن طبقات المحسنين، ولا بسكيت حلبات الكتاب المجيدين. وقد أخرجت في هذا الفصل من بارع كلامه، في نثره ونظامه، ما يشهد برسوخ أعلامه، وشهرة أيامه.
@جملة من كلامه في أوصاف مختلفة.
من ذلك رقعة خاطب بها بعض إخوانه يقول فيها: أبثك أحدوثة عجبٍ تضحك سنك، وتطبق بالطيب وقتك، فما زالت النوادر مستغربةً لا سيما نوادر علية الكتبة: وجهت فلانًا إليّ بكتاب يخصك ما تضمنه، وكنت - علم الله - حين موافاته منزلي حليف ألم، قد أطلت عليه التململ، وأسهرني ليله الأطوال، وقد انقض عني من كان معي رجاء غفوةٍ أستشفي بها، وأسترد بعض منتي بها. فقرع الباب قرعًا منكرًا يتبين الحرج فيه، ويظهر الضجر في تتاليه؛ فتداخل الخادم رعب وقالت: هو خطب؛ ثم خرجت على تحامل، بروعة جنان، ولجلجة لسان، ومنطق جبان؛ تنقل قدمها إليه على وجل:
كما يمس بظهر الحية الفرق
[ ٢ / ٦٧١ ]
ثم قالت: من الرجل - فأنغض رأسه نحوها وقبض على لحيته بيمنه، وأحد النظر إليها وتنهد وقال: أواه على طموس رسم الأدب! وتمثل:
أني لأفتح عيني ثم أغلقها على كثير ولكن لا أرى أحدا ثم أقبل على الخادم وقال: يا لكعاء، كسبت في ترفه العيش معرفة الحلو والمرّ، والخشن من اللين، وفي كل ذلك لم تحفظي بيتًا واحدًا من الشعر يحسن به أدابك ويحجرك أن تقولي من الرجل - أين أنت يا لكعاء من قول أبي تمام:
يحميه لألأؤه ولوذعيته من أن بذال بمن أو ممن الرجل ولكنك ما علمت، حرجة الصدر، فلبك فارغ إلا من الغفلة، ولحظاته بليدة على التفصيل والجملة. أقسم لو أنك امرأة من الأزد، أسد الباس ومقاديم الناس، لرأيت لألأة الأزدية في أسرة وجهي، ولولا تحفزي للأمر الذي وردت له، لكان لي ولك خطب، ولأعطيتك قانونًا في الفراسة والزجر، ونبذت إليك بعلم من علوم الدهر، لا يلتبس عليك معه الشريف أيام عمرك. يا هذه قولي لرب المنزل يترمم لإنفاذ هذا الكتاب. فقالت له الخادم: عافاك الله، إنه عليل، ومن صبه ثقيل
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وقد برح به السهر، ولان لغفوته السمر، ولا بد من التخفيف عنه. فجرجر جرجرة العود الدبر، وتزيد من الحرج والضجر، وقال: بسل علينا معشر الأزد أن نفري ولا نخلق، أو نتوجه في أمر فلا نحقق. يا هذه، ليس هذا إيوان كسرى فنتزود لا ستخراج الحاجة به: المال والصبر والعقل؛ ومن العجب وقوفي معك منذ اليوم أضرب لك الأمثال، وأصرف المقال، وأنت لاهية عني، لا يعنيك أمري. أترين صاحبك شرب من الخمر أقداحًا، وسمع نوبات، فلما اعتدل مزاجه، وتوارت وجوه النوائب عنه، قال للدهر أدر دوائرك فإني لا أعبأ بك! - قد علمت علته؛ أقسم لو أن به ألف علة، تكون حياته من جميعها مختلة، لينفذن هذا الكتاب. قالت له الخادم: ويحك ما أجفاك من وافد الأزد! أين منك رقة الحجاز وفصاحة نجد - ما أقبح هذا العقوق، بمن شرب ماء العقيق، وأسوأ هذا الأدب، ممن ينتهي إلى ذؤابة العرب! فقال: يا لكعاء، إنك لتجادلينني عن نسي - وحياة ما نقلته من الخطى، وتجشمته من البيداء، لينفذن هذا الكتاب، أو لأشهدن عليه بالعصيان والتكاسل، والتواني والتثاقل؛ فمثلي لا يرد إلا بحزم، ولا يصدر إلا عن فضل. فقالت له الخادم: ما أسوأ تقديرك للأمور! لئن كان مخمورًا خمار وصب، فهؤلاء الشهود معهم شرب، وعندهم طرب، وصاحب المدينة منه بنسب، وعلى صلة سب، فأين تذهب - فشمخ بأنفه
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وكسر من طرفه، ومدد الزفرة، وردد التلهف والحسرة، ثم قال: أفٍ للدنيا فما تزال تعنينا بمثل هذه الهنات. فلما شد على شعسه للانصراف أقبل على الخادم فقال:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا أما إنك لولا أن تكوني باهلية الضئضئ لعرفتك. ولكن سأودع عندك أرجًا يدل على موقفي في هذه البحبوحة. أنا العتكي الحسيب والنسب، وذو الهمة والأدب، فمن سألك فقولي ما شهدت، وحدثي عما عاينت، وما أراك تجدين ظاهرًا تقيمين به فرض الثناء عليّ؛ اذهبي لا محفوظةً ولا مكلوءة. ثم انحدر فما علمنا ما كان منه.
@وله من مقامة حذفت بعض فصولها لطولها
قال في صدرها: إن صناعة الكتابة محنة من المحن، ومهنة من المهن؛ والسعيد من خدمت دولة إقباله، والشقي من كانت رأس ماله، والعاقل من إذا أخرجها من مثالبه لم يدخلها في مناقبه، لا سيما وقد تناولها [يد] كثير من السوق، وباعوها بيع الخلق؛ فسلوبها تاج بهائها، ورداء كبريائها، وصيروها صناعة يكاد الكريم لا يعيرها لحظه، ولا يفرغ في قالبها لفظه؛ إذ الحظ أن يعثر الكرام إذا ولي الأعلاج، وأن تستنعج الآساد إذا استأسدت النعاج. غير أنه من وسم بسمتها
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وظهر في وسمتها، فغير مجهول مكانه، ولا مسلم له كتمانه. وما عسى أن يصنع بذي مكانة وحسب، إذا اتفق يوم سرور وطرب؛ ورغب رغبة كريم، أن يؤرخ له بمنثور ومنظوم - أقسم لو كان وجه الإنسان في صفاقة نعله، أو وقاحة حافر بغله، لما وسعه غير الإسعاف، على حكم الإنصاف وإلا لزمه اسم التبريد والجمود. وبهذا السبب دفعنا إلى النصب فيما تسمعه، وربما تستبدعه. ولئن مرت بك كلمات محاليات، تنظمها سلوك هزليات، فإنما هي أوصاف طابقت موصوفاتها، وحلى على أقدار محلياتها. والبليغ كالجوهري واجد التعب، في نظم الدر أو المخشلب، وكالصائغ واجد العناء، في سبك الصفر أو الفضة البيضاء، وكالعقاب واجد الانهواء، على الصقر أو المكاء. والعاقل من برز يوم السرور في زي الأعياد، ويوم الحزن في ثياب الحداد؛ وسيان في الفجاجة والبرد، من جد عند الهزل أو هزل عند الجد. ولا أوضح في القياس، من حركات الناس، كحركات الشموس والأقمار، في الفلك الدوار، كلما انتقلت في المنازل والبروج، عدلت بالأسطرلاب والزيج، ووقف على حقائقها، بثوانيها ودقائقها، محصورة بالحدود، في القريب والبعيد، كحركات الفقيه ابن الحديد، فإن أيامه على مناكب الأيام أردية شباب، وفي مفارقها تيجان نخوة وإعجاب.
وفي فصل منها: فدونكها عذراء، محجلة غراء، كما رفع عنها سجف الإبداع، وأبرزت من كناس الاختراع؛ تنظر بعين الغزال روع، وأويس
[ ٢ / ٦٧٥ ]
بعدما أطمع. نعم، اتفق من الربيع وقت حلول الشمس في الحمل، وقام وزن الزمان واعتدل، وأخذ آذار على ما اعتاد، فحلى الوهاد والنجاد، وخلع على ظهور المروج، ضروب الدبابيج، وأثقل صدور الأشجار، بحلى النوار، واطبى نفوس الأطيار، بنضارة الثمار، فبعثت أشجانها، ترجع ألحانها، فما شئت من رمان تملأ كف العميد، من أمثال النهود، تحت القلائد والعقود، وتفتق عن أمثال الجمر، إن وصفت فكاللثات الحمر، أو ارتشفت فكالرضاب الخصر أو الخمر. ولما انتظمت للزمان هذه المحاسن، حنت نفس الفقه بسيادتها، إلى كرم عادتها، من الإحسان إلى الأتباع، والتسلية لنفوس الألاف والأشباع؛ فلما صعق الديك وصاح،واستغفر كل عبد منيب ربه وسبح، وهم بشن الغارة كمين الصبح من المشرق، واهتز الفجر اهتزاز الرمح في يمين الأفق، أطلق لسانه الفصيح، بالتهليل والتسبيح، ثم عاد بماء طهور، وأفرغه نورًا على نور، فوضًا وجهًا وضاء، يملأ العيون بهجة وسناء.
وفي فصل منها: وملنا إلى منزل بدوي، ذي هيئة وزي:
[ ٢ / ٦٧٦ ]
له منزل رحب عريض مزرب بأعواد بلوط وطوج مفتل
" ترى بعر الآرام في عرصاته وقيعانه كأنه حب فلفل " فهش وبش، وكنس منزله ورش، وصير عياله إلى ناحية، وجمع أطفاله في زاوية، وجعل يدور كالخذروف أما الصفوف، يتلقى الواحد منا بعد الواحد، يأخذ بركابه، ويكشر عن نابه، ويتمثل:
أخذي كذا بركاب الضيف أنزله ألذ عندي من الأسفنج بالعسل
أو من رغائف كانون ملهوجة أو رائب بقري جيد العمل
أو من خوار عجول في مسارحها أو من ركوب الحمير الفره في الكفل ثم مال بنا إلى بيت مكنس، منوع مجنس، قد جلله حصرًا بلدية، وغشاه بسطًا بدوية، ومد فيه شرائط وحبالًا، كأنه يريد أن يخرج خيالًا،وعلق منها غلائل وملاءات، وهمايين وسراويلات، وكم شئت من خرق معصفرة، وعصائب مزعفرة، حتى المقنعة والخمار، والدلال المستعار؛ وقد اتخذ في الحائط كوة وثانية، وملأها حقاقًا وآنية، وأودعها من عتاد العروس فاخره، ومن طيب البادية أوله وآخره، مثل حراقة الورد بالبان، وعصارة العصفر بالزعفران، وشيء من الاثمد والاسفيذاج، ومراود الزجاج، وحبات المصطكي واللبان، وغبار العفص وقشور الرمان، وكثير من سنون ذلك المكان. فقلت: يا صاحب المنزل
[ ٢ / ٦٧٧ ]
هنئت وهنيت، لقد أوتيت وأوتيت؛ وجعلت أرقق عن صبوح، وأقول:
متى كان الخيام بذي طلوح من أين للبداوة، بهذا الرونق والطلاوة، وكيف حتى أغرت على حانوت العطار، ومتى نقل سوق البز إلى هذه الدار - لقد قرت بك الأعين، وسرت الأنفس. هذا زي العروس فأين العرس - فضحك البدوي ملء فيه، وتوسمت الازدراء فيه، وأنشد
يا أخي نحن على أن انتاج بدوي
سادة ناس لنا في هذه الدنيا دوي
عندنا إن جاء ضيف شبع جم وري
وسرير حشوه ري ش الفراريج وطي
وكرامات كثيرا ت وهيئات وزي ثم قام من مكانه، ودعا بصبيانه، وأغراهم بديك له هرم، ليذبحه في طاعة الكرم. فأجروه لأمهم الهاوية، من زاوية إلى زاوية، حتى سقط الديك سقوط طليح، جسمًا بلا روح، فأقبلوا إليه، متهافتين عليه، وهو يضطرب اضطراب المخنوق، ويستغيث بالخالق والمخلوق.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
واتفق لفرط حنقه، ومؤلم تقلقه، أن عض على أيديهم عضة، وانتفض منهم نفضة، وصعد في بعض الجوائز، وحمد الله حمد الفائز، وتمثل:
إذا غرقت ببحر من الردى فياض
فلا يكن بهلاك عليك ظنك قاض
فليس في كل وقت سيف المنية ماض وحان وقت الظهيرة، فصفق بجناحيه ثنتين، وصرخ صرختين، واقتدى به المؤذنون، وتجمهر المؤذنون، حتى إذا قضيت الصلاة استصرخهم فأصرخوه، وتواثبت إليه السادة والوجوه، فقال لهم الديك أيها السادة الملوك، فيكم الشاب متع بالشباب، والأشيب نور شيبه مع الكواعب والأتراب؛ وقد صحبتكم مدة، وسبحت الله تعالى على رؤوسكم مرارًا عدة، أوقظكم بالأسحار، وأؤذن بالليل والنهار؛ وقد أحسنت لدجاجكم سفادًا، وربيت لكم من الفراريج أعدادًا؛ فالآن حين بلي في خدمتكم تاجي، أنعى إلى دجاجي، وتنحى الشفرة على أوداجي -! وحين أدركني الشيخ، يمزق لحمي ويطبخ - يا للكرام، من ذل هذا المقام! وجعلت دموعه تسفح من دمه، والحزن يطبق على فمه؛ ثم غشي عليه، فاجتمعت البداوة من كل ناحية إليه، يضربون وجهه بالماء، ويخلصون له في الدعاء؛ ثم أفاق من غشيته وأنشد:
[ ٢ / ٦٧٩ ]
علام يقتل شيخ من كل ذنب بري -
محقق متحر موحد سني
هل نص هذا كتاب أو قال هذا نبي
لا ذنب لي غير أني مؤذن بدوي فرقت له أنفس القوم، وأقبلوا على صاحب المنزل باللوم، فقال: ويحكم، إن هذا الديك ذو فخذٍ وصدرة، وقد أصابتني عليه ضجرة؛ ولي في ذبحه سر، ولابد أن تزين به قدر، وتضرم تحته النيران، ويشبع من لحمه الضيفان؛ أما ترونه قرة العين والقلوب، سبيكة لجين محكمة التذهيب - وتمثل:
ومن شيمتي مهما تزين منزلي بضيف أن أقريه بأحسن ما عندي
لو إن دمي خمر لرويته به ولو صلحت كبدي شويت له كبدي
بذلك أوصاني أبي مذ عقلته وقد كان أوصاه بذا قبله جدي فقال الديك: لا أكذب، الحق طريق مستبين، واتباعه مروءة ودين؛ أما إنه لعلى خلق عظيم، كريم ابن كريم؛ غير أنه لؤم في أمري وأفرط، وغلط ما شاء أن يغلط. أما علم أن هرمات الديوك، ليست من مطاعم الملوك، وأنها بالأدوية، أشبه منها بالأغذية - وأقسم لو اتخذ برمة من فؤاد مهجور، ووضعني من مثله على تنور، لا قضى بي حاجة، ولا عدم مني نيوءًا وفجاجة؛ وإن له في بني ما لا يجده
[ ٢ / ٦٨٠ ]
في، من طيب الشيم، ولذة المطعم، والتوليد لأحمر ما يكون من الدم. وأنى كالفروج اسفيدباجا، لمن أراد أن يعدل مزاجًا - فزكى قوله، كل من حوله، لم يألوه تعظيمًا، واتخذوه من ذلك اليوم حكيمًا، وصرف البدوي من ألطافه، ما أحسن به قرى أضيافه؛ وختم نوبة بره، بالرغبة في بسط عذره، فسمعنا منه، ورحلنا سحرًا عنه.
وفي فصل منها: ولم تزل الجياد تمعج بكماتها، والشمس تنتقل في درجاتها؛ حتى أشرفنا على عين كالدينار، كأنما هندست بالبركار، ذات ماء ريان من الشنب والخصر، وحصباء كالأسنان ذوات الأشر؛ وقد حف بها النبات حفيف الشارب بفم الأمرد، وتزينت بخضرة كالمرآة الصقيلة طوقت بالزبرجد.
ومنها: فأصغيت فإذا بصوت ناقوس، في دير قسيس؛ وقرية آنة، كلها حانة؛ دار البطاريق، وملعب الكاس والإبريق؛ سائمتها الخنازير، وحياضها المعاصير، ومياهها الأنبذة والخمور؛ وشكلها مثلث مسطوح، هندسته حواريو المسيح؛ نباتها غصون من قدود، تهتز في أوراق من برود، وتثمر رمانًا من نهود، وتفاحًا من خدود، وعقارب من أصداغ، وافاعي من أسورة وعقود؛ وفيها مدام من رضاب، وسقاة من كواعب أتراب، وغيد لمهوى قرط، وارتجاج لكثيب في مرط؛ وجولان لنطاق، وغصص لخلخال في ساق، وخنث في ألفاظ، ومواعيد بألحاظ، وقلوب تكلف وتشغف، ونفوس تنشأ وأخرى
[ ٢ / ٦٨١ ]
تتلف. فلما أكثر محدثنا بحضرة الفقيه، من هذا التشبيه، ومن هذه المحاسن، المحركات لكثير من السواكن، قطبنا له وجوه الاستكراه، وعضضنا له على الشفاه. فبينا نحن كذلك نكثر لغطًا، ونرى الحلول بالمسيحيين غلطًا، إذ نظرنا إلى اطراد صفوف، من أعطاف خنثة وخصور هيف، وشموس وأقمار، على أفلاك جيوب وأزرار؛ لا سيوف إلا من مقل، ولا درق إلا من خجل، ولا عارض إلا من خلوق، ولا صناعة غير تخليق، ولا اسم غير عاشق ومعشوق؛ فتشفع القسيس بحسن خدودهم، وأقسم بنعمة قدودهم، إلا جزلتم المنة، وثنيتم الأعنة، تعريجًا إلينا، وتحكمًا في المال والولد علينا. فكرمت الشفاعة، وقلنا السمع والطاعة، وجلنا جولان الزنابير، على هيف الخصور، نفص بما بقي من الطريق، غص الدماليج بخدال السوق، حتى وافينا الباب، وأنحنا الركاب، وتولى تولي الحر، ضروبًا من البر، غير أنه قنع بالدن وجه مدامه، تقنع الورد بأكمامه، وقضانا من الإكرام نافلة وفرضًا، وشددنا الجياد عنه ركضًا، وسرنا حتى رفع لنا في طريقنا جدر، فإذا كنيسة عارية الأطلال من الجمال، إلا تعلة المتوسم، للتخيل والتوهم، كالثوب الكريم أخلقه ابتذاله، أو كخد الأمرد تغشاه سباله، فهيج ذكرًا، وأجد فكرًا، فأنشدت:
وكنيسة أخذ البلى منها كما أبصرت فيثًا في مغار ينهب
[ ٢ / ٦٨٢ ]
نمت علينا في السفارة نفحة من ماء كرم كان فيها يسكب
أهوى إليها بالمطي تخيل منا بريء والأماني تكذب
فتواقف الركبان في عرصاتها كل بها متحير متعجب
أنى تأتت لابن آدم قدرة حتى استقام وتم ذاك المنصب
ومن أي أرض كان رائع مرمرٍ كسواعد الغزلان فيها يجلب
كم صاد إبليس بها من تائب بحبائل ألقى بهن ترهب
وكم ابتنى القسيس فيها منبرًا من جؤذر وبدا عليه يخطب
سقيًا لها من دار غي لم يزل فيها كريم بالملاح معذب
كلًا وما زالت نجوم مدامة فيها بأفواه الندامى تغرب
بئس المصلى إن أردت تعبدًا فيه ولكن كان نعم المشرب ثم أغذذنا سيرًا، وكأننا ننفر طيرًا؛ حتى نظرنا من السائمة تسرح في مروجها، كالعذارى تميس في دبابيجها؛ كلأ نضير، وماء نمير؛ وما زلت أروى هناك بالرائب والميس، حتى كاد كياني ينقلب إلى كيان التيس. ثم رحلنا وتذكرنا الطراد، فمشت الجياد، وتواثبت آساد، واستعد بباز وكلاب، فإذا بحر من برك، يخرقه سفين من برك، وفي السيور صقور إذا نظرت، وليوث إذا جردت، تنظر من أمثال الدنانير، وتتخطف بأشباه المرهفة الذكور، فأرسلناها إرسال سهام الأحداق، إلى قلوب العشاق، فلم نر إلا ريشًا محلوجًا، ومنسرًا يحسن توديجًا؛
[ ٢ / ٦٨٣ ]
ووردنا ماء في رقة النسيم، ولذاذة بنت الكروم، فشربنا وطعمنا، وقرينا سباع الفلاة، مما فضل عن الكماة؛ ونقشت على مرمرة بيضاء، ساعة وردنا ذلك الماء:
يا رب ماء عازب مجه مزن هزيم الودق في سبسب
زبرجد جلله مكثه غشاء ديباج من الطحلب
إن كان فيما قد مضى موردًا فللعطاش الأسد والأذؤب
باكرته مع كل ذي همة لا يرتضي الأفلاك عن مركب
ولغط الطير بأرجائه كلغط الصبية في المكتب
فانقض من أيماننا كوكب ذو ناظر أنور من كوكب
مكحل الآماق ذو منسر يسترزق الرحمن من مخلب
فاستشعر الطير هروبًا وهل عن نازل المقدور من مهرب
فصاد ما أوسع صحبي قرى وفاض في الأبعد والأقرب
صيد لعمري لم يعبه سوى أن لم يكن نقلًا على مشرب ثم لم نزل نسري سرى النجوم في الدياجي، إذ تلقانا شاب كما ذهب عقيق خديه، ونم شاربه بالتذكير عليه، متقلد حسام كأنما طبع من لحظه لا من لفظه، على جواد ظمآن الأسافل كخصريه، ريان الأعالي كردفيه؛ تستعيذ عيون البررة من النظر إليه، وتزدحم أطماع الفجرة حواليه:
ذو مقلة شهلاء رومية وذو لسان عربي مبين
قلت وقد عيب بتثليثه مقال ذي رأي وعقل رصين
طلعته الدنيا و[يا] قلما يجمع للإنسان دنيًا ودين
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فلما بلغنا، قبل عرف جواده، وعبراته تنسكب على نجاده. قلنا: ما لك لا أبالك - فقال: منفلت من السجن، وآبق من أهل الحصن، وعائذ من ظلمات الغواية، بنور الهداية، ومن ذل عبادة الأوثان، إلى عز عبادة الرحمن؛ ولي خبر أريد أن أقصه، ويمتن الفقيه وفقه الله أن يسمع نصه. فخرج إليه الإذن، وقيل له أدن؛ فقضى فرض التحية ونافلتها، ثم قال: أيها الفقيه، للأشياء غايات تنتهي إليها، ومقادير تجري عليها، أما والخلاق العليم، والفاطر الحكيم، الذي أسعد قومًا بالهداية وأثابهم عليها، وأشقى آخرين بالضلالة وعذبهم بها، لقد أنحلتني عبادة الطواغيت فعبدت الصليب وقرعت الناقوس، وفعلت كل ما قرت به عين إبليس؛ قدر لم يكن ليخطئني ولا يتخطاني، إلى أن استنقذني ربي وهداني؛ وأنا أشهد أيها الأشهاد أن الله إله واحد، ليس له ولد ولا والد، كان ولم تكن الأكوان: لا أرض ولا ماء ولا دخان، مخترع الكل ومنشئه، ومعبده ومبدئه، له المثل الأعلى، والأسماء الحسنى.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
@ومما وجدت له من المدائح في المعتصم بن صمادح
له من قصيدة:
لما دعتك المكرمات أجبتها لا وانيًا عنها ولا متثاقلا
فهززت من أسد الرجال قوادمًا وهتكت من برد الظلام حبائلا
وسريت في القمر المنير بمثله وجهًا وأعراقًا زكت وشمائلا ومنها في اجتماعه بصهره ابن مجاهد:
أبدى علي فرحة بمحمد أبدت مسالك في الصفاء جلائلا
فلئن غدا بك للقلوب مباهيًا فلقد رأى ملكًا أغر حلاحلا
سبط اليدين كأن كل غمامة قد ركبت في راحتيه أناملا
وأما وحقك إنه الحق الذي بذ الحقوق مساميًا ومساجلا
لقد احتملنا في مغيبك لاعجًا أنحى على كبد وأثقل كاهلا ومنها:
تفديك أنفسنا التي ألبستها حللا من النعمى وكن عواطلا
كانت نواك البحر يزجر موجه فالآن صار لنا إيابك ساحلا
لا عيش إلا حيث أنت وإنما تمضي ليالي العمر بعدك باطلا
لا عطلت منك الحياة فإنها لولاك ما سرت لبيبًا عاقلا
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وله من أخرى:
سقى كل غيث صادق البرق وابل منابت نوار الربى والخمائل
فروى غصونًا كالقدود تطلعت من أوراقها في مثل خضر الغلائل
خليلي عوجا بي على الربع دارسًا نحي رياضًا أحدقت بجداول
ملاعب كاسات ونزهة أعين ومسلى لمشتاق وذكرى لغافل
وأحسن من روض تحلى بنوره محيا ابن معن في حلي الفضائل
جواد كأن الأرض جمعاء راحة له وبحور الأرض خمس أنامل
ليهن تجيبًا أنها عندما اغتدت قبيلًا له سادت جميع القبائل
تكسد سوق الدر فيك قصائدي وتزري بعرف المسك عنك رسائلي
جللت فجل القول فيك وإنما يقد لقدر السيف قدر الحمائل
يزين شعري أنه فيك سائر وزين عنان الطرف يمنى المجاول وله من أخرى وكان المعتصم قد هجر النبيذ زمنًا:
عسى دهرنا أن يكف الخطوبا ويجعل منك لكأس نصيبا
وشت حادثات الليالي بها فأعرضت عنها وكانت حبيبا
وكم من ذمام لها مثله يحل الحقود ويثني القلوبا
وأنت ابن معن على خلقةٍ تقيل المسيء وتمحو الذنوبا وله في من أخرى:
هجر المدام وكان يألف وصلها ملك جليل في الملوك عظيم
فاصفرت الأقداح من جزع ولو يسطعن لم يأرج لهن نسيم
وتطلع الساقي يؤمل عودة ليعود عهد بالكرام كريم
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وله من أخرى:
لو خيموا بظلال الضال والسمر لم أشك من لهب في القلب مستعر
لكن مقيلهم المرهوب جانبه بين السنور والهندية البتر
بحيث لا لبد إلا فوقه لبد ترى ولا شارة إلا على شرر
واين موقع شكوى الصب من زرد ومن حسام ومن ناب ومن ظفر
دون الظباء ظبًا جد الصليل بها والرعد والبرق دون الشمس والقمر
وفي الهوادج أبشار كأن لها وجوه جدوى أبي يحيى على البشر
ملك له سير في الملك فاضلة أعيت على كتب الأخبار والسير
إذا أنامله ضمت على قلم يود منهرقه لو قد من بصر وقال من أخرى:
ومما شجاني في الغصون حمائم تجاوب في جنح الظلام حمائما
يرجعن ألحانًا لهن شواجيًا فيرسلن أسراب الدموع سواجما
سقى الله أيكًا ما يزال حمامه يهيج مشتاقًا ويسعد هائما
وكم ليلة للدهر باهيت نجمها بنجم من الصهباء يجلو الغوائما
إلى أن رأيت الشمس في الأفق طالعًا كوجه ابن معن إذ يجلي المواسما
أمعتصمًا بالله لقيت عصمة كما لم تزل من حادث الدهر عاصما
لك المثل الأعلى إذا ذكر الندى ودع هرمًا فيما سمعت وحاتما وله أيضًا:
الخمر موصوفة بالمجد والشرف تعوض الخلف الباقي عن السلف
[ ٢ / ٦٨٨ ]
انظر وبارك على حاس ومعتصر ماذا تولد بين القار والخزف
كأنما كأسها نجم على فلق وريحها نفس في روضة أنف
ألقيت في دنها الدنيا بأجمعها فليس عن صرفها قلبي بمنصرف
ولا الأمير أبو يحيى بمنتقل عن عادة البر والإجمال واللطف
تخالف الناس حتى في معارفهم وليس في خلقه خلق بمختلف
كمنت في الكون حتى لحت منه لنا فرد الجمال كمون الدر في الصدف
فالدهر تحت صباح غير ملتبس وتحت نير سعد غير منكسف
والطول منك به صفو بلا كدر والحكم منك به عدل بلا جنف
مكارم لم تزل تجري لغايتها كالسهم سدده الرامي إلى الهدف وقال أيضًا:
فشربتها كلف الفؤاد عميدا راحا وكانت مرة عنقودا
ختمت بطينتها وزمزم حولها قس وغادر بابها مسدودا
وتنوسيت فكأن صف دنانها في الحان أصحاب الرقيم رقودا
وكأنما الخمار كلبهم وقد ألقى ذراعيه وسد وصيدا
وكأن ذا القرنين أفرغ دونها سدا جرى قطرا وسال حديدا
صهباء ألبسها التورد مجسدا عجبا وقلدها الحباب عقودا
فإذا شممت فمسكة مفتوقة وإذا لحظت فبارقا معقودا
وإذا طعمت فريق أشنب واضح شف المشوق تجنبا وصدودا
حذيت على خلق ابن معن فاغتدت أملا وكنزا للسرور عتيدا
[ ٢ / ٦٨٩ ]
أخبرني الفقيه أبو بكر ابن الوزير الفقيه أبي محمد العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: كان الوزير أبو حفص عمر بن الشهيد كثير الشعر، متصرفا في القول، مقدما عند أمراء بلده، وشاهدته في حدود الأربعين وأربعمائة بالمرية، وكتبت من أشعاره طرفا، ومن شعره مما كتبته:
في صحبة الناس في ذا الدهر معتبر لا عين يؤثر منها لا ولا أثر
ليست تشيخ ولا يزري بها هرم لكنها في شباب السن تختضر
إذا حبت بينهم أطفال ودهم لم يترك البغي حابيهن يثغر
كأنها شرر سام على لهب يغدو الخمود عليه حين ينتشر
كأن ميثاقهم ميثاق غانية يعطيك منها الرضى ما يسلب الضجر
فلا يغرنك من قول طلاوته فإنما هي نوار ولا ثمر
لو ينفق الناس مما في قلوبهم في سوق دعواهم للصدق ما تجروا
لكن فيها نقود القول جارية على مقادير ما يقضى به وطر
يقضي المحنك أو يقضى لحنكته وبين ذاك وهذا ينفد العمر
تسابق الناس إعجابا بأنفسهم إلى مدى دونه الغايات تنحسر
فللتسامي ضباب في صدورهم وللتكبير في آنافهم نعر
وما عذلتهم لكن عذرتهم فالجهل ليس له سمع ولا بصر وبالسند المذكور عن الحميدي، قال: ومما كتبت له أيضًا:
[ ٢ / ٦٩٠ ]
تعلم لحظك سفك الدماء وأنت تعلمت ألا تدي
وليتك إذ كنت لي ممرضا رثيت فزرت مع العود
حنانيك إن هلاك العبي د مما يعود على السيد
وما بي نفسي ولكنني أشح بمثلك أن يعتدي قال أيضًا:
يا قوم شدوا المطي واسروا فإن روحي بأرض قوم
نام الخليون واستراحوا ومن لعين الشجي بنوم
وطيب هذا النسيم ينبي أني أراه غداة يومي @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن احمد بن الحداد
@وإيراد جملة من أشعاره وما يتشبث بها من مستطرفات أخباره
قال ابن بسام: وكان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر
[ ٢ / ٦٩١ ]
وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة؛ وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل؛ إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينم على أشعاره، ويتبين في منازعه وآثاره، وله في العروض تأليف، وتصنيف مشهور معروف، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الخليلية، ورد فيه على السرقسطي المنبوز بالحمار، ونقض كلامه فيما تكلم عليه من الأشطار.
وأصل أبي عبد الله من وادي آش إلا أنه استوطن المرية أكثر عمره، وفي بني صمادح معظم شعره، ومع ذلك طولب عندهم هنالك؛ ولحق بثغر بني هود، وله فيهم أيضًا غير ما قصيد، وهو القائل بعد خروجه من المرية من قطعة فلسفية:
لزمت قناعتي وقعدت عنهم فلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاهًا فعدت لفلسفياتي سميرا
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وكان أبو عبد الله قد مني في صباه بصبية نصرانية، ذهبت بلبه كل مذهب، وركب إليها أصعب مركب، فصرف نحوها وجه رضاه، وحكمها في رأيه وهواه؛ وكان يسميها " نويرة " كما فعله الشعراء الظرفاء قديمًا في الكناية عمن أحبوه، وتغيير اسم من علقوه.
وقد كتبت في هذا الفصل بعض ما قال فيها من ملحه، ورائق أوصافه ومدحه، وسائر شعره بعد تقديم فصول من نثره، ما يقر بتفضيله، ويشهد له بجملة الإحسان وتفصيله.
@جملة من نثره
فصل له من جواب عن كتاب عتاب استفتحه من قول أبي الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم لما كان - أعزك الله - العتاب جلاء الأقذاء، وصقال الأصداء، وعقال الأدواء، وسمتني منه بوسوم، ولفحتني بسموم؛ وأسررت حسوًا في ارتغاء، فأدرجت ذمًا في ثناء؛ والحر يأنف من الضيم
[ ٢ / ٦٩٣ ]
ويشمئز من الذيم، ولا يقتصر على الاجتراء بغير الجزاء؛ ولو ترك القطا ليلًا لنام، " وفي العتاب حياة بين أقوام ". فاصطبر لشرب صبره، وانتدب لتسوغ مقره، فمن الحكم العدل، والقضاء الفصل، أن الدغك بما لدغتني، وأجرعك ما جرعتني، غير آفك في حال، ولا مباهت بمحال، فالتمويه ليس من الخلق النبيه؛ والحر على ما ساء يصر، وكل مجر بالخلاء يسر؛ والفضل لمن حواه، لا لمن زخرف دعواه، وتحقيق البرهان غير تنميق البيان، والسؤدد في محاسن الخلال والفعال، لا في إمكان الزمان وإقبال السلطان، وقيمة كل امرئ ما يحسن: أمثال أضربها لك واضحة المناهج، ومقدمات أنشئها معك صادقة النتائج، وجمل تشتمل على تفصيل حالينا، ونبذ تشير إلى ما فيه جرينا.
وقد دهمني عتابك وإجلابك، بريح تعصف، ورعد يقصف، واستقبلني خطابك وإطنابك، بوبل يخشف، وسيل ينسف، بلغ الزبى وزاد، وغمر الربى والوهاد؛ لو أم الهلالي لاقتلع أزهاره، وطمس أنواره؛ أو اعتمد الميكالي لطم
[ ٢ / ٦٩٤ ]
على قريه، وطما على سريه؛ فما ظنك بغر، على مذهبك غمر، يحتل من الأدب في صبب، لا يرد إلا بقطه، ولا يزود إلا سقطه؛ فهل عندك مرية أنه غريق أتيه، ومحتمل آذيه - تضمن صدره من برك وتقريظك ما ملأ صدري ثلجًا، وأفقي أرجًا، فحياه حمدي بنواره، وسقاه شكري من عقاره. ثم انتقل من تصفحه إلى صفاح تأنيب لامعة، ورماح تثريب شارعة، وسهام مذام، وأعلام ملام، تروع المقدام، وتدحض الأقدام؛ لكن تلقيتها في لؤم التجمل، وتوقيتها بجنن التحمل؛ وما عسى أن أقول لزعيم من زعماء حضرتي، وعميد من عمد أسرتي، وقمر من أقمار أسلاكي، ووسطى أسلاكي، يسلم له ويستسلم، ويعرض عن زاخر جفائه، ولا يلتفت إلى زبده وجفائه -
تبينت العلة الداعية إلى قعقعة شنانك، وجعجعة لسانك، ومعمعة نيرانك. ولقد أوضحت في المجلس المذكور علاءك، وأخفقت فيه لواءك، وأعقبت فيه أنباءك، غير مواطئ برمز كما أنهي إليك، ولا ملاحن بهمز كما صور لديك؛ فاملك من جماحك، واخفض من طماحك، ولا يجرجر بازلك، ولا يزمجر باسلك، فما نبح
[ ٢ / ٦٩٥ ]
كلبي بدرك، ولا ستر غيمي زهرك، ولا بهرج ميزي درك؛ ولا ألحدت في آيتك، ولا حططت من رايتك؛ ووجه المحرش أقبح، وخد المورش أوقح، ورب ملوم لا ذنب له:
ومن وضعت للقول أغراض سمعه رمته ولم تخطئ سهام النمائم وكان الأحجى بمكانتك، والأحرى بأصالتك وركانتك، أن تمحص ما أنهي عني إليك، وتخلص ما به شبه عليك؛ ولا يبتز من حلمك هذا الابتزاز، ولا يستفز من جلدك هذا الاستفزاز؛ ولو وليت البحث قسطه، وأعطيت النظر حقهن لذكرت قول الزباء: " عسى الغوير أبؤسًا "، ولتبينت أن الخائن المائن، الذي حرق ناب حرجك وحردك، وأعض أنامل ضجرك وضمدك، ولم يذهب - أهذب الله شرواه، وابعد منا نجواه - إلا ليطيش بأناتك، ويجيش من هناتك، والنيق لا يهتز لخريق، والهشيم لا يثبت لنسيم.
وفي فصل: ومطلعنا من أفق، ومرجعنا إلى تحقيق؛ وإن كنت
[ ٢ / ٦٩٦ ]
أيدي الفتن قد أزعجت أسلافنا عن الوطن، واغتصبت أملاكنا إلا أسماء، واستلبت جماهيرنا إلا اللفاء، فقد أعذرت إذ أبقت بأيدينا ما أبقى مياه الصون بزرقتها وجمامها، وزهرات السرو في غضارتها وكمامها. ولم أمتدح المعتصم طالب جدىً، ولا راغب ندىً؛ على أن جميعنا رائد في رياض إنعامه، ووارد في حياض إكرامه؛ ولكني منيت بقردةٍ حسدةٍ، أعجزتهم محاكاتي، وأعوزتهم محاذاتي، فوخزوا فضلي بمثل الأشافي، ورموا عرضي بثالثة الأثاقي.
وفي فصل: ولو أني من هذه الفرقة التي مزجني بها ظلمك، وضمني إليها هضمك، وعملت عملهم على حكمك، وسلكت سبلهم على زعمك، لكان لي في تشبثك الداني، وتعلقك المجاهدي، أسنى مؤتسى، وأهدى مقتدى، فللتسامي مناقل، وللترقي منازل؛ وإن جمعتني بهم الصفات، فقد أفردتني منهم الموصوفات، وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة:
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه إن السماء نظير الماء في الزرق وما كل معنى يضح، ولا كل دعوى تصح، كمثل ما تابعت إيراده، وشفعت ترداده، من أنك غرستني وبنيتني، وأقمتني وقومتني، وكلها عبارة تؤلم الأبي الحمي، واستعارة توهم السامع الشاسع، وإشارة تعجب الحاضر الناظر. ولست بمنكر معاضدتك في شأن الكتابين
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الكريمين، فهما وسميك ووليك، المتوبان بزعمك على وجه صباحك، والموصولان بأجنحة رياحك. ولن تعدم على ذلك جزيل حمدي هنالك. وحاشا لله [أن] أنكر اليد وأن صغرت، أو أكفر النعمة وإن نزرت؛ ولست بحيةٍ صماء كما أشرت، ولا بسلقةٍ طلساء كما عرضت.
ولو غير أعمامي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما وما أفصح تبيانك لفهاهتي، وأوضح برهانك على جهالتي، في تلويحك بل يتصريحك، أني لم أرم ذراي، ولا برحت مثواي، ولا أعملت لي رحلة للعلماء، ولا هجرة للفهماء. فيا للأدب لهذا العجب، ما أكثر إجحافك، وأقل إنصافك! كأنك جهلت أن العلماء بمصري متوافرون، والمشيخة الجلة به متكاثرون، وأن فنون العلم به تلتمس، ومن أنواره تقتبس، واليه كانت أولًا وفادتك، ومنه عظمت إفادتك. وأما زعمك أن الدهر لو عضني والخبر لو عجمني، لتبينت أن بحري ضحضاح، وأن إصباحي مصباح؛ فليس بأول جنفك، ولا ببدعٍ من سرفك؛ إن التقدم بالأذهان لا بالأسنان، والتفهم بالأفهام
[ ٢ / ٦٩٨ ]
لا بتكاثر الأعوام، والمرء بأصغريه، والحسام بغراريه، وةالسقط يحرق الحرجة وهو حقير، والناظر يخترق الفلك وهو صغير. وأما الامتحان فذهني إبريز ناره، ولبي تبريز مضماره، وطالما فوضلت ففضلت، ونوضلت فنضلت، وقد أنصف القارة من راماها، والحلبة من جاراها، وإن قلت المذكية لا تقاس بالجذاع، فإني أقول: في الإجراء من مائة ترك الخداع، وكشفت القناع:
وتخفى السوابق من غيرها إذا لم تضم إلى مقبض وإذا شئت فنحك ذكاء لا تخبو ناره، ولا تنبو شفاره، وبهرك مضاء لا تطيش سهامه، ولا تخفق أزلامه، وإن كنت على زعمك عودًا لا يقلح، فالحديد بالحديد يفلح.
وفي فصل: فتحقق أني مكدر الشموس التي تكسفها، ومغور
[ ٢ / ٦٩٩ ]
البحار التي تنزفها، وأنا أخلع عليك حظي من الفهم الأدبي والعلم الشعري، ولم أجعلها غرضًا، فلم ألمحهما، إلا عرضًا؛ وكذلك أناقض زهوك، وأخالف بأوك وأعترف لتعديك، لعلي أرضيك. وإني لا أضرب بسهمٍ في فهم، ولا أختص بقسم في علم، ولا آخذ بحظ في لفظٍ، ولا ألم بمغنىً لمعنىً، ضيق العطن في الفطن، عالم باضمحلال خيالي، ونضوب أوشالي، منقطع الرجاء عن تثنية واحدتك، وتقفية قافيتك، واعتراض عروضك. ولله أنت! لقد أغربت بعنقائك، [وبرزت] ببلقائك، فلا داحس لغبرائك، ولا مباري لغرائك. إلا أن الحسناء لا تعدم ذاما، وبليق مع جريه لا يفقد ملاما؛ فكم ندي قضى منتدوه، وحكم مشاهدوه، أن يتيمتك هذه منحلة من إحدى بناتي، وحقيقتك منتخلة من بعض خيالاتي. وزعموا أنك في لواحبها سلكت، وعلى قوالبها سبكت، وما زدت على أن مسخت راءها نونًا، وصيرت أبكارها عونًا. ومن الظلم الجم أن تجعل نصري خذلانًا، وعضدي عدوانًا؛ وكل سمع قولي: إن بحر الوزير أزخر من أن يستمد بجزري، وعلمه أوفر من أن يستكثر بنزري، وفضله أبرع من أن يختلس من حلاي، وشمسه أرفع من أن تقتبس من سهامي؛ والاتفاق غير نكير، فقد جرى لهمام
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وجرير، وقبلهما للكندي والبكري.
وفي فصل: وهذه نزغات الحاسدين، ونتغات المنافسين، فأعرض عن فندهم، ولا تحفل بعندهم، وقل في قولهم قول الأحنف في مثلهم:
عثيثة تقرض جلدًا أملسا ومن قال سمع، ومن قرع قرع، ومن جمع كبح، ومن زهي ازدري؛ فلا تسمع ممن يقصد إسماعك، ويعتمد إيجاعك، فلو فحصت لما انتقصت، ولو تحققت لما تدفقت، فرب غيث عاد عيثا، وعجلة تهب ريثا؛ فقد تعاطينا كأس النصف فلنجدع أنف الأنف، ولنطفئ سقط الشنف، ولنمح السالف بالمؤتنف، فقد بردت كبد الإخلاص، وانتهجت سبيل الاستخلاص، وانصقلت ماوية الصفاء، وتوثقت آخية الإخاء، فلا يختلج بهاجسك، ولا يخطر بخاطرك، أن هفوات هذه الهنوات تغص أجفاني عن لحظ سناك، أو تخرس لساني عن إيضاح علاك، وعلى ما خيلت، أن أنفصل من تقديمك، وأن أنفك من تعظيمك.
[ ٢ / ٧٠١ ]
وله من أخرى إلى ابن الحديدي بطليطلة: قد سطع - أعزك الله - من سناك وسنائك، وتضوع من نثاك وثنائك، وانتشر من علاك وحلالك، ما ضمخ مسكه اللوح، وستر نوره يوح؛ فسور سيرك تتلى في منازل الفضائل، وصور غررك تجلى في محافل الأفاضل؛ ولا غرو أن تنزع الأنفس الشاسعة تلقاءك، وتتمنى لقاءك؛ ولا بدع أن تمتد الأعين النازحة إليك، وتود أن تقع عليك، فالفضل موموق، والنفيس مرموق، وحرص الحوباء على مشافهة الأخلاء يقضي عليها باقتداح زند المخاطبة، واستفتاح غلق المكاتبة، وإذا عدم التناطق، فقد وجب التباطق، ولو أن التكاتب لا يقع إلا بعد وقوع طير التعارف، على ماء التآلف، وتفيؤ النفس، ظلال الأنس، لا نسدت أبواب المواصلة، وانبتت أسباب المراسلة. وما زلت مذ تنسمت أرج ذكراك، وتوسمت نهج علياك، أصبو إليك صبو الهائم، وأظمأ ظمأ الحائم، وأرتقب للإمكان صالحة أتوصل بها إلى مجاراتك في ميدان الاستدلال، وأتوسل بها إلى معاطاتك أفنان الالتئام والاتصال، والزمن يأبى إلا اللي، فينهد العوائق إلي، إلى أن دهمني من ضروب خطوبه بعجائب، واستقبلني
[ ٢ / ٧٠٢ ]
من صنوف صروفه بغرائب، قذفتني من سمائي، وسقتني غير مائي، فأيدي التغرب تتعاطاني، وأقدام النوب لا تتخطاني. والله يحسن العقبى، ويعقب الحسنى، بمنه.
وله من أخرى: قد كنت خاطبتك في أمر فلان، وجلوت إليك معه خبري، وشكوت إليك عجري وبجري، لتنظر كيفية حاله، ولعلك تصرفه عن محاله. فما أصرت بنهرك زبدا ولا حببا، ولا أثرت لمهرك عنقا ولا خببا، ولا سلكت لشعبك صعدا ولا صببا، ولا فككت لسعيك وتدا ولا سبا. وعهدتك - أبقاك الله - أنفذ سهامي، وأقتل سمامي، فما الذي عاق بدارك إلى رغباتي، وسكن مثارك في طلباتي - فعودا إلى معترفاتك، وجريا على قديم عاداتك، في أن تعمل حيلك البابلية، وهدايتك اللاهوتية، وألطافك الناموسية، ودقائقك البطليموسية؛ فعساك أن تطلق ربقي، وتعتق رقي.
وله من أخرى إلى أبي بكر الخولاني المنجم: لو أنصفك الزمان الذي أنت غرة أيامه، ودرة نظامه، لكنت أحق بالسرطان من الزبرقان، وأولى بالميزان من كيوان، وأحجى بعلو المراتب من سائر الكواكب، فما زلت لفلك علمها مركزا، ولمدى فهمها محرزا. ولو ميز الزمان ضياء جوهرك، وصفاء عنصرك، لما عداك عن العروج، إلى فلك البروج؛
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وأرجو أن هذا زمانه، وقد آن أوانه، فقد ظهرت له دلائل، وشهدت له مخائل. فكأني بك من ذات الصدع، إلى ذات الرجع، على كبد الجزع، فيا ليت شعري هل يتمارى فيك، فيقول من يصافيك: ما رشق ولا مشق، ولكنه شبه وموه. أوردنا الله خير موارد النجاة والهدى، وعصمنا من الضلالة والردى، بمنه.
وله أيضا: يا سيدي الذي هو قسيم ذاتي إن تحققت الذوات والنحائز، وشقيق نفسي إن تبينت الخلائق والغرائز، ومن أبقاه الله بقاء الفرقدين، في تدبير السعدين؛ بيننا - أعزك الله - من التحام المقة واستحكام الثقة، ما أربأ عن تضمين الصحائف، ولو قدت من السوالف، وأنزهه عن اشتمال المداد، ولو كان من دم الفؤاد، فصفاؤنا شمسي النقاء، ووفاؤنا فلكي البقاء، ولا تضمن الطروس، غلا ما لحقه. وكتابي بعد إثر إتحافك لي بكتابين كالنيرين، فإن كان القمر ويوح، لإنارة اللوح، فهذان لجلاء الأذهان.
@وهذه أيضا جملة من شعره في أوصاف شتى
ومن ذلك ملحه في نويرة، قال:
ورأت جفوني من نويرة كاسمها نارا تضل وكل نار ترشد
والماء أنت وما يصح لقابض والنار وفي الحشا تتوقد
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وقال أيضا:
قلبي في ذات الأثيلات رهين لوعات وروعات
فوجها نحوهم إنهم وإن بغوا قبلة بغياتي
وعرسا من عقدات اللوى بالهضبات الزهريات
وعرجا يا فتيي عامر بالفتيات العيويات
فإن بي للروم رومية تكنس ما بين الكنيسات
أهيم فيها والهوى ضلة بين صواميع وبيعات
وفي ظباء البدو من يزدري بالظبيات الحضريات
أفصح وحدي يوم فصح لهم بين الأريطى والدويحات
وقد أتوا منه إلى موعد واجتمعوا فيه لميقات
بموقف بين يدي أسقف ممسك مصباح ومنساة
وكل قس مظهر للتقى بآي إنصات وإخبات
وعينه تسرح في عينهم كالذئب يبغي فرس نعجات
وأي مرء سالم من هوى وقد رأى تلك الظبيات
فمن خدود قمريات على قدود غصنيات
وقد تلوا صحف أناجيلهم بحسن ألحان وأصوات
يزيد في نفر يعافيرهم عني وفي ضغط صباباتي
والشمس شمس الحسن من بينهم تحت غمامات اللثامات
وناظري مختلس لمحها ولمحها يضرم لوعاتي
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وفي الحشا نار نويرية علقتها منذ سنيات
لا تنطفي وقتاص وكم رمتها بل تلتظي في كل أوقاتي
فحي عني رشأ المنحنى وإن أبى رجع تحياتي وقال أيضًا:
حديثك ما أحلى فزيدي وحدثي عن الرشأ الفرد الجمال المثلث
ولا تسأمي ذكراه فالذكر مؤنسي وإن بعث الأشواق من كل مبعث
وبالله فارقي خبل نفسي بقوله وفي عقد وجدي بالإعادة فانفثي
أحقًا وقد صرحت ما بي أنه تبسم كاللاهي بنا المتعبث
وأقسم بالإنجيل إني لمائن وناهيك دمعي من محق محنث
ولابد من قصي على القس قصتي عساه مغيث المدنف المتغوث
فلم يأتيهم عيسى بدين قساوة فيقسو على مضنى ويلهو بمكرث
وقلبي من حسن التجلد عاطل هوى في غزال الواديين المرعث
سيصبح سري كالصباح مشهرًا ويمسي حديثي عرضة المتحدث
ويغري بذكري بين كأس وروضة وينشد شعري بين مثنى ومثلث وقال أيضًا:
صنت اسم إلفي فدأبًا لا أسميه ولا أزال بإلغازي أعميه
وصاحبي عددي قد رمزت به بذكر أعداد ما تحوي مبانيه
[ ٢ / ٧٠٦ ]
فجذر أوله ربع لآخره وجذر آخره ربع لثانيه
وإن ثانيه خمس لثالثه فافهم فقد لاح للأفهام خافيه وقال أيضًا:
أما الذي بي فإني لا أسميه لكن سألقي رموزًا جمةً فيه
إذا أردت من الأعداد نسبته فجذر أوله عشر لثانيه
وإن أضفت إلى ذي الجذر رابعه رأيت ثالثه زهرًا معانيه
ونصفه أولعت أخت الرشيد به فقد تبين ماضيه وباقيه وله فيها أيضًا:
عساك بحق عيساك مريحة قلبي الشاكي
فإن الحسن قد ولا ك إحيائي وإهلاكي
وأولعني بصلبان ورهبان ونساك
ولم آت الكنائس عن هوى فيهن لولاك
وها أنا منك في بلوى ولا فرج لبلواك
ولا أسطيع سلوانًا فقد أوثقت أشراكي
فكم أبكي عليك دمًا ولا ترثين للباكي
فهل تدرين ما تقضي على عيني عيناك
وما يذكيه من نار بقلبي نورك الذاكي -
حجبت سناك عن بصري وفوق الشمس سيماك
وفي الغصن الرطيب وفي ال نقا المرتج عطفاك
[ ٢ / ٧٠٧ ]
وعند الروض خداك ومن رياه رياك
نويرة إن قليت فإن ني أهواك أهواك
وعيناك المنبئتا ك أني بعض قتلاك وقال أيضًا:
وبين المسيحيات لي سامرية بعيد على الصب الحنيفي أن تدنو
مثلثة قد وحد الله حسنها فثني في قلبي بها الوجد والحزن
وطي الخمار الجون حسن كأنما تجمع فيه البدر والليل والدجن
وفي معقد الزنار عقد صبابتي فمن تحته دعص ومن فوقه غصن
وفي ذلك الوادي رشًا أضلعي له كنائس، وقمري فؤادي له وكن وله فيها أيضًا:
رويدك أيها الدمع الهتون فدون عيان من أهوى عيون
يظن بظاهري حلم وفهم ودخلة باطني فيه جنون
إلى كم أستسر بما ألاقي وما أخفيه من شوقي يبين
نويرة بي نويرة لا سواها ولا شك فقد وضح اليقين وله فيها من قصيدة:
ومن جرحته مقلتاك نويرة فليس يرجي من جراح الأسى أسوا
أرى كل ذي سلوى رآك متيمًا فما أكثر البلوى بحسنك والشكوى
ونار الأسى تخبو بقرب نويرة ومن لي بأن آوي إلى جنة المأوى
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وقال فيها أيضًا:
وفي شرعة التثليث فرد محاسن تنزل شرع الحب من طرفه وحيا
وأذهل نفسي في هوى عيسوية بها ضلت النفس الحنيفية الهديا
فمن لجفوني بالتماح نويرة فتاة هي المردى لنفسي والمحيا
سبتني على عهد من السلم بيننا ولو أنها حرب لكانت هي السبيا واسمها على الحقيقة " جميلة " ولذلك قال فيها:
أتعلم أن لي نفسًا عليله وأشواقاص مبرحة دخيله -
وفي طي الجميلة ريم إنسٍ رمزت بها فلله الخميله فصحف اسمها كما تراه، وجرى في وصفها طلق الجموح فلم يف شرط الكتاب بمداه.
@ما أخرجته من المدائح في أميره ابن صمادح
من ذلك قصيدة أولها:
لعلك بالوادي المقدس شاطئ فكالعنبر الهندي ما أنا واطئ
وإني في رياك واجد ريحهم فروح الهوى بين الجوانح ناشئ
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ولي في السرى من نارهم ومنارهم هداة حداة والنجوم طوافئ
لذلك ما حنت ركابي وحمحمت عرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني أو لعلها إلى الوخد من نيران وجدي لواجئ
رويدًا فذا وادي لبينى وإنه لورد لباناتي وإني لظامئ
ميادين تهيامي ومسرح ناظري فللشوق غايات به ومبادئ
ولا تحسبوا غيدًا حمتها مقاصر فتلك قلوب ضمنتها جآجئ
محاملة السلوان مبعث حسنه فكل إلى دين الصبابة صابئ
فكيف أرفي كلم طرفك في الحشا وليس لتمزيق المهند رافئ
وما لي لا أسمو مرادًا وهمة وقد كرمت نفس وطابت ضآضئ
وما أخرتني عن تناه مبادئ ولا قصرت بي عن تباه مناشئ
ولكنه الدهر المناقض فعله فذو الفضل منحط وذو النقص نامئ
كأن زماني إذ رآني جذيله قلاني فلي منه عدو ممالئ
فداريت إعتابًا ودارأت عاتبًا ولم يغنني أني مدار مدارئ
فألقيت أعباء الزمان وأهله فما أنا إلا بالحقائق عابئ
ولازمت سمت الصمت لا عن فدامة فلي منطق للسمع والقلب مالئ
[ ٢ / ٧١٠ ]
ولولا علا الملك ابن معن محمد لما برحت أصدافهن الآلئ
لآلئ إلا أن فكري غائص وعلمي دأماء ونطقي شاطئ
تجاوز حد الوهم واللحظ والمنى وأعشى الحجى لألاؤه المتلالئ
فتنعكس الأبصار وهي حواسر وتنقلب الأفكار وهي خواسئ أنشده هذه القصيدة سنة خمس وخمسين، وأخذ عليه أنه همز فيها ما لا يهمز فقال:
عجبت لغمازين علمي بجهلهم وإن قناتي لا تلين على الغمز
تجلت لهم آيات فهمي ومنطقي مبينة الإعجاز ملزمة العجز
ولاحت لهم همزية أوحدية وويل بها ويل لذي الهمز واللمز
رموها بنقص بينت فيه نقصهم ومن لمس الأفعى شكا ألم النكز
وإن أنكرت أفهامهم بعضها همزها فقد عرفت أكبادهم صحة الهمز وقال من أخرى:
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ويرين في حلل الوراشين القطا
سرب الجوى لا الجو عود حسنه أن يرتعي حب القلوب ويلقطا
مالت معاطفهن من سكر الصبا ميلا يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلم لمهفهف سكن الحشا والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشى يختال والخوط النضير إذا خطا!
[ ٢ / ٧١١ ]
ومنها:
يا وافدي شرق البلاد وغربها أكرمتها خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البرية قاطبا ووردتما أرض المرية فاحططا
يرمي نحور الدارعين إذا ارتأى ويذل عز العالمين إذا سطا ومنها:
فإليكها تنبيك أني ربها نسب القطا متبين مهما قطا ومعنى هذا البيت منقول من قول المعري حيث يقول:
عرفت جدودك إذ نطقت وطالما لغط القطا فأبان عن أنسابه وقال النابغة قبله:
تدعو القطا وبه تدعى إذا نسيت يا صدقها حين تدعوها فتنتسب وألم بهذا المعنى بعض أهل عصرنا وهو عبد الجليل، من قصيدة يمدح بها المعتمد بن بعاد حيث يقول:
وحين أسمعت ما أسمعت من كلم تمثلت لهم الأعراب والحلل ومن أناشيد أهل المعاني لأبي وجزة السعدي في صفة القطا مما يتعلق
[ ٢ / ٧١٢ ]
بهذا المعنى.
ما زلن ينسبن وهنا كل صادقة باتت تباكر عرما غير أزواج
حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج
تنساب منهن فيه أمة خلقت جدا مذبحة منه بأوداج وله أيضا:
خليلي من قيس بن عيلان خليا ركابي تعرج نحو منعرجاتها
بعيشكما ذات اليمين فإنني أراح لشم الروح من عقداتها
[ ٢ / ٧١٣ ]
فقد عقبت ريح النعامى كأنما سلام سليمى راح في نفحاتها
وتيماء للقلب المتيم منزل فعوجا بتسليم على سلماتها
وإن تسعدا من أسلم الصبر قلبه يعرس بدوح البان من عرصاتها
فبانتها الغيناء مألف بانة جنيت الغرام البرح من ثمراتها
وروضتها الغناء مسرح روضة تبختر في الموشي من حبراتها
هنالك خوط في منابت عزة تخال القنا الخطي بعض نباتها
مشاعر تهيام وكعبة فتنة فؤادي من حجابها ودعاتها
فكم صافحتني في مناها يد المنى وكم هب عرف اللهو من عرفاتها
عهدت بها أصنام حسن عهدنني هوى عبد عزاها وعبد مناتها
أهل بأشواقي إليها وأتقي شرائعها في الحب حق تقاتها
غرام كإقدام ابن معن ومغرم كإنعامه والأرض في أزماتها ومنها:
وكم قد رأت رأي الخوارج فرقة فكنت عليا في حروب شراتها
بعزم أبي لا يرد مضاؤه وهل تملك الأفلاك عن حركاتها -
هو الجاعل الهيجا حشا وسنانه هوى فهو لا يعدو قلوب كماتها ومنها:
وكم خطبتني مصر في نيل نيلها ورامت بنا بغداد ورد فراتها
ولم أرض أرضا غير مبدإ نشأتي ولو لحت شمسا في سماء ولاتها
[ ٢ / ٧١٤ ]
ولي أمل إن يسعد السعد نلته ويفهم سر النفس في رمزاتها
وأسنى المنى ما نيل في ميعة الصبا وهل تحسن الأشياء بعد فواتها - قوله: " هو الجاعل الهيجا حشا " - البيت، ذهب بمعناه إلى قول أبي الطيب:
كأن الهام في الهيجا عيون وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم فما يخطون إلا في فؤاد وألم أبو الطيب في بيته بقول مسلم:
لو أن خلقا يخلقون منية من بأسهم كانوا بني جبريلا
قوم إذا احتدم الهجير من الوغى جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا وقول مسلم يشير إلى ما قال النميري:
ذكر برونقه الدماتء كأنما يعلو الرجال بأرجوان ناقع
وكأن وقعته بجمجمة الفتى خدر المدامة أو نعاس الهاجع وقال ابن الحداد من أخرى:
[ ٢ / ٧١٥ ]
فذر العقيق مجانبا لعقوقه وذر العذيب عذيب ذات الضال
أفق محلى بالقواضب والقنا للأغيد المعطار لا المعطال
حجوبك إلا من توهم خاطري وحموك إلا من تبوء بالي
والقارظان جميل صبري والكرى فمتى أرجي منك طيف خيال - والقارظان رجلان ذكرتهما قديما، قال أبو ذؤيب:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في الهلكى كليب لوائل فأحدهما فقد في طلب القرظ؛ نهشته حية، واسمه عامر بن رهم بن هميم من النمر بن قاسط، ولا حديث له. وأما حديث الآخر فسببه كان خروج قضاعة من مكة، وذلك أن خزيمة بن مالك بن نهد هوي فاطمة بنت يذكر بن عنزة وخطبها، فرده أبوها عنها، فخرج ذات يوم هو وأبوها يذكر يطلبان القرظ، فمرا بقليب فيه معسل للنحل، فتقارعا للنزول فيها، فوقعت القرعة على يذكر، فنزل واجتنى العسل، ثم قال: أخرجني، فقال له خزيمة: لا أخرجك حتى تزوجني فاطمة، فقال: أخرجني وأفعل؛ فتركه هناك ومات بها. وانصرف إلى الحي، فسئل عنه فقال: أخذت طريقا وأخذ أخرى، واتهموه، وأرادوا قتله فمنعه أهله. وإن خزيمة شهر نفسه بقوله:
[ ٢ / ٧١٦ ]
فتاة كأن رضاب العصير يعل بفيها مع الزنجبيل
قتلت أباها على حبها فتبخل إن بخلت أو تنيل فاحتربت بكر وقضاعة بسببه، فكان ذلك أول بدء تفرقهم عن تهامة، فلما أخذوا يتفرقون قيل لخزيمة: إن فاطمة قد ذهب بها فلا سبيل إليها، فقال: أما دامت حية فأنا أطمع فيها، وقال:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا
وحالت دون ذلك من همومي هموم تخرج الداء الدفينا وقال ابن الحداد أيضًا:
فيا عجبًا أن ظل قلبي مؤمنًا بشرع غرام ظل بالوصل كافرا
أرجي لسلواني نشورًا وحسنها يرى رأي ذي الإلحاد أن ليس ناشرا
وليس على حكم الزمان تحكم على حسب الأفعال يجري مصادرا
ومعرفة الأيام تجدي تجاريًا ومن فهم الأشطار فك الدوائرا
ولولا طلاب الدهر غاية علمها لما بسطوا منها بسيطًا ووافرا
ولولا أبو يحيى ابن معن محمد لما كانت الأيام عندي ذخائرا
فلا تنكروا مني بديعًا فمجده نوادر قد أوحت إلي النوادرا
[ ٢ / ٧١٧ ]
يحج ذراه الدهر عاف وخائف جموعًا كما وافى الحجيج المشاعرا
فزر مكة مهما اقترفت مآثما وزر أفقه مهما شكوت مفاقرا
تهيم بمرآه العصور جلالة وتحسد أولاها عليه الأواخرا وله فيه أيضًا:
يا سائلي عما زكنت من الورى والسر قد يفضي إلى الإعلان
إبها سقطت على الخبير بحالهم عند العروض حقائق الأوزان
هم كالقريض وكسره من وزنه يبدو من التحريك والإسكان
هاجوا سكوني فاستدمت هياجهم إن الحراك دلالة الحيوان
فإنجاب عن شمسي دجى إجلابهم ولرب برء كان في بحران
لما فضلت رموا بكل عظيمة والفضل موضع أسهم البهتان
شاد ابن معن في تجيب مكارمًا ليست لمعن في بني شيبان
يا من يضيف إليه حاتم طيئ مرعى ولكن ليس كالسعدان
أعطته أهواء القلوب سياسة خفيت لطائفها على ساسان
وبدت إلينا منه صورة سيرة تنبيك عما سنه العمران قوله " هم كالقريض " -. البيت، كقول أبي العلاء:
[ ٢ / ٧١٨ ]
تقارب عالمنا وامتزج فرج حياتك في من يزج
فإني رأيت طويل العروض من متقاربه والهزج وله فيه في أخرى:
سل البانة الغيناء عن ملعب الجرد وروضتها الغناء عن رشأ الأسد
وسجسج ذاك الظل عن مهلب الحشا وسلسل ذاك الماء عن مضرم الوجد
فعهدي به في ذلك الدوح كانسًا ومن لي بالرجعى إلى ذلك العهد
وفي الجنة الألفاف أحور أزهر تلاعب قضب الرند فيه قنا الهند ومنها:
فأي جنان لم يدع نهب لوعة وقد لاح من تلك المحاسن في جند -
وفي صدغه الليلي نار حباحب من القرط يصلاها حباب من العقد
وفي رنده الريان سور تعضه فيدمى كما ثار الشرار من الزند
أحاذر أن ينقد لينًا فأنثني بقلب شفيق من تثنيه منقد
وقد جرحت عيناي صفحة خده على خطأ فاختار قتلي على عمد
وآمل من دمعي إلانة قلبه ولا أثر للغيث في الحجر الصلد
وإني بذات الأيك أسعد ورقه فهل عند ذات الطوق ما للهوى عندي ومنها:
ويا لك من نهر صؤول مجلجل كأن الثرى مزن به دائم الرعد
[ ٢ / ٧١٩ ]
إذا صافحته الريح تصقل متنه وتصنع فيه صنع داود في السرد
كأن يد الملك ابن معن محمد تفجره من منبع الجود والرفد
ويرفل في أزهاره واخضراره كما رفلت نعماه في حلل الحمد
وقد وردت في غمره نهل القطا كما ازدحمت في كفه قبل الوفد
مفيض الأيادي فوق أدنى وأرفع وصوب الغوادي شامل الغور والنجد
فمن جوده ما في الغمامة من حيًا ومن نوره ما في الغزالة من وقد
تلألأ كالإفرند في صارم النهى وكرر كالإبريز في جاحم الوقد
وإن ولهت فيه أذيهان معشر فلا فضل للأنوار في مقلة الخلد
ومنك أخذنا القول فيك جلالة وما طاب ماء الورد إلا من الورد قال ابن بسام: قوله " أذيهان معشر " بالتصغير، يشبه قول عيسى بن عمر: ما كانت إلا أثيابًا في أسيفاط قبضها عشاروك. ولعله أراد أن يتبع أبا الطيب في قوله:
ظللت بين أصيحابي أكفكفه وظل يسفح بين العذر والعذل وهيهات، ما كل من جرى سبق، ولا كل من ارتاح نطق.
وله من قصيدة أولها:
نوى أجرت الأفلاك وهي النواعج وأطلعت الأبراج وهي الهوادج
[ ٢ / ٧٢٠ ]
طواويس حسن روعتني ببينها غرابيب حزن بالفراق شواحج
موائس قضب فوق كثب كأنما تحمل نعمان بهن وعالج
وما حزني ألا تعوج حدوجهم لو الهودج المزرور منهن عائج
مضرج برد الوجنتين كأنما له من ظبات المقلتين ضوارج
وما الدهر إلا ليلة مدلهمة وكون ابن معن صبحها المتبالج
كأنك في الأملاك نقطة دائر وأملاكها منها خطوط خوارج
سماح وإقدام وحلم وعفة مزجن فأبدى مهجة الفضل مازج
فقد صاك من فضل العوالم طيبه وهل يكتم المسك الذكي نوافج
مساع أحلتك العلا فكأنها مراق إلى حيث السها ومعارج وله في من أخرى:
لقد سامني هونًا وخسفًا هواكم ولا غرو عز الصب أن يتعبدا
إذا شئت تنكيلا وتنكيد عيشة فحسبك أن تهوى سليمى ومهددا
وإن تبغ إحسانًا وإحماد مقصد فحسبك أن تلقى ابن معن محمدا
حليم وقد خفت حلوم فلو سرى بعنصر نار حلمه ما تصعدا
جواد لو إن الجود بارى يمينه لكان قرار الحرب في الناس سرمدا
ذكي لو إن الشمس تحوي ذكاءه لما وجد الظمآن للماء موردا
ولو في الحداد البيض حدة ذهنه لما صاغ داود الدلاص المسدرا واصطبح المعتصم يومًا مع ندمائه، وأظهر صبية مهدوية في أنواع
[ ٢ / ٧٢١ ]
من اللعب المطرب، وحضر أيضًا لاعب مصري هنالك، فارتجل ابن الحداد يصف ذلك:
كذا فلتلح قمرًا زاهرًا وتجن الهوى ناضرًا ناضرا
وسيبك صوب ندى مغدق أقام لنا هاملًا مامرا
وإن ليومك ذا رونقًا منيرًا لنور الضحى باهرا
صباح اصطباح بإسفاره لحظنا محيا العلا سافرا
وأطلعت فيه نجوم الكؤوس وما زال كوكبها زاهرا
وأسمعتنا لاحنًا فاتنا وأحضرتنا لاعبًا ساحرا
يزفن فوق رؤوس القيان فتنظر ما يذهل الناظرا
ويخطفها ذيل سرباله فتبصر طالعها غائرا
فظاهرها ينثني باطنًا وباطنها ينثني ظاهرا
وثناه ثان لألعابه دقائق تثني الحجى حائرا
وفي قيم الراح من سحره خواطر ولهت الخاطرا
إذا ورد اللحظ أثناءها فما الوهم عن وردها صادرا
ومن بدع نعماك إبداعه فما أنفك عارضها ماطرا
وسروك يجتذب المغربات ويجعل غائبها حاضرا وله فيه أيضًا:
والنفس عادمة الكمال وإنما بالبحث عن علم الحقائق تكمل
والمرء مثل النصل في إصدائه والجهل يصدي والتفهم يصقل
[ ٢ / ٧٢٢ ]
ومنها:
متلألئ يثني العيون نواكسًا كالشمس تعكس لحظ من يتأمل
لا يتقي رمد النوائب ناظر يجلى بنير صفحتيك ويكحل
وكأن راحته الذراع إفاضةً وكأنما الأنواء منها الأنمل
تتصور الأكوان في حوبائه فكأن خاطره الصقيل سجنجل ومنها:
وإذا رأتك الشهب مزمع عزوةٍ ودت جميعًا انها لك جحفل
ولو الأمور جرت على مقدارها حمل السلاح لك السماك الأعزل وله فيه من أخرى:
دوين الكثيب الفرد قضب وكثبان عليها لورق الوجد سجع وإرنان
وفي ظلل الأفنان خوط على نقًا منيع الجنى لدن التأود فينان
وفي مكنس الرقم المنمنم أحور كأن مصاليت الظبا منه أجفان
وبين دراري القلائد نير له الحسن تم والتلثم نقصان
على صدغه الشعرى تلوح وتلتظي وفي نحره الجوزاء تزهى وتزدان ومنها:
وما بال طرفي لا يوافيك شاكيًا وطرفك في كل الأحايين وسنان
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وفي ثغرك الوضاح ري لبانتي فظلمك صدءاء وقلبي صديان
تسح بأهواء الورى منه راحة شآبيبها فيها لجين وعقيان
وما كيمينيه الفرات ودجلة وإن حكموا أن المرية بغدان
به اعتدلت أزمانها وهواؤها فكانون أيلول وتموز نيسان وله من أخرى يعتذر من خروجه عن المرية بعد اعتقال أخيه، وكتب بها من مرسية:
الدهر لا ينفك من حدثانه والمرء منقاد لحكم زمانه
فدع الزمان فإنه لم يعتمد بجلاله أحدًا ولا بهوانه
كالمزن لم يخصص بنافع صوبه أفقًا ولم يختر أذى طوفانه
لكن لباريه بواطن حكمةٍ في ظاهر الأضداد من أكوانه ومنها:
وعلمت أن السعي ليس بمنجحٍ ما لا يكون السعد من أعوانه
والجد دون الجد ليس بنافع والرمح لا يمضي بغير سنانه ومنها:
وسما إلى الملك الرضا ابن صمادح فأدالني بالسخط من رضوانه
[ ٢ / ٧٢٤ ]
وهوى بنجمي من سماء سنائه وقضى بحطي من ذرا سلطانه ومن شعره أيضًا في بني هود، ولحق ابن الحداد بسرقسطة سنة إحدى وستين، فأكثر المقتدر بالله من بره، وعلم أنه متشوف إلى شعره، فمدحه بقصيدةٍ أولها:
أسالت غداة البين لؤلؤ أجفان وأجرت عقيق الدمع في صحن عقيان
وألقت حلاها من أسىً فكأنما أطارت شوادي الورق عن فنن البان
وأذهلها داعي النوى عن تنقب فحيا محياها بتفاح لبنان
وقد أطبقت فوق الأقاحي بنفسجًا كما خمشت وردًا بعناب سوسان ومنها:
وليل بهيم سرته ونجومه أزاهر روض أو سواهر أجفان
كان الثريا فيه كأس مدامة وقد مالت الجوزاء ميلة نشوان
وما الدهر إلا ليلة مدلهمة وشمس ضحاها أحمد بن سليمان وله فيه من أخرى أولها:
وقفوا غداة النفر ثم تصفحوا فرأوا أسارى الدمع كيف تسرح وفيها يقول:
كافأت متجهي بوجهي نحوكم ونواظر الأملاك نحوي طمح
أيام روعني الزمان بريبه وأجد بي خطب الفرار الأفدح
ولئن أتاني صرفه من مأمني فالدهر يجمل تارةً ويجلح
[ ٢ / ٧٢٥ ]
فكأنما الإظلام أيم أرقط وكأنما الإصباح ذئب أضبح
صدع الزمان جميع شملي منحيًا إن الزمان مملك لا يسجح
فقضى بحطي عن سمائي واقتضى رحلًا تطيح ركائي وتطلح
يممتها سرقسطة وهي المدى والدهر يكبح واعتزامي يجمح
حيث العلا تجلى وآثار المنى تجنى وساعية المطالب تنجح
والنفستوقن أن عهدك في الندى موفٍ بما طمحت إليه وتطمح
فحيا النفس المنى من بحر جودك يمترى وسنا الضحى من زند مجدك يقدح ومنها:
والشعر إن لم أعتقده شريعةً أمسي إليها بالحفاظ وأصبح
فبسحره مهما دعوت إجابة ولفكره مهما اجتليت توضح
فاذخر من الكلم العليّ لآلئًا يبأى بها جيد العلاء ويبجح
واربأ بمجدك عن سواقط سقطٍ هي في الحقيقة مقدح لا ممدح
ونظام ملكك رائق متناسب فكما جللتم فليجل المدح وكان ابن ردمير الطاغية قد بنى على بعض حصون سرقسطة، فنهد
[ ٢ / ٧٢٦ ]
له المقتدر، وأسرى إليه، وأناخ عليه، وابن ردمير في جموعه يشرف على ذلك من بعض جباله، ثم عطف المقتدر على بعض حصونه وافتتحه، وانصرف غانمًا إلى سرقطسة سنة اثنين وستين، فقال يصف ذلك:
مضاؤك مضمون له النصر والفتح وسعيك مقرون به اليمن والنجح
إذا كان سعي المرء لله وحده تدانت أقاصي ما نحاه وما ينحو
بك اقتدح الإسلام زند انتصاره وبيضك نار شبها ذلك القدح
وجلى ظلام الكفر منك بغرةٍ هي الشمس والهندي يقدمها الصبح
فهم ذهلوا عن شرعهم وحدوده فقد عطل الإنجيل واطرح الفصح وله يهنئ المؤتمن بن المقتدر بن هود بمولودٍ من جملة قصيدة:
فبشر سماء السنا والسناء بنجم هدىً لاح في آل هود
بمقتبس من شموس النفوس ومقتدح من زناد السعود
هلال تألق من بدر سعد ومزن تخلق من بحر جود
شهاب من النيرين استطار لإرداء كل مريدٍ عنيد
ونصل إذا تم منه انتضاء فويح العدا من مبيرٍ مبيد
تبين فيه كمون الذكاء ويا رب نارٍ بمخضر عود وله أيضًا من قصيدة في المقتدر، ويذكر كمال السلم بينه وبين أخيه المظفر، ويصف غزو الحاجب ابنه المؤتمن وبنيانه في نحر العدو حصن المدوّر:
[ ٢ / ٧٢٧ ]
مساعيك في نحر العدو سهام ورأيك في هام الضلال حسام
ولمحك يردي القرن وهو مدجج وذكرك يثني الجيش وهو لهام
كأنك لا ترضى البسيطة منزلًا إذا لم يطنبه عليك قتام ومنها:
كأنك خلت الشمس خودًا فلم يزل يقنعها بالنقع منك لثام
وقد يحسبون السلم منك سلامةً ورب منام دب فيه حمام ثم عاد ابن الحداد إلى المرية، وحسن بعد بها مثواه، وأكرمه المعتصم وأجزل قراه.
@ومن شعره في النسيب وما يتصل به من الأصواف
آيا شجرات الحي من شاطئ الوادي سقاك الحيا سقياك للدنف الصادي
فكانت لنا في ظلكن عشية نسيت بها حسنًا صبيحة أعيادي
بها ساعدتني من زماني سعادة فقابلني أنس الحبيب بإسعادي
فيا شجرات أثمرت كل لذة جناك لذيذ لو جنيت على الغادي
فهل لي إلى الظبي الذي كان آنسًا بظلك من تجديد عهد وترداد
وقلبي على أغصان دوحك طائر ينوح ويشدو والهوى نائح شاد وقال أيضًا:
يا زائرًا ملأ النواظر نورا والنفس لهوًا والضلوع سرورا
[ ٢ / ٧٢٨ ]
لو أستطيع فرشت كل مسالكي حدقًا وبيض سوالفٍ ونحورا
فيك اكتسى جوي سنًا وتلألؤًا وارتد تربي عنبرًا وعبيرا وله أيضًا:
واصل أخاك وإن أتاك بمنكر فخلوص شيء قلما يتمكن
ولكل شيء آفة موجودة إن السراج على سناه يدخن وشعر ابن الحداد كثير، ولا يفي بشرط هذا الكتاب إلا ما كتبت منه.
@لمع من أخبار الأمير ابن صمادح المذكور
هو أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح التجيبي. وقد ذكر ابن حيان بيته في تجيب، وألمع بلمع من أسباب ملكه المغصوب، وبين كيف تبلج نهاره، ومن أين انصب تياره. وقد كتبت من ذلك ما أمكنني تفسيره، ولاقت بكتابي أعجازه وصدوره.
قال ابن حيان: كان جده محمد بن أحمد بن صمادح المكتني أيضًا بأبي يحيى صاحب مدينة وشقة وعملها، طلعت نباهته في أيام المؤيد
[ ٢ / ٧٢٩ ]
هشام، ثم كان له بسليمان اتصال فثنى له الوزارة وأمضاه على عمله، وكان أول أمره مجاملا لابن عمه منذر بن يحيى التجيبي، يظهر موافقته، ويكاتمه من حسده إياه ما لا شيء فوقه، حتى خذله تجمله، فلم يلبث أن تفرجت الحال بينهما بعد مضي سليمان، وتحاربا على ملك وشقة، فعجز ابن صمادح عن منذر لكثرة جمعه، وأسلم له البلد وفر بنفسه؛ فلم بق له بالثغر متعلق، وكان أول ساقط من الثوار، لم يتمل سلطانه ولا أورثه من بعده.
وكان أبو يحيى هذا رجل الثغر رأيا ومعرفة، ودهيا ولسانا وعارضة؛ ولم يكن في أصحاب السيوف من يعدله في خلاله هذه - من رجل محروم، يقارنه الشؤم، ويقعد به النكد واللؤم. وكان يحمل قطعة صالحة من الأدب ينال بها حاجاته مخاطبا ومذكرا، وكان لا يزال يسمو إلى طلب الدنيا والحرص عليها في أكثر حركاته، فيقعد به جده، وينكسه زمانه، إلى أن أخنى عليه - حسبما ذكرناه.
وأما معن ابنه ذو الغدرة الصلعاء، فإنه لما قتل زهير فتى ابن أبي عامر صاحب المرية، وصارت لعبد العزيز بن أبي عامر واستضافها إلى بلده بلنسية، واستمد بما ورثه من تلاد الفتيان العامريين موالي جده
[ ٢ / ٧٣٠ ]
حسده على ذلك مجاهد صاحب دانية، وأظلم الأفق بينهما، فخرج مجاهد غازيا إلى بلاد عبد العزيز، وهو بالمرية مشتغل في تركية زهير، فخرج مبادرا عنها لاستصلاح مجاهد، واستخلف فيها صهره ووزيره معن بن صمادح، فكان شر خليفة استخلف، لم يكد يواري وجهه عبد العزيز عنه حتى عمل بالغدر به والتمهيد لنفسه عند رعيته، فخانه الأمانة، وطرده عن الإمارة، ونصب له الحرب، فغرب في اللؤم ما شاء؛ وتنكب التوفيق ابن أبي عامر لاسترعائه الذئب الأزل على ثلته، ومسترعي الذئب أظلم، وسر الله في خليفته لا يظهر أحدا عليه؛ وكان من العجب أن تملاها ابن صمادح مدته، وخلفها ميراثا في عقبه.
ثم أفضى الأمر من بعده إلى ابنه أبي يحيى محمد بن معن، وصار من العجائب أن ارتقى ذروة الإمارة، وتلقب من الأسماء الخلافية بالمعتصم، والرشيد لم يلده، وهو يعلم أن من الجور أس ملكه الموروث عن أب لم يكرم فيه فعله، ولا طال في طلبه تعبه، ثم لم يكفه تغطيه عن أجنحة النوائب بساحله الذي حال الحوز أمامه واللج وراءه، فرعى خضرته ولبس فروته، وأفنى دجاجه، مستبدا بمال ألفاه، لا يتجاوز به شهواته ومآربه إلى قضاء حق في جهاد عدو أو سد ثغر، أو معونة على بر؛ حتى مل العافية، وبطر الدعة، وطلب الزيادة، فسعى للتوسع في بره
[ ٢ / ٧٣١ ]
فحاول مفاتنة أحق الناس بولايته، ابن خاله عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر الفتى المتأمر - كان - ببلنسية بعد أبيه عبد العزيز المنصور، ولم يرع فيه حق صهره يحيى بن ذي النون كبير أمراء الأندلس، وقد كان بادر إلى مفاتنته، وبادر السير إثر خاله عبد العزيز بنفسه، طمعا في مدينة لورقة، فصد عنها خائبا، وانصرف على قطيعة عبد الملك منها وزير صدق، شيخ مجرب للأمور، يلجأ من تدبيره إلى كهف منيع، وهو الوزير ابن عبد العزيز، وعلى ذلك صمد ابن صمادح هذا على حصن من عمل تدمير وثب فيه لعامل عبد الملك، وجرت بينهما خطوب، واستعان بحليفه باديس، واستمده على ما ذهب إليه من الفتنة، فوجده مسارعا إلى ذلك، لما كان يعتقده من العصبية البربرية، ويذهب إليه من إيراء الفرقة بين أضداده الأندلسيين، على ذلك كله انقلب ابن معن هذا خائب السعي، قبيح الخجل، ضائع النفقة؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: ولم يكن أبو يحيى هذا من فحولة ملوك الفتنة، أخلد إلى الدعة، واكتفى بالضيق من السعة، واقتصر على قصر يبنيه، وعلق يقتنيه، وميدان من اللذة يستولي عليه ويبرز فيه؛ غير أنه كان
[ ٢ / ٧٣٢ ]
رحب الفناء، جزل العطاء، حليما عن الدماء والدهماء؛ طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعلمت إلى حضرته الرحال، ولزمه جملة من فحول شعراء الوقت كأبي عبد الله بن الحداد وأبي الفضل ابن شرف وابن عبادة وابن الشهيد وغيرهم ممن لم يعلق بسواه سببا، ولا شد إلى غير ذراه كورا ولا قتبا.
وقد كانت بينه وبين حلفائه من ملوك الطوائف في الجزيرة، فتون مبيرة، غلبوه عليها، وأخرجوه من سجيته مكرها إليها، لم يكن مكانه منها بمكين، ولا صحبه فيها بمبين. وقد اندرجت له ولهم في تضاعيف هذا التصنيف قصص تضيق عنها الأيام، وتتبرأ منها القراطيس والأقلام.
ولما أهابوا بأمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، دخل ابن صمادح في غمارهم، ومشى على آثارهم، فخرج عن المرية إلى لييط يجر جيشا، لا تتأيى الطير غدوته، ولا يتوقع العدو وطأته:
ولما رأت ركب النميري أعرضت وكن من أن يلقينه حذرات فألفى بها أمير المسلمين قد وضع قدمه على صلعته، وضرب أبنيته
[ ٢ / ٧٣٣ ]
بين جوزائها وهقعتها، وتمكن من قيادها، وألقت إليه بأفلاذ أكبادها، لولا أجل محتوم، وتخاذل من ملوك الطوائف بالأندلس معلوم؛ فعرض ابن صمادح نفسه عليه، ومثل بين يديه، فتلقاه أمير المسلمين، ﵀، بجميل نظره، وبوأه جانبا من معسكره؛ فكان كالقري أفضى إلى البحر، أو الكوكب الدري غرق في لجة الفجر؛ وسيأتي الخبر عن ذلك مشروحا في أخبار محمد بن عباد المخلوع، بموضعه من هذا المجموع.
وائتسى ابن صمادح به مجاهرا بالعصيان، وأبدى صفحة الشنآن، فوافيا نكبتهما كفرسي رهان؛ غير أن ابن صمادح كانت بينه وبين الله سريرة، أو سلفت له عند الحمام يد مشكورة، مات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، في سلطانه وبلده، وبين أهله وولده.
حدثني من لا أرد خبره عن أروى بعض مسان خطايا أبيه قالت: إني لعنده وهو يوصي بشأنه، وقد غلب على أكثر يده ولسانه، ومعسكر أمير المسلمين يومئذ بحيث نعد خيماتهم، ونسمع اختلاط أصواتهم، إذ سمع وجبة من وجباتهم، فقال: لا إله إلا الله، نغص علينا كل شيء حتى الموت! قالت أروى: فدمعت عيني، فلا أنسى طرفا إلي يرفعه، وإنشاده إياي بصوت لا أكاد أسمعه:
ترفق بدمعك لا تفنه فبين يديك بكاء طويل
[ ٢ / ٧٣٤ ]
وكنا فيما أوصى به إلى ابنه الذي كان رشحه لسلطانه، وبوأه صدر إيوانه، ولقبه من الألقاب السلطانية بالواثق بالله، أن قال له: يا بني إن ابن عباد معنى السريرة، وشيخ هذه الجزيرة، فساعة يبلغك عنه شيء فأخف صوتك، وانج وليتك.
فلما فار التنور، وبطلت تلك الأساطير، وسقط عليه بخبر ابن عباد الخبير، باع ذروة الملك، بصهوة الفلك، واعتاض من مناسمة الروح والريحان، بمزاحمة الشراع والسكان، ومن سماع نغم المزامير والأوتار، بالتصامم عن صخب تلك الأثباج والغمار. وخلى أهل المرية بينه وبين شأنه رعيا للذمام، ومكافأة عن سالف أياديه الجسام، وسخر له البحر فنجا ولم يعلقه شرك، ولا رجع عليه درك.
ولأبي يحيى بن صمادح:
وتحت الغلائل معنى غريب شفاء الغليل وبرء العليل
فهل لي من نيله نائل ولابن السبيل إليه سبيل
فما لي إلا الهوى متجر فغير الغواني متاع قليل
فيا ربة الحسن في غاية وعصر الشباب وظل المقيل
ذريني أعانق منك القضيب وأرشف من ثغرك السلسبيل
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وكتب إليه النحلي:
أيا من لا يضاف إليه ثان ومن ورث العلا بابا فبابا
أجلك أن تكون سواد عيني وأبصر دون ما أبغي حجابا
ويمشي الناس كلهم حماما وأمشي بينهم وحدي غرابا فوصله، وراجعه:
وأنت ولليل البهيم مطارف عليك وهذي للصباح برود
وأنت لدينا ما بقيت مقرب وعيشك سلسال الجمام برود وله في خبر:
لما غدا مفجوعا بأسوده وفض كل ختام من عزائمه
ركبت ظهر جوادي كي أعزيه وقلت للسيف كن لي من تمائمه وله:
انظر إلى حسن هذا الماء في صببه كأنه أرقم قد جد في هربه
[ ٢ / ٧٣٦ ]
@أبو يحيى رفيه الدولة بن صمادح
من بيت إمارة، والي عليها السعد طوافه واعتماره، انتجعوا انتجاع الأنواء، واستطعموا في المحل والأواء، وأبو يحيى فجر ذلك الصباح، وضوء ذلك المصباح، التحف بالصون وارتدى، وراح على الانقباض واغتدى، فما تراه إلا سالكا جددا، ولا تلقاه إلا لابسا سؤددا. وله أدب كالروض إذا زهر، والصبح إذا اشتهر، وقفه على النسيب، وصرفه إلى المحبوبة والحبيب:
يا عابد الرحمن كم ليل أرقني وجدا ولم تشعر
إذ كنت كالغصن ثنته الصبا وصحن ذاك الخد لم يشعر وله:
ما لي وللبدر لم يسمح بزورته لعله ترك الإجمال أو هجرا
إن كان ذاك لذنب ما شعرت به فأكرم الناس من يعفو إذا قدرا وله:
وأهيف لا يلوي على عتب عاتب ويقضي علينا بالظنون الكواذب
يحكم فينا أمره فنطيعه ويحسب منه الحكم ضربة لازب وله:
وعلقته حلو الشمائل ماجنا خنث الكلام مرنح الأعطاف
ما زلت أنصفه وأوجب حقه لكنه يأبى على الإنصاف
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وله:
حبيب متى ينأى عن القلب شخصه يكاد فؤادي أن يطير من البين
ويهدأ ما بين الضلوع إذا بدا كأن على قلبي تمائم من عيني وله إلى أبي نصر:
قدمت أبا نصر على حال وحشة فجاءت بك الآمال واتصل الأنس
وقرت بك العينان واتصل المنى وفازت على يأس لبغيتها النفس
فأهلا وسهلا بالوزارات كلها ومن رأيه في كل مظلمة شمس وكتب ابن اللبانة لرفيع الدولة:
يا ذا الذي هز أمداحي بحلبته وعزه أن يهز المجد والكرما
واديك لا زرع فيه اليوم تبذله فجد عليه لأيام المنى سلما فراجعه:
المجد يخجل من لقياك في زمن ثناه عن واجب البر الذي علما
فدونك النزر من مصف مودته حتى توفر أيام المنى السلما وله:
سلوت أبا نصر وما كنت ساليا وأظهرت عن قرب المزار التنائيا
[ ٢ / ٧٣٨ ]
فديتك قل كيف اجترأت على النوى وخلفت من تهواه بالجزع ثاويا
ظننت بأن يسليك نأي محله وهيهات ما تزداد إلا تماديا وله:
عجبت أبا نصر لعيشك آسيا بفاس ما فيها مقام لفاضل
وفي حمص الدنيا نعيم وجنة وماء وظل وارف غير زائل @فصل في ذكر الأديب أبي محمد بن مالك القرطبي
@وإيراد جملة من نظمه ونثره
وكان فردا من أفراد الشعراء والكتاب، وبحرا من بحور المعارف والآداب، شق كمام الكلام عن أفانين النور والزهر، ورفل من النثر والنظام بين الآصال والبكر؛ ولم يقع إلي من شعره ونثره، إلا نبذة كإيماء المريب بذات صدره، وفيما أثبت منها ما يغرب بذكره، ويعرب عن عجيب أمره. وأقام بالمرية مدة تحت ضنك معيشة مع عدة مدائح، رفعها لأميرها ابن صمادح، فلما كان يوم عيد أنشده شعرا قال فيه:
[ ٢ / ٧٣٩ ]
أإخواننا لهفا عليكم وحسرة فإنا صحبناكم أبر أصاحب
عليكم سلام من محب يودكم فقد قلقت نحو العراق ركائبي
وما هو إلا البين قد جد جده فلم يبق منه غير شد الحقائب
حقائب قد ضمن كل لطيفة وإن صفرت من منفسات المواهب
أمعتصما بالله يا خير موئل وأكرم مأمول وأفضل واهب
مضى الفطر والأضحى ولا نيل يقتضى فلم أخفقت وحدي إليك مطالبي
وكم عفت قدما من جزيل مواهب وقد خطبتني من جميع الجوانب
سأرحل عنكم دون زاد لبلغة وتلك لعمري سبة في العواقب فقال له ذو الوزارتين أبو الاصبغ ابن أرقم: عياذا بالله من ذلك يا أبا محمد. وما زال يعلن باضطراره، ويشكو الفقر في أشعاره، حتى أعياه ذلك، فجعل بعد يصف الغنى واليسار هنالك، تعريضا وتطييبا، فمن ذلك قوله من جملة قصيدة:
وما نذكر الإعدام إلا تخيلا لكثرة ما أغنى نداه وما أقنى
وأكثر ما نخشاه طغيان ثروة فإنا نرى الإنسان يطغى إذا استغنى فقال له بعض أصحابه: ومن أين هذا الغنى وقديما تشكو الفقر - ومضوا معه إلى منزله فما وجدوا معه غير قلة فخار وقدح للماء، ونحو ثمانية أرطال دقيق في مخلاة.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
@فصول له من مقامة تعرب عن حفظ كثير
@خاطب بها ابن صمادح المذكور
@اقتضبها لطولها وسقت بعض فصولها
يقول في فصل منها:
إن تطلع - لا زال طالعا نجم سعوده - إلى نبأ من أنباء عبيده، فإني أنبئه، ولا أنبئ إلا حقا، وأخبره ولا أخبر إلا صدقا؛ أما الأفئدة من بعده فمفؤودة، وأما الأكباد لبعده فمكبودة، والدهر من بعده ليلة ليلاء، والناس جبلة دهماء.
وفي فصل: بشرى لنا ولدولته الغراء، وهنيئا لنا ولحضرته الزهراء، فتح تفتحت له أزاهير النجاح، وبشر تباشرت به تباشير الفلاح، ورواء أشرق منه جبين الصباح، وخبر تضوعت به نوائج الرياح؛ يوم هز له الزمان ثنيي عطفه، وشمخ عزة بأنفه؛ فالآن حين انصدع جون الهزيع، عن جون الصديع، فوجه الزمان ضحيان مشرق
[ ٢ / ٧٤١ ]
وعود الدهر فنيان مورق، والعيش غضة مكاسره، عذبة موارده ومصادره، طاب كما لذت لشاربها الشمول، وتضوع كما خطرت على الروض القبول.
وفي فصل: فلله يومنا بالأمس، ما أجلب لألطاف الأنس، حين طلع علينا من كان طلوعه ألذ إلى الأعين من وسنها، وأوقع في القلوب من سكنها، طلع طلوع الصباح المتهلل، وجاء مجيء العارض المسبل، دلفنا إليه كالقطا الأسراب، فبهرنا الأمر العجاب، وكادت الأفئدة مما وجفت، والألباب مما رجفت، ألا يرجع نافرها، ولا يقع طائرها.
وفي فصل: لا تسمع إلا همهة وصهيلا، وقعقعة وصليلا، فخلت الأرض تميل مميلا، والجبال تكون كثيبا مهيلا، لا تعلم لأصوات تلك الغماغم، وضوضاة تلك الهاهم، من وهواه صهيل، ودرداب طبول، أزئير ليوث بآجام، أم قعقعة رعد في ازدحام غمام - فتزاحم في الأفق الهميم والهديد، وتلاطم في الجو النئيم والوئيد، فكادت الدنيا بنا تميد، لا تبصر غير ململمة جأواء، وموارة شهباء، قد ضعضعت التلال، ودكدكت القلال، إذا فرعت من ذات نيق
[ ٢ / ٧٤٢ ]
أو صبت من فج عميق، أو تطالعت من أفق سحيق، حسبتها تجيش على البلاد بحارا، أو تسح على الوهاد مدرارا، فقد نسجت فوقها من القتام، ظللا كتراكم الغمام، فكأنها رفعت سماء من عجاج، وأطلعت نجوما من زجاج.
ومنها: حتى لاح لنا ملك الأملاك، وثالث القمرين في الأفلاك، وجه جلى هبوة ذلك العثير، والعجاج الأكدر، فحين جلت غرته الغراء جلابيب الغبار [لم ندر أبدر الليل] أم شمس النهار. فلله ما ضمت أطناب ذلك السرداق، وما أظلت أفياء تلك الخوافق، من مال المسيف وعنبر المستاف، وليث العرين وبحر الاغتراف، ومن نزال الهواجر، وبذال الجواهر، فلما جلت غرة وجهه المتهلل، غياية ذلك القسطل، جعلت أتأمل ضراغم فوق قب صلادم، فمن كمت تسبح بكماة، ومن حم تردي بحماة، قد تحلت بحلي لباتها وألجامها، تحلي الغياهب بأنجمها، يرفلن في العبقري ويحملن جنة عبقر، ويسفرن
[ ٢ / ٧٤٣ ]
عن مثل الصبح إذا أسفر، من الجياد اللواتي تضمن أقوات النسور القشاعم، وتقري سراحين الفلاة بالطلى والجماجم، أنجاد كأنها أسنتها، كأنها أعنتها، فما ترى غير محارب يهز حرابا، وأعاريب تركض عرابا.
[وفي فصل]: كل قد أخذ عتاد اليوم للبأس الشديد، يظاهر بالحديد على الحديد، تلبب بالسابرية وتدرع، وتعصب بالصقال وتقنع، حتى اليلامق والدروع سواء، وحتى المقلة النجلاء والحلقة الحوصاء، من كل مسرود الدخارص، متألق دلامص، كأنما جللته بحبكتها السحاب، أو خلع برده عليه الحباب، أو غمس في ماء فجمد عليه الحباب، وكأنما باض على رؤوسهم نعام الدو، وبرقت في أكفهم بوارق الجو، لكنها ما هزت فبوارق، وإذا صبت فصواعق، من كل ذي شطب كأنما [أهل] قرى نمل، علون منه قرا نصل، فإذا أصاب فكل شيء مقتل، وإذا حز فكل عضو مفصل، أمضى في الأشباح، من الأجل المتاح، عضب الحد صقيل، يكاد إذا انتضي يسيل، ويكاد مبصره يغنى عن الورد، إذا اخترط من الغمد، ما لم يخله ريعان سراب، في صحصحان يباب، لاشتباه فرنده بحباب في شراب، أو حباب في
[ ٢ / ٧٤٤ ]
سراب؛ فلما رأيت جفنه قد انطوى على جمر الغضا، وماء الأضا، وانضم على خضرة الجنح، ورونق الصبح، قلت: سبحان مكور الليل على النهار، والجامع بين الماء والنار.
وفي فصل: ومن كل مثقف الكعوب، أصم الأنبوب، كأنما سلب من الروم زرقتها، واجتلب من العرب سمرتها، وأخذ من الذئب عسلانه، ومن قلب الجبان خفقانه، ومن رقراق السراب لمعانه، أو استعار من العاشق نحوله، ومن العليل ذبوله.
فكررت الطرف خلال تلك اجياد، فرأيت مقربات خيل يتخايلن تخايل العذارى الرود، ويتهادين تهادي المهارى القود، فكأنما يتوجسن عن أطراف أقلام، ويتشاوسن عن مقل آرام: فمن مبيض شطر كابيضاض المهرق، ومسود شطر كاسوداد العوهق، كأنما اختلس نصفه الفلق، واحتبس بنصفه الغسق، " مقابل الخلق بين الشمس والقمر "، ومقسم السربال بين الجنح والفجر؛ إذا توجس عن رقيقتين، كأنما
[ ٢ / ٧٤٥ ]
صيغتا من لجين، حسبته من شهامة نفس، ولطافة حس، يحس وطء الرزايا، ويعلم مغيبات الخفايا. ومن ورد كأنما جلل بورد، أو خلعت عليه من الصباح المسفر، حلة فجره المعصفر، أو شقت عنه كمائم شقيق، أو سلت عقيقته من أديم عقيق، أو كسي خدود الغانيات، فرمي بالعيون الرانيات، فاخجلته حياء، وضرجته دماء، واستعار برد الأفق، عند وقت الغسق؛ ومن أصفر كأنما يصفر عن وجنة عليل، ويرفل في حلة أصيل، أو كأنما كسفت في أديمه الشمس، أو ذر على نقبته الورس، حتى ليكاد الجادي يجري من ماء عطفيه، ويجنى الحوذان من روض متنيه، ومن ذي كمتة قد نازع الخمر جريالها، فسلبها سربالها، ومن محجل هملاج، كأنما سور بوقف عاج، أو شكل بشكالين، صيغا له من ناصع لجين، أو من خوافق برق وشيج، تسير بها متون عناجيج، إذا أهوت بها سراعًا، ختها سفنًا تحمل شراعًا، تثني متونها هبات الرياح، كما تثني أعطاف النشاوى نشوة الراح، فكأن أعطافها أعطاف سكارى، وكأن قدودها قدود عذارى.
وفي فصل منها: وعلم - لا زال مؤيدًا - أن الداء يبرأ إذا حسم، والخطب يستشري كلما قدم، وأنهم إن تركوا في اليوم كراعًا، صاروا في الغد ذراعًا، فرماهم ببديهات عزم كالنجوم العواتم، وماضيات
[ ٢ / ٧٤٦ ]
رأي كالسيوف الصوارم، وآراء تصدع صفا الجلمود، وعزمات تنقب في الصخرة الصيخود، فغدت أمانيهم نقمًا وكانت نعمًا، وعادت أراجيهم همومًا وقد كانت هممًا؛ فقرع السن من الندم، " وزلة الرأي تنسي زلة القدم "، وأيقن أن من خطب بنات النصر بالسعد زوج، ومن ألقح الرأي بالعزم أنتج.
ومنها: ولما علم أنه إما شرق وإما غرق، وعاين الموت محمرة أظافره، موفيةً موارده ومصادره، ووصلت له دؤلول ابنة الرقم، في أعلى تلك القممن فحينئذ انجلت عمايته وغياطله، واستخذى لحق مولاه باطله، وكان حريًا أن تئيم حلائله؛ وأوهم أنه لو ظلت بين منازل النجوم نوازله، لرأى أنها عقالاته لا معاقله، فرمى بيده صاغرًا إلى السلم ثقة بعفو كظل المزنة الممدود، وكرم كشط اللجة المورود. فلولا حلم كالجبال رصين، وجود كالسحاب هتون، لبادوا خلال تلك الديار، كما بادت جديس في وبار، ولنغلت تلك المنازل نغل الجلد، ومحت كما محت وشائع من برد. وما دلاهم في غدرهم الذي غدروا، وغرهم في خترهم الذي ختروا، إلا العلم بأن سوف يعفو حين يقتدر، فقد اعتصموا
[ ٢ / ٧٤٧ ]
بحبل معتصم بخالقه، وتوكلوا على رزق متوكل على رازقه، واستوثقوا من عقد من لا عقاله بأنشوطة، ولا ميثاقه بأغلوطة.
وفي فصل: فيا أيها المغترون بخلقه الفضفاض، وكرمه الفياض، لا يجهلنكم تحمله، ولا يغرنكم تكرمه، فالبحر قد تردي غواربه وليس بطام، والعارض قد تصيب صواعقه وليس بركام، والنصل قد يبري وهو غير مؤلل، وأين نار ليس لها شرار، وأين خمر ليس لها خمار - فهو جدب وربيع معرق، وليل ونهار مشرق، فيه الصاب والعسل، وفي السهل والجبل، له خاطر على خواطر الحوادث مرسل، وطرف بأطراف البلاد موكل. فأنى بعناد من تميد الأرض إذا وجم، ويرق نسيم الهواء إذا ابتسم - فلم يجتمع لملك - حاشاه - خضاب الصوارم، واجتناب المحارم، قسم العدل بين البدو والحضر، كقسمة الغيث بين النبت والشجر، فلا غرو أن يفوق جميع الأنام وهو من الأنام، فإن المسك بعض دم الغزال، وإن معدن الذهب الرغام. فهو الأبلج المتدفق، والأزهر المتألق، من جوهرة المجد وهو ماؤها، ومن مهجة العلياء وهو سويداؤها، ولا يقتدي في سؤدد بغريب، بل
[ ٢ / ٧٤٨ ]
يجري على سنن منه وأسلوب، كالغيث شؤبوبًا بشؤبوب، والرمح أنبوبًا على أنبوب.
وفي فصل: فلله أي مراد ردته، وأي مورد وردته، لم أكن ممن غره السراب، حين أعوزه الشراب، ولا كنت كمن زجر الطير بالنجم والدبران، ولا ممن سقط العشاء به على سرحان، ولا كمن قال مرعى ولا كالسعدان؛ كلا، إن مملوكك ألقى أرواقه، حيث مد المجد رواقه، بحيث يعتصر الندى من عوده، ويرتشف صرف الجود من ناجوده، فانتقيت الجار قبل المنزل، وبوأت رحلي في المحل المبقل، ورتعت في أثر الغمام المسبل.
وفي فصل: ولولا ذلك لكان لي في الأرض العريضة مسارح، وفي أبناء الكرام منادح، غير أني عن أكثر المراتع عزوف، ولأكثر المشارع عيوف وأني لكالسيف لا يحمد كل من حمله، وكالرمح لا يسر بكل من اعتقله، وما كل عجيبٍ في عيني بعجيب، ولا كل غريب في نفسي
[ ٢ / ٧٤٩ ]
بغريب. أنساني الله رشدي يوم أنساه، وأبدلنيه يوم أستبدل سواه، ما وصل أو قطع، ورفض أو اصطنع، وما ضر أو نفع. ولئن أعقب يومًا من الدهر بحرمانٍ - وحاشاه - فلقد سبق بمعروف، وإن ساءني منه يوما فعلة - وخلاه - فإن اللواتي قد سررن ألوف. ولقد ألفى وده صدري خلاءً من غيره فاستوطن، وصادف قلبي فارغًا فتمكن.
وفي فصل: ما رأيت وجهًا أسمح، ولا حلمًا أرجح، ولا سجيةً أسجح، ولا بشرًا أبدى، ولا كفًا أندى، ولا غرةً أجمل، ولا فضيلةً أكمل، ولا خلقًا أصفى، ولا وعدًا أوفى، ولا ثوبًا أطهر، ولا سمتًا أوقر، ولا أصلًا أطيب، ولا رأيًا أصوب، ولا لفظًا أعذب، ولا عرضًا أنقى، ولا ثناءً أبقى، مما خص الله به ثالث القمرين، وسراج الخافقين، وعماد الثقلين، المعتصم بالله ذا الرياستين، دامت راياته منصورة، [وآياته] منظورة، ومقاصير ملكه بالسعد معمورةً، ما هبت صبًا وجنوب، وما أقام يذبل وعسيب. وإني وإن أطنبت فأطيبت، وأسهبت فاعذبت، لخجل أن يكون مثلي يثير غبارًا على جبينه، وينظم سوارًا عن يمينه. فإن فكري بعد كالسيف الخشيب، والقدح المخشوب، فهذا لم تذلق
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ظبتاه، وذاك لم يخلق حقواه، فإنه أول استعمال القريحة، ورياضة السجيحة، وأول الضرام سقط ثم يلتهب، " وأول الغيث طل ثم ينسكب ".
وفي فصل: فإني غادرت بعدي لحمًا على وضم، وجرحى بين عقبانٍ ورخم، ستعلم أي خبر أنمنم وأحبر، وأي در أنظم وأنثر، فإني وإن كنت الأخير زمانه، والسكيت أوانه، لدليلة على الدلائل، ومخيلة على المخايل، أني آتي بما لم تستطعه الأوائل [فأفصلها كتفصيل الجواهر في العقد، وأقدر تقدير داود في السرد] .
وفي فصل: ويا لهفي ألا تكون معونتي له إلا باللسان، دون السنان، أطاعن أمامه دراكًا، وأزاحم قدامه الأقران لكاكًا! ولولا أفرخ كزغب القطا، يدبون في نائله عندي دبيب الكرى، فيستشفون علالتي، ويستنزفون بلالتي، لامتطيت من جدواه السابح اليعبوب، وتقلدت من نداه الصارم الرسوب، واعتقلت من عطائه الصعدة السمراء
[ ٢ / ٧٥١ ]
وادرعت من حبائه الفضفاضة الجدلاء، فيبصر هنالك، مملوكه ابن مالك، يلاعب الأسنة كعامر بن مالك، فينظر أحسن منظر، ويبلو أفضل مخبر، رب القصائد والقنا المتقصد، فطورًا طعنًا بالمثل، وضربًا بالمنصل، وطورًا ارتجالًا بالخطبة الفيصل، كخطبة قيس بن سنان، في حمالة عبسٍ وذبيان، خطبة تباري الريح في هبوبها، من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، حضًا على السلم والمحاجرة، ونهيًا عن الحرب والمناجزة؛ فلو شهد هنالك لشهد أمرًا معجبًا، وأبصر خطيبًا مسهبًا فيرى شقشقةً وقرمًا مصعبًا، يجنحهم إلى السلم لمًا لمًا وثبًا وثبًا.
قال ابن بسام: ومد ابن مالكٍ في رسالته هذه أطناب الإطناب، وشن الغارة فيها على عدة شعراء وكتاب، من جاهليين ومخضرمين، ومحدثين معاصرين، ولو ذكرت من أين استلب واختطف، جميع ما وصف، وانصرف إلى كل أحدٍ كلامه، نثره ونظامه، لحصل هو ساكتًا، وبقي باهتًا.
ومن شعر له من قصيدةٍ في يوسف بن هود أولها:
شرخ الشباب أمن روحٍ وريحان عصراك أم جوهر في الوهم روحاني
عهدي بليلك فجرًا والهجير ضحىً ضحيان أزهر رقراق الأصيلان
[ ٢ / ٧٥٢ ]
أكان عهدك في دارين ينفح أم من أندرين ومن ريا وريان
وكان من غفلات الدهر طيبك أم من غفلةٍ خلست من لحظ رضوان
سقيًا لعهدك ما أندى نوافحه ريا وأنقعها ريًا لحران
عصر جنيت جناه الغض من قمرٍ وافى به ثمرًا غصن من البان
إذ تشرئب لي الأغصان مائةً مهفهفات على رجراج كثبان
فلم أزل ساحبًا أذيال بردته حتى عثرت بأرداني فأرداني
وابتز رائع ريعانٍ نذير نهىً فريع روعي لما ابتز ريعاني ومنها:
وإنما العذر لي أن جئت في زمنٍ لا الجيل جيلي ولا الأزمان أزماني
والله لولا رجائي أن تهاودني إلى ابن هود هوادي كل مذعان
لمت من كمدٍ غيظًا على دول صروف أزمانها تجري بإزماني
وليس يوسف عندي مثل يوسف بل لقيا أبي عمر من عمري الثاني
إذ ما يزال بقسطي باخسًا أبدًا من لم يزني بقسطاس وميزان
وقد حويت قصاب السبق في بدعٍ شتى وأحرزتها في كل ميدان
وكم بدائع لي ما باشرت بشرًا ولا سرى طيبها في وهم إنسان
لكن بصائرهم عمي ولا بصر والشمس تشرق إلا عند عميان
لقد أجد فؤادي من محبته ما كنت أحسبه وسواس جنان
[ ٢ / ٧٥٣ ]
مغنيطس في ذراه الرحب يجذبنا أم سحر بابل أم آثار حران -
أم عنصر شاق أجسامًا وأنفسها بجوهر فيه جسماني ونفساني -
براهن هن عن علياك موضحة لو أحوجتنا إلى إيضاح برهان
فضائل لك تستدعي فضائلها لك الأفاضل من آفاق بلدان
وليس فضلك مطويًا ضحيفته فيستدل على ضمن بعنوان
فالصبح أبين لألاء لمبصره من أن يعان بشرح أو بتيان @فصل في ذكر الاديب أبي احمد عبد العزيز بن خيرة القرطبي المشتهرة
@معرفته بالمنفتل، وسياقة جملة من نظمه ونثره، مع ما يتعلق بذكره
والمنفتل أيضًا ممن نثر الدر المفصل، وطبق في بعض ما نظم المفصل، ولم يحضرني في وقت تحرير هذه النسخة من شعره إلا النزر القليل، وقد يعرب عن العتق الصهيل، ويكفي من البياض الغرة والتحجيل.
فصل له من رقعة وقد بعث بأترجة، قال فيه: وقد بعثت إليك
[ ٢ / ٧٥٤ ]
من بنات الثمار أجملها، ومن نتائج البستان أفضلها؛ لم تطرفها عين أحد، ولا باشرها بشر بيد؛ قد صيرت من الأغصان خدرًا، وأرسلت من الأوراق سترًا، فلما تكامل حسنها، وماد بها غصنها، وارتوت من ماء الجمال، وصارت في نصاب الكمال، هتكت سترها، وطرقت خدرها، فإذا هي في حلة الخائف، قد أصفرت وجلا من يد القاطف، فشربت على ودها رطلين، وتناولتها بالراحتين، ثم وضعتها في هودج خيزران، وآثرتك بها على جميع الإخوان؛ فبحرمة الكأس التي رضعنا، وأمير الظرف الذي بايعنا، إلا ما رفعت قدرها، وجعلت القبول مهرها، وجلوتها على مجلس المدام، وحجبتها عن عيون اللئام، فخصالها عجيبة، وصفاتها غريبة، إن خزنتها عطرت أثوابك، وإن أمسكتها أذهبت أوصابك، وإن أعلمت فيها غرب السكين، قرنت لك بين النرجس والياسمين، وأرتك وجنة لكئيب، على سالفة الحبيب؛ يا لها من أترجة غضة، قد صورت من ذهب وفضة! قد سرقت من العاشق سيماه، ومن المعشوق طعم ثناياه، وخصت بالحسن أجمع، وأعطيت الطبائع أربع. فصلني - وصل الله آمالك، وقرن بالنمو سعدك وإقبالك - بالأمر بقبولها، وتعريفي بوصولها، إن شاء الله.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
@جملة من شعره في أوصاف شتى
قال:
سمح الزمان لنا بأسعد ليلةٍ والسمح لا يدرى له قبل
أبصرت نفسي بين ظبيي قفرة هذي المدام وهذه النقل
وكأن ذا وعد وذا إنجازه وكأنني من بينهم مطل وقال أيضًا:
بتنا كأن مداد الليل شملتنا حتى بدا الصبح في ثوب سحولي
كأن ليلتنا والصبح يتبعها زنجية هربت قدام رومي وقال أيضًا:
ولما تجلى الليل والبرق لامع كما سل زنجي حسامًا من التبر
وبت سمير النجم وهو كأنه على معصم الدنيا جبائر من در وقال يصف الشمس وقد طفلت للغروب:
إني أرى شمس الأصيل عليلة ترتاد من بين المغارب مغربا
مالت لتحجب شخصها فكأنها مدت على الدنيا بساطًا مذهبًا
[ ٢ / ٧٥٦ ]
وقال أيضًا:
من لي بظبي بزني نسكي قام من الكافور والمسك
لو أن داود رأى وجهه ألقى إليه خاتم الملك
أو أن يعقوب رأى وجهه في غيبة الصديق لم يبك وقال أيضًا:
لا شيء أعجب من تركي لهم روحي يوم الوداع ولم أترك تباريحي
ومن بقائي أمشي في ديارهم يا من رأى جسدًا يمشي بلا روح - وله أيضًا:
ما لي بجور الحبيب من قبل هل حاكم عادل فيحكم لي -
حمرة هديه من دمي صبغت ويدعي أنها من الخجل وحضر عند القائد ابن دري بجيان مع أبي زيد بن مقانا الأشبوني، واستدعاهما إلى عنب أسود قد قطف في غير إبانه، من عريش قد أقيم على أربع قوائم، تحته صهريج، فقال المنفتل:
عنب تطلع في حشا ورق ندى صبغت غلائل خده بالإثمد
فكأنه من بينهن كواكب كسفت فلاحت في سماء زبرجد
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وقال في صفة خال:
في خد أحمد خال يصبو إليه الخلي
كأنه روض وردٍ جنانه حبشي وقال فيه:
قد فؤادي بحسن قده وسد باب الكرى بصده
أردت تقبيله فذابت سوداء قلبي بصحن خده وأخذ هذا ابن رباح أبو تمام الحجام فقال في صفة الخال:
يا لابسًا للحسن ثوب سمائه كالبدر يشرق في دجى ظلمائه
أحرقت قلبي فارتمى بشرارة في صحن خدك فانطفا في مائه
ووعد المنفتل بعض أخوانه أن يعمل مرقاسا ويدعوه إليه، وصنع ذلك فلم يدعه فقال:
يا أجود الناس بما عنده إلا إذا استعمل مرقاسا
فإن ينلها عذره بين إذ لم يجد فيهن أنفاسا
[ ٢ / ٧٥٨ ]
وقال فيه يهجوه:
لا آكل المرقاس دهري لتأ ويل الورى فيه قبيح العيان
كأنما صورته إذ بدت أنامل المصلوب بعد الثمان وقال:
إن جفاني الكرى وواصل قوما فله العذر في التخلف عني
لم يخل الهوى لجسمي شخصا فإذا جاءني الكرى لم يجدني وهذا كقول الآخر:
لم يعش أنه جليد ولكن ذاب سقما فلم تجده المنون وقال المنفتل:
بأبي غزال زارني فشفا الفؤاد المدنفا
عانقته فكأنني يعقوب عانق يوسفا وقال أيضًا:
قلت لمن أهوى تصدق على معذب حبك أضناه
بقبلة من فيك يا سيدي فقال لي: يحفظك الله وقال:
لو تقاسي من الهوى ما أقاسي ما تمنيت أن قلبك قاسي
كنت أدعوك للعناق ولكن أتقي أن تذوب من أنفاسي
[ ٢ / ٧٥٩ ]
وقال في صفة قطرميز وأخبر عنه:
أنا من كل فتنة مخلوق جسدي لؤلؤ وروحي عقيق
فإذا ما الكؤوس دارت بريقي فاح في الأفق منه مسك فتيق
فكأني بين الكؤوس هلال وكأن الكؤوس حولي بروق وقال يهجو الأفوه الشاعر الجزار:
وبارد المنظر والمخبر أبرد من ريح الصبا الصرصر
تبدو على أضراسه صفرة كأنه من فمه قد خري
حديثه أوحش من وجهه وشعره يشبه ذاك الطري وله في ميمون بن الفراء:
لابن ميمون قريض زمهرير البرد فيه
فإذا بيت بيتا نفقت سوق أبيه
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وقال في جهران بن يحيى صاحب لبلة:
إن ابن يحيى ضحكة فتوسم واذكر به خدام نار جهنم
أكل الخبيث فشعره متساقط كالكلب أسقط شعره لعق الدم وله من رقعة خاطب بها ابن النغريلي الإسرائيلي: من فهم الزمان وخلقه، ورفل في جديده وخلقه، وعلم أنه يستأصل ريثما يواصل، ويقصم غب ما يقسم، لم يبال بوقع سلاحه، ولا استعد لوقت إصلاحه، ولما أغصني بالريق، وحفزني بالمضيق، ولم يترك همًا إلا سنى عقده، ولا نظمًا إلا نثر عقده؛ ورأيت الاستحالة في الحال، والعيلة في العيال، وجدًا قد جد فجاء من المصلين، وساهم فكان من المدحضين، هيأت راحلة وأثاثًا، وطلقت ابنة الوطن ثلاثًا
[ ٢ / ٧٦١ ]
وقلت إما أن أجد فأظهر، أو أموت فأعذر؛ فكم من حرة سافرة القناع، تندبني موقت الوداع، وباكية يوم الرحيل، بكاء الحمام على الهديل؛ فقد فقأت عين السرى، بأربع كقداح السرا، يتشبثون بالآكام، تشبث الخصوم بالأحكام؛ ويتعلقون بالمطي، تعلق الأيتام بالوصي، إلى أن أخضلت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر؛ وجعلت أعوذهن بالمثاني، وأبسط لهن في الأماني، وأقول: ستنسين هذا الموقف، إذا اتصلتن بإسماعيل بن يوسف، فتى كرم خالًا وعما، وشرح من المجد ما كان معمى، قسًا فصاحة، وكعبًا سماحة، ولقمان علما، والأحنف حلما. أكرم همة من همام، وأعظم بسطة من بسطام؛ إن خاطب أوجز، وإن غالب أعجز، أو جاد أجاد، أو وعد أعاد؛ يأمر ويمير، ويأجر ويجير؛ مأوى السماح والضيف، ورحلة الشتاء والصيف؛ حامي الذمار، بعيد المضمار؛ لا يظلم نقيرًا، ولا يخيب فقيرًا: يحافظ على صلاته، حفظه لصلاته، ويحن إلى البذل، حنين الغريب إلى الأهل:
قرن الفضائل والفواضل فشأى الأواخر والأوائل
[ ٢ / ٧٦٢ ]
سقطوا برفعة فضله كالشمس في شرف المناقل
هذا ابن يوسف الذي ورث الفضائل عن فواضل
شرف الزمان بمثله شرف الأسنة بالعوامل
من لم يلذ بجناحه لم يأمن الدهر المخاتل
متقلد سيف العلا والمركمات له حمائل
قصرت في وصفي له ولو أنني سحبان وائل
ما قل ما يرجى الكما ل لمن أبوه غير كامل
سكن الندى في كفه سكنى الرواجب في الأنامل
وجرى الحياء بوجهه جري الفرند على المناصل فحين سمعوا بوصفه، الذي هو طليعة عرفه، وثقوا بمجده، وود عوني مستبشرين، وتركتهم منتظرين.
وله من قصيدة أولها:
أحاجيكم هل يمموا الضال والسدرا أبى قلبي المعمود أن يسكن الصدرا
وفي الهودج المزرور جؤذر رملة أسيل مجال القرط في حرة الذفرى
كأن الثريا ما بدا من وشاحها وقد همت الأرداف أن تسلم الخصرا
يذكرني شكل الهلال سوارها وقد أرسلت من دون هودجها سترا
يقولون إن السحر في أرض بابل ولو عاينوا أجفانها نظروا السحرا
[ ٢ / ٧٦٣ ]
يريك طلوع البدر طرق شعاعها وتفجأ من إيضاح غرتها الشعرى
فيا لك من نحر يزين عقدها إذا عقد من تشجى بها زين النحرا
فلا هجرت عيني سوابق أدمعي كما أن ليلي بعدهم هجر الفجرا
فقل في شج قد بات يمسح دمعه بكف وأخرى تحتها كبد حرى
وقد ضرب الليل البهيم رواقه وأطلع في الآفاق أنجمه الزهرا
كأن سماء الأرض بحر زبرجد وقد نثر الغواص من فوقه درا
لقد طال هذا الليل فالدهر بعضه ولم أر ليلًا قبله شاكل الدهرا
وما اكتحلت عيني بمثل ابن يوسف ولست أحاشي الشمس من ذا ولا البدرا ومنها:
بدور ولكنا أمنا سرارها بحور ولكن لا نرى دونها برا
غيوث إذا ما المحل شب ببلدة كهوف إذا جاءت بنا أرضه كبرى
يخالون من فرط الحياء أذلة وترتج أحشاء الملوك لهم ذعرا
ومن لم يكن للنظم والنثر محسنًا فإن نداهم علم النظم والنثرا وهذا القصيد اندرج له من الغلو فيه، ما لا أثبته ولا أرويه، وأبعد الله المنفتل، فيما نظم فيه وفصل، وقبحه وقبح ما أمل.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وله من قصيدة من الغلو في القول، ما نبرأ منه إلى ذي القوة والحول، وهو قوله:
ومن يك موسى منهم ثم صنوه فقل فيهم ما شئت لن تبلغ العشرا
فكم لهم في الأرض من آية ترى وكم لهم في الناس من نعمة تترى
أجامع شمل المجد وهو مشتت ومطلق شخص الجود وهو من الأسرى
فضلت كرام الناس شرقًا ومغربًا كما فضل العقيان بالخطر القطرا
ولو فرقوا بين الضلالة والهدى لما قبلوا إلا اناملك العشرا
ولاستلموا كفيك كالركن زلفة فيمناك لليمنى ويسراك لليسرى
وقد فزت بالدنيا ونلت بك المنى وأطمع أن ألقى بك الفوز في الأخرى
أدين بدين السبت جهرًا لديكم وإن كنت في قومي أدين به سرا
وقد كان موسى خائفًا مترقبًا فقيرًا وأمنت المخافة والفقرا قال ابن بسام: فقبح الله هذا مكسبًا، وأبعد من مذهبه مذهبًا، تعلق به سببا؛ فما أدري من أي شؤون هذا المدل بذنبه، المجترئ على ربه، أعجب: ألتفضيل هذا اليهودي المأفون، على الأنبياء والمرسلين، أم خلعه إليه الدنيا والدين - حشره الله تحت لوائه، ولا أدخله الجنة إلا بفضل اعتنائه.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
@فصل في تلخيص التعريف بمقتل ذلك اليهودي
وكان من عجائب ذلك الزمان الواهي النظام، اللاعب بالأنام، ترقي ذلك اليهودي المأفون الرأي، الزاري على كل ذي دين، لم تسلم له يهود في دينها الملعون، ولا أمنته على غيبها الظنين. وكان أبوه يوسف رجلًا من عامة اليهود، حسن السيرة فيهم، ميمون النقيبة عندهم، تولى لباديس ولأبيه قبله حبوس بغرناطة جباية المال، وتدبير أكثر الأعمال، ونجم ابنه بعد غلامًا وضيًا، ومركبًا - زعموا - وطيًا، وكانت لمن اعتنى يومئذ بالغلمان فتنة، حتى كان يقال إنه وإنه، فقلد أزمة الأعمال، وخلي بينه وبن أثباج الأموال، وأوطئ عقبه جماهير الرجال، وجرى به طلق الجموح، مهونًا فيه مأثور القبيح، فنأى بجانبه، وأعرض عن ذكر عواقبه، حتى كان يغسل يده من القبل، ويتمدح بالطعن على الملل؛ ألف كتابًا في الرد على الفقيه أبي محمد بن حزم المتقدم الذكر، وجاهر بالكلام، في الطعن على ملة الإسلام، فما دفع عن ذلك بتأنيبن ولا استطيع تغييره عليه إلا بالقلوب؛ قد نصبه مكانه من السلطان غيظًا للأحرار، وحمة على الليل والنهار. واليهود مع ذلك تتشاءم باسمه، وتتظلم من جور حكمه، على ما كان قد رضخ لهم من الحطام، ووطأ لهم من
[ ٢ / ٧٦٦ ]
مراكب الأمور العظام، وهو مع ذلك متماد في غلوائه، غافل عن عادة الله في نظرائه. فغضب يهود أحكامها، وذلل أعلامها، وتسمى من خططهم الشرعية بالناغيد، معناه المدبر بالعربية، خطة تحاماها قدماؤهم، وتطأطأ عنها قديمًا زعماؤهم، اجترأ هو عليها بوهي أسه، وقلة نظره لنفسه. وأما ما بلغ من المنزلة عند صاحبه وغلبته عليه فما لا شيء فوقه.
أخبرني من رآه يساير صاحبه بساحة قرطبة في بعض قدماته عليها لبعض تلك الشؤون المضلة، والفتن المصمئلة، قال المحدث: فرأيته مع باديس، فلم أفرق بين الرئيس والمرؤوس، فأنشدت: " تشابهت المناكب والرؤوس ".
وحدثت عن ابن السقاء مدبر قرطبة يومئذ أنه قال: لا بأس بإسماعيل لولا أنه نسي اليهودية.
وكان على ذلك قد نظر في الكتب، وشدا أشياء من علم العرب. وكان آخر أمره قد حجب صاحبه عن الناس، وسجنه بين الدن والكاس، ملحدًا في أمره، مبرمًا لأسباب غدره، ووعد جاره ابن صمادح بالمرية أن يقعده مكانه، ويخلع على أعطافه سلطانه، فسرب إليه ابن صمادح
[ ٢ / ٧٦٧ ]
صميم الأموال، وجلا عليه وجوه الآمال، وإنما كان أراد أن يثل عرش الباديسي بالصمادحي، لما كان يعلم من كلاله، ويتيقن من قلة استقلاله؛ وقد عزم ساعة يخلو له وجه ابن صمادح بعد باديس أن يتمرس بجانبه، ويلحقه بصاحبه، كأنه نظر خبر عبيد الله بن ظبيان، حين وضع رأس المصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك، قال ابن ظبيان: فقمت في ركابي، وأحس بي ورفع رأسه وقال: ما الذي أردت أن تصنع - قلت: هممت أن أقتلك فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد. فقال: لولا منتك علينا برأ المصعب، لكان عنقك أهون ما يضرب. فأراد هذا اليهودي على انحطاطه عن الرجال، وانخراطه في سلك ربات الحجال، أن يستدرك على ابن ظبيان، بقتل رئيسين من رؤساء ذلك الزمان؛ فلما تم تدبيره، واستوسقت له أموره، لزم سكنى القصر، وأخذ مفاتيح المصر، وأظهر لصاحبه أن الناس قد ملوا سياسته، ونفسوا عليه رياسته.
وركب ابن صمادح بعسكره، وكمن حيث يسمع صوت المهيب، ويتنسم - بزعمه - روح الفرج القريب. فلما كان اليوم الذي أراد أن يختمه بداهيته الدهياء، ويلبس سواد ليلته لغدرته الشنعاء، نذر به قوم من الرجالة المغاربة؛ وقد كان الناس قبل ذلك استرابوا باختلال الشان، واستوحشوا من احتجاب السلطان، وقد كان اليهودي ملك ابن صمادح أكثر حصون غرناطة باحتجان أموالها، وإفساد رجالها
[ ٢ / ٧٦٨ ]
فأضافها ابن صمادح إلى بلده، وباديس لا يشعر بخروجها عن يده، واليهودي أثناء ذلك يريش ويبري، وشفرته في أديم صاحبه تخلق وتفري، فلما كان اليوم الذي أراد الله فيه إزالة نعمته عنه، وإراحة عباده وبلاده منه، نذر به أولئك المغاربة، فأعلنوا بالصياح، وثاروا إلى السلاح؛ وأتى الصريخ بقية الجند وعامة أهل البلد، ونادى مناديهم: غدر اليهودي وخان، وطاح المظفر - يعنون باديس - وحان! فدخلوا القصر من كل باب، وهتكوا حرمة اليهودي دون حجاب، فقتل - زعموا - في بعض خزائن الفحم. وسمع باديس الوجبة فخرج يقول: إسماعيل لا يحفل بسواه، ولا يرتاع لشيء يسمعه من ذلك ولا يراه.
وقد استطال الناس على يهود، وقتل منهم يومئذ نيف على أربعة آلاف، ملحمة من ملاحم بني إسرائيل، باءوا بذلها، وطال عهدهم بمثلها. ورجع ابن صمادح قفد صفرت يداه، وأخلفه ما تمناه، وانقلب اليهودي مذمومًا مدحورًا، لم يمتع بدنياه، ولا خلص إلى ما رجاه.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
@ذكر الأديب أبي المطرف عبد الرحمن بن فتوح،
@وإثبات جملة من شعره في الغزل والمديح
بلغني أنه كان يعرف بابن صاحب الإسفيريا، من مشاهير الأدباء، وه شعر كثير إلا أن إحسانه نزر يسير. وله تأليف في الأدب ترجمه بكتاب " الإغراب في رقائق الآداب "، ورفعه إلى المأمون يحيى بن ذي النون، وتصنيف آخر سماه بكتاب " الإشارة إلى معرفة الرجال والعبارة "، وكتاب سماه " بستان الملوك "، رفعه إلى ابن جهور أيام إمارته بقرطبة.
وحدث عن نفسه أنه صحب أبا حفص بن برد الأصغر، وجاذبه أذيال المذاكرة، وراكضه أفراس المحاضرة، حتى وقفه - بزعمه - على البديع والبيان على حقيقتهما، ووضحت له جادتهما، وعرفه أنحاءه، وكاشفه أجزاءه؛ قال ابن فتوح: فمتى رمنا معنى أطلقنا عليه بزاة البحث، وأخذناه أحسن أخذ، وصدناه دون كلال فهم، ولا نبو لسان، إلا أن أبا حفص يشف علينا جملة في الملح القصار، أضعاف شفوفنا عليه في مطولات الأشعار.
قال ابن بسام: وابن فتوح هذا كثير الاهتدام والاغتصاب، والاختطاف والاستلاب، لأشعار سواه، قبيح الأخذ في كل ما انتحاه، وشعره كثير
[ ٢ / ٧٧٠ ]
البرد، وبينه وبين ابن برد من مسافة البعد ما بين القطب الثابت، والقصب النابت. وقد أثبت في هذا المجموع من شعر الرجلين، ما يتبين به الصبح لذي عينين؛ على أني ظلمت ابن برد ولم أعدل، إذ لا يمثل بينهما بأفضل، وأين مواقع السيل، من مطالع سهيل، وهو معه كما يقابل الصباح بمصباح، وتبارى الرياح بجناح. وأكثر شعر ابن برد مليح السرد متمكن القوافي لا تكاد له قافية تخرج من مركزها؛ وقوافي ابن فتوح قلقة موضوعة في غير مكانه، نازلة في غير أوطانها.
@جملة من شعر ابن فتوح في النسيب
قال:
قد قضيب وبدر ديجور وثغر در ولحظ يعفور
أزال صبري وأي مصطبرل يبقى لتلك الملاحظ الحور
كأنما نوره وسمرته مسك مشوب بذوب كافور وقال أيضًا:
وقف العذار بخده فحسبته ليلًا توقف وسط ضوء نهار
وتوردت وجناته فحسبتها نارًا تلظى فوق ماء جار وقال:
خلع الجمال عليك ثوب بهائه فغدوت تسحب ذيله متبخترا
[ ٢ / ٧٧١ ]
فكأن خدك والعذار بصحنه صبح جرى فيه دجى فتحيرا وما أقبح هذا الأخذ، فإنه لفظ تميم بن المعز حيث يقول:
ما بان عذري فيه حتى عذرا ومشى الدجى في صبحه فتحيرا وقال:
ولما أحس الليل أني منادم معذب قلبي بالتجنب والهجر
تولى مغذًا لا يقر كأنما يعاين إلفًا فهو في إثره يجري
فما كان ما بين الطفول وفجره كما بين جفن العين في الطول والشفر وما أحسن قول إبراهيم بن العباس في قصر الليل:
وليلة من الليالي الزهر قرنت فيها بدرها ببدري
لم تك غير شفق وفجر حتى تقضت وهي بكر الدهر ولغيره في هذا المعنى:
يا ليلة كاد من تقاصرها يعير منها العشاء في السحر
[ ٢ / ٧٧٢ ]
وقد أكثر الناس في قصر الليل وطوله، فمنهم من استهدف فيما وصف، ومنهم من عدل وأنصف، كقول بشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيف ألم وإنما أخذه من قول الأعرابي:
ما أقصر الليل على الراقد وأهون السقم على العائد وممن بلغ الغاية في الإنصاف، لو سلم له من الاستلاب والاختطاف، قول ابن بسام البغدادي:
لا أظلم الليل ولا أدعي أن نجوم الليل ليست تغور
ليلى كما شاءت فإن لم تجد طال وإن جادت فليلي قصير وهذا بجملته منقول، من قول علي بن الخليل، حيث يقول:
لا أظلم الليل ولا أدعي أن نجوم الليل ليست تزول
ليلى كما شاءت قصير إذا جادت وإن ضنت فليلي طويل وهذه السرقة كما قال بديع الزمان في التنبيه على الخوارزمي في بيت أخذ وزنه ومعناه وبعض لفظه: إن كانت قضية القطع تجب في الربع
[ ٢ / ٧٧٣ ]
فما أشد شفقي على جوارحه أجمع، ولعمري ما هذه سرقة، إنما هي مكابرة محضة، وأحسب أن قائله لو سمع هذا لقالك هذه بضاعتنا ردت إلينا؛ فحسبت أن ربيعة بن مكدم وعتيبة بن الحارث ما كانا يستحلان من النهب ما استحله، إنما كانا يأخذان جله، وهذا الفاضل قد أخذه كله.
وأخذه علي بن الخليل من قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان حيث يقول:
لا أسأل الله تغييرًا لما صنعت نامت وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها والليل أقصر شيء حين ألقاها وابن بسام في هذا كما قال الآخر:
وفتى يقول الشعر إلا أنه في كل حال يسرق المسروقا رجع:
وقال ابن فتوح:
وخل كان يألفني قديمًا مواصلة الصوادي للورود
فلما قل وفري صار يلقى تحياتي بلحظ من بعيد
برئت إلى البرية من إخاه كما بريء المسيح من اليهود
[ ٢ / ٧٧٤ ]
وقال:
ريم أروم الدهر منه على رغم العدا قربًا فما أقدر
كأنما غرته تحتها ماء عليه صارم يشهر
كأنما حمرته إذ بدت من فوقها نار بها تسعر
كأنها والصدغ قد شابها ذوب عقيق شابه عنبر
كأنما يهتز من برده غصن ببدر ساطع مثمر
كأنما الله لتعذيبنا ألبسه الحسن ولا أكثر قال ابن بسام: وتشبيهه صفاء الوجه وحمرته، بصفاء الماء وحمرة النار من مبتذلات الألفاظ، ومتداولات المعاني، وما أملح قول محمد بن هانئ:
افتك بهذا السامري الساحر وأذقه طعم المشرفي الباتر
كم قلت إذ نزهت في وجناته طرفي فما رجعت إليّ محاجري
ذا ويحكم ماء وجمر محرق فقد اشتفيت وما تروى ناظري وأخذه ابن هانئ من قول تميم بن المعز:
وبارزة بين أحبارها بروز الشموس لإسفارها
وقد فصلت بين ثقل الكثيب ولين القضيب بزنارها
ترى الماء والنار في وجهها قد امتزجا بين أبشارها
فلا النار تعدو على مائها ولا الماء يعدو على نارها
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وقول ابن فتوح " غصن ببدر مثمر " كقول بعض البصريين:
بأبي قضيب مثمر إثماره بدر الدجى
لما بدا لي سافرًا عنه نقدت له الحجى وقال ابن وكيع:
غصن ظل مثمرًا ببديع من الثمر
ما رأى الناس قبله غصنًا أثمر القمر وقال أبو الوليد بن زيدون القرطبي:
عذري إن عذلت في خلع عذري غصن أثمرت ذراه ببدر
هز منه الصبا فقوم شطرًا وتجافى عن الوشاح بشطر وقول ابن فتوح " كأنما الله لتعذيبنا " البيت ينظر إلى بيت من جملة هذه الأبيات لتميم بن المعز حيث يقول:
وساق يملأ العينين حسنًا رخيم دله يصبو ويصبي
شقائق خده باللحظ تسبي ولحظ جفونه بالغنج يسبي
له نبت على الخدين غض يصنفه فيتلف كل لب
تبارك من براه بلا شبيه وسلطه على قتل المحب
[ ٢ / ٧٧٦ ]
وقال ابن فتوح:
ومدامة صفراء عللني بها رشأ كغصن البان في حركاته
صهباء تغرب إن بدت من كفه في فيه ثم تلوح في وجناته وهذا من قول الآخر:
بدر بدا يشرب شمسًا بدت وحدها في الحسن من حده
تغرب في فيه ولكنها من بعد ذا تطلع في خده وقال الطليق المرواني المتقدم الذكر في شعر تقدم إنشاده:
فإذا ما غربت في فمه أطلعت في الخد منه شفقا وقال ابن فتوح:
ناولني الكأس على غفلة من ملأت ألحاظه الكاسا
ظبي إذا ما شمته شاربًا ذكرني شاربه الآسا وهذا من قول ابن برد وقد تقدم:
يا شاربًا ألثمني شاربًا قد هم فيه الآس أن ينبتا
[ ٢ / ٧٧٧ ]
وكذا بيته الأول من قول الآخر:
يا رب ساق يدير كأسًا تملؤه في الهوى جفونه
كأنما قده قضيب يهفو بلب اللبيب لينه وحدث ابن فتوح هذا عن نفسه قال: ماشيت غلامًا معذرًا كنت قديم الامتزاج به، والكلف بقربه، فلقيني بعض إخواني معه في جوف المسجد الجامع فسلم علي مضمرًا خبرًا ثم قال لي: مثالك في عصرنا مثال ذي الرمة في وقته، تقنعك الأطلال، وما شخص من آثار الديار؛ ففهمت عنه، وأنشدته قبل أن يستتم كلامه:
ما ربع معمورًا يطيف به غيلان أبهى ربًا من ربعها الخرب فقال: إلى متى يدوم غرامك بهذا الغلام، وهذه بنود عزله قد رفعت، وعقدت خلعه قد عقدت - فقلت: لا والله ما أرى بنود عزلة، ولا عقدت خلعة، وإنما أرى لامات مسك في صحيفة كافور، وسطور دجى في مهارق نور، فولى عني.
وكتبت إليه:
أيها العاند المفند جهلًا في هوى من قوام نفسي هواه
[ ٢ / ٧٧٨ ]
أنت تلحى على قضيب لجين عطفتني عن غيره عطفاه
كان صبحًا لعاشقيه فلما بقلت صفحتاه أغشي سناه
مثل ضوء الهلال يزداد ضعفًا نوره إن دجت له أفقاه وقال أيضًا:
نشر الغمام رداءه فتقنعت خجلًا به للناظرين ذكاء
فكأنه ستر تشير بمقلة مطروفة من خلفه عذراء
وكأنها إذ مده من تحتها سر تضيق بكتمه الظلماء وهذا كقول ابن عبد ربه:
نهار لاح في سربال ليل فما عرف الرواح من البكور
وعين الشمس ترنو من بعيد رنو البكر من خلف الستور وابن المعتز القائل قبلهما:
تظل الشمس ترمقنا بطرف خفي لحظه من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو يأبى كعنين يحاول نكح بكر
[ ٢ / ٧٧٩ ]
وتابعه ابن الرومي فقال:
واليوم مدجون فجونته ما بين مطلع ومحتجب
ظلت تلاحظنا وقد بعثت ضوءًا يلاحظنا بلا لهب ومحمد بن سيق من غلمان ابن أبي عامر:
فكأن الشمس بكر حجبت وكأن الغيم ستر قد سدل وقال ابن فتوح يصف الشمع:
ولما دجا الأفق واغرورقت بكواكبه وسط لج السحب
نصبنا له قضبًا صاغها من التبر صائغها للعجب
ودارت نجوم من الراح في بروج التصابي بأفق الطرب
وهز نسيم الصبا عطفه وقام خطيب الصبا فاختطب
تجهم وجه السما إذ رأى سرور الورى بتهادي النخب
كأن السحاب به إذ بدت بخات على غيمها ترتكب
تسير ويقرعها رعدها لتعدو بسوط له من ذهب
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وهذا كقول ابن برد وقد تقدم إنشاده:
بخاتي توضع في سيرها وقد قرعت بسياط الذهب وقول ابن فتوح في صفة الشمع من قول أبي الفضل الميكالي:
وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبر نصبنا لداجيه عمودًا من التبر
[يشق جلابيب الدجى فكأنما نرى بين أيدينا عمودًا من الفجر]
تبدى لنا كالغصن قدًا وفوقه شعاع كأنا منه في ليلة القدر
تحمل نورًا حتفه فيه كامن وفيه حياة الأنس واللهو لو يدري
تراه يدب الدهر في بري نفسه وقد كان أولى أن يريش ولا يبري
إذا ما عرته علة قط رأسه فيختال في ثوب جديد من العمر وهذا كقول ابن المعتز:
وصفراء تونس جلاسها بقد يقطع أنفاسها
تبيت تقضي لباناتنا وتعمل في نفسها باسها
ولم أر من قبلها مثلها تعيش إذا قطعوا راسها وهذا المعنى يتطرف قول العباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقد نال به العاشقون من عشقوا
[ ٢ / ٧٨١ ]
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق وقال بعض أهل عصرنا وهو أبو القاسم بن مرزقان يصف شمعة أقيمت بجانب مطيب نرجس:
وشمعتين يروق الشرب حسنهما نور ونار مجال فيهما البصر
فذي تموت إذا ما نالها بلل وذاك يحيا إذا ما عمه المطر ووقفت على رأس ذي الوزارتين ابن خلدون وصيفة في يدها شمعة فقال:
يا شمعة تحملها أخرى شبهتها شمسًا علت بدرا
امتحنت إحداهما مهجتي بمثل ما تمتحن الأخرى وقال أيضًا غيره من أهل العصر:
وقد أنهبوا جنح الدجى كل شمعة كأن سناها من محياك أو فكري
بآية ما تبكي وفي النار صدرها وقد جمدت عيناي والنار في صدري
وقد نصبوها رزدقًا بعد رزدق كما أشرعوها تحت ألوية الخمر
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وهذا كقول أبي الفضل البغدادي من جملة أبيات تأتي في أخباره من القسم الرابع:
فنارك من جمر وناري من هجر وصدرك في نار وناري في صدري وقال أبو الفضل الميكالي:
يا رب غصن نوره يزري بنور الشفق
يظل طول عمره يبكي بجفن أرق
صفرته تخبر عن عشق ولما يعشق
نار المحب في الحشا وناره في المفرق
لاح لنا في مغرب فردنا في مشرق وقال أيضًا فيها:
أعددت لليل إذا الليل غسق وقيد الألحاظ من دون الطرق قضبان تبر عريت من الورق يغني الندامى ضوؤها عن الفلق شفاؤها إن مرضت ضرب العنق وقال:
وقضيب من بنات النح ل في قد الكعاب
[ ٢ / ٧٨٣ ]
يشبه العاشق في لون ودمع والتهاب
كسي الباطن منه وهو عريان الإهاب
فإذا ما أنعم الأبدا ن ملبوس الثياب
فهو للشقوة في بلاء وكذاب وقال الأسعد بن بليطة:
لنا شمعة نيطت ذراها بشعلة كحية تبر نضنضت بلسانها
إذا عثر الساقي بذيل من الدجى نحنا له نحر الدجى بسنانها
تموت إذا ما قبلت خد حائط فثبت خالًا فوقه من دخانها
كأن الجدار امتص جوهر روحها ولم يستسغ منها سويدا جنانها وقال أبو العلاء المعري:
وصفراء لون التبر مثلي جليدة على نوب الأيام والعيشة الضنك
تريك ابتسامًا دائمًا وتجلدًا وصبرًا على ما نالها وهي في الهلك
ولو نطقت يومًا لقالت محقة تخالون أني من حذار الردى أبكي
فلا تحسبوا دمعي لوجد وجدته فقد تدمع العينان من شدة الضحك وقال أبو فتوح وقد استهدي مقصًا فبعث بها وكتب معها:
خذها إليك فإنها مخلوقة من فطنة مشبوبة وذكاء
تحكيك في دفع الملم لأنها ولعت بشق حناجر الأعداء
[ ٢ / ٧٨٤ ]
قال ابن بسام: وقد نهى بعض الظرفاء الأدباء عن إهدائها واستهدائها، قال الفقيه ابن قالوص في ذلك:
إعطاء مثلي للمقص نقيصة وأرى إعارتها أجل العار
إن المقص حكت بصورة شكلها " لا " والجواد ب - " لا " لئيم نجار وهذا من الاختراع البديع، والتشبيه المطبوع. وتشبيه ابن فتوح صديقه بالمقص من الوصف القبيح مما مال فيه إلى العقوق، وعدا به سواء الطريق. ومتى كانت المقص تشق الحناجر، وتجر الجرائر، كأنه لم يسمع قول الآخر، وهو ابن الرومي:
وما تكلمت إلا قلت فاحشة كأن فكيك للأعراض مقراض وهذا بالمقص أشبه، وعلى تفاهة قدره أنبه. ولم أسمع في المقص أحسن من قول ابن الرومي أيضًا يصف قوادة:
تسعى لكي تجمع وسطيهما كأنها مسمار مقراض وسميت المقص لملازمتها القصاص، وهو أطراف الشعر.
وقال ابن فتوح في صفة نحلة:
وطائرة تخفى كأن جناحها ضمير خفي لا يحدده وهم
منافرة للإنس تأنس بالفلا مرقرقة للشهد من بعضها السم
فادناؤها وهتك حجابها إذا احتجبت في غير إبانها ظلم
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وحدث ابن فتوح أيضًا عن نفسه قال: كنت ليلة في رمضان أطوف بالمسجد الجامع بالمرية سنة ثلاثين، وإذا فتى حسن المنظر، فسلم علي سلامًا ارتاحت له نفسي، وانشرح له صدرين فرددت عليه رد من توسم فيه سمة الفهم، فقال لي: بحرمة الأدب إلا ما أعدت علي البيت، فأعدته، وأنشدته سائر الأبيات، فقال: الشعر؛ ثم قال لي: إنما أخذته من قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي تروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى فأين حلاوات الرسائل والكتب! - فقال: وريت بك زنادي، فأخبرني عن السبب الموجب لترديدك البيت، قلت له: منيت بخل مولع بالخلاف، مائل إلى قلة الإنصاف، إن لاينته غضب، وإن استعتبته عتب، وقد علم الله شفقة نفسي لفرقته، فقال: قلب الله لك قلبه، وجنبك عتبه. ثم ولي عني وقد غرس في كبدي ثمرة وده، قبت الليلة مستأنسًا بخباله، جذلان بوصاله، حتى رأيت غرة الفجر تلمع في كفل الدجى، فخلته بحرًا تسرب في جدول، أو
[ ٢ / ٧٨٦ ]
عجاجًا سل من تحته منصل؛ فقمت ثابتًا على قصده، فلم ألبث أن سمعته ينشد ويطلب منزلي، فقرع الباب وأذنت له فدخل، فرحبت به، وقمت إليه، وأقبلت عليه؛ فقال لي: يا ابن الكرام، إن هذا يوم قد بكى ماء غيمه، ونبض عرق برقه، وخفق قلب رعده، واغرورقت مقلة أفقه، ونحن لا نجد الخمر، فبم نقطع تأويبه - فقلت: الرأي إلى سيدي أبقاه الله، فقال لي: كيف ذكرك لرجال مصرك، ووقوفك على شعراء عصرك - قلت: خير ذكر. فقال: من أعذبهم لفظًا، وارجحهم وزنًا - قلت: الرقيق حاشية الظرف، الأنيق ديباجة اللطف، أبو حفص ابن برد. قال: فمن أقواهم استعارات، وأصحهم تشبيهات - قلت: البحر العجاج، والسراج الوهاج، أبو عامر ابن شهيد. قال: فمن أذكرهم للأشعار، وأنظمهم للأخبار - قلت: الحلو الظريف، البارع اللطيف، أبو الوليد بن زيدون. قال فمن أكلفهم بالبديع، واشغفهم بالتقسيم والتتبيع - قلت: الراتع في روضة الحسب، المستطيل بمرجة الأدب، أبو بكر إبراهيم بن يحيى الطبني، فأنشد:
وخاطب قسًا في عكاظ محاورًا على البعد سحبان فأفحمه قس
[ ٢ / ٧٨٧ ]
@فصل في ذكر الأديب أبي بكر بن ظهار وإثبات جملة
@مما وجدت له من الأشعار
وكان أبو بكر هذا من فتيان الأدباء في ذلك الأوان، ثم اعتبط وماء معرفته غير ممتاح، وركن إبداعه غير مراح، في شرخ شبيبته وأوان ظهوره، ولولا ذلك لبز أهل الآفاق، رقة وحسن مساق. وأكثر ما وجدت من شعره ففي مدح أبي المغيرة بن حزم، إذ كان قد ميزه تمييز مثله من صيارفة النثر والنظم. وحدثت عن بعض من جعل الانتجاع بهذا العلق الذي نحن في إقامة أوده [من أجل ذخائره وعدده]، أنه انتجع أبا بكر بن ظهار، وكان من الإقلال في غاية، ومن قلة ذات اليد في نهاية، وقصده في ذلك بخمسة أبيات شعر أنشدتها سقطت من ذكري، فباع ابن ظهار ثوبه ووجه إليه بثمنه، وكتب إلى مستمنحه بهذه الأبيات:
يعز على الآداب أنك ربها وأنك في أهل الغنى خامد النار
وخمسة أبيات كأنك قلتها بهاء وإشراقًا من القمر الساري
طلبت لها كفؤًا كريمًا من القرى فقصر باع المال عن نيل أوطاري
سوى فضلة لا تستقل بنفسها وأقلل بها لو أنها ألف دينار
بعثت بها لا راضيًا لك بالذي بعثت به إلا فرارًا من العار
[ ٢ / ٧٨٨ ]
ومن شعره قوله:
والله ما أربي من الدنيا إلا المدام ووجه من أهوى
فإذا نظرت إلى صفائهما لم يبق لي أمل ولا دعوى وقال:
صبغوا غلالته بحمرة خده وكسوه ثوبًا من لمى شفتيه
فتخاله في ذا وتلك كأنما نثر البنفسج والشقيق عليه وقال:
من لي بداني المحل ناء تراه عيني ولا أناله
لا وصل لي منه غير أني أقول للناس كيف حاله وقال:
عللاني فإنما أنا حيث جاد روض الهوى من الوصل غيث
وكأن الظلام لما تولى نمر راعه من الفجر ليث
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وقال:
أما ترى بدر الدجى مشرقًا يضحك من نور ضحك -
كأنما ينثر من نوره في الأرض كافورًا على مسك وقال:
إذا أردت صباحًا فانظر إلى وجه ساقيك
فقد أطلت سؤالًا يا قوم هل غرد الديك
ماذا تريد بصبح أو أين ترقى أمانيك
وللنجوم مدار عليك والبدر يسقيك @ - فصل في ذكر الأسعد بن إبراهيم بن أسعد بن بليطة
" سرد المعاني أحسن السرد، وافترس المعالي كالأسد الورد، فأبرز درر المحاسن من صدفها، وأحرز ما شاء من فخر الإجادة وشرفها ".
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وأصله كان من حضرة قرطبة، وتردد بأقطار الجزيرة شرقًا وغربًا، وكان بها في وقته أحد الغرائب، وأعجوبة في عيون العجائب؛ عالم بما يريشه ويبريه، على لوثة - زعموا - كانت فيه؛ وكان بعيد الهمم، بليغًا بالسيف والقلم، تردد على ملوك الطوائف بالأندلس، فارس جحفل، وشاعر محفل، فجرى في الميدانين، وارتزق في الديوانين. ولم أظفر من شعره في حين إخراجي هذه النسخة من هذا المجموع إلا بقليله؛ ولا بأس - بحمد الله - من الزيادة فيه؛ وقد أثبت منه ما يعترف بحقه، ويعرف به مقدار سبقه.
@ما أخرجته من شعره في النسيب وما يناسبه من الأوصاف
قال:
لو كنت شاهدنا عشية أمسنا والمزن تبكينا بعيني مذنب
والشمس قد مدت أديم شعاعها في الأرض تجنح غير أن لم تذهب
خلت الرذاذ برادة من فضة قد غربلت من فوق نطع مذهب وقال:
ظلت به والدموع جارية أقبل الجيد منه والليتا
تقطر درًا حتى إذا وردت روضة خديه عدن ياقوتا
[ ٢ / ٧٩١ ]
وهذا من قول الحسن، وزاد في التشبيه، فأجاد ما أراد فيه، وهو:
وقد غلبتها عبرة فدموعها على خدها بيض وفي نحرها صفر وقال:
ليس ليوم البين عندي سوى مدامع نجيعها سكب
كأنما فض بأجفانها رمانة فانتشر الحب وقال:
عوذت قلبي منه بكل ما يتعوذ
كأنما خده وال عذار حين تأخذ
تفاحة علقت في سلاسل من زمرذ وقال:
قمر لوى من فوقه من صدغ غالية حنش
ودنا ليلثم جمرة من وجنيته فانكمش وأملح من هذا التشبيه، قول تميم بن المعز فيه:
طمعت تقبله عقارب صدغه فاستل ناظره عليها خنجرا
[ ٢ / ٧٩٢ ]
وقال محمد بن هانئ:
وكأن صفحة خده وعذاره تفاحة رميت لتقتل عقربا وقال الأسعد:
من رأى الورد تحت قطر نداه لم يعب فوق وجنتي جدريا
أنا شمس أردت في الأرض مشيا فنثرت النجوم حليا عليا وهذا كقول ابن السراج النحوي صاحب كتاب " الأصول ":
لي قمر جدر لما استوى فزاده حسنا وزادت همومي
كأنما غنى لشمس الضحى فنقطته طربا بالنجوم وقال الأسعد في سمج بين مليحين:
أما ترى الدهر بما قد أتى من حسن هذين وهذا السمج
كدرتي عقد على ثغرة بينهما واسطة من سبج
[ ٢ / ٧٩٣ ]
وقال يصف الخيلان:
تتنفس الصهباء في لهواته كتنفس الريحان في الآصال
وكأنما الخيلان في وجناته ساعات هجر في زمان وصال قال ابن بسام: وهذان النوعان من وصف الجدري والخيلان غير موجودين في أشعار المحدثين والمولدين والعصريين إلا في النادر، وأنا أنشد في هذا الموضع بعض ما تعلق من ذلك بحفظي، ووقع في شرك صدري. قال الشيخ أبو مروان بن سراج:
جدرت فقالوا بها علة ستقبح بعد بآثارها
ألا إنها روضة نورت فزادت جمالا بأنوارها وقال أبو عامر ابن عبدوس القرطبي:
أكثر الحاسدون فيك فقالوا جدري بدا على وجنته
ويحهم ما دروا بأنك ورد نثر الجوهر النفيس عليه
ونجوم السماء أسرى حلاها وجمال الوشاح في طرتيه ولأبي زيد بن العاصي:
عابه الحاسد الذي لام فيه أن رأى فوق خده جدريا
إنما وجهه هلال تمام جعلوا برقعا عليه الثريا
[ ٢ / ٧٩٤ ]
ولأبي تمام بن رباح:
[أوقدت قلبي فارتمى بشرارة في صحن خدك فانطفت في مائه] وله أيضًا:
خدك مرآة كل حسن تحسن من حسنها الصفات
ما لي أرى فوقه نجوما قد كسفت وهي نيرات - وأنشدني أبو محمد بن فرج الجياني لنفسه يصف خالين بخد غلام أحدهما أصغر من الآخر:
إني ضعفت عن الهوى قد صادفني عبد القوي بلحظ ريم أحور
أبصرت في الحمام منه محاسنا حسن بلوى قلبي المتحير
جسم من البلور يطفو فوقه عرق تبدى مثل نظم الجوهر
ونجده خالان أما واحد فيلوح والثاني كأن لم يظهر
فكأنه من حسنه بدر الدجى كسف السهى في صحنه والمشتري وأنشدني أبو بكر الداني لنفسه:
بدا على خده خال يزينه فزادني شغفا فيه إلى شغف
كأن حبة قلبي عند رؤيته طارت فقلت لها في الخد منه قفي
[ ٢ / ٧٩٥ ]
رجع:
وقال الأسعد يصف النفط:
والنفط مهما افتر فوه فاغرا أجرى لسان النار فوق الماء
فكأنه ذهب بدا في صارم أو رجع برق في أديم سماء وله:
وتلذ تعذيبي كأنك خلتني عودا فليس يطيب ما لم يحرق وهو مأخوذ من قول ابن زيدون:
تظنونني كالعود حقا وإنما تلذ لكم أنفاسه حين يحرق وقال في أسود:
يا رب زنجي لهوت به الشمس عند سناه ممقوته
محدودب قد غاب كاهله في منكبيه فلا ترى ليته
قد حكم التجعيد لمته فتراكمت فكأنها توته
وإذا سعى بالكأس تحسبه جعلا يدحرج فص ياقوته
وكأنه والكأس في يده نجم رمى في الجو عفريته
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وأخذ هذا التشبيه من قول [بعض أهل أفقنا وهو] ابن زرقون في الكميت الشاعر:
تأملت الكميت وقد علاه من الأثواب ثوب ذو احمرار
فقلت لصاحبي جعل تمشى لعمري في ثياب الجلنار ومن قديم هذا التشبيه قول الفرزدق في نصيب وقد لبس ثيابا بيضا:
كأنه لما بدا للناس أير حمار لف في قرطاس وقال ابن بليطة الأسعد:
وزورق أبصرته عائما وقد تمطى ظهر دأماء
كأنه في شكله طائر مد جناحيه على الماء وأنشدني أبو بكر الخولاني المنجم قال: أنشدني ابن بلطية الأسعد لنفسه:
رأيت ليوسف في بيته فخربه الله بين البيوت
[ ٢ / ٧٩٧ ]
حصير صلاة علاه الغبار وقد نسجت فوقه العنكبوت
فقلت له: كم لذاك الحصير وكم لك لم تقر فيه القنوت
فقال: هنالك ألفيته وثم يكون إلى أن أموت وأنشدني له أيضًا:
أحبب بنور الأقاح نوارا عسجده في لجينه حارا
أي عيون صورن من ذهب ركب فيها اللجين أشفارا
إذا رأى الناظرون بهجتها قالوا نجوم تحف أقمارا
كأن ما أصفر من موسطه عليل قوم أتوه زوارا
كأن مبيضه صقالبة صاروا مجوسا فاستقبلوا النارا
كأنه ثغر من هويت وقد ألقيت فيه بفي دينارا وأنشدني له أيضًا من قصيدة أولها:
أرجي عساه في الهوى ولعله ولو وصفوا حال العليل لعله
خليلي من نعمان ما أكثر الهوى لجاجا وصبري في الهوى ما أقله ومنها:
فلا تضربن حدا بحد فإنه إذا السيف لاقى مضرب السيف فله
[ ٢ / ٧٩٨ ]
@ومن شعر الأسعد في المديح وما يتصل به
له من قصيدة في ابن صمادح أولها:
برامة ريم زارني بعد ما شطا تقنصته في الحلم بالشط فاشتطا
رعى من أناس في الحشا ثمر الهوى جينا ولم يرع العرار ولا الخمطا
خيال لمرقوم البنان براعة تأوبني بالرقمتين فذي الأرطى
فأنشقني من خده روضة المنى وألثمني من صدغه حية رقطا
كأن الدجى جيش من الزنج نافر وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا [منها في وصف الديك:
كأن أنو شروان أعلاه تاجه وناطت عليه كف مارية القرطا:
وطائر حسن بالسقاة موكل بحب قلوب الشرب يلقطها لقطا]
توهم عطف الصدغ نونا بخده فبات بمسك الخال ينقطه نقطا وهذا كقول ابن المعتز:
غلالة خده صبغت بورد ونون الصدغ معجمة بخال
[ ٢ / ٧٩٩ ]
محيرة الألحاظ من غير سكرة متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا
أرى صفرة المسواك في حوة اللمى وشاربك المخضر بالمسك قد خطا
عسى قزح قبلته فإخاله على الشفة اللمياء قد جاء مختطا
وسارية خلنا تلألؤ برقها سلاسل تبر والظلام قد اشمطا
فبتنا نخال الجو بحرا قد أرسلت على متنه كف البروق له نفطا
وباتت نخال الجو بحرا قد أرسلت على متنه كف البروق له نفطا
وباتت تثير المسك من هجعة الثرى رياض ترى للنور في فرعها وخطا
حيا أبا يحيى بن معن أجازها فعلمها من كفه الوكف والبسطا
تألف من در وشذر نجاره فجاءت به العليا على جيدها سمطا
أقول لركب يمموا مسقط الندى وقد جاور الركبان من دونها السقطا
أفي المجد يبغي لابن معن مناقض ومن يوقد المصباح في الشمس قد أخطا
ولو قابل الشمس المنيرة أظلمت سناها ولو أوما إلى البدر لانحطا وله من أخرى في المعتضد:
عليك عقلت مطي الأمل وفيك اعتقلت بزرق الأسل
وفيك تنسمت زهر العلا جنيا وروض العلا قد ذبل
كأنا ومجدك يسمو بنا ذبال أمدت إليها شعل
أيا ملكا راع سرب العدا وأمن سرب الصريح الجلل
أتصبح بحرا معين الجدا ويكرع عبدك ذا في وشل
[ ٢ / ٨٠٠ ]
فتى سأرتك أمانيه من أقاصي الشواهق حتى نهل
أعد لأعدائكم صعدة ونصلا جرازا وطرفا رفل
جهاز ابن هيجاء علامة بطعن الكلى وبضرب القلل
وشخت الحواشي لمن سامه رحاب الخليقة في من يحل
تنسم إذا شئت ريحانة وهز إذا شئت عضبا أفل
فمثلي لدى ملك ماجد يهان ويقصى لكي يرتحل -
أبثك من بجري بعضها فجلدي بكتمانها قد نغل
ولست أريد الذي قد مضى فقد سبق السيف فيه العذل
فلا غيض بحرك غيث الورى فنحن الرياض وأنت السبل @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز
من مشاهير الأدباء الشعراء. وأكثر ما اشتهر اسمه وحفظ نظمه في أوزان الموشحات التي كثر استعمالها عند أهل الأندلس. وقد ذكرت فيما اخترت في هذا القسم من أخبار عبادة بن ماء السماء من برع في هذه الأوزان من الشعراء. وهذا الرجل ابن القزاز، ممن نسج على منوال
[ ٢ / ٨٠١ ]
ذلك الطراز، ورقم ديباجه، ورصع تاجه. وكلامه نازل في المديح، فأما ألفاظه في هذه الأوزان من التوشيح فشاهدة له بالتبريز والشفوف، وتلك الأعاريض خارجة عن غرض هذا التصنيف.
فصل له من رقعة خاطب بها أبا بكر الخولاني المنجم يقول فيه:
إن لم تتقدم بيننا مخاطبة، ولا جرت بيننا مكاتبة، فقد علم الله تعالى أن ودادي لك محض لا يشوبه كدر، وأن ثنائي عليك غض يتضوع تضوع الزهر، فحال قدري لوصفك الجليل، مطرزة بذكرك الجميل، وتيجانه على مفارق مجدك الأثيل، مرصعة بلآلئ حمدك الجزيل. وكنت عند حلولك بالمرية، قد باشرت من أفعالك السنية، وشهدت من محاضرك الحسان، ما يكل عن وصفه كل لسان؛ وما زلت مذ غبت عنها - لا غاب نجم سعدك، ولا أصلد واري زندك - أذكر مآثرك، وأنشر مفاخرك، وأبث ما عاينت من مناقبك، كالذي يتعين من واجبك، أعان الله على أدائه، والقيام بأعبائه. ولما بلغنا ما سناه الله من التأييد والتمكين، والظهور على المشركين، بسعد المعتمد على الله، نظمت بعض ما سمعته من ذلك الخبر السار، ووصفت ما حاز فيه من الفخار؛ ولم تطب نفسي - فاديتك - على الإرسال بما قلت إلا لعلمي بجدك فيما يعول فيه عليك، وأشرت إلى ما تراه، وتقف عليه إن شاء الله؛ فلك الفضل في توصيل ذلك إليه، وتقبيل الكريمتين عني يديه؛ فإن نجح السعي وساعد السعد، فمن عندك أرى ذلك، فأنت المشارك المشكور على اهتبالك؛ ولولا جوائح جرت علي، فقصت جناحي وسلبت ما لدي، لأمضيت عزمي، وكنت مكان نظمي.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
ومن قصيدته التي بعث بها يومئذ قوله في أولها:
ثناؤك ليس تسبقه الرياح يطير ومن نداك له جناح
لقد حسنت بك الدنيا وشبت فغنت وهي ناعمة رداح
ثناؤك في طلاها حلي در وفي أعطافها منه وشاح
تطيب بذكرك الأفواه حتى كأن رضابها مسك وراح
ملكت عنان دهرك فهو جار كما تهوى فليس له جماح
فداك ملوك هذا العصر طرا فإنك ضيغم وهم لقاح
وأنت بكل ما تحوي جواد وهم بأقل ما حازوا شحاح
فزندك في العلا والحرب وار ولا زند لهم إلا شحاح
جزاك الله خيرا عن بلاد محا عنها الفساد بك الصلاح
جنبت إلى الأعادي أسد غاب براثنها المهندة الصفاح
وقدتهم فكان لهم ظهور ولولا الشمس ما ظهر الصباح
وقفت وموقف الهيجاء ضنك وفيه لباعك الرحب انفساح
وألسنة الأسنة قائلات قفوا هذا المؤيد لا براح
محمد بن عباد هزبر لعباد المسيح بدا فطاحوا ومنها:
رأى منه أبو يعقوب فيها عقابا لا يهاض له جناح
فقال له لك القدح المعلى إذا ضربت بمشهدك القداح
[ ٢ / ٨٠٣ ]
في أبيات غير هذه ثابتة في القسم الثاني من هذا المجموع، إذ لها موقع بذلك الموضع:
وله من أخرى:
يا دوحة بظلاها أتفيأ بل معقلا آوي إليه وألجأ
رمدت جفوني مذ حللت هنا ولو كحلت برؤيتكم لكانت تبرأ
فخبئت عنك وإنما أنا جوهر في طي أصداف الحوادث أخبأ
يا من إذا انتسب البرايا للثرى فله من الشمس المنيرة ضئضئ
لم أخترع فيك المديح وإنما من بحرك الفياض هذا اللؤلؤ
أما بنو عبد الحميد فإنهم زهر وأنت هلالها الملالئ
فخر الزمان بنا لأنك حاتم في جوده ولأنني المتنبئ وأنشدني أبو بكر الخولاني المنجم، قال أنشدني أبو عبد الله القزاز لنفسه:
أبا عامر ماذا أتيت من العار فها أنت من ثوب العلا في الورى عاري
تبدلت شرطيا بصاحب شرطة كريم نجار النفس ممتنع الجار
فأصبحت كالطرطور كان لسيد فأخلق حتى صار في رأس عيار
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وله في رجل قراق من أهل جيان:
أوغاد أهل المرية افترسوا عرسك يا وغد أهل جيان
قراقهم أنت غير أنهم قد بشروا رأس قافك الثاني وقال:
شابت وزارة عصرنا فأشبها عبد العزيز
فكأنما هو يوسف وكأنها امرأة العزيز وقال:
انظر الفحم قد علاه بياض وكسا لون وجهه تتريبا
لون شعر الشباب كان ولكن حرق النار أورثته المشيبا @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن مالك الطغنري من غرناطة
لم أقف من ذكر هذا الرجل إلا على أبيات من شعره، وفصلين من نثره، ويستدل على الشجر، بالواحدة من الثمر، ومع قلته فإنه يعرف أنه صدر أديب ذو حفظ كثير وأدب غزير.
فصل له من رقعة يصف فيها السوط الذي يجلب لحث الخيل من المغرب: وتوأم هذا الجواب - أعزك الله - البعثة بالمحثة؛ وقد تخيرتها
[ ٢ / ٨٠٥ ]
عقيلة أتراب، كريمة أصحاب، تسمو بالنسب البحري، وتتيه بالنصاب الملوكي، قد أشبهت سرق الحرير لمسا، واشتق اسمها منه، ودعج الآبنوس لبسا، محكي لونها عنه، كأنما استلت من ظهر حية، أو حلت من أكارع طلا موشية، عنوان عزة، وجمال بزة، ودليل إنافة، وخليفة خيزران الخلافة، أبهى في أيدي الصيد، من طرر الغيد؛ وأحسن على أعناق الجرد، من قطاطي المرد؛ وكأني بالفقيه، يحرك رأسه عند هذا التشبيه، فيقول: الصدق على الألمعي لا يبطئ، وفراسة المؤمن لا تخطئ، كل على شاكلته يفعل ويقول، ومن جرابه يزن ويكيل، ويظن ما يظن، غفر الله له، وبعد رغبة له ورغبة فيه، أقول:
يا معلم العلماء يا زين الندى لله درك من فقيه أوحد
أكثرت إطرابي فظني أنني أصبحت من وعر العتاب بقردد
ما حق ذاك السوط سوط مدائح أصبحت منها بالمكان الأبعد
لما أتى سمعي فخرت شطارة وطردت مني منكبي متمرد
فامنن ببسط العذر في تأخيره منا أرد منه بأعذب مورد
وانعم بأيام أرق من الهوى وألذ من وصل الحبيب المسعد
تا الله إقسام المحب لما حبا دهري بأكرم منك علقا في يدي
أنت الوهوب أخو التفضل طالبا وأنا إذا قبلت يداك المجتدي
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وله من أخرى خاطب بها والد غلام تناول بره في الحمام، قال فيها:
ولا ظهير إلا فريخ لي رطيب العظام، لم يقنأ دمه، ولا ثغر فمه، ولا انعقد مخه، ولا دعاه من الشباب شرخه؛ فعلى هذه الحال ما وكل بي النجيب ابنك - دامت به قرة العين - عينا راعية، وبترجيعي على علاة الحال أذنا واعية، فانتشاني من ذلك المقام بيد طالت أيدي المتطاولين إلى ركني، في سماء بعد على أرشية الأذرع هواؤه، وقعد عن القائم ماؤه، فوشكان ما استفرغ لي منه جمة المجهود، وقرب العدم من الوجود؛ وطاف علي منها بأكواب كما رأيت مقلة المشرق في دمعها المغرق، وسمعت بجابية الشيخ العراقي تفهق، وطرف ذلك بنبذ من أدبه البارع، كنبذ الزراع، ولمح من نظمه الساطع كبرقه اللامع.
وأنشدت لبعد الرحمن بن عبد الرزاق وزير عبد الله الأمير -[كان بها - من قصيدة أولها]:
بخل الظاعنون بالتسليم فأعاروا الجفون سهد السليم
[ ٢ / ٨٠٧ ]
وطوى كل مطمع فيهم اليأ س فإن مت مت غير مليم
ما عليهم لو ودعوا مستهاما ذا غرام مغرى به كالغريم
قلت يوما وقد أتت منبت البا ن فأزرت بكل خوط قويم
علمي القضب منك حسن التثني فبها حاجة إلى التعليم
علمتها سفك الدماء كماة لم يرقوا يوم النوى لمقيم
أيأسوا من إسعاد سعدى ومن إن عام نعم ورشف ظلم الظلوم وله من أخرى:
صب على قلبي هوى لاعج ودب في جسمي ضنى دارج
في شادن أحور مستأنس لسان تذكاري به لاهج
ما قدر نعمان إذا ما مشى ومن عسى يبلغه عالج -
فقده من رقة مائس وردفه من ثقل مائج
كأن ماء الحسن في خده مدامة شعشعها المازج
عنوان ما في ثوبه وجهه تشابه الداخل والخارج
فلا تقيسوه ببدر الدجى ذا معلم الوجه وذا ساذج @فصل في إيراد أشعار رثي بها الوزير الفقيه أبو مروان بن سراج
@﵀ بحضرة قرطبة مع ما يتشبث بها ويذكر بسببها
وهي جملة قصائد لغير واحد من أهل العصر، منهم من يأتي ذكره
[ ٢ / ٨٠٨ ]
فيما بعد، ومنهم من لم يسمح بإثبات شعره النقد. وقد وجدت الكاتب أبا الوليد بن طريف قد أثبت في جزء لطيف جملة هذه القصائد، ولم يسلك فيها أسلوب ناقد، ضنانة منه بخطها من التسامي بالمؤبن بها، وتثبيتا لذكر اسمه المطرزة به حواشيها، فنشر طي كل نسيجة عن منوالها، وأثبتها بحالها. وقد أثبت أنا منها ما يليق بالكتاب، فرارا من الإطناب؛ وسردت الفصل الذر أدار أبو الوليد عليه رحاه، وقدمه صدقة بين يدي نجواه.
قال أبو الوليد: وكان أبو مروان عبد الملك بن سراج فذ العصر، وعلم الفخر، وبقية حسنات الدهر، ونخبة أهل التقدم في شرف النصاب، وكرم الأحساب، ونسبه في كلاب بن ربيعة؛ أصاب سلفه سباء قديم صيرهم أولا في ولاء بني أمية بالمشرق، فكانوا في عداد مقدمة الموالى المروانيين، وصدروا في عظمائهم، ثم اتصلت نباهتهم بالأندلس يرثها خالف عن سالف، ويخلفها عن تالد طارف، مع صيانة وعفة وكرم طعمة، وعلو نفس وشرف همة، وعدول عن خدمة السلطان، وتنزه عن التصرف فيها والامتهان، وانحياش إلى طلب الديانة وانحطاط في شعب طريقة السلف الصالح؛ ويؤثر أن سراج ابن قرة الكلابي صاحب رسول الله ﷺ هو جدهم الذي
[ ٢ / ٨٠٩ ]
إليه ينتمون، وناهيك بذلك شرفا مؤثلا، وفخرا خالدا مؤبدا؛ فتمسكوا بالانقباض عن التكالب على الدنيا، على أنها كانت متصدية لهم لو جنحوا إليها، ومعرضة لهم لو أقبلوا عليها، بل اقتصروا على مكاسبهم الطيبة وترقيح رفيع معايشهم، من فاشي ضياعهم المنتشرة المغلة، مقتعدين غارب الوقار والتجلة، أيام الصلاح وزمان الجماعة؛ ثم استمروا على طريقتهم تلك في مدة الفتنة وأمد المحنة، عند تقلص الأموال، وذهاب الأحوال، وفشو الاختلال، لم يفارقوا مع تزلزل الأقادم، وتقلب الأيام، وذهاب السلطان، وتضعضع الأركان، مركزهم من الصيانة، ولا أخلوا بكريم عادتهم من التحلي بها، والتزيي بباهر رونقها، ولا انحطوا عن رفيع مرتبتهم من نفاسة المأخذ والسيرة التي آثروها، ولا انسلخوا من حلة القناعة، إلى أن درج من درج منهم، وستر التجمل ضاف لديه، وظل الجلالة مكتنف له ومشتمل عليه.
ثم نشأ هذا الشيخ أبو مروان فيهم محيي [رسم] علم اللسان بجزيرة الأندلس ومقيم أوده، ومسدد رزيغه، ومثقف معوج قناته، وموضع معضله، ومجلي غياهب مشكله، وجامع مفترق أدواته، وحاوي قصب السبق في إحراز بعيد غاياته، وتجاوز أقصى نهاياته، وأعلم به من كل من شددت إليه الأقتاب، وأنضيت في طلب ما عنده الركاب؛ ولقد كان في ذلك كله آية من آيات الله معجزة، وندرة من ندرات الأيام معجبة، ونورا ساطعا، وجوادا سابقا، مع متانة الدين، وصحة اليقين، وجلالة المأخذ، وجزالة المقطع، وصلابة القناة في الحقائق، وقلة الإدهان فيها
[ ٢ / ٨١٠ ]
وملازمة الجد في جميع الأحوال، ومشهود الثقة فيما يتقلده، وبراعة الإيجاز فيما يلقيه ويورده، وحسن التأدية، وقرب الإفهام، وتذليله كل صعب المرام، والتبيين في الرد والإقناع في الجواب، وترك الجدال والمراء، والبعد عن العجب والخيلاء؛ لعظيم ما كان يحمله، وجليل ما ينتخله، وخطير ما يشتمل عليه صدره، ويجيش به بحره، ويشخو به ذكره، وتفيض به مواد معرفته، وتنهل به أهاضيب علمه، وتسح به شآبيب إحاطته، ثم لا يزال مع ذلك دهره يعترف بالتقصير، وينتسب إلى التعذير، ويعلم أن الإحاطة معجزة، وأن محاولتها معوزة. سبق بهذه الخلال الحميدة من سلف، وأيس بإدراك بعضها من خلف، لم ير قبله مثله، ولا يرى بعده، والله أعلم. وأحيا كثيرا من الدواوين الشهيرة الخطيرة، التي أحالتها الرواة الذين لم تكمل لهم الأداة، ولا استجمعت لديهم تلك المعارف والآلات، واستدرك فيها أشياء من سقط واضعيها، ووهم مؤلفيها، ككتاب البارع لأبي علي البغدادي، وشرح غريب الحديث للخطابي وقاسم بن ثابت السرقسطي، وكتاب أبيات المعاني للقتبي، وكتاب النبات لأبي حنيفة وكتاب الأمثال للأصبهاني وغير ذلك من كتب الحديث وتفسير القرآن مما لم يحضرني ذكره، ولم يمكن حصره، إذ كانت قبل فتحها عليه، وإصلاحها بين يديه، طامسة الأعلام، مختلة النظام، وقد سد التصحيف طرقها، وعور التبديل نسقها، ففتح
[ ٢ / ٨١١ ]
مستغلقها، ونظم مفترقها، وعانى خللها، وأزاح عللها، وقيد مهملها، وأبرز محاسنها، وأثار كمائنها، وأعتقها من هجنة التعطيل فرغب في استعمالها، وأطلقها من ربقة الخمول فحرص على حملها وانتحالها، فلو رأى ذلك الواضعون لها وشاهدوا لسلموا له وأذعنوا، وصرحوا بفضل شفوفه عليهم وأعلنوا.
ولقد أذهب الله بذهابه خيرا كثيرا، وأطفأ بوفاته سراجا منيرا. وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمان خلون لذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة؛ ومولده كان في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه سنة سبع وأربعمائة وكان ﵀ في اعتلاء سنه حسن البنية، ممتعا بحواسه وتوقد ذهنه وسرعة خاطره، يقرأ دقيق الخط، ويثابر على المطالعة ويدأب عليها، ولا يخل بحظه منها، ويقرأ عليه مستغلق الكتب، وعويص المعاني وغامضها، فينكر وهم القارئ ويحسن الرد عليه؛ ختم الله به علم اللسان، كما ختم به وبأبيه قبله أفاضل أهل الزمان. ودفن عصر السبت التاسع من ذي الحجة المؤرخ، وصلى عليه ابنه الوزير الفقيه أبو الحسين سراج بن عبد الملك، تاليه في الفضل وكرم الخلال مع سري الخصال، وحائز ميراث مفاخره الجمة. وكان يومه حافلا مشهودا، والأسف في الخاصة والعامة عليه شديدا، والثناء حميدا، وتناغت لمة أهل الأدب من الآخذين عنه والمقتبسين منه وغيرهم في تأبينه ورثائه
[ ٢ / ٨١٢ ]
فأكثروا وأجادوا، وأبدوا وأعادوا؛ منهم الشيخ الفقيه أبو بكر بن خازم وبقية الأعيان - كان - في ذلك الأوان من أهل قرطبة وذوي السوابق النبيهة فيهم، رثاه بقصيدة أولها:
ألم تر أن الموت نادى فاسمعا فأنت جدير أن تشيب وتجزعا
ولما فشى بين البرية نعيه أصم به الناعي وإن كان اسمعا
ومما شجاني أنني إذ سمعته تمنيت أن نسقى كؤوس الردى معا
فقطع قلبي ثم سال بمدمعي فيالك دمعا من فؤاد تقطعا! ومعنى هذا البيت الأخير مشهور، وقد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، ومنه قول ابن دريد:
قلب تقطع فاستحال نجيعا وجرى فصار مع الدموع دموعا رجع:
فيا طالبا للعمل لا تطلبنه بطي الثرى قد غادروا العلم أجمعا
أبعد أبي مروان تبصر عالما نبيها لأنواع العلوم مجمعا -
إذا ما احتبى في مجلس العلم أنصتوا له وأتى بالمعجزات فأبدعا
وما كان إلا الغيث عم بنفعه ال أنام فلما هم بالري أقلعا
[ ٢ / ٨١٣ ]
ومنهم الأديب أبو جعفر أحمد بن عبد الله المعروف بابن شانجه الوكيد
الاختصاص به واللزوم له، والأخذ عنه. رثاه يومئذ بقصيدة يقول فيه:
نعى الهدى والعلم ناع فأودى ما تضمنه الصدور
سيعلم من نعاه لنا بأنا وجدنا الفضل ناعيه كثير
يقول القائلون حواه لحد تجسم دونه كرم وخير
ولا والله ما وارتك أرض وسروك فوقها أبدا يسير ومنهم الوزير الفقيه النبيه أبو عبد الله جعفر بن محمد بن مكي بن أبي طالب القيسي أحد أعيان وقته ذكاء ونبلا، وسروا كاملا وفضلا، أبنه بقصيدة أولها:
انظر إلى الأطواد كيف تزول والحالة العلياء كيف تحول
الموت حتم والنفوس ودائع والعيش نوم والمنى تضليل
لا يعصم العصماء منه شاهق صعب ولا الورد السبنتي غيل
يرمي فما تشوي الرمية نبله فيصاب تنبال بها ونبيل
يهوى الفتى طول البقاء مؤملا وله رحيل ليس عنه قفول
يلهو ويلعب مطمئنا ذاهلا وله رسيم نحوها وذميل
[ ٢ / ٨١٤ ]
ومنها:
أودى سراج المجد وابن سراجه فلنور شمس المكرمات أفول
لو كان علم الدين يبكي ميتا لبكى الحديث عليه والتنزيل
كم من حديث للنبي أبانه فبدت له غرر ترى وحجول
كم مصعب في النحو راض جماحه حتى غدا والصعب منه ذلول
أدنى إلى الأفهام نائي علمها حتى تساوى عالم وجهول
طب بأدواء الكلام ملقن سهم على عوراته مدلول قوله: " انظر إلى الأطواد كيف تزول " معنى منقول، ومنه قول ابن بسام البغدادي:
قد استوى الناس ومات الكمال وقال صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشه قوموا انظروا كيف تزول الجبال وقال ابن الرومي:
من لم يعاين سير نعش محمد لم يدر كيف تسير الأجبال وقال الرضي يرثي الصاحب:
أكذا المنون تقطر الأبطالا وكذا الزمان يضعضع الأجبالا -
جبل تسنمت البلاد هضابه حتى إذا ملأ الأقالم زالا
[ ٢ / ٨١٥ ]
وقال أبو محمد الصقلي للمعتمد بن عباد:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير وقوله: " يهوى الفتى طول البقاء " البيت مع الذي بعده، من المعاني المتداولة أيضًا، وقد تفرقت في أثناء هذا الكتاب.
ومنهم الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أحد الزعماء في صناعة الشعر والنثر، وثبوت القدم في الأدب، أبنه أيضًا بقصيدة فريدة أولها:
ما منك يا موت لا واق ولا فادي الحكم حكمك في القاري وفي البادي
قدم أناسا وأخر آخرين فلا عليك يا مورد الحادي على الهادي
يا نائم الفكر في ليل الشباب أفق فصبح شيبك في أفق النهى بادي
سلني عن الدهر تسأل غير إمعة فألق سمعك واستجمع لإيرادي
نعم هو الدهر ما أبقت غوائله على جديس ولا طسم ولا عاد
ألقت عصاها بنادي مأرب ورمت بآل مامة من بيضاء سنداد
وأسلمت للمنايا آل مسلمة وعبدت للرزايا آل عباد
ما لليالي أقال الله عثرتنا منها تصرع أضدادا بأضداد
فلت قنا سمهر شلت أناملها بعود طلح وأسيافا بأغماد
[ ٢ / ٨١٦ ]
فعوضت من حسين الخير أو حسن بالأرقط ابن أبيه أو بعباد
بعدا ليومك يا نور العلاء ولا شجا بموت ولا سلى بميلاد
لهفي عليك خبا فيه سناك وما خبا ولكنها شكوى على العادي
لا شمس قبلك زادت بالغروب سنا واستأنفت نشر أنوار وأوراد
أطلعت ذكرك لما غبت وابنك في أفق العلا نيري هدي وإرشاد
لما ملأت دلاء المأثرات إلى أكرابها واحتبى في حلمك النادي
وطبقت بك آفاق العلا همم زانت مطالع آباء وأجداد
غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة علما بجهل وإصلاحا بإفساد
لا در در ليال غورتك ولا سقى صداها غريض الرائح الغادي
فما سمعنا ببحر غاض في جدث وكان ملء الربى يرمي بأزباد
ولا بطود رسا تحت الثرى وسما على السها حملوه فوق أعواد
أعجوبة قصرت من خطو كل حجى فلم يكن في قوى منها ولا آد
لقد هوت منك خانتها قوادمها بكوكب في سماء المجد وقاد
ومقرم كان يحمي شول قرطبة أستغفر الله لا بل شول بغداد ومنها:
من للعلوم إذا ما ضل ناشدها في ظلمة الشك بعد النير الهادي -
من للحديث إذا ما ضاق حامله ذرعا بمتن وإيضاح وإسناد
[ ٢ / ٨١٧ ]
من للتلاوة أو من للرواية أو من للبلاغة بعد العاد والبادي -
شق العلوم نظاما والعلا زهرا ثبين ما بين رواد ووراد
مضى ما أبقت وما أخذت أيدي الليالي من المفدي والفادي! وهذه القصيدة طويلة سلك فيها أبو محمد طريقته في الرثاء، إلى الإشارة والإيماء، بمن أباده الحدثان من ملوك الزمان، وقد نسق ذكرهم على توالي أزمانهم في قصيدة [اندرج له كثير من البديع فيها]؛ هي ثابتة في أخباره في القسم الثاني من هذا المجموع. واقتفى أبو محمد أثر فحول القدماء، من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء، بالملوك الأعزة، وبالوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبالنسور والعقبان والحيات في طول الأعمار، وغير ذلك مما هو في أشعارهم موجود، فأما المحدثون فهم إلى غير ذلك أميل، وربما جروا أيضًا على السنن الأول.
وممن رثاه يومئذ الكاتب أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن طريف أحد كتاب العصر، وفرسان النظم والنثر، رثاه بقصيدة أولها:
يبيح الحمام منيع الحجاب ويسري إلى المرء من غير باب
ولم أر أنفذ من سهمه وأفوز من قدحه بالغلاب
ألم تره كيف هد الهدى وأصمى العلا بأليم المصاب - ومنها:
فمن لخفايا حديث الرسول ومن لغوامض علم الكتاب -
ومن ذا يروي ظماء العقول ويشحذ البابهن النوابي
[ ٢ / ٨١٨ ]
فلهفي عليه وإن كان لهفي قليل العزاء ضعيف المناب
إذا عادني عيد تذكاره أجد أسى لم يكن في الحساب
وإن جمد الدمع في ناظري مددت قواه بقلب مذاب
فلا شيء أعجب من يومه برؤية ثهلان بين الرقاب
عزاء سراج العلا فالجميع قليل البقاء سريع الذهاب ومنهم الوزير الكاتب أبو بكر محمد بن ذي الوزارتين الكاتب المشرف أبي مروان بن عبد العزيز المقدم في نبله على تأخر سنه، رثاه أولا بقصيدة أولها:
هل فوجئت بمصاب قبله العرب أو أسقطت لملم غير الشهب - ومنها:
ما كنت أحسب أن الموت معترض ذاك الجلال ولما ينته الرهب
من لا تمر عليه الشمس طالعة إلا وعرنينها من نعله ترب
إذا تطلع في ناديه محتبيا لم يأته الدهر إلا وهو منتقب
يا طالب العلم لا ترحل فقد رديت بك المهارى وجف الماء والعشب
فيم الذميل وحث السير منتجيا وأين يبلغك التقريب والخبب
ضلت سبيلك لا هاد ولا علم وغاض شربك لا ورد ولا قرب
يا فاضل الخطة الشنعاء قد عوصت تعيا بها الخطباء اللسن والخطب
[ ٢ / ٨١٩ ]
إن الخصوم قد اصطكت مرافقها فخل بينهم حكما فقد شغبوا
قلها لدى الحفل تمضي إن مبلغها ما ليس تبلغه الهندية القضب
طود العلا زعزعتك النائبات وما حذرت أن تترقى نحوك النوب
ما مات من خلدت فينا مآثره لكنه سبب أن يرفع الأدب
لولا سراج وفي وجدانه عوض لم يدر ما اسم لمعلوم ولا لقب
[فإن تفلل بأيدينا صوارمنا لم تعن إلا وأطراف القنا سلب] ومنهم الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد القرشي المرواني الناصري، عين أهل بيته الخطيرة، وأحد شهبها المنيرة، رثاه أيضًا بقصيدة أولها:
رمته الرزايا عن قسي خطوبها بسهم فأيا فوقت نحوه أيا -
فيا عجبا أنى طواه ضريحه وقد كان يطوي الدهر من نشره طيا
فثل ذرا عرش العلا وتناثرت نجوم المعالي من مراتبها وهيا
وكم آية للدين بين شرحها ولم يعترفها بعد ما كان قد أعيا
وكم من حديث للنبي أبانه وألبسه من حسن منطقه وشيا
[ ٢ / ٨٢٠ ]
ومنهم الأديب النبيل أبو العباس أحمد بن محمد الكناني أحد تلامذته الآخذين عنه، رثاه أيضًا بقصيدة أولها:
رزء تطلبت فيه الصبر فامتنعا ورمت دمعي على التسكين فاندفعا قال فيها:
حديث صدق نعى الناعي إلي ضحى فزعت فيه إلى التكذيب حين نعى
صبرا سراج فيما يبقي الردى أحدا كل سيجرعه من كأسه جرعا
أقول صبرا كأني غير مكترث والله يعلم أنا موجعان معا إلى غيرها من قصائد طويلة قليلة الطائل أثبتها أبو الوليد المذكور بجملتها، لم يتسع هذا المجموع لاستيفائها، وفيما مر منها كفاية.
وأكثر من أبنه في ذلك اليوم أطال في مدح ابنه، وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بهم الإكثار من مدح المعزى في تأبين حميمه المتوفى، وإنما يلمون به إلماما بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله، ثم الكر على تسكين جأشه، وحضه على التعزي اتقاء لربه، هذه طريقة فحول الشعراء.
والوزير الفقيه أبو الحسين ابنه المخاطب يومئذ بهذه الأشعار هو سراج
[ ٢ / ٨٢١ ]
ابن عبد الملك بن سراج، اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، فإنه سراج علم وأدب، وبحر لغة لسان العرب، وإليه في وقتنا هذا بحضرة قرطبة شد الأقتاب، وإنضاء الركاب، في الاقتباس منه، ثم إنه في هذا الفن الذي نحن في إقامة أوده، زمامه وخطامه في يده، ولنظمه ونثره ديباجة رائقة، وهو القائل:
لما تمكن من فؤادي منزلا وغدا يسلط مقلتيه عليه
ناديته مسترحما من عبرة أفضت بأسرار الضمير إليه
رفقال بمنزلك الذي تحتله يا من يخرب بيته بيديه! وهذا البيت الأخير منها كقول التهامي:
حرق سوى قلبي ودعه فإنني أخشى عليك وأنت في سودائه وأنشدت أيضًا لبعض أهل العصر:
فقلت له لا ترم قلبي فإنه مكانك والمرمي أنت ولا تدري وقال أبو الوليد بن حزم:
أذكيت في قلبي بنأيك لوعة حتى خشيت على محلك فيه وفي قريب منه قول ابن شرف:
عجبت منه وأحشائي منازله كيف استقر بها من كثرة القلق
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وقلب هذا المعنى بعض فتيان وقتنا وهو الأديب أبو بكر بن بقي فقال:
أبعدته عن أضلع تشاقه كي لا ينام على وساد خافق وبلغني أنه خرج مع بعض إخوانه إلى بعض البساتين، فعار فرس أحدهم فاتبعه صاحبه وساعده أبو الحسين، وتخلف عنهما أبو الحسن بن اليسع، وأكب على راحه هنالك، فكتب إليه أبو الحسين ابن سراج:
عمري أبا حسن لقد جئت التي عطفت عليك ملامة الإخوان
لما رأيت اليوم ولى عمره والليل مقتبل الشبيبة داني
والشمس تنفض زعفرانا في الربى وتفت مسكتها على الغيطان
أطلعتها شمسا وأنت عطارد وخففتها بكواكب الندمان
فأتيت بدعا في الأنام مخلدا فيما قرنت ولات حين قران
ولهيت عن خلي صفاء لم يكن يلهيهما عنك اقتبال زمان
غنيا بذكرك عن رحيق سلسل وحدائق خضر وعزف قيان
ورضيت في دفع الملامة أن ترى متعلقا بالعذر من حسان وهذا رواء الديباج الخسرواني، ورونق العصب اليماني، ولمثله فلتنشرح
[ ٢ / ٨٢٣ ]
الصدور، ويتشوف السرور، ويذعن المنظوم والمنثور، ألا ترى ما آنق استعاراته، وأرشق إشاراته، وأقدره على الإتيان بالتشبيه دون أداته، وكذلك طبعه في سائر مقطعاته.
على أن أشعار العلماء على قديم الدهر وحديثه بينه التكلف، وشعرهم الذي روي لهم ضعيف، حاشا طائفة، منهم خلف الأحمر، فإن له ما يستندر، وقطرب له أيضًا ما يستغرب، كقوله وقد رويت لغيره:
إن كنت لست معي فالذكر منك معي يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري
فالعين تبصر من تهوى وتفقده وناظر القلب لا يخلو من النظر والخليل بن احمد، له أيضًا بعض ما يحمد، ومؤرج السدوسي، وابن دريد من الشعراء العلماء؛ وكذلك من علماء البصرة أبو محمد اليزيدي وبنوه، وهو القائل في حمويه ابن أخت الحسن الحاجب:
إن فخر الناس بآبائهم أتيتهم بالعجب العاجب
قلت وأدغمت أبا خاملا أنا ابن أخت الحسن الحاجب
[ ٢ / ٨٢٤ ]
ومن هذا أخذ دعبل قوله:
سألته من أبوه فقال دينار خالي
فقلت دينار من هو فقال والي الجبال وابن مناذر أيضًا عالم شاعر، وأبو محلم السعدي، وهو الذي يقول:
تصيخ لكسرى حين تسمع ذكره بصماء عن ذكر النبي صدوف
وتغرق في إطراء ساسان وابنه وما أنت من أعلامهم بشريف ومن العلماء الشعراء أحمد بن أبي كامل وهو القائل:
لا أرى فيما أرى شبهًا لك غير البدر في الظلم
غير أن البدر ليس له لحظة تدعو إلى السقم ومن الرواة الأخباريين محمد العتبي وهو القائل:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي فأعرضن عني بالخدود النواضر
[ ٢ / ٨٢٥ ]
الأبيات.
هؤلاء أعيان العلماء الشعراء بالمشرق، ممن علا شعرهم ديباجة ورونق، فأما من سواهم كيونس والأخفش وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه والفراء وسائر أصحابهم فأكثر الرواة لم يسمع لهم بشعر، والكسائي الذي يقول: " إنما النحو قياس يتبع " له شعر ضعيف، بين التكليف. فأما أبو عبيدة فله شعر يضحك، لا سيما قوله في ابن أخي يونس النحوي، وكان يسمى خرك، لم أر أن أكون من رواته إذ هو معدود في هناته.
وللأصمعي قصيدة في بني برمك أكثر فيها من الغريب، وما أتى بغريب؛ وكذلك من علماء الكوفة جماعة مثل خالد بن كلثوم، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي وأصحابهم، زعم ابن المنجم أنه لم يسمع لهم بشعر.
وأما العلماء الشعراء بأفقنا هذا الأندلسي من حين استفتحت الجزيرة إلى آخر دولة بني عامر، فقد تقدم المصنفون قبلي إلى تدوين نثرهم ونظمهم، فأغناني عن ذكرهم، وإنما شرطت ذكر أهل عصري ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي مروان عبد الملك بن محمد بن
@شماخ، وإيراد جملة من نظمه ونثره، مع ما يتعلق به ويذكر بسببه
وأبو مروان هذا أحد من شافهته وذاكرته، وأنشدني شعره، وكان باهر الضوء، صادق النوء، ينفث بالسحر، في عقد النظم والنثر، ويوفي على أنواع البديع، إيفاء نيسان على محاسن فصل الربيع، إلى علم أعذب من الماء، وأكثر من حصى الدهناء، وفهم أذكى من الشمس، وأجرى من النفس في النفس؛ ولولا أنه اختصر، لبهر الشمس والقمر، كما أعجز من نظم ونثر، وسبق أكثر من تقدم وتأخر، وقد أجريت من نظمه ونثره، ما يشيد باسمه، ويدل على سعة علمه.
فمن ذلك رقعة خاطب بها الفقيه قاضي الجماعة أبا عبد الله بن حمدين، افتتحها متمثلًا بهذه الأبيات:
لما وضعت صحيفتي في بطن كف رسولها
قبلتها لتمسها يمناك عند وصولها
وتود عيني أنها اق ترنت ببعض فصولها
حتى ترى من وجهك ال ميمون غاية سولها
[ ٢ / ٨٢٧ ]
نعم، أدام الله عز الفقيه سامي الرفعة، إني حاسد هذه الرقعة، لأنها تحظى دوني برؤيته، فلو حظيت بمثل ما به حظيت، لبلغ قلبي غاية أمنيته. أمثال أضربها عليك ما لها أمثال، وسلسال أمزجه لديك يحيا به الصلصال، يا أيها الخطى الذي أنبته وشيجه، يا أيها الأعوجي الذي هذبه تخريجه، يا أيها الفرع الذي ثبت أصله فوق السماء، وشمخ سنخه بناصية الجوزاء:
إذا ثبتت فوق السماء أصوله فأين أعاليه وأين الذوائب - بعد صيتك في النباهة حتى طبق الغبراء، وصعد سروك في الجلالة حتى آنق الخضراء، لو اقتصرت على ما بنى لك أولك، لسبق جهد السابقين مهلك، بل ينيت على ما بنوا، وسموت كما سموا؛ فلو فضت خواتم الطين، عن بائك الأكرمين، لبصرت بعظامهم تهتز وهي رميم، إعجابًا بما أهداه إليها سعيك الكريم:
فقد يضحك الحي سن الفقيد فتهتز أعظمه بالعراء خطبت ودك، فان ترني كفوًا، بلغت المبالغ الشاسعة عفوًا، ظمئت إلى شمول تلك الشمائل، فإن سقيتني منها نغبة، سرت في الأريحية حقبة، ما أرى الفقيه يعلم من أمري، أكثر من معرفته بضئضئي
[ ٢ / ٨٢٨ ]
ونجري. سألمع لك في شأني بلمعة واختصر، فقد يروي - وإن قل - الزلال الخصر. كان مدة في يدي زمام بلدي، ثم نقلت إلى حمص، وكانت لخم متى شاءت أمرًا لم تعص، فلما رمت بصنهاجة اللجج، وثار لهم ذلك الرهج، في يوم أشرعت فيه الأسنة، وأجهضت لشدة خطبه الأجنة، فانتهب مالي كما انتهب مال المصر، وكسد في حمص سوق النظم والنثر، زهدنا فيها فمقتناها، وسكتنا عن الكتابة فما أبناها، ولجأنا إلى غافق، بعلق من الأدب غير نافق، بحيث يتساوى الجهل والعلم، ويصفع البليغ الفدم؛ وإني - أعز الله الفقيه - وإن كان أوطاني الله منها أوطاني، وأعطاني منها أعطاني، وآواني منها إيواني، لعدم الشكل، لغريب فيها بين الأحبة والأهل. فإن تبك عين الفقيه الشفيق، ضياع صديق، فلتبك مني لطائر كريم، رد إلى وكر لئيم، ولترث لدرة سنية، ردت إلى صدفة دنية، وحسبنا الله! أنا المصدور أكثرت نفثًا، وشكوت بثًا؛ وإن كنت أطلت الخطاب، فان حوار الفقيه لذ لي وطاب، وانتظاري لجوابه انتظار الصائم للفطر، والساري للفجر، وأقرأ عليه من سلامي عدد مناقب الفقيه، بل عدد محاسن أبي الحسن أبيه، فإنها تجاوز الحد، ولا تطاوع العد.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
قوله " وإني بها لعدم الشكل، لغريب بين الأحبة والأهل " محلول من قول الخطابي حيث يقول:
وإني غريب بين بست وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
وما غربة الإنسان في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل وأخذه عمر بن أبي السجزي فقال:
وليس اغترابي في سجستان أنني عدمت بها الإخوان والدار والأهلا
ولكنه مالي بها من مشاكل وإن الغريب الفرد من يعدم الشكلا وقوله " فتهتز أعظمه بالعراء " كقول أبي تمام:
ولو علم الشيخان أد ويعرب لسرت إذًا تلك العظام الرمائم وإليه أشار محمد بن هانئ بقوله:
فليت أبا السبطين والترب دونه رأى كيف تبدي حكمه وتعيد فأجابه القاضي أبو عبد الله برقعة اقتضبت بعض فصولها لطولها [قال فيها:
كتبت ولو قدرت هوى وشوقًا إليك لكنت سطرًا في كتاب
[ ٢ / ٨٣٠ ]
من صحب الآصال والبكر، عرف وأنكر:
ما أحسن العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم] عمر بابك، وأخصب جنابك، وطاوعك زمانك، ونعم بك إيوانك:
وسقى بلادك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي فما درج بسبيله، من كنت سلالة سليله، ووراث مجده ومقيله؛ وما خام وضرع، فخر رمى عن وتر قوسك ونزع، لم يهلك هالك، ترك مثل مالك.
[كالعندواني لا يحزيك مشهده وسط الهياج إذا ما تضرب البهم] فركت المهاد، وألفت السهاد، وتقيلت الآباء والأجداد، فأسرجت في ميدان عتاق الجود براقًا، مريت له حافرًا وساقًا، فاحتل من شعاب
[ ٢ / ٨٣١ ]
المجد صقعا، أثار به نقعا، ودوم في جو السماء، تدويم قزع العماء، [كأنه على قمة الرأس ابن ماء محلق]، فحق لباهر فضلك أن يطول فيقول:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي أو يتنزل، فيتمثل:
لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا كم متعاط شأو طلقك، ومشترط منال أفقك، سولت له نفسه شق غبارك، واقتفاء مناهج آثارك، سلك فما أدراك، وبلج بعيره فبرك:
فهن رذايا بالطريق ودائع
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس لو بما تعتز به عشائر نسبوك، وآباء صدق ولدوك فأنجبوك:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وجلباب أدب، شفع الحسب، وكسا الدرة الذهب، فثناك وتر الأبد، كالسيف الفرد، إذ غلت الركاب، وعلقت الأسباب - لتعديت منابج العواء، فهصرت هقعة الجوزاء، واتخذت إكليلها إكليلا، فلم تذممك نزيلا، وقبلت أخمص قدميك تقبيلا.
وفي فصل: بيننا وسائل، أحكمتها الأوائل، ما هي بالأنكاث، والوشائج الرثاث، من دونها ود جناه شهد، ومراده خلد، أنضر من أنيق الخضر، وأعبق من فتيق الزهر، غب المطر، [جمت أعراضه، ونديت حياضه، سرى له النسيم، فوشى به النميم:
ما روضة من رياض الحزن معشبة غناء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منه نشر رائحة ولا بأحسن منه إذ دنا الأصل لو كان بشرا كان حسن البشرة، أنيق الحبرة]، أرج عرف النسيم، مشرق جبين الأديم، رائق رقعة الجلباب، مقتبل راد الشباب، كالصباح المنجاب، تبرق أساريره، وتلقاك قبل اللقاء تباشيره:
ورثناهن عن آباء صدق ونورثها إذا متنا بنينا
[ ٢ / ٨٣٣ ]
المقة تبعث الثقة، لا يلهينك وقد لاح البدر، ووضح للساري الفجر، جواب أنيته، ودين مطلته ولويته:
فقلت امكثي حتى يسار لعلنا نحج معا قالت: أعاما وقابله - إسجاح ومعذرة، إذا لم تكن مقدرة، فنظرة إلى ميسرة، لو بحسب ما أطويه، لبيت داعي مناديه، لبادرت بدار العين، وأوفزت إيفاز لمع اليدين، واقتضبت المدى، فكان الكلام وكنت الصدى، وما بهن خجل التسويف والليان بأرقد من معضوض الأفعوان، ومفترش حسك السعدان:
على الفراش لضوء الصبح مرتقب كأنه به الإبر وفي فصل منها: ولا غرو إن استعجم لسان، وحصر بيان، لجنة جنان، وخريدة بيان، ترود روض الآداب، وترد ذوب ماء الألباب، نماها كهلان، ونهد بها سحبان، تدعو نزال، وتتنجز رد السؤال:
بيان لم ترثه تراث دعوى ولم تنبطه من حسي بكي أهلا به طائر وداد وقع، وبلبل واد سجع فرجع، وهيج داء دفينا، فذكر بعض ما كنا نسينا:
فضضت ختامه فتبلجت لي غرائبه عن الخبر الجلي
فكان أغض في عيني وأندى على كبدي من الزهر الجني
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وأحسن موقعا مني وعندي من البشرى أتت بعد النعي
صدور الغانيات من الحلي> لله فطنة فطرته، ويد سطرته، وصحيفة احتوته، وأنامل لوته! ما أبدع ما وسق، وأعجب ما نظم ونسق، إن هو إلا سحر يؤثر، ودر ينثر، وأنفاس تعبق، ونفوس تسبى وتسترق، إلى أغراض كقطع الرياض، ومعان كأبكار الغواني لوين قدودا، وكسين من وشي الكلام مجاسدا وبرودا، فمعجبه يهزج بيفاعه، ويرتجل على إيقاعه:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم سمير الآذان، وحديث الركبان:
[به تنفض الأحلاس في كل منزل وتعقد أطراف الحبال وتوثق نادى شخص طلل حابس، وكلم ربع رسم دارس، من نفس أبداد، وفؤاد فاد، صدي حتى بلي، ودهي حتى فني؛ بمثله وقف جميل، واستعبر يقول:
ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
[ ٢ / ٨٣٥ ]
فكان حيا جلجل رعده، وأسبل ودقه، بأكناف جوى محل واديه، وأجدبت بواديه، فلأيا ما لان مدره، وانبجس حجره، وطلع نجمه وأشرق زهره:
كلا ولا نبت فهو سعدان> ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ (الأعراف: ٥٨) شتان بين ربوة يفاع، وصفوانة بقاع، وأين من الغمر المعين، وشل ينضج بمثل رشح الجبين - في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وأن تسمع بالمعيدي، وتخبر عن الإياسي، فشاكه أبا يسار، فبدون ما وصفتنيه ينفق الحمار، وتخطب غير ذات النجار؛ ما هي إلا حلى فضائلك خلعتها علي، وخمائل شمائلك أضفتها إلي، وإلا فود تجاوز القدر، فأعمى البصر:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا] والشفق والغسق، ولوامع الفلق، إنك لصاحب الراية ومحرز الغاية، زعيم حلبة البيان، وفارس ذورة الإحسان، [لتعط القوس
[ ٢ / ٨٣٦ ]
باريها، وتمنح المنحة ذويها]، وإن للمتعاطي ذلك المضمار، أن يبايع بيد الصغار، وينبذ بأزمة مقادير الأقدار:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار لا عطر بعد عروس، ويا لك من نضو فؤاد هجت به ادكارا، وحركت له حوارا، تجاسر بخمعه، واستن على ظلعه، فدسع بجرة عقير، فانفهق عن فرصة فقير:
نزرا كما استكرهت عابر نفحة من فارة المسك التي لم تفتق على حين ذوى روض الأدب، فقاظ مصيف الطرب، [وألفت " قال مالك "، وتركت ما هنالك]، فما عهدي الآن إلا زورة اللمم، وذكرة الحلم، أذوقه شميما، وأطعمه نسيما، وأغري المحافظ عليه، وأغبط أفئدة من الناس تهوي إليه:
فكأني وما أزين منه قعدي يزين التحكيما
لم يطق حمله السلاح إلى الحر ب فأوصى المطيق ألا يقيما
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وإن أنخت بعطنك من أفق غافق، ذا بضاعة أدب غير نافق، أصبحت منها كالمسك ينافح نفسه، أو الفذ يكلم حسه، معاشر معاشر لم تغذهم رقة الآداب، ولا أعربت ألسنتهم عوامل الإعراب:
فهن يغلطن به إلغاطا مثل النبيط لاقت الأنباطا وإن نطق زهير، قالوا نهق العير:
أرض الفلاحة أو أتاها جرول أعني الحطيئة لاغتدى حراثا
تصدا بها الأفهام بعد صقالها وترد ذكران العقول إناثا
أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي فيها وطلقت السرور ثلاثا فخير أنيس المرء ذكر يشحذ الفكر، وروض كتاب يصقل الألباب:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب ولله ما حويت، ونعم ما اقتنيت، من حدائق أدب، في يفاع حسب، سنخ ضرب الأرض بعروقه، وبسق فاستوى على سوقه يونق البقاع، ويعجب الزراع، كرم [مدده فزكا ثمره، وطاب
[ ٢ / ٨٣٨ ]
خبره وخبره]، أكرم نسب وأفضل نشب، ناهيك ما يروق جمالا، ويخف حمالا، لا تبتزكه اللصوص، ولا ترحل به دونك القلوص:
[يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددتاٍ ولن تراع فلن تضاع، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وكفى بربك هاديا ونصيرا؛ وأبلغك سلاما، يكون بنحر عقدك نظاما، ويضرب على روض ودك غماما:
فينبت حوذانا وعوفا منورا سأتبعه من خير ما قال قائل قال ابن بسام: والفقيه قاضي الجماعة أبو عبد الله بن حمدين هذا في وقتنا غرة الزمان الزاهرة، وآية الإحسان الباهرة، أحد من تقدم على أهل الفضل، تقدم الاسم على الفعل، واستولى على النبل، استيلاء الشمس على الظل، وله صدر يسع الدهر كله، ولسان يخلق السحر
[ ٢ / ٨٣٩ ]
لو استحله، وهو وإن كان اليوم، بالحضرة العظمى قرطبة، يعسوب الإسلام، ومدار الأنام، وجماع النقض والإبرام، فلهذا الشأن الذي تصديت لإقامة أوده بهذا الديوان، من عنايته أوفر نصيب، ولأهله من استقلاله وكفايته حمى غير مقروب، وقد رفعت له على علمه نار، فضربت عليه في حرمه أرواق وأستار، وسارت على ألسنة الركبان من كلمه رسائل وأشعار، أجزل من ذكر أبان، وأحسن من الحديث عن جنان، وأوضح من عذر قريش في حب عثمان، ولم أظفر منها عند تحرير هذه النسخة من هذا الكتاب، إلا بهذا الجواب، وفيه متعة جد كافية، وعلامة من الفضل غير خافية، ويعلمك بجنى الشجرة الواحدة من ثمرتها، ويدلك على خزامى الأرض النفحة من رائحتها.
@جملة من شعر ابن شماخ
من ذلك ما أنشدنيه لنفسه من جملة أبيات اندرجت له في رسالة موشحة عارض بها بديع الزمان في طريقته، وضربها على قالب سبيكته، يقول فيها:
أودت بنخوة أهل حمص بديعة ملأت قلوبهم علي حفائظا
فتشت فيهم قارضًا يأتي بها فكأنما فتشت فيها القارظا
[ ٢ / ٨٤٠ ]
وله فيها:
بعثت بها يعنو لها كل ناثر ويعيا بما مضنتها كل قارض
جعلت حياتي أجر من قال مثلها فمن شاء عمرًا طائلًا فليقارض وأنشدني أيضًا لنفسه:
فويح جفوني كيف تطلق لحظها وروؤية هذا الخلق تتركها رمدا
نوائب غالتني فأبدت فضائلي فكانت وكنت النار والعنبر الوردا وهذا من قول أبي تمام:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود ومنها يصف ناقة:
تجد على أن الفيافي برينها فتعرفها عتقًا وتنكرها جهدا ومنها في المديح:
فلولا علاه عشت دهري كله وكيس كلامي لا أحل له عقدا قال ابن بسام: واستعارته كيسًا للكلام، من مضحكات الأنام، وقرأت في أخبار الصاحب ابن عباد قال: كنا نتعجب من قول أبي تمام:
[ ٢ / ٨٤١ ]
" لا تسقني ماء الملام "، ونستبشع استعارته له ماء حتى عذبت عندنا ب - " حلو البنين " في قول أبي الطيب:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل كيف لو سمع الصاحب استعارات أهل وقتنا، كقول المهدوي بن الطلاء:
بقراط حسنك لا يرثي على عللي وقوله:
أفاقت بك الأقطار من برص البلوى [وقول ابن الطراوة:
أبا حسن فت الملوك مهابةً فكلهم فأس المهابة عالك] وقول حسان بن المصيصي:
إذا كانت جفانك من لجين فلا شك الغنى فيها ثريد وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد بقوله:
مسرة في قلوب الطيب مفرقها وحسرة في قلوب البيض واليلب
[ ٢ / ٨٤٢ ]
وفي قوله:
ألا يشب فلقد شابت له كبد شيبًا إذا خضبته سلوة نصلا وفي قوله:
لم يحك نائلك السحاب وإنما حمت به فصبيبها الرحضاء فجعل كما تسمع للطيب واليلب والبيض قلوبًا، وللكبد شيبًا وللسحاب حمى، [كما جعل أبو تمام الدهر يصرع في قوله:
خطوب كأن الدهر منهن يصرع وجعله بشار يموق بقوله:
وما أنا إلا كالزمان إذا صحا صحوت وإن ماق الزمان أموق وكذلك] أخذ على المتنبي في قوله:
لويته دملجًا على عضد لدولة ركنها له والد لما كان الممدوح عضد الدولة أراد أن يصوغ له دملجًا فأخطأ الصوغ، لا سيما في بيت ختم به القصيدة، وهو آخر ما يقع في السمع؛ وأعجب من الصحاب ابن عباد حين لم يجد من استعارات أبي تمام شيئًا ينعاه إلا قوله " ماء الملام " وليس هذا بأعجب من قوله: " هو كوكب الإسلام أية ظلمة ".
[ ٢ / ٨٤٣ ]
ولأبي حفص ابن برد من أهل أفقنا شيء مضحك على رشاقته وهو قوله:
يا شاعر الحسن بي ترفق لا تقتلني كذا بديها وإن كان أبو بكر بن عمر اتبعه، فلقد صفعه، أو اقتفى أثره، فلقد طوى خبره، بقوله.
روى ليضرب وابتدهت لطعنة إن الطعنا بدائه الفرسان ومن شعر ابن شماخ ما أنشدنيه من قصيدة:
بلى قد حلبت الدهر في كل وجهة فلم يبق خلف يستدر ولا شطر
[فأصديت حتى ضنت السحب بالحيا ورويت حتى انهل بالسبل الصخر]
وكان على الإنسان إنفاد جهده فإن يكد بعد الجهد كان له عذر
على العضب أن يفري إذا جرد الصلا وليس عليه التاث أو ساعد النصر
وقدر لي استيطان لك وقلما يكون لمن كانت له وطنًا قدر
مؤهلة من أهلها غير أنها من الكرم الموجود في غيرها قفر
فإن كسدت أعلاق علمي لديهم فلا غرو أن يكسد لدى النعم الشذر جزم بحرف النصب وأراه وهم فيه. على أن أبا الحسن اللحياني حكى
[ ٢ / ٨٤٤ ]
في نوادره أن بني صباح من بني ضبة يجزمون بعوامل النصبن وأنشد لشاعرهم:
وأغضي على أشياء منك لترضني وأدعى إلى ما سركم فأجيب وليس العمل به، ولا لمحدث أن يتعلق بسببه.
وفي هذه القصيدة يقول:
فيا لك إن لم تقض لي عنك رحلة فلا يقض إن يمتد فيك لي العمر قال ابن بسام: فكأنه والله أجيبت دعوته في هذا البيت، لأنه مات فيما أرى وقد نيف على الثلاثين.
وقرأت في أخبار المتنبي في القصيدة التي ودع فيها عضد الدولة فجرت فيها ألفاظ على لسانه كأنه ينعى فيها نفسه ولم يقصد ذلك، منها:
ولو أني أستطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتى أراكا ثم قال:
إذا التوديع أعرض قال قلبي عليك الصمت لا صاحبت فاكا وقال في آخرها:
وأياص شئت يا طرقي فكوني أذاة أو نجاة أو هلاكا
[ ٢ / ٨٤٥ ]
فجعل قافية البيت " هلاكا " فهلك، وذلك أنه ارتحل عن شيراز حضرة عضد الدولة بعد أن وصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم، فخرج عليه في طريقه قوم من بني ضبة الذين كان هجاهم، فحاربهم فأجلت الوقعة عن قتله وقتل ابنه محسد ونفر من غلمانه، وفاز الأعرابي بماله، وذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وأول من جرت على لسانه ألفاظ يتطير منها المؤمل بن أميل في قوله:
شف المؤمل يوم الحيرة النظر ليت المؤمل لم يخلق له بصر فعمى.
ومن شعر ابن شماخ من جملة قصيدة وصف فيها ارتحاله عن وطنه، ومثواه باشبيلية على غير رضى، أولها:
يا ليت شعري هل دامت لهم حال عهدتها في حفاظ العهد أم حالوا - يقول فيها:
فإن تكن سائلا عمن تركت فقد شاب الشباب وقد شب الاطيفال
صبرت والبعد أحوال وذاعجب ولم أكن صابرًا والبعد أميال
أرجو الإياب لفأل فيه أسمعه والدهر يفعل ما لا يخبر الفال
[ ٢ / ٨٤٦ ]
وفيها يقول:
فهل لهم سائل عني فيخبرهم كما أنا عنهم مذ غبت سآل -
إن كان يسأل عن ثوبي فلا درن أو كان يسأل عن حال فلا حال
أضاع مجدي مال ضيعته يدي ما ضيع المجد إن لم يرعه مال
وبز حالي ترحالي إلى بلد مذ جئته لم يكن لي عنه ترحال
أقمت حولين فيه خاملًا خرسًا كأنني وأنا السلسال صلصال
بل لم أزل معربًا عما لدي فلم أجد به معربًا ينبيه تصهال
أطال شغلي فراغي مذ حللت به إن الفراغ من الأشغال أشغال
إن أبق في حمص تبق النار في حجر وإن أسر سار في الآفاق سلسال
[وعر من العيش ما لي أرتقيه وفي بني أبي لنا بالمصر آمال] !
ضاءت بسؤددهم أرجاء قرطبة وعاد إدبار ذاك العصر إقبال @فصل في ذكر الفقيه أبي عمر أحمد بن عيسى الإلبيري
من أفراد الزهاد - كان - في ذلك الأوان، ومع ما كان أدير عليه يومئذ من الأمور، وجعل إليه من التقديم والتأخير، فإني وجدته خالص
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الأدب، [محصد السبب]، ذهب بفصوصه وعيونه، وتلاعب بمنثوره وموزونه، وتصرف بين مذاله ومصونه؛ إلا أن أكثر ما ألفيت له من المقطوعات والأبيات، في الزهد والعظات، وقد كتبت منها ما هو من شرط هذا المجموع.
أخبرني من لا أرد خبره عن الفقيه أبي المطرف الشعبي عن شيخه هذا الفقيه أبي عمر بن عيسى، قال: خاطبت الوزير أبا العباس بن العريف في أرض تعدى علي فيها برقعة منها:
أما بعد، وفقك الله لما يرضيه منك عملًا، ويرضيك منه جزاءً؛ فإن للدنيا حرثًا والناس زارعون، وكل في معاده، يأكل من حصاده، وذو الجاه يسأل في الآخرة عن جاهه، كما يسأل ذو المال عن ماله. وقد أحوجت الأيام إلى جاهك، وأغنت القناعة عن مالك، فاتخذ عندي اليوم يدًا، تجدها عند الله مضاعفة غدًا، فالحظ حاجتي بعين يقظتك، ولا تلحظها بعين سنتك، فان لله لوحًا ضمنه المقادير كلها، يلحظه في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين لحظة، يحي بكل لحظة ويميت، ويعز ويذل، ويرفع ويضع، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ واعلم أنك تلحظ بمثل ما به تلحظ.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
وله من أخرى: خاطب بها بعض إخوانه سنة ست عشرة وأربعمائة: سمت بك سماء العلم إلى سموه، ودنت بك أرض السكينة إلى دنوه، ودار بك فلك المعرفة في ملكوته، وغابت بك نجوم الحكمة في جبروته، وهيأتك يد القدرة هيئة روحانية، وأحياك روح القدس حياةً إلهية، وألبستك الشريعة لباس التقوى، وراشتك الطبيعة بريش النهى، حتى تطير مع الروحانيين، في مجال الصديقين، إلى منازل المقربين، فتذوق برد عيش النعيم، وتلذ بالنظر إلى وجه القيوم، وتشتاق إلى لقاء الرب الرحيم. هيهات! كيف ينعم من لا يعلم أين النعيم، من ملك القديم -! إن لله يا أخي عبادًا أقام أرواحهم بقيوميته على صراط مستقيم، فمشت بأقدام الصدق إلى الحق، فدنت منه، فنظرت إليه على جلاله، في اتساع كماله، فضعفت لكبر سلطانه؛ ثم أفاقت بالإسلام، ونطقت بالإيمان، وأبصرت بالإحسان، واتصلت بالقرآن، فأمرها فقامت بالخدمة، وعلمها ففازت بالحكمة، فانقطعت إليه بالكلية، ودانت له بالحنيفية، فآواها إلى كنفه، ونعمها بطرائف تحفه؛ فملكها أبدًا لا يبيد، وعلمها به يزيد؛ حتى أطلع لها السر، وأكمل لها البر، فحييت بقربه، وشربت بكأس حبه، فرفضت الأسباب، وخرقت الحجاب؛ وبيض وجوهها البرهان، وأثلجها البيان، ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة: ٢٢) فرحمانهم علامهم، وجبارهم رزاقهم، خلاؤهم ملاء، وملاؤهم خلاء، وسماؤهم أرض، وأرضهم سماء، روحانيون جسمانيون إنسيون ملكيون، أولئك الأصفياء الاتقياء، الأولياء النجباء، أتاهم العون، فساعدهم الكون.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
@ومن شعره
أنشد له الفقيه أبو المطرف الشعبي:
يا خالقًا الزمان بقدرة في غير حين من أحايين الزمان
يا محدثًا للكل كنت ولم تزل وكذاك ربي لا يزال بلا مكان
أنت الذي جلت صفات جلاله وعلت جلالته من إدراك العيان وأنشد له:
ملك تعالى فوق غايات العلا يقضي القضاء على نهايات الثرى
من فوق فوق الفوق ينفذ حكمه في تحت تحت التحت تحت الإنتها
قربًا وبعدًا وهو أبعد من نأى من كل شيء وهو أقرب من دنا
جلت صفات جلاله فجلاله قد جل عن تحديد كيف ومن وما وأنشد له أيضًا:
شربت بكأس الحب من جوهر الحب رحيقًا بكف العقل في روضة الحب
وخامر ماء الروح فاهتزت القوى قوى النفس شوقًا وارتياحًا إلى الرب
ونادى حثيثًا بالأنين حنينها: إلهي إلهي من لعبدك بالقرب -
فخاطبه وحيًا إليه مليكه: سأكشف يا عبدي لعينك عن حجبي
فأعلن بالتسبيح: مثلك لم أجد تعاليت عن كفؤ يكافيك أو صحب
[ ٢ / ٨٥٠ ]
أحول ببعضي فوق بعضي كأنني ببعضي لبعض كالنجائب والركب
فخذ بزمام الشوق مني تعطفًا إليك ولا تسلم زمامي إلى لبي
لعلي أسقى ثم أسقاه دائمًا رحيقًا بكف العقل من جوهر الحب ويجانس هذا رقعة مرت بي في بعض التعاليق لرجل ناسك من أهل سرقسطة كتب بها مداعبًا لصديق، كتب إليه: ليت شعري يا أخي ما الشراب الذي تشربه [وتستعمله]، فتحمر عنه وجناتك، وتنشط إلى سعيك حركاتك؛ بياضك أبدًا مشرب بحمرة، كأنك مدمن خمرة، وأنت في كل حال طروب لعوب، غير عبوس ولا قطوب، لا يظهر عليك هم، ولا يخامرك غم؛ فلو وصفت لي صفة غدائك وشرابك، رجوت التأهب بإهابك، والتخلق بأخلاقك وآدابك.
فأجابه الزاهد:
خذ كمأة الليل في جام من السهر واسكب عليه دموع العين بالسحر
وامزجه بالحوف مزجًا ناعمًا أبدًا وقم على قدم الإيراد والصدر
واجعل من الشوق مخواصًا لساكبه ليستوي لك منه الصفو بالكدر
واشربه مصطبرًا بالله وأرض بما يجري عليك من الأحكام في القدر
واغسل بباقيه وجهًا لا حياء به ألقت عليه المعاصي حمأة الغير
[ ٢ / ٨٥١ ]
لعل قلب أن تصبو معاطنه لتستمد مجاري السمع والبصر
فيهتدي كل عضو نحو غايته فبين مزدجر عنه ومعتبر
إن الوجوه قلوب إن نظرت إلى حقائق الحال أو حددت في النظر إذا امتلأت القلوب من ضروب دواعيها، أظهرت الوجوه بطلان دعاويها، ونم على الأوعية ما جعل فيها، ولذلك قال من قال: الحمد لله الذي ألبس أولياءه حللًا من ضمائرهم، وأنار وجوههم بنور إخلاص سرائرهم، وكللهم بالمهابة في العيون، وطهر قلوبهم من اختلاج سوء الظنون، فنفوسهم مستريحة رائحة، ومحاسنهم لأهل العقول لائحة، وثناؤهم عطر الانتسام، فهم بين الأنام كالأعلام، بهم يستمطر الغمام إذا حجب، وفي جملتهم يحشر السعيد إذا نجب، فمن جاراهم نكب، ومن حاربهم غلب، ومن أقلع إليهم بخلاف ريحهم عطب.
ومنها: يا بؤس مقام الظالمين، وندامة العاصين، إذا رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، ويقولون هل إلى مرد من سبيل، ولات حين سبيل ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾ (سبأ: ٥٢)، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ (الأنعام: ٢٨)، كيف يتعلق المنقطع بحبل الاتصال، أو يجد قلبه برد ماء الوصال، وقد خالف أمر الكبير
[ ٢ / ٨٥٢ ]
المتعال - ألا ومن خالف خولف به، ومن عدل عن سلوك سبيل الرشاد نكص على عقبه، ومن أبصر واجتهد أدرك غاية مطلوبه، واتصل بمحبوبه، ووصل إلى رياض مرغوبه، وصل والله إلى مقام أمين، في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين:
كم بين من عبر الصراط خفيفا وأتى الإله من الذنوب نحيفا
وطوى المراحل بالطوى عن كل ما كره الإله وجانب التعنيفا
حتى أناخ ببابه وقبابه ضيقًا عزيزاص عنده معروفًا
فأتى القرى بحبائه وجزائه حتى ينال من النعيم صنوفا @فصل في ذكر الأديب العالم الناثر الناظم أبي محمد غانم، والأخذ
@بطرف مستظرف من خبره وحميد أثره
قال ابن بسام: وكان أبو محمد غانم بن وليد، ونسبه في بني مخزوم، قد بذ وقته أهل ذلك الإقليم، في أنواع التعاليم؛ فرد عصره ونسيج وحده، في تناهي جده؛ متفننًا جرى في ميدان السبق، وفقيهًا قرطس
[ ٢ / ٨٥٣ ]
أغراض الحق؛ وكان في هذا الباب الذي ولجنا فيه من أهل الروية والبديه؛ حدث عنه الفقيه أبو عبد الله بن عميثل وكان من خاصته الملازمين له، والآخذين عنه، أن أبا محمد أنشد هذين البيتين:
وإذا الديار تنكرت عن حالها فذر الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك حتمًا واجبًا في بلدة تدع العزيز ذليلا وسئل الزيادة عليهما فقال:
لا يرتضي حر بمنزل ذلة إن لم يجد في الخافقين مقيلا
فارض العلاء لحر نفسك لا تكن ترضى المذلة ما حييت سبيلا
واخصص بودك من خبرت وفاءه لا تتخذ إلا الوفي خليلا
فلقد خبرت الناس منذ عرفتهم فوجدت جنس الأوفياء قليلا
سقيًا لأيام الشباب فإنها كالإلف حاول أن يجد رحيلا @جملة من نثره
من ذلك خاطب بها بعض إخوانه بغرناطة، قال فيها:
يا سيدي سموًا، وسندي علوًا، كل جواد من بني جودي سابق
[ ٢ / ٨٥٤ ]
وكل سيد من بني سوادة سامق، ولولا أن أجاهر بسر الإطراء، وأناظر في باب الإغراء، لقلت إنك حابس لوائهم، وفارس وفائهم، وحارس ثنائهم؛ ورحم الله من كان لك سميًا، فلقد كان سريًا، وفي الفضلاء سنيًا، وأرجز أن يكون عند ربه مرضيًا.
وردني - أعزك الله - كتاب ألذ من مراشف الأحباب، وخطاب أرق من معاني أبي الخطاب، عمر بن أبي ربيعة، فله على علمك معان بديعة، جلوت منها زهر المعاني في رياض الشعر، وعروس الأماني في نثار النثر، وتبسك لي عصر الربيع قبل أوانه، فتقسم ناظري بين شقائقه وحوذانه، وورده وسوسانه، إلى لطائف من أبكار درر، وأنواع غرر، بعضها من بنات الفكر، وبعضها من بنات الذكر، وغير نكير أن يصير روض النهى، في حلي روض الربى، ودر الأفكار كدر التجار. ولما رتع ناظري في تلك المراتع، وربع خاطري في تلك المرابع، هزتني راح الأريحية، وازدهتني خفة الأمنية، فلو كنت ممن يشرب الراح، لطرت بلا جناح؛ تذكرت بخطابك ونظامك تلك الشمائل، بمالقة، وروح تلك البكر والأصائل، وإن لم يكن إلا في ليال قلائل.
وفي فصل منها: ومما أغفلته بقلة اليقظة، وسألت الله ألأ تكتبه علي الحفظة، تهنئتك بالفارس المولود، والفرع المودود، والنجم السعيد، الذي تطلع في أفق سمائك، وتلفع بلفاع ضيائك، مليته ولدًا برًا، ووفيًا حرًا.
تقسمت خطرات القلب ريحان هذي ارتياحي وفي هاتيك ريحاني
[ ٢ / ٨٥٥ ]
إني على السن والدنيا مولية لذو فؤاد إلى الإخوان حنان
أرتاح نحو نسيم ساق عرفهم كأنما يعتلي بالجسم روحاني
أمن لبيرة تسري الريح حاملة روح النسيم فأحياني وحياني -
مقر ملك الرئيس المستجار به باديس فاز بتمكين وإمكان
يا لائح البرق من أعلامها غسقًا جد بالتحية من حيا فأحياني
طود من العلم والآداب راسية أصوله وذراه فوق كيوان
حر الفضائل معسول شمائله يخص من زنة العليا برجحان
أحيا أبو الحسن المشهور منصبه محاسن الدهر من حسن وإحسان
قد كان عتبي موصلًا على زمني حتى طلعت به بدرًا فأرضاني وله من أخرى خاطب بها أبا الحسن الحصري: ما أفصح لسانك، وأفسح ميدانك، وأوضح بيانك، وأرجح ميزانك، وأنور صباحك، وأزهر مصباحك، أيها السابق المتمهل في ميدان النبل، والسامق المتطول بفضائل الذكاء والفضل، أرحتني من غل الهم، فازدهتني أريحية، وأزحتني عن ظل الغن، فلاحت لي شمس الأمنية، بما أطلعته علي، وأنفذته مكارمك إلي. فقلت: أعصر الشباب رجع، أم كوكب السعد طلع، أم بارق الإقبال لمع - كلا والله، إنها لمكرمة فهرية، أهدتها نفس سنية، وهمة علية. إن قلت الوشي الصنعاني فقد نقصتها
[ ٢ / ٨٥٦ ]
أو الديباج الخسرواني فقد بخستها. بلى والله. أرتني زهر الربيع في غير أوانه. وحسن الصنيع على عدمه في أهل زمانه، لمحت منه عقد اللآل، يبقي على أخرى الليال. فأنت واحد البلاغة الذي لا يجارى، وفارس الفصاحة الذي لا يبارى. وقد اعتقدت ما به أشرت. وإياه اعتمدت، لو لاح لي في أفق النقلة صباح. أو استقل بي في طرق الرحلة جناح. وكم حاولت مسالمة النوائب بانقباضي. ومداراة الدنيا بتركي لأغراضها وإعراضي. فإذا الانقباض قد حصلني في جملة القبض. والترك للأغراض قد جعلني للنوب كالغرض. ولا سلاح إلا الدعاء إلى الله تعالى في الصلاح، ولا جناح إلا التمني لمن يقول ما عليك جناح. فسبحان من قدر أن أكون لناب النوب حربا. وتكون علي أيام الزمان إلبا. أصلى بنار المصائب السود. كأني مما أنا باك منه محسود. أستغفر الله! فقد حمي صدري حتى غلى مرجله. وضاق مجال فكري حتى اتسع في الشكوى مقوله. ولو أني سلمت لمواقع. وعلمت أنه ليس على القدر اختيار. ورضيت بما يأتي به الليل والنهار. وتيقنت أن خلق الزمان عداوة الأحرار. لأرحت قلبا ينقلب في جمر الأسى. وأذكرت لبا قد نسي الاقتداء بالأسى.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
@ومن شعره
أنشد له الفقيه [الزاهد] المذكور في الزهد:
صرف بقايا العمر في طاعة ولا يغرنك كيد الغرور
وارحل إلى الأخرى بزاد التقى فإنما الدنيا متاع الغرور قال: وخرجنا معه إلى ربوة تعرف بالعقاب مشرفة على وادي مالقة، فقال بديهة:
ضحك الزمان بحسنه وبهائه كالصب يضحك بعد طول بكائه
وكأن إقبال الربيع بوصله وصل الحبيب أتاك بعد جفائه
وكأنما وادي العقاب عشية مستمطر دمعي بجرية مائه
وكأن رشح الطل في روض الربى رشح الخدود بدا بنار حيائه قال: وهبطنا إلى الوادي فلم نجد ماءا. فحفرنا في الرمل حتى خرج الماء من قاعه، فقال:
أيها الحسي الذي جا د بماء دون منع
إن تخف غيضا من ال قيظ فهذا فيض دمعي قال: وطبخنا له مرة شراب تفاح فوجد فيه رائحة ثوم، فقال:
دهيت يا قوم بأعجوبة لم تك في الزنج ولا الروم
شراب تفاح تخيرته فعاد مطبوخا من الثوم
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وأنشد له:
يا غريبا بحسنه قصتي فيك أغرب
أنت في طي ناظري والمنى منك تحجب
لا تلم في مداده بدم القلب يكتب
إن إدريس ماجد للعلا فيه مذهب
جده خاتم الهدى وعلي له أب
فهو للمجد مطلع وهو للمجد مغرب وقال له عتيق المغني [المهدوي] وهو بالقصر: إني أحفظ بيتا فلعلك تذيله، وأدخله في طريقته، والبيت:
يا نائب الوجه عن شمس الضحى غسقا والبدر لو كلفوه ذاك لم ينب فقال بديهة:
في غرة الملك العالي ومنظره بدر يعطل نور السبعة الشهب
نرى محياه في ليل فيخبرنا عن الحقيقة أن الشمس لم تغب ودخل مجلس باديس فوسع له على ضيق كان فيه، فقال:
صير فؤادك للمحبوب منزلة سم الخياط مجال للحبيبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة فقلما تسع الدنيا بغيضين
[ ٢ / ٨٥٩ ]
قال ابن بسام: وهذا من قول الخليل بن أحمد، وقد دخل عليه بعض أوانه وهو على نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه معه في مكانه، فقال: إنها لاتحملنا، فقال له الخليل: ما تضايق سم الخياط لمحبين، ولا اتسعت الدنيا بمتباغضين. وسمع هذا أيضا ابن عبد ربه فقال هذين البيتين:
صل من هويت وإن أبدى معاتبة فأطيب العيش وصل بين خلين
واقطع حبائل خلٍ لا تلائمه فربما ضاقت الدنيا بإثنين - @ومن مدائحه
له من قصيد في العالي بالله إدريس بن يحيى بن بن علي بن حمود أولها:
لولا التحرج لم يحجب محياك حييت عنا وحيينا بمحياك
هذا اللثام غمام ما يبين هدى حطي اللثام ليس البدر إلاك
لما هديت إلى نعمان سافرة كانت هدايتنا من بعض نعماك
أيا غزالتنا شمس الضحى طلعت على اتفاق فسيماها كسيماك
بدوت في حلة زرقاء وهي هكذا فقال قاضي الهوى: هذي ولا ذاك
أظمأتني منك يا ظمياء جائرة ما كان ضرك لو أحضى بسقياك
إني أراك بقتل النفس حاذقة قولي بفضلك من بالقتل أوصاك
مالي وللبرق أستسقيه من ظمأ هيهات لا ري لي إلا ثناياك
إن كان واديك ممنوعا فموعدنا وادي الكرى ثم تلقاني وألقاك
[ ٢ / ٨٦٠ ]
رق الدجى فتلاقينا على جزع وأين مثواي من أقطار مثواك
دمعي ببغداد ممدود بدجلتها وأنت من روض نجد نشر رياك
ريح الصبا بلغي أنفاس ذي ظمأ وبرديها بما يقضيه مجراك
أو يممي حضرة العالي بما احتملت مني الضلوع فثم البرء للشاكي وله نثر فيه طويل إذ ولي الخلافة، قال فيه بعد الصدر: ولم يترك المتطول علينا عز وجهه بالهدى أمة محمد ﵇ سدى؛ بل نضم شملها بإمام عادل تجتمع إليه، وتعول عليه، تتوارثه كابرا عن كابر، وتتلقاه غابرا عن غابر؛ إلى أن أذن الله للإمام الهاشمي، والملك الفاطمي، والفرع العلوي، إدريس العالي بالله بن يحيى المعتلي بالله ابن علي الناصر لدين الله بن حمود بن أبي العيش بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ فقام العالي بالله بخلافة المغربين، واضطلع بملك العدوتين؛ ولما آن أوان إمامته، حان من عدوه حين قيامته. وكان مقتل العبد الغادر - وكافر النعمة كالكافر - في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين، وفي عشرين ليلة خلت من كانون. فانجلت سموم الشتاء بانجلائه، وانقضت أيام الشؤم
[ ٢ / ٨٦١ ]
بانقضائه، وكان عقب الشهر في استقبال شهر رجب الشهر الأصم، سمي بذلك لأن العرب أسقطت فيه قعقعة السلاح؛ وكأن المثل إنما جرى في مضمار، على مفرق الليل والنهار، وأرى الناس مخايل السعد والإيناس، وهو قولهم: عش رجبا تر عجبا؛ وكان هذا العجب آخر يوم من الليالي، وقامت فيه دولة هذا الملك العالي، والشمس تأخذ من قعر الفلك في الصعود، وتؤذن بجري الماء في العود؛ وتترقى بالعالم في درج السعود:
واستقبل الملك إمام الهدى في أربع بعد ثلاثينا
خلافة العالي سمت نحوه وهو ابن خمس بعد عشرينا
إني لأرجو يا إمام الهدى أن تملك الملك ثمانينا
لا رحم الله امرءًا لم يقل عند دعائي لك آمينا فسفرت الدنيا قناعها فتية، وبلغت النفوس بخلافته الأمنية، وانثالت عليه بيعات الأمصار، وأمت حضرته الرسل من جميع الأقطار، وبدأ بالفضل، وصدع بالعدل، فأحيا مآثر آبائه الطاهرين، وفي وصف دولته يقول من اتسم بسيماء نعمته، ومحبة دعوته:
ضحك الزمان إليك بعد عبوس ونفى دجى الإيحاش بالتأنيس
فأدر نجوم الراح في فلك المنى وتطوف نحوك من أكف شموس
في روضة تحيي النفوس كأنما باتت تنفس عن علا إدريس
ملك أقام الله دولة ملكه فكبا من الأعداء كل رئيس
من دوحة الوحي التي بسموها درست معاني الكفر أي دروس
[ ٢ / ٨٦٢ ]
قال: ودخلت يوما على العالي، ووصلت إلى مجلسه العالي، وأنا على بعد منه، وانتزاح عنه، ألحظه بمقلة حائم، وأناجيه بقلب هائم؛ فأنشدته بيتي إسحاق الموصلي في المأمون:
يا سرحة الماء قد سدت موارده أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام لا ورود له محلأ عن طريق الماء مردود فقرب وأدنى، وسأل عن حالي فأحفى؛ فتغنى بعد هدء محمد بن الحمامي المغني بشعر لعبد الله بن المعتز:
هل يزيل البين محتال أن غدت للبين أجمال فأمر العالي بتذييله فقلت:
إنما العالي إمام هدى حليت في عصره الحال
ملك إقبال دولته لذوي الإفهام إقبال
قل لمن أكدت مطالبه راحتاه الجاه والمال
[ ٢ / ٨٦٣ ]
ولم أكد استتم إنشاد هذه الأبيات، حتى أنعم علي بالصلات. ولما انفصلت وقد تسربلت أثواب نعمته. قصدت إلى وزيره وثقته أبي عمر بن هاشم فأعلمته، وأثنيت وشكرت، ولو استطعت جعلت الريح لسانا، والزمان ترجمانا.
قال: وحضرت مجلسه أيضا فتغنى الحمامي بشعر محدث أوله:
إذا بلغتني يا نا قتي المسمي إدريسا فكأن العالي بالله استحسن الحلة ولم يرض قوله " المسمي "؛ وإنما هو المسمى أو المسمى من سميت أو أسميت، ولا يقال من التسمية سموت ولا سميت، ولو قال " المسمى بإدريسا " لصالح الوزن والكلام؛ فأطرق قليلا - أيده الله - ثم قال للمغني أعد الصوت، قل:
إذا ضاقت بك الدنيا فعرج نحو إدريسا
إذا لاقيته تلقى رئيسا غير مرؤوسا
ومن عزماته تنفي عن الأوطان إبليسا
إمام ماجد ملك يزيل الغم والبؤسا فتبادر من بالحضرة إلى حفظها؛ ثم قال لي: أيجوز من طريق النحو " رئيسا غير مرؤوس " - فقلت: للنحويين في هذا مذهبان، وهما في جوازه وامتناعه فرقتان، فأهل البصرة أنكروه، والأخفش والكوفيون
[ ٢ / ٨٦٤ ]
جوازه وامتناعه فرقتان، فأهل البصرة أنكروه، والأخفش والكوفيون أجازوه، وأنشد من أجاز ترك صرف المصروف قول عباس بن مرداس:
فما كان قسيس ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وأنشدوا:
وقائلة ما بال دوسر بعدنا صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند ومثله:
وممن ولدوا عا مر ذو الطول وذو العرض فلم يصرفوا مرداسا ولا دوسرا ولا عامرا وهي منصرفة. وللبصريين في هذه الأبيات تبديل، ومذاهب وتأويل؛ رووا مكان دوسر " ما للقريعي بعدنا " وتأولوا في عامر القبيلة. والذي يعول عليه أن منع الصرف دن علة ضرورة عند سيبويه، وإن كان في اختلافهم مجال، لمن تصرف في سبيل المقال.
ثم أمر بعد أن يبدل مكان " غير " في البيت " ليس مرؤسًا "، وقال: السلامة من الاختلاف، أولى في طريق الإنصاف.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
@ومن مراثيه
أنشد له الفقيه ابن عميثل المذكور يرثي أخويه من جملة قصيدة:
يا دمع لا تخذل وكن مسعدًا لا تخش من صبري أن يمنعك
أخ غريق وأخ في الثرى وترتجي السلوة ما أطمعك!
إن جمود العين خوف العدا ورقبة الحساد لن ينفعك
إن جمود العين خوف العدا ورقبة الحساد لن ينفعك
يا عمرًا أعمرت قلبي أسى ودع صبري مثلما ودعك
رزئت في الدنيا يدي نصرتي يا دهر تبًا لك ما أفجعك وله فيهما:
ما طمعي في العيش من بعدما كدره موت شقيقيا
كفان صافحت المنى عنهما فكفت الأيام كفيا
هذا فقير طاح في قفرة ودا غريق ما أرى حيا وله من قصيدة يرثي الفقيه القاضي أبا علي بن حسون أولها:
الموت أعرب في أصح مساق أن المنية شمرت عن ساق
[ ٢ / ٨٦٦ ]
[الموت يخبر عن مرارة كأسه والكأس ملأى لم يدرها ساق]
هلا تواصينا بصورة حالنا والنفس ترقى في لهى وتراق -
يا آمل الدنيا لباقي عمره أقصر فما أمل عليها بطلاق
معشوقة الحركات إلا أنها أفعى تدب لأعشق العشاق
كم أودت الدنيا بغض شبيبة كالغصن ماس بناضر الأوراق
وموقر لبس المشيب جلالة بحر لباغي العلم عذب مذاق
طرقته أحداث المنون فأطرقت منه الفضائل أيما إطراق
لو كان يبقي الموت حبرًا عالمًا لوقى الحمام أبا علي واق
ما أنصفت عقباك يا طلق الردى أرديت عالمنا على الإطلاق
ولى حسين والمحامد بعده كيلا تقاسي جاحم الأشواق
أسفي لرية كنت عقد جمالها فابتز ذاك العقد دون وفاق
تزدان منك بحسن ما قد طوقت زين الحمام الورق بالأطواق
علم أعين بفضل حلم راجح أخذ الأمان له من الإخلاق
وصباحة وسماحة قسمت له رزقًا تبارك قاسم الأرزاق
ومن الغريب غروب شمس في الثرى وضياؤها باق على الآفاق
أبقيت في الدنيا مآثر ثرة تبلى حلى الأيام وهي بواق
قد كان مجلسك المبارك موسمًا فأقام أوحش من غداة فراق
[ ٢ / ٨٦٧ ]
غيبت عنه مغيب بدر كامل والليل أدهم ضارب برواق
ومن العجائب والكسوف مرتب قمر توارى في زمان محاق
من ذا أعزي من هذا الورى لم يلقني إلا بحزنك لاق
والناس محزونون فيك كأنما كان اتفاقهم على إصفاق وله في بلقين بن باديس، من قصيدة أولها:
هو العمر يطوى والأماني رواحل هو العيش يفنى والليالي مراحل
إذا كانت الآمال تدعى قواتلا على الحكم فالآجل منا مقاتل
نغالب أجناد الردى الدهر بالمنى كما غالب الحق المصرح باطل
وأحوالنا بين الحياة وصدها تصرف والأقدار فيها العوامل
على ذا تقضى عالم بعد عالم ولم تختلف فيه القرون الأوائل ومنها:
مضى ملك العليا ولم يظلم الضحى ولا انتقلت عن حالهن المنازل
ولا انهدت الشم الرواسي ولا انثنت أعالي ديار الأرض وهي أسافل
فقل لعتاق الخيل تندب يومه فقد فجعت فيه القنا والقنابل
وليس صهيل الخيل ما تسمعونه ولكن عويل رجعته الصواهل
[ولا تعجبوا من واكف القطر إنه دموع هراقتها السحاب الهواطل]
[ ٢ / ٨٦٨ ]
فقل للسان المجد أخرست مفحمًا لفقد بلقين، فما أنت قائل -
فيا طالبًا للجود لا تتعب المنى فقد نصبت في الأرض تلك الأنامل
كأن جميل الصبر راء ومن غدا يحاول وصلًا من تأتيه واصل ومنها:
وقد كنت أغدو نحو قصرك مادحًا فها أنا أشدو وحول قبرك ثاكل
وقد كنت في مدحيك سحبان وائل فها أنا من فرط التأسف باقل وفيها يقول:
أفق أيها المولى الرئيس فإنما بقاؤك عمر للندى متطاول
وإن كان سيف الدولة انجاب ظله فأنت لهذا المد كاف وكافل
وإن كان شمسًا قد تولى ضياؤها فيوشع في تمكين نورك حاصل
وإن كان بدرًا أنت عنصر نوره فأين من الشمس البدور الأوافل -
إذا ثبت الماء المعين بحاله فليس نكيرًا أن تفيض الجداول
وفي الخيس أشبال ترشح للعدا وآراؤك الحسنى مواض فواصل وأنشد له من أشعاره في صباه:
هون عليك فقد مضى من يعقل والبس من الأخلاق ما هو أفضل
فلقلما تأتي عليك مسرة إلا تتابع بعدها ما يثكل
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وإذا خبرت الناس لم تلف امرءًا ذا حالة ترضيك لا يتحول
ما بالهم - بكبت بهم آمالهم - كل يعيب ولا يرى ما يفعل
فمساتر ضعفت قوى آرائه ومجاهر يرمي ولا يتأمل
ومقلد متعاقل متأدب وإذا اختبرت فباقل هو أعقل
ومن الغرائب من يقارع في النهى أهل البصائر وهو فيهم أعزل ومنها:
حاولت أن ألقى الزمان بطبعه لولا الوفاء وشيمة لا تنقل
في الأرض متسع لنفس حرة إن تنب منزلة دعاها منزل وأنشد له:
بعينك هل لي منهما متخلص فإن كنت تدريه فكيف يكون -
وإن زمانًا ضن عني بوصلكم على طول ما قاسيته لضنين وأنشد له:
أمط عنك لومي فالطباع ضروب ومن سالم الأيام فهو لبيب
إذا ما تجنى المرء من غير علة فليس لداء الود منه طبيب
وإن كان ما قد حال منه لعلة فكل مداو بالعتاب مصيب
يقولون لي غمض على غدر من مضى ولا تعتبن إن الوفاء غريب
فقلت لهم إني غريب كمثله وكل غريب للغريب نسيب @فصل في ذكر الأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي
محسن في أهل عصره معدود، وشاعر بني حمود، وله فيهم
[ ٢ / ٨٧٠ ]
غير ما قصيد، ومقطوعات في النسيب وجدتها بخط الأديب أبي علي الحسن ابن الغليظ من أفق مالقة أيضًا، صاحبه الكثير الاتصال به والمنادمة له، وقد اخترت منها ما يليق بشرط هذا المجموع.
قال أبو علي: أردت يومًا الأنس به، فعلمت اتصال شربه، فانفردت مع صديق وكتبت إلى ابن السراج:
يا خليلًا صفا وكدر يومي هل إلى الطيب في غدٍ من سبيل -
لو تراني أسارق اللحظ خلي وأسقى من ريقه المعول
لتمنيت أن ترى " حسن الور د " تغنيك بالغناء الثقيل
يا خليلًا مثاله نصب عيني لو خلونا إذن شفيت غليلي فألفاه رسولي سكران فكتب إليّ:
يا صديقي شغلت عنك بخطبٍ لم يكن لي بتركه من سبيل
وغدًا نلتقي عليها سلافًا مزةً في حرارة الزنجبيل
أثقلتني هوىً بقد خفيفٍ حسن الورد فوق ردفٍ ثقيل
سلبت صبري الجميل وقلبي بجفونٍ نجل ووجه جميل
كحلت بالسهاد والدمع طرفي يوم أبصرتها بطرف كحيل
هي سؤلي من الملاح كما أن - ك من سادة الأخلاء سولي
لا عدتني زيارة منك تذكي نور عيني سنًا وتشفي غليلي
[ ٢ / ٨٧١ ]
وكنت معه يومًا على جرية ماءٍ في موضعٍ حسنٍ يحار فيه الطرف، ويقصر عنه الوصف، وأقمنا هنالك أيامًا في أطيب عيش وأظرف منظر، وكنت أهيجه للقول فقلت:
شربنا على ماءٍ كأن خريره خرير دموعي عند رؤية أزهر
حلفت بعينيها لقد سفكت دمي بأطراف فتان وألحاظ جؤذر وقلت:
شربنا على ماءٍ كأن خريره فقال مبادرًا:
بكاء محب بان عنه حبيب
فمن كان مشغوةفًا كئيبًا بإلفه فإني مشغوف به وكئيب وأزهر التي بذكر جارية كانت لبعض إخواننا، وله بها كلف، وفيها يقول:
خليلي في ريح الصبا لو تنسمت علسينا شفاء من هوىً متسعر
رسول التي في صوتها سوط لحظها على هائمٍ مثلي بها غير مقصر
تذكرت بالوادي زمانًا لقيتها به فيه والمشتاق حلف تذكر
فلو صب في كأسي أذىً لشربته على شرط أن أسقاه من كف أزهر وورد عليه يومًا رسول حسن الورد ومعه قفص فيه طائر يغرد
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فاقرأه سلامها، ودفع إليه القفص هدية منها إليه، وأخبرني بذلك، واجتمعنا إثر هذا وهجته لذكرها، وبين يدينا كثير نضير معلق من أغصانه، فقال:
ذكرت بالورد حسن الورد شقته حسنًا وطيبًا وعهدًا غير مضمون
هيفاء لو بعت أيامي لرؤيتها بساعة لم أكن فيها بمغبون
كالبدر ركبه في الغصن خالقه فما ترى حين تبدو غير مفتون
فاشرب على ذكرها خمرًا كريقتها وخصني بهواها حين تسقيني قال: فقلت أنا:
بدا الورد في أغصانه متعرضًا يذكرني من إسمه حسن الورد
يذكر أيامًا نعمنا بطيبها ورشف رضابٍ طعمه حسن الورد
فدعني ولا تلح على الحب أهله فلو كنت تدري لم تلمني على وجدي وقال أبو عليّ:
ولما تبدى الورد فوق غصونه وذكرني بالورد في صفحه الخد
ذكرت به من خده لي روضه تهيم بها من حسنها روضة الورد
فقلت لمن عهدي له مثل عهده سقاك الحيا من صاحب حافظ العهد
وقلت اسقني كأسًا على طيب ذكرها فإني مشغوف بها بينكم وحدي وشربنا يومًا على ماءٍ يتفجر من أعالي أحجار، وقد أحدقت بنا عدة
[ ٢ / ٨٧٣ ]
أشجار، وتردد فيها علينا غناء أطيار، تنسي لحن الأوتار؛ وانكسر لنا الكاس هنالك، وكان بتلك القرية صديق لنا فكتب إليه:
بقينا بلا كأس سوى شقف شربةٍ يميت سرور الشارب المترنم
فمن بكأس يا فتى الفتك والذي مضى لي زمان وهو فيه معلمي وهبت علينا في ذلك المكان ريح عطرة أتت بأنواع أرواح النبات، فقال:
ألا يا نسيم الريح هل أنت مخبري بحال حبيب ليس لي عنده علم -
حبيب رآني أشتفي منه فاتقى جفوني بسترٍ تحته القمر التم وقال عند رحيلنا:
عليك سلام الله يا ماء موضعٍ شربنا عليه مثله قهوةً خمرا
وروى التي من حسنها وجفونها سقتني سحرًا خمرةً تسكر السحرا وكتب إلى صديقٍ له ونحن على ذلك الماء:
هل لك في الشرب يا أبا الحسن في منزلٍ طيب الثرى حسن -
أرجاؤه لا تزال دائرةً بواكفٍ من مياهه هتن
لو كان مما يباع كنت له مشتريًا بالغلا من الثمن
ما كنت فيه والزق يصحبني أبدل كأسي بتاج ذي يزن وقال وقد ارتحلنا من ذلك المكان:
سقى صفحة الصفاح من غيث عبرتي سحائب تروي تربها وثراها
[ ٢ / ٨٧٤ ]
شربت بها يومًا وصحبي ماجد له راحة يسقي السحاب نداها
جواد إذا ما استمطرت جود كفه ظوامئ آمالٍ همي فسقاها قال: ودعوته إلى النزهة بالبادية ومطلته، وكان بعض خدمتنا قد أعرس ورغب إليّ أن أبقى لأحضر العرس، فكتبت إليه:
يا صديقًا وداده ما يريم وخليلًا إخاؤه لي يدوم
جاءني راغبًا لأحضر عرسًا من له عندنا ذمام قديم
وهو عرس لا تأته خاوي البط ن فإن الغداء فيه نسيم فكتب إليّ:
إن كنت تبقي على عرس البواقين فأنت عندي مجنون المجانين
دع ذا وسر بي إلى أم الحسان ففي صدري لها وصلوعي قلب مفتون
وصاحب العرس بوقون وأنت فتى ما زلت تكره أحوال البواقين وخرجنا إلى البادية في أيام الربيع، وأقمنا على روضة ورد وحولها مياه تطرد، وأم الحسن تغرد، فقال ارتجالًا:
يا سيدي والذب رضاه رضىً عليه دون الأنام أعتمد
[ ٢ / ٨٧٥ ]
أما ترى الدهر كيف جاد لنا بيوم أنس ساعاته جدد
ورد جني وروضة تركت بوفرها والمياه تطرد
فقل لأن الحسان تقتلني ولا عليها دم ولا قود
واشرب كشربي على محبة من في صوتها العذب طائر غرد ومالت الشمس هناك إلى الغروب، وأحدثت شعاعًا في تلك الروضة، وعلا خرير الماء ببرد العشي، فقال أيضًا:
إذا الشمس مالت للغروب رأيتني أميل بأثقال الهوى فأميل
تذكرني أوصاف من عرض الهوى علي فلما همت ظل يحول
خليلي وجدي فوق ما تبصرانه فهل لي إلى السلوان عنه سبيل
خذا رحمة من بعض ما بي من الهوى فإن الهوى حمل علي ثقيل قال: واجتمعنا يومًا بمجلس أنس، وكتبنا إلى أبي بكر عبادة، وقد كان تاب عن الشراب ويساعد في النبيذ:
نبيذك المحكم يدعوكا مستشعرًا شوقًا إلى فيكا
فامنن بإقبال وإلا مضى جميعنا دمت لنا ديكا فراجعنا بقوله وجاء لوقته:
قصدي بود ليس مشكوكا فيه وعهد ليس متروكا
من حق ناديكم على شاكر غدا لكم صنوًا ومملوكا
وكيف صبري عن ندي أرى فيه دم الكرمة مسفوكا
[ ٢ / ٨٧٦ ]
وغبت مدة طويلة من الدهر في سفر لقيت فيه نصبًا، وصحبت قومًا لم يحسن موقعهم من نفسي ولا التذذت بهم، ثم قدمت مشتاقًا إلى الأنس به، فكتبت إليه:
يا من أقلب طرفي في محاسنه فلا أرى مثله في الناس إنسانًا
لو كنت تعلم ما لاقيت بعدك ما شربت كأسًا ولا استحسنت ريحانا فورد علي من حينه فقال: أردت مجاوبتك فخفت أن أبطئ، فصنعت الجواب في الطريق، وهو:
يا من إذا ما سقتني الراح راحته أهدت إلي بها روحًا وريحانا
من لم يكن في صباح السبت يأخذها فليس عند بحكم الظرف إنسانا
فكن على حسن هذا اليوم مصطبحًا مؤخرًا حسنًا فيه وحسانا
وفي البساتين إن ضاق المحل بنا مندوحة لا عدمنا الدهر بستانا قال: وغبت في غزوة مع يحيى المعتلي بالله، وذلك في سنة أربع وعشرين، فاتصل بي أنه تنزه مع بعض أصحابه في زمان الورد، وفصاحة أم الحسن، وأنه صنع أشعارًا في وصفها، منها:
ومسمعة غنت فهاجت لنا هوى جنينا به منها ثمار المنى جنيا
دعوت لها سقيًا فما استكمل الرضى دعائي لها حتى سقاها الحيا سقيا
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وكنت رفيقًا للوزير الكاتب أبي بكر ابن زياد، وسألني مخاطبته ليزيد عليها، فكتبت إليه في ذلك، فزاد فيها:
وكأس على طيب استماعي لصوتها شربت ودمع المزن يسعدني جريا
ولو أقلعت أولى عزاليه لانبرت رياح النوى تمري دموع الهوى مريا
خليلي هذا اليوم لو بيع طيبه بما حوت الدنيا لقلت له الدنيا
ولله أيامي وما خلت أنها تعوضي من قربها في الرضى نأيا
تولت حميدات فسقيًا لعهدها ورعيًا ولا سقيًا لهذي ولا رعيا
جفتني عيون الغانيات وطالما سعت طول أيامي لتبصرني سعيا
وأطلع شيبي عارضًا فوق عارضي يسح همومًا ما علي لها بقيا
مضى عمري والدهر لي غير منصف يكلفني أشياء جلت عن الأشيا
فلا جيد من غيداء يشفي عناقها غليل صباباتي ولا شفة لميا
كفى حزنًا أني أرى الحسن ممكنًا ولست أرى لي فيه أمرًا ولا نهيا
ولو تعدل الأيام في بذل خطةٍ لما كنت في السفلى وغيري في العليا وقال في يدك صدح سحرًا:
رعى الله ذا صوت أنسنا بصوته وقد بان في وجه الظلام شحوب
[ ٢ / ٨٧٨ ]
دعا من بعيد صاحبًا فأجابه يخبرنا أن الصباح قريب
علي له لو كنت أملك أمره حياة على طيب الزمان تطيب وقال وقد رأى الغيث ينزل:
تأمل سقوط الغيث ماذا أثار من هوى هو في قلب المحب كنين
رأى في جفوني دمعها جامد الهوى ففاضت على الإسعاد منه جفون وقال أيضًا:
ذكرتك بالوادي الذي كنت مرة به والهوى ما بيننا أبدًا غر
فحرك مني باعث الشوق ساكنًا وكلفني صبرًا ومن أين لي صبر -
فيا نازحًا والدار مني قريبة إلى كم يطول الصد لي منك والهجر -
إذا الله يومًا خص بالقطر ساحة " فلا زال منهلًا بساحتك القطر " قال أبو علي: وطالت بنا الايام، وسئمنا المدام، فتناومنا لها، فقال ابن السراج:
يا راقدين تنبهوا من رقدة منعتكم طيب السرور العاجل
[ ٢ / ٨٧٩ ]
وصلوا بعامكم السرور فإنكم لا تضمنون سروركم في القابل
لا خلق أغبن متجرًا من بائع بالبخس عاجل طيبه بالآجل
لله هذا اليوم لو ظفرت يدي فيه بحفظ العهد في لقابل وقال أيضًا:
رعى الله فتيانًا أنست بقربهم على جدول للماء فيه خرير
أقمنا به يومين في خفض عيشة ولا عيش لا قهوة وغدير
تدور القوافي بيننا نستحثها وكأس الحميا بالسرور تدور
وفي الشجرات الخضر منه رقيقة لنغمتها بين الضلوع هدير
إذا ما تغنت فوقنا قلت قينة تلاها بصوت مثلثان وزير
سبتني بصوت لو يباع اشتريته بما مر من عمري وذاك يسير واستعفيناه يومًا من الشرب وكان يدمنه على ضعفه، فقال:
رعى الله يومًا لم أجد فيه مسعدًا على شربها والمسعدون قليل
شربت بها وحدي وإني بشربها إذا لم أجد لي مسعدًا لكفيل وقال أيضًا:
خليلي هبا للمدامة واشربا سرورًا على الطير الذي يترنم
علا صوته حتى حسبناه عاشقًا يبوح ودمع العين في الخد يسجم
كأنا سألناه مزيدًا لما شدا به فهو من إلحاحنا يتبرم
[ ٢ / ٨٨٠ ]
وقال:
يا حابسًا كأس المدامة حثها نحوي فلي في شربها تأويل
واطرب على وجه الربيع فقد بدا منه لنا وجه أغر جميل
واشرب على ماء الخليج فإنه ضيف إقامته لديك قليل
لو كان أمري في يدي ما فارقت يومًا يدي رامشنة وشمول وقال:
ومسمعة تغنينا ارتجالا وتصحبنا بنغمتها دلالا
وبين أكفنا خمر وماء إذا ما سال خلت الدر سالا
فإن شاءت سقيناها مداما وإن شاءت سقيناها زلالا
ولو سقيت دمي ودمي حرام لكان لحسن منطقها حلالا قال: وكنا يومًا على الوادي في أيام الربيع، فمر به سرب ملاح فيهن جارية حسناء، ظريفة المنطق، وهي تأكل باقلاء، فاعترضها وسألها منه فدفعته إليه، فقال بديهةً:
وسرب ملاح مر بي وبصاحبي ونحن على ماء يذكرنا عندنا
ويحملن فولا عندهن نظيره عوان ولكن نوره عز أن يجنى
فقلت عسى من فولكن بقية فقلن: وأي الفول ترغبه منا -
فقلت الذي تحت السراويل قلن لي جهلت ولم تفهم مقالتنا عنا
وفيهن نشوى الطرف لم أر قبلها من الإنس شمسًا تحمل الدعص والغصنا
[ ٢ / ٨٨١ ]
وأقمنا بالبادية في أيام العصير مدة في لهو وطيب، وقفلنا فكتب إلي:
رعى الله عصرًا ضمنا في عصيره محل وصلنا اللهو فيه لياليا
تدور علينا الراح في أريحية من العيش لو دامت زمانًا كما هيا
أقول لأصحابي خذوا من حياتكم برأيي زادًا سوف ينفد فانيا
ومن مل منكم شربها فليردها إلي فإني لا أمل التماديا
أرى عمر الإنسان يومًا يسره فمن نال ذاك اليوم نال الأمانيا
فلا تلق يومًا بالخلاف إلى غد فلست بما لاقيت بالأمس لاقيا
ولا تخل من كأس يسرك شربها على طرب ما دام سرك خاليا
فإن أبك أيام الشباب فواجب على من جفته أن يرى الدهر باكيا وقال أيضًا:
ألا من منقذي من كرب ليل تعرض بين طرفي وارتياحي -
تضاعف طوله واشتد حزني به حتى يئست من الصباح @فصل في ذكر الأديب أبي القاسم خلف
@ابن فرج الإلبيري المعروف بالسميسر
وكان باقعة عصره، وأعجوبة دهره، وهو صاحب مزدوج كأنه
[ ٢ / ٨٨٢ ]
حذا فيه حذو منصور الفقيه، وله طبع حسن، وتصرف مستحسن في مقطوعات الأبيات، وخاصة إذا هجا وقدح، وأما إذا طول ومدح، فقلما رأيته أفلح ولا أنجح، وقد أثبت من ذلك، بعض ما تخيرته له هنالك. وله مذهب استفرغ فيه مجهود شعره، من القدح في أهل عصره، صنت الكتاب عن ذكره، [ألا تسمع إلى قوله:
ألا قل لأهل القيروان لحاكم واستاهكم هانت عليكم فهنتم
فأستاهكم تعطونها ولحاكم تعفونها بالحلق طرًا لعنتم والسميسر في هذا كما قال القائل:
عابني من معايب هي فيه خالد فاشتفى بها من هجائي أو كما قال الآخر:
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه مراد لعمري ما أراد قريب لكنه ليست ضعة المرء في نفسه بمذهبة جوهرية الأدب المركب في الإنسان، وقد أومأ إلى ما كانت عليه حاله بقوله:
حستي صحيح ولكن هواي يوهن حسي
فصح رأيي لغيري ولم يصح لنفسي
[ ٢ / ٨٨٣ ]
ثم بعد أن لوح، صرح وأوضح في قوله:
إذا تبطنت لذتي فأنا نطيس نفسي عسى أداويها
فلا تلم مولعًا بلذته فإنها علة يعانيها] @ما أخرجته من شعره في أوصاف شتى
[من شعره في الازدواج على كل منهاج، قوله:
لا تغرنك الحيا ة فموجودها عدم
ليس في البرق متعة لامرئ يخبط الظلم وقال أيضًا:
بئس دار المرية اليوم دارا ليس فيها لساكن ما يحب
بلدة لا تمار إلا بريح ربما قد تهب أو لا تهب وقال:
أقارب السوء داء سوء فاحمل أذاهم تعش حميدا
فمن تكن قرحة بفيه يصبر على مصه الصديدا
[ ٢ / ٨٨٤ ]
وقال:
قالوا المرية فيها نظافة قلت إيه
كأنها طست تبر ويبصق الدم فيه وقال في ملوك الأندلس:
ناد الملوك وقل لهم ماذا الذي أحدثتم
أسلمتم الإسلام في أسر العدا وقعدتم
وجب القيام عليكم إذ بالنصارى قمتم
لا تنكروا شق العصا فعصا النبي شققتم وقال:
رجوناكم فما أنصفتمونا وأملناكم فخذلتمونا
سنصير والزمان له انقلاب وأنتم بالإشارة تفهمونا وهذا كقول الآخر مما انشده الثعالبي:
سنصبر إن جفوت فكم صبرنا لغيرك من أمير أو وزير
ولما لم ننل منهم سرورًا رأينا فيهم كل السرور
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وقال:
يا مشفقًا من خمول قوم ليس لهم عندنا خلاق
ذلوا وقد طلما أذلوا دعهم يذوقوا الذي أذاقوا وقال:
إذا رأيت العبد فاحكم على مولاه من ظاهر مرآه
دليل حال المرء عبدانه والعبد من طينة مولاه وهذا المعنى كثير، ومنه قول أبي الحسن بن مضا القرطبي في غلام وسيم من عبيد المتوكل للمتوكل:
قد جاءكم فاضح الهلال يعبق بالمسك والغوالي
لا تنكروا نشرها عليه فالعبد من طينة الموالي وقال السميسر:
خذ من الدهر ما أتى إن نعيمًا وإن نكد
كن كسكين جازر قاطع كل ما وجد وقال:
ليس يخلو المرء من هم باكتساب اللحم والدم
حيوان حيوان صحفوه فهو أقوم
[ ٢ / ٨٨٦ ]
كأن معنى البيت الأول ينظر إلى قول المعري:
يغنى الفتى بالمنايا عن مآربه وينفخ الروح في طفل فيفتقر وقال في عبد الله الأمير بغرناطة وقد رآه يحصن على نفسه:
يبني على نفسه سفاهًا كأنه دودة الحرير وهذا المعنى [كثير] مطروق ومنه قول حبيب:
وإن يبن حيطانًا عليه فإنما أولئك عقالاته لا معاقله وقال ابن الرومي:
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته في مطمح النسر أو في مسبح النون
ومن تحصن مسجونًا على وجل فإنما حصنه سجن لمسجون وقال السميسر:
قالوا أتسكن بلدة نفس العزيز بها تهون -
فأجبتهم بتأوه كيف الخلاص بما يكون!
غرناطة مثوى الجني ن يلذ ظلمته الجنين
[ ٢ / ٨٨٧ ]
وقال:
بعوض جعلن دمي قهوة وغنينني بضروب الأغان
كأن عروقي أوتارها وجسمي رباب وهن القيان ولعمري لقد أصاب في أن جعل جسمه الرباب، وكان تشبيهه البعوض بالفتيان أولى من القيان، فإليهم كان ينزع، وبهم زعموا كان يقول ويسمع، وفيهم لم يزل يسجد ويركع.
وأنشدت لبعضهم في البعوض:
ضاقت بلنسية بي وذاد عني غموضي
رقص البراغيث حولي على غناء البعوض ولم أمسع في وصفها أحسن من قول ابن المعتز:
بت بليلي كله لم أطرف [من قرقس يلبس ثوب السدف يلم بالعريان والملفف] يلسعنا بشعر مجوف غادر جسمي كعشور المصحف
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وقد أخذه الآخر فقال:
ونفطنني بخراطيمهن كنقط المصاحف بالحمرة وقال أبو عمر القسطلي:
بت بليلي كله لم أنم عن قرقسٍ بليس ثوب الظلم
يشدو على جسمي بصوت أعجم كأنما غنى على شرب دمي @ما أخرجته من شعره في الزهد والحكم
جملة الدنيا ذهاب مثل ما قالوا سراب
والذي منها مشيد فخراب ويباب
وأرى الدهر بخيلًا أبدًا فيه اضطراب
سالب ما هو معطٍ فالذي يعطي عذاب
وليوم الحشر إنعا م سؤال وجواب
وصراط مستقيم يوم لا يطوى كتاب
فاتق الله وجنب كل ما فيه حساب قال:
ليس لمن ليست له قدرة كالأخذ عند الرزء بالصبر
أو لا فما حيلة مستضعفٍ ليس له فضل على الذر
[ ٢ / ٨٨٩ ]
نسبته منها فهذي وذا تحت الذي حد له يجري
من كان مخلوقًا من الأرض إذ ركب لم يطلع على السر
حتى ترى الجثة مطروحةً والنفس في عالمها تسري
فعندها يأمن ما يتقي وعندها يعلم بالأمر
هذا على مذهبنا ثم قد قيلت مقالات ولا أدري
لقد نشبنا في الحياة التي توردنا في ظلمة القبر
يا ليتنا لم نك من آدم أورطنا في شبه الأسر
إن كان قد أخرجه ذنبه فما لنا نشرك في الأمر -! والسميسر في هذا الكلام ممن أخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن عمى بصيرته، ونشر سريرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، [فيما كان ينظمه من سخيف الآراء]، ويا بعد ما بين النجوم والحصباء، وهبه ساواه في قصر باعه، وضيق ذراعه، أين هو من حسن إبداعه، ولطف اختراعه -
وقال السميسر:
أصاب الزمان بني عامر وكان الزمان بهم يفخر
فعاد نهارهم مظلمًا وليلهم بعد لا يقمر
وأيامهم بعد لا تزدهي وصبحهم ظل لا يسفر
أماتهم الدهر قبل المنون فهم ميتون ولم يقبروا
[ ٢ / ٨٩٠ ]
كأنهم أربع دارسات فما لهم غير أن يذكروا
فأين السرير وأين السرور وأين القصور التي عمروا -
فلا تعجبن بما وقد ترى فلا خير في كل ما تبصر
وهون عليك كثير الحياة فسكناك في قبرك الأكثر وقال أيضًا:
دع عنك جاهًا ومالًا لا عيش إلا الكفاف
قوت حلال وأمن من الردى وعفاف
وكل ما هو فضل فإنه إسراف وقال:
لا توقدن عدوًا وأطفه بالتودد
فالنار بالفم تطفا والنار بالفم توقد وقال:
قد هجرت اللذات إلا قليلًا بعد وصولي لها زمانًا طويلا
فأنا ثابت البناني لكن لي قلب عن النواسي أزيلا
وبحق أقول لولا حذاري ن كلام الوشاة قالًا وقيلا
لبدا للأنام مني عجاب ولأوضحت للرواة السبيلا
[ ٢ / ٨٩١ ]
وقال:
المال ذل، وذل ألا يرى لك مال
فاحرص كأنك باقٍ فما لذي الفقر حال
واقنع فإنك فانٍ غدًا وكل محال @ومن شعره في ذكر الطب والأطباء
كل علمٍ ما خلا الشر ع وعلم الطب باطل
غير أن الأول الطب على رأي الأوائل
هل تمام الشرع إلا أن يكون الجسم عامل -
فإذا كان عليلًا بطلت تلك العوامل وقال:
العلم علمان علم ال - أديان والأبدان
ما الطب للدين إلا كالروح للجثمان
هل الشريعة إلا بصحة الأبدان - وقال:
يا آكلًا كل ما اشتهاه وشاتم الطب والطبيب
ثمار ما قد غرست تجنى فانتظر السقم عن قريب
يجتمع الداء كل يوم أغذية السوء كالذنوب
[ ٢ / ٨٩٢ ]
وقال:
لا تسترب من غير ما تجنيه كالجاني المريب
وكذا حكوا بل صافيًا واضرب به وجه الطبيب [والقائل قد تقدم إلى ذلك قبله:
إذا ما كنت ذا بولٍ صحيح فقم فاضرب به وجه الطبيب @وفي ذكر الشعر والشعراء
قال:
أنا أحب الشعر لكنني أبغض أهل الشعر بالفطره
فلست تلقى رجلًا شاعرًا إلا وفيه خلة تكره
إن لم يكن كفر تكن آفة تلازم الظهر أو السره
والعجب والنوك إلى الجهل في أكثرهم إلا مع الندره والسميسر في هذا كقول الآخر:
عابني من معايبٍ هي فيه حكم فاشتفى بها من هجائي
[ ٢ / ٨٩٣ ]
فإنه كان - زعموا - ممن وسع هذه الخلال، وجمع هذه الأحوال، حاشا التي في السرة فإنه انتبذ عنها، وبرئ إلى أصحابه الشعراء منها. وما ينقضي التعجب من السميسر، فإنه لما سمع المتنبي يقول:
أوكم آدم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنان حسده على غلوه فقال بيته المتقدم الذكر:
إن كان قد أخرجه ذنبه فما لنا نشرك في الأمر - والسميسر في هذا كما يحكى عن بعض الرواة قال: كان أحد المخنثين قد تسربل المجون، وعبد البطالة والجنون، حتى مح شبابه، وأقصر أترابه، ولم يدع عارًا إلا ركبه، ولا أثمًا إلا ارتكبه، فطاف به طائف اعتلال، بعد طول إملاء من الله وإمهال، فكان يقول: أي رب، بأي ذنبٍ أخذت، وعلى أي جريرة عوقبت -! هذا كان استغفاره، حتى محا الموت أخباره.
وقال أيضًا:
يا شعراء العصر لا يتحسبوا شعركم مذ كان محسوسا
فإنما حيكم ميت كأنما محييكم عيسى
إن كان منظومكم عندكم سحرًا فمنظومي عصا موسى وقال في أبي عبد الله بن الحداد بالمرية:
قالوا ابن حداد فتى شاعر قلت وما شعر ابن حداد -
أشعاره مثل فرخ الزنى فتش تجد أخبث أولاد
[ ٢ / ٨٩٤ ]
@ومن شعره في أوصاف شتى
ضعت في معشرٍ كما ضاع نوح بين قومٍ قد أصبحوا كفاره
ضربوه وما ضربت ولكن جعلوني ممن ينافر داره
فتأخرت عن دياري لهوني والهوينا لمن يخلي دياره وقال:
رأيت بني آدم ليس في جموعهم منه إلا الصور
فلما رأيت جميع الأنام كذلك صرت كطير حذر
فمهما بدا منهم واحد أقل قل أعوذ برب البشر وقال:
تحفظ من ثيابك صم صنها وإلا سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حين ونافر أهله تسد العبادا
وظن بسائر الأجناس خيرًا وأما جنس آدم فالعبادا
أرادوني بجمعهم فردوا على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ كبعض عقاربٍ عادت جرادا
ومن يلمح ذكاء بناظريه يظن بياض قرطاس مدادا
[ ٢ / ٨٩٥ ]
وقال:
يمنعني من تكسب الولد علمي بأن البنين من كبدي
فإن يعيشوا أعش على ظلع وإن يموتوا أمت من الكمد
وإن أمت قبلهم تركتهم أهون بين الأنام من وتد وقال:
حاسدي لي معذب يتلقى من الحسد
وأنا عنه غافل لا وجدت الذي يجد
دعه يشقى بدائه داؤه علة الكبد
طار ذكرى ولم يطر ذكره فهو يتقد وقال:
قصتي يا سادتي مضحكة بينكم من حيث يبكي بالمقل
إن أجئكم بغريب قلتم عندنا أغرب فاسكت أو فقل
أبصر النصال درًا غاليًا قال عندي منه أغلى وأحل @ومن مقطوعاته الإخوانيات
ورد ابن شرف غرناطة، فتخلف عن قصده، فكتب إليه معتذرًا:
كتبت إلى سيدي قبل أن أراه ورجلي قد زلت
أيقصد يذبل غرناطةً وأترك قصديه في زمرتي
[ ٢ / ٨٩٦ ]
ويهبط كيوان من برجه إلينا ونحن على غفلة
فمعذرة لك حتى أراك فأنت الممثل في مهجتي فأجابه ابن شرف:
بدأت وللمبتدي الفضل في فروض المودة والسنة
وما الرد إلا امتنان وقد سبقت سواك إلى المنة
وبالسبق في أول الهجرتين تقدم قوم إلى الجنة
وحدثت أنك سمح الطباع إذا ما طباعهم ضنت
ونفسك فاضلة حرة إذا عاينت فاضلًا حنت
خلائق لو مازجتها الجبال إذن رقصت لك أو غنت
فلو من أبان ورضوى خلقت لما كنت إلا من القنة له في الوزير الكاتب أبي عمر بن الباجي:
يا فاضل الشرطة شرطي على شرطك تنويهي ولا أختلف
فاحذف لي السين وسوف التي زيدت على الزائد فهو الأخف
" فسوف " سيف قلبت واوها كم قطعت أعناق من قد سلف
فردها حالًا ففعل مضى ماضٍ وما استقبل قد يختلف @ومن شعره في النسيب وما يناسبه
قوله:
بين الأزرة والمآزر حسن تحن له الأكابر
فإذا نظرت إلى الخدو د رأيت أنواع الأزاهر
[ ٢ / ٨٩٧ ]
وإذا تأملت الثغو ر وما لناظمهن ناثر
أبصرت درًا يغتذي خمرًا وما للخمر عاصر
وإذا تأملت الما جر تحتها دعج المحاجر
خلت المنية أقبلت من جيش صقلب والبرابر وذكرت بهذا البيت الأخير وإن لم يكن في معناه قول بعض أهل عصرنا:
بي شادن خده كالصبح منبلج وصدغه كسواد الليل يلعب بي
كالزنج حلت بأرض العرب فاصطلحت فما بقائي بين الزنج والعرب -! نظر في هذا إلى ما أنشده الثعالبي لبعض أهل عصرنا:
سواد صدغين من كفرٍ يقابله بياض خدين من عدلٍ وتوحيد
قد حلت الروم أرض الزنج فاصطلحا فويح نفسي بين البيض والسود! وقال السميسر:
لما أبى عن وصالي وأضرم القلب نارا
ولم أجد لي عزاءً دعوت ربي انتصارا
وقلت: يا رب أنبت بعارضيه عذارا
فكان ذاك ولكن زاد الفؤاد استعارا
إذ صار صبحًا وليلًا وكان قبل نهارا
[ ٢ / ٨٩٨ ]
وهذا كقول الآخر إلا أنه قلبه:
حلقوا رأسه ليزداد قبحا غيرة منهم عليه وشحا
كان قبل الحلاق صبحًا وليلا فمحوا ليله وأبقوه صبحا وقال:
أيها العائب العذا ر وذو الجهل عائبه
لا أحب العذار إلا إذا شاب صاحبه
فاطرح قول من يقو ل كما طر شاربه
هو والطفل واحد حين يهواه راغبه
أنا أشكوه وهو تل هيه عني ملاعبه
وإذا ما اصطفيت كه لًا صفت لي مشاربه وأين هذا من قول بعض أهل العصر في ضده:
ما أنت والجلواز في خلوة إياك ما امتد بها الصوت
الله في نفسك من ظنةٍ يهون في جانبها الموت
إن كان فالطفل ولم يحتلم من قبل أن يدركه الفوت وقال أيضًا يناقضه:
أوصيك حيث النصح معترض إياك والمرد وهي متحلمه
الطفل ما أصبحت أويرته إذا استشاطت كأنها حلمه
[ ٢ / ٨٩٩ ]
واقس عليه إذا شكا وبكى لا رحم الله كل من رحمه
لا تخش والقول عنك مرتفع عاقبة الظلم فيه من ظلمه
فإن تجاوزت ما حددت فما يسوءني أن تعد في القطعه وقال أيضًا يناقض السميسر:
بدا لي منك نبل وانطباع وظني أن ستكفيك الإشاره
سأجعل بيننا حيث التقينا وقوع السوط من كفي أماره
وبين يديك أمر لا تكله إلى نظر الغمارة والغراره
ستلقى في غد طفلًا بزيعًا يجرر من بزاعته إزاره
ترى صبحًا من الكافور بضًا كما ندري النقاوة والنضاره
فما استهواك فاتركه ودعه وحاصره وإن أبدى حصاره
إذا ارتعد الحسام وراق حسنًا فذاك الوقت لا تأمن غراره
هو الجد الذي لا هزل فيه فدع سمج الفكاهة والشطاره
كبير السن زاد على ثمان وعشر كيف تألفه الزياره -
فإن يك صاحبًا وأردت زورًا فحصن ما استطعت من الحصاره
أترضى أن يقال أبو فلان يناك ولو حملت بها الإماره - وقال أيضًا في مثله يناقض السميسر:
الطفل في عشر فما هو دونه حتى يجيء الظن غير مرجم
لا تعذل الإنسان في شهواته في الناس من يلتذ أكل الحصرم
[ ٢ / ٩٠٠ ]
ومن الإفراط في مدح العذار قول ابن غصن الحجاري:
فديتك لا تخف مني سلوا إذا ما غير الشعر الصغارا
أدين بدين خل كان خمرًا وأهوى لحية كانت عذارا وقال أيضًا بعض أهل العصر يناقضه، واستطرد فيه إلى هجوه استطرادًا ظريفًا:
إن كنت تهوى مليحًا فلا تقل بمعذر
واهو الصغار ففيهم على الحقيقة تعذر
ودع الكبار لقوم دانوا بدين السميسر وحقيقة الاستطراد عندهم أن يري الشاعر أنه يريد مذهبًا، وهو إنما يريد غيره، فإن قطع ورجع إلى ما كان فيه فهو الاستطراد الحقيقي، وإن تمادى فذلك الحروج؛ وأصح الاستطراد قول السموأل:
ونحن أناس لا نرى القتل سبةً إذا ما رأته عامر وسلول واتبعه الفرزدق فقال:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع إذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل
[ ٢ / ٩٠١ ]
ثم أتى جرير فأربى وزاد بقوله:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل فهجا واحدًا واستطرد باثنين، وقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى:
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة وضيف ابن قيس جائع يتحوب فوفد ابن قيس على النعمان، فقال له: كيف مخارق بن شهاب فيكم - قال سيد شريفن من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه!
ومن جيد الاستطراد قول دعبل، وقيل بشار وهو أصح:
خليلي من كعب أعينا أخاكما على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه مخافة أن يرجى نداه حزين
إذ جئته في حاجة سد بابه فلم تلقه إلا وأنت كمين وقال أبو تمام في صفة فرس:
ولو تراه مشيحًا والحصا زيم على السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافره من صخر تدمر أو من وجه عثمان
[ ٢ / ٩٠٢ ]
وأخذه البحتري فقال:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته يومًا خلائق حمدويه الأحول وقد يقع من الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول زهير:
أن البخل ملوك حيث كان ول - كن الجواد على علاته هرم ومن مدح إلى ذمٍ، كقول بكر بن النطاح في مالك بن طوق:
فتى شقيت أمواله بعفاته كما شقيت بكر بأرماح تغلب وهذا مليح، أوله خروج وآخره استطراد، وملاحته أن مالكًا من بني تغلب، فصار الاستطراد زيادةً في مدحه. ومما استطرد به أبوه الطبيب قوله:
يموت به غيظًا على الدهر أهله كما مات غيظًا فاتك وشبيب على أن هذا البيت لم يقع موقع غيره من أبيات هذا الباب، إذ ليس المقصد فيه مدحًا ولا هجاء للرجلين المذكورين، لكن التشبيه والحكاية لا غير.
وأصل الاستطراد أن يريك الفارس أنه فر، وإنما فر ليكر
[ ٢ / ٩٠٣ ]
وكذلك الشاعر يريك أنه في شيء فيعرض له شيء لم يقصد إليه فيذكره وإن لم يقصد حقيقةً إليه. ومن الاستطراد نوع يسمى الإدماج، كقول ابن طاهرٍ لابن وهب حين وزر للمعتضد:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمها ودع أمرنا إن المهم المقدم ومن مليح الأدماج قول البن مسعدة في فصل من رقعة:
كتابي ومن قبلي من القواد والأجناد، في الطاعة والانقياد، على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم. فقال المأمون: ما أحسن إدماجه المسألة في الأخبار، وإعفاء سلطانه من الإكثار! ! اكتبوا له رزق ثمانية أشهر. وهذا النوع عندهم أغرب من الاستطراد، ومن مليحه أيضًا قول بعض الفقهاء:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر
الواثبين على القياس تمردًا والراغبين عن التمسك بالأثر ومما هجي به السميسر قول ابن الحداد، ويدخل في باب الاستطراد:
يا أهل غرناطة نيكوا سميسركم ففي رميلينا عنه لنا شغل
[ ٢ / ٩٠٤ ]
@فصل في ذكر الأديب الأريب أبي العباس أحمد بن قاسم المحدث
@وجملة مما وقع إليّ من نثره، تعرب عن محله من الأدب وفهمه
قال ابن بسام: أبو العباس هذا في وقتنا بحضرة قرطبة، مقلة عين العصر، وصفحة وجه الدهر، تبريزًا في النظم والنصر. وقد أثبت من كلامه قطعةً تنبئ عما طالعه من علوم، ونظر فيه من أنواع التعاليم، على صغر سنه، ولدانة غصنه.
ولما بلغه جمعي لهذا التصنيف خاطبني برقعةٍ استفتحها بهذه الأبيات:
يا من تكلف جمع المجد في ورقٍ أنا أناديك جهرًا غير تعريض
ذهبت عصرك يا من شعره ذهب بالمذهبات فأتبعنا بتفضيض
فشبه تبرك متلوًا بفضتنا جمان هودٍ على لباتها البيض يا سيدي وعمادي، طال بقاؤك، ودام علاؤك؛ تكلفت من العناية بتنويهي ما دل على محتدك الكريم، ونصابك السليم، على انتمائك من المجد إلى دوحة ساقها قويم، وطلعها هضيم؛ ولولا ثقتي بتمييزك، وظهورك في هذه الصناعة وتبريزك، ما اجترأت على أن أجري بما كتبت إليك به
[ ٢ / ٩٠٥ ]
كفًا، ولا أن أخط متباهيًا بها حرفًا، فهي تجري منك على يدي نقاد، وأنا إذ عليك أنشر بزي أضع الثوب في يدي بزاز.
وكتب إليّ أيضًا في مثله أول ورودي بقرطبة، وقد بلغه ثنائي عليه بمجلس بعض الأعيان فيها:
يا دوحة المجد الكريم وسلالة الشرف الصميم
والغرة الغراء في وجه النثير وفي النظيم
قد كان نام زماننا عن كشف آثار العلوم
حتى أتيت منبهًا جفنيه تنبيه النسيم
فرددته يقظان يمحو ال - محو عن تلك الرسوم
إن الصباح إذا انجلى جلى المنام عن النؤوم من الواجب كان - أعزك الله - عليّ وعلى من ينتسب إلى أدب، ويتعلق منه بأدنى سبب، أن يمتطي إليك ظهور العيس المهرية، وصهوات الجياد الأعوجية، حيثما استقر مكانك، وثبت إيوانك؛ فكيف إذا جلاك مصباح بلادنا بضيائه، وسترك ليل عراضنا بظلمائه، فانتظمك معنا هذه الجدران التي جللت عنها قدرًا، وسموت رفعةً وخطرًا. ولكن المهيب لا يجسر عليه. ولا تنقل قدم التقدم بداهةً إليه، بل يرتقب منه
[ ٢ / ٩٠٦ ]
المتوصل لفظةً في عرض ناحيته، أو لحظةً تقع على ساحته، تجعل الأولى سبيلًا، والأخرى هاديًا ودليلًا.
ولقيت فلانًا فأنهى إليّ جملة كلامك في، وأنت ممن لا يجاري خطابًا، ولا يباري كتابًا وجوابًا، وبراعةً في لفزظ يتبرج في ملاء الوشي الصنعاني، ويتصدى في أردية العصب اليماني، ونظمٍ ود الربيع لو توشح به تفضيلًا، ونثر كنثر العقود، وتفويت البرود، والغرر البيض في الطرر السود. إن نظمت فصريع صريع، والبديع غير بديع، وإن نثرت فالصاحب صاحب، وقابوس ذو بوس؛ وهذا باب لو استقصيته فيك غاية الاستقصاء، واستقريته نهاية الاستقراء، لتغلغل بنا الكلام، إلى نفاذ الأمدة والأقلام.
وفي فصل منها: ولما كنت متى انحرفت إلى النثر، أو انصرفت إلى الشعر، أجريت فيهما بعدك بالخطار، وضربت منهما عقبك بذي الفقار، رأيت أن أتبع بعضه بعضًا، حتى أجلو عليك وردهما جنيًا غضًا؛ فهاك النثر يجلو، والنظم يحلو:
يا ماجدًا ينمى إلى بسام قد ذبت بين محبة وهيام توقًا إلى لقياك
[ثم كتب قصيدةً على روي نسبي قال فيها يصف شعرًا خاطبته به]:
لا حشو فيه ولا معاظلة به سلس على الأسماع والأفهام
[ ٢ / ٩٠٧ ]
ويرى البديع به بغير تكلفٍ ما بين منفرد وبين تؤام
متقسم متقابل متطارد متجانس متطابق الأقسام
إن رمت تشبيبًا أتيت بكل ما يجد الشجي من لوعةٍ وغرام
أو رمت تشبيهًا قرنت مشبهًا بمشبهٍ في غايةٍ الاتمام
أو رمت مدحًا لم تكن متطلبًا ما ليس في الممدوح من أحكام
حذقًا بما تأتي ومعرفةً به وتصرفًا في أفق كل كلام وأحسن من هذا التقسيم قول أبي بكر عبادة بن عبد الله بن عبادة من جملة أبياتٍ خاطبني بها أيام مقامه عندنا بالأشبونة، أولها:
يا منيفًا على السماكين سام حزت فضل السباق من بسام
قد خبرت الورى فلم ألفهم إلا ثقال الأفهام والإفهام
وتأملت منك نكتة بغدا د لباب العراق معنى الشآم
شك ذهني في أن يرى بصري مث - لك حتى لخلتني في المنام
إن تحك مدحةً فأنت زهير أو نسيبًا فعروة بن حزام
أو تباكر صيد المها فابن حجرٍ أو تبكي الديار فابن خذام
أو تذم الزمان وهو حقيق فأبو الطيب البعيد المرامي في أبيات غير هذه، مع خبر طويل هو ثابت في موضعه من هذا المجموع.
@فصل لأبي العباس من رقعة خاطب بها بعض إخوانه: كتبت وأنا من الحزن في ثوب حداد، ودمع كأكف الأجواد، شوقًا ووحشةً
[ ٢ / ٩٠٨ ]
إلى الأنس بتفيؤ ظلك الوارف، كعهدي السالف، وتوقًا ودهشةً إلى برد مائك الحصب، كزمان الماضي الخصب:
سقيًا لظلك بالعشي وبالضحى ولبرد مائك والمياه حميم وإن كنت مقيمًا على كرم عقد، كهذا الزمان الذي قام وزنه فأصبح غلامًا، وأطلع حسنه قمرًا تمامًا، بين فرادي من نوابت أزهار كالرياط، وتؤامٍ من حدائق أنوارٍ كالأنماط، قد تفتحت عيونها، وتكشفت مصونها، وحلت أزرار جيوبها، عن مسكها وطيبها، وابتسمت أفواه ثغورها، عن لؤلؤها وشذورها، وأترعت جداولها فتسلسلت، وتربت أرضها فتصندلت، لعالم أنك لي على أمثالها، ثقةً بمجدك الذي هو ضربة لازب، واستنامةً إلى أن عقبك من الوفاء على الذروة والغارب.
واندرج له فيها شعر قال فيه:
أو حين نور عارضي فتفتحت أنواره فكأنها أنوار
أصبحت لا تلوين فارعي حقه أو ما لمظلم ليلةٍ إسفار -
يا هذه حرب الزمان شهدتها فعلي من ذاك الغبار خمار
[ ٢ / ٩٠٩ ]
ومن المديح:
جزل أحطت بخبره فوجدته كالخمر لكن ليس فيه خمار
نادت تحالفه العلا فأجابها ألا تفرق ما أضاء نهار
آهًا وإن من التوجع آهة لو حم أن يدنو إليك مزار
فأبث من أمري الخفي وراحة للنفس في أن تطلق الأسرار
خذها كما اعتدلت أنابيب القنا ميزي الثقاف لها وذهني النار قوله " فعلي من ذاك الغبار خمار " في صفة الشيب كقول ابن المعتز:
" هذا غبار وقائع الدهر " وقد تقدم هذا المعنى بما فيه:
وأخذه فقال:
قالت غبار قد علا ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو ك إلى القبور من الديار وله من أخرى: ولما ورد كتابه غاية الفصاحة، ومنتهى البلاغة والملاحة، قبلته عشرًا، وأقبلته مني رأسًا وثغرًا؛ وحين فضضت مسكة الخاتم سقط بصري على شكل مشق خطه فاندمج، ووسع بين أسطاره فانفرج. فيا للكتاب من كتاب قصر وطال، وجمد قلم كتابه وسال، نتيجة برهان مقدمتاه الطبع والبراعة، والجزالة والإصابة، جمع بين مبدأ
[ ٢ / ٩١٠ ]
البلاغة وآخرها، في سحاءة طولها فتر، وعرضها ظفر؛ ولا غرو فمن علم الأصول استنبط الفروع، ومن انتقى القليل استغنى عن شغب الجموع؛ ولذلك جعلته إمامًا أحتذيه، ومثالًا أماثله وأقتفيه. ولو أسهبت هكذا أبدًا ما بلغت غاية الوصف، ولا أعطيته من حقه النصف.
وله من أخرى فيمن حمل القلنسوة وأنهض إلى الشورى، وخاطب بها قاضي قطره: لم يغب عنك - زاد الله في توفيقك - رحلة أحد القائمين بنشر علاك، المطيبين محاضرهم بطيب ذكراك، الفقيه أبي فلان أبقاه الله، وأنه هجر الوطن على خصبه، ووصل منزل الغربة على جدبه، متكررًا إلينا، ومدارسًا علينا، باصغرين أكبرين: قلب أصمع، ولسان مصقع، فما مطلته بحمد الله الأيام، ولا سوفته الأعوام، حتى لحق بالمرتبة التي تفصل بها القضية الشنعاء، وتسمع النازلة الصماء؛ وحتى أفضى إلى المنزلة التي تقتضي تعصيبه بالشورى، وإلحاقه بعداد أهل الفتيا، تطبيقًا للمفصل، وتبيينًا للمشكل؛ وعند ذلك ما رأينا إنهاضه إليها، وأن يتزيا بزي أهلها عمن سواه، وحملناه على التزامه دون كل زي عداه، على ما أنت الحري بحمله عليه كما حملناه. ولما كان مثلك في سرورك، وميلك إلى المجد وصغوك، لا يعلم كيف يبني المجد ويشيده، ولا كيف يمهده وينجده، كما لا يعلم الفم التبسم، ولا اللسان التكلم، كان واجمًا أن يكتفى بيسير العبارة، وقليل الإشارة، ومهما زدته من كريم رعاية
[ ٢ / ٩١١ ]
وجميل حفاية، فنحن شاكروك شكرًا يهز عطفيك، طورًا هز المهند وطورًا هز القضيب الأملد.
وله من أخرى يعزي بعض الأعيان: قد علم - أطال الله بقاءه وأحسن عزاءه - أن سكان هذه الدار، وإن تراخت بهم الأعمار، ينتقلون منها تنقل الأفياء، كما يتلونون فيها تلون الحرباء؛ فإن من وقع تحت الكون والفساد، وانبعث من الأضداد في مركز الأضداد، غير بديع في طباعه أن ينحل جرمه، إلى ما منه تألف حجمه، وأن تتخلص شعلة نفسه من ذلك الصلصال الذي سقطت لديه، فاحتوى عليها وأوت إليه، ثم ضرب المنشأ، فتعود عند ذلك الطبيعة الترابية إلى أصلها، والشعلة النورية إلى شكلها؛ فإن كان ما قدمت خيرًا حمدت الجيئة، وإن كان شرًا رغبت - وأنى لها - في الفيئة، ثم لم تترك في حين سلوكها إلى الوقت المعلوم، والأجل المحتوم، سالمة من الضراء، آمنة من البرحاء، بل قرن بها هنات مجحفات، وحبب إليها خطوب متلفات، فلم تنفك من تغيير مجحف، وتعثير متلف.
وإذا كان الوزير - أعزه الله - عالمًا جملة هذا الخبر وتفصيله، ودقيق هذا الغرض وجليله، فالمتوفاة - قدس الله روحها، وبل بالرحمة ضريحها - وإن كانت منه كالبنان من اليد، والزند من العضد، فإني
[ ٢ / ٩١٢ ]
لأعلم أنه لم يتلق وارد حمامها تلقي الغافل الفارغ، بل سلم للقضاء، وأفضى إلى الدعاء، فلا معنى لتذكيره الصبر ومنه يستفاد، وتبصيره الأجر وعنه يستزاد. ولما كانت التعازي على الأعصر الخالية من العوائد الجارية، كتبت رقعتي هذه، فإن لم تكن تبصيرًا، كانت مطالعة وتذكيرًا.
وله في فصل في صفة وراق: وأما أبو فلان فإنه يقلب من المعاش كفًا صفرًا، ويستدر من شرعه مقدارًا نزرًا، بخطوط غير منصرمة، ونقط غير منقسمة، وشكل تشكل الحظ عن الإتيان، وتطلق رجل الفاقة والحرمان، فقبحن من خطوط تحط الحظوظ، ونقط تثير القنط، وشكل تبعث الكسل؛ وقبح من رزق يحرم سلمه بجليل الأفهام، [ويخبط بدقيق الكلام] ويعضد برقيق الأقلام؛ ثم يفضي خايطه لحظ نزر، غير جليل ولا ثر.
@وهذه جملة من شعره
قال في النسيب على مذهب أهل أفقنا في لباس البياض على المتوفى:
قالت وقد نظرت فروعها شيب على فودي منتشر
ما شأن تلك البيض، قلت لها مات الشباب فبيض الشعر
[ ٢ / ٩١٣ ]
وهذا كقول الحلواني تلميذ أبي علي ابن رشيق:
إذا كان البياض لباس حزنٍ بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي لأني قد حزنت على الشباب -[وأراه من هذا نقل، وعليه عول]
وقال ابن فرج صاحب كتاب " الحدائق " مما ينظر إليه بعض النظر:
ونرجس تطرف أجفانه كمقلة قد دب فيها الوسن
كأنه من صفرة عاشق يلبس للبين ثياب الحزن وقال أبو العباس ابن قاسم:
قالت وقد نظرت شيبي فروعها: إن المشيب لسود الشعر أكفان
فقلت: أنكرت كافور الزمان به من بعد مسك وطيب الدهر ألوان
قالت: فأين من الكافور نفحته قلت: انقضت وتبدى منه جثمان
قالت: فإن كان كافورًا فلم ضعفت قواك والطيب للأعضاء معوان
فقلت: ما بي من الأيام أثقلني قالت: كذلك شيب المرء ثهلان
[فقلت: يا ليتني للنشء منصرف كيما تعود إلى الإيراق أغصان]
قالت: وهل عاد أقوام كما نشأوا من قبل أن يرجعوا مثل الذي كانوا
[ ٢ / ٩١٤ ]
وذكرت بتشبيهه الشيب بالكافور بيتي الحضرمي، على أنه من المشهور، وهما:
قالت وقد خلطت في عارضي مسك الشباب بكافور المشيب
يا ليت ذا المسك لم يخلط فما عند الغواني لذا الكافور طيب وهذا العروض معروفة، وإن لم تكن مألوفة، وهي من مجزوء البسيط التي أنشد الخليل في مثالها قول بعض العرب:
يا بنت غيلان ما أصبرني على خطوب كنحت بالقدوم قال أبو العباس بن قاسم:
لهج الناس بالقبيح وهاموا فالزم البيت واسدد الأبوابا
وإذا ما خرجت تطلب رزقًا فتلين لهم وكن خلابا
وإذا ما جلست يومًا إليهم فالزم الصمت واضمم الأثوابا
فكثير ممن تجالس تلفي من عيوب الورى لديه عيابا
وإذا ما سألتهم عن جميل لم تجد فيهم لديه جوابا
لقي الناس قبلنا غرة الده ر ولم نلق منه إلا الذنابى
فانقبض والزم التصاون حتى يغلق الموت من حياتك بابا
[ ٢ / ٩١٥ ]
@فصل في ذكر الأديب أبي طالب عبد الجبار
من أهل جزير شقر، كان يعرف بالمتنبي، برع أهل وقته أدبًا، وأعجبهم مذهبًا، وأكثرهم تفننًا في العلوم، وأوسعهم ذرعًا بالإجادة في المنثور والمنظوم. وكان - بلغني - يعد نفسه بملك، وينخرط للمجون في سلك، ولا يبالي أين وقع، ولا يحفل بشيء صنع، وكان قد استتر ببلغة، واقتصر على طريقة؛ فلم يطرأ على الدول، ولا تجاوز في شعره ملح الأوصاف والغزل. وله أرجوزة في التاريخ أغرب فيها، وأعرب بها عن لطف محله من الفهم، ورسوخ قدمه في مطالعة أنواع العلم؛ وقد أثبتها على طولها، لاشتمال فصولها على علم جليل، وباع في الخبر طويل؛ وقدمت قبلها جملة مما وقع في شرك حفظي من سائر شعره؛ على أنه استفرغ مجهوده في وصف صنت الكتاب عن ذكره.
@جملة من أشعاره في أوصاف شتى
قال يصف مجاري الماء في سواقي أجنة بلنسية:
خرجنا للنزاهة في البقيع فنلنا الوصل من رشأ بديع
[ ٢ / ٩١٦ ]
وهب لنا النسيم بكل طيب كأنا منه في زمن الربيع
على نهر كأن الماء فيه بقايا فوق خد من دموع وقال يصف منزله:
كيف البقاء ببيت لا أنيس به ولا وطاء ولا ماء ولا فرش
كأنه كوة في حائط نقبت في ظلمة الليل يأوي جوفها حنش وقال:
قل لأبي يوسف المنتقى الفاضل الأوحد في عصره
ومن إذا حرك أوتاره وظل يبدي السحر من عشره
تخاله إسحاق أو معبدًا يشدو بألحان على وتره
هل لك أن تسمع مهديكم وأن توفي الحق من بره
حتى إذا الأيام أبدت له ما في ضمير الدهر من سره
وصير التاج على رأسه وأقبل الوفد إلى قصره
أعطاك من جدواه ما تشتهي فضته البيضاء أو تبره
[ ٢ / ٩١٧ ]
وقال:
وشادن وجهه ذكاء فيه حيا الحسن والحياء
لما اغتدى قارئًا بحزن لذ لي الحزن والبكاء
ثم تذكرت قول ربي " يزيد في الخلق ما يشاء " وقال:
وخمار أنخت به مسيحي رخيم الدل ذي وجه صبيح
سقاني ثم غناني بصوت فداوى ما بقلبي من جروح
وفض فم الدنان على اقتراحي ففاح البيت منها طيب ريح
فقلت له لكم سنة تراها فقال أظنها من عهد نوح
فلما أن شدا الناقوس ضربًا دعاني أن هلم إلى الصبوح
وحياني وفداني بكأس وقبلني فرد إلي روحي @فصول من خطبته التي جعلها مقدمة لأرجوزته
قال في صدرها: أما بعد، فإنه لما كانت مخاطبة الرئيس، تنوب عن لقائه الذي هو حياة النفوس، وربيع القلوب، وثلج الصدور، وناظم
[ ٢ / ٩١٨ ]
فرائد الحظوظ والحبور، وكانت حالي قد أناخت بذراه الرحب، وآمالي قد كرعت في مورده العذب، إذ هو سماء تمطر، وبحر لا يكدر وغيث ممرع يحيا به المجدب؛ وما زلت روم لقاءه على تراخي الأيام، فيحول بيني وبينه قدر لا يرام، وعقال تقاضيه غير مطلق، وباب الرجاء به مغلق؛ فأعملت المداد والأقلام؛ برجز صنعته، وكلام وضعته، والغرض فيه امتداحه، والقصد منه استمناحه، وهو في معنى ما تضمنته كتب التواريخ؛ قطفت عيون زهرها، والتقطت مكنون دررها، واقتصرت على أقلها دون أكثرها، مما لا يسع جهله؛ وحذقت كل حديث يتغلغل، وخبر يتسلسل، وما اتصل بذلك من أخبار املاكها الدرس، إلى وقتنا هذا، ومن وليها من بني أمية وغيرهم. وذكرت من ولي الخلافة بالمشرق من بني العباس بعد المطيع لله إلى وقتنا هذا، وهو وقت التاريخ الذي ذكرته في الارجوزة، والإمام الآن فيه القائم بأمر الله ابن القادر بالله، وقصدت إلى معنى الاستذكار به لجوامع التاريخ والأخبار، وسلكت مذهب الاختصار، رجاء أن تطلعني قريحتي على مغزاه، وتنشط منتي إلى قرب مرماه، وقدمت أولًا مقدمات من أصول الاعتقادات.
[ ٢ / ٩١٩ ]
@وأول أرجوزته
يقول مهدي الورى المنتظر ها فاسمعوا ما قلته واعتبروا
أبدأ باسم الله في الترجيز رب الأنام الملك العزيز
ثم بذكر المصطفى محمد صلى عليه الله طول الأبد
والطيبون آله الكرام عليهم الصلاة والسلام
أهدي من القريض ما نمقته إلى رئيس سيد أملته
تنفق سوق العلم في ذراه مضمنًا للبعض من حلاه
في كلم كلؤلؤ العقود أنظم ما ضمنه المسعودي
وغيره من سائر الأئمه في كل من ولي أمر الأمه
مقتصرًا منه على عيونه وحاذفًا للحشو من فنونه @في التحميد
والحمد للمبتدع السماء والأرض ذي الآلاء والنعماء
سبحانه من خالق جبار يعلم ما في البر والبحار
وكل شيء عنده معلوم فهو الإله الواحد القيوم
رب عظيم أول لم يزل باري البرية الكبير المعتلي
أبدعها من بعد أن لم تكن بدعة خلاق لها مهيمن
[ ٢ / ٩٢٠ ]
وعرشه قد كان فوق الماء كذا المقال الحسن الملاء
من قبل أن لم يك عرش لا ولا ملًا يرى تكوينه ولا خلا
ولم يكن شيء سواه قبل تبارك الله المليك العدل
وانفرد الرب بوحدانيته فوق النهى والوهم عن بريته
وسبقت كل البرايا قدرته والصفة العليا فتلك صفته
جلت صفات الصانع القديم عن قول جهم وذوي التجسيم
فافهم مقال جبهذٍ مميز يومي إلى الحق ولما يلغز
إياه فاعبد أيها الإنسان فهو اللطيف القادر المنان
ولتعتبر في ملكوت العالم كلا وفي نفسك يا ابن آدم
ألم تكن من نطفةٍ مكونا ثمت هيا لك صنعًا متقنًا -
من آلة الإحساس والحياة والقوت والرزق إلى الممات
فصرت حيًا ناطقًا بصيرا تعتبر الحكمة والتدبيرا
علمنا بالقلم البيانا حتى علمنا قبل ما قد كانا
من أمم بادت بصرف الأدهر أشهدنا من ذاك ما لم نحضر
سبحانه من واحدٍ قدير مصرف الأزمان والدهور
[ ٢ / ٩٢١ ]
@مقدمات من أدلة المعرفة والاستدلال
@على الصانع تعالى من الصنعة
والجسم ليس فاعلًا في الجسم قال بهذا القول أهل العلم
أليس ذا أولى برسم العقل من ذاك لما استويا في المثل -
أف لقول الفئة البصرية أهل الهوى والفرقة يجزي كارث
دانوا معًا بقدم الحوادث سوف يجازون بخري كارث
وأحذر هداك الله يا ذا الفهم قولهم وأحذر مقال جهم
وجانب الحيدة والتعمقا فإن ذاك نهج من تزندقا
وقل بما يقول أهل الحق من مثبتي صفات رب الخلق
وأدوات الحس يا من يفحص عن علمها ومن عليها بحرص
السمع والبصر ثم اللمس والشم والذوق فتلك خمس
وكل ما تدركه موجود مؤلف مبعض محدود
جهاته ست بلا امتراء معلومة من غير ما خفاء
أعلاه والتحت وبعد خلف ويمنة ويسرة تحف
ثم أمام سادس الجهات وهكذا مقترن الصفات
فبعضها يوجب فاعلم بعضا فلا تكن بجهل هذا ترضى
فكل ماله قياس يعقل من المضاف في المعاني أول
إن له فافهم مقالًا آخرا فكل ما له طرف لا إمترا
[ ٢ / ٩٢٢ ]
إن له فاعقل كلامي وسطا كذاك فتش الغطا
في أن ما ظاهره مشهود ففيه فاعلم باطن موجود
والخبر الصحيح باتفاق سماعنا عن مصر والعراق
وعلمنا البحر وإن لم نره علم صحيح ليس فيه شبه
والنقل في تواتر الأخبار يغني عن الرؤية بالأبصار
وهو بالجم الغفير كاف وبالجماهير بلا خلاف
وكل محسوس فذو ابتداء ومدة تفضي إلى انتهاء
والحد قول موجز مطبوع مخصص يدرى به الموضوع
والاسم ما دل على الموجود فمازه من سائر المعدود
واعلم بأن الجسم والزمانا مصطحبان أبدًا قرانا
إذ الزمان حركات الجسم وذاك أقصى مدرك بالوهم
وكل شيء جوهر أو عرض إلا الذي الطوع له مفترض
فإن فحصت قائلًا ما الجوهر وما هو العرض إذ يفسر
فالجوهر الحامل للأعراض وهو الذي ليس بذي أبعاض
والعرض المحمول كالألوان وحركات الجوم والإسكان
وقسمة الوجود فضروب بثلاثة يدركها اللبيب
ما تجد الخمس من الحواس فافهم هداك الله رب الناس
ثم وجود لمثال العقل يعرف هذا ذو الحجى والنبل
ثم وجود ثالث رفيع فوق العلا علمه البديع
[ ٢ / ٩٢٣ ]
برهانه يدرك بالدليل مثل دخان النار في التمثيل
وكالبناء وثمار الشجر والأثر الكائن عن مؤثر
وحسبنا ما لا يصح جهله في الاعتقادات وهذا أصله @في بيان العلم وانظر
أوصيك يا من يطلب العلوما أن تعرف الموهوم والمعلوما
ولا تقل بالميل للتقليد فذاك رأي الكودن البليد
واتخذ العلم لنفس العلم لا للمباهاة ولا للخصم
والعلم، عن أردت حد مطلبه معرفة الشيء على ما هو به
والعلم علمان أيا من يبحث علم قديم ثم علم محدث
إن القديم علم رب العرش باري البرية الشيد البطش
ومحدث فذاك علم الخلق من ناطق وغير ما ذي نطق
وكل علم محدث علمان علم ضروري بلا برهان
كالعلم أن اثنين ضعف واحد وأن ليس قائم كقاعد
وبعده فعلم الاستدلال والمنطق الباحث عن أحوال
ما فيه ما ينظر من يفكر يدرك هذا كل من يعتبر
وصانع العالم فرد صمد والصنع لم يشركه فيه أحد
فصنع الاثنين اشتراك منهما لا يخلوان من تغايرهما
[ ٢ / ٩٢٤ ]
وكل ما زاد على اثنين كذا من خالف التوحيد فهو قد هذى
والانفراد غاية في المدح والاشتراك من دواعي القدح
وللنصارى القول بالتثليث أفظع به من مذهب خبيث
وطابقوا اليهود في التجسيم أف له من منطق ذميم
وللبراهمية والمجوس مقال سوء ليس للقدوس
جل الإله الفرد عن شريك فهو ذو التقديس والتبريك
وليس ذا حد ولا انتهاء فهو فوق الفوق ذو اعتلاء
أحاط بالأشياء طرًا علمه وهم فيما قد براه حكمه
أحصى الكثير منه والقليلا وعلم الجملة والتفصيلا
وجاد بالغنى وقدر العدم وكان عدلًا منه كل ما قسم @التفكر في الملكوت
يا من يجيل فكره للعبره في كل مووضوع له بالفكره
انظر إلى الموت والنبات والحيوان نظر استثبات
كيف ترى التكوين فيها ماثلًا ينبيك أن لقواها فاعلا
يؤلف الأربعة العناصرا يمنع من أضدادها التنافرا
وجاوز العبرة نحو الفلك حيث السموات ذوات الحبك
تبصر هنالك النجوم الخنسا سخرها من في العلا تقدسا
والأبرج الثابتة المكان نيرة تعلو على كيوان
[ ٢ / ٩٢٥ ]
يهدي بها في ظلمات البر كلًا وفي ظلماء لج البحر
وعدد السنين والحساب يعلمه بها ذوو الألباب
وتعلم الأنواء والمنازل ذا طالع منها وهذا آفل
شواهد تشهد بالتوحيد للواحد المبتدع الحميد
واسم إلى تفكر في النفس تبصر قواها في محل القدس
بحجم جسم العالم المحيط المستدير الشكل ذي التخيطي
وانظر إلى التسخير فيها لازما يؤمها كما يؤم العالما
يلحقها النقصان والزياده وأنها ليست لها إراده
من ذاتها في حالة التصريف فهي تنقاد إلى التكليف
لقوة العقل الذي يحملها فهو إلى اختياره ينقلها
إذ هو أعلى رتبة واشرف منها إذا حصلته وألطف
لكنه تلحقه الآفات من غيره والعجز والعاهات
فدل ذاك أن ربًا فوقه باين بالذات والاسم خلقه
يملكه وكل ما سواه ملك إحاطة قد احتواه
وكم له في خلقه من آيه تنبئ أن ليس له نهايه
يبصرها ذو الفطن الصحيحه إن أعمل الفكرة والقريحه
واعتبر المقايس المطروده فبعضها ببعضها معتضده
بينة في حجج العقول شاهدة بالصدق للرسول
[ ٢ / ٩٢٦ ]
@بدء الخليقة وذرء البرية
أقول قولًا ليس بالمفند ولي لسان كشبا المهند
إن مقال المسلمين اتفقا أن إله العالمين خلقا
من غير أصل أو مثال شي مكون من ميت أو حي
أبدع تكوين المبادي الأول بقدرة عظيمة لم تزل
وكان بدء الخلق في يوم الأحد وتم في يوم العروبة العدد
فخلق الله السموات العلا كما عن الرسول في الذكر تلا
أخرج من ماء دخانًا فسما ثم دحا الأرض ليبلو الأمما
أسكن فيها الجن قبل آدم فأتقن الرحمن خلق العالم
وآدم صور من صلصال فكان منه جملة الأنسال
ثم برا لآدم حواء فسكنا جنته العلياء
فمكثا مقدار ربع يوم وأهبطا منها هبوط لوم
بالهند حيث العود والقرنفل والمسك والكافور ثم الصندل
فولدا هابيل ثم قساينا ليقضي الخالق أمرًا كائنا
كما حكى في قصص القربان شأنهما في محكم القرآن
من قتل هابيل ببغي الحسد قضاء باري الباريات الأحد
فقال ما يروى من القريض آدم قول الأسف المهيض
ثم خلا بزوجه لما سلا فحملت حواء منه رجلا
سماه شيثًا آدم أبوه فكان في سيرته يتلوه
[ ٢ / ٩٢٧ ]
فعاش تسع مائة سنينا آدم بعد ثم ثلاثينا
ثم تولى الحكم شيث بعده فسد في أحكامه مسده
وأن شيث غشي امرأته فحملت أنوش فاسمع نعته
فانتقل النور إليه فأضا وكان يقفو فعل من قبل مضى
فولدت قينان لأنوش فصار ذا ملك وذا جيوش
ثم ابنه من بعد مهلاييل والعهد مأخوذ فما يقيل
ثم أن مهلاييل يرد ملكا والنور موروث يجلي الحلكا
وقام بعده ابنه خنوخ ضمن هذا كله التاريخ
ثم متوشلخ ابنه والنور في وجهه والشرف المذكور
وقام لمك بعده ذا فضل في كائنات واختلاط نسل
وناح نوح والفساد قد ظهر وصنع السفينة ذات الدسر
فصار في الفلك وقد عم الغرق من جحد الله تعالى وفسق
ثم نجا ومعه أولاده سام وحام وهما عتاده
ويافث فالنسل منهم كائن تحويهم الآفاق والمدائن @الأنبياء المنصوص على قصصهم في القرآن
ونعمة الله ببعث الرسل بحمدها ينطق كل مقول
أولهم آدم الصفي وآخر محمد النبي
أرسلهم طرًا ليهدوا الناسا مؤلفًا بالدعوة الأجناسا
[ ٢ / ٩٢٨ ]
فأدحضوا كل مقال زائف أكرم بهم من صفوة خلائف
تأتيهم الملائك الكرام بكل ما يريده العلام
فبينوا الحلال والحراما وأنفذوا الأمور والأحكاما
حتى بدا الصبح لذي عينين وأسمعوا من كان ذا أذنين
تألفهم صحابة أمجاد أسد حروب قادة أنجاد
حتى هدى الله بهم من اهتدى لولاهم لأصبح الناس سدى
فاختص كل مرسل بمعجزة من آية وكلمات موجزه @الخلفاء الأربعة ومن تلاهم من بني أمية
ثمت خص الخلفاء الأربعة فأكمل الله بهم ما صنعه
فاستخلف الصديق ثاني اثنين ذاك أبو بكر بغير مين
جرد في جهاد أهل الرده ولم يكن يرضى بغير الشده
ثم توفاه الإله راضيا وكان في ذات الإله ماضيا
ثم تولى عمر الفاروق فالتأمت من بعده الفتوق
واستعمل البعوث والأجنادا وألف الحروب والجهادا
حتى أتته محنة الشهاده فهيأ الله له السعاده
فصير الشورى إلى أصحابه ستتهم وهو يشكو ما به
فآثروا عثمان بالخلافه وكان للإله ذا مخافه
فمهد الأمة ذو النورين حتى سقاه الله كأس الحين
إذ حصروه في حريم الدار مستسلمًا من غير ما أنصار
طوبى له من أشمط قتيل يقوم طول الليل بالتنزيل
بؤسًا لقوم قتلوا عثمانا إذ نقموا استخلاصه مروانا
[ ٢ / ٩٢٩ ]
ثم تولاها أبو السبطين ذاك أبو الحسن والحسين
علي ذو العلوم والشجاعه والزهد في الدنيا وذو البراعه
فسار طلحة مع الزبير إلى العراق في أحث سير
وخرجت عائشة للصلح فانصرفت والحرب ذات كلح
فشبت الحروب يوم الجمل حتى أصيب طلحة في المقتل
وقتل الزبير قبل الملحمه منصرفًا عنها حليف مندمه
وثارت الحروب بالخوارج أصلاهم بالنار ذو المعارج
ثم مضى علي إلى معاويه فاضطرب الأمر بعمرو الداهيه
فاجتمعوا للحرب في صفينا فأيتموا البنات والبنينا
ودام في حروبه علي حتى دهاه حادث وبي
حين أصابته يدا ابن ملجم فخضب المفرق منه بالدم
تبًا له من خارجي فاسق خالف في التنزيل أمر الخالق
فاغتاله وهو ينادى سحرًا: قوموا إلى الصلاة يدعو منذرا
ثم تولى الحسن الإمامه فمنحت بيمنه السلامه
وحقن الله به الدماء وأذهب المحنة واللأواء
وسلم الأمر إلى معاويه حياته وصار عنها ناحيه
فسار فيها ابن أبي سفيان بسيرة للعدل والإحسان
وكان فردًا في النهى والحلم حتى رماه حينه بسهم
فانتقل الأمر إلى يزيد فحاد عن مناهج التسديد
مجترمًا في قتله الحسينا وجاء في الحرة فعلًا شينا
[ ٢ / ٩٣٠ ]
حتى أتاه الموت حتف أنفه فلم تكن له يد في صرفه
ثم أبو ليلى تولى الحكما فعاقه حمامه إذ حما
وكان لا بأس به في السيره ثم انقضت مدته اليسيره
فاستخلفوا مروان نجل الحكم طوبى له من ملك محتزم
فأوقعته زوجه في عطبه إذ أنفت من قوله: ابن الرطبه
يقولها لابن يزيد خالد سليلها غضبان قول حاقد
وكان ذا بأس وذا دهاء وبسطة في العلم والذكاء
يقتحم الحرب بجأش رابط كفعله في يوم مرج راهط
ثم تولى الأمر عبد الملك وكانت الدما به لم تسفك
لكنه كان شديد الحزم أبو الخلائف الرضي الحكم
وكان من عماله الحجاج سراجه في خطبه الوهاج
حتى إذا بابن الزبير ظفرا وكان في مكة يعلو المنبرا
للحرمين والعراق مالكا ومصعب أخ له هنالكا
سقاه كأسًا مرة المزاج وكان للحروب ذا اهتياج
وثارت الحرب مع ابن الأشعث فاغتاله الحجاج لما يلبث
وغلب البغاة عبد الملك بالحزم والجد وعزم موشك
حتى توفاه مزيل ملكه فولي الوليد بعد هلكه
وقد بنى الجامع في دمشق مقتصدًا في ذاك وفق الصدق
في عهده فتح أندلوسا طارق مولى ابن نصير موسى
[ ٢ / ٩٣١ ]
ثم عام تسعين مضت واثنين ثم سقاه الدهر كاس الحين
ثم سليمان تولى الملكا وساسه حتى تولى هلكا
وكان ذا غزو وذا حروب في الروم لا يبقي على الدروب
نعت إليه نفسه جاريته يومًا كانت أعجبته بزته
وكان ذا حسن وذا جمال بين شباب راق واكتمال
فأنشدت بيتين من قريض حثا مسيره إلى الجريض
ثم تولى الأمر بعد عمر وكان في العدل إمامًا يؤثر
زهدًا وعلمًا واعتدالًا وتقى حتى اغتدى في الأمر فردًا منتقى
قفا سبيل جده الفاروق ودحض الباطل بالحقوق
إلى انتهاء الحتم من مدته فصار عند الله في رحمته
ثم تلاه واليًا يزيد فظل في سيرته يحيد
تصبحه سلامة شرابه وربما تغبقه حبابه
حتى أتاه الحين بعد حينها وبان عنه الملك عند بينها
فصار في الأمر هشام يحكم يسوس في سيرته ويحزم
قتل زيد بن علي إذ خرج عليه قتلًا لم فيه حرج
فدام في جد إلى أن ماتا وزال عنه ملكه وفاتا
فصير الملك إلى الوليد فلم يكن في الحكم بالسديد
لما اغتدى مشتغلًا بالخمر وبالأغاني وسماع الزمر
فأهلك الأمة بخلاعته فانخلعوا لذاك عن طاعته
[ ٢ / ٩٣٢ ]
حتى ثوى معتنقًا حساما منصلتًا مغتبقًا مداما
يا عجبا من ذاك كيف جازا وقدموه دون أن يمازا
في العقل والدين بلا مثيل وهكذا الأكثر في التحصيل
لأنهم قد كتموا النصوصا فأشبهوا السباع واللصوصا
وقدموا ابن عمه يزيدا فكان في سيرته سديدا
ذا ورع عدلًا رضًا صواما يتلو كتاب ربه قواما
فدام في الأمر شهورًا خمسًا حتى ثوى فضمنوه الرمسا
فقدموا أخاه إبراهيما وخلعوه بعد ذا ذميما
واستخلفوا من بعده مروانا في طالع ما إن عدا كيوانا
فبايع الناس له بالأمر فصلي القوم به في جمر
وقامت الحرب على ساق به إلى حمامه وحين نحبه
إذ سار صالح مع المسوده إلى خراسان بجند جنده
فسيق مروان إلى الحمام طوق طوق الصارم الحسام
وانقرض الأملاك من أميه والموت قصرى كل نفس حيه @الدولة العباسية
فصار في الأمر بنو العباس فلم يكن في حكمهم من باس
أول أملاكهم السفاح خبر منه العدل والصلاح
لكنه كان كثير القتل في عبد شمس طالبًا بذحل
دعا أبو سلمة الخلال إليه فانقادت له الرجال
فكان رأس مظهري دعوته فخاف منه القدح في دولته
[ ٢ / ٩٣٣ ]
إذ كان قد مال إلى آل علي مشايعًا من رام منهم أن يلي
فدس من سارره جنح الغبش بأسمر أذلق كالصل نهش
كان أبو مسلم السراج في عسكر مجر له عجاج
قد سودوا الثياب والرايات يبغون من إثارة الثارات
يدعون في بلاد خراسانا بطاعة السفاح لا مروانا
فقتلوا مروان في بوصير فسجد السفاح للقدير
لما رأى لا يقبل ذا نميمه مجانبًا للشيم الذميمه
وكان ذا علم وذا أناة مقتديًا بآله الهداة
حتى حواه بعد قصر جدث وصار حتى الحشر فيه يلبث
فصير الأمر إلى المنصور فأحكم التدبير للأمور
إذ كان ذا سياسة وحزم مسدد الرأي قوي العزم
فخرجت بمكة ويثرب طالبة آل أبي طالب
فآلت الحرب إلى اهتياج مع أبي مسلم السراج
فاحتال حتى اغتاله المنصور لما أتاه القدر المقدور
فخلص الأمر لأبي جعفر مهنأً من غير ما تكدر
حتى توفي في طريق مكه وبزت الأيام عنه ملكه
فولي الأمر ابنه المهدي ذو السيرة الحسنى الرضا السري
وهو ممدوح أبي العتاهيه في غير ما قصيدة وقافيه
[ ٢ / ٩٣٤ ]
مشببًا بعتبة محبوبته في كتب التاريخ ذكر قصته
لابنته علية شعر فشا وقصة في شأن طل ورشا
وكان يشتد على الزنادقه ومن غلا يرضي بذاك خالقه
إذ كان في العدل إمامًا مقسطا حتى أتاه حينه فاعتبطا
فولي الهادي ابنه من بعده فسار في سيرته وقصده
عدلًا إلى أن ذهبت أيامه فعاق عن مأموله حمامه
فصار هارون الرشيد تاليا للملك الهادي إمامًا واليا
فشيد الملك وأعلى كعبه حزمًا وعزما وأذل صعبه
واستوزر البرامك الأمجادا فاستوسق الأمر بهم وزادا
حتى دهاهم حادث الأيام وكل عيش فإلى انصرام
ثم دهى الحين الرشيد فاخترم والموت حتم في العباد قد حتم
ثم ولي محمد الأمين في طالع حل به التنين
فلم يزل مشتغلًا باللهو في غرة ومهملة وزهو
ينشده أبو نواس الحسن وكان ممن شأنه التمجن
أشعاره في الخمر والغلمان فيحتذي ما قاله ابن هاني
حتى أتاه الحتف بالمأمون فصار رهنًا في يد المنون
أنحى عليه طاهر فاغتاله قتلًا وعن سلطانه أزاله
ودارت الحروب في بغداد وآل أمرها إلى الفساد
فجاءها المأمون عبد الله فانزاح عنها كل أمر داه
[ ٢ / ٩٣٥ ]
حتى اغتدت في زينة العروس وغاب عنها كوكب النحوس
إذ بايع الناس له فسلموا وأشرق الدهر وكاد يظلم
وكان في سيرته المأمون عدلًا رضًا له تقى ودين
ذا بصر بالعلم والكلام مفوهًا بالنثر والنظام
وكان في أيامه ابن أكثم قاضيه يحيى اللوذعي المفهم
له حديث معه مستطرف وكان ذا فقه له تصرف
وثار إبراهيم ابن المهدي عليه والطالع غير سعد
فعاقه عما أراد القدر فجاءه منهزمًا يعتذر
واستوزر الحسن نجل سهل إذ ناهز الحسن سن الكهل
مصاهرًا له ببوران ابنته منوهًا من جاهه وحرمته
فصد عما ينتجه الحسنا وشك حمام بدفاع قد دنا
فأصبح المأمون بعد الحسن مرزءًا يلبس ثوب الحزن
موريًا إذ كان قد سقاه سمًا وحيًا قاطعًا حشاه
وبايع المأمون موسى ألرضا ثم قضى الله لموسى ما قضى
فدفن الرضا مع الرشيد طوبى لموسى من فتى شهيد
ثم ثوى المأمون في جهاده رهنًا بما قدمه من زاده
وصير الملك إلى المعتصم فأحسن السيرة لما يظلم
فاستفتح المعتصم العموريه ثم أراد غزو قسطنطينيه
فعاقه عن ذاك أمر مزعج من ثائر قام عليه يخرج
وأن الافشين بدا من كفره ما كان قد أجنه في صدره
[ ٢ / ٩٣٦ ]
وقتل المعتصم الأفشينا إذ كان بالبغي يكيد الدينا
أحرقه بالنار لما أن بغى وهكذا يجزي الإله من طغى
ثم دهى بعد الإمام المعتصم وهو على دجلة حين فقصم
فبويع الواثق بالإمامه وكان ذا عدل وذا استقامه
وإنه كان محبًا للنظر لكنه بالقول بالخلق أمر
ثم عدا الواثق حين نزلا فابتز ملكه وما قد خولا
فبايعوا لجعفر التوكل وكان عين الفضل والتفضل
حتى دهاه حادث كبير فاغتاله بغاء الصغير
مالا عليه ابنه المنتصر إذ سامه هونًا ومقتًا يضجر
فبايعوا محمد المنتصرا فلم يدم في الملك إلا أشهرا
فاضطربت أحواله بالترك ولم يزل في نكد وضنك
جرعه المعتز من بغي جرع فسلم الأمر إليه وانخلع
فتم للمعتز ما قد أمله والدهر يفري لو درى أجله
فلم يكن يحسن [في الأتراك سيرته فحل في أشراك
من ضغطهم فبايعوا للمهتدي فانخلع المعتز يلقى باليد
ومات في المجلس] بعد خلعه فقمن يندبن نعاة ربعه
فعرضت للمهتدي أعراض كان بها في ملكه انتفاض
[ ٢ / ٩٣٧ ]
أظهر زهدًا لم يوافق جنده وكف عنهم سيبه ورفده
فوجؤوه بشبا الخناجر فلم يكن للمهتدي من ناصر
فولي المعتمد الخلافه فآثر اللذات والسلافه
وكان في حرب مع الصفار وغيره من سائر الثوار
حتى دهاه ما دهى البريه فسلبته ملكه المنيه
فولي الخلافة المعتضد وكان في حروبه يؤيد
فخرجت في ملكه القرامطه بغيًا فأبدى فيهم مساخطه
وكان ببدر غلامه كلف وكان بدر البدر من غير كلف
ووصلت قطر الندى إليه بنت ابن طولون خمارويه
فكان منها في سرور وطرب حتى دنا الحمام منه فذهب
فصار منها في سرور وطرب حتى دنا الحمام منه فذهب
فصار في الأمر علي المكتفي فكان في السيرة عين المنصف
لكنه أذاق بدرًا حتفه إذ كان على ملكه قد خافه
ثم أتى المكتفي الحمام وكان قد ساوره السقام
فصير الأمر إلى المقتدر لله نجل المعتضد جعفر
وابن المعتز قد غدا إمامًا فسامه المقتدر الحماما
ولم يسع مراد عبد الله لما دهاه بالمنون داه
وأدركته حرفة الآداب بالقدر السابق في الكتاب
فدام في الأمر سنين جعفر حتى أتاه القدر المقدر
فشبت الحروب في أيامه فجرعته المر من حمامه
فولي القاهر نجل المعتضد وكان فظ النفس ذا خلق نكد
[ ٢ / ٩٣٨ ]
يعيث حتى سلمت عيناه إذ كان سهمًا يتقى شباه
فاستخلف الراضي أبو العباس فكان مشغوفًا بشرب الكاس
ذا أدب وذا قريض حسن وكان في العلوم ذا تفنن
ثم تولى بعد ذاك المقتي فما بقوا من بعده ولا بقي
وبايعوا من بعده المستكفيا ثم انزوى عن أمرهم مستعفيا
فأخلصوا الطاعة للمطيع فأحسن السيرة في الجميع
ثم رمى بنفسه كالخالع إلى ابنه عبد الكريم الطائع
طاعوا له ثم عدوا عليه وقطعوا حاجز منخريه
وخلعوه بعد ذاك صاغرا وبايعوا ابن المتقي القادرا
فاستوسق الملك له سنينا ثلاثة - قالوا - وأربعينا
حتى سقته أكؤس الحمام وكل ملك فإلى انصرام
ثم ابنه القائم بعد قاما وسار في سيرته أعواما
ثم انتهى ملك بني العباس ودبر الأتراك أمر الناس
[وبعد حين قام في بغدان مقدم يدعى بأرسلان
فأسر الخليفة المذكورا وكان مرءًا بالتقى مشهورا
وجد في الخلع بكل جهد وصرف الدعوة للعبيدي
فحرك الرحمن ذو الجلال لنصره الملك الميكالي
التغلبكي ملك الأغراز فقتل التركي بالأهواز
ونصر القائم خير نصر وانفرد الغز بضبط الأمر
[ ٢ / ٩٣٩ ]
ثم ثوى القائم بعد مده وبايعوا لمقتديهم بعده
ابن ابنه أحمد عبد الله وألمر للعادل شاهنشاه
وبايعوا من بعده إذ قبرا سليله أحمدًا المتسظهرا
ثم تولاه ابنه المسترشد الفضل فاعتلوا به وسعدوا
وشد أزر الملك والخلافه وهابه عدوه وخافه
فهو إلى الآن إمام الخلق والملك لله الإله الحق] @دولة بني أمية بالأندلس
وزمن الوليد كان فتحها بحسب ما قدم قبل شرحها
وبعدكم حرب وكم من هول ليوسف الفهري والصميل
استوسق الملك بهذي الناحية لعابد الرحمن بن معاويه
ثم تولاها ابنه هشام حتى أتاه بعده الحمام
فبايعوا ابنه المسمى الحكما فأبرم الملك له وأحكما
فاعترض الملك له من اعترض فأوقع الصلب على أهل الربض
ثم تولى عابد الرحمن سليله أسخى بني مروان
ثم تولاها ابنه محمد وكان في السيرة ممن يحمد
ذا بصر بالشعر والآداب وراسخًا في العلم بالحساب
ثم ابنه المنذر وهو الأكبر ثمت عبد الله وهو الأصغر
وبعده الناصر ذو البناء خمسين عامًا صاحب الزهراء
وبعده المستنصر ابن الناصر وبعده هشام آل عامر
ذاك الذي مات مرارًا ودفن فانتفض الترب ومزق الكفن
[ ٢ / ٩٤٠ ]
@ذكر الفتنة الأولى بقرطبة
لما انقضت دولة آل عامر قام بها المهدي من آل الناصر
وقال عن هشام المؤيد بأنه قد صار رهن الملحد
وإنما أخبرهم بباطله والمرء لا يسطيع قتل قاتله
فجاءه البربر في حفل الجنود مع ابن عمه المسمى بالرشيد
فظفر المهدي بابن عمه وكان ذاك زائدًا في غمه
في طالع ينظر منه كيوان فجاءه البربر مع سليمان
فوقعت بينهم حروب لاح له من بينها الهروب
فأظلمت في عصره الآفاق وعمها الشقاق والنفاق
فانصرف الملك إلى يديه فهجموا من بعد ذا عليه
وطوقوه بشبا المهند بين يدي هشام المؤيد
فسلم الأمر لسليمانه وهشموا هشام في أكفانه
فلم يزل فيهم سليمان يلي حتى انبرى له ابن حمود علي
فاغتاله الصقلب في الحمام وجرعوه أكؤس الحمام
ثم انقضى عصر بني حمود والحرب والفتنة في مزيد
وظهر المستظهر المرواني وشعره من أحسن المعاني
وقتلوه بعد ذاك صبرا من بعد ما قد قلدوه الأمرا
فبايعوا للناصر المستكفي بعد خطوب طال فيها وصفي
ففر عنها ثم عاد المعتلي بالله يحيى نجل حمود علي
ثم أتى من بعده المعتد والحرب في أقطارها تشتد
فنقموا استخلاصه للحائك وزيره فخر أي هالك
وخلعوا معتدهم هشاما وسجنوه عندهم أعواما
[ ٢ / ٩٤١ ]
@ذكر ملوك الطوائف الثوار بالأندلس
@بعد ذهاب دولة ابن أبي عامر وأمراء الجماعة بقرطبة
لما رأى أعلام مصر قرطبه أن الأمور عندهم مضطربه
وعدمت شاكلة للطاعه واستعملت آراءها الجماعه
فقدموا الشيخ ل جهور المكتني بالحزم والتدبر
ثم ابنه أبا الوليد بعده وكان يحدو في السداد قصده
فجاهرت في فضلها الجهاوره وكل قطر حل فيه الفاقره
من كل منتز بها وثائر وعادل عن كل عدل جائر
فالثغر الأعلى ثار فيه منذر ثم ابن هود بعد فيما يذكر
وابن يعيش ثار في طليطله ثم ابن ذي النون تصفى الملك له
وفي بطليوس انتزى سابور وبعده ابن الأفطس المنصور
وثار في حمص بنو عباد والحرب والفتون في ازدياد
وشاع عن هشام المؤيد بأنه حي ولما يلحد
وأنه جاء من الحجاز واحتل في حمص على المجاز
وقال عباد به فصدقوا بأنه حي لديه يرزق
فنصبوا دعوته طلسما وقد محا الممات منه الرسما
فعبدوه مدة أعواما إذ عدموا الألباب والأحلاما
[ ٢ / ٩٤٢ ]
ثم نعاه بعد ذا عباد من بعد ما طاعت له البلاد
وثار في غرناطة حبوس ثم ابنه من بعده باديس
وآل معن ملكوا المريه بسيرة محمودة مرضية
ذكرهم في غير ما قصيد يشرق مثل النحر بالفريد
وثار في شرق البلاد الفتيان العامريون ومنهم خيران
ثم زهير والفتى لبيب ومنهم مجاهد اللبيب
سلطانه رسا بمرسى دانيه ثم غزا حتى إلى سردانيه
ثم أقامت هذه الصقالبه لابن أبي عامرهم بشاطبه
وجل ما ملكه بلنسيه وثار آل طاهر بمرسيه
وبلد البنت لآل قاسم وهو حتى الآن فيه حاكم
وابن رزين جاره بالسهله أمهل أيضًا ثم كل المهله
ثم تمادت هذه الطوائف تخلفهم من آلهم خوالف
دانت بدين الجور والعدول إذ سلبت عقائل العقول
فأهملوا البلاد والعبادا وعطلوا الثغور والجهادا
واشتغلت أذهانهم بالخمر وبالأغاني وسماع الزمر
وزادهم في الجهل والخذلان أن ظاهروا عصابة الصلبان
لما طوت صدورهم من غل ولاختيار البعض حال الكل
فخسفت [] بالأرض وضيقوا من طولها والعرض
فاستولت الروم على البلاد واستعبدوا حرائر العباد
وقتلوا الرجال كيف شاءوا وضاع دلو الدين والرشاء
وإذ أطال القوم أسرى القدر نحوهم خسفًا وما إن شعروا
[ ٢ / ٩٤٣ ]
@دولة المرابطين بالأندلس
فإذا أراد الله نصر الدين استصرخ الناس ابن تاشفين
فجاءهم كالصبح في إثر غسق مستدركًا لما تبقى من رمق
وافى أبو يعقوب كالعقاب فجرد السيف من القراب
وواصل السير إلى الزلاقه وساقه ليومها ما ساقه
لله در مثلها من وقعه قامت بنصر الدين يوم الجمعه
وثل للشرك هناك عرشه ولم يغن عنه يومه أذفنشه
فوجب الخلع لذي الخلاعه وصرحوا ليوسف بالطاعه
واتصل الأمر على نظام وامتد ظل الله للإسلام
وانصرفت على العدو الكره ورجع الجمع كأولى مره
فتلك خيل الله في العدو تعيث في الرواح والغدو
ثم ولى علي بن يوسف مهتديًا حكم أبيه يقتفي تمت الأرجوزة وبتمامها تم القسم الأول
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
[ ٢ / ٩٤٤ ]
ط: ينهى؛ ونمت الرمية: إذا أصيبت وغايت عن النظر ثم وجدت ميتة، ولذلك قيل: كل ما أصميت ودع ما أنميت.
ينكش: ينزف.
ب م: طلع.
ط: اجتريت.
ب م: كتابه الكبير؛ وهذا التاريخ الكبير هو المسمى بالمتين، وقد ذكر ابن سعيد أنه في نحو ستين مجلدة (النفح ٣: ١٨١) .
ب م: مقدور.
ط: ألبة.
انفردت ب م بهذه الرسالة والتي تليها.
من قول ضابئ بن الحارث البرجمي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله كان عبد الله بن أحمد الفرغاني (- ٣٦٢) مؤرخًا، وله كتاب بعد صلة على تاريخ الطبري (انظر ترجمة الطبري عند ياقوت) وكان ابنه أبو منصور أحمد بن عبد الله (- ٣٩٨) مؤرخًا كذلك، وله تاريخ وصل به تاريخ والده، وعنه ينقل ابن خلكان في مواضع (راجع فهرست وفيات الأعيان) وله أيضًا سيرة كافور وسيرة جوهر (ابن خلكان ٥: ٤١٦) وسيرة العزيز (معجم الأدباء ٣: ١٠٥) .
ط: فتح.
ط: طالما.
ط: وعز به المكتوب.
ط: ويتيم.
ب م: حتى حرك العدى امتعاضك.
ط: للسير.
ب م: حسدك.
ط: جاء.
ب م: نباط.
ب م: بأذاي.
ب م: داري.
ب م: تسله.
ب م: أن ذلك كفء.
ط: مع موصله.
ط: والاستجارة؛ ب م: والاستخارة.
ب م: فاجأتني.
ط: ريقه.
ط: واطابه.
ب م: فأدالت عزته.
ط: فيه.
ط: تكسها.
ب م: فنالني.
عام: أي مطبق بالعماء وهو السحاب؛ وإذا قرئ " غام " فكأنه من غمى البيت أي غطاء.
ب م: قبلت.
ب م: بإمحاض.
ط: ريح.
ط: البشارة.
ب م: الحمد.
ب م: تزل تصحبها.
ط: ووفى.
ب م: أعرف.
ط: مكتومه.
انفردت ب م بهذه الرسالة.
م: لمناح القلوب؛ ب: لمنا القلوب.
ط: خرب (اقرأ: حزب) .
ب م: الاظفر.
في أخبار أبي عمر أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني المعروف بابن الهندي أنه لاعن زوجته (سنة ٣٨٨) فلما لاموه في ذلك قال: أردت إحياء سنة (الصلة: ١٩ والمغرب ١: ٢١٢ والديباج المذهب: ٣٨) ولا أدري إن كان هذا هو الذي يتحدث عنه ابن حيان هنا، فإن ابن الهندي وصف أيضًا بأنه كان حافظًا للفقه وأخبار أهل الأندلس، بصيرًا بعقد الوثائق، ألف فيها ديوانا كبيرًا، وكان طويل اللسان بصيرًا بالحجة تنتجعه الخصوم فيما يحاولونه ويشاورونه، وكان وسيمًا حسن الخلق والخلق (توفي سنة ٣٩٩) .
لم يرد في ط.
ب م: أمحض.
ط: الأغاني الفاتنة.
ب م: ليخلص.
ب م: الانتزاع.
ط: وحرف.
من المثل: لا حر بوادي عوف.
الأعواد: المنابر.
انظر ابن خلكان ٣: ٣٦١.
ب م: وكان أحد.
ط: الدين.
ب م: لفرط.
ب م: الغبي.
ط: والجهل.
لم يرد في ط.
ط: عانت.
الذكاونة: أسرة بني ذكوان.
ط: حرد.
ب م: ووثن صحاب.
ب م: جرئ.
ب م: ويرسل للتغير (اقرأ: للنقير) عليه ريح ضلوعه.
لم يرد هذا الفصل في ط.
ب م: المسرفين.
يعني قوله:
لو كانت الأقسام تجري على حجى هلكن إذن من جهلهن البهائم ط: المبيدة.
ط: السخف.
ب م: رحمة.
ط: تحويل.
ب م: بمناحي.
ط: فاهتبل بنوها في المشي على أعاظم القرية إلى شهود جنازتها.
ب م: فبقي.
ب م: أحد السماسرة.
ب م: فيروح العشيات نشوان.
ط: وتوفي فلان.
ط: لموته.
ب م: لأمثاله من أهل.
ب م حطام الدنيا.
ط: متولي الإمارة.
أبو القاسم وأبو سوار بن محمد بن عبد الله بن مطرف بن سوار بن دحون القرطبي (- ٤٤٤) كان من أهل الذكاء والفهم حافظًا للمسائل عارفًا بعقد الشروط، (الصلة: ٢٢٤) .
ط: دهرًا.
ب م: العلوم.
ط: وفلان.
ط: بما شاء من ادخار القوت والطعام.
ط: الزلزلة والمجاعة.
ط: وشمام.
ب م: واندرج.
ب م: اثر وفاته.
ط: باسة.
ط: لجمع آلات.
ب م: على.
ط: فاقة نعل.
ب م: ولا يزال.
ط: وكانت رسل الأملاك تأتيه لشراء تلك الآلات بأغلى الأثمان.
ب م: تسليط الله تعالى له.
ب م: حتى قلع صخام صخورها وأوقد النار عليها.
قارن بالبيان المغرب ٣: ٢٣٣.
ط: وجدت.
ب م: ولم يذكرهما.
ط: على تقديمهم لأبي الحزم.
ط: ما لم يختلفوا فيه.
ط: وجه تصرفه.
ب م: الطمأنينة.
ط ب م: مكابدته.
ب م: تزايد.
بعدها في ب م: وحركوا الأسواق؛ وسترد بعد قليل.
ط: الناس للتحصيل.
ب م: تعدل.
ط: وولي ابنه أبو؛ وقارن بالبيان المغرب ٣: ٢٣٤.
ط: وأقر لوقته.
ب م: السياسة في درء.
ب م: في العجب.
ط: من.
ط: قد تطبعوا بأخلاق العوام.
ب م: في بلية.
ط: عجباء.
ب م: القلنساة.
ب م: إخراجه من البلد.
قارن بالبيان المغرب ٣: ٢٥٥.
ب م والبيان: الانتصاف.
في النسخ: خلفائه.
يعني عبد الملك بن إدريس الجزيري، والبيت من قصدية له في الآداب والسنة، كتب بها إلى بنيه (الحذوة: ٢٦٢ واعتاب الكتاب: ١٩٤) .
ط: فطفق.
ط: خطه.
ب م: ما لخصته.
ب م: من كلام.
ب م: من إملاء.
ب م: وشرد علي نظامه.
ب م: ليجيء خبرهم بتمامه.
قارن بالبيان المغرب ٣: ٢٥٦.
من قول المتنبي:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا البيان: يرفههم برفقة؛ وهو أصوب.
ط: بخرقه.
ب م: أمر.
ط: لهم.
ب م: بربض الجانب الشرقي منها.
ب م: عن.
البيان: عن يوم.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٣٦٠.
ب م: توسط قنطرة.
ب م: ويضعهم.
لم يرد هذا الفصل في ط.
ب م: لا يتحرا (ى) منه.
قبل " حال " بياض بمقدار كلمة في ب، وفي ب م: حاصر أهله.
لعل الصواب " مسوفون ".
معوقون: شبههم بالمنافقين الذين كانوا يعوقون الناس عن الخروج.
القفص: الجمع؛ وفي النسخ: قبض.
لم يرد هذا الفصل إلا في ب م.
أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي الحافظ المعروف بابن الفرضي: هو صاحب تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس الذي ذيل عليه ابن بشكوال بكتاب الصلة. وله من المؤلفات أيضًا أخبار شعراء الأندلس، وكتاب في المؤتلف المختلف، وكان فقيهًا عالمًا في جميع فنون الحديث، قتل في الفتنة لست خلون من شوال سنة ٤٠٣ (انظر الصلة: ٢٤٦ - ٢٥٠ والجذوة: ٢٣٧ (والبغية رقم: ٨٨٨) والمغرب ١: ١٠٣ والمطمح: ٥٧ والمطرب: ١٣٢ ووفيات الأعيان ٣: ١٠٥ والديباج المذهب: ١٤٣ وتذكرة الحفاظ: ١٠٧٦ والشذرات ٣: ١٦٨ والنفح ٢: ١٢٩) .
الجذوة: ٢٣٨.
ب م: في هذا القيل، والتصويب عن الجذوة.
صحيح مسلم: ٢: ٩٦، باختلاف يسير.
وردت في الصلة والجذوة والبغية والمغرب والنفح.
سترد ترجمته في هذا القسم من الذخيرة، ويرد البيت نفسه في ترجمته.
الجذوة: ٢٣٩ وانظر البيتين في المصادر المذكورة.
اسمه أحمد بن أيوب، عمل كاتبًا لدى الناصر لدين الله علي بن حمود، وتولى تدبير ملكه، وأحرز لذلك صيتًا شهيرًا وجلالة عظيمة؛ وعرض له داء النسمة (ضيق النفس) وتمادت علته ولم ينجع شيء في علاجها، ثم لم تفارقه حتى كانت سبب وفاته عام ٤٦٥ بمالقة، ونقل منها إلى حصن الورد فدفن فيه بعهد منه بذلك، وكتبت على قبره أبيات من نظمه، وحصن الورد عند حصن منت ميور (الذيل والتكملة ١: ٧٣ - ٧٥ والإحاطة ١: ٢٤٠ - ٢٤٣ نقلًا عن الذيل والذخيرة؛ وانظر المطمح: ٢٥ (وعنه النفح ٣: ٥٤٧) والجذوة: ٣٧٠ (والبغية رقم: ١٥٢٠) والمغرب ١: ٤٤٦) . وقد ذكر في ترجمة ابن شهيد فيما تقدم من الجزء الأول أنه رثى اللمائي عندما جاءه نعيه؛ ولابد أن يكون شخصًا آخر، أو أن يكون النعي كاذبًا، لأن ابن شهيد توفي سنة ٤٢٦.
ب م: وإيراد جملة مما وجدته من نثره.
ب م: بمحاسن.
سيترجم له ابن بسام في هذا القسم من الذخيرة؛ وهذه الرسالة وردت في المطمح: ٢٥.
ب م: ظل.
المطمح: ابتغت.
زيادة عن المطمح.
ط: الخلوص.
ب م: فأسليك.
ب م: العزة.
ب م: بنسيم.
ط: يجنى.
ب م: يئس.
ط: لتصميه.
ط: بعد.
يشير إلى قول الشماخ (ديوانه: ٣٣١):
إذا الأرطى توسد أبرديه خدود جوازئ بالرمل عين ب م: ولدي.
ط: روض.
ب م: وكوكب نوره يتألق في روض طرسه.
ط: ومن شعره ما أشدني.
وردا منسوبين له في المغرب ١: ٤٤٧.
المغرب: به.
اليتيمة: ٢٠٩، والخباز البلدي هو محمد بن أحمد بن حمدان (انظر الوافي ٢: ٥٧) .
انظر المغرب ١: ٤٤٧.
النفح ٣: ٥٩٦ والذي والتكملة ١: ٧٣ - ٧٤ والإحاطة ١: ٢٤٣.
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، شرح أشعار الهذليين ١: ٨.
ب م: وجدت.
ب م: طلائع.
ب م: أوهت عتاق خطوب دهري عاتقي.
ط: فوق.
ط: بفعل.
ط: رضاب.
أبو عبد الله محمد بن أحمد البزلياني: أصله من مالقة، وكان في خدمة حبوس أولا، ثم انتقل إلى بني عباد، وقد عزا إليه ابن حيان دورا في ثورة إسماعيل بن المعتضد على أبيه، وذكر أن المعتضد قتله.
ط: وأبو عبد الله هذا وأيضا من.
ط: حرفا.
ب م: وقد أتيت به مشروحا.
ب م: بموضعه.
انظر القسم الثالث ص: ١٤٦ - ١٤٧.
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله البرزالي (البرزيلي) الزناتي، بويع بقرمونة سنة ٤٠٠، وتوفي سنة ٣٤٣ (انظر البيان المغرب ٣: ٣١١ وقد مر له ذكر في صفحات سابقة من هذا الجزء من الذخيرة) .
البيت من الحماسية رقم: ٢٥٣ (شرح المرزوقي: ٧٥٠) لمعبد بن علقمة المشهور باسم معبد بن أخضر المازني (السمط: ٣٤٣) .
انظر ديوانه ١: ٢٢٥.
البيت لدريد بن الصمة، الأصمعيات: ١١٢ (وانظر تخريج البيت في المصادر ص ١١٠) .
سورة الأنعام: ٦٧.
ب م: وعلينا إليه وإلينا.
ب م: يحيى بن علي بن حمود.
المؤتمن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر.
الموفق مجاهد العامري.
عميد الدولة محمد بن عيسى بن محمد بن مزين صاحب شلب، بويع آخر سنة ٤٤٥ وتلقب بالناصر ولم يزل ملكًا حتى سنة ٤٥٠ (البيان المغرب ٣: ٢٩٧ - ٢٩٨) ولا يمكن أن يكون هذا جارًا لحبوس، فلعل عميد الدولة لقب لشخص آخر، ومما يؤكد ذلك أن حبوس توفي سنة ٤٢٨؛ والظاهر أن الرسالة ليست على لسان حبوس.
ب م: مسافة.
ب م: للحلم.
ب م: أدنتني، ولعل الصواب " أدتني ".
ب م: سليمة.
ب م: وضعت.
ب م: فخر.
ب م: الزمان.
ب م: أنفاسي.
ب م: متجرًا.
وحزبك ويذم: زيادة من نسخة دار الكتب.
في النسخ: أكبر.
ط: أعاد.
ب م: وتصير باقية.
ط: ولا أبوء.
ب م: وسمة.
ب م: وإذا أسهل أحزن.
ب م: أتاناه.
ب م: والزمان.
ط: رجاؤه محبته.
ط: رجاؤه محبته.
م ب: أيامي.
ط: الدهر.
يضرب المثل بمنعة جار أبي دواد، انظر ثمار القلوب: ١٢٧.
ط م: والمناسبة.
الخطبان: العلقم.
ط: لاض.
ب م: الزائر.
ب م: رداء.
ط: فكأن.
ب م: وهنانة.
ب م: أكملت.
ب م: كتاب.
ب م: أكثر العرب.
ط: إذ.
ط: ونقلك.
ط: الشكر.
هذه نهاية الترجمة في ط؛ وما جاء بعد ذلك فهو زيادة دخيلة أوردها من اطلع على مسودات ابن بسام، وألحقها بترجمة البزلياني، وقد انفردت بها ب م.
بياض بمقدار ثلاث كلمات.
ب م: زمانك.
ب م: أعشى إلا بنارك.
قراءة تقديرية.
ب م: وينهك (أقرأ: وينهتك) .
ب م: بطلب.
هما مظفر ومبارك، وكانا صاحبي بلنسية أيضًا (انظر القسم الثالث من الذخيرة: ١٣)؛ وقوله: " عنه " لا يعرف إلى من تشير على وجه اليقين.
من قول أبي تمام (ديوانه ١: ٧٠) .
لما رأى الحرب رأي العين توفلس والحرب مشتقة المعنى من الحرب ب م: بسوق.
ب م: داير.
ب م: داير.
ب م: بالمشاركة.
ب م: الحيا.
أبو جعفر أحمد بن عباس: ترجم له في المغرب ٢: ٢٠٥ (واعتمد على الذخيرة) والنفح ٣: ٥٣٥ والإحاطة ١: ١٢٩ (١: ٢٦٧ تحقيق عنان) وراجع ترجمة ابن شهيد فيما سبق من هذا القسم.
ب م: قد بذ الناس وقته.
تأتي هذه الفقرة في ب م بعد الحديث عن بخله.
ب م: سافرت؛ وكذلك سائر الخبر بضمير المتكلم.
البرس: القطن، ويعني به هنا الثلح.
ب م: صفحة.
الميث: جمع ميثاء، وهي الأرض السهلة أو الرابية الطيبة.
الخيار: ما تهور من الأرض وساخت فيه القوائم.
ب م: في أثناء.
ب م: فروة كسوة.
ب م: وإخراج.
الطرامة: خضرة تركب الأسنان أو بقية الطعام بينها.
الشاشية: غطاء الرأس من حرير أو جلد أو غيرهما.
الشبارق: الثوب الرقيق أو المقطع.
زيادة من نسخة دار الكتب وحدها.
ب م: يبيس.
السيدارة: القلنسوة بلا أصداغ؛ وفي ب م ط: السداوة، ولعل صوابها " السداة ".
الفطحل: زمن نوح، أو دلالة على زمن قديم: " والحجارة رطبة ".
عام الصقر: هو عام يؤرخ به الرومان من عصر قيصر اكتبيان (Octaius) (المغرب ٢: ٨)
التبان: سراويل صغير يكون للملاحين.
ب م: حيله.
ب م: تدبيرك.
ب م: عربي.
ب م: عنقه.
ب م ط: مردخان.
ب: اسفيرا؛ م: أسعير؛ والاسفيريا: خليط من اللحم والبيض والبصل.
نيزكي: نسبة إلى النيزك، وهو الرمح القصير.
الكميخت: (لفظة فارسية) نوع من الجلد.
ب م: السندان.
ب م: مرموسًا؛ مرسومًا: قد نسي لتطالول العهد عليه.
ب م: العمر؛ ب م: العبر.
ط: غموسه.
ب م: واستمد.
ب م: قروبه.
ب م: لهزل.
ب م: إليك.
ب م: إلعابك.
ب م: وبصرته شبيبًا تيميًا.
ب م: النمر.
ب م: كمدا.
انظر المغرب ٢: ٢٠٥.
المغرب: مسترة.
المغرب: نفخنا.
ب م: لي.
ب م: وتسديدًا.
ب م: تلمظت.
ط: وصرنا.
ط: لقائكم.
ب م: بكم.
ب م: ومحض.
ط: عددهم.
ط: بآخرهم.
ب م: بروكه.
ب م: شأنه.
ب م: وعدا به.
ط: خط.
ط: لهم.
ب م: لما.
ط: فإنما.
ط: المؤيد.
ط: وانقلعت.
ب م: مناهجه.
ط: هززناكم بهذه التذكرة يسيرة.
ب م: يدًا.
ب م: حصير.
البيت للمتنبي، ديوانه ٣٣٧.
ط: وسحام (اقرأ: وشجى) .
ب م: مغالق.
ب م: لشفعت لها.
ب م: ومن كل قلب.
هذه الفقرة حتى قوله: " حنقها وغضبها " لم ترد في ط، وهي دخيلة - فيما يبدو - لأنها متقطعة الصلة بما قبلها وما بعدها.
ب م: فيتبين.
ب م: إمامي.
انظر القسم الثالث: ٢٢٩ - ٢٤٤.
ط: وتجاربا.
انظر البيان المغرب ٣: ١٦٩ والإحاطة ١: ٢٦٨ - ٢٧٠، ٥٢٦ - ٥٢٨ (تحقيق عنان) .
ط: خبر ونادر.
ط: باديس بن حبوس على جاره القديم الحلف.
ب م: ضرم.
وردت العبارة موجزة في ط على النحو الآتي: " تمسكه بالمذكور، فأرسل إليه باديس رسوله معاتبًا مستدعيًا تجديد المحالفة، فسارع زهير وأقبل نحوه، وضيع الحزم، واغتر بالعجب والثقة بالكثرة، أشبه شيء بمجيء الأمير الضخم إلى العامل من عماله، قد ترك رسوم الالتقاء بالنظراء، وغير ذلك من وجوه الحزم "، وما في البيان المغرب مطابق لنص النسخة ط.
ب م: الحد الذي جرت عادته بالوقوف عنده.
ب م: استكثر.
بقابل هذه العبارة في ط: " ومن حضرهما من رجال دولتيهما، فنشأ بينهما عارض الخلاف لأول وهلة، وحمل زهير أمره كله على التشطط، ووزيره أحمد بن عباس يفري الفري في التصريح بما يعرض به زهير ".
ب م: كمائنه.
ب م: راجفين.
زاد في ب م: بما أسرع القعود عنه.
ب م: حصدوها.
ط: وجهل مصرعه؛ وسودان زهير غدروه.
في ط: وانقلبوا مع صنهاجة، وليست من أفعالهم، وكانوا قطعة خشنة يقاربون خمسمائة.
ب م: والعدة.
ب م: بقوم.
ب م: تلظى.
ب م: ط: عف باديس عن
ب م: المعركة.
ط: وأطلق ابن حزم والباجي وغيرهما.
ط: عن بلقين الصنهاجي.
ب م: مستنزلًا عما أزمع عليه صاحبه من قطيعتنا.
ب م: تسخطونا.
ب م: إلى ما دعاكم إليه.
ب م: وبلغني.
ب م: على أسر ابن عباس.
ب م: حمولي.
ب م: فيه.
ب م: بلدتهم.
ب م: تسع وعشرين.
ب م: وظهر.
موضع العبارة في ط: فكان أبعدهم خلاصًا، وآثر الشفاء من قتله على عظيم ما كان يعطي في فديته.
ب م: وذكر بأولاده.
ب م: الخطاب.
ب م: مسهمًا بالأدب.
ط: خصه بها.
ب م: ولا يعلم أب ورث ابنًا مثلها.
ب م ط: له.
ط: ومن عجبه أنه دخل قرطبة ومنها منتماه وهم بقية الناس فحجب.
ب م: بقرطبتكم.
صدره: جوعان يأكل من زادي ويمسكني.
ط: لذلك.
ب م: مشاكل الجنس.
ب م: صنفت.
ط: ومن صلفه.
انظر الإحاطة ١: ٢٧٠.
ب م: عن صداه؛ الإحاطة: فنبشت قبره.
ط: بحيث.
الإحاطة (٢٦٩): أربعين رطلًا.
ورد هذا الخبر مقدمًا في ب م على سابقه.
لم ترد هذه الرسالة في ط؛ ويبدو أنها مقحمة، وأن سياق الترجمة ينتهي نهايته الطبيعية قبلها؛ وترجمة أبي عامر التاكرني في القسم الثالث من الذخيرة: ٢٢٦.
ب: أسند.
ذكره الحميدي (الجذوة: ٢٨٣ والبغية رقم: ١١٦٥) ونسبه إلى تجيب وقال إنه كثير الشعر، مقدم عند أمراء بلده، وكان لقاؤه له بالمرية في حدود سنة ٤٤٠؛ وانظر نفح الطيب ٣: ٤١٣؛ وسترد رواية الحميدي هذه في ترجمته (انظر ص: ٦٩٠) وهي رواية انفردت بها النسختان ب م.
ب م: في حلبات.
ب م: الديوان.
ط: بوضوح وشهر.
لعل الصواب: ردنك (وهي قراء نسخة دار الكتب) .
ب م: ليلي.
البيت لدعبل في العقد ١: ٢٨١، ٢: ٢٩٥، ٣: ٢١٤ وشرح الشريشي ١: ٣٥١ وديوانه: ٥٧ (تحقيق محمد نجم) وروايته: حين أفتحها.
ط: مؤنة.
ديوان أبي تمام ٣: ١٥، وفيه: أو لوذعيته.
ط: شأن.
نوبات: جمع نوبة وهي الدورة الغنائية.
قال للدهر: سقطت من ط.
ط: مختلفة.
ط: الندا؛ ب: البدا (اقرأ: البذا) .
ط: عليك.
البيت للقطامي، ديوانه: ٣١.
ب م: سأدع.
ط: صنعة.
ط: وجهه.
ط: تستبرعه.
ط: وكالصانع.
ب م: البديع.
ب م: الأوهاد والأنجاد.
ب م: الديباج.
ط: تملأ.
صعق: أتى بصوت شديد، والأشهر أن يقال في حال الديك " صقع "؛ وفي ب م: صفق، وهي قراءة جيدة، وسيكرر الكاتب " صفق وصرخ " في المقامة الآتية في حديثه عن الديك.
ط: وصرخ.
مزرب: محاط بزرائب أو أسوجة، الطوج: الحلفاء (Spartum) .
الاسفنج: عجين لدن راب بالتخمير، يلقى في الزيت ويعرك بالبيض ثم يحشى بالجوز أو ما أشبه (شبيه بالقطائف المشرقية) انظر كتاب الطبيخ: ٨٨.
أغلب الظن أن اللفظة هنا تعني " خيال الظل ".
ب م: والاسعيدام.
من المثل: " أعن صبوح ترقق " (فصل المقال: ٧٥ والميداني ١: ٣١٥ والعسكري ١: ١٦) يضرب مثلًا لمن كنى عن شيء وهو يريد غيره.
صدر بيت، وعجزه: " سقيت الغيث أيتها الخيام "، ديوان جرير: ٢٧٨.
ب م: وإن كنا.
ب م: واهتز هزة هرم للكرم.
ب م: يتهافتون.
ب م: أحدهم.
الجوائز: جمع جائزة وهي خشبة السقف.
ب م: حين.
ط: والحرر.
ط: الصبيان.
ب م: من.
ب م: مجاجة.
ب م: وأين.
الاسفيدباج: تفايا بيضاء ساذجة، وهي إذا كانت من لحم الضأن تقطع قطعًا صغيرة وتخلط ببعض التوابل واللوز المقشر، وتنضج على نار لينة (كتاب الطبيخ: ٨٥) .
ب م: غصص الدمالج.
ب م: الأظلال.
ط: التوسم.
ط: وأحد.
ط: تحيل.
الميس (أو الميص): مصالة اللبن (والميس المطبوخ في Brosat Vocabulista) .
البرك: جمع بركة، طائر مائي صغير أبيض.
التوديج: الفصد.
ط: نسري النجد في الدياميم.
ط: بعز.
ط: ويتمنى.
ط: ولا.
منها بيتان في النفح ٣: ٤١٣، وذكر أنه استحسنها فقال للشعراء: هل فيكم من يحسن أن يجلب القلوب بمثل هذا -
النفح: البنان.
النفح: كنت.
ب م: تجلى.
ب م: ألحاظًا سواجيًا.
ب م: تعود.
ب م: نشر بها (اقرأ: بشر بها) .
ب م: وشد.
جاء في موضع هذه المقدمة في ط قوله: ومن شعره في الأوصاف، له من قصيدة؛ وانظر الجذوة: ٢٨٣.
ط: بها.
الجذوة: يغضي أو يغضى.
ط: تنحصر.
ليست هذه الأبيات من رواية الحميدي، وقد وردت قبل الأبيات الرائية في ب م.
ترجمته في المطمح: ٨٠ والتكملة: ٣٩٨ والمغرب ٢: ١٤٣ والذيل والتكملة ٦: ١٠ والإحاطة ٢: ٢٥٠ والمحمدون الشعراء: ٩٩ والخريدة ٢: ٢٠٤ والسلفي: ١٧ والوافي ٢: ٨٦ والفوات ٣: ٢٨٣ والمسالك ١١: ٤٠٠ والزركشي: ٢٦٢، وانظر ابن خلكان ٥: ٤١ - ٤٢ وصفحات متفرقة من نفح الطيب؛ وأورد ابن خلكان نسبه كالآتي: محمد بن أحمد بن خلف بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم، وورد في سائر المصادر محمد بن أحمد بن عثمان؛ ووصفه ابن عبد الملك بأنه كان متقدمًا في التعاليم والفلسفة، مبرزًا في فك المعنى لا يكاد يدرك فيه شأوه، وذكر ابن الأبار أن ديوانه مدون على حروف المعجم؛ وكانت وفاته في حدود ٤٨٠ بالمرية.
ط: مليح.
ب م: وضح.
تأليفه في العروض هو " المستنبط في علم الأعاريض المهملة عند العرب " وله أيضًا " قيد الأوابد وصيد الشوارد " وكتاب ثالث اسمه " الامتعاض للخليل "، وفي هذا الأخير رد على السرقسطي المنبوز بالحمار واسمه سعيد بن فتحون، وقد مر التعريف به (انظر الذيل والتكملة: ١٠) .
شرح ابن عبد الملك هذه المطالبة، وذلك أن أخا ابن الحداد قتل رجلًا فقبض عليه، ونالت الشاعر بسببه مطالبة أخفى من أجلها حينًا، ففصل إلى مرسية ونفذ منها إلى سرقسطة سنة ٤٦١.
أقام ابن الحداد في كنف المقتدر أحمد بن هود مدة وامتدحه وامتدح ابنه الحاجب المؤتمن ثم عاد إلى المرية سنة ٤٦٤.
انظر نفح الطيب ٣: ٥٠٢.
ب م: افتتحه بقول.
ديوان المتنبي: ٤٥٦.
ب م: قطع من الليل.
ط: الكتاب.
ب م: الأوداء.
ب م: فأدمجت.
ط: الأجزاء.
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٣٨٤ والميداني ٢: ٨٢ والعسكري ٢: ١٦٢.
عجز بيت، وصدره: أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة.
ب م: لمسموغ.
مثل، انظر فصل المقال: ٢٠٣ والميداني ٢: ٥٤ والعسكري ٢: ١٣٣.
ب م: يخسف.
الهلالي: لعله يعني أبا إسحاق الصابي.
القري: مجرى الماء.
السري: النهر.
البقط: تفاريق الأشياء؛ ولعل الصواب هنا " نقطه "، وفي ب م: وخطه.
ب م: يرود.
لؤم: جمع لأمة، وهي آلة الحرب.
ب م: الدافعة.
ب م: بلمز.
ب م: بأثارتك.
ب م: خلدك.
انظر فصل المقال: ٤٢٤ والميداني ١: ٣١٢ والعسكري ٢: ٧٣.
ب م: المائن الحائن.
ط: خرق حجاب خرجك.
ط: وخمدك.
ب م: منك.
النيق: أرفع موضع في الجبل؛ الخريق: الريح الشديدة؛ وفي ب م: لحريق.
ب م ط: واعتصبت.
ب م: سبيلهم.
ط: ونبهتني.
ب م: ولم تعدم.
ب م: المنة.
السلقة: الذئبة.
البيت للمتلمس، انظر الأغاني ٢٣: ٥٦٩.
ب م: داري.
ب م: للفقهاء.
ب م: أول وفادتك.
ب م: عظمى.
ب م: حنكني.
ب م: للأذهان لا للأسنان.
ب م: يخرق.
انظر فصل المقال: ٢٠٤ والعسكري ١: ٣٦.
انظر المثل: " مذكية تقاس بالجذاع " في فصل المقال: ٤١٣ والميداني ٢: ١٤٧ والعسكري ٢: ٢١٧.
انظر المثل: " ترك الخداع من أجرى من مائة " في فصل المقال: ١٥٤ والضبي: ٢٨ والميداني ١: ٨١ والعسكري ١: ١٨٨.
ب م: مقنص.
ط: أشفاره.
يقال في المثل: " عود يقلح "، يضرب للمسن يؤدب، والقلح: صفرة تركب الأسنان، والتلقيح هو نزعه وتنقيحه؛ انظر العسكري ٢: ٣٩ (تحقيق أبو الفضل) والميداني ١: ٣٠٩.
انظر المثل: " الحديد بالحديد يفلح " في فصل المقال: ١٣٤ والميداني ١: ٨ والعسكري ١: ٢٢٩.
ب م: مكور.
ب م: ألمحها.
انظر المثل في فصل المقال: ٤٢ والميداني ٢: ١٠٩ والعسكري ٢: ٢٧٣.
بليق: اسم فرس، وفي المثل: " يجري بليق ويذم " يضرب للرجل يجتهد ثم يلازم؛ انظر اللسان (بلق) والعسكري ٢: ٤٢٤ والميداني ٢: ٢٤٩.
ب م: منخلة.
اللواحب: جمع لاحب وهي الطريق الواضحة.
ط: أمتن.
همام: الفرزدق بن غالب بن صمصمة، أما الكندي فهو امرؤ القيس، والبكري: طرفة ابن العبدج.
النتغ: العيب؛ وفي النسخ: " تبقات ".
انظر المثل: " عثيثة تقرم جلدا أملسا " في العسكري ٢: ٥٤ (تحقيق أبو الفضل) والميداني ١: ٣٢٠؛ والعثيثة: تصغير عثة وهي دويبة تقع في الجلد فتفسده.
ب م: ازدهى.
انظر فصل المقال: ٣٣٥ والضبي: ٦١ والميداني ١: ١٩٨ والعسكري ١: ٣١٣.
السقط: الشرارة؛ الشنف: البغضاء.
الماوية: المرآة، وقيل حجر البلور.
لعله أبو بكر الحديدي وكان مقدما عند أهل طليطلة ومن أهل العلم والدهاء، حسن المنظر في صلاح بلده، وكانت العامة تعضده، ولهذا كان إسماعيل بن ذي النون ثم ابنه يحيى من بعده يستشيرانه في مهمات الأمور (البيان المغرب ٣: ٢٧٧) وسيعقد ابن بسام فصلا في القسم الرابع يتحدث فيه عن مقتل أبي بكر هذا (انظر المطبوعة ٤ / ١: ١١٨) .
اللوح: الجو؛ يوح: الشمس.
الحوباء: النفس.
التباطق: التراسل بالبطاقات، وكأنه اشتقه إذ لم يرد استعمال الفعل " بطق " في المعاجم.
ط: وتوهمت.
ب م: ما تحته (اقرأ: فاتحة أو سانحة) .
ب م: عليك.
ب م: معترجاتك.
ذكره العماد في الخريدة ٢: ٥٨٤ وقال إنه منجم المعتمد، وسيأتي له ذكر في القسم الثاني من الذخيرة، ويعتمد عليه ابن بسام في رواية بعض الأخبار.
ب م: به.
ذات الصدع: الأرض تتصدع عن النبات؛ وذات الرجع: السماء، ترجع بالمطر؛ والكبد: المعاناة والمشقة؛ الجزع: القطع.
ب م: هذا.
وردت أبيات من هذه القصيدة في الخريدة ٢: ٢٦٧ منسوبة للأسعد بن بليطة.
ب م ط: صوامع.
المنسأة: العصا.
ط: مثنى ويلفو.
ب م: ويشدى لشعري.
ب م: فرأيًا.
ب م: وفي.
وردت أبيات منها في المسالك والمغرب وابن خلكان والمطمح ونفح الطيب ٣: ٥٠٣ والخريدة.
ط: فكالعنبري.
النفح: فجمر.
ابن خلكان: حداة هداة.
أوحى: أسرع.
النفح: موارد.
ابن خلكان والخريدة: حوتها.
الضآضئ: جمع ضئضئ وهو الأصل والمعدن.
ب م: تناء.
ط: رأى ابن جذيله.
الخريدة: ذهني.
ط: لم.
انظر النفح ٣: ٥٠٣.
ب م: يدمي.
شروح السقط: ٧٢٥.
ديوان النابغة: ١٧٧ والمعاني الكبير: ٣١٩.
هو يزيد بن عبيد بن بني سعد بن بكر، كان شاعرا راوية للحديث، وتوفي بالمدينة سنة ١٣٠ (انظر ترجمته في الشعر والشعراء: ٥٩١ والأغاني ١٢: ٢٣٩ والخزانة ٢: ١٥٠ وابن حيان رقم: ٥٦٦ والجمهرة للزبير: ٢٦٨) .
الأبيات من قصيدة له ورد عدد من أبياتها في اللسان والمعاني الكبير: ١٠٥٢ - ١٠٥٣، والبيتان الأولان منها في اللسان (هدج) ومحاضرات الراغب ٢: ٦٧٣ والأول وحده في اللسان (زوج، القطا) والحيوان ٥: ٥٧٣ والميداني ١: ٢٧٨ والمعاني الكبير: ٣١٨، والثاني وحده في اللسان (هدج، مسك) والثالث في المعاني الكبير: ٦٤٠.
المعاني والحيوان: وهن.
في المصادر: تباشر.
أي أن القطا تقول: قطا، قطا حين تفزعها الحمر ليلا فتنسب أنفسها فتصدق في نسبتها. العرم: بيض القطا لأنه منقطا. غير أزواج: لا يكون بيضها إلا فردا.
الشوى: الأطراف؛ المسك: الذبل من العاج كهيئة السوار، جوابة الآفاق يريد الريح. مهداج: ريح حنون. يتحدث عن حمر الوحش في ورودها الماء، وقد شبه الشعر الذي في قوائمها بالمسك، حين وردت الماء (الذي هو من نسل الريح لأن الريح تسوق السحاب وتعصره) .
المعاني الكبير: تنحاز منها؛ وفي النسخ: جندا.
يصف الأمة التي تنساب في الماء أو تنحاز فيه، وهي المسك، والجد جمع جداء وهي التي لا لبن لها؛ قال ابن قتيبة: وكان بعض العلماء يزعم أنه أراد القطا ينحاز من الحمر عند الماء؛ مذبحة: أراد الأطواق في أعناق القطا كأنه أثر الذبح، وكان يرويه " حذا " والقطاة حذاء (أي قصيرة الذنب قليلة الريش) .
ب م: أجسام.
كذا في ب م وسقط البيت من ط.
ديوان المتنبي: ٧٩.
ديوان صريع الغواني: ٦٠ وديوان المعاني ٢: ٥١.
ب م: احمر؛ الديوان: حمي.
هو منصور بن سلمة النمري (ترجمته في الأغاني ١٣: ١٣٩ وطبقات ابن المعتز: ٢٤٢ وتاريخ بغداد ١٣: ٦٥ والشعر والشعراء: ٧٣٦) .
انظر النفح ٣: ٥٠٣ وقال إنه مما يتغنى به بالأندلس.
ب م: الخال.
ديوان الهذليين: ١٤٧، وانظر عن حديث القارظين ديوان بشر ابن أبي خازم: ٢٦ وفصل المقال: ٤٧٣ والميداني ١: ١٤٢ والأزمنة والأمكنة ٢: ١٣ والأغاني ١٣: ٧٥.
الأغاني ١٣: ٧٦.
الأغاني: بفيها يعل به.
أي طلعت الجوزاء إثر الثريا عند الفجر، ففي ذلك الوقت يرجع أهل البوادي إلى مياهم، فعند ذلك أظن الظنون بآل فاطمة لأني لا أعرف أين ينزلون، معنا أم مع غيرنا.
ط: محاربًا، غير معجمة في ب، م: مجاريًا.
ط: فهجره (اقرأ: ففخره) .
ط: معاقرا.
انظر الخريدة ٢: ٢٨١.
ط م: ركنت.
ط: فتى.
اللزوميات: ٦٦ / أ (نسخة ليدن: ٢٠٦)، ١: ١٧٦ (ط. هندية) .
اللزوميات: غدا الناس كلهم في أذى.
م: خفيف؛ اللزوميات: ألم تر أن طويل القريض.
ط: مئول.
م: ويبرز.
عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري (- ١٤٩) كان صاحب تقعير واستعمال للغريب؛ انظر نور القبس: ٤٦ وأنباه الرواة ٢: ٣٧٤ والفهرست: ٤١ ومعجم الأدباء ١٦: ٣٧٤ ووفيات الأعيان ٣: ٤٨٦.
ديوان المتنبي: ٣٢٨.
م: المزور.
ط م: فأيدى.
ط: وتحيي الهدى ناصرًا ناصرا؛ م: وتجني الهدى.
ط: ويحفظها.
م: صفحتيه.
ط: يسمع إرنان.
م: صداء، وكلاهما صحيح.
م: فينا.
انظر نفح الطيب ٣: ٥٠٤ وذكر أن المعتصم بن صمادح حين قرأ الأبيات قال: لا يتهيأ له صلاح عيش إلا بأخيه، فهو منه بمنزلة السنان من الرمح؛ وأمر بإطلاقه.
الأضبح: ما كان لونه على لون الرماد؛ وإذا قرئت بالصاد المهملة دلت على لون فيه حمرة؛ والأول أدق في وصف الذئب.
م: فلسحره.
بعد هذا البيت تعود النسخة ب لمشاركة ط م وينتهي الخرم.
ب م ط: وينجح.
ط: فنفد.
ط: ومقترع: ب م: زنود.
ب م: وشأنه.
ط: وحصن.
ب م: العادي.
وردا في الخريدة والمغرب والتكملة والذيل وسرور النفس، الورقة: ٤٤٩ والنفح ٣: ٥٠٤ وأورد المقري معهما قصة.
راجع أخباره في البيان المغرب ٣: ١٦٧، ١٧٣ - ١٧٥ والمعجب: ١٩٦ والمغرب ٢: ١٩٥ والقلائد: ٤٧ وأعمال الأعلام: ١٩٠ والمطرب: ٣٤ والحلة السيراء ٢: ٧٨ - ٨٨ والخريدة ٢: ٨٣ - ٨٩ ووفيات الأعيان ٥: ٣٩ والوافي ٥: ٤٥ وتاريخ ابن خلدون ٤: ١٦٢ وعبر الذهبي ٣: ٣٠٦ وصفحات متفرقة من نفح الطيب.
قارن بالبيان المغرب ودوزي (Recherches ج - ١ الملحق: ١٩) .
ط: حاجب.
البيان: جملة.
البيان: تقبحت؛ وأراه استعمل " تفرجت " بمعنى: انكشفت وتوضح منها ما كان مستورا، أو لعلها: تمرجت " بمعنى فسدت.
ب م: أبوه.
ب م: الشنعاء.
ب م ط: واستضافت.
ب م: لإصلاح.
ط: فيه.
ط: فيه.
ب م والبيان: يده.
ب م: يده.
ب م: معاتبة.
ظ: من ازدراء فرقة الأندلسيين؛ ب م: من ارداء.
نقل ابن الأبار هذا النص في الحلة (٢: ٨٢) ونسبه إلى أبي عامر ونقله ابن سعيد ونسبه إلى ابن بسام.
ب م: أبو معن.
ب م: من فحولة الملوك.
ب م والبيان: واكتفى من (البيان: عن) الضيق بالسعة.
في النسخ: لبيط؛ وقد تكتب ألبيط وهي (Aliedo) حصن بين ليورقة ومرسية.
من قول أبي نؤاس:
تتأيى الطير غدوته ثقة بالشبع من جزره البيت لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الثقفي وكان من شعراء الدولة الأموية يهوى زينب أخت الحجاج، انظر الأغاني ٦: ١٨٠ - ١٩٧ في أخباره؛ والبيت ص: ١٨٣، وفي الأغاني: ١٥٣.
ب م ط: واضطرب.
موضعه القسم الثاني من الذخيرة.
ب م: يوصيني.
هو ابنه معز الدولة أحمد، وقد عهد إليه أبوه أن يلحق ببلاد ابن حماد إذا سمع بخلع ابن عباد على يد المرابطين، فلما حدث ذلك، غادر المرية في رمضان وقيل شعبان سنة ٤٨٤ وقصد بجاية فأنزله المنصور بن الناصر بن علناس في كنفه (الحلة السيراء ٢: ٨٩ - ٩٠) .
عند هذا الحد تنتهي الترجمة في ط؛ ويبدو أن ما ألحق بعد ذلك إنما هو دخيل على الذخيرة، فهو مأخوذ عن القلائد والمطمح.
انظر الحلة السيراء ٢: ٨٨ والقلائد: ٤٨ والمغرب ٢: ١٩٧ وكانت المناسبة أن دخل النحلي المرية والناس قد لبسوا البياض، أما هو فكان يرتدي أسمالا سوداء؛ وسترد ترجمة النحلي في القسم الثاني.
الحلة والقلائد: أيجمل.
القلائد: ٤٨ والمغرب.
القلائد: ٤٩.
المصدر نفسه؛ والنفح ١: ٦٦٦، ٣: ٣٢٩ والمغرب ٢: ١٩٧.
رفيع الدولة: ذكره صاحب سمط الجمان ولم يسمه وكناه أبا يحيى وكذلك فعل السالمي، وكناه صاحب أبا زكريا (وفي النفح ٣: ٣٦٩ أبو زكريا يحيى بن المعتصم)؛ انظر في ترجمته الحلة ٢: ٨٢ والمغرب ٢: ١٩٩ والمطمح: ٣٠ والنفح ٣: ٣٦٩، ٣٨٧، وفي ج - ٧: ٤٣ ترجمة منقولة عن المطمح وهي مخنلفت عن ما جاء في المطمح المطبوع؛ وتعد هذه القطعة دخيلة على الذخيرة ولذلك ميزتها بحرف طباعي أصغر.
المطمح: حجه.
يعني الفتح بن خاقان.
عند ابن الأبار (الحلة ٢: ٩١) أنه كتب بذلك إلى عز الدولة وهو أخو رفيع الدولة؛ وانظر النفح ٣: ٣٦٩، ٧: ٤٢ - ٤٣.
الحلة والنفح: بحليته.
الحلة والنفح: من يفديك.
هذه القطعة والتي تليها لم يوردهما المطمح المطبوع.
ترجم الفتح في القلائد (١٧٠ - ١٧١) لمن سماه الوزير المشرف أبا محمد بن مالك ونقل المقري بعض تلك الترجمة (١: ٦٧٤) ويؤخذ مما ذكره ابن خاقان أن منزلة ابن مالك ارتفعت لدى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وأنه بوأه المراتب اللائقة به وجعله مشرفا على صرف أموال خصصت لإصلاح الأحوال بشرق الأندلس؛ وقد التقى به الفتح بطرطوشة، كما لقيه بإشبيلية.
ب م: اخترت ما يعرف.
ب م: صواحب.
ط: الفراق.
ط: الوزير.
يعتمد ابن مالك في هذه المقامة حل الأبيات الشعرية، وسأشير إلى نماذج من ذلك في سياق هذه التعليقات، ولكن استقصاء ذلك كله يثقل الحواشي كثيرا.
ب م: أزهار.
ب م: وبشرى.
النوائج: الرياح الشديدة المرور والهبوب؛ ب م: نوائح؛ ط: بوائح.
انصدع جون الهزيع عن جون الصديع: انشق سواد الليل عن بياض الصبح، والصديع: انصداع الصبح؛ ب م: انصدع جون الضريع.
ب م: أجلبه للأنس.
ب م ط: تنافرها.
الهميم: كأنه من الهمهمة وهي الصوت الخفي؛ والهديد: الدوي؛ وفي ب م: البهيم.
النئيم: الصوت الضعيف الخفي؛ الوئيد: الصوت العالي الشديد.
الكتيبة الجأواء: التي يعلوها السواد لكثرة الدروع؛ ط: بأواء.
ب: سواده؛ ط: مواده.
ب م: صفصفت.
ب م: صرفت.
ب م: من الغبار كتراكم الغمار.
ط: وثابت الأحلاك.
ط: جلا.
ط: ضمنت.
من قول المعري (شروح السقط: ١٢٦٤):
أودى فليت الحادثات كفاف مال المسيف وعنبر المستاف والمسيف هو الذي ذهب ماله. والمستاف: الشام، يقال: ساف الطيب يسوفه واستافه يستافه..
ط: تودي (وهو خطأ) .
ب م: وأنجمها.
ط: جياد تضمن.
الكلام متصل في ب م.
ب م: فظاهر.
الدخرص والدخرصة من الدرع ما يوصل به البدن ليوسعه. والدلامص: البراق الذي يبرق لونه.
ب م: باضت.
ب م: المتن.
من قول المعري: فلولا الغمد يمسكه لسالا.
الأضا: جمع أضاة وهي البركة.
ط: وارتسم.
ط: واستعار.
ب م: الفرق.
العوهق: الخطاف الأسود، وقيل هو الطائر الذي يسمى الأخيل ولونه أخضر أورق وقال ابن خالويه: العوهق الصبغ شبه اللازورد.
ب م: والبدر.
توجس: تسمع.
محلول من قول البحتري (ديوانه: ١٧٤٥):
متوجس برقيقتين كأنما تريان من ورق موصل ط: ود.
ط: ثنت.
من المثل: إن يعط العبد كراعًا يتسع ذراعًا؛ في ط: ساروا في الغد
الدؤلول: الداهية، والرقم كذلك.
نثر هنا أبياتًا لأبي تمام (ديوانه ٣: ٢٧، ٢٨):
وكم ناكث للعهد قد نكثت به أمانيه واستخذى لحقك باطله
إذا مارق بالغدر حاول غدرة فذاك حري أن تبين حلائله
وإن يبن حيطانًا عليه فإنما أولئك عقالاته لا معاقله من قول أبي تمام (ديوانه ٢: ١٠٩):
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ومحت كما محت وشائع من برد والوشائع: خيوط الثوب؛ ومحت: أخلقت.
مؤلل: محدد.
ب م: وأي.
ط: السهب.
ط: رجم.
من قول المتنبي (ديوانه: ٢٥٨):
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال من قول المتنبي (ديوانه: ٩٢):
وما أنا بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام نثر قول البحتري (ديوانه: ٢٤٧ - ٢٤٨):
لا يحتذي خلق القصي ولا يرى متشبهًا في سؤدد بغريب
شرف تتابع كابرًا عن كابر كالرمح أنبوبًا على أنبوب انظر فصل المقال: ٣٦٢ والميداني ١: ٢٢١ والعسكري ١: ٣٣١.
انظر فصل المقالك ١٩٩ والضبي: ٥٤ والميداني ٢: ١٥٢.
نثر قول أبي تمام (ديوانه ٣: ٤٩):
بوأت رحلي في المراد المبقل فرتعت في أثر الغمام المسبل
من مبلغ أبناء يعرب كلها أني ابتنيت الجار قبل المنزل وفي ط: أنزلت رحلي.
ط: كالسيف.
من قول الشاعر:
فان يكن الذي ساء واحدًا فأفعاله اللائي سررن ألوف وانظر ما تقدم ص: ٣٤٠.
ط: خلدي.
من قول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا فارغًا فتمكنا السيف الخشيب: الحديث الصنعة أو الذي برد ولم يصقل؛ المخشوب: الذي بري البري الأول.
ط: تذكر.
من قولهم ": وأول الغيث قطر ثم ينهمر.
ب م: غربان.
ب م: أي جيد أقلد.
من قول المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل ط: لدلالة.
اللكاك: الزحام.
الرسوب: السيف الماضي الذي يغيب في الضريبة.
الجدلاء: الدرع المحكمة النسج.
هو أبو براء عامر بن مالك شيخ بني عامر، وكان يلقب ملاعب الأسنة، لمهارته في التصرف بالرمح؛ وفي ب م: ملاعب الأسنة.
م: بالنبل؛ ب: بالميل.
المشهور هرم بن سنان الذي قام بالحمالات بين عبس وذبيان.
ب م: واقتطف.
ب م: ريحان.
ط: عامر.
ب م: بقسطاسي.
ط: نصاب.
ب م: ولا سرى وهمها في طيف وسنان.
ط: وأنفسنا.
ذكره الحميدي (الجذوة: ٣٦٦) في من شره بالكنية ولم يعرف اسمه " أبو احمد المنفتل " (البغية رقم: ١٥١٠) وانظر المغرب ٢: ٩٩ حيث ذكر أنه من أعلام شعراء البيرة في مدة ملوك الطوائف، وإن صاحب المسهب ذكره، وذكره العمري في المسالك ١١: ٤٠٤ والعماد في الخريدة ٢: ١٦٥ وسماه أحمد بن شقاق؛ وجمع ان ظافر في بدائع البدائه بين التسميتين فقال: أحمد بن الشقاق (في البدائع: الشفاق) المنعوت بالمنفتل ويقول العمري: " " قام على الغواية برهة ثم أقلع " وانظر النفح ٣: ٢٦٤، ٣٣٢، ٣٨٧ - ٣٨٨.
ب م: عند إملاء.
انظر المسالك ١١: ٤٠٦.
المسالك: تطرقها.
المسالك: الطرب.
ط: الأنام.
المسالك: ثيابك.
المسالك: بالمن.
ب: يرجى.
المسالك ١١: ٤٠٥.
ط: يشملنا.
ورد البيتان في المسالك.
ط: ما.
ط: عادل حاكم.
أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني القبذاقي: له ترجمة في القسم الثاني من الذخيرة، ونسبه الحميدي (الجذوة: ٢٦٠) إلى بطليوس؛ ورويت القصة والبيتان في النفح ٣: ٢٦٤ وبدائع البدائه: ٣٦٥ - ٣٦٦.
انظر البيتين في المسالك والنفح وبدائع البدائه.
وردا في المغرب والخريدة.
ب م: يسمو.
ترجمة أبي تمام ابن رباح الحجام في القسم الثالث (ص: ٨٢١) والبيتان في المسالك ١١: ٤٥٢ برواية مختلفة.
ط: يستعمل.
المرقاس، أو المركاس كما في كتاب الطبيخ: ٢١) نوع من النقانق، يدق اللحم ويعرك في قصعة بشيء من الزيت ثم يضاف إليه ثلاثة أرباعه من الشحم ويحشى به المصران ويقلى ثم تصنع له مرقة من خل وزيت.
وردا في المسالك.
ب م: لتمنيت.
القطرميز (Bocal) نوع من الزهرية ضيق عند العنق واسع الفم.
الأبيات في المسالك.
ط: الحرار.
يعرف بالأخفش بن ميمون أو بابن الفراء. أصله من القبذان وتأدب في قرطبة وله أمداح في ابن النغريلي (النغرله) الإسرائيلي وزير صاحب غرناطة (انظر المغرب ٢: ١٨٢ - ١٨٤ والنفح ٣: ٣٨٧؛ وبيتا المنفتل في النفح والثاني منهما فيه ٣: ٣٣٢ ونسمه ابن سعيد ٢: ١٨٤ لابن زيدون) .
المغرب والنفح: فإذا ما قال شعرا.
ب م: حمدان.
ثار بلبلة أبو العباس أحمد بن يحيى اليحصبي سنة ٤١٤ وظل يحكمها حتى سنة ٤٣٣ وتلقب تاج الدولة ثم خلفة أخوه محمد عز الدولة حتى سنة ٤٣٣ وجاء بعده ابن أخيه فتح بن خلف بن يحيى ناصر الدولة إلى أن قضى المعتضد على دولته سنة ٤٤٥، ولا أدري إلى أي واحد يشير بقوله " جهران " ولعل الصواب: حمدان وهي صورة من صورة " أحمد ".
ب م: لثق.
ابن النغريلي الإسرائيلي: يكتب الاسم على أشكال لعل أصوبها ابن نغدالة أي " المدبر " ويطلق على اثنين مشهورين هما صموئيل بن يوسف (إسماعيل أو اشموال بن يوسف) ويوسف ابنه، وقد كان إسماعيل عالمًا وزر لصاحب غرناطة، وخلفه ابنه يوسف فاساء اتصرف فيما يبدو، فثار عليه الناس وقتلوا. ولكن ابن بسام ينسب أفعال الابن إلى أبيه، ويتابعه في ذلك ابن سعيد في المغرب، وهذا خطأ على وجه الدقة (انظر مقدمتي على رسالة الرد على ابن النغريله لابن حزم: ٩ - ١٨، القاهرة ١٩٦٠) .
ب م: لم يألم.
ب م: عقدًا.
من قول امرئ القيس:
فقلت له لا تك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا السراء: ضرب من الشجر تتخذ منه القسي، وقال زهير - والكاتب هنا يومئ إلى ما ورد عنده:
ثلاث كأقواس السراء وناشط قد انحص من لس الغمير جحافله استعمل " أربع " على التأنيث، ثم قال: " يتشبثون، ويتعلقون " ثم عاد إلى التأنيث بقوله " أعوذهن " الخ.
ب م: وأحنف.
ب م ط: المقاتل.
بعد هذا البيت وقع خرم في ب.
ورد منها عشرة أبيات في المسالك ١١: ٤٠٦.
المسالك: قد بدت.
ط: تزين عقودها.
م: كهوف، وسقط البيت من ط.
هذه العبارة التي تنص على عدم إدراج الغلو قد نسخت بما جاء بعدها من إثبات للغلو، وتعليق لابن بسام عليه، وهذا قد يشير إلى مرحلتين من العمل في نص الذخيرة؛ ولم يرد هذا القسم في ط حتى نهاية الفصل.
م: لم.
القطر: النحاس.
م: وإن.
واضح أن القصيدة موجهة إلى إسماعيل، وهذا الفصل يشرح مقتل ابنه يوسف، وقد أشرت إلى اضطراب ابن بسام في ذلك.
ط: المأبون.
م: على كل دين.
م: نصب.
م: وحجة.
ط: بالناغير.
م: عندهم.
م: الذهلة.
من قول أعربي يهجو بني جوين:
إذا ما قلت أيهم لأي تشابهت المناكب والرؤوس انظر فصل المقال: ١٩٦ - ١٩٧ وعيون الأخبار ٢: ٢.
م ط: وشد.
ط م: البادسي.
ط: نجعه.
م: وتنسم.
م: وثابوا.
م: وهتكوا دون اليهودي كل حجاب.
ترجم له ابن الأبار (التكملة رقم: ١٥٥٢) وذكر أن كنيته أبو الحسن، وقال: روى عن أبي بكر مسلم بن أحمد الأديب بقرطبة، وله كتاب بستان الملوك، ذكره القنطري. ومسلم بن أحمد هو ابن أفلح النحوي الأديب (٣٧٦ - ٤٣٣) كان رجلًا جيد الدين راوية للشعر وكتب الآداب، وكان لتلاميذه كالأب الشفيق (انظر الصلة: ٥٩١ - ٥٩٢) .
م: بصاحب الاسفيريا؛ والاسفيريا (وتكتب أيضًا اسفريا) نوع من الطعام، راجع وصفه في كتاب الطبيخ: ٢٣.
م: الأعراب.
هنا ينتهي الخرم في ب.
وردت هذه الأبيات ص ٥٠٨ من هذا الجزء.
التيمية ١: ٣٠٨ ودمية القصر ١: ٩٣ وألحق بديوانه: ٤٦٤.
الدمية واليتيمة: في خده؛ الدمية: فتبخترا.
ديوان إبراهيم بن العباس: ١٤٥ ومعاني العسكري ١: ٣٥١ وزهر الآداب: ٢٩٩ ونهاية الأرب ١: ١٣٤ وسرور النفس: ٣٢.
نسبه في سرور النفس: ٣٢ لابن المعتز.
ديوان بشار: ٢١١ (جمع العلوي) وفيه تخريج كثير.
ورد لابن المعتز (الأوراق: ٢٢٤) .
سرور النفس: ٣٠ ومعاني العسكري ١: ٣٤٨ وزهر الآداب: ٧٤٩ والمختار: ٢٠ ونهاية الأرب ١: ١٣٥.
انظر المصادر المذكور في الحاشية السابقة.
زهر الآداب: ٧٤٩ والمختار: ٢١ والعكبري ١: ٤٠ وسرور النفس: ٣٠ ونهاية الأدب ١: ١٣٥ وديوانه: ٢٠.
ط: بلفظ.
ب م ط: حمرتها.
لم ترد في ديوانه.
ديوان تميم: ٢٣٩.
ب م: نبذت.
لم يردا في ديوانه.
ديوان ابن زيدون: ٢٣٠.
لم ترد في ديوانه.
وردا من قبل ص: ٥٦٥.
ط: كقول.
هما لكشاجم في قطب السرور: ٥٦٩.
انظر ما تقدم ص: ٥٦٤.
ط: الكاس، الآس.
انظر ما تقدم ص: ٥١٠.
ط: يلهو.
ط: دثر.
البيت لأبي تمام، ديوانه ١: ٦٢.
ط: عزلته خلعته.
ط: أعشى.
ديوانه ٤: ٩٠ والأوراق: ٢٦١ وحلبة الكميت: ٣٢٩ ونهاية الأرب ١: ٤٦ وشرح الشريشي ١: ٧٢.
الديوان: بلحظ مريض مدنف.
ديوان ابن الرومي: ١٤٧.
الديوان: فحرته فيه بمطلع.
الديوان: شمس تساترنا؛ ط: ظلت تلاحظه.
ب م: منيق؛ والقاف غير معجمة في ط؛ ولعل الصواب: " ينق ".
ب م: الليل.
ط: غصنه.
انظر ما تقدم ص: ٥١٦.
زهر الآداب: ٦٩٢ وسرور النفس: ٤٢٧.
في النسخ: قد، وزهر الآداب: جر (اقرأ: حز) .
لم ترد في ديوان ابن المعتز؛ ونسبها صاحب سرور النفس: ٤٢٤ للنامي، ولم تدرج في ديوانه المجموع.
ديوان العباس: ١٩٧.
ترجمة ابن مرزقان في القسم الثاني من الذخيرة.
ب م: بينهما.
ط: وقال في جارية كان في يدها شمعة؛ وانظر نفح الطيب ٣: ٢٦٤.
ط والنفح: إحداكما.
ب م: وقال أبو جعفر بن هريرة التطيلي؛ ولم ترد الأبيات في ديوانه، وهي تلحق بقصيدته رقم ٢٤ (ص: ٧٠) في رثاء زوجته.
ب م ط: خمدت.
زهر الآداب: ٦٩٣.
سرور النفس: ٤٣٤ - ٤٣٥.
زهر الآداب: ٦٩٣.
شروح السقط: ١٦٨٣ وسرور النفس: ٤٢٨.
ط: المهم.
ب م: وتخر الحرائر.
انظر ما تقدم ص: ٥٧٤.
هنا تنتهي الترجمة من ط.
أقدر أن هنا سقطًا في النص، لا يتم المعنى دونه، كأن يقال " وأنا أردد قولي " وأنه لابد من إيراد البيت المقصود، وذلك ينسجم مع قوله من بعد " بحرمة الأدب إلا ما أعدت علي البيت ".
ليس الشعر للعباس بن الأحنف، وإنما ينسب تارة لعلية بنت المهدي (الأغاني ١٠: ١٨٥ والفوات ٣: ١٢٥) وتارة لأبي حفص الشطرنجي (الأغاني ٢٢: ٥١ والفوات ٣: ١٣٦) وكان الشطرنجي قد نشأ في دار المهدي وكان يقول الأشعار لعليلة فتنتحلها.
ب م: بانيًا على قصوره؛ ب: قصوده.
في ب م: يحيى بن إبراهيم؛ والصواب ما أثبته وهو إبراهيم بن يحيى بن محمد بن حسين ابن أسد التميمي، وكان صديقًا للفقيه أبي محمد ابن حزم، توفي سنة ٤٦١ (الجذوة: ١٤٩ والبغية رقم: ٥٣١ والصلة: ٩٦) وهو ابن عم عبد الملك بن زيادة الله الذي تقدمت ترجمته، يلتقيان في " حسين ".
ذكره ابن سعيد (المغرب ٢: ٢٨١) ونسبه إلى لورقة، وكذلك ورد ذكره في المسالك ١١: ٤٠٧، وكلا المصدرين يعتمد على الذخيرة.
ط: لبز أهل عصره.
ط: وكان من ذوي الاقتار.
المغرب ٢: ٢٨٢.
وردا في المغرب.
ب م والمغرب: أملي.
ب م: صفاتهما.
وردا في المغرب والمسالك.
انظر المغرب ٢: ٢٨٣.
وردا في المسالك.
ب م والمغرب: وجه.
المغرب: يبسم.
وردت في المغرب والمسالك.
المسالك: صباحًا.
وردت ترجمته في الجذوة: ١٦٦ (البغية رقم: ٥٨١) والمطمح: ٨٣ والمغرب ٢: ١٧ والمطرب: ١٢٦ والخريدة (في ثلاثة مواضع) ٢: ٩٠، ٢٦٢، ٥٨٥) والمسالك (في موضعين في الثاني منهما ظنه ابنًا له) ج - ١١: ٤٠٨، ٤٦٠ وخلط بعض شعره بشعر ابن الحداد، ونقل المقري (النفح ٤: ٥١ - ٥٢) ترجمته عن المطمح، وانظر النفح أيضًا ٤: ١٠٠.
ما بين حاصرتين من المطمح: ٨٣.
ط: وأظنه.
ط: وتردد ببلاد المغرب.
ب م: في حين تأليفي هذا التصنيف.
ب م: ولا بأس بحول الله من حصوله.
هي في الجذوة والمسالك: ٤٠٨، ومنها بيتان في المطمح والنفح.
وردا في المسالك: ٤٠٨.
هو أبو نواس، وهذا البيت في ديوان المعاني ١: ٢٥٨ وتشبيهات ابن أبي عون: ٨٤ ونهاية الأرب ٢: ٢٧٢.
وردا في المسالك.
تقدم هذا البيت من قبل.
ديوان ابن هانئ: ١٩٤.
هما في المسالك: ٤٠٨ والخريدة ٢: ٩٠، ٢٧٠، ٥٨٧.
هو أبو بكر محمد النحوي (- ٣١٦)؛ انظر ترجمته في إنباه الرواة ٣: ١٤٥ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى.
إنباه ٣: ١٤٨ وذكر أنه قالهما لما حضر ابن يانس المغني.
وردا في الجذوة.
قطعة من ثلاثة أبيات في المطرب؛: ١٢٦ والخريدة (٩٠، ٢٦٩، ٥٨٧) والمسالك: ٤٦٠ واثنان في المسالك: ٤٠٨.
سيجيء الحديث عنه في هذا القسم.
تقدم من قبل.
انظر القسم الثالث ص: ٦٦٩.
هما في المسالك: ٤٠٨.
هذا البيت والذي يليه لم يردا في ط: وأغلب الظن أنهما دخيلان من المطمح: ٨٤ (النفح ٤: ٥٠) والبيت الذي للأسعد هذا أحد بيتين في الجذوة: ١٦٦؛ وانظر ديوان ابن زيدون: ٥٩٠ وروايته: تعدونني كالمندل الرطب إنما؛ وقد مر البيت في ترجمة ابن زيدون ص: ٣٥٤.
وردت ثلاثة منها في الخريدة: ٥٨٨ واثنان في المسالك: ٤٠٨.
أبو بكر الكميت بن الحسن شاعر وشاح كان من شعراء عماد الدولة أبي جعفر بن المستعين ابن هود بسرقسطة، لقيه الحميدي وقرأ عليه كثيرا من شعره (انظر الجذوة: ٣١٤ والبغية رقم: ١٣١٥ والمغرب ١: ٣٧٠ والنفح ٣: ٣٥٤ والتكملة: ٣٤٨؛ وانظر جيش التوشيح: ٨٦ - ٩٦) .
ينسب أيضًا لجرير: انظر ديوانه: ١٠٣٠.
هما في المسالك: ٤٠٨.
وردت الأبيات في الخريدة: ٩٠ والمسالك: ٤٠٨.
ط: عليه.
ب م: نموت.
منها أربعة في المغرب.
ب م: كانوا.
ب م: وضعت.
منها ستة عشر بيتا في المطمح (مكررة في النفح ٤: ٥٠، وثلاثة في النفح ٤: ١٠٠ و١٣ ثم ٧ ثم ٣ في الخريدة: ٥٨٥، ٢٦٦، ٩٠ و٤ في المسالك: ٤٦٠.
ب م: بالحلم.
المطمح والنفح: برامة.
الأوراق: ١٩٩.
ط والخريدة: حمرة.
ب م: أجادها.
ب م: ذبالا أعدت؛ وسقطت جميع الأبيات من ط.
كذا؛ ولعل الصواب: شايرتك، أي ارتفعت ببصرها إليك.
ترجمته في أخبار وتراجم للسلفي: ٧٦ وسماه هناك عبادة بن محمد (وعبادة هو ابن هذا الشاعر المترجم به) والقلائد: ١٤ والخريدة ٢: ١٨٢ والمغرب ٢: ١٣٤ والوافي ٣: ١٨٩ والنفح ٣: ٤١١، ٣٩٤، ٦١٠؛ ٤: ١٣، ١٠٣ وترجمته في أزهار الرياض ٢: ٢٥٢ أجود، وهي منقولة عن ابن خاتمة، وانظر مسالك الأبصار ١١: ٣٧٧ ودار الطراز حيث وردت له موشحات؛ ومن الغريب أن لسان الدين لم يذكره في جيش التوشيح.
ط: ذكر.
ب م: وأنشد.
منها ١١ بيتا في المغرب و٦ في قلائد العقيان: ١٤ وأربعة في الخريدو.
ب م: جلبت.
منها ٥ أبيات في المسالك وثلاثة في المغرب.
ط: وهو القائل.
ط: العلاء به.
القراق: الذي يصنع الأقراق (نوع من النعال) فهو الإسكاف.
لم أجد أحدا ذكره سوى العمري في المسالك ١١: ٤١٢ اعتمادا على الذخيرة؛ وفي ب م: الطغيري.
ط: العيد.
ط: بفرقد.
ب م: شوط.
ب م: يصف فيها قدر الحمام، خاطب بها والد غلام، كان له هناك حفظ وإكرام يقول فيها.
ب م: على ذات الحال.
ب م: يد.
ب م: نماؤه.
من قول الأعشى (ديوانه: ١٥٠):
نفى الذم عن آل جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق ط: وظرف؛ ب م: وظعن.
بهامش ظ تصحيحا: لعبد الرحيم.
ليس يتضح علاقة هذه الأبيات بالترجمة، أو علاقة المترجم به بعبد الرحمن بن عبد الرزاق؛ والأمير عبد الله هو عبد الله بن بلقين آخر بني زيزي في غرناطة (٤٦٩ - ٤٨٣) ولكني لم أجد ذكرا لوزيره في المصادر.
ط: منية.
ط: الظليم.
منها أربعة أبيات في مسالك الأبصار.
ب م: ذا كرر الوجه وذا سامج.
ترجمته في الصلة: ٣٤٦ والقلائد: ١٩٠ والخريدة ٢: ٣٧٤ وترتيب المدارك ٤: ٨١٦ والمغرب ١: ١١٥ والديباج المذهب ١٥٧ وبغية الوعاة: ٣١٢.
هو أبو الوليد احمد بن عبد الله بن أحمد بن طريف بن سعد، روى عن شيوخ قرطبة ومن بينهم أبو مروان ابن سراج وابن حيان، وكان أديبا نحويا لغويا كاتبا بليغا، وهو أحد شيوخ ابن بشكوال، وكانت وفاته سنة ٥٢٠ (الصلة: ٧٩ - ٨٠) .
ذكر القاضي عياض أنه " قوة " بالواو، وهو سراج بن قوة بن رفعي بن الكاهن (ترتيب المدارك: ٨١٦) .
ب م: التهافت.
ب م: ومشهور.
ب م: وأيأس.
ب م: وكتاب المعاني.
ط: وغير ذلك من الكتب.
ط: لثلاث خلون؛ وعند ابن بشكوال: ليلة عرفة.
ب م: سنة خمسمائة.
في الصلة: سنة أربعمائة.
ط: الرابع.
ط: ابن حازم؛ وهو خازم بن محمد بن خازم (٤١٠ - ٤٩٦) قرطبي غلب عليه الأدب وكان له تصرف في اللغة ولكنه لم يكن بالضابط لما رواه (الصلة: ١٧٨) .
ط: قال فيها.
ديوان ابن دريد: ٣٩ (ط. تونس) .
صحب أبا مروان ابن سراج مدة أربعين عاما، وكان من أهل المعرفة بالآداب ومعاني الأشعار وكان عسر الأخذ نكد الخلق، وتوفي سنة ٥١٤ (الصلة: ٧٧ - ٧٨) .
جده مكي بن أبي طالب هو المقرئ المشهور، أما هو فكان شيخ ابن بشكوال، صحبه خمسة عشر عاما، وكان عالما باللغات والآداب ضابطا، جماعة للكتب في هذا الشأن، وتوفي سنة ٥٣٥ (الصلة: ١٢٩ والمغرب ١: ١٠٨ وإنباه الرواة ١: ٢٦٧ وبغية الملتمس رقم: ٦١٧) .
ب م: خلس.
ب م: منه.
ب م: به.
ابن خلكان ٣: ٢١٤، ٥، ٣١ ونسبها لابن المعتز.
ديوان الرضي ٢: ٢٠١.
ديوان ابن حميدس: ٢٦٩.
ط: تصرفت.
ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
ط: وارت.
ط: نشأ، وسقطت من م.
ب م: الملا.
ب م: منه.
ب م: القوى.
ب م: فوق.
نرد ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
ط: المتقدم بنبله.
ب م: اصطفت مواقفها.
ط: فيها.
ط: تفنى.
هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن حكم بن سليمان بن الناصر الأموي، ويعرف بالأحمر، تتلمذ على أبي مروان ابن سراج وكان حافظا للفقه متفننا في المعارف، توفي سنة ٥٤٢ (الصلة: ٥٥٧) .
ب م: أبنه قصيدة يقول فيها.
ب م: وليس هذا المجموع لاستقصائها.
ط: قدماء.
ترجمة أبي الحسين سراج بن عبد الملك في الصلة: ٢٢٢ والمغرب ١: ١١٦ والقلائد: ٢٠٢ وأخبار وتراجم أندلسية: ١٣٢ والديباج المذهب: ١٢٦ وترتيب المدارك ٤: ٥١٨ والخريدة ٢: ٤٨٤ والمطرب: ١٣٢ والمسالك ١١: ٤١٤ ومعجم الأدباء ١١: ١٨١ وبغية الوعاة: ٢٥١.
وردت الأبيات في المغرب والخريدة والمسالك والسلفي.
ب م: الدموع.
ديوان التهامي: ٨٩.
ترد ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
من أبيات له سائرة، انظر الخريدة ٢: ٢٣٧ وابن خلكان ٦: ٢٠٣ والمطرب: ١٩٨ والمغرب ٢: ١٩ ومعجم الأدباء ١٩: ٢١ والنفح ٣: ٢٠٩، ٤: ١٥٥، ٢٣٧ وسترد ترجمة ابن بقي والأبيات في القسم الثاني من الذخيرة.
ط: عنه.
أبو الحسن بن اليسع: أخباره في الحلة السيراء ٢: ١٧٢ - ١٧٦ والمغرب ٢: ٨٧، ٢٤٨ والقلائد: ١٦٧.
ط: فارتجل أبو الحسين؛ وانظر الحلة: ١٧٣.
هو أبو علي محمد بن المستنير أحد تلامذة سيبويه (توفي سنة ٢٠٦) انظر نور القيس: ١٧٤ وفيه نماذج من شعره، وإنباه الرواة ٣: ٢١٩ وفي الحاشية ثبت بمصادر ترجمته.
أبو محمد اليزيدي: يحيى بن المبارك بن المنيرة العدوي (- ٢٠٢) . ترجم له ابن خلكان ٦: ١٨٣ (وفي الحاشية بيان بمصادر ترجمته) وانظر مجموعة من شعره في نور القبس: ٨٠ - ٨٧؛ وقد قام الدكتور محسن غياض بجمع شعر اليزيديين (بغداد ١٩٧٣) .
انظر شعر الزيديين: ٣٤.
ط: جاهلا.
ديوان دعبل: ١٣٦.
اسمه محمد بن سعد (ويقال هشام) بن عون السعدي، وكان يسمى بمحمد ومرة بأحمد وكنيه أغلب عليه، وكان أعرابيًا يفخم كلامه ويعرب منطقه، توفي سنة ٢٤٨ (الفهرست ٤٨ وأنباه الرواة ٤: ١٦٧) . وفي ب م ط: ابن محلم.
هو محمد بن عبيد الله بن عمرو، أموي النسبة، بصري، وكان يروي الأخبار وأيام العرب، وكان مستهترًا بالشراب ويقول الشعر في عتبة فعرف بالعتبي، توفي سنة ٢٢٨. (انظر ابن خلكان ٤: ٣٩٨ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى) .
في النسخ ابن ليونس جرك؛ والتصويب عن نور القبس: ١١٤ وأنباه الرواة ٣: ٢٨٢، وورد شعر أبي عبيدة فيهما.
ب م: استفتاح.
لم أجد من ترجم له، وفي الذيل والتكملة ٥: ٣٣ ذكر لعبد الملك بن محمد بن شماخ الغافقي أبي مروان أخي أبي جعفر وأنه روى عن أبي جعفر البطروجي، ولم يزد على ذلك.
ط: أدركته.
ط: ولولا أنه اختصر لمهر وبهر.
ط: أخرجت.
ط: القاضي.
ط: قال فيها.
ط: دام عز؛ ب م: أعز الله.
ط: أدبه.
ب م: الواسعة.
ب م: سألمح بلمحة.
ب م: بإشبيلية.
ب م: زهدنا في حمص.
غافق: من كورة فحص البلوط.
ب م: صرفت.
انظر يتيمة الدهر ٤: ٣٣٥ وعكس ترتيب البيتين.
المصدر السابق نفسه.
ط: والجار.
ديوان أبي تمام ٣: ١٨٢.
ديوان ابن هانئ: ٥٨.
في النسخ: يبدي ويعيد.
ورد بعض هذه الرسالة في القلائد: ١٩٣.
البيت لتميم بن أبي بن مقبل، ديوانه: ٢٧٣ وشرح شواهد المغني: ٢٢٧ والخصائص ١: ٣١٨.
في النسخ: غني، والتصويب عن القلائد.
البيت لطرفة، ديوانه: ٩٣؛ وفي ب م: وسقى ديارك.
القلائد: لسبيله.
القلائد: معرسه.
فيه إشارة إلى المثل: " فتى ولا كمالك ".
في النسخ: وتقبلت، والتصويب عن القلائد.
القلائد: في ميدان الحمد اتخذ له الريح خافية وساقا.
ط: وجه.
من قول ذي الرمة (ديوانه ٢: ٤٩٠):
وردت اعتسافا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلق انظر ديوان المتنبي: ١٥.
ب م والقلائد: بسنا وإن كرمت أوائلنا.
ط: وثلج؛ القلائد: وطلح، وهي قراءة جيدة.
هو لجرير (التاج: قنعس) .
البيت لأبي الطمحان القيني (الأغاني ١٢: ٨ - ٩) .
ب م: كالمرهف.
ب م: وأعطر.
ط: جفت.
لأعشى الكبير، ديوانه: ٤٣.
ط: منبتل رداء (اقرأ: مسبل رداء)؛ القلائد: مقتبل رداء.
ط: تشرق؛ القلائد: تروق.
إلى هنا ينتهي ما ورد من الرسالة في القلائد.
في النسخ: وأوعزت إيعاز؛ وصوبته بحسب المعنى.
البيت والأبيات التالية لأبي تمام، ديوانه ٣: ٣٥٥ - ٣٥٧.
زيادة من الديوان.
ب م: أدرن.
ط: ببقاعه.
انظر ديوان المتنبي: ٣٢٣.
ب م: باد.
انظر ديوان جميل بثينة: ١٤٤.
لم يرد إلا في نسخة دار الكتب؛ وفي البيت إشارة إلى المثلين: ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان؛ انظر فصل المقال: ١٩٩ والضبي: ٢١، ٥٤، والميداني ٢: ١٥٣، ١٥٢.
انظر فصل المقال: ٢٠٢ والميداني ٢: ١٤.
انظر فصل المقال: ١٣٥ والضبي: ٩ والميداني ١: ٨٦.
انظر فصل المقال: ٣٣ والميداني ١: ٢٤٢.
البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، انظر بهجة المجالس ١: ٨١٤ وعيون الأخبار ٣: ٧٦.
البيت للفرزدق وهو من شواهد سيبويه ٢: ٢٠٧ والخزانة ١: ٩٩.
انظر فصل المقال: ٤٢٧ والميداني ٢: ١٠٨.
من المثل: حرك لها حوارها تحن (العسكري ١: ١٠٠) .
دسع البعير بجرته: دفعها حتى أخرجها من جوفه.
كذا هو، ولعل صوابه " عن غرضة فقير " والغرضة: الحزام، والفقير: الجمل المكسور الفقار؛ وفي ط: قرصة فقير، وهي قراءة جيدة، وهو يومئ إلى القلة، ويفسره البيت التالي.
قال مالك: يريد أنه ترك ميدان الأدب، وتعلق بالفقه، وإلى مثل هذا يشير الأعمى التطيلي بقوله
ويا قال زيد أعرضي أو تعارضي فقد حال من دون المنى " قال الملك " الشعر لأبي نواس، ديوانه: ٣٢٥.
في النسخ: ينافج.
انظر اللسان: (لغط) .
ديوان أبي تمام ١: ٣٢٥.
ديوان المتنبي: ٤٨٠.
ب م: بقاع.
زاد في نسخة دار الكتب:
الله أنجح ما طلبت به والبر خير حقيبة الرجل ط: سآتيكه.
البيت للنابغة الذبياني، الأغاني ٨: ٢١٤، وسقط من قصيدة في ديوانه: ١١٣ - ١٢٠ (شرح ابن السكيت، تحقيق الدكتور شكري فيصل) .
بنو حمدين تغلبيون في نسبتهم، وقد كان لمحمد بن علي منهم ابنان أحدهما أبو القاسم أحمد (الصلة: ٨١ والمغرب ١: ١٦٢) وكان قاضيا للجماعة بقرطبة وتوفي سنة ٥٢١؛ والثاني أبو جعفر حمدين تولى قضاء بلده سنة ٥٢٩ ثم صرف عن القضاء سنة ٥٣٢ ثم أعيد وبقي حتى انهيار دولة المرابطين، فتسلم زمام قرطبة ودعي له على منابرها وسمى نفسه " أمير المسلمين " المنصور بالله " (وكانت وفاته سنة ٥٤٨) أما أبو عبد الله المذكور هنا فهو ولد أبي القاسم أحمد. وقد سماه ابن خاقان أيضًا (القلائد: ١٩٢) قاضي الجماعة، ولا بد أن يكون تولى القضاء بعد وفاة والده (أي بين ٥٢١ - ٥٢٩) .
ب م: الأيام.
ب م: معزوب.
ب م: منه.
ط: البديع.
ب م: وأفرغ فيها سكته.
ب م: بسجوة.
في النسخ: ويعنى.
ديوان أبي تمام ١: ٤٠٢.
انظر رسالة الكشف عن مساوئ المتنبي (مع الابانة للعمدي): ٢٣٤ - ٢٣٥.
ديوان أبي تمام ١: ٢٥.
انظر الوساطة: ٤٢٩، ١٨٠ ورسالة الصاحب: ٢٤٤، وأبيات المتنبي في ديوانه: ٤٢٤، ١١، ١١٩، ٥٧٢.
ديوانه ٢: ٣٢٤ وصدره: تروح علينا كل يوم وتغتدي.
ديوان بشار: ١٦٥ (جمع العلوي) .
ب م: بطعنة.
لعلها يك (Yecla) شمال مرسية؛ وهناك لكة وهي من كورة شذونة حيث كان لقاء طارق ورذريق (الروض المعطار: ١٦٩) وذكر صاحب الروض (١٨٥) لكة في أقصى الشمال، مما يجعل تعيين الموضع الذي قصده ابن شماخ غير متيسر.
بنو صباح: انظر الاشتقاق: ١٩٢ - ١٩٣، ١٩٨.
ديوان المتنبي: ٥٨٤، ٥٨٦.
في النسخ: محسن وتفرق غلمانه.
قد مر التعريف به ص: ٥١٢ وانظر الأغاني ٢٢: ٢٥٥ - ٢٥٦.
ب م: بهم.
ط: بفأل.
ب م: جامدًا.
ط: العيش.
أورد ابن بشكوال ترجمة لأبي عمر أحمد بن يحيى بن عيسى الالبيري الذي يروي عنه أبو المطرف الشعبي، وقد لقيه أبو المطرف بغرناطة سنة ٤٢٨، وكان أبو عمر يعرف قديمًا بابن المحتسب ثم عرف بابن عيسى، وكان أديبًا شاعرًا متكلمًا، له مؤلفات قرأها عليه أبو المطرف؛ وقال ابن خزرج أن ابن عيسى سنة ٤٢٩ (الصلة: ٤٨) وترجم له ابن سعيد (المغرب ٢: ٩٥) في قسم البيرة، ولكن جانبًا مما ذكره مختلط بترجمة أبي الوليد غانم، وهي الترجمة التالية.
ب م: ما هو شرط للكتاب.
أبو المطرف الشعبي هو عبد الرحمن بن قاسم من أهل مالقة، كان فقيهًا ذاكرًا للمسائل يحفظ المدونة وغيرها، أخذ عن شيوخ مالقة كأبي أيوب الالبيري وحسين بن موسى الفقيه المشاور وغيرهما، وشوور ببلده في الأحكام، توفي سنة ٤٩٧ (الصلة: ٣٢٩ وأدباء مالقة: ١٣١) .
ب م: العلم.
ب م: أنى.
ب م: صراطها المستقيم.
في النسخ: وجلت (اقرأ: جلت) .
ط: حنينًا.
ط: مشوب.
ب م: كميت (اقرأ: كمنة) .
ب م: دائمًا.
ط: مخواصًا؛ ب: محواضًا.
ب م: أبقت.
ب: تصفو معاطفة؛ ب م: لتستمر.
ط: جددت.
ب م ط: سر.
انظر الآية: ٤٤ من سورة الشورى.
ط: الطريق.
ط: وجوابه.
هو غانم بن وليد بن محمد بن عبد الرحمن المخزومي من أهل مالقة (- ٤٧٠)؛ انظر الجذوة: ٣٠٦ (والبغية رقم: ١٢٨٠) والصلة: ٤٣٣ وأدباء مالقة: ١٧٩ والمطمح: ٦٠ والمغرب ١: ٣١٧ والمطرب: ٨٤ ومعجم الأدباء ١٦: ١٦٧ وبغية الوعاة: ٣٧١ وصفحات متفرقة من النفح.
ب م: وجميل.
ب م: في مخزوم.
ط: التعليم.
ذكر ابن عسكر في أدباء مالقة: ١٦٦ علي بن عميثل وقال: من اشياخ مالقة، ولم يذكر كنيته، وذكر ص: ١٩٠ سليمان بن عميثل، ويرجع بنسبه إلى قبيلة عاملة، وكنيته أبو أيوب.
وردا في المغرب ١: ٣١٨ ومعهما بيت ثالث.
ب م: لو.
ب م: الوفاء.
بنو جودي: ينتسبون إلى بني سعد بن بكر بن هوازن، وقد رأس بعضهم (النفح ١: ٢٩١)؛ كان جدهم جودي بن أسباط يلي الشرطة للحكم الربضي، كما ولي قضاء البيرة (الحلة ١: ١٥٥) .
ط: بالراح.
وردت هذه الرسالة في أدباء مالقة: ١٧٩ - ١٨٠.
أدباء مالقة: الفارط.
ب م: والشاهق؛ أدباء مالقة: والسابق.
أدباء مالقة: جوى.
ب م وأدباء مالقة: وأهدته.
ط: أحدثها.
ط: الوصلة.
ط: صاولت.
من قول المتنبي:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه أني بما أنا باك منه محسود الأبيات في أدباء مالقة: ١٧٩.
ط: منه، ب: منذ؛ م: منك.
ب م: حاتم العلا (م: خاتم)
ب م: العليا.
البيتان في أكثر المصادر الموجودة في ترجمته، وفي نفح الطيب ٣: ٢٦٥، ٣٩٨، ٤٤٧، ٥٩٦؛ ٤: ٢٨.
انظر النفح ٣: ٢٦٥، ٣٩٨.
انظر النفح٣: ٤٤٧.
ط: بالحب.
كذا، وهو خارج على المقبول من الصيغ، إذ حقه أن يقول " تلقينني ".
ب م: يقضيه مجراك؛ ط: فحواك.
ب م: بإمام ترجع إليه.
في النسخ: الحسين.
ب م: بين إقامته.
الأرجح أن الإشارة هنا إلى السطيفي، وهو رجل من مالقة، تعاون مع نجاء الصقلبي الذي اعتقل إدريس، فلما أخفق في تحقيق أهدافه واغتاله بعض العبيد، ثار العامة على السطيفي وقتلوه، وبايعوا إدريس بعد أن أخرجوه من معتقله (انظر البيان المغرب ٣: ٢٩١) .
ط: الملك.
ب م: فأنشدت.
انظر الأغاني ٥: ٣٥٠.
الأغاني: لا حيام له مطرود؛ ب م: مصدود.
في النسخ: فأجفى.
ط: مبدء.
الخبر في النفح ٣: ٦١٤ - ٦١٥.
ب م: للحي.
ط: أبدت.
في المغرب (١: ٤٢٥) أبو عمرو بن هاشم، وأورد له بيتين.
ط: بهذا الصوت.
تأمل استشهادات أبي الوليد غانم تجد أن اعتذاره - من جهة النحو - ضعيف متهافت، فإنها شواهد على عدم صرف الاسم العلم.
انظر سيرة ابن هشام ١: ٤٩٤ والعيني٤: ٢٦٥.
انظر العيني ٤: ٢٦٦،وهو لدوسر بن دهبل القريعي.
البيت لذي الاصبع العدواني، انظر العيني ٤: ٢٦٤.
ب م: أودع أودعك.
ب م: بذي نصرتي.
ط: بتًا.
ب م: فقيد.
هو الحسن (وفي القصيدة: حسين) بن حسون من علماء مالقة، ويبدو أنه تورط في ثورة نجاء الصقلبي والسطيفي فوبخه العالي لأنه بايع عدوه (النفح ٣: ٣٩) ثم ولاه العالي قضا مالقة، وقاسى شدة من اختلاف الخلفاء على بلدته (المغرب ١: ٤٣٠ - ٤٣١) .
ب م: والمحاسن.
رية: الاسم القديم لمالقة (المغرب ١: ٤٢٣) .
ط: فازدان منك بحسن ما طوقته.
ب م: بسماحة.
ط: وله من أخرى.
بلقين (ويكتب أيضًا بلكين) بن باديس بن حبوس الصنهاجي: جعله والده باديس ولي عهده ولقبه سيف الدولة ولكنه توفي سنة ٤٥٦، واتهم ابن النغريلة بدس السم له (البيان المغرب ٣: ٣٥٩ والإحاطة ١: ٤٣٩ - ٤٤٣) .
ب م: معجمًا.
ط: يواصل.
البيتان التاليان في النفح ٣: ٣٩٨ والقافية فيهما منصوبة.
ط: تغيض.
هو أبو عبد الله محمد بن السراج المالقي، وقال الحميدي: لم يقع لي اسم أبيه، وقال إن ابن شهيد ذكره (على الأرجح في حانوت عطار) ولم ترد ترجمته في القطعة المتبقية من كتاب أدباء مالقة - وهو يبدأ بالمحمدين، إذ يبدو أنها سقطت فيما سقط من أوراق الكتاب (انظر الجذوة: ٥٦ والبغية رقم: ١٤٤ والمغرب ١: ٤٣٤ - ٤٣٥ والمحمدون: ٣٣٨ والمسالك ١١: ٤١٣) .
ترجم له في المغرب ١: ٤٣٥ وذكره في بدائع البدائه: ٨١ والنفح ٣: ٢٧٠، ٣٩٨، ٦١٠ بما لا يخرج عما ورد في الذخيرة من علاقة بينه وبين ابن السراج.
انظر المغرب ١: ٤٣٥.
المغرب: بعينك بالجناب الظليل؛ ب م: بالغناء النبيل.
ب م: رضى.
انظر بدائع البدائه: ٨١ والنفح ٣: ٢٧٠، ٦١٠ والمسالك ١١: ٤١٣ وقد وردت القافية بالباء بعدها هاء " حبيبه، كئيبه " في بدائع البدائه.
ط: وهيجته.
شقته: شقيقته.
ب م: الحي.
ب م: كريم.
لفظة بوقون وجميعها بواقين، وردت كذلك في ب م ط، ويبدو أن الذي أوحى باستعمالها قول ابن الغليظ في الأبيات السابقة " فإن الغداء فيه نسيم " ومن كان يغدي نسيمًا فإنه بوقون، وترجيح ذلك من Bocinero وهو نافخ البوف أو القرن؛ ولفظة Bocon بالإسبانية تعني أفوه أو " فشار ".
أم الحسن: الطائر الذي يسمى الهزار (المغرب ١: ٤٣٤)، وفي درة الحجال أن أم الحسن بلغة المغاربة هي العندليب والشحرور والبلبل (انظر أمثال العواء: ١٨٤٧ ص: ٤٢٤) .
هو أبو بكر عبادة بن عبد الله بن محمد بن عبادة بن ماء السماء الوشاح، وقد مرت ترجمته ص:
منها أبيات في المغرب ١: ٤٣٦ والنفح ٣: ٣٩٨ والمسالك.
ط: يظهرها.
هو يحيى بن علي بن حمود أبو زكريا وأبو محمد بويع سنة ٤١٢ بقرطبة ثم خلع في السنة التالية، ثم أعيدت دولته سنة ٤١٦ وخرج في السنة التي تليها إلى مالقة وقتل سنة ٤٢٦ وقد شرح ابن حيان قصة مقتله في ما تقدم.
أورد خمسة أبيات منها في المغرب ١: ٤٣٤ - ٤٣٥.
ط: الهوى.
ط: بها.
ب م والمغرب: العين.
ب م: تجري جريًا، والتصحيح عن المغرب، ولم يرد البيت في ط.
وقع في ب م قبل البيت الأخير.
ط: الجيد.
ط: صرخ.
ط: كان؛ وما في المغرب يتفق وما أثبته.
ب م والمغرب: عمره.
المغرب: كمين.
المغرب: غير ذائب فذابت.
ب م: لقيتك فيه والهوى بيننا غر.
من قول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر ط: طول.
ب م: منكم.
ب م: وبصحبتي.
ب م: طمعت.
ب م: وامتد.
ترجمة السميسر وبعض أخباره في المغرب ٢: ١٠٠ والمطرب: ٩٣ والخريدة ٢: ١٦٧ والمسالك ١١: ١٦٧ وأخبار وتراجم أندلسية للسلفي: ٢٨، ٨٣ وفي نفح الطيب مقطعات كثيرة له (انظر الفهرست)، وبدائع البدائه: ٣٧٩، ٣٩٤ ويبدو من أخباره أنه هجا باديس أو بلقين فطلب فهرب إلى المعتصم بن صمادح، الذي لم يسلم فيما يقال من هجائه، وقيل بل وضع ذلك على لسانه (أخبار وتراجم: ٨٣، ٨٤ والنفح ٣: ٤١٢) وله قطعة يرثي فيها الزهراء (النفح ١: ٥٢٧) .
ب م: كان أحد بواقع الزمان وعجائب أهل هذا الشان.
هو منصور بن إسماعيل الفقيه الشافعي التميمي الضرير، أصله من رأس العين، وله مصنفات في مذهب الشافعي، وكانت وفاته بمصر سنة ٣٠٦ (انظر طبقات الشيرازي: ١٠٧ والسبكي ١: ٣١٧ وابن خلكان ٥: ٢٨٩ ونكت العميان: ٢٩٧) وأكثر شعره في الأخلاق والحكم؛ وقد أورد عبد البر في كتابه بهجة المجالس وجامع بيان العلم قطعًا كثيرة من شعره.
زاد بعده في نسخة دار الكتب: وفي مثل: رمتني بدائها وانسلت.
زاد بعده في النسخة المذكورة: ونقلت هذا من خطه في سفر عرضه علي أبو بكر الخولاني امنجم بإشبيلية سنة ثمانين وأربعمائة، ولكن ليست (له) صفة طبيعية في ذاته، على بدع من أدواته.
وردا في النفح ٣: ٣٩٠.
وردا في المسالك والنفح ٤: ٢٠.
النفح: قرابة.
ب م: تكن.
وردا في المسالك والنفح ٣: ٣٩٠.
المسالك: وينزف.
ب: أمراء.
نسبهما للسميسر في المسالك.
وردا في الخريدة والنفح ٤: ١٠٨.
ب م: قول الحسن بن مضا.
ط: وسيم للمتوكل؛ والمتوكل المعني هنا عو عمر بن المظفر صاحب بطليوس (٤٣٠ - ٤٦٠) .
وردا في المسالك.
ط: حيران؛ ب م: حتى أن.
اللزوميات ١: ٢٥٧.
ورد في النفح ٣: ٤١٢.
ديوان أبي تمام ٣: ٢٨.
انظر المسالك.
وردا في المطرب والنفح ٣: ٣٢٩ وبدائع البدائه: ٣٩٤.
ب م: فيها.
ديوان ابن المعتز ٤: ١٠٤ والأوراق: ١٥٧.
الديوان: قرقسه كالزئبر المنتف.
الديوان: برحن.
الديوان: يلسعننا.
الديوان: حتى غدا فيه كشكل المصحف.
لعله ابن دراج القسطلي، ولكن هذا الرجز ليس في ديوانه.
ب: سخيفًا؛ ط: سخيلا (اقرأ: سحيلا) .
ب م: فما.
وردت أربعة أبيات منها في المسالك.
ط: فغادر برقهم؛ م: فعاد زمانهم.
يعني ثابت بن أسلم أبا محمد البناني وكان من الأتقياء الزهاد في العصري الأموي، اختلف في وفاته بين سنتي ١٢٣ و١٢٧ (انظر تهذيب التهذيب ٢: ٢ - ٤) .
ب م: فكل.
ط: حامل.
وردت في المغرب والخريدة والنفح ٤: ١٠٨.
ب م: والطم.
ب م: نكرة.
مر ص ٨٨٣: وفيه " خالد " موضع " حكم ". ولم يرد البيت في ب م وورد بيت آخر هو الذي مر أيضًا وهو:
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه البيت.
أما نسخة دار الكتب فقد جاء فيها بيتان آخران زيادة على هذين، وهما:
يا من يعيب وعيبه متشعب كم فيك من عيب وأنت تعيب أو كما قال الآخر:
وأجرأ من رأيت بظهر غيب هل عيبي الرجال ذوو العيوب ديوان المتنبي: ٥٥٨.
مرت ترجمته ص: ٦٩١.
ط: فأصبحوا.
وردت أربعة منها في المغرب وخمسة في النفح ٣: ٢٩١.
النفح: وناظر.
ط: صادت (اقرأ: صارت)؛ النفح: رجعت.
ط: حاسد.
كذا في ب م، ولم يرد البيت في ط.
ب م: بديل.
ترجمته في القسم الثاني من الذخيرة.
ب م: جيب.
ط: القلوب.
لم ترد هذه المقطوعة والتي تليها في ط.
هذا الشطر مختلف في وزنه عن سائر الأشطار في المقطوعة.
ب م: الناقمة.
انظر القسم الثالث ص: ٣٣٥، ٣٣٩.
ط: الأدب.
هذا الفصل عن الاستطراد متابع للعمدة ٢: ٣٩ - ٤٢.
ط: أن يومئ.
ب م: صفة شيء؛ العمدة: وصف شيء.
شرح المرزوقي، الحماسية رقم: ١٥ وزهر الآداب: ١٠١٦.
البيت له في زهر الآداب: ١٠١٥.
هو مالك بن مسمع بن شيبان سيد بكر، انظر عنه صفحات متفرقة في شرح النقائض.
شرح النقائض ١: ٢١٣ وروايته: وضغا البعيث، وكذلك ديوان جرير: ٩٤٠ وزهر الآداب: ١٠١٥.
الحيوان ٥: ٤٨٩ - ٤٩٠ يصف تيس غنمه.
ديوان بشار (جمع العلوي): ٢٢٠ وزهر الآداب: ١٠١٦.
ديوان أبي تمام ٤ك ٤٣٤ وزهر الآداب: ١٠١٤ - ١٠١٥ وأخبار أبي تمام: ٦٨.
هو عثمان بن إدريس السامي (الشامي) .
ديوان البحتري: ١٧٤٥ وزهر الآداب: ١٠١٥ وأخبار أبي تمام: ٦٩.
ديوان زهير: ١٥٢.
زهر الآداب: ١٠١٧ وديوانه: ٧ (صنعة حاتم الضامن) .
ديوان المتنبي: ٥٠٠.
العمدة: وقيل أصل.
العمدة: قواده وأجناده.
ب م: برزق.
هو أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس من بني العنبر، سمع الحديث وغلب عليه الرأي (طبقات الشيرازي: ١٣٥ والجواهر المضية ١: ٣٤٣) .
ذكره أبو الوليد ابن خيرة في شيوخه وقال: أدركته وجالسته، وله كتاب مفيد في النفس (انظر التكلمة: ٣٧ والذيل والتكملة ١: ١٠٩ والمسالك ١١: ٤١٥) .
ب م: مجلوا.
من قول المتنبي (ديوانه: ١٩٠):
ملك منشد القريض لديه يضع الثوب في يدي بزاز في النسخ: بقرطبة.
ب م: النجر.
ط: عارضنا.
ط: التوصل.
يريد على روي " بسام ".
ب م ط: مغالطة.
ط: الجواد.
الحصب: المفروش بالحصباء، ويكون الماء صافيًا، ولذلك قال أبو ذؤيب:
فكرهن في حجرات عذب بارد حصب البطاح تغيب فيه الأكرع وقد خصبت الأرض فهي خصبة مثل خصيبة.
من أبيات لأبي القمقام الأسدي (معجم البلدان - وشل) .
ب م: عهد.
ورد هذا البيت في المغرب.
ط: مسك الختام.
ط: الغاية.
ط: شعب.
ب م: الخطبة (اقرأ: الخطة) الصنعاء (اقرأ: الصلعاء) .
ب م: عطفك.
ط: بعيد.
ط: أرضها.
ب م: يجحف يتلف.
ب: وعند
[ ٢ / ٩٤٥ ]