مقدمة التحقيق
هذا هو القسم الثاني من الذخيرة وهو يشمل تراجم أدباء الجانب الغربي من الأندلس، أي أهل حضرة إشبيلية وما اتصل بها من بلاد ساحل المحيط الرومي، وقد اعتمدت في تحقيقه على أربع مخطوطات (١) يمكن أن تمثل فئتين - تضم الفئة الأولى:
(١) مخطوطة الخزانة العامة بالرباط (رقم: D ١٣٢٤) وقد رمزت لها بالحرف (ط) ومجموع ورقاتها ١٥٧ ورقة، وهي مكتوبة بخط أندلسي جميل محلى بشكل جزئي، وعدد السطور في الصفحة الواحدة ثلاثون سطرًا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد اثنتا عشرة كلمة، ومسطرتها ٢٧ × ١٩.٥ وعلى هوامشها قراءات من نسخة أخرى، وتعليقات بعضها بخط الناسخ نفسه، وبعضها بخط متأخر في الزمن مختلف عن خط الناسخ، وقد أثبت من القراءات المقارنة ما رمز إليه الناسخ بالحرف (خ)، وحذفت ما صرح الناسخ بأنه ليس من أصل الذخيرة، كما حذفت التعليقات والإضافات المتأخرة.
وقد فرغ الناسخ من كتابة هذا القسم من الذخيرة في زوال يوم الأربعاء ٢٤ ذي القعدة عام ١٠٥٥، وهو الذي قام بنسخ القسم الأول والثالث من هذا الكتاب أيضًا، واسمه أحمد بن الحاج علي بن الحاج أبي القاسم بن محمد بن سودة الأندلسي. ولما كانت هذه النسخة هي خير النسخ التي حصلت عليها ضبطًا ودقة فقد أثبت أرقام أوراقها في سياق هذه الطبعة. ومع أنها
_________________
(١) هناك نسخة مغربية خامسة إلا أني استبعدتها لأنها غير واضحة.
[ ٣ / ١ ]
- نسبيًا - متأخرة في الزمن، فإنها تعد من أقدم النسخ المتيسرة من الذخيرة وهذه مشكلة لم أستطع التغلب عليها، فأنا - حتى اليوم - لم أستطع العثور على نسخ تتمتع بقدم واضح، أو حتى على الأصل الذي أخذت عنه (ط) أيًا كان تاريخه.
(٢) مخطوطة بغداد، وقد رمزت لها بالحرف (د) وتحتوي ٣٣١ صفحة، مكتوبة بخط نسخي مشرقي حديث وعدد السطور في الصفحة الواحدة ٢٩ سطرًا ومعدل الكلمات في السطر الواحد إحدى عشرة كلمة، ومسطرتها ٢٥ × ١٤.٥، وقد كتب على الصفحة الأخيرة منها: " نجز ولله الحمد تسويد هذا الجزء من الذخيرة لابن بسام عليه الرحمة على نسخة قديمة بخط مغربي مغلط، وقد اجتهدت بتصحيحها حسب الإمكان، والله المستعان. وقد وافق ذلك اليوم الحادي والعشرين من شهر المحرم سنة أربع وعشرين وثلثمائة وألف هجرية، على يد أفقر الورى للطف ربه المنان: عبد اللطيف ثنيان، في بغداد المحمية، صانها الله عن كل بلية، آمين ".
إذن فهذه النسخة حديثة جدًا، وقد صرح ناسخها بأنه نقلها عن أصل مغربي، ولا ندري حتى اليوم من أمر هذا الأصل شيئًا، ولكني أستطيع أن أقول إن (د) منقولة عن أصل يشبه (ط) للتماثل الدقيق بين القراءات حتى في الخطأ، وللتطابق التام في طول كل ترجمة، وفيما نقص من تراجم كاملة أو أجزاء من تجمات، كما سيأتي بيانه بعد قليل، وكل الفرق بين النسختين أن ناسخ (د) حاول أن يجتهد في بعض القراءات، التي عدها خطأ في الأصل، ولم يسلم من إضافة أخطأ جديدة، مما قد يلحق الناسخ عن طريق السهور.
وتضم الفئة الثانية من المخطوطات:
(٣) مخطوطة الخزانة الملكية بالرباط (رقم: ٩١٤٤) وقد رمزت لها بالحرف (م) وتقع في ٢٤٥ ورقة، وهي مكتوبة بخط أندلسي، ومسطرتها
[ ٣ / ٢ ]
١٩.٥ - × ٢٣، وعدد السطور في الصفحة الكاملة ٢٢ سطرًا، ولكن هذا لا يطرد لأن الناسخ يراوح كثيرًا بين الكتابة بخط ذي حجم عادي والكتابة بخط كبير جدًا حتى إن عدد الأسطر في الصفحة الواحدة لا يزيد عن أحد عشر سطرًا. وهذه الكتابة بالخط الكبير لا تقتصر على عنوانات الفصول بل تشمل كل ما ظنه الناسخ بداية فقرة جديدة. وتظهر في هذه النسخة آثار الأرضة بكثرة، وفيها خروم ضاعت بسببها أوراق كثيرة كما تنبهم الفوارق فيها بين عدد من الحروف المتقاربة في صورها، وهي لا تشمل كل القسم الثاني، وإنما تنتهي عند أوائل ترجمة ابن عبدون ثم تجيء في خاتمتها صورة تملك على هذا النحو: " الحمد لله: تملك هذا الكتاب عبده تعالى أبي [كذا] بكر بن أحمد بن علي أعانه الله على طاعته ". إلا أنها لا تحمل تاريخًا.
ورغم ما في هذه المخطوطة من عيوب فقد كانت ذات دور هام في ما قدمته من عون أثناء تحقيق هذا القسم، لانفرادها عن (ط) واعتمادها على أصل آخر، وهذا ما جعلها تحفل بزيادات غير موجودة في (ط) وقرينتها (د) ومنها زيادة في ترجمة عبد الجليل بن وهبون وأخرى في ترجمة أبي بكر ابن عبد العزيز كما أنها تنفرد إذا قورنت بالنسختين السابقتين بإيراد ترجمة ابن مرزقان.
(٤) نسخة المكتبة الوطنية بباريس رقم: ٣٣٢٢ (ورمزها: س)، وهي منسوخة عن نسخة عدد أوراقها ٢٢٢ ورقة مثبتة أرقامها على هوامش الصفحات، وتقع (س) في ٢٦٥ ورقة، وعدد السطور في كل صفحة عشرون سطرًا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وخطها نسخي حديث، ويبدو أن كاتبها أجنبي، يدل على ذلك نوع الخط، ومحاولة رسم الكلمات دون إدراك لمعناها، وكثرة الأخطاء في الصفحة الواحدة، وقد تم نسخها في ١١ أكتوبر سنة ١٨٨٤.
[ ٣ / ٣ ]
ولا ريب في أن الأصل الذي نقلت عنه (س) قريب الشبه بالنسخة (م) وقد احتفظت النسخة الباريسية أيضًا بالزيادات التي جاءت في نسخة الخزانة الملكية بالرباط؛ وكان لابد من الاعتماد على (س) لأن قرينتها (م) غير كاملة، فاستطاعت نسخة باريس أن تمدنا بترجمة لم ترد في مخطوطات الفئة الأول وأعني بذلك ترجمة الأعمى التطيلي. أما فيما عدا ذلك فإنه ليس في مقدور أي محقق أن يثبت جميع الفروق التي تتمتع بها (س) لأن أكثرها قائم على الخطأ المحض، وإنما كان أكثر الاعتماد عليها استئناسًا بطبيعة السياق، وترجيحًا إن أمكن الترجيح.
وبعد: فقد كان هذا القسم من الذخيرة معدًا للنشر في النصف الأول من سنة ١٩٧٥، وبعد الانتهاء من طبع القسم الثالث ولكن كان يمنعني من دفعه إلى المطبعة إحساسي بأن هناك شيئًا ينقصه ويتمثل هذا في مواطن:
١ - ترجمة أبي الوليد الباجي، فقد كتب ف هامش ط أن الترجمة لا يزال ينقصها ورقة ونصف الورقة، وهو شيء لم أسطتع العثور عليه في (م) أو (س) رغم انتمائهما إلى فئة مختلفة.
٢ - إن ترجمة الوزير أبي عبيد البكري لا يمكن أن تكون كاملة، فإن ابن بسام لم يورد شيئًا من نثره أو شعره.
٣ - إن فهرست الذخيرة (في صدر القسم الأول) ينص على وجود ترجمة لمن اسمه " الوزير الخطيب الأديب أبو عمر ابن حجاج " تقع بعد ترجمة أبي عبيد البكري ولا وجود لها في المخطوطات الأربع، أليس من المعقول أن تكون موجودة في مخطوطة أو مخطوطات أخرى - وفي هامش (ط) ما ينبئ بأنها ناقصة، وكاتب هذا التعليق بخط متأخر، ربما فعل ذلك لأنه رآها في مخطوطة أخرى.
٤ - إن الزيادات التي وردت في نسختي (م) و(س) قد تشير
[ ٣ / ٤ ]
إلى أن استكشاف مخطوطات أخرى قد يتيح العثور على زيادات جديدة.
لهذا كله آثرت التريث؛ وغادرت بيروت في سبتمبر (أيلول) ١٩٧٥ إلى جامعة برنستون، واشتدت وطأة الأحداث المؤسفة في أثناء ذلك على لبنان، وكان أن سعى بعض أصدقائي - جزاهم الله خيرًا - إلى تصوير مسودة القسم الثاني، كما تركتها محققة، وإرسالها لتودع عند صديقي العلامة يوسف فإن اس، بجامعة توبنجن بألمانيا، ولم أستطع رؤية هذا القسم من الذخيرة إلا بعد عودتي إلى بيروت في حزيران (يونيه) ١٩٧٧؛ وفي أثناء هذه الغيبة صدر من هذا القسم قطعة تستغرق حتى آخر ترجمة أبي العلاء بن زهر، قام بتحقيقها الدكتور لطفي عبد البديع (١)، ولما قارنتها بما كنت حققته وجدت مصداق بعض ما قدرته فقد احتوت تلك القطعة (اعتمادًا على النسخة الكتانية) ما تفتقده النسخ من ترجمة أبي الوليد الباجي، ولعل هذه النسخة الفريدة (أعني الكتانية) أن تكون قد احتفظت أيضًا بكل ما قدرته من نقص في النسخ التي تيسرت لي، أو بمعظمه.
إنني أكتب هذه المقدمة، قد قطع هذا القسم شوطًا غير قليل في المطبعة، ولهذا رأيت أن أضيف إليه ما جاء من زيادة في ترجمة الباجي مستمدًا من القطعة التي حققها الدكتور عبد البديع، وأن أصنع لترجمة البكري تحشية مما ورد في المصادر من شعره ونثره، أميزها عما عداها لأنها ليست من أصل الذخيرة، راجيًا إذا أتيح لي الإطلاع على النسخة الكتانية - وهو شيء لا أظنه سهلًا - أو غيرها من النسخ، أن أثبت الزيادات وفروق القراءات في نهاية هذا الجزء.
لقد كنت أظن أن الصعوبات ستصبح مذللة لإخراج هذا القسم على نحو أكثر تحقيقًا للرضى، ولكني حين اعتبر هذه الفترة الطويلة التي مضت على
_________________
(١) الهيئة المصرية العامة للكتاب: ١٩٧٥.
[ ٣ / ٥ ]
الذخيرة - ولعلها أن تكون أهم مصدر من مصادر الأدب الأندلسي - دون أن تيسر للقراء والدارسين، أحس أن إخراجها على هذا النحو خير من التمادي في تأخير احتجابها حتى تكتمل جميع الوسائل.
ولقد كان العبء في هذا القسم - كما كان في القسمين: الأول والثالث - يستنزف موفر الطاقة، ومذخور الجهد، فالذخيرة لا يمثل نصًا سهلًا، يتفق كل الناس على قراءته - وبخاصة للتباعد بين المخطوطات - ولا يمكن الإسراف فيه في ناحية على حساب ناحية أخرى؛ بل لابد من الموازنة بين الشرح والتعليق والتخريج وترجيح القراءات، والاقتصار على الضروري، مع مراعاة الربط بين الذخيرة والمصادر الأندلسية (وأحيانًا غير الأندلسية) الأخرى. وقد تلقيت العون في تحقيق هذا القسم من اثنين يستحقان كل شكري وتقديري وهما الدكتور وداد القاضي التي لم تأل جهدًا في تدقيق الملازم الطباعية، وتوجيه بعض القراءات التي أعياني أمرها، والإشراف على الفهارس المفصلة الدقيقة، والدكتور ألبير مطلق، الذي بذل جهدًا طيبًا في معاونتي على مقارنة النسخ، والتضحية بوقته في تقديم كل ما يعين على إنجاز القسم.
فإليهما مرة أخرى، تقدير عارف بمدى ما بذلاه من جهد مخلص، والله يوفقنا جميعًا إلى ما فيه الخير.
بيروت في أيلول (سبتمبر) ١٩٧٧ إحسان عباس
[ ٣ / ٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
فصل في ذكر الأعيان المشاهير، من أرباب صناعة المنظوم والمنثور، بحضرة إشبيلية ونواحيها، وما يصاقبها ويدانيها، من بلا ساحل البحر المحيط الرومي، وهو الجانب الغربي من جزيرة الأندلس، وإيراد ما بلغني من غرر أشعارهم، ومستطرف أخبارهم، مع ما يتعلق بها، ويذكر بسببها.
قال ابن بسام: وحضرة إشبيلية على قدم الدهر كانت قاعدة هذا الجانب الغربي من الجزيرة، وقرارة الرياسة ومركز الدول المتداولة، ومنها مهدت البلاد، وانبثت الجياد، عليها الفرسان، كأنها العقبان، وبهذا الأفق نزل جند حمص من المشرق فسميت حمص، ولما كانت دار الأعزة والأكابر، ثابت فيها الخواطر، وصارت مجمعًا لصوب العقول وذوب العلوم، وميداني فرسان المنثور والمنظوم، لا سيما من أول المائة الخامسة من الهجرة حين فرح كل حزب بما لديه، وغلب كل رئيسٍ
[ ٣ / ١١ ]
على ما في يديه، بعد الدولة العامرية، فأضحت أقطار الجزيرة يومئذٍ كبني الأعيان، وأهلها كما قال أخو بني عدوان:
عذير الحي من عدوا ن كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضًا فلم يبقوا على بعض فاشتمل هذا القطر الغربي لأول تلك المدة على بيتي حسب، وجمهوري أدب، مملكتان من لخم وتجيب، مصرتا بلاده، وأكثرتا رواده، فأتاه العلم من كل فج عميق، وتبادره العلماء من بين سابق ومسبوق، وكلما نشأ من هذين البيتين أمير كان إلى العلم أطلب، وفي أهله أرغب، والسلطان سوق يجلب إليه، ما ينفق لديه، حتى اجتمع في الجانب الغربي على ضيق أكنافه، وتحيف العدو قصمه الله لأطرافه، ما باهى الأقاليم العراقية، وأنسى بلغاء الدولة الديلمية، فقلما رأيت فيه ناثرًا غير ماهر، ولا شاعرًا غير قاهر، دعوا حر الكلام فلبى، وأرادوه فما تأبى، وطريقته في الشعر الطريقة المثلى التي هي طريقة البحتري في السلاسة والمتانة، والعذوبة والرصانة.
وأنا أورد في هذا القسم بعض ما انتهى إليّ من حر كلامهم، في نثرهم ونظامهم، مشوبًا ذلك كله بفنون فوائد ومعارف من أخبار يحسن الوقوف عليها. على أن الذي بلغني من شعر كل قطر، ثماد من بحر، ونقطة من قطر، ولقد فاتني كثير من الكتاب والوزراء
[ ٣ / ١٢ ]
وجملة من أعيان الشعراء، ممن كان في ذلك التاريخ، منهم من لم أسمع بذكره، ومنهم من لم يسمح نقدي بإثبات ما بلغني من شعره، وربما أجريت ذكر أحدهم غير مبوب عليه، ولا مشير إليه، إما لشيء أجاد فيه، وإما أن يتعلق ذكره بذكر من أجريه، وقد أبدأ بذكر الرجل لمكانه من الإحسان، لا لتقدمه من الزمان، أو لبعض ما يدعو إليه القول من نسق خبر، أو موجب نظر، فأول ما ابتدأت به من أهل حمص آل عباد لنباهة ذكرهم، مع جودة شعرهم.
فصل في ذكر القاضي أبي القاسم محمد بن عباد وإيراد
جملة من أخباره، واجتلاب قطعة من أشعاره
قال ابن بسام: كان ذو الوزارتين القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل ابن عباد المتغلب على إشبيلية ممن له في العلم والأدب باع، ولذوي المعارف عنده بها سوق وارتفاع، وكان يشارك الشعراء والبلغاء في صنعة الشعر وحوك البلاغة، بسطًا لهم، وإقامة لهممهم، ولما كان في طبعه من ذلك أيضًا، وقد ذكر الوزير أبو رافع الفضل بن علي بن أحمد بن حزم الفارسي
[ ٣ / ١٣ ]
في كتابه الموسوم ب - " الهادي إلى معرفة النسب العبادي " كيف طلع نجمه، وثبت في ديوان الملوك اسمه، وقد أثبت من ذلك ما امتد بي إليه سبب، واتصل بينه وبين ما أنا بسبيله نسب، ووصلت به ما لم أجد لأبي رافع زيادة على ما بين، وتمامًا على الذي أحسن.
قال أبو رافع: القاضي ابن عباد هو أبو القاسم محمد بن ذي الوزارتين أبي الوليد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم، وعطاف هو الداخل منهم بالأندلس في طالعة بلج بن بشر القشيري، وكان عطاف من أهل حمص من صقع الشام لخمي النسب صريحًا، وموضعه من حمص العريش، والعريش في آخر الجفار بين مصر والشام؛ ونزل بالأندلس بقرية يومين من إقليم طشانة من أرض إشبيلية.
قال ابن حيان: وإسماعيل بن عباد قاضيهم القديم الولاية، ورجل الغرب قاطبةً، المتصل الرئاسة في الجماعة والفتنة، وكان أيسر مكور بالأندلس وقته، ينفق من ماله وغلاته، لم يجمع درهمًا قط من مال
[ ٣ / ١٤ ]
السلطان ولا خدمه، وكان واسع اليد بالمشاركة، آوى صنوف الجالية من قرطبة عند احتدام الفتنة، وكان معلومًا بوفور العقل وسبوغ العلم والركانة، مع الدهاء وبعد النظر وإصابة القرطسة.
فأما ذو الوزارتين أبو القاسم ابنه فأدرك متمهلًا، وسما بعد إلى بلوغ الغاية فخلط ما شاء وركب الجراثم الصعبة، وكان القاسم بن حمود قد اصطنعه بعد مهلك أبيه إسماعيل، ورد عليه ميراثه من قضاء بلده بعد بعده عنه مدة، [٢ب] وحصل منه بمنزلة الثقة، فخانه تخون الأيام عند إدبارها عنه، إيثارًا للحزم وطلبًا للعافية، فصده عن إشبيلية بلده لما قصده من قرطبة مفلولًا؛ وكان الذي وطد له ذلك نفر من أكابرها المرتسمين بالوزارة، مناغين في ذلك لوزراء قرطبة، على تحميلهم لابن عباد كبر ذلك، لإنافته عليه في الحال وسعة النعمة، وإحسائهم عليه ملك ثلث إشبيلية ضيعةً وغلةً، يخادعونه بذلك عن نشبه، إبقاءً منهم على نعمهم، وهو يشتري بذلك أنفسهم ولا يشعرون، إلى أن وقعوا في الهوة، وكانوا جماعةً منهم بنو أبي بكر الزبيدي النحوي وبنو يريم صنائع ابن عاد وغيرهم، راض بهم الأمور واستمال العامة، فلما توطأت له قبض أيدي أصحابه هؤلاء، وسما بنفسه فأسقط جماعتهم
[ ٣ / ١٥ ]
وجرت له في تدبيرهم أمور يشق إحصاؤها، ركب فيها أحزم طرق طلاب الدول، حتى انفرد بسابقته ومهد لدولته، واجتمع أهل عمله على طاعته، فدانوا له، وسلك سيرة أصحاب الممالك بالأندلس لأول وقته، وقام بأصح عزمٍ وأيقظ جد، واخترع في الرياسة وجوهًا تقدم فيها كثيرًا منهم، وامتثل رسم ابن يعيش صاحب طليطلة من بينهم في تمسكه بخطة القضاء وارتسامه باسمه، وأفعاله على ذلك أفعال الجبابرة، وأقبل لأول وقته يضم الرجال الأحرار من كل صنف، ويشتري العبيد، والجد يساعده والأمور تنقاد له، إلى أن ساوى ملوك الطوائف وزاد على أكثرهم بكثافة سلطانه، وكثرة غلمانه، فنفع الله به كافة رعيته ونجاهم من ملك البرابرة؛ وتدرج في تدبير ذلك أولًا أولًا، ومارسه شأنًا شأنًا، إلى أن استولى على أمده، ومهد، قواعد سلطانه، وشد أواخيه. وأخباره مأثورة مشهورة.
قال ابن حيان: ومن أشهر أخباره أنه نظر في شأن من بقي من فتيان بني مروان يومئذ فسقط إليه خبر الدعي المشبه بهشام بن الحكم، وكان قد تحدث أنه أفلت من يدي سليمان قاهره، وإنه غاب ببلاد المشرق
[ ٣ / ١٦ ]
مدته الطويلة ثم عاد إلى الأندلس، فقدح ذلك في قلوب الناس لمقدمات سلفت في ذكر هذا الرجل والشك في موته، إذ كان سليمان قاتله قد ترك إبداءه للناس، حسبما فعلته خدمة الملوك قبل فيمن خلعوه، إما استخفافًا من سليمان يومئذ بمن ملك نواصيهم بالقهر، أو ما شاء الله من غلط أصاب المقدار قصده، لقضاء سبق في علم أم الكتاب، فلم تزل طائفة من شيعته تنفي موته، وتروي في ذلك روايات تبعد عن الحقيقة، وتصدر عن نسوان وخصيان من أهل القصر بقرطبة، إلى أن علق ذلك بمن فوقهم من شيع المروانية، فشدوا أواخي خلاصه، وقطعوا على حياته، ووصفوا أنه اضطرب بقرطبة في دولة البرابر ممتهنا نفسه في طلب المعيشة، ثم زعموا بعد حين أنه عبر إلى أرض المشرق، وانساح في ذلك الأفق، وقضى كل المناسك هنالك، ووطئ كل بقعة، ثم كر راجعًا إلى دياره لأمد محدود ولكرة الدولة المروانية، لتحدث على يديه الأنباء البديعة، فدانوا - كما تسمع - بالرجعة دينونة الشيعة، وتاهوا في ذلك تيه تضليل، سخر منهم أهل التحصيل، إلى أن ظهر على زعمهم بالمرية سنة ست وعشرين في أيام زهير الصقلبي.
ولم تزل قصة هذا المشبه بهشام في قلوب الناس دبيب النار في الفحم، فدبر ابن عباد خبره، واهتبل الغرة في ذلك، وأنه أقل ما يجيء له
[ ٣ / ١٧ ]
منه دفع مكروه ابن حمود، ونظم الناس على حربه، [٣أ] فأخبر أنه حصل هشام عنده، وجمع من بقي بإشبيلية من نساء القصر والحرم، فاعترف به أكثرهم ووقفوا على عينه، وأومأ إلى ثقاتهم عنده بما يريد فيه، فاجتنبوا خلافه وابتغوا موافقته، فوجد ابن عباد بذلك السبيل إلى ما دبره من حرب ابن حمود، وحجبه عن أعين الناس، وبث كتبه بذلك إلى جميع الرؤساء، واستنهضهم إلى الاجتماع على هذا الخليفة المخبوء لفك الرقاب وكرة الأيام، والجهاد دونه، فكثر الخوض بالأندلس في ذلك، ومالت نفوس أهل قرطبة في نصبه إمامًا للجماعة، وأشخصوا الرسل للوقوف على عين هشام، وتثبيت الشهادة فيه، وزور ابن جهور وغيره في ذلك شهادات، على علم منهم، ابتغاء عرض الدنيا وإذعانًا من ابن جهور أيضًا لما رآه من دفع ابن حمود الفاغر فاه على حضرة قرطبة، فرجع منه سريعًا إلى الاعتراف بالخطأ بقية عمره بعد عظيم ما انبعثت في ذلك من الفتن، وجرت من المحن، وصرع من الجبابرة، ونقل من الدول؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وكان القاضي ابن عباد - كما وصف - زاخر العباب متألق الشهاب، أذكى من قاس وقلد، وأدهى من أتهم وأنجد، يأخذ وكأنه يدع، ويطير فيحسب أنه وقع، فتغلب على إشبيلية وليس له أوان ذلك معقل إلا وله شر راتب، وعليه أمير غالب، فدار الأمر بها عليه لتميزه بخطة القضاء التي لم يجاذب رداءها، ولا سلم لأحدٍ
[ ٣ / ١٨ ]
بعد لواءها، إلى أن استوثق الأمر ليحيى بن علي الحمودي - حسبما تقدم - فاضطر أهل إشبيلية إلى الإذعان لطاعته، والدخول فيما دخل فيه الناس من جماعته، وأدارهم لأمور جرت على رهون تكون بيده، فضن كل بولده، وبادر القاضي فراهنه ابنه عبادًا، فانفرد بالتدبير، واستولى على الأمور، واستظهر على ذلك بهدم البيوتات، وتشتيت ذوي الهيئات، وأول ما بدأ به من ذلك نكبة شيخي المصر يومئذ الزبيدي وابن يريم، طواهما طي السجل، وقبضهما قبض الظل، فأيد القاضي يومئذ بحبيب وزيره، ودارت عليه رحى تدبيره، رجلٍ من أهل بادية إشبيلية لم تكن له نباهة مذكورة، ولا سابقة مشهورة، أوسع أهل زمانه شرًا، وأوسعهم خديعة ومكرًا، وأيد أيضًا بابنه إسماعيل طود أصالةٍ، وجني بسالة، محش تلك النار، وسابق ذلك المضمار، فبين هذين استوسقت له الأمور، وتدفقت تلك البحور؛ وله أخبار مشهورة، وقصص مأثورة، فيها بعض الطول، وهي عادلة عن تلك السبيل، لكني ألمع منها بلمعةٍ.
قال ابن حيان: تعطلت قصبة باجة في ذلك الأوان بسبب فتنة البرابرة وخربت، على قدم بنائها في الجاهلية، واتصال عمرانها في الإسلام، ومكانها من طيب الميرة واتساع الخطة، وكانت آفاتها من اختلاف أهلها قديمًا، وبقاء شؤم العصبية بين العرب منهم والمولدين إلى آخر الأيام
[ ٣ / ١٩ ]
فسما لها ابن عباد وابن مسلمة المعروف بابن الأفطس، وذهبا يومئذ إلى عمارتها، فاستظهر القاضي ابن عباد في ذلك بحليفه محمد بن عد الله البرزيلي صاحب قرمونة، وجرد ابنه إسماعيل لبنائها، فسبقه ولد ان مسلمة إليها الملقب بالمظفر، وجاء مددًا لابن طيفور صاحب ميرتلة من أمراء الساحل، فنزل ابن عباد عليه بباجة، وضربت خيلة إلى ناحية يابرة والغرب فهتكت أستارًا، وخربت ديارًا، واتصل الحصار بابن الافطس بباجة، وانصدع الجمع عن أسره وقتل كبار رجاله، وبعث بالأسرى إلى أبيه، وكان في جملتهم أخ لابن طيفور صلب بإشبيلية، وحبس ولد ابن الأفطس عند [٣ب] صاحب قرمونة ابن عبد الله، وبلغت هذه الغارة من ان الأفطس الغاية، وتجاوز البلاء في جهته النهاية، وهيض جناحه بأسر ابنه، ووهن ابن طيفور بقتل أخيه، وكان ابن عبد الله بقرمونة، قطب رحى الفتنة، كثيرًا ما يحرض القاضي ابن عباد على الخروج إلى بلد ابن الأفطس، وإلى قرطبة، فيعما الجهات كلها تدويخًا، كلما آبا من جهة صارا إلى سواها، حتى أثرا آثارًا قبيحة، فارتفع طمع وزراء قرطبة المدبرين لها منه، لأنه كان لا يوافقهم على دعوة أموي لفرط
[ ٣ / ٢٠ ]
شروده عن الجماعة، وإنما كان مذهبه طمس رسم الخلافة من معانها بقرطبة، وتصيرها أسوة إشبيلية في إسنادها إلى رئيس من أهلها، وطرد قريش عن سلطانه، إبطالًا للإمامة ورسوخًا في الخارجية ودفعًا لأمر الله، فقطع سيل قرطبة وشد حصرها، فتمسك الوزراء بحبل بعض البرابر من بني برزيل بجهة شذونة، وكانوا على قديم الأيام جمرة زناتة بأسًا وصرامةً، واعتضدوا بهم مدة، واعتضد أيضًا ابن الأفطس بطائفة أخرى منهم، فكان في كل بلدٍ جملة منها سالت عن أهل البلاد سيول بها، وخلطوا الشر بين رؤسائها، واستخرجوا بذلك ما اطمروه من دنانيرهم وخلعهم، وجاحوا ذات أيديهم، وعلموهم كيف تؤكل الكتف، فطال العجب عندنا بقرطبة وغيرها من صعاليك قليلٍ عددهم، منقطع مددهم، اقتسموا قواعد الأرض في وقت معًا، مضربين بين ملوكها، راتعين في كلأها، باقرين عن فلذتها، حلوا محل الملح في الطعام ببأسهم الشديد، وقاموا مقام الفولاذ في الحديد، فلا يقتل الأعداء إلا بهم، ولا تعمر الأرض إلا في جوارهم، فطائفة عند ابن الأفطس تقاوم أصحابها قبل ابن عباد، وطائفة عندنا بقرطبة تحيز أهلها عن الأضداد، فسبحان الذي أظهرهم، ومكن في الأرض لهم، إلى وقت وميعاد.
وكان انطلاق المظفر من يد ابن عبد الله في ربيع الأول من سنة إحدى
[ ٣ / ٢١ ]
وعشرين في خبر طويل، وعرض عليه ابن عبد الله يوم أطلقه أن يجتاز على القاضي ابن عباد [ليشركه] في المن عليه بفكه، فأبى من ذلك وقال: مقامي في أسرك أشرف عندي من تحمل منته، فأما انفردت باليد عندي وإلا أبقتني على حالي، فأعجب ابن عبد الله بمقاله، ونافس في إسداء اليد عنده لكمال خصاله، وأكرم تشييعه، فنفذ إلى أبيه يومئذ ببطليوس وقد هذبته محنتهن وتمت أدواته وقويت حنكته، وكان مرجلًا معقلًا أديبًا عالمًا، فرجع إلى مقاومة ابن عباد.
فلما كان في سنة خمس وعشرين وجه ابن عباد بابنه إسماعيل مع عسكر إلى أرض العدو تحت معاقدة بينه وبين ابن الأفطس، فلما أوغل إسماعيل ببلده يريد أرض غليسية، وابن الأفطس مضمر الغدر به، بادر بجميع رجال ثغره، ورصده في شعب ضيق في طريق قفوله، ولم يعلم ابن عباد بشيء من تدبيره حتى حصل في الأنشوطة، فبادر إسماعيل بالنجاة لنفسه، وأسلم جميع عسكره له، وجرت عليه في مهربه مع جملة من أصحابه شدة لجأ فيها إلى ذبح خيله والاغتذاء بلحومها، ونحا بذمائه إلى مدينة أشبونة آخر عمله من ساحل البحر المحيط، فاصطلم ابن الأفطس عسكره اصطلامًا لم يسمع بمثله، ووقع سرعان العدو من النصارى على كثير منهم فاقتصوهم اقتناصًا، وقتلوا منهم أمة، وكانت حادثة شنيعة بقيت بها عداوتهما إلى آخر وقتهما.
[ ٣ / ٢٢ ]
قال ابن بسام: ومن شعر ذي الوزارتين قوله:
يا حبذا الياسمين إذ يزهر فوق غصون رطيبةٍ نضر
قد امتطى للجبال ذروتها فوق بساطٍ من سندس أخضر
كأنه والعيون ترمقه زمرذ في خلاله جوهر وقال:
وياسمين حسن المنظر يفوق في المرأى وفي المخبر
كأنه من فوق أغصانه دراهم في مطرف أخضر وقال:
ترى ناضر الظيان فوق غصونه إذا هو من ماء السحائب يغتذي
وحفت به أوراقه في رياضه وقد قد بعض مثل بعض وقد حذي
كصفرٍ من الياقوت يلبسن بالضحى منضدةً من فوق قضب الزمرذ فصل في ذكر المعتضد بالله عباد ابن ذي الوزارتين
القاضي أبي القاسم محمد بن عباد وسياقة مقطوعات
من أشعاره، مع جملة من عجائب أخباره
قال ابن بسام: ثم أفضى الأمر إلى عباد ابنه سنة ثلاث وثلاثين
[ ٣ / ٢٣ ]
وتسمى أولًا بفخر الدولة ثم المعتضد، قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية المحنة، من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد، ولا سلم عليه قريب ولا بعيد، جبار أبرم الأمور وهو متناقض، وأسد فرس الطلى وهو رابض، متهور تتحاماه الدهاة، وجبار لا تأمنه الكماو، متعسف اهتدى، ومنبت قطع فما أبقى، ثار والناس حرب، وكل شيءٍ عليه إلب، فكفى أقرانه وهم غير واحد، وضبط شانه بين قائم وقاعد، حتى طالت يده، واتسع بلده، وكثر عديده وعدده؛ افتتح أمره بقتل وزير أبيه حبيب المذكور، طعنةً في ثغر الأيام، ملك بها كفه، وجبارًا من جبابرة الأنام، شرد به من خلفه، فاستمر يفري ويخلق، وأخذ يجمع ويفرق، له في كل ناحية ميدان، وعلى كل رابية خوان، حربه سم لا يبطئ، وسهم لا يخطئ، وسلمه شر غير مأمون، ومتاع إلى أدنى حين.
وذكره ابن حيان فقال: وعشي يوم الأربعاء لست خلت لجمادى الآخرة سنة إحدى وستين، طرق قرطبة نعي المعتضد عباد زعيم جماعة أمراء الأندلس في وقته، أسد الملوك، وشهاب الفتنة، وراحض العار، ومدرك الأوتار، وذو الأنباء البديعة، والحوادث الشنيعة، والوقائع المبيرة، والهمم العلية، والسطوة الأبي، فرماه الله بسهم من مراميه
[ ٣ / ٢٤ ]
المصمية، أجل ما كان اعتلائه، وأرقى ما كان إلى سمائه، وأطمع ما كان في الاحتواء على الجزيرة، محتفزًا لها عند تشميره الذيل بفتنة لا كفاء لها، فتوفاه الله على فراشه من علة ذبحة قصيرة الأمد، وحية الإجهاز، اتفقت الحكايات أنها كانت شبه البغت. وكانت ولايته بعد موت أبيه القاضي يوم الاثنين غرة جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين، وقضى نحبه يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة [٤ب] إحدى وستين، ودفن عشي يوم الأحد بعده، تغمد الله خطاياه، فلقد حمل عليه على مر الأيام، في باب فرط القسوة وتجاوز الحدود، والإبلاغ في المثلة، والأخذ بالظنة، والإخفار للذمة، حكايات شنيعة لم يبد في أكثرها للعالم بصدقها دليل يقوم عليها، فالقول ينساغ في ذكرها؛ ومهما برئ من مغبتها فلم يبرأ من فظاعة السطوة وشدة القسوة، وسوء الاتهام على الطاعة، سجايا من جبلة لم يحاش فيها ذوي رحم واشجة.
وقد كان تقيل سيرة أحمد بن أبي أحمد بن المتوكل أحد أشداء خلفاء العباسيين الذي ضم نشر المملكة بالمشرق، وسطا بالمنتزين عليها، وبفقده انهدمت الدولة، فحمل عباد سمته المعتضدية، وطالع بفضل
[ ٣ / ٢٥ ]
نظره أخباره السياسية التي أضحت عند أهل النظر أمثلة هاديةً إلى الاحتواء على أمد الرياسة، في صلابة العصا وشناعة السطا، فجاء منها بمهولات يذعر من سمع بها فضلًا عن من عاينها، نسبوا إلى هذا الأمير الشهم عباد امتثالها من غير دلالة، وقد انطوى علم الله فيها وتقرر إرصاده للمكافأة بها؛ ولم يقصر عباد في دولته التي مهدها فوق أطراف الأسنة وصير أكثر شغله فيها شب الحروب، وكياد الملوك وإهراج البلاد، وإحراز التلاد، من توفر حظه الأوفى من الأمور الملوكية، والعدد السلطانية، والآلات الرياسية، فابتنى القصور السامية، واعتمر العمارات المغلة، واكتسب الملابس الفاخرة، وغالى الأعلاق السنية، وارتبط الخيول السابحة، واقتنى الغلمان الروقة، واتخذ الرجال الذادة، تناقهم من كل فرقة، فساس طبقاتهم ما بين إدرار الأعطية وضمان الزيادة على صدق الصيال، والوفاء بالوعيد على النكول عن العدو، سياسة أعيت على أنداده من أملاك الأندلس، فخرج منهم رجالًا مساعير حروب، أباد بهم أقتاله.
ومن نادره أخباره المتناهية في الغرابة أن نال بغيته وأهلك تلك الأمم العاتية، وإن لغائب عن مشاهدتها، مترفه عن مكابدتها، مدبر فوق أريكته، منفذ لحيلها من جوف قصره، ما إن مشى إلى عدو أو مغلوب من أقتاله غير مرة أو اثنتين، ثم لزم عريسته يدبر داخلها أموره، جرد نهاره لإبرام التدبير، وأخلص ليله لتملي السرور، فلا يزال تدار عليه مؤوس الراح، ويحيا عليها بقبض الأرواح، التي لأناسيها من
[ ٣ / ٢٦ ]
أعدائه بباب قصره حديقة تطلع كل وقت ثمرًا من رؤوسهم المهداة إليه، مقرطة الآذان برقاع الأسماء المنوهة بخاملها، ترتاح نفسه لمعاينتها، والخلق يذعرون من التماحها، وهو واصل نعيم ليله بإجالة كيده، ومستدع نشاط لهوه بقوة أيده، له في كل شأن شؤين، وعلى كل قلب سمع وعين، ما إن سبر أحد من دهاة رجالة غوره، ولا أدرك قعره، ولا أمن مكره، لم يزل ذلك دبه منذ ابتدائه إلى انتهائه.
وكان محمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي، مفرق الجماعة بقرطبة، ومبتعث تلك الفتنة المبيرة، سبق عبادًا إلى اتخاذ مثل هذه الحديقة المطلعة لرؤوس أعدائه، أيام أكثر له واضح الخصي العامري من إرسال برؤوس الخارجين عليه، لأول وقته، وأصلح بهم باب مدينته سالم، فغرس منها فوق الخشب المعلية لها بشط النهر حذاء قصره حديقة هول عريضةً طويلة الخطة، جمة عدد الصفوف المسطورة، فأضحت شغلًا للنظارة، وذكرتها شعراؤه مثل قول صاعد بن الحسين، من قصيدة أولها:
جلاء العين مبهجة النفوس حدائق أطلعت ثمر الرؤوس
هناك الله مهدي المساعي جنى الهامات من تلك الغروس
فلم أر قبلها وحشًا جميلًا كريه روائه أنس الأنيس
فماذا يملأ الأسماع منها إذا ملئت من انباء الطروس وقد كانت لعباد وراء هذه الحديقة المالئة قلوب البشر ذعرًا، مباهاة بخزانة بلوى، أكرم لديه من خزانة جوهره، مكنونة جوف قصره
[ ٣ / ٢٧ ]
أودعها هام الملوك الذين أبادهم بسيفه، منها رأس محمد بن عبد الله البرزيلي شهاب الفتنة، ورؤوس الحجاب ابن خزرون وابن نوح وغيرهم الذين قرن رؤوسهم برأس إمامهم الخليفة يحيى بن علي بن حمود، سابقهم إلى تلك الرفعة، فخص رؤوسهم بالصون بعد إذالة جسومهم الممزقة، وبالغ في تطييبها وتنظيفها للثواء لا للكرامة، وأودعها المصاون الحافظة لها، فبقيت عنده ثاويةً تجيب سائلها اعتبارًا؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: فلما افتتحت إشبيلية وخلع المعتمد، حدثت أنه وجد جوالق مطبوع عليه، وظن أنه مال أو ذخيرة، فإذا هو مملوء رؤوسًا، فأعظم ذلك وهال أمره، فدفع كل رأس منها لمن كان بقي من عقبهم بالحضرة، أخبرني من رأى رأس يحيى بن علي بن حمود يومئذ ثابت الرسم متغير الشكل، فدفع إلى بعض ولده فدفنه.
قال ابن حيان: وكان عباد أوتي أيضًا من جمال الصورة، وتمام الخلقة، وفخامة الهيئة، وسباطة البنان، وثقوب الذهن، وحضور الخاطر، وصدق الحس، ما فاق أيضًا به على نظرائه. ونظر مع ذلك في الأدب، قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان، أدنى نظر بأذكى طبع، حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعهد لها، ولا إمعان في غمارها، ولا إكثار من مطالعتها، ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته نتيجتها على ذلك ما شاء من تحبير الكلام، وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة، في معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واكتتبتها
[ ٣ / ٢٨ ]
الأدباء للبراعة - جمع هذه الخلال الظاهرة والباطنة إلى جود كف بارى بها السحاب. وأخبار عباد في جميع أفعاله وضروب أنحائه - عالناته وخافياته - غريبة بعيدة، وكان على تجرده في إحكام التدبير لسلطانه ذا كلف بالنساء، فاستوسع في اتخاذهن، وخلط في أجناسهن، فانتهى في ذلك إلى مدىً لم يبلغه أحد من نظرائه، قيل إنه خلف من صنوفهن السريريات خاصة نحوا من سبعين جارية، إلى حرته الحظية لديه الفذة من حلائله بنت مجاهد العامري أخت علي بن مجاهد أمير دانية، ففشا نسل عباد لتوسعه في النكاح وقوته عليه، فذكر أنه كان له من ذكور الولد نحو من عشرين ومن الإناث مثلهم؛ انتهى كلامه.
قال ابن بسام: وكان المعتضد - كما وصف - ينفث بأبيات من الشعر فيما يعن له من أمر، ورأيت ابن أخيه إسماعيل قد جمع شعر عمه هذا في ديوان، وسأجري هاهنا طرفًا منه.
جملة من أشعاره
مع ما ينخرط في سلكها من عجائب أخباره
قال:
كأنما ياسميننا الغض كواكب في السماء تبيض
والطرق الحمر في جوانبه كخد عذراء مسها عض
[ ٣ / ٢٩ ]
وقال:
إشرب على وجه الصباح وانظر إلى نور الأقاح
واعلم بأنك جاهل ما لم تقل بالإصطباح
فالدهر شيء بارد إن لم تسخنه براح وقال:
أتتك أم الحسن تشدو بصوتٍ حسن
تمد في ألحانها مد الغناء المدني
تقود مني سلسلًا كأنني في رسن
أوراقها أستارها إذا شدت في فنن [٥ب] ومعنى هذا البيت كقول ابن المعتز:
ذرى شجر للطير فيه تشاجر كأن سقيط الطل فيها جواهر
كأن القماري والبلابل حولنا قيان وأوراق الغصون ستائر وقال بعض أهل عصرنا وهو الوزير أبو محمد بن عبدون:
يا نفحة الزهر من مسراك وافاني خلوص رياك في أنفاس آذار
والأرض في حلل قد كاد يحرقها توقد النور لولا ماؤها الجاري
والطير في ورق الأشجار شادية كأنهن قيان خلف أستار
[ ٣ / ٣٠ ]
ومعنى بيت ابن عبدون الثاني من متداولات المعاني، منها قول الآخر ونقله إلى الدموع:
لولا الدموع وفيضهن لأحرقت أرض الوداع حرارة الأكباد وأشبه منه قول ابن رباح:
نار يغذيها السحاب بمائه فلذاك لم تك ترتمي بشرار ومن أحسن شعر المعتضد قوله:
شربنا وجفن الليل يغسل كحله بماء صباح والنسيم رقيق
معتقة كالتبر أما نجارها فضخم وأما جسمها فدقيق وقال يخاطب مجاهدًا:
خلي أبا الجيش هل يقضى اللقاء لنا فيشتفي منك طرف أنت ناظره
شط المزار بنا والدار دانية يا حبذا الفال لو صحت زواجره وقال من جملة قصيدة يخاطب بها أباه القاضي:
أطعتك في سري وجهري جاهدًا فلم يك لي إلا الملام ثواب
ولما كبا جدي إليك ولم يسغ لنفسي على سوء المقام شراب
[ ٣ / ٣١ ]
فررت بنفسي أبتغي فرجةً لها على أن حلو العيش بعدك صاب
وما هزني إلا رسولك داعيًا فقلت أمير المؤمنين مجاب
فجئت أغذ السير حتى كأنما تطير بسرجي في الفلاة عقاب
وما كنت بعد البين إلا موطنًا بعزمي على أن لا يكون إياب
" ولكنك الدنيا إليّ حبيبة فما عنك لي إلا إليك ذهاب "
أصب بالرضى عني مسرة مهجتي وإن لم يكن في ما أتيت صواب وكان المعتضد كثيرًا ما يرتاح في شعره إلى ذكر الطائفة التي كانت يومئذ تحاربه، فمن ذلك قوله:
لقد حصلت يا رنده فصرت لملكنا عقده
أفادتناك رماح وأسياف لها حده
وأجناد أشداء إليهم تنتهي الشده
غدوت يرونني مولىً لهم وأراهم عده
سأفني مدة الأعدا ء إن طالت بي المده
[٦أ] فكم من عدةٍ قتل ت منهم بعدها عده
نظمت رؤوسهم عقدًا فحلت لبة السدة وأعجب المعتضد يومئذ بهذه القطعة الرندية، عجب حسان بن ثابت بقصيدته الميمية، وأخذ الناس بحفظها، وحملهم على ضبط معانيها ولفظها.
[ ٣ / ٣٢ ]
وعلى ذكرها وذكرهم، فلنلمع بشيء من أمرهم. بدأ بغرب إشبيلية وبها عدة رؤساء، وجماعة خلفاء، فكانوا دخان ناره، وزبد تياره، إلا ما كان من ثبوت قدم قريعه المظفر بن الأفطس، فإنه نازعه لبوها، وعاطاه إلى آخر أيامه كؤوسها، ولهما في ذلك غير مجال وميدان، وقد سرد قصصهما أبو مروان ابن حيان، وسألمع بعيونها، وأقلب ظهورها لبطونها.
جملة من حروبه مع المظفر وغيره من أمراء الغرب
قال ابن حيان: وأول ما ظهر من تفاسد عباد والمظفر أن ابن يحيى صاحب لبلة عند هجوم عباد عليه استجار بالمظفر بن الأفطس، فأجاره وانزعج له، ووصل يده وعطل ثغره، وجمع جيشه وأقبل إلى لبلة ناصرًا لابن يحيى، مضيعًا لمن خلفه يوقد نار فتنة كان في غنى عنها، حتى نزل بنفسه على ابن يحيى ودافع ابن عباد عنه، وحرك في ذلك في حلفائه البرابرة جماعةً، فسارعوا إليه غير ناظرين في عاقبة أمرهم، وتقدموا في تحريك يعسوبهم محمد بن القاسم فانتظم به أمرهم، وتقدم بهم إلى إشبيلية ورحاهم تدور على قريعهم باديس بن حبوس، مدرههم في الجلى ومفزعهم في النائبة، يسلمون لرأيه ويزحمون بركنه، فأشفق الوزير ابن جهور من حركتهم تلكن على عادته في التقلقل لأمثالها، وجهد جهده في صرفهم، وأرسل ثقات رسله إلى عامتهم، إلا ما كان من الدائلين منهم عباد داعية المروانية ومحمد بن إدريس صاحب مالقة دائل الحمودية، فإنه تنكبها
[ ٣ / ٣٣ ]
بعادًا من الظنة، إذ كان هو وجماعة قرطبة متوقفين على كل دعوة، فلما وصلت رسله إليهم ما زادهم إلا لجاجًا. ولم يزل ابن جهورٍ يضرب لهم الأمثال، ويخوفهم من سوء العاقبة والمآل، حتى صار فيهم كمؤمن آل فرعون وعظًا وتذكرة، يجد منهم الأطواد الراسية، ويرقي الحيات المتصامة. واستن القوم في ميدان الغي؛ فلما صح عند ابن عباد خروجه للبلة بجشيه دفعًا عن ابن يحيى منتظرًا لخلطائه، جرد خيلًا ضربت على بلد ابن الأفطس، وغارت وأنجدت، وفعلت فعلات تكأن القلوب، وقرفت الندوب، ثم نهض ابن عباد بنفسه إلى لبلة للقائه، فجرت بينهما على بابها وقعة عظيمة صعبة، استهما فيهما النصر في مقام واحد شق على الأبلمة، وكانت أولًا على ابن الأفطس، فولى الدبر وخاض واديها دون مخاضة، وقيل قتل من رجاله عدد كثير، ثم رجعت له على ابن عباد كرة فكشف رجاله وأصاب منهم نفرًا، ثم افترقوا ولحق بعد باديس بجمعه وخاض وادي قرطبة وجاز إلى الشرف، وتجمع بحلفائه، وعاثوا في نظر إشبيلية، وانقطعت السبل جملة، وكثر القتل والهرج والسلب، وأمسى الناس في مثل عصر الجاهلية، ثم والى ابن يحيى بعد ذلك كله المعتضد لضرورة دفعته إلى ذلك، فكاشفه المظفر وخانه فيما كان ائتمنه عليه من ماله وأودعه عنده، [٦ب] أيام تورطه في حرب المعتضد، فانبتت
[ ٣ / ٣٤ ]
بينهم العصمة، وضربت خيل المظفر على صاحب لبلة، فاستغاث المعتضد فلحق به خيله واقتتلت مع خيل المظفر، وكان ابن جهور كثيرًا ما يوالي رسله إلى الاصطلاح بينهما، فتصدر عنهما وتخبر أن ابن الأفطس قرب إلى الملام، بامتطاء قعود اللجاج في القطيعة.
ومن النوادر المحفوظة بينهما أن المعتضد والى حربه في شهور سنة اثنتين وأربعين فعبر بلده، وفتح عدة حصون ضمها إلى عمله، وشدها برجاله، ودمر عمارات واسعة أفسد غلاتها، وأوقع رعيته ف امجاعة الطويلة، وعجز المظفر عن دفاعه شبرًا واحدًا فما دونه، استكانةً للحادثة التي هدت ركنه، وأفنت حماة رجاله، فاعتصم بحصنه بطليوس، ولم يخرج من خيله فارسًا، وجعل يشكو به إلى حلفائه، فلا يجد ظهيرًا ولا نصيرًا.
فلما قضى المعتضد من تدويخ بلاده وطره، وكر راجعًا إلى إشبيلية في شوال من العام، وردت علينا بقرطبة يومئذ غريبة، وذلك أن رسول المظفر في أثر هذه الوقائع عليه يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهن، نافيًا بذلك الشماتة عن نفسه، ولم يكن له عادة بمثله، فنقب له رسوله عن ذلك، وكن قد عدمن بقرطبة يومئذ، فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار لا طائل فيهما، فاشتراهما له، وأقام رسوله يلتمس الخروج بهما فلم يستطع، لقطع خيل المعتضد جميع الطرق، فأقام مدةً بقرطبة إلى أن شيع بخيل كثيفة ومضى بهما، وأولوا
[ ٣ / ٣٥ ]
النهى يعجبون ويعجبون مما شهر به نفسه من البطالة، أيام الحروب المحرمة لأطهار النساء على فحول الرجال العاقدة للأزرة، وعلى ما كان يدعيه لنفسه من الأدب والمعرفة، وبحثت على هذه الأعجوبة وما الذي حمله على هذا افن فإذا به ناغى كاشحه المعتضد المرتاح بعد الظفر لاجتلاب قينة عبد الرحيم الوزير من قرطبة، إثر وفاته يومئذ، وقد استدعاها لما وصفت له بالحذق في صنعتها، فوجهت نحوه، فنقيله المظفر في إظهار الفراغ وطلب الملهيات، وقد علم العالم أنه لفي شغل عنهن. فامتد شأو هذين الأميرين يومئذ في الغي وتباريا في القطيعة حتى أفنيا العالمين، إلى أن سنى الله بينهما الصلح، في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين، بسعي ابن جمهور أمير قرطبة، كعادته بينهما، بعد كتب ورسل في ذلك، والمظفر يمتطي اللجاجة هنالك.
فلما سكنت الحال بينهما فرغ المعتضد إلى حرب الأمراء الأصاغر بالغرب، كابن يحيى وابن هارون وابن مزين والبكري، وأتيح له من الظفر عليهم ما حاز به أملاكهم وضمها جملةً إلى عمله، ثم مد يده بعد إلى القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء، فرضة المجاز من الأندلس
[ ٣ / ٣٦ ]
إلى أرض العدوة التي كان منها فتحها ومن قبلها ما أتاها على قدم الدهر، وذلك أنه لما وجد هذا الفتى، على نباهته وجلالة عمله، أضعف أمراء البرابرة شوكةً وأقلهم رجالًا، صمد له وحصره، فاستغاث القاسم حلفاءه بالأندلس وصاحب سبتة سقوت البرغواطي مولى ابن حمود، فأبطأ عليه حتى سقط في يده، ونزل على أمان، وآل أمره إلى أن لحق بقرطبة وأسكنها تحت كنف ابن جهور مع نظرائه من المخلوعين.
فلما كانت سنة إحدى وخمسين، وقد أتيح له من الظفر ما أتيح، اتصلت الأنباء عندنا بقرطبة بصموت منابره في جميع أعماله عن ذكر إمامه هشام بن الحكم، صاحب الرجعة، الذي اتصل الدعاء له على منابره من عهد قيام والده إلى آخر هذه السنة، يومئ إليه بالحياة في غياهب الحجب من غير ظهور لخاصة ولا عامة، ودعوته على ذلك كله [٧أ] مرفوعة عند من ائتسى بالمعتضد من أمراء شرق الأندلس، إلى أن قطعها قاطع الأعناق عليها ابن عباد، فذكر أنه دعا وجوه حضرته فنعى لهم إمامهم هشامًا، وكشف إليهم تقدم وفاته من علة زمانية، ووصف أن الحال التي كان بسبيلها من اشتداد الفتنة بينه وبين من تظاهر عليه من أمراء الأندلس الدانين منه عاقه يومئذ عن البوح بوفاة هذا الإمام والشهرة لدفنه، إعطاء للحزم بقسطه، فلما سكنت الحال وجب التصريح بالحق، وعطف - زعموا - بكلامه على شحذ بصائرهم في التمسك بحبل الإمامة، والفرار عن الميتة الجاهلية. وذكر أنه خاطب من كان تحت دعوة هذا المنعي هشام من أمراء الأندلس ناعيًا له، داعيًا إلى التعوض منه، فارتفعت الدعوة منذ ذلك الوقت، وصارت هذا الميتة لحامل
[ ٣ / ٣٧ ]
هذا الاسم الميتة الثالثة، وعساها تكون إن شاء الله الصادقة، فكم قتل وكم مات، ثم انتفض من التراب، ومزق الكفن قبل نفخة الصور ووقعة الواقعة، فقد اكن مات في يد أول خالعيه محمد بن هشام بن عبد الجبار ودفن علانيةً، ثم نشر بيد واضح الصقلبي فتى بني أبي عامر ودال مديدةًن ثم قتله خالعه الثاني سليمان المستعين ودفنه خفيةً، ثم أبرز صداه علي حمود الحسني المنتزي، يذكي الطلب بثأره على الدولة، ودفنه الدفنة التي خلناها حقيقةً، فلم يلبث أن نجم حيًا بإشبيلية بعد حقب، فبقي هنالك ملكًا ودال قرنًا إلى أن وقعت عليه الميتة الثالثة، فما نقول ونعتقد في الفرق بين هذه الميتات المتواليات، إذ كان مائتها واحدًا، وليس إلا السيوف عليها أدلة، غير إخلاص الدعاء لكلمة المسلمين في الائتلاف لما فيه الصلاح؛ انتهى ما لخصته من كلامه.
قال ابن بسام: ثم غمس المعتضد يده بعد في من كان يليه من أقتاله البازلة فصدم شرهم بشرهم، وضرب زيدهم بعمرهم؛ وقد كان عندما تسعرت نار الحرب، بينه وبين رؤساء الغرب، هادنهم على دخن، ومتح لهم حتى ضربوا حوله بعطن، ليقتلهم بسيوفهم، ويستدرجهم إلى حتوفهم، فلما استقرت قدمه بشلب، قاصية قواعد الغرب، كان أول ما بدأ به من حربهم هجومه على الحاجب ابن نوح
[ ٣ / ٣٨ ]
المنتزي منهم - كان - بكورة مورور في غير كتيبةٍ نظمها، ولا مقدمة إليه قدمها، إلا فتيان ينبهان عليه، ويحملان الأموال بين يديه، تجاسرًا على ركوب الخطر الذي تحاماه اللبيب، واستنامةً لصرف القدر وهو لا يدري أيخطئ أم يصيب، فخلص إلى ابن نوح هذا: من رجلٍ لا يبالي دم من تجرع، ولا يحفل بأي شيء يصنع، فبالغ ابن نوح في بره، وتضاءل لأمره، وحمل ذلك من فعله على آكد أسباب السلامة، وأتم وجوه الاستنامة، وفض المعتضد يومها من صميم ماله، في وجوه حماة ابن نوح ورؤوس رجاله، ما استمال به قلوبهم، واسنصح به جيوبهم.
ثم صار إلى ابن أبي قرة برندة فسامه مثلها، وحذا له نعلها، فتلك اعتد عليهم يدًا، وجعلها لما أراد من مكروههم أمدًا. وقد كان أحد أجنادهم أشار بالرأي في أكره، وأراد أن يطلع عليه من ثنية مكره، فواطأهم يومئذ بغدره، ورمز لهم بالاستراحة من شره، ففهمها المعتضد وجعل تلك الكلمة دبر أذنه، وأثبتها في ديوان إحنه، حتى حلي بطائلها، واستقاد بعد مديدة من قائلها، وجأجأ بالحاجبين المذكورين لأول تمكنه من الغرة، وساعةً صدره من مركزه من الحضرة، فتهافتا تهافت الفراش على الجمرة، وجاءا مجيء الحائن إلى الشفرة؛ وتطفل عليهما الحائن ابن خزرون المنتزي - كان - وقته بأركش، فلله أبوه وافدًا
[ ٣ / ٣٩ ]
لم تجزه الوفادة، وواهًا له قتيلًا لم يحل بطائل الشهادة، فجرع الكل [٧ب] الحتوف، وحكم في عامتهم السيوف، واستمر بعد ذلك على حرب بقاياهم، وتتبع أخراهم، حتى تغلب على بلادهم، وألوى بطارفهم وتلادهم، في أخبار طويلة استوفاها ابن حيان، هي خارجة عن غرض هذا الديوان؛ وقد ألمعت منها بما فيه كفاية، إذ لا يتسع هذا المجموع لاستقصاء الغاية.
والسبب الذي كان يغربه بطلبهم، ويبعثه على التمرس بهم، أن بعض من نظر بمولده كان أخبره أن انقضاء دولته يكون على أيدي قوم يطرؤون على الجزيرة من غير سكانها، فكان لا يشك أنهم تلك البرازلة الطارئون عليها في عهد ابن أبي عامر، فأعمل في نكالهم وجوه سياسته، وشغل بقتالهم أيام رياسته؛ واتفق أن دخل عليه يومًا بعض وزرائه وبين يديه كتاب قد أطال فيه النظر، فإذا كتاب سقوت المنتزي يومئذ بسبتة، يذكر أن القوم الملثمين المدعوين بالمرابطين قد وصلت مقدمتهم رحبة مراكش، فقال له ذلك الوزير المذكور كلامًا معناه: وأين رحبة مراكش - دخلوها فكان ماذا - ومات الحجاج فمه -! ودونهم اللجج الخضر، والمهامه الغبر، والليالي والأيام، والجماهير العظام، فقال له المعتضد: هو والله الذي أتوقعه وأخشاه، وإن طالت بك حياة فستراه، اكتب إلى فلان - يعني عامله على الجزيرة - باحتراس جبل طارق حتى يأتيه أمري
[ ٣ / ٤٠ ]
وأخذ يريش في تحصينه، ووضع أرصاده هنالك وعيونه، ويبري، ولله عزائم لا تقيها الحصون، ولا يهتدي إليها الأرصاد والعيون، ولكل شيء أمد مكتوب، وميقات مضروب، ويبلغ الكتاب أجله.
فصل في ذكر المعتمد على الله محمد بن عباد
واجتلاب جملة من شعره، مع ما يتعلق من الأخبار السلطانية بذكره
قال ابن بسام: ثم استوسق الأمر بعد المعتضد لابنه المعتمد، وكان مع اشتغاله بالحرب، وسعة مجاله بين الطعن والضرب، وعلى أن أباه عبادًا ما انفك يدير عليه الرحى، ويقرع إليه كلما قرعت عصًا عصًا، حتى صار أسوة لنجوم ليلها، وحلسًا لمتون خيلها:
لا يشرب الماء إلا من قليب دمٍ ولا يبيت له جار على وجل فقد كان متمسكًا من الأدب بسبب، وضاربًا في العلم بسهم، وله شعر كما انشق الكمام عن الزهر، لو صدر مثله عمن جعل الشعر صناعة، واتخذه بضاعة، لكان رائعًا معجبًا، ونادرًا مستغربًا، فما ظنك برجلٍ
[ ٣ / ٤١ ]
لا يجد إلا راثيًا، ولا يجيد إلا عابثًا، وهو مع ذلك يرمي فيصيب، ويهمي فيصوب، وشعره يوضح ما شرح ويعبر عما ذكره، مع أنه قد رويت أشعار أولي النباهة والأعيان، على قديم الزمان، لشرف قائلها، مع قلة طائلها، وقد رأيت أبا بكر الصولي أثبت لملوك بني أمية وخلفاء بني العباس، ما لو صدر مثله لصغار الناس لا ستهجن، أو طرأ لضعفاء السوق لا ستصغر، فلنا في الصولي أسوة في إثبات هذا النوع من الشعر إن وقع في كتابنا هذا. [٨أ] والعجب من المعتمد أنه مرى سحابه في كلتا حاليه فصاب، ودعا خاطره فأجاب، ولا تراجع له من طبع، ولا بعد الخلع، بل يومه في هذا الشأن دهر، وحسنته في هذا الديوان عشر، فإن أجاد فما أولى، وإن قصر فعذره أوضح وأجلى.
والمبيت المتقدم من جملة قصيد، للمخزومي أبي سعد، وإنما أشار في معناه إلى قول بشار:
فتىً لا يبيت على دمنةٍ ولا يشرب الماء إلا بدم وقال أبو الطيب:
ولا ترد الغدران إلا وماؤها من الدم كالريحان تحت الشقائق وقال محمد بن هانئ:
لا يوردون الماء سنبك سابحٍ أو يكتسي بدم الفوارس طحلبا
[ ٣ / ٤٢ ]
جملة من شعر المعتمد في النسيب وما يناسبه
قال:
داري الغرام ورام أن يتكتما وأبى لسان دموعه فتكلما
رحلوا وأخفى وجده فأذاعه ماء الشؤون مصرحًا ومجمجما
سايرتهم والليل غفل ثوبه حتى تراءى للنواظر معلما
فوقفت ثم محيرًا وتسلبت مني يد الإصباح تلك الأنجما وكأن معنى هذا البيت الأخير، إلى قول المجنون بشير:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرٍ مع الصبح في أعقاب نجمٍ مغرب وله في أم الربيع وقد مرضت فلم يعدها:
مرضتم فأمسكت الزيارة عامدًا وما عن قلىً اأمسكتها لا ولا هجر
ولكنني أشفقت من أن أزوركم وأبصر آثار الخسوف على البدر
[ ٣ / ٤٣ ]
وقال المعتمد:
أكثرت هجري غير أنك ربما عطفتك أحيانًا عليّ أمور
فكأنما زمن التهاجر بيننا ليل وساعات الوصال بدور وهو ينظر إلى قول الأسعد بن بليطة:
تتنفس الصهباء في لهواته كتنفس الريحان في الآصال
وكأنما الخيلان في لباته ساعات هجرٍ في زمان وصال وقال:
تظن بنا أم الربيع سآمةً ألا غفر الرحمن ذنبًا تواقعه
أأهجر ظبيًا في فؤادي كناسه وبدر تمامٍ في ضلوعي مطالعه
وروضة حسنٍ أجتنيها وباردًا من الظلم لم تحظر علي شرائعه
إذن عدمت كفي نوالًا تفيضه على معتفيها أو عدوًا تقارعه وناوله بعض نسائه كأس بلور مترعًا خمرًا ولمع البرق فارتاعت فقال:
ريعت من البرق وفي كفها برق كم القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحى كيف من الأنوار ترتاع وقال:
[ ٣ / ٤٤ ]
قامت لتحجب قرص الشمس قامتها عن ناظري حجبت عن ناظر الغير
[٨ب] علمًا لعمرك منها أنها قمر هل تحجب الشمس إلا غرة القمر وقال:
عفا الله عن سحرٍ على كل حالةٍ ولا حوسبت عني بما أنا واجد
أسحر ظلمت النفس واخترت فرقتي فجمعت أحزاني وهن شوارد
وكانت شجوني باقترابك نزحًا فها هن لما أن نأيت شواهد وقال:
فإن تستلذي برد مائك بعدنا فبعدك ما ندري متى الماء بارد وقال:
يا غرة الشمس التي قلبي لها أحد البروج
لولاك لم أك مؤثرًا فرش الحرير على السروج وقال:
[ ٣ / ٤٥ ]
تم له الحسن بالعذار واقترن الليل بالنهار
أخضر في أبيض تبدى ذلك آسي وذا بهاري
فقد حوى مجلسي تمامًا إن يك من ريقه عقاري هذا كقول ابن وكيع:
شادن خده وعي ناه وردي ونرجسي
إن يجد لي بخمرةٍ فلقد تم مجلسي ما أخرجته من مقطوعاته السلطانية التي
أجراها مجرى الإخوانيات
بات الوزير أبو الأصبغ بن أرقم على قرب من إشبيلية، وأعلمه أنه وافد عليه صبيحة غدٍ، فكتب إليه المعتمد:
أهلًا بكم صحبتكم نحوي الديم إن كان لم يتجنح لي بكم حلم
حلوا المطي ولو ليلًا بمجهلةٍ فلن تضلوا ومن بشري لكم علم
سأكتم الليل ما ألقاه من بعدٍ وأسأل الصبح عنكم حين يبتسم وأدخلت إليه يومًا باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:
[ ٣ / ٤٦ ]
قد زارنا النرجس الذكي وآن من يومنا العشي
ونحن في مجلسٍ أنيقٍ وقد ظمئنا وثم ري
ولي نديم غدا سميي يا ليته ساعد السمي فأجابه ابن عمار:
لبيك لبيك من منادٍ له الندى الرحب والندي
ها أنا في الباب عبد قن قبلته وجهك السني
شرفه والداه باسمٍ شرفته أنت والنبي وسأله الوزير أبو عمرو بن غطمش أن يشرفه بالسير معه إلى منزله، فاجتمع الندماء بالقصر، [٩أ] بعد صلاة العصر، لينتقلوا ليلًا بانتقالها إلى دار الوزير المذكور، فبدت من ابن عمار حينئذ هنة أوجنت أن رماه المعتمد ببعض الآنية، فافترقوا بعد نومه ووقوع اليأس من سيره، ومضت الجماعة إلى دار الوزير المذكور، فلما استيقظ المعتمد من السكر، أخبر بما وقع من الأمر، فكتب إليهم بهذين البيتين:
لولا عيون من الواشين ترمقني وما أحاذره من قول حراس
لزرتكم لأكافيكم بجفوتكم مشيًا على الوجه أو حبوًا على الراس وله يستعطف أباه المعتضد إذ دخل مالقة وأخرج منها، في قصيدة أوله:
[ ٣ / ٤٧ ]
سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر ماذا يعيد عليك البث والحذر
وإن يكن قدر قد عاق عن وطر فلا مرد لما يأتي به القدر
وإن تكن خيبة في الدهر واحدة فكم غزوت ومن أشياعك الظفر
إن كنت في حيرة عن جرمٍ محترم فإن عذرك في ظلمائها قمر ومنها:
يا ضيغمًا يقتل الفرسان مفترسًا لا توهنني فإني الناب والظفر
قد أخلفتني صروف أنت تعلمها وعاد مورد آمالي به كدر
وحلت لونًا وما بالجسم من سقمٍ وشبت رأسًا ولم يبلغني الكبر
لم يأت عبدك ذنبًا يستحق به عتبًا وهاهو قد ناداك يعتذر
ما الذنب إلا على قوم ذوي دغل وفى لهم عهدك المعهود إذ غدروا ومنها:
لم أوت من زمني شيئًا ألذ به فلست أعرف ما كأس ولا وتر
ولا تملكني دل ولا خفر ولا سبى خلدي غنج ولا حور
رضاك راحة نفسي لا فجعت به فهو العتاد الذي للدهر يدخر
وهو المدام التي أسلو بها فإذا عدمتها عبثت في قلبي الفكر
[ ٣ / ٤٨ ]
ذكر الخبر عن حديثه يومئذ بمالقة ودخوله إياها،
وانصرافه مفلولا دون ما تخيل من التخييم في ذراها،
وأمل من الاستباحة لحماها
قال ابن بسام: لما سما باديس بن حبوس إلى قصبة مالقة بعد تقلص الظلال الحمودية عن أرجائها، وأفول النجوم العلوية في سمائها، في خبر خلا منه هذا المجموع حين لم يتعلق بذيله مما وقع إليّ نظم ولا نثر، ولا أشرق في ليله مما حصل في يدي للأدب كوكب ولا بدر، فلذلك أضربت [٩ب] عنه، وأخليت كتابي منه، وأتيت بخبر المعتمد فيها حين أنبأ به شعر، وجرى له على لسان الأدب ذكر، وفاءً بالشرط، وتوفيةً بالقسط:
كان أهل مالقة إذا جرى ذكر عباد ارتاحوا إليه ارتياح الغصون تحت النسيم، ورفعوا أصواتهم بالصلاة عليه والتسليم، هذا على ما كان يقذي عيونهم من قبح آثاره، ويصك أسماعهم من هو أخباره، ويلفح وجوههم من وهج ناره، تشيعًا لم يكن له أصل إلا شؤم الحمية، ولؤم العصبية، فاهتبلوا غرةً من باديس أميرهم، وناجوا عبادًا بذات صدورهم، وألقوا إليه بأيدي تأميلهم وتأميرهم، فجأجأوا لظمآن لا يروي على طول الشرب، وهزوا سيفًا يكاد يهتك الضريبة قبل الضرب، فجد فيها وشمر، ونادى أهلها وحشر، وكان المعتضد إذا طول اختصر
[ ٣ / ٤٩ ]
وإذا تحدث عنه على البعد حضر، ولبى دعاة أهل مالقة بالخيل بين الجلال واللبود، وبالأبطال أثناء الحرير والحديد، وأنفذ إليهم شوكته الوحي سمها، وأطلع عليهم كتيبته البعيد همها، القاسط حكمها، معصبة بابنيه جابرٍ ومحمد، فلأول إطلال عسكره عليها هبت له ريح فتحها، وضحك في وجه بشر صبحها، فحل لأول وقته بحريمها، وتحكم في ظالمها ومظلومها، إلا فرقةً من السودان المغاربة لاذوا بذروة قصبتها وهي بحيث ينشأ تحتها الدجن، ويعجز دون مرامها الظن، إنافة مكان، وإطالة بنيان؛ وقد كان أهل مالقة أشاروا على ابني المعتضد، حين خلوا بينهما وبين البلد، بإذكاء العيون، وإساءة الظنون، وضبط ما حولها من المعاقل والحصون، فغفلا، واستصرخ السودان المغاربة أميرهم باديس فلباهم بزخرة من تياره، وأقبسهم شرارة من ناره، فلم يرع ابني عباد، إلا صهيل الجياد، وتداعي الأجناد، بشعار الجلاد، فلم تر إلا أسيرًا أو قتيلًا، أو فازعًا إلى الفرار ما وجد إليه سبيلًا، وامتلأت أيدي الباديسيين من السلاح والكراع، ورفلوا بين خيار البز وفاخر المتاع، ولجأ ابنا عباد إلى رندة وقد انغمسا في عارها، وصليا بنارها، ورأيا وجه الموت في لمعان أسنتها وشفارها، ومن ثم خاطب المعتمد أباه بالشعر المتقدم الذكر، وقد أخفر ذممه، ونذر دمه، ولولا أنه استجار - زعموا - يومئذ برجلٍ من العباد كان هنالك لتبت يداه، ولحق إسماعيل أخاه.
[ ٣ / ٥٠ ]
ورفع إلى المعتمد صدر دولته شعر، عزي إلى بعض الأصحاب، من الوزراء الكتاب، يعرض بأبي الوليد بن زيدون فيه، أوله:
يا أيها الملك العلي الأعظم اقطع وريدي كل باغٍ ينئم
[واحسم بسيفك داء كل منافقٍ يبدي الجميل وضد ذلك يكتم]
لا تتركن للناس موضع شبهةٍ واحزم فمثلك في العظائم يحزم
قد قال شاعر كندة فيما مضى بيتًا على مر الليالي يعلم
" لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم " فلما سمعها المعتمد، عرف الغرض الذي إليه قصد، ووقع على ظهر الرقعة، بهذه القطعة، وهي من جيد نظامه، وحر كلامه:
كذبت مناكم صرحوا أو جمجموا ألدين أمتن والمروة أكرم
خنتم ورمتم أن أخون وإنما حاولتم أن يستخف يلملم
وأردتم تضييق صدرٍ لم يضق والسمر في ثغر الصدور تحطم
وزحفتم بمحالكم لمجرب ما زال يثبت في المحال فيهزم
أنى رجوتم غدر من جربتم منه الوفاء وجور من لا يظلم
[ ٣ / ٥١ ]
أنا ذاكم لا البغي يثمر غرسه عندي ولا مبنى الصنيعة يثلم
كفوا وإلا فارقبوا لي بطشةً يلقى السفيه بمثلها فيحلم ولأبي الوليد على ذلك جواب شكرٍ من جملة قصيد، قال فيه:
قل للبغاة المنبضين قسيهم سترون من تصميه تلك الأسهم
أسررتم فرأى نجي غيوبكم شيحان مدلول عليه ملهم
ما كان حلم محمد ليحيله عن عهده دغل الضمير مذمم
فرق عوت فزأرت زأرة زاجرٍ راع الكليب بها السبنتى الضيغم
لي منك فليذب الحسود تلظيًا لطف المكانة والمحل الأكرم
لم تلف صاغيتي لديك مضاعفةً كلا ولا ضاع اصطناعي الأقدم
بل أوسعت حفظًا وصدق رعاية ذمم موثقة العرى لا تفصم
فليخرقن الأرض شكر منجد مني تناقله المحافل متهم ومن كلام المعتمد الجزل، قوله يوم كبل يخاطب الكبل:
إليك فلو كانت قيونك أشعرت تصرم منها كل كف ومعصم
مهابة من كان الرجال بسيبه ومن سيفه في جنة أو جهنم ومما قاله بعد زوال سلطانه وتضعضع بنيانه، لما دخل عليه البلد يوم الثلاثاء منتصف رجب سنة أربع وثمانين، خرج مدافعًا عن ذاته، وذابًا عن حرماته، وظهر يومئذ من بأسه، ومن تراميه - زعموا - على الموت
[ ٣ / ٥٢ ]
بنفسه، ما لا مزيد لبشرٍ عليه، ولا تناهي لخلق إليه، وفي ذلك يقول:
لما تماسكت الدموع وتنبه القلب الصديع
قالوا الخضوع سياسة فليبد منك لهم خضوع
وألذ من طعم الخضوع على فمي السم النقيع
إن تستلب عني الدنا ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه لم تسلم القلب الضلوع
لم أستلب شرف الطبا ع أيسلب الشرف الرفيع
قد رمت يوم نزالهم إلا تحصني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي ص على الحشا شيء دفوع
وبذلت نفسي كي تسي ل إذا يسيل بها النجيع
أجلي تأخر لم يكن بهواي ذلي والخضوع
ما سرت قط إلى القتا ل وكان من أملي الرجوع
شيم الأول أنا منهم والأصل تتبعه الفروع [١٠ب] قوله: " ما سرت قط إلى القتال " البيت، كقول قيس بن الخطيم:
وإني في الحرب الضروس موكل بتقديم نفسٍ لا أريد بقاءها
[ ٣ / ٥٣ ]
وروى ابن قتيبة قال، قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان بن محمد أيام زحف إلى شيبان، فلما التقى الزحفان خرج رجل منهم ينادي إلى البراز، فلم يخرج إليه أحد إلا أعجله ولم ينهنهه، فغاظ ذلك مروان، فجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، فندبهم على الألف، ولم يزل يزيد حتى نادى بخمسة آلاف، قال أبو دلامة: وكان تحتي فرس لا أخاف خونه، فلما سمعت بخمسة آلاف اقتحمت الصف، فلما نظر إليّ الخارجي علم أني خرجت للطمع، فبرز إليّ وهو يقول:
وخارج أخرجه حب الطمع فر من الموت وفي الموت وقع من كان ينوي أهله فلا رجع فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هاربًا، فجعل مروان يقول: من هذا الفاضح - إيتوني به، ودخلت في غمار الناس.
وقيل كان أبو دلامة مع أبي مسلم في بعض حروبه مع بني أمية، فدعا رجل إلى البراز فقال له أبو مسلم: أخرج إليه، فأنشأ يقول:
[ ٣ / ٥٤ ]
ألا لا تلمني إن هربت فإنني أخاف على فخارتي أن تحطما
فلو أنني أبتاع في السوق مثلها وجدك ما باليت أن أتقدما وحدث أيضًا أبو دلامة قال: أتي بي المنصور وأنا سكران، فحلف أن يخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الثراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت اليوم في عدوك أثرًا ترضيه، فنزل عن فرسه ونزع سلاحه، فلما حصل ذلك في يدي وزالت حلاوة الطمع أنشدته:
إني استجرتك أن أقدم في الوغى لتطاعن وتنازل وضراب
فهب السيوف رأيتها مشهورة فتركتها ومضيت في الهراب
ماذا تقول لما تجيء ولا ترى من بادرات الموت بالنشاب قال: دع عنك هذا، وبرز رجل من الخوارج فقال: اخرج إليه، قلت: أنشدك الله في دمي أيها الأمير، إن هذا أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع، فأمر برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت إلى الصف، فلما رآني الخارجي أقبل نحوي وتحدثنا، وقلت: إن معي زادًا أحببت أن تأكله معي وما أريد قتالك، فجعلنا نأكل على ظهور دوابنا والناس يضحكون، فلما استوفيناه ودعني، فلما انصرفت قلت لروح: قد كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه. ثم خرج آخر إلى المبارزة فقال: اخرج إليه فقلت:
[ ٣ / ٥٥ ]
إني أعوذ بروح أن يقدمني إلى القتال فتخزى بي بنو أسد
إن البراز إلى الأقران أعلمه مما يفرق بين الروح والجسد [١١أ]
إن المهلب حب الموت أورثكم وما ورثت اختيار الموت من أحد
لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها لكنها خلقت فردًا فلم أجد فضحك وأعفاني.
رجع: ثم التوت بالمعتمد الحال أيامًا يسيرة، والناس بحضرة إشبيلية قد استولى علهم الفزع، وخامرهم الجزع، يقطعون سبلها سياحةً، ويخوضون نهرها سباحةً، ويترامون من شرفات الأسوار، ويتولجون مجابي الأقذار، حرصًا على الحياة، وحذرًا من الوفاة، فلما كان يوم الأحد الموفي عشرين من رجب المؤرخ، دخل البلد على المعتمد بعد أن جد الفريقان في القتال، واجتهدت الفئتان في النزال، وفي أثناء تلك الحال، وما كان يناجي باله من البلبال، خاطب أبا بكر المنجم الخولاني بهذه الأبيات:
أرمدت أم بنجومك الرمد قد عاد ضدًا كل ما تعد
هل في حسابك ما نؤمله أم قد تصرم عندك الأمد
قد كنت تهمس إذ تخاطبني وتخط كرهًا إن عصتك يد
فالآن لا عين ولا أثر أتراك غيب شخصك البلد
وتراك بالعذراء في عرسٍ أم إذ كذبت سطا بك الأسد
الملك لا يبقى على أحد والموت لا يبقى له أحد ثم أخرج المعتمد في ذلك اليوم إلى أن أطلقت إليه جميع أمهات أولاده وبنيه، وكل ما يختص به من أقرابه وذويه، وعمر بهم مركب فركبوا
[ ٣ / ٥٦ ]
البحر ورزقوا السلامة فيه، إلى أن وصلوا إلى أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، فبقوا هنالك في كمفه وذرى فضله، تحت إحسان عميم، وبذل نائلٍ جسيم، حتى انقرضت هنالك أيامه، ووافاه حمامه، بعد مرض شديد أصابه، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين، وكان مولده في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين.
ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظيم سلطانه، وجلالة شانه، فتبارك من له البقاء، والعزة والكبرياء. وبلغني أنه لما أحس بالوفاة، رثى نفسه بهذه الأبيات:
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي حقًا ظفرت بأشلاء ابن عباد
بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا بالخصب أجدبوا بالري للصادي
نعم هو الحق وافاني به قدر من السماء فوافاني لميعاد [١١ب]
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه أن الجبال تهادى فوق أعواد
فلا تزل صلوات الله نازلةً على دفينك لا تحصى بتعداد ثم وصى بأن تثبت على قبره.
وتنازعت يومئذ لمة من أهل الأدب بأغمات، ورثوه بقصائد مطولات، منهم أبو بحر بن عبد الصمد رثاه بقصيد أوله:
[ ٣ / ٥٧ ]
ملك الملوك أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عواد
لما نقلت من القصور فلم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد
قبلت في هذا الثرى لك خاضعًا وجعلت قبرك موضع الإنشاد وأنشد على قبره وفعل ما ذكر: قبل الترب ومرغ جبينه وعفر، فأبكى من حضر.
وبلغني أيضًا عن بعض بني عباد أنه أنشد في النوم قبل حلول الفاقرة بهم هذه الأبيات:
ما يعلم المرء والدنيا تمر به بأن صرف ليالي الدهر محذور
بينا الفتى مترد في مسرته وافى عليه من الأيام تغيير
وفر من حوله تلك الجيوش كما تفر إن عاينت صقرًا عصافير
وخر خسرًا فلا الأيام دمن له ولا بما وعد الأحرار محبور
من بعد سبعٍ كأحلام تمر وما يرقى إلى الله تهليل وتكبير
يحل سوء بقوم لا مرد له وما ترد من الله المقادير وكذلك حكي عن رجل أنه رأى في منامه إثر الكائنة عليهم كأن رجلًا صعد منبر جامع قرطبة واستقبل الناس ينشدهم:
رب ركب قد أناخوا عيسهم في ذرى مجدهم حين بسق
سكت الدهر زمانًا عنهم ثم أبكاهم دمًا حين نطق
[ ٣ / ٥٨ ]
فلما سمع المعتمد ذلك أيقن أنه نعي لملكه، وإعلام بما انتثر من سلكه، فقال:
من عزا المجد إلينا قد صدق لم يلم من قال مهما قال حق
مجدنا الشمس سناءً وسنًا من يرم ستر سناها لم يطق
أيها الناعي إلينا مجدنا هل يضير المجد إن خطب طرق
لا ترع للدمع في آماقنا مزجته بدمٍ أيدي الخرق
حنق الدهر علينا فسطا وكذا الدهر على الحر حنق
قد مضى منا ملوك شهروا شهرة الشمس تجلت في الأفق
نحن أبناء بني ماء السما نحونا تطمح ألحاظ الحدق
وإذا ما اجتمع الدين لنا فحقير ما من الدنيا افترق قال ابن بسام: والبيتان اللذان أنشدا في المنام رواهما الرواة [١٢أ] في خبر النعمان بن المنذر، وهو أنه نزل تحت شجرة، ومعه عدي بن زيد فقال له: أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك - قال تقول:
رب ركبٍ قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم وكذاك الدهر حال بعد حال فتكدر على النعمان نعيم يومه الذي كان فيه.
[ ٣ / ٥٩ ]
ويتعلق بذيل هذا الخبر الآخر: سل الأرض من غرس أشجارك وشق أنهارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارًا، أجابتك اعتبارًا. وقال بعض الحكماء: أشهد أن في السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات، كل تؤدي عنه الحجة، وتشهد له بالربوبية.
وجلس أبو العتاهية بحانوت وراقٍ فأخذ كتابًا وكتب على ظهره:
أيا عجبًا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده جاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فلما انصرف اجتاز بالموضع أبو نواس فقال: لمن هذه - لودتها لي بجميع شعري، قيل له: لأبي العتاهية: فكتب تحتها:
سبحان من خلق الخل ق من ضعيفٍ مهين
فصاغه في قرار إلى قرارٍ مكين
يجول شيئًا فشيئًا في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات مخلوقة من سكون وإلى هذا المعنى ذهب أبو الطيب بقوله:
[ ٣ / ٦٠ ]
تنشد أثوابنا مدائحه بألسن ما لهن أفواه
إذا مررنا على الأصم بها أغنته عن مسمعيه عيناه ومنها قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكنوا أثنت عليك الحقائب وقال أبو تمام، وله بهذا المعنى بعض الإلمام:
من القلاص اللواتي في حقائبها بضاعة غير مزجاةٍ من الكلم وأخذه بعض أهل عصرنا، وهو الوزير أبو محمد بن عبدون، فقال للمتوكل:
فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديًا وسله ولم يسمع سوى الشكر حاديا
هوادٍ على أعجازها قيم الندى فأربح بها مشري حمد وشاريا وهذا المعنى الذي افتنوا فيه نظمًا ونثرًا هي النصبة الدالة بذاتها التي وصفها الجاحظ في أقسام البيان.
رجع: وكان أبو بكر الداني مائلًا لبني عباد بطبعه، إذ كان المعتمد
[ ٣ / ٦١ ]
الذي جذب بضبعه، وله في البكاء على أيامهم، وانتثار نظامهم، عدة مقطوعات، وقصائد مطولات، يشتمل عليها جزء لطيف، صدر عنه في صيغة تأليف، وهيئة تصنيف، ضل فيه وأضل " والذر يعذر في القدر الذي حمل " سماه ب - " نظم السلوك، في وعظ الملوك " ترجمة رائقة بلا معنى،، ليست من الغرض الذي نحاه ولا المغزى؛ على أنه كان شاعرا يتصرف، وقادرا لا يتكلف، فوفد هنالك على المعتمد وفادة وفاء، ولا وفادة استجداء، وانقطع إليه انقطاع وداد، لا انقطاع استرفاد، وله أشعار سائرة، ومعه أخبار نادرة، تدل على كرم طعمته، وبعد همته، وأنا أورد هاهنا منها ما يليق بالديوان، ويروق في السماع والعيان.
حدث الداني عن نفسه قال: لما أردت الانفصال عنه هنالك بعث إلي بعشرين مثقالا وشقة رازي بغدادي، وكتب مع ذلك:
إليك النزر من كف الأسير فإن تقبل تكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياء وإن عذرته حالات الفقير
ولا تعجب لخطب غض منه أليس الخسف ملتزم البدور
ورج بجبره عقبى نداه فكم جبرت يداه من كسير
وكم أعلت علاه من حضيض وكم حطت ظباه من أمير
وكم من منبر حنت إليه أعالي مرتقاه ومن سرير
زمان ترجعت عن جانبيه جياد الخيل بالموت المبير
[ ٣ / ٦٢ ]
فقد نظرت إليه عيون نحس مضت منه بمعدوم النظير
نحوس كن في عقبي سعود كذاك تدور أقدار القدير قال الداني: فرددت عليه صلته وكتبت إليه مع ذلك:
سقطت من الوفاء على خبير فذرني والذي لك في ضميري
تركت هواك وهو شقيق ديني لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا لئن أصبحت أجحف بالأسير
أسير ولا أصير إلى اغتنام معاذ الله من سوء المصير
أنا أدرى بفضلك منك إني لبست الظل منه في الحرور
غني النفس أنت وإن ألحت على كفيك حالات الفقير
تصرف في الندى حيل المعالي فتسمح من قليل بالكثير
أحدث منك عن نبع غريب تفتح عن جنى زهر نضير
جذيمة أنت والزباء خانت وما أنا من يقصر عن قصير
وأعجب منك أنك في ظلام وترفع للعفاة منار نور
[رويدك سوف توسعني سرورا إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء بها وأزيد ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوع فليس الخسف ملتزم البدور]
[ ٣ / ٦٣ ]
قال الداني: فراجعني المعتمد بهذه الأبيات:
رد بري بغيا علي وبرا وجفا فاستحق لوما وشكرا
حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري فاستحق الجفاء إذ حاط نزرا
فإذا ما طويت في الحمد بعضا عاد لومي في البعض سرا وجهرا
يا أبا بكر الغريب وفاء لا عدمناك في المغارب ذخرا
أي نفع يجدي احتياط شفيق مت ضرا فكيف أرهب ضرا [١٣ أ] وهذا المصراع الأخير، كأنه إلى بيت أبي الطيب يشير:
أنا الغريق فما خوفي من البلل قال الداني: فراجعته:
أيها الماجد السميدع قدرا صرفي البر إنما كان برا
حاش لله أن أجيح كريما يتشكى فقرا وكم سد فقرا
ليت لي قوة أو آوي لركن فترى للوفاء مني سرا
أنت علمتني السيادة حتى صرت أرقى على الكواكب قدرا
ربحت صفقة أزيل برودا عن أديمي بها وألبس فخرا
وكفاني كلامك الرطب نيلا كيف ألفي درا وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتت لا سقى الله بعدك الأرض قطرا
[ ٣ / ٦٤ ]
قال الداني: وبلغت حالي عنده من التقريب والترحيب أن أفرطت في الإدلال، وانبسطت في الاسترسال، وخاطبته في أن يكون زادي من نعمائه، وأن يحاول صنعه بعض إمائه، حرصا مني على التشريف، وسعيا إلى الاستزادة من شكر المعروف، فكان ذلك على أحسن وجه، وشكر غاية الشكر ابنساطي، وتحقق به صحة ارتباطي، وكنت خاطبته في ذلك بهذه القطعة:
وداع ولكني أقول سلام وللنفس في ذكر الوادع حمام
أخادع نفسا إن تحققت النوى فليس لها بين الضلوع مقام
قد ائتلفت أهواؤها بك جملة كما ائتلفت في وكرهن حمام
وشقت عن النصح المبين جيوبها كما شققت عن زهرهن كمام
أكرر لحظي في محياك إنه لنور الهدى فيه عليك قسام
وأحمل من تقبيل كفك سؤددا على عاتق الجوزاء منه حسام
أملبسي النعمى قديما ومثلها حديثا وأحداث الزمان عظام
لأجلستني حتى اتكأت ولم يزل يدل على المولى الكريم غلام
عسى عند حمل العيس رحلي في غد يهيأ من زادي لديك طعام
وميلي إلى الطاهي وطيب إرادة ليثبت لي في وصف ذاك كلام
وكيف أزيد المجد صحف محاسن سهرت لها والعالمون نيام قال: فأجابني بقوله:
كلامك حر والكلام غلام وسحر ولكن ليس فيه حرام
ودر ولكن بين جنبيك بحره وزهر ولكن الفؤاد كمام
[ ٣ / ٦٥ ]
وبعد فإن ودعتني بخداعة فحقي أن يجني عليك ملام
أعني على نفسي بتزويد نفسها بل قول لا شيء علي حرام
فدونكه إذ لم أجد لي حيلة وقلبي فاعلم في الطعام طعام
فهنئته زادا وفي الصدر وقدة وللصبر من دون الفؤاد مرام
لقد كان فأل من سمائك مؤنس وقد عاد ضدا فالعزاء رمام
تحليت بالداني وأنت مباعد فيا طيب بدء لو تلاه تمام
ويا عجبا حتى السمات تخونني وحتى انتباهي للصديق منام
أضاء لنا أغمات قربك برهة وعاودها حين ارتحلت ظلام
تسير إلى أرض بها كنت مضغة وفيها اكتست باللحم منك عظام
وأبقى أسام الذل في أرض غربة وما كنت لولا الغدر ذاك أسام
فبلغتها في ظل أمن وغبطة وسني لي مما يعوق سلام قال ابن بسام: وكان الحصري المكفوف القروي قد طرأ على الأندلس في مدة ملوك طوائفها، فتهادته تهادي الرياض للنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، ولما خلعوا وأخوت تلك النجوم، وطمست للشعر تلك الرسوم، اشتملت عليه مدينة طنجة وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه، فتصدى إلى المعتمد في طريقه، وهو في تلك الحال، من الاعتقال، بأشعار له قديمة صدرها في الرباب وفرتنى، وعجزها في الاستجداء وطلب اللهى، خارجة عن الغرض والمغزى، مما كان فيه المعتمد يومئذ، وألح عليه بالوصول بتلك الأشعار إليه، فندبه كرم جبلته إلى مقارضته
[ ٣ / ٦٦ ]
عند مفاوضته، فطبع على ثلاثين مثقالا لم يمكنه سواها، وأدرج قطعة شعر طيها معتذرا من نزرها، راغبا في قبول أمرها، فلم يجاوبه الحصري عما حصل حينئذ من قبله لديه، فكتب المعتمد بهذه الأبيات إثر ذلك إليه:
قل لمن قد جمع العل م ومن أحصى صوابه
كان في الصرة شعر فتنظرنا جوابه
قد أثبناك فهلا جلب الشعر ثوابه واتصل فعل المعتمد بالحصري إلى جماعة من زعانف الشعراء، وكل طالب حباء، من مشحوذ المدية، في الكدية، فتعرضوا له بكل قارعة طريق، وجاءوه من كل فج عميق، يحسبون الدفلى من حاله نور اجتناء، ويعتقدون السراب في أمره غدير ماء، وطي الحال، كان ما لا مزيد عليه من الاختلال، وعند ذلك قال:
شعراء طنجة كلهم والمغرب ذهبوا من الأغراب أبعد مذهب
سألوا العسير من الأسير وإنه بسؤالهم لأحق فأعجب وأعجب
لولا الحياء وعزة لخمية طي الحشا ناغاهم في المطلب
قد كان أن سئل الندى يجزل وإن نادى الصريخ ببابه اركب يركب
[ ٣ / ٦٧ ]
وعند ذلك قال:
قل لمن يطمع في نائله قد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوة رحم الله العفاة الضيعا وسأله رجل يعرف بابن الزنجاري أن يزوده من شعره فكتب إليه [١٤ أ]:
لو أستطيع على التزويد بالذهب فعلت لكن عداني طارق النوب
يا سائل الشعر يجتاب الفلاة به تزويدك الشعر لا يغني عن السغب
زاد من الريح لا ري ولا شبع غدا له مؤثرًا ذو اللب والأدب
أصبحت صفرًا يدي مما تجود به ما أعجب القدر المقدور في رجب
ذل وفقر أدالا عزةً وغنى نعمى الليالي من البلوى على كثب
قد كان يستلب الجبار مهجته بطشي ويحيا قتيل الفقر في طلبي
والملك يحرسه في ظل واهبه غلب من العجم أو شم من العرب
فحين شاء الذي آتاه ينزعه لم يجد شيئًا قراع السمر والقضب
فهاكها قطعةً طوى لها حسدًا " السيف أصدق إنباء من الكتب " ومما قاله في ابنيه، وتعجب من حاليه، قال:
بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
بكت لم ترق دمعًا وأسبلت عبرةً يقصر عنها القطر مهما همى القطر
وناحت وباحت واستراحت بسرها وما نطقت حرفًا يبوح به سر
[ ٣ / ٦٨ ]
فما لي لا أبكي أم القلب صخرة وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
بكت واحدًا لم يشجها غير فقده وأبكي لألاف عديدهم كثر
بني صغير أو خليل موافق يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر
ونجمان زين للزمان احتواهما بقرطبة النكداء أو رندة القبر
غدرت إذن إن ضن جفني بقطرةٍ وإن لؤمت نفسي فصاحبها الصبر
فقل للنجوم الزهر تبكيها معي لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر قال ابن بسام: وهذه القطعة يشبه أولها قطعة عوف بن محلم، وما أراه إلا بها ألم، وعلى منوالها سدى وألحم، وهي:
وأرقني بالري نوح حمامةٍ فنحت وذو الشجو الغريب ينوح
على أنها ناحت ولم تذر عبرةً ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخي مهامه فيح وقال المعتمد أيضًا يبكيهما بما يفت الكبد، ويفت العضد:
يقولون صبرًا لا سبيل إلى الصبر سأبكي وأبكي ما تطاول بي عمري
هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه يزيد فهل عند الكواكب من خبر
ترى زهرها في مأتم كل ليلةٍ تخمش لهفًا وسطه صفحة البدر
ينحن على نجمين، أثكلت ذا وذا وأصبر ما للقلب في الصبر من عذر
[١٤ب] أفتح لقد فتحت لي باب رحمة كما بيزيد الله قد زاد في أجري
توليتما والسن بعد صغيرة ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري
[ ٣ / ٦٩ ]
توليتما حين انتهت بكما العلا إلى غايةٍ، كل إلى غاية يجري
فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى إذا أنتما أبصرتماني في الأسر
يعيد على سمعي الحديد نشيده ثقيلًا فتبكي العين بالجس والنقر
مع الأخوات الهالكات عليكما وأمكما الثكلى المضرمة الصدر
فتبكي بدمعٍ ليس للقطر مثله وتزجرها التقوى فتصغي إلى الزجر
أبا خالدٍ أورثتني الحزن خالدًا أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري
وقبلكما قد أودع القلب حسرةً تجدد طول الدهر ثكل أبي عمرو قوله: " فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى.. " البيت، كأنه من أشعار النساء، وأراه ينظر إلى قول الخنساء في صيغة المبنى، وإن خالفه في المعنى، وهو:
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وأبو عمرو الذي ذكره هو ابنه المقتول بقرطبة على يدي ابن عكاشة، حسبما يأتي شرحه في موضعه من هذا المجموع إن شاء الله.
قال أيضًا فيهما يندبهما بما يوقد الضلوع، ويسكب الدموع:
يا عين عيني أقوى منك تهتانا أبكي لحزن وما حملت أحزانا
ونار برقك تخبو إثر وقدتها ونار قلبي تلفى الدهر بركانا
نار وماء صميم القلب أصلهما متى حوى القلب نيرانًا وطوفانا
[ ٣ / ٧٠ ]
ضدان ألف صرف الدهر بينهما لقد تلون في الدهر ألوانا
بكيت فتحًا فإذ ناديت سلوته لقد تلون في الدهر ألوانا
يا فلذتي كبدي يأبى تقطعها عن وجدها بكما ما عشت سلوانا
لقد هوى بكما نجمان ما رميا إلا من العلو بالألحاظ كيوانا
مخفف عن فؤادي أن ثكلكما مثقل لي يوم الحشر ميزانا
يا فتح قد فتحت تلك الشهادة لي باب الطماعة في لقياك جذلانا
ويا يزيد لقد زاد الرجا بكما أن يشفع الله بالإحسان إحسانا
كما شفعت أخاك الفتح تتبعه لقاكما الله غفرانًا ورضوانا
مني السلام ومن أم مفجعة عليكما أبدًا مثنى ووحدانا
أبكي وتبكي ونبكي غيرنا أسفًا لدى التذكر نسوانًا وولدانا واجتاز يومًا عليه بموضع ثقافه سرب القطا فهاج وجده، وأثار من لاعج الشوق ما عنده، فقال:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
[١٥أ] ولم تك والله العليم حسادةً ولكن حنينًا أن شكلي لها شكل
فأسرح لا شملي صديع ولا الحشا وجيع ولا عيناي يبكيهما ثكل
هنيئًا لها أن لم يفرق جميعها ولا ذاق منها البعد من أهلها أهل
وأن لم تبت ليلًا تطير قلوبها إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل
وما ذاك مما يعتريني وإنما وصفت الذي في جبلة الخلق من قبل
[ ٣ / ٧١ ]
لنفسي إلى لقيا الحمام تشوق سواي يحب العيش في ساقه كبل
ألا عصم الله القطا في فراخها فإن فراخي خانها الماء والظل ومعنى البيت الخامس منها يشبه قو أبي عامر بن شهيد القرطبي:
وما اهتزت باب السجن إلا تفطرت قلوب لنا خوف الردى وكبود
ولست بذي قيد يرن وإنما على اللحظ من سخط الإمام قيود وقال السمهري العكلي من شعراء الدولة الأموية بالعراق:
لقد جمع الحداد بين عصابةٍ تساءل في الأقياد ماذا ذنوبها
بمنزلة أما اللئيم فسامن بها وكرام الناس بادٍ شحوبها
إذا حرسي قعقع اللباب أرعدت فرائص أقوام وطارت قلوبها
نرى الباب لا نسطيع شيئًا وراءه كأنا قنًا أسلمتها كعوبها وتجوز المعتمد في قوله: " وما ذاك مما يعتريني " البيت، وأجاد فيه ما أراد.
وقال من جملة قصيد، وقد دخل عليه بناته للسلام يوم عيد:
[ ٣ / ٧٢ ]
في ما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا
أفطرت في العيد لا عادت إساءته فكان فطرك للأعياد تفطيرا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلًا فردك الدهر منهيًا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلام مغرورا ودخل عليه ابنه أبو هاشم وهو يرسف في قيوده، ويتقلب في حديده، فخنقت الطفل العبرة، وكان أحبهم إليه، وأحظاهم على صغره لديه، وفيه يقول يوم الجمعة المشهور، إذ أبلى في قتال النصارى:
أبا هاشم هشمتني الشفار فلله صبري لذاك الأوار
ذكرت شخصيك ما بينها فلم يثني حبه للفرار وعند بكائه قال:
[١٥ب] قيدي أما تعلمني مسلما أبيت أن تشفق أو ترحما
دمي شراب لك واللحم قد أكلته لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشمٍ فينثني والقلب قد هشما
ارحم طفيلًا طائشًا لبه لم يخش أن يأتيك مسترحما
[ ٣ / ٧٣ ]
وارحم أخيات له مثله جرعتهن السم والعلقما
منهن من يفهم شيئًا فقد خفنا عليه للبكاء العمى
والغر لا يفهم شيئًا فما يفتح إلا لرضاعٍ فما وذكرت بقوله: " فكرت شخصيك " البيت، بيتين أنشدنيهما الوزير أبو بكر - هما لأخيه أبي الحسن البطليوسي - لنفسه:
ذكرت سليمى وحر الوغى كقلبي ساعة فارقتها
وأبصرت بين القنا قدها وقد ملن نحوي فعانقتها ومن شعره في الندبة على نفسه قال:
غنتك أغماتية الألحان ثقلت على الأرواح والأبدان
قد كان كالثعبان رمحك في الوغى فغدا عليك القيد كالثعبان
متمددًا يحميك كل تمدد متعطفًا لا رحمةً للعاني
قلبي إلى الرحمن يشكو بثه لا خاب من يشكو إلى الرحمن
يا سائلًا عن شأنه ومكانه ما كان أغنى شأنه عن شاني
هاتيك قينته وذلك قصره من بعد أي مقاصر وقيان
من بعد كل غريرةٍ رومية تخزي الحمائم في ذرى الأغصان
[ ٣ / ٧٤ ]
وقال من قصيدة:
تبدلت من عز ظل البنود بذل الحديد وثقل القيود
وكان حديدي سنانًا ذليقًا وعضًا رقيقًا صقيل الحديد
فقد صار ذاك وذا أدهمًا يعض بساقي عض الأسود وقال:
غريب بأرض المغربين أسير سيبكي عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصوارم والقنا وينهل دمع بينهن غزير
إذا قيل في أغمات قد مات جوده فما يرتجى للجود بعد نشور
مضى زمن والملك مستأنس به وأصبح عنه اليوم وهو نفور
برأي من الدهر المضلل فاسد متى صلحت للصالحين دهور
أذل بني ماء السماء زمانهم وذل بني ماء السماء كثير
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون مورثة العلا تغني قيان أو ترن طيور
[١٦أ] بزاهرها السامي الذرى جاده الحيا تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده غيورين والصب المحب غيور
تراه عسيرًا أم يسيرًا مناله ألا كل ما شاء الإله يسير
قضى الله في حمص الحمام وبعثرت هنالك عنا للنشور قبور
[ ٣ / ٧٥ ]
والثريا وسعد السعود والزاهي الذي ذكر في هذا الشعر أسماء قباب ومصانع سلطانية كان تأنق في بنيانها من قصور إشبيلية. وعلى هذا الشعر أجابه أبو محمد الصقلي المعروف بابن حمديس بأبيات قال فيها:
تجيء خلافًا للأمور أمور ويعدل دهر في الورى ويجور
أتيأس من يومٍ يناقض أمسه وزهر الدراري في البروج تدور
وقد تنخي السادات بعد خمولها وتخرج من بعد الكسوف القمر ومن هذا الجواب يقول:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير ونعبت غربان بجدار المكان الذي كان فيه، ثم ورد إثر ذلك النبأ بقدوم بعض نسائه عليه فقال:
غربان أغمات لا تعد من طيبةً من الليالي وأفنانًا من الشجر
تظل زغب فراخ تستكن بها من الحرور وتكفيها أذى المطر
كما نعبتن لي بالفال يعجبني مخبرات به عن أطيب الخبر
أن النجوم التي غابت قد اقتربت منا مطالعها تسري إلى القمر
علي إن صدق الرحمن ما زعمت ألا يروعن من قوسي ولا وتري
والله والله لا نفرت واقعها ولا تطيرت للغربان بالعور
ويا عقاربها لا تعدمي أبدًا شدخًا وعقرًا ولا نوعًا من الضرر
[ ٣ / ٧٦ ]
كما ملائن قلبي مذ حللت بها مخافة أسلمت عيني إلى السهر
ماذا رمتك به الأيام يا كبدي من نبلهن ولا رام سوى القدر
أسر وعسر ولا يسر أؤمله أستغفر الله كم لله من نظر وقال أيضًا وهو بتلك الحال، من الاعتقال:
لك الحمد من بعد السيوف كبول بساقي منها في السجون حجول
وكنا إذا حانت لنحر فريضة ونادت بأوقات الصلاة طبول
شهدنا فكبرنا فظلت سيوفنا تصلي بهامات العدا فتطيل
سجود على إثر الركوع متابع هناك بأرواح الكماة تسيل ومما قيل فيه بعد خلعه من ملكه وانتثار سلكه
من ذلك قصيد لأبي بكر الداني أنشده [١٦ب] إياه حين فكت عنه القيود، أوله:
تنشق رياحين السلام فإنما أفض بها مسكًا عليك مختما
وقل لي مجازًا إن عدمت حقيقة لعلك في نعمى فكم كنت منعما
أفكر في عصر مضى لك مشرقٍ فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعجب من أفق المجرة إذ رأى كسوفك شمسًا كيف أطلع أنجما
لئن عظمت فيك الرزية إننا وجدناك منها في البرية أعظما
[ ٣ / ٧٧ ]
قناة سعت للطعن حتى تقصدت وسيف أطال الضرب حتى تثلما
بكى آل عباد ولا كمحمد وأبنائه صوب السحائب إذ همى
حبيب إلى قلبي حبيب لقوله " عسى طلل يدنو بهم ولعلما "
وكنا رعينا العز حول حماهم فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى
كأن لم يكن في أنيس ولا القتى به الوفد جمعًا والخميس عرمرما
ولا حلت الآمال فيك ثبًا ثبًا فقامت إليها المكرمات لمًا لما
ولا اخضر روض في رباها فخلته توشح منهم لا من النور أنعما
ولا انعطفت فيه الغصون فعانقت وشيجًا بأيدي الدارعين مقوما
ولا تخفق الرايات فيها فأشبهت قوادم طيرٍ في ذرى الجو حوما
ولا جر فيها صعدة الرمح خلفه فتاها فقلت الصل أتبع ضيغما وفيها يقول:
مؤيد لخمٍ هل تؤمل رجعةً فكم أمل أضحى إلى النجح سلما
حكيت وقد فارقت ملكك مالكًا ومن ولهٍ أحكي عليك متمما
تدبتك حتى لم يخل لي الأسى دموعًا بها أبكي عليك ولا دما
وإني على رسمي مقيم فإن أمت سأترك للباكين رسمي مرسما
بكاك الحيا والريح شقت جيوبها عليك وباح الرعد باسمك معلما
ومزق ثوب البرق واكتست الدجى حدادًا وقامت أنجم الليل مأتما
ينجيك من نجى من الجب يوسفًا ويؤويك من آوى المسيح بن مريما
[ ٣ / ٧٨ ]
قوله: " ندبتك " البيت، أغار فيه على إبراهيم الشاشي وقصر باعه، وضاقت فيه ذراعه، وخلى السبيل له حيث يقول:
لا ترحلن فما أبقيت من جلدي وما أستطيع به توديع مرتحل
ولا من الغمض ما أقري الخيال به ولا من الدمع ما أبكي على طلل ومن هذه القصيدة:
لله جسمي فما أبقى حشاشته على الحوادث والأسقام والعلل
يغدو سقامي على مثل الخيال ضنى ويقرع الخطب مني صفحة الجبل
[١٧أ] ولا يرى في فراشي شبحًا وأملك السرج في وجه القنا الذبل
ولا يقل ردائيب عاتقي دنفًا ويحمل الدرع مسلوبًا عن البطل ورأى أبو بكر الداني حفيد المعتمد، وهو غلام وسيم، قد اتخذ الصياغة صناعة، وكان لقب في دولتهم من الألقاب السلطانية بفخر الدولة، فنظر إليه وهو ينفخ النار بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة:
شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت والرزء يعظم في من قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقةً ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما
وعاد كونك في دكان قارعةٍ من بعد ما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصواغ أنملة لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغًا كانت العليا تصاغ له حليًا وكان عليه الحلي منتظما
[ ٣ / ٧٩ ]
للفنح في الصور هول ما حكاه سوى هول رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك به لو أن عيني تشكو قبل ذا عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرفٍ ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبًا إن لم تلح قمرًا وقم بها ربوةً إن لم تقم علما
[واصبر فربتما أحمدت عاقبةً من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما]
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما
بكى حديثك حتى الدار حين غدا يحكيك رهطًا وألفاظًا ومبتسما وله فيهم أيضًا من قصيدة يرثيهم أولها:
تبكي السماء بدمع رائحٍ غادي على البهاليل من أبناء عباد
على الجبال التي هدت قواعدها وكانت الأرض منهم ذات أوتاد
عريسة دخلتها النائبات على أساود لهم فيها وآساد
وكعبة كانت الآمال تعمرها فاليوم لا عاكف فيها ولا باد
أن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا وقد خلت قبل حمص أرض بغداد
نسيت إلا غداة النهر كونهم في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا من لؤلؤ طافياتٍ فوق أزباد
[ ٣ / ٨٠ ]
حط القناع فلم تستر مخدرة ومزقت أوجه تمزيق أبراد
حان الوداع فضجت كل صارخةٍ وصارخ من مفداةٍ ومن فاد
سارت سفائنهم والنوح يصحبها كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت تلك القطائع من قطعات أكباد ومحاسن الداني كثيرة، وفي القسم الثالث من شعره جملة موفورة، ومحاسن المعتمد أيضًا أكثر من أن تعد فقد استوفيتها في كتابي المترجم ب - " الاعتماد على ما ضح من شعر المعتمد بن عباد ".
[١٧ب] باب يشتمل على طائفة من الوزراء والأعيان، ممن كان
بدولة المعتمد من أرباب هذا الشأن، واجتلاب ملح وطرف
لشعراء كانوا بذلك الأوان، مع ما يتعلق بها،
ويذكر بسببها
فصل في ذكر الوزير الفقيه أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني وإثبات
فصول من نثره، مع ما ينخرط في سلكها من شعره،
وإيراد جملة من أخباره، وحميد آثاره
هو أبو حفص عمر بن الحسن بن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الله أبي
[ ٣ / ٨١ ]
سعيد الداخل بجزيرة الأندلس، وهو كان صاحب صلاة الجماعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه. وهوزن الذي نسب إليه، وغلب اسمه عليه، بطن من ذي الكلاع الأصغر.
وأفضى أمر إشبيلية إلى عباد، حسبما تقدم به الإيراد، وأبو حفص يومئذ ذات نفسها، وإياة شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم، وواحدها الذي بيده ينقض ويبرم. وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر إليه، ومدار الرياسة عليه، إئتلاف الفرقدين، وتضافر اليدين، واصتال الأذن بالعين. ولما ثبتت قدم المعتضد في الرياسة، ودفع إلى التدبير والسياسة، أوجس منه ذعرًا، وضاق بمكانه من الحضرة صدرًا، وأحس بها أبو حفص وكان ألمعيًا، وذكيًا لوذعيًا، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة سنة أربعين وأربعمائة، فصادف غرته، وكفي إلى حينٍ معرته، واحتل صقلية تضيق عن فخره الآفاق، وتهادى عجائب ذكره الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر وله هنالك صوت بعيد، ومقام محمود، ووصل إلى مكة، وروى في طريقه كتاب الترمذي في الحديث وعنه أخذه أهل المغرب، ثم رجع إلى الأندلس واستأذن المعتضد في سكنى مرسية: رأيًا رآه، وبلدًا اختاره وتوخاه، وأميرها يومئذ ابن طاهر؛ فلما غلب الروم على مدينة بربشتر سنة ست وخمسين، وقرف الندب، وتفاقم الخطب، وضاق عن ساكنه
[ ٣ / ٨٢ ]
الشرق والغرب، خاطب المعتضد برقعة يحضه فيها على الجهاد، ويستشيره إلى أين ينتقل من البلاد، فراجعه برسالة من إنشاء الوزير الكاتب أبي الوليد ابن المعلم، وهي ثابتة في أخباره من هذا القسم، يشير عليه فيها بالرجوع إلى بلداه، لا بل استدرجه إلى ملحده، فأذهله عما كان استشعر، وأنساه ما كان حذر، أجل قريب، وحمام مكتوب، ومصرع، لم يكن عنه مدفع؛ فاستقر بإشبيلية سنة ثمان وخمسين، ولقيه المعتضد فأعلى المحل، وفوض إليه في الكثر والقل، وعول عليه في العقد والحل. فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة لربيع الأول سنة ستين أحضره القصر، وقد غلب [١٨أ]- زعموا - عليه السكر، وأمر خادمين من فتيانه بقتله، فكلاهما أشفق من سوء فعله، وفر، لا يبالي سيء عباد أو سر، فقام إليه هو بنفسه وباشر قتله بيده، فلم ينل عباد بعده سولًا، ولا متع بدنياه إلا قليلًا، وإلى الله الإياب، وعليه الحساب.
فصل من رقعة كان خاطب بها المعتضد من مرسية واستفتحها بهذه الأبيات:
أعباد جل الرزء والقوم هجع على حالة من مثلها يتوقع
فلق كتابي من فراغك ساعةً وإن طال فالموصوف للطول موضع
إذا لم أبث الداء رب دوائه أضعت وأهل للملام المضيع
[ ٣ / ٨٣ ]
وفي فصل منها: وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما غير لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الوليد والوالد، تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى، بل تعم الجميع جما جما، فلا تخص، وتزدلف إليهم قدمًا قدمًا، فلا تنكص، طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانقضاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض.
وفي فصل منها: كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعدٍ صادق من الصرف والكشف، وأنى لمثلها بالدفاع عن الحريم، ولما نمتثل أدب العزيز الحكيم في قوله: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ (البقرة: ٢٥١) وقوله تعالى: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولينصرن الله من ينصره﴾ (الحج: ٤٠) ومن أين لنا دفعهم بالكفاية أو كيف، ولم نمتط إليهم الخوف، ونساجلهم السيف، بل لما يرأب من صدوعهم ثلم، ولا دووي من جراحهم كلم، ولا رد في نحورهم سهم، إن حاربوا موضعًا أرسلناه، أو انتسفوا قطرًا سوغناه، وإن هذا لأمر له ما بعده، إلا أن يسني الله على يديك دفعه وصده:
[ ٣ / ٨٤ ]
فكم مثلها جأواء نهنهت فانثنت وناظرها من شدة النقع أرمد
فمرت تنادي الويل للقادح الصفا لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد
وألقت ثناءً كاللطائم نشره تبيد الليالي وهو غض يجدد وفي فصل منها: والحرب في إجتلائها حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها، وفي بنائها شمطاء عبوس تختلي الأعمار غرتها، فالأقل للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد، فأخلق بمحيدٍ عن مكانها، وعزلةٍ في ميدانها، فوقودها شكة السلاح، وفرندها مساقط الأشباح، وقتارها متصاعد الأرواح، فإن عسعس ليلها مدةً من الانصارم، أو انبجس وبلها ساعةً لانسجام، فيومها غسق يرد الطرف كليلًا، ونبلها صيب يزيد الجوف غليلًا:
أعباد ضاق الذرع واتسع الخرق ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق
ودونك قولًا طال وهو مقصر فللعين معنىً لا يعبره النطق
[١٨ب] إليك انتهت آمالنا فارم ما دهى بعزمك، يدمغ هامة الباطل الحق وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجى الدليل من ناط الأمور بأربابها، ولرب أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبق مضاربها فكأن
[ ٣ / ٨٥ ]
قد أمكنك الحز، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب، فالسهام تطيش فتختلف، والرماح تلين وتنقصف، فإن جعجعت أيها الساعي المخب في بغاء الفرج، وتحققت بالحث على جلاء تلك اللجج، ووجدت في فتح ذلك الباب المرتج:
فنادٍ: أعباد ذا عائذ وقدك، على حينها تنصرم
تجبك أسود على ضمرٍ معودة ما بغت أن يتم
كأن المقادير حزب له فيمضي على رأيه ما حكم
سقته الحمية جريالها وصحت مناقبه في الكرم
فصاب لأعدائه ممقر وغيث لراجيه حلو الديم
كنوه بما مد في عمره وكان نحور العدا يخترم
تقيدنا حر أفعاله وكنيته تقتضي ما رسم
فمن ذين تفريع أوصافه وبالرمز نعني الذكي الفهم وفي فصل منها: وما زلت أعتدك لمثل هذه الجولة وزرًا، وأدخرك في ملمها ملجأ وعصرًا، لدلائل أوضحت فيك الغيب، وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح، ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد أغدف جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد قدّ إهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما أبلس، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه:
[ ٣ / ٨٦ ]
فعاد الشمل منتظمًا هنيا وآض الصدع ملتئمًا سويا ثم توليت فكفيت، وخلفت فأربيت، وبرعت فأوريت، فالناس مذ بوأتهم رحب جنابك في عطن يربي على لين الدمقس، وتحت منن تعلو على منى النفس، وفي زمان كالربيع اعتدل هواؤه، وتشاكهت أرضه وسماؤه، واخضر بالنبت أديمها فكأنها الرقيع، وتعميم بالنور جميمها فتقول هو الترصيع، ففضلكم في الأعناق أطواق، ومجدكم للآفاق إشراق، وحيثما حللت: الأرض عراق، فأنا أول من هو إلى تلك الحضرة مشتاق، فلا تحرمني وصلًا كنت جاهدًا في إنباطه، ولا تصدني عن منهل كنت صدرًا في فراطه، فأحق الورى بجزيل تلك الآلاء، وأخلقهم بمنزل تلك السماء، أنصحهم له جيبًا، وأصحهم فيه غيبًا:
أعباد كلًا قد علوت فضائلًا تقاصر عنها كل أروع ماجد
فأولها جود أرانا أكفهم جمودًا ككف لم تؤيد بساعد
وسعي لما تبغي يخيل سعيهم تلاعب ولدان أطافت بوالد
ونصر لمن واليت يردي عدوه ردى أهل جو في وقيعة خالد
[١٩أ] منعت بني جالوت ما قد أباحهم سواك بحربٍ قيدت كل شارد
فمن شاء فلينظر أسودًا بروضةٍ تراعي عصا راعٍ وتعنو لرائد
عجائب مجدٍ أعجزت من سواكم ومن سرها المشهور صدق المواعد
[ ٣ / ٨٧ ]
فإن راث أمري فادركني برحلةٍ إلى مأمن فالخوف أعجل طارد
وحد مكانًا آته فرضاكم هواي وإن أغشى كريه الموارد
فقد جد أمر هد شرع محمدٍ وما مخبر عن حالة مثل شاهد
لكل يبين الرأي عند وفاته وهل من دواء بعد نهش الأساود
أضاعوا وجوه الحزم يومًا فعزهم على أمرهم من ليس عنه بهاجد وفي فصل منها: فالثمرة من ساقها، والجياد على أعراقها، ولئن لذت تلك الثمرة لذائق، وشدخت غرة تلك القرحة لرامق، لما يبين كنه المجتبى قبل تفطر أكمامه، ومما يصحح عتق الجنين قبل أوان فطامه، فلذوي الأبصار أدلة على العتق لائحة، ولأولي الألباب شواهد على الكرم واضحة، وبحق أدركت، فعلى السوابق سلكت، وبمشاعر المعالي نسكت فتنسكت:
" وما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل "
" وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل "
وقول رسول الله أعدل شاهد فحكمته شرع ومنطقه فصل
يقول: بنو الدنيا معادن، خيرها إذا ما زكوا من كان قدمًا له الفضل
[ ٣ / ٨٨ ]
وصلى الله على رسوله فقد نبه بتصحيح، ودل دلالة نصيح، فإن المعادن لا تؤتي غير معهود فلزها، كما لا تصح الدوائر إلا على نقطة مركزها، فمن طلب النبل في غير معادنه، واستثار الخير من غير مكانه، أعجزه من مطلبه مرامه، وطاشت في سهمته أقلامه، بل قد ضل قصد السبيل، واعتسف الفلاة بغير دليل، فسقط العشاء به على سرحان، وأفضى القضاء به إلى الطوفان، وإنما هو الفجر أو البحر.
ومن شعره أيضًا يحض على الجهاد،
ويستنفر كواف البلاد
قوله:
بيت الثر فلا يستزل طرق النوام سمع أزل
فثبوا واخشوشنوا واحزئلوا كل ما رزءٍ سوى الدين قل
صرح الشر فلا يستقل إن نهلتم جاءكم بعد عل
بدء صعق الأرض نشء وطل ورياح ثم غيم أبل
[ ٣ / ٨٩ ]
قد رجت عاد سحابًا يهل فإذا ريح دبور محل
نقبوا فالداء يحل واغمدوا سيفًا عليكم يسل ومنها:
يدنا العليا وهم ويك شل فلم استرعى الأعز الأذل
عجب الأيام ليث صمل ذعرته نعجة إذ تصل
" خبر ما جاءنا مصمئل جل حتى دق فيه الأجل " قوله: " فثبوا واخشوشنوا " من قول عمر بن الخطاب، ﵁: " اخشوشنوا واخشوشنوا وعليكم باللبسة المعدية "؛ وقوله: " بدء صعق الأرض نشء وطل " معنى مبتذل، ومنه المثل " السقط يحرق الحرجة "، وقال الأول:
والشيء تحقره وقد ينمي وقال الفرزدق:
[ ٣ / ٩٠ ]
قوارص تأتيني وتحتقرونها وقد يملأ القطر الإناء فيفعم [١٩ب] وقال نصر بن سيار من أبيات كتب بها لمروان:
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب مبدأها الكلام وقال أبو تمام، وعليه عول الفقيه، ولكنه استحقه بما زاد فيه، وهو:
كم من قليلٍ حدا كثيرًا كم مطرٍ بدؤه مطير وأخذه أبو عبادة فقال:
وأول الغيث طل ثم ينسكب وقال ابن الرومي:
ولا تحقرن سبيبًا قد قاد خيرًا سبيب وقال أبو العلاء، وحرفه إلى بعض الأنحاء، ولكنه إليه أشار، وحواليه دار.
فأول ما يكون الليث شبل ومبدأ طلعة البدر الهلال وكان له فيه إلمام، بقول أبي تمام:
[ ٣ / ٩١ ]
إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيكون بدرًا كاملا وقال العباس بن الأحنف وقصد به قصده، وكان ينفق مما عنده:
الحب أول ما يكون لجاجةً تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى جاءت أمور لا تطاق كبار وقال الآخر، وكأنه نحا به نحوًا غريبًا، ولكنه نظر إلى المعنى نظرًا مريبًا:
فلا تحقرن عدوًا رماك وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقاب وتعجز عما تنال الإبر ومن كلام المحدثين ما أجروه مجرى الأمثال: " رب عشق جني بلفظة، وصبابة غرست من لحظة ". إلى غير ذلك مما لا يحد شهرةً، ولا يحصى كثرةً.
وقال الوزير أبو حفص من جملة قصيدة:
أيا أسفًا للدين إذ ظل نهبةً بأعيننا والمسلمون شهود
أفي حرم الرحمن يلحد جهرةً ويجعل أشراك الإله يهود
ويثلب بيت الله بين بيوتكم وقادره عن رد ذاك قعيد
ويوضع للدجال بيت بمكة ويخفى عليكم منزع وقصود
[ ٣ / ٩٢ ]
أعيذك أن تدهنوا فيمسكم عقاب كما ذاق العذاب ثمود
وأقبح بذكر يستطير لأرضكم يؤم به أقصى البلاد وفود
ولا عجب أن جانس الحوض ضفدع وقدمًا تساوي مطلب وشهود
يقود امرءًا طبع إلى علم شكله كما انمازت الأرواح وهي جنود وهذا المصراع الأخير، إلى معنى الحديث يشير: " قلوب المؤمنين أجناد مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف "، وأخذه السحن فقال:
إن القلوب لأجناد مجندة لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف وما تناكر منها فهو مختلف [٢٠أ] وقال الوزير أبو حفص من أخرى:
تبارك من تفرد بالبقاء وأسلك خلقه سبل الفناء
وشتت شملهم بعد انتظامٍ وكدر وردهم إثر الصفاء
ولم يجر الأمور على قياسٍ فليست دارنا دار الجزاء
فتبصر محسنًا يجزى بقبح وذا ضعةٍ يقاد إلى السناء
وقد كنت اعتلقت اجل ملكٍ وأعمهم بنقب أو هناء
[ ٣ / ٩٣ ]
ومن يجهد لدنياه حريصًا فليس بحائر غير العناء
ومن يثق الزمان يجده خبًا ويصرعه على حين الرجاء
إذا كان الدواء به اعتلالي فأي الخلق أرجو للشفاء وهذا كبيت عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري وأرى الوزير أبا حفص إنما عول فيه قول أبي بكر ﵁ وقد قيل له: لو سلنا لك الطبيب، فقال: " الطبيب أعلني ".
فصل في ذكر الفقيه القاضي أبي الوليد الباجي، من باجة الأندلس،
والإتيان بلمعةٍ من أخباره التي زاحمت في بيوت شرفها الكواكب،
وقطعةٍ من أشعاره التي ملأت بفوائدها وطرفها المشارق والمغارب
قال ابن بسام: نشأ أبو الوليد هذا وهمته في العلم تأخذ بأعنان السماء
[ ٣ / ٩٤ ]
ومكانه من النثر والنظم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ في الأدب فبرز في ميادينه، واستظهر أكثر دواوينه، وحمل لواء منثوره وموزونه، وجعل الشعر بضاعته فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به مأكل القحم الرغاب، حتى جن الإحسان بذكره، وغنى الزمان بغرائب شعره، واستغنت مصر والقيروان بخبره عن خبره، ولم تزل أقطار تلك الآفاق تواصله، وعجائب الشام والعراق تغازله، حتى أجاب، وشد للركاب، وودع الأوطان والأحباب، فرحل سنة ست وعشرين، فما حل بلدًا إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، ومال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقياس، وبنى على أساس، فلم يبعد أن أصبح نسيج وحده، في حله وعقده، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون إلى الأخذ عنه، وحتى علم العلم أن له أشكالًا، وتيقن أهل العراق بالأندلس رجالًا، ثم كر، وقد نفع وضر، وأحلى وأمر، واستقضي بطريقه بحلب، فأقام بها نحوًا من عام، ثم نازعه [٢٠ب] هوى نفسه، إلى مسقط رأسه، ومنبت غرسه، من أرض الأندلس، فورد وعشب بلادها ناب وظفر، وصوب عهادها دم هدر، ومالها لا عين ولا أثر، وملوكها أضداد، وأهواء أهلها ضغائن وأحقاد، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد، فأسف على ما ضيعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه، على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصلة ما انبت من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعًا واعية، بل نفخ في عظامٍ ناخرة
[ ٣ / ٩٥ ]
وعكف على أطلال دائرة، بيد أنه كلما وفد على مهلك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظه بالتأنس والتقريب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستثقل طلعته، وما كان أفطن الفقيه، ﵀، بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالًا تثوب، ومذنبًا يتوب، ولم يخل مع ذلك من تأليف الدواوين وتدريسها، وتشييد المكارم وتأسيسها.
بلغني عن الفقيه أبي محمد بن حزم أنه كان يقول: لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي، وقد ناظره بميورقة ففل من غربه، وسبب إحراق كتبه، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه، فلم يطرح إنصافه، أو حاول الرد عليه، فلم ينسب التقصير إليه.
وتوفي أبو الوليد الباجي، ﵀، سنة أربع وسبعين، وهو بسبيله من تصنيف الدواوين، في علوم الدين؛ وقد أخرجت ما وجدت من كلامه في هذا الفن الذي أنا في إقامة أوده.
ووجدت للوزير الكاتب أبي محمد بن عبد البر رقعةً كتبها عن مجاهد أمير دانية، وقته، إلى المظفر ببطليوس في صفته، يقول في فصل منها: الآفاق - أيدك الله - وإن وارت الأنوار والشهب، والأبعاد وإن كثفت
[ ٣ / ٩٦ ]
الأستار والحجب، فلن تحجب أنوار الفضل والكرم، ولن تسد مطالع المآثر والهمم، ولن تقطع تعمال التواصل والوداد، وتدآب التضافر والإنجاد، وتلك حالنا فإننا على بعد الدار، وشحط المزار، ننطوي على أنفس متجاورة متلاصقة، ونأوي إلى مذاهب متوافقة، والفقيه الحافظ أبو الوليد الباجي غذي نعمتك، ونشأة دولتك، هو من آحاد عصره في علمه، وأفراد دهره في فهمه، وما حصل أحد من علماء الأندلس متفقهًا على مثل حظه وقسمه، وقد تقدم له بالمشرق صيت وذكر، وحصل بجزيرتنا ولك فيه جمال وفخر، فإنه إليك تنعطف أسبابه، وعليك تلتقي وتلتف آرابه، لكن شددت عليه يدي، وجعلته علم بلدي، يشاور في الأحكام، ويهتدى إليه في الحلال والحرام، فقد ساهمتك به، وشاركتك فيه، كما تساهمنا وتشاركنا في الأحوال السلطانية، والأمور الدنياوية.
[ ٣ / ٩٧ ]
ما أخرجه من أشعاره في أوصاف شتى
فمن ذلك قوله:
إذا كنت أعلم علمًا يقينًا بأن ميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينًا بها وأجعلها في صلاح وطاعه وقوله في صفة قلم:
وأسمر ينطق في مشيه ويسكت مهما أمر القدم
على ساحة ليلها مشرق منير وأبيضها مدلهم
وشبهتها ببياض المشيب يخالط نور سواد اللمم [ودخل بغداد والحرمان قد كساه سرابيل، ورماه بطير أبابيل، وقاضي
[ ٣ / ٩٨ ]
قضاتها السمناني ناصح الدين تاج الإسلام يباري القطر، ويحلي ديباج الفقر، فقلده معهود تحفيه، وسقاه ماء أمانيه، وأهبه من نوم فاقته، وطبه بجودٍ أسرع في إفاقته، واشتمل عليه اشتمالًا مع صون ماء وجهه عن إراقته، أناله ما أحسبه والله وأكسبه، فاقتصر على نداه، واهتصر أفنان جناه. وقال يمدحه:
يا بعد صبرك أتهموا أم أنجدوا هيهات منك تصبر وتجلد
يأبى سلوك بارق متألق وشميم عرف عرارة ومغرد
في كل أفق لي علاقة خولةٍ تهدي الهوى وبكل أرض ثمهد
ما طال عهدي بالديار وإنما أنسى معاهدها أسىً وتبلد
ولقد مررت على المعاهد بعد ما لبس البداوة رسمها المتأبد
فاستنجدت ماء الدموع لبينهم فتتابعت حتى توارى المنجد
طفقت تسابقني إلى أمد الصبا تلك الربى ومنال شأوي يبعد
لو كنت أنبأت الديار صبابتي نحل الصفا بفنائها والجلمد
لله أيام الشباب وحسنها وغصونهن المائسات الميد
أيام أنفض للمراح ذؤابتي بين اللدات ودرع بردي مجسد
أتقنص الظبيات في سبل الصبا فيصيدهن لي العذار الأسود
[ ٣ / ٩٩ ]
حتى علاني الشيب قبل تحلمٍ وأبر ما سبق المشيب المولد
وحجيت سن الحلم في زمن الصبا وبصرت فالتاح السبيل الأقصد
وسقتني الدنيا زعاق خمارها وسعى إليّ من الخطوب معربد
ما هالني صعب المرام ولا الذي تستبعد الأيام عندي يبعد
استقرب الهدف البعيد بهمةٍ أدنى منازلها السها والفرقد
أسري إذا اعتكر الظلام وقادني أمل مطالبه العلا والسؤدد ومن مديحه:
حيث التقت ظبة السماحة والعلا ورست قواعده وحل المقود
فجنابه لا يستباح وجاره لا يستضام ونبعه لا يقصد
حرم المكارم لا [ينال] فناءه ذام ولا للفضل عنه مبعد
عالي محل النار في كلب الشتا إذ بالحضيض لغيره مستوقد
هذا الشهاب المستضاء بنوره علم الهدى هذا الإمام الأوحد
هذا الذي قمع الضلالة بعد ما كانت شياطين [الضلال] تمرد وله في المعتضد بالله:
عباد استبعد البرايا بأنعم تبلغ النعائم
مديحه خيم كل نفسٍ حتى تغنت به الحمائم
[ ٣ / ١٠٠ ]
وله يرثي ابنيه:
رعى الله قلبين استكانا ببلدة هما أسكناها في السواد من القلب
لئن غيبا عن ناظري وتبوءا فؤادي لقد زاد التباعد في القرب
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلني سأنجد من صحب وأسعد من سحب
فما ساعدت ورق الحمام أسى ولا روحت ريح الصبا عن أخي كرب
ولا استعذبت عيناي بعدهما كرى ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب
أحن ويثني نفسي على الأسى كما اضطر محمول على المركب الصعب وله يرثي ابنه محمدا:
أمحمد إن كنت بعدك صابرا صبر السليم لما به لا يسلم
ورزئت قبلك بالنبي محمد ولرزؤه أدهى لدي وأعظم
فلقد علمت بأنني بك لاحق من بعد ظني أنني متقدم
لله ذكر لا يزال بخاطري متصرف في صفوه متحكم
فإذا نظرت فشخصه متخيل وإذا أصخت فصوته متوهم
وبكل أرض لي من أجلك روعة وبكل قبر عبرة وترنم
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ودعاه باسمك مقول بك مغرم
[ ٣ / ١٠١ ]
حكم الردى ومناهج قد سنها لأولي النهى والحذق قبل متمم
فلئن جزع فإن ربي عاذر ولئن صبرت فإن صبري أكرم وله يمدح الأمير معز الدولة أبا علوان ابن أسد الدولة:
محل الهوى من سر حبك آهل وصرف النوى عن شمل شوقي غافل
ولله طيف لا يلم كأنما له من سهادي في الزيارة عاذل
غدا نافرا لا أستطيع اقتناصه ولو أن لي يوم الكثيب حبائل
تبيت جفوني صاديات من الكرى ولكنها من ماء دمعي نواهل
لئن أمطرت روض الخدود سحابها لقد صديت منا قلوب مواجل
خليلي ها فاستعرضا الركب منهما فقد درجت في الريح منها رسائل
أسروا إلى الليل البهيم سراهم فنمت عليه في الشمال شمائل
متى نزلوا ثاوين في الخيف من منى بدت للهوى بالمأزمين مخايل
فلله ما ضمت منى وشعابها وما ضمنت تلك الربى والمنازل
ولما التقينا للجمار وأبرزت أكف لتقليب الحصى وأنامل
أسرت إلينا بالغرام محاجر وباحت به منا جسوم نواحل
سقى أثلاث الجزع من أم مالك عشار سحاب مترعات حوافل
[ ٣ / ١٠٢ ]
وله يمدحه:
لرياهم في عرف ربعك عنوان ومن حسنهم في حسن مغناك تبيان
وفيك من الحي الذين تحملوا مخايل أغصان تميس وكثبان
وكم ليلة فيها تعسفت حولها وكالئها مني مشيح ويقظان
سرينا كما يسري الخيال وغضضت على ركبنا من ناظر الليل أجفان
لبسنا برود الليل حتى تشققت جيوب تضيء بالصباح وأردان
حويت معز الدولة الملك فاعتزى بذكرك في الآفاق ملك وسلطان
فللمجد سلك قد أجيد نظامه وأنت لذاك السلك در ومرجان وله:
تجنب بجهدك ما صوروا وإن كان في ستر أو [ميثره]
فإن الرسول ﵇ أحق العذاب لمن صوره وله:
تبلغ إلى الدنيا بأيسر زاد فإنك عنها راحل لمعاد
وغض عن الدنيا وزخرف أهلها جفونك واكحلها بطول سهاد
وجاهد عن اللذات نفسك جاهدا فإن جهاد النفس خير جهاد
فما هذه الدنيا بدار إقامة فيعتد من أغراضها بعتاد
وما هي إلا دار لهو وفتنة وإن قصارى أهلها لنفاد وله:
[ ٣ / ١٠٣ ]
يا قلب إما تلهني كاذبا أو صادفا عن الهدى جائرا
تشغلني عن عمل نافع في موقف ألقاك لي ضائرا
أحر بأن تسلمني نادما إن لم ألق الله لي عاذرا
وحاق بي ما جاء عن ربنا (ووجدوا ما عملوا حاضرا) وله في معنى السفر:
إذا كنت ربي في طريقي صاحبا وتخلفني في الأهل ما دمت غائبا
فسهل سبيلي وزاو عني شرها وشر الذي ألقاه في الأهل آبيا وله في معنى الحمد والشكر:
الحمد لله ذي الآلاء والنعم ومبدع السمع والأبصار والكلم
من يحمد الله يأتيه المزيد ومن يكفر فكم نعم آلت إلى نقم وله:
الحمد لله حمد معترف بأنه نعماه ليس نحصيها
وأن ما بالعباد من نعم فإن مولى الأنام موليها
وإن شكري لبعض أنعمه من خير ما نعمة يواليها وله في قيام الليل:
قد أفلح القانت في جنح الدجى يتلو الكتاب العربي النيرا
فقائما وراكعا وساجدا مبتهلا مستعبرا مستغفرا
له حنين وشهيق وبكا يبل من أدمعه ترب الثرى
[ ٣ / ١٠٤ ]
إنا لسفر نبتغي نيل المدى ففي السرى بغيتنا لا في الكرى
من ينصب الليل ينل راحته عند الصباح يحمد القوم السرى وله:
وتيقن بأنك الدهر تملي في كتاب المستحفظين الكرام
ثم تؤتى يوم الكتاب كتابا ناطقا بالفجور والآثام
وأرى عثرة اللسان، وإن لم تبد، أنكى من عثرة الأقدام
وأرى القول كالسهام فإن كا ن قبيحا عادت علي سهامي
ومن الغي أن أصاب بسهم وأنا مالك يمين الرامي] الوزير أبو عامر بم مسلمة:
طائل الدهر، وعلم بردة ذلك العصر، وأحد جهابذة الكلام، وجماهير النثار والنظام، من قوم طالما ملكوا أزمة الأيام، وخصموا بألسنة السيوف والأقلام، لم يزالوا أقمارا في آفاق الكتائب، وصدورا في صدور المراتب، وكان أبو عامر هذا من شرفهم بمنزلة الفص من الخاتم، وبمكان السر من صدر الحازم. ولما ثلت تلك العروش الأموية، واختلت تلك الدولة القرطبية، تحيز إلى المعتضد، لأملاك قديمة كانت له في البلد، فعاش بفضل وفره، وتصون عن الدخول في شيء من أمره، إلا عن زيارة
[ ٣ / ١٠٥ ]
لمام، ومنادمة في بعض الأيام، جذبه إليها، وغلبه مضطرا عليها، ولم يزل يتخادع له عن ذلك استدفاعا لشره، ومداراة على بقية عمره، حتى مات مستورا بماله، مبقي على أشكاله، وله منظوم مطبوع، ونثر بديع، وقد وقع إلي من إملاءاته، وغرائب أداوته، تأليف جمعه للمعتضد سماه على ما اقتضاه مطابقة الزمان، ومذهب الأوان " حديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح " دل على كثرة روايته [٢١ أ] وجودة عنايته، إلى غير ذلك من نظمه ونثره، وأوردت منه طرفا شاهدا على ما أجريت من ذكره.
جملة من شعره
نقلت من خطه قال: كتبت يوما بهذه الأبيات إلى الأديبين أبي علي إدريس وأبي جعفر بن الأبار مستدعيا لهما:
أيا شقيقي إخاء ويا قسيمي صفاء
ومن هما في ذوي الفه م جوهر الأدباء
تفضلا وأجيبا إلى ندي نداء
لتأنسا بحديث وقهوة وغناء
[ ٣ / ١٠٦ ]
قال، فأجابني إدريس:
يا صنو ماء السماء في رقة وصفاء
ويا سراج ضياء يجلو دجى الظلماء
بهرت سيما ذكاء في بهجة وذكاء
وحزت في العلياء قوادم الجوزاء
يا حاتم الكرماء وأحمد الشعراء
بادهتنا بلآل سواطع اللألاء
قريض حسن كدر على طلى الحسناء
يقود في كل معنى معنى الغنى والغناء
وقد أجبنا إلى ما دعوت من آلاء
[لا زال] نجمك أسمى من نجم كل سماء قال الوزير أبو عامر: وبعث إلي أبو الأصبغ بن عبد العزيز باكور بهار وكتب معها:
وبهار ألم قبل الأوان في بهاء يروق رأي العيان
أمكن القطف في مدى شهر تشري ن على غير عادة الإمكان
سبق الزهر في الفضائل طرا وكسا بالجمال فضل الزمان قال، فأجبته:
[ ٣ / ١٠٧ ]
يا إماما في السبق يوم الرهان كل حين يؤمني بالأمان
وصل النرجس المكر يحكي سبق عباد المليك اليماني
يا بهار الرياض أنت بهار باهر الأنوار والريحان قال الوزير أبو عامر: وأعلمت ابن الأبار بخبر البهارة، وكان عليلا وقلت له: إني نادمتها ليلتي، وجعلتها مؤنستي على قهوتي، فكتب إلي:
بالله كيف النديمه يا ذا السجايا الكريمه
عذراء تعبق شما وأنت تعبق شيمه
أحبب بها بكر نور من البهار يتيمه
فتلك عندي والعو د لا نديما جذيمه
فاصبب فديت عليها من المدامة ديمه
والدهر يمضي فبادر من الزمان غنيمه
وانعم بدولة ملك ثنى الغيوث لئيمه
عباد المنصف المج د باللهى المظلومه وله في وصف مشروب زبيب:
مزة ماتت زمانا بحجاب يحتويها
لبثت في بطن أم غيبتها عن بنيها
ألحدتها الشمس دهرا ثم عاد الروح فيها
كان ماء المزن عيسى إذ وضعناه بفيها
[ ٣ / ١٠٨ ]
فانبرى منها سراج رائق من يجتليها
وبدت منها شموس غربت في مطلعيها
عزبت ألبابنا إذ غربت في شاربيها والمصحفي قبله القائل:
[٢١ ب] ولما تولى بابنة الكرم جائر عليها فأصلها بزعمكم الشمسا
ولم يبق من جثمانها غير جلدها غدت للذي تحويه من روحها رمسا
وصلت بها الماء القراح محافظا فراح لها جسما وراحت له نفسا وذكر الوزير أبو عامر أنه ما رآه، ولا نظر إليه، ولا اعتمد عليه، ولا قصده، ولو سمعه لما أورده.
وقال:
ومهفهف غض الشباب منعم فيه أطرت إلى الجماح جناحي
قد جاء يسعى بالمدام فقلت لا إني هجرت تعاطي الأقداح
لا تسقني راح الكؤوس وسقني سحر العيون يقم مقام الراح
فأقام لي من لحظه ورضابه راحا وقام الخد بالتفاح
وضللت في ليلي فأبدى غرة أغنت عن المصباح والإصباح قال: وبلغني أن ابن الأبار صد عنه يوما من يهواه، وواصل سواه، فكتبت إليه:
[ ٣ / ١٠٩ ]
قد هجر الأنس والسرور إذ هجر الشادن النفور
وغيضت غيضة التمني فطرف نوارها حسير
وأقفر الربع بعد أنس فعمر لهو الفتى قصير قال: فراجعني بهذه الأبيات:
يا من به تزدهي الدهور ومن له تخضع البدور
ومن إذا احتل في علاه فكل جفن به قرير
قد عوتب الشادن الغرير فعاد من وصله اليسير
ومن لي بالجواب تيها وهو بما قلته خبير
فافتر عن واضح شنيب فيه لميت الهوى نشور
ثم تلاقت لنا عيون تخالفت تحتها الصدور
ترجم بالثغر عن معان ضن بإعلانها الضمير
ولم نزل نعمل الحميا واللحظ ما بيننا سفير
مدامة أفنت الليالي وأرضعت ثديها الدهور
تخالها في الكؤوس سرا وهي لشرابها سرور
حتى إذا ما الصدود أودى تناولت مزجها الثغور
فاهنأ بما قد هنا محب خطرك في نفسه خطير
كان لك الله من وفي وفى به دهرنا الغرور
إن الورى أصبحوا أجاجا وإنك السائغ النمير
[ ٣ / ١١٠ ]
لطفت ظرفا وطبت حتى ترجم عن خلقك العبير
لا زلت بالفضل لي مليا فإنني بالثنا فقير [١٢٢ أ] وقال الوزير أبو عامر:
أهلا وسهلا بوفود الربيع وثغره البسام عند الطلوع
كأنما أنواره حلة من وشي صنعاء السري الرفيع
أحبب به من زائر زاهر دعا إلى اللهو فكنت السميع
بث على الأرض درانيكه فكل ما تبصر فيها بديع قال الوزير أبو عامر: وكتبت إلى ابن الأبار يوما بهذه الأبيات:
قل لأبي جعفر المنتقى من سر قحطان وخولان
انظر إلى الظبي الأنيق الذي يختال في أبراد إحسان
كأنما مقلته بابل حفت بسحر الإنس والجان
كأنما شاربه بهجة زمرد من فوق مرجان
كأنما أردافه عالج وقده غصن من البان قال، فأجابني منها قوله:
وابأبي ذاك الغزال الذي يجول في سر وإعلان
مقرطق يبسم عن لؤلؤ رصعه الحسن بمرجان
أفديه من أحور أجفانه نامت لكي تسهر أجفاني
[ ٣ / ١١١ ]
لما بدا لي جيده متلعا قلت لمن قد ظل يلحاني
لا فزت منه بجميع المنى إن كان هذا عند رضوان
من أين للظبي كأجفانه أو مثل ذاك الخوط للبان
ما هو إلا [] برهان وحجة اللوطي على الزاني قال: وكتب إلي ابن الأبار أيضًا بهذه الأبيات:
يا مفصح الكف واللسان بالطول طورا والبيان
عندي من عنده فؤادي ومن تجنيه قد براني
أظنها نومة لقردي أو غفلة الغر من زماني
وليس سر السرور إلا ضرة أخلاقك الحسان قال فأجبته:
يا مالك السحر والبيان وناظم الدر والجمان
أكرم بمولى أجاب عبدا فأقبل الدهر بالأمان
وانتزحت دولة التنائي واقتربت دولة التداني
وكل شيء يكون عندي ملكك يا ناظر الزمان
وقد بعثت المدام تحكي جزءا من اخلاقك الحسان الوزير أبو الوليد محمد بن عبد العزيز المعلم:
بديع ذلك الزمان، أحد وزراء المعتضد الكتاب الأعيان، وممن
[ ٣ / ١١٢ ]
شهر بالإحسان، في صناعة النظم والنثر، ولم أقع له عند نقلي هذه النسخة إلا على التافه النزر، وعلى ذلك فقد كتبت له منهما ما يشهد أنه كان من أهل الرواية والعلم، وذوي الدراية والفهم.
فصول له من مقامة
قال في أولها: سقى عهدك أيتها الدمنة الزهراء كل عهد، وجاد قطرك أيتها الروضة الغناء كل قطر، وسال عليك من أدمعي كل ملث هطال، وتناوحت عليك من أضلعي كل جنوب وشمال، منشرة أنوارك، لا معفية آثارك، ومهدية أرجك ونسيمك، لا مغيرة أطلالك ورسومك، فكم لنا في واديك من بلهنية زمان أنيق، وفي مغانيك من رفاهية عيش رقيق، نعل بكأسي عتبا وإعتاب، ونرتع في جنبتي صبا وتصاب، غدونا من عشيق إلى صديق، ورواحنا من صبوح إلى غبوق، وخليلنا مساعد، وعدونا مباعد، ورقيبنا أعمى، وزماننا أعشى؛ حتى إذا استيقظ الدهر من هجعته، وهب من غطيط رقدته وسكرته، ضرب فوقنا بجرانه، وصرف إلينا لهذم سنانه، ولبس لنا جلدة النمر، وقلب لنا ظهر المجن، وألقى علينا بعاعه، وطمس ذوننا شعاعه، مستردا ما وهب وأعطى، ومكدرا ما منح وأصفى:
أبدا تسترد ما تهب الدن يا فيا ليت جودها كان بخلا
[ ٣ / ١١٣ ]
فما لبث أن صدع مروتنا، وفصم عروتنا، وحل عقدنا، ونثر عقدنا.
وفي فصل منها: وكان لي أليف، وعقيد شريف، من صرحاء الإخوان، وصيابة الفتيان، ومصاص أعيان الزمان، وحين سولت لي همتي ما سولت، وخيلت لي أمنيتي ما خيلت، أجلنا قداح الرأي، وأسهمنا بين القرب والنأي، شاور في أمري قريحته، ونخل لي نصيحته، وقال: أرى أن لا تريم بيضتك وأرومتك، وأن توطن أرضك ولا تفارق عشيرتك، وأربأ بك عن مضلات المنى، وأعيذك من ترهات لعل وعسى، فتحسب كل بيضاء شحمة، وتظن كل سوداء تمرة، وربما سقط العشاء بك على سرحان، وكل الناس بكر، وفي كل واد بنو سعد:
والرفق يمن والأناة سعادة فاستأن في رفق تلاق نجاحا وإن أبيت إلا التحول، فعليك من الرؤساء، بأحلم الحلماء، ومن القرباء بأشرف الشرفاء، ولا تغرنك المناصب، دون المناسب، ولا المقول
[ ٣ / ١١٤ ]
دون المعقول، ولا الدراهم دون المكارم، وازهد في أكثر كل عين، واذكر قول [ابن] الحسين:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مفخر أستجده فلما سمعت ووعيت، ارتكنت وتوليت، ثم أبيت قبولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وناقضت نصحه بقول حبيب:
وإن صريح العزم والرأي لامرئ إذا بلغته الشمس أن يتحولا ومغترا بقول الثاني:
تلقى بكل بلاد أنت نازلها أهلا بأهل وجيرانا بجيران وفي فصل منها: وصرح لي الدهر عن أهله، ووجدت الناس اخبر تقله، من أمير لا أسميه، ووزير أقحمت الواو فيه، وكاتب أمي، وقاض جبلي، وأمة مبورة، في قرية مصورة، وإذا اختلفوا أنشدوا:
ومن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا
[ ٣ / ١١٥ ]
[٢٣ أ] فبينا أقرع السنين، وأعض الكفين، وأخضب بلا حناء، وأنشد في الأمراء:
وإذا نظرت إلى أميري زادني كلفا به نظري إلى الأمراء إذ قرع البشير بابي، وطرق المستأذن حجابي، فائل: رسول مولاك، وكتابه وافاك، فقمت أتساقط من الجذل، وأعثر في دعاثر العجل، مقبلا فاه، وصائحا: زاه.
وفي فصل منها: وأفضنا في وصف معاليه، واستنشدني فأنشدته ما قلته فيه، فقال: بزاعة الفصحاء، وبراعة الشعراء، دعني من زخرف شعرك، وصفه لي بمنصف نثرك، فللمنظوم رونق، وأنت فيه ذو طولق، فقلت: على الخبير سقطت، وأنا الكفيل بما سألت وشرطت، وأسمعته سجعا لا نظما، ونثرا لا شعرا، فقلت: هو الإمام الطاهر، والكوكب الزاهر، والأسد الخادر، والبحر الزاخر، أوهب الملوك للذخائر، وأعفاهم عن الجرائر، وأرفعهم قدرا، وأوسعهم صدرا، وأطيبهم ذكرا، أعطر من العنبر، في كل منبر، وأفوح من المسك الذكي
[ ٣ / ١١٦ ]
في كل ندي، الحليم فما يغضب، والجواد وما يرغب، والشجاع وما يرهب، والقوي وما يعنف، واللين وما يضعف، والرفيق إذا ساس، والمصيب إذا قاس، ينبوع كل جذل، ودافع كل وجل، وحسبك بي عنده من جليس رئيس، أكلم منه سحبان، وآخذ عن لقمان، وأستنزل كيوان:
له كبرياء المشتري وسعوده وسطوة بهرام وظرف عطارد وقمر إلا أنه بشر، وجبل إلا أنه رجل، بحر علم، وطود حلن، وعالم في عالم؛ الأصمعي عنه ناقل، ولجاحظ عنده باقل، إذا ركب ضاق عنه الأفق، وإذا تبدى وسع الدهر ندى، وإن نطق بين وصدق، وإن كتب أبدع وأغرب، نداه سحائب، وكتبه كتائب، مشرفياته من لسانه وبيانه، وخطياته من أقلامه وبنانه، تمشق فيها جياد فهمه، ويمري درر أشوالها من آدابه وعلمه، ويسحب لها من فكره مضمارا، ويثير من مداده قسطلا وغبارا، ويرتب فيها الحروف، ترتيب الصفوف، ويمشق بها في المهارق، مشقه في الطلى والمفارق، هذا إلى روحانية ملك، في تجلة ملك. فاستطير فرحا، وازدهي مرحا، وخف فقام إلي، ورف يقبل بين عيني، وكأنه إنما نشر من قبر، أو صحا من سكر، وقال: أصبت والله القرطاس، وبنيت على أساس، وفزت بالقدح المعلى، وتحليت من الجلى، والحديث ذو شجون: متى الحركة - وفيم التلوم
[ ٣ / ١١٧ ]
والمقام - وكنت شاكيا فقلت: رويد الإبلال، وبعيد الإقلال، قال: فسر في كنف السلامة، إلى وطن الكرامة.
وله من رقعة كتبها عن المعتضد إلى الوزير الفقيه أبي حفص الهوزني، قال فيها: وردني كتابك الأثير المقابل بين النثر البليغ والنظم البديع، تصرفت فيهما تصرف من إذا حاك الكلام طرز، وإذا غشي ميدان البيان برز، وأخذ بآفاق العلوم، وأشرقت خواطره فيها كإشراق النجوم، وإنها لفضيلة بعد فيها شأوك، وفات جهد لمجارين لك عفوك؛ فأما ما صدرته به من بالغ إطراء، وسابغ ثناء، فأمر أعلم أنه صدر عن عهد كريم، ومعتقد سليم، أنا معتقد عليهما بجميل القرض، والمجازاة الحسنة بهما في وكيد الفرض. واقتضيت ما تلا ذلك من وعظك المبرور، واحتسابك المشكور، في الحال التش أشرت إليها فأقنعت، ورمزت بها فأسمعت، بصحة دينك، وبرد يقينك، حتى نظرت إلى ما دهم المسلمين من كلب العدو عليهم: يجوسون البسيط من ديارهم، ويستبيحون المحوط من ذمارهم، ليس إلى الانقياد عن أحكامهم دفاع، ولا سوى الانحياز من أمامهم امتناع، قد تبين لهم أن تخاذلنا لهم علينا ناصر، وتواكلنا مظاهر مؤازر، فلا يعدمون من يتخلى لهم
[ ٣ / ١١٨ ]
عن بلد، أو يعطيهم الجزية عن يد ﴿ولو شاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض﴾ (محمد: ٤٧) .
ولقد شرحت من تلك [٢٣ ب] النصب ما يسهر النواظر، ويبلد الخواطر، ولا يدع ركن عز إلا أوهاه، ولا بناء جلد إلا أرداه، ولا عد صبر إلا أغاضه، ولا ثمد دمع إلا أفاضه، وإن الحذر أن تغشى التي لا شوى لها، وتفجأ التي لا لعا منها، فيرام من ذلك استكفاف سيل من التلف قد انحدر، وينظر في أعقاب نجم من التلافي قد انكدر، إلا أن يعود الله علينا برحمته، ويهيأ لنا أسباب عصمته.
وأما ما ندبت إليه، وحضضت عليه، من إحفاد السعي فيما يقمع المشركين - بددهم الله - ويجمع عليه كلمة المسلمين، فيعلم الله أني قد ناجيت بذلك وناديت، وراوحت فيه وغاديت، وبثثت رسلي إلى ذلك داعين يصلون التذكرة، ويوكدون التبصرة، ويتلون المواعظ، ويستشيرون الحفائظ، فصمت المسامع، واتفقت في التثاقل المنازع، وخلج بالخذلان، وتجوزت الجمجمة في ذلك الإعلان، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى.
وفي فصل منها: وأما إزماعك للتنقل، وأن أرسم لك مكان التحول، فأي مكان يكون ذلك سوى وطنك الذي تعرفت فيه سابغ الأمن
[ ٣ / ١١٩ ]
وتلقيت فيه طائر اليمن، ولم تعدم المحل الرفيع، والجانب المنيع، والسكون مني إلى من لم يزل يعتمدك بإيثاره، ويشاركك في خاص أسراره، ويرفع قدرك فوق أقدار الأكفاء، ويحط عن منزلتك منازل النظراء، وإن كان قد جرى قدر بمارقة فكانت سليمة لم يتبعها إلا حال لك محوطة محفوظة، وساقة بعين الصيانة مكلوءة ملحوظة.
وهذه أيضًا جملة من شعره
له في المعتضد من قصيد أوله:
دون الأحبة بالوعساء أعداء وسلم كل بعيد الهم هيجاء
والحب كالمجد لا ينفك من كبد فيه يلذ لنا بؤس ونعماء
حفيظة منك عين الله تكلؤها وشيمة شيم منها العين والطاء
وهيبة لم تزل تعنو إليك بها والدين يخبط منه الليل عشواء
مدوا إليك أكف البغي فانجذمت وقد خلت منهم بالسيف أقفاء
وقادة في وجوه القوم أخجلها من حد سيفك توبيخ وإدماء
أبناء دأية من مقطوف هامهم على الجذوع لها وقع وإقعاء
قوم هم نبذوا الإسلام قاطبة عنهم كما نبذ الأموات أحياء ومعنى البيت الثاني منها كقول حبيب:
[ ٣ / ١٢٠ ]
كأنه كان ترب الحب مذ زمن فليس يعجزه قلب ولا كبد وأخذه أبو الطيب فقال:
وقد صغت الأسنة من هموم فما يخطرن إلا في فؤاد وقال من أخرى:
سحبت على أثر الخيال ذيولا وسرت تعود من الصدود عليلا
عللت منك بكل وعد كاذب وسرى خيالك بالرضى تخييلا
لو كنت صادقة رحلت إلى الصبا وخضبت شيبي بالشباب محيلا
سقيا لعهدك والشباب ملاءة تثني عيون عني حولا [٢٤ أ]
أيام أمرح في الصبابة خالعا رسني وأسحب في المجون ذيولا
وأصيد بين حمائلي وحبائلي صيدا وغيدا ما يدين قتيلا ومنها:
يا هذه عني إليك فإن لي أملا بأعنان السماء كفيلا
من لم يبت عند ابن عباد فقد ضل السبيل وأخطأ التأميلا ومنها في وصف حربه مع صاحب سبتة:
فأرح جيادك فهي أطلاح السرى وقد الجيوش إلى العدا أسطولا
أنشأتهن سفائنا ومدائنا وجنبتهن كتائب ورعيلا
دهم تخال البيض في أوساطها بلقا وفي أطرافها تحجيلا
قرعت بأسواط الرياح فأسرعت في الماء تعمل كلكلا وتليلا
[ ٣ / ١٢١ ]
قوله: " لو كنت صادقة " البيت، نقل لفظه من قول أبي الطيب:
خلقت ألوفا لو رددت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا وقال محمد بن هانئ:
لخططت شيبا من عذاري كاذبا ومحوت محو النقس عنه شبابا
وخضبت مبيض الحداد عليكم لو أنني أجد البياض خضابا وله من أخرى في المعتمد:
أشمت البرق بات له ائتلاق تضيء به الأماعز والبراق
وبين جوانحي قلب مطار جناحاه ادكار واشتياق ومنها:
ولم أنس الكثيب وليلته كأنهما اختلاس واستراق
نجوم الراح في أفلاك راح مشارقها المطرفة الرقاق
وشدو تطرب الألفاظ عنه كما نفضت من الدر الحقاق
وأفصح من أبان النصح عنه يد نيطت بها قدم وساق
تذكرت الصبابة والتصابي هنالك إذ تروق ولا تراق
ونحن كأننا غصنا أراك قد اشتبكا وضمهما اعتناق
ذراعاه على عنقي نجاد وساقاه على كشحي نطاق
[ ٣ / ١٢٢ ]
إذا ما الشمس ورسها أصيل أدال الإصطباح لها اغتباق
ومن نعم ابن عباد كؤوس نعل بها وأقداح تتاق
ومن كف الربيع لنا ربيع يصوب حيا ومن حمص عراق وله فيه وقت انصراف قرطبة إليه، وقتل ابن عكاشة على يديه:
صفا لك الشرب كانت فيه أقذاء وعاد برء على ما أفسد الداء
ولن يعجل مقدور له أجل وللأمور مواقيت وآناء [٢٤ ب]
وقد تباطأ وحي الله آونة عن النبي وغابت عنه أنباء
فليهنك الصنع قد راقت عواقبه وشفعت عنه بالآلاء آلاء
فتح كما وضح الإصباح منه على آفاق ملكك إشراق ولألاء ومنها في رثاء ابنه:
الظافر الذفر الذكرى معطرة منه المنابر ألقاب وأسماء
رزئته فاحتسبته عند خالقه زلفى بذلك تقريب وإدناء
ولو أفاد عليك الحزن فائدة لكان صخرا وكل الناس خنساء
تشرفت بك دولات وأزمنة وفاخرت بك أموات وأحياء ومن مرثية له في المعتضد:
عليك أبا عمرو سلام مودع له كبد بين الضلوع دخيل
عممت الورى بالثكل فيك رزية وقبحت وجه الصبر وهو جميل
فمن شاء فلينظر بعين حقيقة ففيك لنا وعظ مداه طويل
يرى الأرض فيها الأرض كيف تزلزلت بنا ويرى الأطواد كيف تزول
أفلت فعادت حمص بعدك دجنة كأنك شمس والزمان أصيل
[ ٣ / ١٢٣ ]
وكتب إلى الوزير أبي عامر بن مسلمة من جملة أبيات:
يا ابن الكرام السادة الخلص قولا بلا إفك ولا خرص
ماذا ترى في القصف متكئا مع رنة الطنبور والرقص
فلعلني أشفي بريقتها من عارض في الصدر كالغصص
وألذ عند سماع مبهجها من طيب الأخبار والقصص
أهل العراق على مذاهبها لا تلق منهم غير مرتخص فأجابه أبو عامر بأبيات منها:
يا جهبذا قد قال بالرخص القصف عندي غاية الفرص
مع ماجد حلو شمائله ذي حنكة للهو والقنص
فإذا مضت للفطر ثانية أرسلت خيل اللهو للقنص
فجرت لدى الميدان جامحة وجريت في لبب من الرخص
في مجلس قد طاب مجلسه خال من التكدير والنغص الأديب أبو الوليد إسماعيل بن محمد الملقب بحبيب:
كان سديد سهم المقال، بعيد شأو الروية والارتجال، والأديب
[ ٣ / ١٢٤ ]
أبو جعفر ابن الأبار هو الذي أقام قناته، وصقل - زعموا - مرآته، فأطلعه شهابا ثاقبا، وسلك به إلى فنون الآداب طريقا لاحبا، ولو تحاماه صرف الدهر، وامتد به قليلا طلق العمر، لسد طريق الصباح، وغبر في وجوه الرياح. وتوفي ابن اثنتين وعشرين [٢٥ أ] سنة، فذهب بأكثر ما كان في ذلك الوقت من حسنة، وقد أعرب عن ذلك من أمره بأبيات شعر قرأتها على قبره، وله كتاب سماه ب - " البديع في فصل الربيع " جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة، أعرب فيه عن أدب غزير، وحظ من الحفظ موفور، وقد أخرجت من نثره ونظمه، ما يشهد بغزارة علمه وفهمه.
فصل من نثره
قال في صدر التأليف الموصوف: فصل الربيع آرج وأبهج، وآنس وأنفس، وأبدع وأرفع، من أن أحد حسن ذاته، وأعد بديع صفاته، وهو مع سماته الرائقة، وآلائه الفائقة، لم يعن بتأليفها أحد، وما انفرد بتصنيفها منفرد.
وله فصل من أخرى إلى أبيه: لما خلق الربيع من أخلاقك الغر، وسرق زهره من شيمك الزهر، حسن في كل عين منظره، وطاب في سمع خبره، وتاقت النفوس إلى الراحة فيه، ومالت إلى الإشراف
[ ٣ / ١٢٥ ]
على بعض ما يحتويه، من النور الذي كسا الأرض حللا، لا يرى الناظر في أثنائها خللا، فكأنها نجوم نثرت على الثرى، وقد ملئت مسكا وعنبرا، إن تنسمتها فأرجة، أو توسمتها فبهجة، تروق العيون أجناسها، وتحيي النفوس أنفاسها:
فالأرض في بردة من يانع الزهر تزري إذا قستها بالوشي والحبر
قد أحكمتها أكف المزن واكفة وطرزتها بما تهمي من الدرر
تبرجت فسبت منا العيون هوى وفتنة بعد طول الستر والخفر فأوجدني سبيلا إلى إعمال بصري فيها، لأجلو بصيرتي بمحاسن نواحيها، والفصل على أن يكمل أوانه، وينصرم وقته وزمانه، فلا تخلني من بعض التشفي منه، لأصدر نفسي متيقظة عنه، فالنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، ومن أجمها فهو السديد الرشيد.
وله من أخرى إلى بعض إخوانه: قد علم سيدي أن بمرآه يكمل جذلي، ويدنو أملي، وقد خللت محلا عني الجو بتحسينه، وانفرد الربيع بتحصينه، فكساه حللا من الأنوار، بها ينجلي صدأ البصائر والأبصار، فمن مكتوم يعبق مسكه، ولا يمنعه مسكه، ومن باد يروق مجتلاه، ويفوق مجتناه، في مرآه ورياه، فتفضل بالخفوف نحوي، وتعجيل اللحاق بي، لنجدد من الأنس مغاني درست، ونفك من السرور معاني قد أشكلت وألبست
[ ٣ / ١٢٦ ]
ونشكر للربيع، ما أرانا من البديع.
قال ابن بسام: ووجدت لأبي الوليد هذا رسالة عارض بها أبا حفص ابن برد في رسالته في تقديم الورد على سائر الأزهار، فخرج فيها أبو الوليد - خروج أبي حفص بن برد - على الورد، ودعا إلى البهار، وأسمع سائر الأنوار، فنصبه إماما، ولولا اشتهار فضل الورد لكانت لزاما، وقد اقتضبت من الرسالتين قبض فصول، تخفيفا للتثقيل، وجمعا للشمل،، ومقابلة للشكل، وقدمت رسالة ابن برد، على حكم الإحسان ومقتضى النقد، وهي رقعة خاطب بها ابن جهور قال فيها:
أما بعد، يا سيدي ومن أنا أفديه، فإنه ذكر بعض أهل الأدب المتقدمين فيه، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه، أن صنوفا من الرياحين، وأجناسا من أنوار البساتين، جمعها في بعض الأزمنة خاطر خطر بنفوسها، وهاجس هجس في ضمائرها، لم يكن لها بد من التفاوض فيه والتحاور، والتحاكم من أجله والتناصف، وأجمعت على أن ما ثبت في ذلك العهد، ونفذ من الحلف، ماض على من غاب شخصه، ولم يئن منها وقته، فقام منها قائمها فقال: يا معشر الشجر، وعامة الزهر، إن الله تعالى اللطيف الخبير [٢٥ ب] الذي خلق المخلوقات، وذرأ البريات، باين بين أشكالها وصفاتها، وباعد بين منحها وأعطياتها، فجعل عبدا وملكا، وخلق قبيحا
[ ٣ / ١٢٧ ]
وحسنا، فضل بعضا على بعض حتى اعتدل بعدله الكل، واتسق على لطف قدرته الجميع، فجعل لكل واحد منها جمالا في صورته، ورقة في محاسنه، واعتدالا في قده، وعبقا في نسيمه، ومائية في ديباجته، وقد عطفت علينا الأعين، وثنت إلينا الأنفس، وزهت بمحضرنا المجالس، حتى سفرنا بين الأحبة، ووصلنا أسباب القلوب، وتحملنا لطائف الرسائل، وصيغ فينا القريض، وركبت على محاسننا الأعاريض، فطمح بنا العجب، وازدهانا الكبر، وحملنا تفضيل من فضلنا، وإيثار من آثرنا، على أن نسينا الفكر في أمرنا، والتمهيد لعواقبنا، والطيبب لأخبارنا، وادعينا الفضل بأسره، والكمال بأجمعه، ولم نعلم أن فينا من له المزية علينا، ومن هو أولى بالرئاسة منا، وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا ولم نسبح في بحر عمانا، ولم نمل مع هوانا، دنا له، ودعونا إليه، فمن لقيه منا حياه بالملك، ومن لم يدرك زمن سلطانه، ودولة أوانه، اعتقد ما عقد عليه، ولبى ما دعي إليه، فهو الأكرم حسبا، والأشرف زمنا، إن فقد عينه لم يفقد أثره، أو غاب شخصه لم يغب عرفه، وهو أحمر والحمرة لون الدم، والدم صديق الروح، وهو كالياقوت المنضد، في أطباق الزبرجد، وعليها فرائد العسجد، وأما الأشعار فبمحاسنه حسنت، وباعتدال جماله وزنت.
[ ٣ / ١٢٨ ]
وفي فصل منها: وكان ممن حضر هذا المجلس من رؤساء الأنوال والأزهار، النرجس الأصفر والبهار، والبنفسج والخيري النمام. فقال النرجس الأصفر: والذي مهد لي حجر الثرى، وأرضعني ثدي الحيا، لقد جئت بها أوضح من لبة الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسر من التعبد له والشغف به، والأسف على تعاقب الموت دون لقائه، ما أنحل جسمي، ومكن سقمي، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى، فقد خف ثقل البلوى.
ثم قام البنفسج فقال: على الخبير سقطت، أنا والله المتعبد له، والداعي إليه، المشغوف به، وكفى ما بوجهي من ندوب، ولكن في التأسي بك أنس.
ثم قام البهار فقال: لا تنظرن إلى غضارة منبتي، ونضارة ورقي ورقتي، وانظروا إلي وقد صرت حدقة باهتة تشير إليه، وعينا شاخصة تندى بكاء عليه:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي ثم قام الخيري فقال: والذي أعطاه الفضل دوني، ومد له بالبيعة يميني، ما اجترأت قط إجلالا له، واستحياء منه، على أن أتنفس نهارا، أو أساعد في لذة صديقا أو جارا، فلذلك جعلت الليل سترا، واتخذت جوانحه كنا.
[ ٣ / ١٢٩ ]
فلما استوت آراؤها قالت: إن لنا أصحابا، وأشكالا وأترابا، لا نلتقي بها في زمن، ولا نجاورها في وطن، فهلم فلنكتب بذلك عقدا ينفذ على الأقاصي والأداني؛ فكتبوا رقعة نسختها: هذا ما تحالف عليه أصناف الشجر، وضروب الزهر، وسميها وشتويها، وربيعيها وقيظيها، حيث ما نجمت من وهاد أو ربوة، وتفتحت من قرارة أو حديقة، عندما راجعت من بصائرها، وألهمت من مراشدها، [واعترفت بما سلف] من هفواتها، وأعطت للورد قيادها، وملكته أمرها، وعرفت أنه أميرها المقدم لخصاله فيها، والمؤمر لسوابقه عليها، واعتقدت له السمع والطاعة، والتزمت له الرق والعبودية، وبرئت من كل زهر نازعته نفسه المباهاة له، والانتزاء عليه، في كل وطن، ومع كل زمن، فإنه زهرة قضى عليها لسان الأيام هذا الحلف، فلتعرف أن إرشادها فيه، وقيام أمرها به.
وأما رسالة أبي الوليد فخاطب [٢٦ أ] بها المعتضد يومئذ [قال] فيها: فأول من رأى ذلك الكتاب، وعاين الخطاب، نواوير فصل الربيع التي هي جيرة الورد في الوطن، وصحابته في الزمن، ولما قرأته أنكرت
[ ٣ / ١٣٠ ]
ما فيه، وبنت على هدم مبانيه، ونقض معانيه، وعرفت الورد بما عليه، فيما نسب إليه، من استحقاقه ما لا يستحقه، واستئهاله ما لا يستأهله، ورأت أن مخاطبة من أخطأ تلك الخطية، وأدنى من نفسه تلك الدنية، تدبير دبري، ورأي غير مرضي، فكتبت إلى الأقحوان والخيري الأصفر كتابا قالت فيه: لو استحق الورد إمامة، واستوجب خلافة، لبادرتها آباؤنا، ولعقدها أوائلنا، التي لم تزل تجاوره في مكانه، وتجيء معه في أوانه؛ ولا ندري لأي شيء أوجبت تقديمه، ورأت تأهيله، بما غيره أشكل له وأحق به، وهو نور البهار، البادي فضله بدو النهار، والذي لم يزل عند علماء الشعراء، وحكماء البلغاء، مشبها بالعيون التي لا يحول نظرها، ولا يحور حورها، وأفضل تشبيه الورد بنضرة الخد عند من تشيع فيه؛ وأشرف الحواس العين، إذ هي كل متول عين، وليس الخد حاسة، فكيف تبلغه رئاسة -:
أين الخدود من العيون نفاسة ورئاسة لولا القياس الفاسد وأصح تشبيه الورد وأقربه من الحق قول ابن الرومي في الشعر الطائي ولقد وافق ووفق، وشبه فحقق.
[ ٣ / ١٣١ ]
وطول أبو الوليد في رسالته هذه، وختمها بمبايعة الأزهار للبهار، فرجعت عن تقديم الورد في خبر طويل.
ومن شعر أبي الوليد في أوصاف شتى
قال يصف وردا بعث به إلى أبيه:
يا من تأزر بالمكارم وارتدى بالمجد والفضل الرفيع الفائق
انظر إلى خد الربيع مركبا في وجه هذا المهرجان الرائق
ورد تقدم إذ تأخر واغتدى في الحسن والإحسان أول سابق
وافاك مشتملا بثوب حيائه خجلا لأن حياك آخر لاحق وقال فيه:
إنما الورد في ذرى شجراته كأجل الملوك في هيئاته
نفحة المسك من شذا نفحاته خجل الخد من سنا خجلاته
مزجت حمرة اليواقيت بالدر فجاءت به على حسب ذاته
مثل ما جاء من سماح وبأس خلق الحميري سم عداته
إن يعد فالوفاء حتم عليه فرضه في صلاته كصلاته وقال:
[ ٣ / ١٣٢ ]
أتى الباقلاء الباقل اللون لابسا لبرد سماء من سحائبها غذي
ترى نوره يلتاح في ورقاته كبلق جياد في جلال زمرذ وقال:
كأن نور الكتان حين بدا وقد جلا حسنه صدا الأنفس
أكف فيروزج معاصمها قد سترتهن خضرة الملبس [٢٦ ب]
أو لا فزرق الياقوت قد وضعت على بساط يروق من سندس وقال:
وقهوة لا يحدها مبصر رقت وراقت في أعين النظر
إذا دنت فالسرور مبتسم وإن نأت فالسرور مستعبر
كأنها والحباب يحجبها بحر من التبر يقذف الجوهر
غنيت عنها فلست أقربها بناظر منه يسكر المسكر وبيته الثالث في هذه من التشبيه الذي ما له من شبيه، وأما بيته الأخير منها فمن قول ذي الرمة:
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وزاد أبو الوليد زيادة حسنة: لم يقنع أن يفعل ناظره فعل الخمر حتى أسكرها منه. وقال:
[ ٣ / ١٣٣ ]
وكأس لها كيس على اللب والعقل شمول تريك الأنس مجتمع الشمل
كأن حباب الماء في جنباتها دروع لجين قد جلتها يد الصقل
تزيد ذوي الألباب فضلا ولم تزل تديل بطبع الجود من طبع البخل
غنيت بمن أهواه عن نشواتها فمن طرفه خمري ومن ريقه نقلي وقال:
حمام بلحظك قد حم لي فما زال يهدي إلى مقتلي
وإن لم تغثني بمعنى الحياة من ريق مبسمك السلسل
فها أنا قاض بداء الهوى وقاضي جمالك لم يعدل
فيا ليت قبري حيث الهوى فأكرم بذلك من منزل
عسى من تلفت بحبي له يرق على ذي بلاء بلي
فإن جاد بالوصل بعد الوفاة رجعت إلى عيشي الأول
فيا صاحبي هناك احفرا ولا تحفرا لي بقطربل
إذا ما أدرت كؤوس الهوى ففي شربها لست بالمؤتلي
مدام تعتق بالناظرين وتلك تعتق بالأرجل وهذا البيت مما أغرب به على الألباب، وأعرب فيه عن موضعه من الصواب، وبينه وبين قول أبي الطيب شبه بعيد، ولكن لأبي الوليد فضل التوليد، وحسن من النقل ليس عليه مزيد، وهو قوله:
[ ٣ / ١٣٤ ]
انظر إذا اختلف السيفان في رهج إلى اختلافهما في الخلق والعمل
هذا أعد لريب الدهر منصلتا وعد ذاك لرأس الفارس البطل وقال الآخر وإن لم يكن به:
بالهند تطبع أسياف الحديد وفي بغداد تطبع أسياف من الحدق الأديب أبو جعفر أحمد بن الأبار
أحد شعراء المعتضد المحسنين المتقين [٢٧ أ] انتحل الشعر فافتن وتصرف، وعني بالعلم فجمع وصنف، وله في صناعة النظم فضل لا يرد، وإحسان لا يعد، وقد كتبت طرفا مما أبدع، ليكون أعدل شاهد على أنه تقدم وبرع.
ما أخرجته من شعره في أوصاف شتى
قال:
لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي من الغرام ولا ما كابدت كبدي
[ ٣ / ١٣٥ ]
أفديك من زائر رام الدنو فلم يسطعه من غرق في الدمع متقد
خاف العيون فوافاني على عجل معطلا جيده إلا من الغيد
عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها من ذلك الشنب المعسول بالبرد
حتى إذا غازلت أجفانه سنة وصيرته كفك يد الصهباء طوع يدي
أردت توسيده خدي وقل له فقال كفك عندي أفضل الوسد
فبات في حرم لا غدر يذعره وبت ظمآن لم أصدر ولم أرد
بدر ألم وبدر التم ممتحق والأفق محلولك الأرجاء من حسد
تحير الليل فيه أين مطلعه أما درى الليل أن البدر في عضدي قال ابن بسام: وقد رأيت من يروي هذه القطعة لإدريس بن اليماني، وهو الأشبه بما له من الألفاظ والمعاني، وهي لمن كانت له منهما رائقة، ومتأخرة سابقة، في التزام العفاف مع السلاف؛ وما سمعت بأبدع منها لأحد من أهل هذا الأفق. وإنما أثبت هنا بعض مقطوعات في معناها لأهل المشرق ثم أعود لإيراد ملح أهل أفقنا، وأرجع إليها وأكر بعد عليها، وأقدم أولا الحديث: " من أحب فعف ومات فهو شهيد "، والعفاف مع البذل، كالاستطاعة مع الفعل، ولله در صريع الغواني، فهو صاحب بديع في أكثر المعاني، كقوله:
ألا رب يوم: صادق العيش نلته بها ونداماي العفافة والبذل
[ ٣ / ١٣٦ ]
وقال الآخر:
وبتنا فويق الحي لا نحن منهم ولا نحن بالأعداء مختلطان
وبات يقينا ساقط الطل والندى من الليل بردا يمنة عطران
نعدي بذكر الله في ذات بيننا إذا كان قلبانا بنا يردان
ونصدر عن ري العفاف وربما نقعنا غليل النفس بالرشفات وقال الصمة القشيري:
بنفسي من لو مر برد بنانه على كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كل شيء وهبته فلا هو يبداني ولا أنا سائله وقال القس المكي:
أهابك أن أقول بذلت نفسي ولو أني أطعت القلب قالا [٢٧ ب]
حياء منك حتى سل جسمي وشق علي كتماني وطالا وقال العباس بن الأحنف:
أتأذنون لصب في زيارتكم فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طالت إقامته عف الضمير ولكن فاسق النظر
[ ٣ / ١٣٧ ]
ولبعض الطالبيين:
رموني وإياها بشنعاء هم بها أحق أدال الله منهم وعجلا
بأمر تركناه ورب محمد جميعا فإما عفة أو تجملا وقال سعيد بن حميد:
زائر زارنا على غير وعد مخطف الكشح مثقل الأرداف
غالب الخوف حين غالبه الشو ق وأخفى الهوى وليس بخاف
غض طرفي عنه تقى الله واختر ت على بذله بقاء التصافي
ثم ولى والخوف قد هز عطفي هـ ولم نخل من لباس العفاف وأنشد الصولي لأبي حاتم السجستاني في أبي العباس المبرد، وكان يلزم حلقته، وهو غلام وسيم:
ماذا لقيت اليوم من متمجن خنث الكلام
وقف الجمال بوجهه فسمت له حدق الأنام
حركاته وسكونه تجنى بها ثمر الأثام
وإذا خلوت بمثله وعزمت فيه على اعتزام
لم أعد أفعال العفا ف وذاك أكرم للغرام
نفسي فداؤك يا أبا ال عباس حل بك اعتصامي
فارحم أخاك فإنه نزر الكرى بادي السقام
وأنله ما دون الحرا م فليس يطمع في الحرام
[ ٣ / ١٣٨ ]
وكان أبو حاتم يتصدق كل يوم بدينار، ويختم القرآن في كل أسبوع.
واجتمع أبو العباس بن سريج الشافعي وأبو بكر بن داود القياسي في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظر في الايلاء، فقال له ابن سريج: أنت بقولك " من كثرت لحظاته دامت حسراته "، أبصر منك بالكلام في الإيلاء؛ فقال أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتي وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه يصب على الصخر الأصم تهدما
وينظر طرفي عن مترجم خاطري فلولا اختلاسي رده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم فلست أرى حبا صحيحا مسلما فقال أبو العباس: لم تفتخر علي، ولو شئت أنا أيضًا لقلت: [١٢٨ أ]
ومطاعم للشهد من نفثاته قد بت أمنعه لذيذ سناته
ضنا بحسن حديثه وكلامه وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ولى بخاتم ربه وبراته فقال أبو بكر: يحفظ عليه ما قال، حتى يقيم عليه شاهدي عدل أنه ولى بخاتم ربه، قال أبو العباس: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أنزه في روض المحاسن مقلتي البيت.
[ ٣ / ١٣٩ ]
فضحك الوزير ابن الجراح، وقال لقد اجتمعنا ظرفا ولطفا وفهما وعلما.
وقال الشريف الرضي:
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى يلفنا الشوق من قرن إلى قدم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي مواقع اللثم في داج من الظلم
وباتت الريح كالغيرى تجاذبنا على الكثيب فضول الريط واللمم
يولع الطل بردينا وقد نسمت رويحة الفجر بين الضال والسلم
وأكتم الصبح عنها بردا وهي عافلة حتى تكلم عصفور على علم
فقمت أنفض بردا ما تعلقه غير العفاف وراء الغيب والكرم وقال المتنبي:
وأشنب معسول الثنيات واضح سترت فمي عنه فقبل مفرقتي
وأجياد غزلان كجيدك زرنني فلم أتبين عاطلا من مطوق وقال:
يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد وهذا المعنى في شعرهم أكثر من أن يحصى.
وأثبت هنا أيضًا مقطوعات أبيات ليغر واحد ممن تقدم ابن الأبار في
[ ٣ / ١٤٠ ]
ذكر العفاف، ثم أعود بعد إلى ماله من الأشعار في سائر الأوصاف:
قال الرمادي:
وليلة راقبت فيها الهوى على رقيب غير وسنان
والراح ما تنزل من راحتي وقتا ومن راحة ندماني
ورب يوم قيظه منضج كأنه أحشاء ظمآن
أبرز في خديه لي رشحه طلا على ورد وسوسان
وكان في تحليل أزراره أقود لي من ألف شيطان
فتحت الجنة من جيبه فبت في دعوة رضوان
مروة في الحب تنهى بأن يجاهر الله بعصيان وقال من أخرى:
ليالي بعت العاذلين إمامتي بفتكي ووليت الوشاة أذاني
وإذ لي ندمانان: ساق وقينة رشيقان بالأرواح يمتزجان
أمد إلى الطاووس في تارة يدي وفي تارة آوي إلى الورشان
وكنت أدير الكأس حتى أراهما يميلان من سكر ويعتدلان [٢٨ ب]
فكانا بما في الجسم من رقة الضنى يكادان عند الضم يلتقيان
ونفضي إلى نوم فإن كنت جاهلا مكاني فوسطى العقد كان مكاني
فلو تبصر المضنى وبداره حوله لقلت السها من حوله القمران
وما بي فخر بالفجور وإنما نصيب فجوري الرشف والشفتان وقال الحصري الكفيف:
[ ٣ / ١٤١ ]
قالت وهبتك مهجتي فخذ ودع الفراش ونم على فخذي
وثنت إلى مثل الكثيب يدي فأجبتها نعم الأريكة ذي
وهممت لكن قال لي أدبي بالله من شيطانها استعذ
قالت: عففت فعفت، قلت لها مذ شبت باللذات لم ألذ ولابن فرج الجياني:
وطائعة الوصال عففت عنها وما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سافرة فباتت دياجي الليل سافرة القناع
وما من لحظة إلا وفيها إلى فتن القلوب لها دواعي
فملكت الهوى جمحات شوقي لأجري في العفاف على طباعي
وبت بها مبيت الطفل يظما فيمنعه الفطام عن الرضاع
كذاك الروض ما فيه لمثلي سوى نظر وشم من متاع
ولست من السوائم مهملات فأتخذ الرياض من المراعي قال ابن بسام: وابن فرج هذا ممن تقدمني في نشر محاسن أهل هذه الجزيرة، وإظهار خبايا فضائلهم المشهورة؛ فعارض كتاب " الزهرة " للأصبهاني بتصنيف رائق ترجمة ب - " كتاب الحدائق "، فإن لا يكن سبق بالزمان، فلقد زاحم بالإحسان، وله شعر مشهور له فيه إحسان كثير كقوله، وهو من مليح الوصف في العفاف عن الطيف:
[ ٣ / ١٤٢ ]
بأيهما أنا في الحب باد بشكر الطيف أم شكر الرقاد
سرى فازداد بي أملي ولكن عففت فلم أنل منه مرادي
وما في النوم من حرج ولكن جريت من العفاف على اعتيادي أخذه من قول المتنبي:
يرد يدا عن ثوبها وهو قادر البيت. كأنه لما عف في اليقظة جرى على عادته في النوم.
ولابن الأبار في هذا عدة أشعار، منها قوله:
ومعرض بالغصن في حركاته تسل القلوب العفو من لحظاته
عاطيته كأسا كأن سلافها من ريقه المعسول أو وجناته
حتى إذا ما السكر مال بعطفه وعنا بحكم الوصل في نشواته
هصرت يدي منه بغصن ناعم لم أجن غير الحل من ثمراته [٢٩ أ]
وأطعت سلطان العفاف تكرما والمرء مجيول على عاداته وقال:
ومنعم غض القطاف عذب الغروب للارتشاف
قد صيغ من در الجما ل وصين في صدف العفاف
وسقته أندية الشبا ب بمائها حتى أناف
فتروضت عنه الريا ض وسلفت منه السلاف
[ ٣ / ١٤٣ ]
مهما أردت وفاقه يوما تعرض للخلاف
لما تصدى للصدو د ومال نحو الإنحراف
هيأت من شركي له فعل اللطاف من الظراف
فسقيته ماء بها وأدرت صافية بصاف
حتى ترنح مائلا كالغصن مال به انعطاف
فوردت جنة نحره ونعيمها داني القطاف
وضممت ناعم عطفه ضم المضاف إلى المضاف
فورعت في حين الجنى وكففت عن فوق الكفاف
وعصيت سلطان الهوى وأطعت سلطان العفاف وما أملح هذه الملح، وما أقبح ما أنشدت في ضدها لعبد الجليل، حيث يقول:
تعرض لي ليسقط في حبالي سقوط تعمد شبه اتفاق
وبات على المدامة لي نديما وبين جفونه للغنج ساقي
إلى أن مال من سنة الحميا وقام الليل ممدود الرواق
وحل معاقد الهميان عنه بسبط كان يعقدها رقاق
وصار على كرامته بساطا ولفت بيننا ساق بساق وبعده ما أضربت عنه، وصنت كتابي منه.
[ ٣ / ١٤٤ ]
وأنشدني أبو بكر الداني لنفسه:
أتوب لله من هوى رشأ غيره بالعطاء من غير
ليس معي خاتم ولا فنك ولا شراب إناؤه عنبر
وإنما كان شرطه قدحا وكان شرطي عليه أن يسكر وممن رأيته أولع بهذه الأوصاف وشغف، وصرف فيها الكلام فتصرف، الأديب أبو القاسم المعروف بالمنيشي الاشبيلي، أنشدني لنفسه من جملة قصيدة:
وعجزاء حوراء وفق الهوى تحيرت فيها وفي أمرها
غلامية ليس في جسمها مكان دقيق سوى خصرها
إذا أدبرت أو إذا أقبلت ففي فرها الموت أو كرها
ولما خلونا ورق الكلام دفعت بكفي في صدرها [٢٩ ب]
ومن لا أسميه مثل القناة فألقت ذراعا على عشرها
فما زلت أجمع طعنا وضربا على زيدها وعلى عمرها
وصارفتها العين هذا بذاك وقد شدت السوق من أزرها
فأعطيتها المحض من فضتي وأعطتني المحض من تبرها قوله: " ولما خلونا ورق الكلام "، من قول امرئ القيس:
[ ٣ / ١٤٥ ]
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال وأخذه الآخر فقال يصف كتابًا:
وفيه الوصل يشرق جانباه وقد رق التشكي والخطاب وقال ابن الرومي:
كادت لعرفان النوى ألفاظها من رقة الشكوى تكون دموعا وقوله: " غلامية " البيت، معنىً كثر ترداده، وطال منهم تعمده واعتماده، وأرى أيضًا أن أول من أشار إليه ونبه عليه الملك الضليل، حيث يقول:
متى ما ترق العين فيه تسهل البيت غير أنه ورد مقلص الذيل، بهيم الليل، وقد بينه بقوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ ثم نقله الشعراء بعد كل على مقدار ما أوتي من البيان، ووهب من الإحسان، فقال الأعرابي:
عقيلية أما ملاث إزارها فدعص وأما خصرها فبتيل وقال الآخر:
[ ٣ / ١٤٦ ]
تساهم ثوبها ففي الدرع رادة وفي المرط لفاوان ردفهما عبل وقال ابن ربيعة:
خود وقير نصفها ونصفها مهفهف ونسخه أبو تمام فقال:
تشكى الأين من نصف سريع إذا قامت ومن نصف بطي وقال الأخطل:
أسيله مجرى الدمع أما وشاحها فيجري وأما القلب منها فلا يجري وهذا كقول خالد بن يزيد:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى لرملة خلخالا يجول ولا قلبا ومدحهم بضمور الكشح، وجولان الوشح، وصموت القلب والخلخال، وامتناع الخدام من الحجال، كثير، ومنه قول النابغة:
على أن حجليها وإن قلت أوسعا صموتان من ملء وقلة منطق وقال الطائي:
[ ٣ / ١٤٧ ]
من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت لها وشحا جالت عليها الخلاخل وقال ابن أبي زرعة:
استكتمت خلخالها ومشت تحت الظلام به فما نظقا
حتى إذا ريح الصبا نسمت ملأ العبير بنشرها الطرقا وقال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا وقلبه الناجم فقال:
مسلولة الكل غير بطن مثقل فهي عنكبوت
حجولها الدهر في اصطخاب ووشحها كظم صموت وما أحسن قول القائل فإنه ترك اللفظ المطروق، واختصر على كافة الشعراء الطريق:
أبت الروادف والثدي لقمصها مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشي تناوحت نبهن حاسدة وهجن غيورا وحسنه بعض أهل أفقنا فقال:
إن العزيز علي خصرك إنه بالردف حمل منك ما لا يحمل
[ ٣ / ١٤٨ ]
وإنما أخذه من قول المتنبي:
أعارني سقم عينيه وحملني من الهوى ثقل ما تحوي مآزره قال ابن بسام: وهذا الباب واسع الميدان، متلف الأغصان، وإنما ألمع مع كل معنى بيسير، وأثير حصاة من ثبير.
وقول أبي القاسم المذكور: " على زيدها وعلى عمرها " من الكنايات المختارة، والسامع يفهم الإشارة، وإنما نبهته على هذا التعريض، وأرته كيف يأخذ في هذه العروض، إحدى من جاهرت بالصبوة، وتجاوزت طلق الجموح في ميدان الشهوة فقالت: إن ضم قضقض، وإن دسر أغمض، وإن أخل أحمض.
وقال أبو القاسم من أخرى:
وخشفية الألحاظ والجيد والحشا ولكن لها فضل القبول على الخشف
ثتنى على مثل العنان إذا التوى وقد عقدوها للفسوق على النصف
وليس كما قال الجهول تقسمت فبعض إلى غصن وبعض إلى حقف ومنها:
سعت في سبيل الفتك والفتك بيننا إشارة لحظ تنسخ النكر بالعرف
[ ٣ / ١٤٩ ]
ومنها:
وما شئت من عض الحلي ورضه وما شئت من صك الخلاخل والشنف قوله: " خشيفة الألحاظ " معنى مشهور، ومنه قول مجنون بني عامر:
أيا شبه ليلى لا تراعي فانني لك اليوم من وحشيةٍ لصديق وقوله: " وما شئت من عض الحلي " البيت، كقول الآخر:
باعتناقٍ يذوب منه حصى اليا قوت ضما وتطمئن النهود وقال أبو بكر الداني:
ضممتها ضم مشتاقٍ إلى كبدي حتى توهمت أن الحلي ينكسر [٣٠ب] وقال ابن عمار:
ضمًا ولثمًا يغني الحلي بينهما كما تجاوب أطيار بأطيار وقوله: " وما شئت من صك الخلاخل بالشنف " فانه صك به وجه بعض أهل عصرنا حيث يقول:
وجمعت بين القرط والخلخال ومن مجون ابن الأبار قوله مما يضارع ما تقدم:
زارني خيفة الرقيب مريبا يتشكى القضيب منه الكثيبا
[ ٣ / ١٥٠ ]
رشأ راش لي سهام المنايا من جفونٍ يصمي بهن القلوبا
قال لي: ما ترى الرقيب مطلًا قلت ذره أتى الجناب الرحيبا
عاطه أكؤس المدام دراكًا وأدرها عليه كوبًا فكوبا
واسقنيها بخمر عينيك صرفًا واجعل الكأس منك ثغرًا شنيبا
ثم لما أن نام من نتقيه وتلقى الكرى سميعًا مجيبا
قال لا بد أن تدب إليه قلت أبغى رشًا وآخذ ذيبا -!
قال فابدأ بنا وثن عليه قلت كلا لقد دفعت قريبا
فوثبنا على الغزال ركوبا ودببنا إلى الرقيب دبيبا
فهل آبصرت أو سمعت بصب محبوبه وناك الرقيبا قال ابن بسام: ولقد ظرف ابن الأبار واستهتر ما شاء وندر، وأظنه لو قدر على إبليس الذي تولى له نظم هذا السلك، وأوطأ له ثبج هذا الملك، لدب إليه، ووثب أيضًا عليه، وأبو نواس، سهل هذا السبيل للناس، حيث يقول:
نكنا رسول عنانٍ والرأي فيما فعلنا
فكان خبزًا بملحٍ قبل الشواء أكلنا
[ ٣ / ١٥١ ]
ومن أناشيد الثعالبي:
لي أبر أراحني الله منه صار همي به عريضًا طويلا
نام إذ زارني الحبيب عنادًا ولعهدي به ينك الرسولا
حسبت زورةً لشقوة جدي فافترقنا وما شفينا غليلا وقرأت في بعض الملح خبرًا له بهذا الموضع، بعض موقع؛ قال بعضهم: مشيت فإذا أنا بصديقٍ من أهل اليسار خارجًا من دار بغي، فقلت له: أيكون عندك أربع حرائر، وأكثر من ستين سرية، وتأتي مثل هذه الدنية -! فقال: اسكت. مثل الكلب ينابح من طرأ عليه ولا يتعرض لمن اختلط به.
وقد قلت إن الحسن بن هاني، أكثر من هذه المعاني، حتى منعه الأمين محمد بن هارون عن ذلك؛ وله في وصف الشراب، وما يتعلق بهذه الأسباب، شعر كثير، كقوله:
قد هجرت المدام والندمان وتمتعت ما كفاني زمانا
ونهاني خليفة الله أن لا أقرب الخندريس والغلمانا [٣١أ]
وخشيت الهلاك إن لم أطعه ودعتني نفسي إليهم عيانا
[ ٣ / ١٥٢ ]
وغزال سقيته الراح حتى أضعفت منه مقلةً ولسانا
قال: لا تسكرنني بحياتي قلت: لا بد أن ترى سكرانا
إن لي حاجةً إذا نم - ت فإن شئت فاقضها يقظانا
فتلكا تلكؤا بانخناثٍ ثم أصغى لما أردت فكانا واشتهار شعره، يمنعني من ذكره.
وممن سلك أيضًا هذه السبيل من الشعراء المجاهرين بالمجون، الناطقين بألسن الشياطين، الفرزدق، بقوله:
هما دلتاني من ثمانين قامةً كما انقض باز أفتخ الريش كاسره وهو قصيد مشهور، وقد عيره به جرير فقال:
تدلى ليزني من ثمانين قامةً وقصر عن باع العلا والمكارم ومن محاورات امرئ القيس التي تقدم الناس فيها قوله:
تقوله وقد جردتها من ثيابها كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وعيشك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا وزاد فيه ابن أبي ربيعة فقال:
[ ٣ / ١٥٣ ]
ناهدة الثديين قلت لها اتكي على الأرض في ديمومةٍ لم توسد
فقالت على اسم الله أمرك طائع وإن كنت قد عودت ما لم أعود وذكرت بقوله: " على اسم الله " ما أنشده ثابت في كتابه " في خلق الإنسان " مما له بهذا بعض تعلق:
تقول إذ أعجبها عتوره وغاب في كعثبها جذموره أستقدر الله وأستخيره وقال أبو نواس أيضًا:
فبتنا يرانا الله شر عصابةٍ نجرر أذيال الفسوق ولا فخر وهو القائل:
عصابة شرٍ م تر الدهر مثلهم وإن كنت منهم لا بريًا ولا صفرا
إذا ما أتى وقت الصلاة رأيتهم يحثونها حتى تفوتهم سكرا وقال والبة بن الحباب:
[ ٣ / ١٥٤ ]
قلت لندماني على خلوةٍ أدن كذا رأسك من رأسي
ونم على جنبك لي ساعةً إني امرؤ أنكح جلاسي وقال سحيم:
وبتنا وسادانا إلى علجانة وحقف تهاداه الرياح تهاديا
توسدني كفًا وتثني بمعصم عليّ وتلوي رجلها من ورائيا [٣١ب] وممن كنى ولم يصرح ابن المعتز بقوله:
وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر قال ابن بسام: والباب طويل والاكثار مملول، وتتبع كل معنىً يعترض، يخرج بي عن الغرض، فإن سكت فترفيهًا، وان ألمعت بشيءٍ فدلالةً على الأدب وتنبيهًا.
سائر أشعار ابن الأبار في أوصاف شتى
غني يومًا بشعر ابن الرومي حيث يقول:
وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز فسأله الوزير الشيخ أبو الوليد ابن المعلم الزيادة فيها، فقال:
[ ٣ / ١٥٥ ]
راق الرياض بزهره وبزهوه فتحيرت في معجبٍ بل معوز
عاقرت من طربٍ عليه عقارةً صفراء تعزى للنحول وأعتزي
لكن تميز في الكؤوس بنورها وبهائها، وبقيت غير مميز وقال:
نطق العود فعاتب من نطق واصطحبها مزةً أو فاغتبق
لا تدعها قهوةً كرخيةً لم يدعها نوح إذ خاف الغرق
خلتها في كأسها إذ شعشعت شفقًا تلبس أثواب الفلق
قهوة رقت وراقت كأبي عمرو الرائق خلقًا وخلق
حاجب ما إن ثنى أنمله بالعطايا والمنايا تندفق
هو والإفضال روض وصبا هو والعلياء عقد وعنق
هو والأملاك إن قيسوا به مهيع بين بنيات الطرق قوله: " لم يدعها نوح " أشار إلى ما روي في بعض الأحاديث: إن الشجرة التي أكل آدم ﵇ منها في الجنة المنهيّ عنها شجرة العنب. وروي أيضًا أن نوحتً ﵇ لما نزل عن السفينة نازعه إبليس أصل العنب، فاصطلحا على أن لنوح الثلث، ولإبليس الثلثان، وإلى هذا أشار يوسف بن هارون الرمادي بقوله، وهي من ملحه:
أفي الخمر لامت خلتي مستهامها كفرت بكأسي أن أطعت ملامها
لمحمولةٍ في الفلك من جنة المنى قد أوصي نوح غرسها وضمامها
فخادعه إبليس عنها لعلمه بها فرأى كتمانها واغتنامها
[ ٣ / ١٥٦ ]
ففاز بثلثيها ونوح بثلثها ولولا مغيبي عنه لم يك رامها
له حظ أنثى وهو حظ مذكر قليل لعيني أن تطيل انسجامها
وإنا لوراث، وقد مات جدنا غبينًا، وإنا لا نجيز اقتسامها ومن قصائد ابن الأبار الطويلة في المدح
له من قصيدة في إسماعيل [٣٢أ] بن عباد قال فيها:
حييت من برق يجن جنانه وجدًا إلى أهل الدخول دخيلا
كالأته سهرًا وبات مكالئي حتى رأيت اللحظ منه كليلا
والصبح يشهر من سناه صوارمًا والليل يرفع من دجاه سدولا
وكأن جنح الليل طرف أدهم متضمن من صبحه تحجيلا
وكأن غائرة النجوم بأفقها عن وجهه تغضي عيونًا حولا
وكأنما الجوزاء إذ بصرت به ألقت إليه نطاقها محلولا
عذلوا ولو عدلوا أو اسطاع الهوى نطقًا لكان العاذل المعذولا
لا تكثروا فالحب في حوبائه كالحمد في أسماع اسماعيلا
ملك إذا الهبوات أظلم جنحها في معرك جعل الحسام دليلا
راعت وقائع بأسه حتى لقد ترك الحمام بنفسه مشغولا
إن كانت الأسد الضواري لا تخا ف صياله فلم اتخذن الغيلا
[ ٣ / ١٥٧ ]
إن كانت البيض الصوارم لم تهم في حبه فلم اكتسبن نحولا
لم يبتسم ثغر الحجابة زاهيًا حتى غدا لجبينها إكليلا
لو تخفر العشاق بيض سيوفه لم يتركوا عند العيون ذحولا وما أحسن قول (أبي الفضل ابن شرف):
لم يبق للظلم في أيامهم أثر إلا الذي في عيون الغيد من حور وقال المتوكل بن الأفطس في صفة سيفٍ وأخبر عنه:
لولا الفتور بألحاظ الظباء إذن لقلت إني أمضي من ظبا الحدق ومن قصيدة ابن الأبار:
غضوا الملاحظ إن نور جبينه يعشى العيون ويبهر المعقولا
ولقد خشيت على الثرى وعلى الورى لما دنوا من كفه تقبيلا
هل كان يعصم منه إلا عفوه لو أن أنمله جرين سيولا الأديب أبو الحسن علي بن حصن الاشبيلي
من مشاهير شعراه المعتضد أيضًا، أحد من راش سهام الألفاظ بالسحر
[ ٣ / ١٥٨ ]
الحلال، وشق كمائم المعاني عن أبين من محاسن ربات الحجال، بين طبع أرق من الهواء، وأعذب من الماء، وعلمٍ أغزر من القطر، وأوسع من الدهر، إذا ذكر شعرًا ظن أنه صانعه، أو ديوانًا توهم أنه مؤلفه وجامعه واني لأعجب من قومٍ من أهل أفقنا لم يعرفوه ولم ينضفوه، فأضربوا عن ذكره، وزهدوا في أعلاق شعره، ولعلهم حاسبوه بخزعبلاتٍ كان يعبث بها بين مجونه وسكره، وهيهات فضله أشهر، وإحسانه أكثر، ولو تأملوا قوله من قصيدة في إسماعيل بن عباد: [٣٢ب]
بكرت سحرةً قبيل الذهاب تنفض المسك عن جناح الغراب وقوله على أنها من عبثاته:
عليّ أن أتذلل له وأن يتدلل
خد كأن الثريا عليه قرط مسلسل لعلموا أنه رأس الصناعة، وإمام الجماعة.
ولما هيت المعتضد بأبي الوليد بن زيدون فانحط في حبله، وتولى إلى ظله - حسبما قدمت ذكره في أخباره من القسم الأول - أفرج له عن صدر النادي، وخلى بينه وبين بحبوحة الوادي، وهو يظن أن سيجري بالخلاء، ويستولي على حمل اللواء، فانتحاه من ابن حصن هذا شيطان مريد، وطلع عليه منه رقيب عتيد، وطفق ينازعه الراية، ويسابقه إلى
[ ٣ / ١٥٩ ]
الغاية، وإن كان أبو الوليد ربما غمره بمكانه، وتمكنه من سلطانه. وكان المعتضد، لشذوذ مناحيه، وفضل عربدة كانت فيه، ربما أغرى بينهما إذا اجتمعا في مجلسه، فيتمكن لابن حصن التقدم عليه، بسعة ذرعه، ورضاه بالعفو من طبعه؛ وكان ابن زيدون قد جرى من الكلام إلى غاية لا يتعداها، ولا يرضى من نفسه إلا بلوغ أقصاها، ولا يمكنه ذلك منها إلا في مهلةٍ طويلة، وعلى كلفة ثقيلة، فربما كبا جواده، وتأخر مراده، ولم يزل الوليد يطرق ويحلم، ويسدي في أمره ويلحم، وابن حصنٍ يغتر ويقدم، ففاز ابن زيدون بحمله وتوقره، وهوى نجم ابن حصنٍ بين اغتراره وتهوره، فزلت قدمه، وطاح دمه، في خبر مشهورٍ مذكور، " وعند الله تجتمع الخصوم " واليه ينتهي الظالم والمظلوم.
جملة من أشعاره في صفات مختلفة
قال:
ألا قل لبدر الدجى ما عداه مما بدا من نوال نوى لي
وهات اشفين غلتي بالمدام فإن بنات الدوالي الدوا لي وقال:
[ ٣ / ١٦٠ ]
ورب شعلة نار شفيت منها أواري
أليس ذاك عجيبا يطفى الغليل بنار -!
كأنما عصرت من شقائق الجلنار
إذا بدت لك في قط عة من البلار
حسبتها شفقا ص ب في زجاج نهار وقال:
قم يا غلام فسقنيها واطرب واشرب عتبت عليك إن لم تشرب
من قهوة صفراء ذات أسرة في الكأس تأتلق ائتلاق الكوكب
خضبت بنان مديرها بشعاعها فعل العرارة في شفاه الربرب وقال:
مالي وللراح وأخلاقها ولائمي فيها لإخلاقها
هات اسقنيها الآن تبرية تحكي سنا الشمس بإشراقها
راح متى راحت بكفي فقد قامت لي الدنيا على ساقها وقال:
ولي نديم راقد ليله أعدى من الحين على الأنفس
نادى به مازحنا في الدجى والورد مقرون مع النرجس
قلت له: دعه فلا بد من نيلوفر في وسط المجلس
[ ٣ / ١٦١ ]
وقال:
قد شغل الناس بذكري وما شغلي إلا الكأس والآس
ماذا على الناس من الناس ما أحمق بعض الناس يا ناس [٣٣أ] ومن مستظرف مجونه قوله:
بأبي ظبي صغير الس - ن حازت ثلث سني
سرني أن ليس يدري مذهبي فيه فني
فهو يدعوني عمًا وأنا أدعوه يا ابني
ذاك عندي وأبي أطر ف ما مر بأذني
قلت لما أن بدا لي وجهه (من) تحت بطني
قال ماذا قلته لي - قلت خيرًا فيك أعني
أنا صب فيك ميت فاتق الله وصلني
لست أخشى الموت إلا خوف أن تبعد عني
فاكتست وجنته رو ضة وردٍ فتنتني
لو ترى مجلس لهوي قلت ذا جنة عدن
ومدامي خندريس لم يشبها ماء مزن
لو تراني قلت هذا ملك ماذا ابن حصن
[ ٣ / ١٦٢ ]
ومعي مسمعة تش - رب كأسًا وتغني
وإذا ما شربت كأ سًا من الراح سقتني
قهوتي خمرٍ وعينٍ بهما قد أسكرتني
قلت للمازج خذ صا فيةً منها ومني
فاسقينها بكبير فإن آعيا فبدن
فلقد شاق فؤادي رنة العود المرن
فتساقينا إلى أن جاز جوز الليل عني
قمت نشوان وقامت في تهادٍ وتثني
ونضت عنها قميصًا ثم لما ضاجعتني
قلبت بطنًا لبطنٍ قلت لا ظهرًا لبطن
فانثنت في خجلٍ قا ئلةً عند التثني
أنا حانوت بوجهين فلط إن شئت وازن
لم أنل من كل ما فهم - ت به غير التمني
إنما الشعر فكاها ت وحسبي حسن ظني قوله: " قلت لما أن بدا لي وجهه " البيت، مما أراد أن يصهل
[ ٣ / ١٦٣ ]
فيه فنهق، وأن يتغزل فزلق، وإنما أراد قول عمر فقصر، وما أورد ولا أصدر، حيث يقول:
قلت يومًا لها وحركت العو د بمضرابها فغنت وغنى
ليتني كنت ظهر عودك يومًا فإذا ما احتضنته كنت بطنا
فبكت ثن أعرضت ثم قالت من بهذا أتاك في اليوم عنا
قلت لما رأيت ذلك منها بأبي ما عليك أم أتنمى وقال ابن حصن:
أمت إليه فما يسعف وأشكو جفاه فما ينصف
غزال كحيل له ريقة يشاب بها المسك والقرقف
كأن العذار على خده نجاد ومقلته مرهف وهذا كقول ابن رشيق القيرواني، وهو من متداولات المعاني:
وهل على عارضيه إلا قلائد قلدت حساما وقال في الشقر:
وبستانٍ أعدت الطرف عنه على شقر كمثل لحى الديوك
كأن حباب ثاوي الطل فيه جمان فوق تيجان الملوك
[ ٣ / ١٦٤ ]
وقال:
شربناها كميت اللون حتى رأيت الفجر قد وضع النقابا [٣٣ب]
عجوز عتقت حججًا ولكن تروقك كلما شابت شبابا
وأحسب أنها كانت عقيقًا جرت أنفاسنا فيه فذابا وقال:
يجحف عنها الدن فاستعبرت جريًا كما قوس إكليل
كأنها في الكأس مبيضةً خيط من الفضة مفتول وقال:
طل على خده العذار فافتضح الآس والبهار
وابيض هذا واسود هذا واجتمع الليل والنهار
وقد جرى للنعيم فيه ماء بأحشاي منه نار
أقام من فوقه حباب يطير من تحته شرار
أغض جفني عنه لأني عليه من مقلتي أغار
رشا أعار الغزال لحظًا فحسنه منه مستعار
شربت من خمر مقلتيه كأسين لي منهما خمار
متى أرم سلوةً نهاني غنج بعينيه واحورار
[ ٣ / ١٦٥ ]
عذاره قائم بعذري فليس لي في الهوى اعتذار
حكى غزال الفلا نفارًا فشأنه التيه والنفار وكان يومًا على وادي قرطبة في مجلس أنس فتذكر اشبيلية، فقال:
ذكرتك يا حمص ذكرى هوىً أمات الحسود وتعنيته
كأنك والشمس عند الغروب عروس من الحسن منحوته
غدا النهر عقدك والطود تاجك والشمس (في) أعلاه ياقوته وقال:
اشرب على طيب نسيم السحر وانظر إلى غرة ذاك القمر
كأنه ماء غدير صفا والمحق فيه مثل ظل الزهر ومنها:
أنشدكم شعري كمن قد قرا سورة ياسين على من كفر
في نفر أستغفر الله بل في بقر لولا اختلاف الصور ما أخرجته من قصائده المطولة في المدح وما يتشبث به
قال من قصيدة:
وما راعني إلا ابن ورقاء هاتفا على فنن بين الجزيرة والنهر
[ ٣ / ١٦٦ ]
مفستق طوق لازوردي كلكل موشى الطلى أحوى القوادم والظهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ وصاغ من العقيان طوقا على الشعر
حديد شبا المنقار داج كأنه شبا قلم من فضة مد في حبر
توسد من عود الأراك أريكة ومال على طي الجناح مع النحر
ولما رأى دمعي مراقا أرابه بكائي فاستولى على الغصن النضر
فحث جناحيه فصفق طائرا فطار فؤادي حيث طار ولا أدري ومنها في المدح:
جواد يرى أن العلا خير ما اقتنى وأن ادخار الحمد من أفضل الذكر
يرى أنه عريان من كل ملبس إذا لم يكن يختال في حلل الشكر
طموح إلى العلياء كاس من التقى غضيض عن الفحشاء عار من الوزر
يروقك منه خلقة وخليقة متى شئت إطراء أرتك بما تطري وهذا مما ذهب به مذهب أبي الطيب وقصر عنه:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه وإن لم أشأ تملي علي وأكتب وقال من أخرى:
أقام قناة الدين واقتعد العلا وشد عرى الإسلام واخترم الشركا
[ ٣ / ١٦٧ ]
يضيق الفضا عن أن يكون لبانه وتدنو الثريا أن تكون له سمكا
أدرت وقد دارت رحى الحرب عزمة أبادت ذوي الشحناء صولتها هلكا
فآبوا وسمر الخط سائلة دما وأجسامهم ينضحن من صدأ سهكا
قبائل ما انفكت تغادر في العدا وقيعة غسان غداة غزت عكا ومنها في الحرباء:
تظل ترى الحرباء فيها مرفعا يدي كاتب ما زال يدعو وما انفكا قال ابن بسام: وقد أكثر الناس في وصف الحرباء وانتصابها، وكنوا بكل شيء عن تلونها وانقلابها، فممن أحسن في التشبيه، وذهب بهذا المعنى مذهبا من الحسن لا شك فيه، ابن الرومي بقوله:
ما بالها قد حسنت ورقيبها أبدا قبيح، قبح الرقباء
ما ذاك إلا أنها شمس الضحى أبدا يكون رقيبها الحرباء وقال ابن بابك في غير هذا المعنى، ولكنه في ذكرها معه التقى:
بغرة كشعاع الشمس لو برزت في ظلمة الليل للحرباء لانتصبا ونقله بعض أهل عصرنا فقال في صفة بيداء:
[ ٣ / ١٦٨ ]
يبيت حرباؤها ضحيان منتصبا وإن أظل فلم ينظر إلى نور وقال:
بحيث ترى الحرباء بالشمس كافرا ولو أنه جاءته من جنتي عدن
ولو يستطيع التف في ظل عوده على وشك ما يعني وقلة ما يعني وقال أبو العلاء:
أوفى بها الحرباء عودي منبر للظهر إلا أنه لم يخطب
فكأنه رام الكلام ومسه عي فأسعده لسان الجندب وقال أيضًا:
وساحرة الأقطار يجني سرابها فتصلب حرباء بريا على جذع وقال عبد الجليل المرسي:
بقلب كحرباء الظهيرة لا يني مع الشمس من ذاك الشعاع يدور وأرى أول من ذكرها ذو الرمة في قوله:
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه من الضح واستقباله الشمس أغبر
[ ٣ / ١٦٩ ]
وقال ابن حصن من قصيدة أولها:
أعاجوا المهارى بالعقيق فمنعج وأوضح منهم توضح كل منهج [٣٤ ب]
على نؤي دار الركب عرج فإنه حرام علينا السير إن لم نعرج
على نؤي دار قد تبقى كأنه وقد مح منه شطره نصف دملج ومنها:
بعيدة مهوى القرط مصمتة البرى لطيفة طي الكشح ريا المدملج
تعض على العناب بالبرد الشهي وتمسح ماء الطل فوق البنفسج
جلت بعقيق جوهرا فتبسمت وذبت عن الورد الندي بصولج ومنها:
فقلت صلي قد ضقت ذرعا بهجركم فقالت صه قد ضقت ذرعا بدملجي وهذا المعنى مشهور، هو في شعرهم كثير، إلا أنه غوره وأبعده، وأوعر لفظه وعقده، والذي إليه أشار، وعليه دار، قول أبي تمام:
يعيرني أن ضقت ذرعا ببينه ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله ومن مدح هذه القصيدة:
جزيل التقى يمشي الهوينا تواضعا ويهتز إعظاما له كل خنج
[ ٣ / ١٧٠ ]
وهذا المعنى مما ركب فيه ابن حصن رأسه وحكم هواه، والمعنى مشهور في من وصف بالنسك ومدح بالانسلاخ عن أبهة الملك، ومن ذلك ما قال أبو تمام:
يقول فيسمع ويمشي فيسرع ويضرب في ذات الإله فيوجع ورأت عائشة رضي الله تعالى عنها رجلا ناسكا يداني الخطى ويخفض الصوت فقالت: ما بال هذا - قيل: هو ناسك، قالت: عمر والله كان أنسك منه، ولكنه كان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب في ذات الله أوجع، وأبو تمام بهذا الكلام ألم، وبه ترنم. وفي الحديث أنه كان ﷺ إذا مشى تكفأ كأنه ينحدر من صبب.
وقال من أخرى:
خليلي من يضحي إلى البدر شافعي فما لي على وجدي به من تبصر
يعز على واديهم أن أزورهم فلا يردون الماء غير مكدر
وما شفني واد تضوع عنبرا سواه ولا ماء يشاب بسكر
تدرج عطفيه الرياح فينثني تثني أعطاف النزيف المخصر
[ ٣ / ١٧١ ]
وإلا فلي منهم بمنعرج اللوى علائم لا تخفى على المتبصر
معرس صيدان وأعطان بزل ومسرح غزلان وآري ضمر
معاهد لم أعهد بها علل الصبا ثمادا وفينان الهوى غير مثمر
وصلت بها عيشا كأني قطعته على ظهر خوار الجديلين مجفر
فكم غمرة جلى شكرت لها الدجى وعنفت أوضاح الصباح المشهر
وما استيقظت إلا لقرع حجالها وجرس جربان الحسام المفقر
وقالت: هو الهيمان ما باله انتهى ومن دوننا أهوال بيد ومعشر
إلى كم أناجي كل أبيض صارم هوى كل أحوى بالصريمة أحور
وحتام أستدعي الظبا سلما إلى لقا كل ظبي بالسماوة أعفر [٣٥ أ] ومنها:
تحامى هداجا بالظبا كل هودج له واشتجارا بالقنا كل مشجر
وقائع تغتال النفوس كأنها وقائع عباد لدى كل عسكر
فتى كفرند السيف أرهف حده يهولك في مرأى نبيل ومخبر
أخو الحرب مشاء إليها ترهوكا إذا سهك الأبطال تحت السنور
إذا شهد الهيجا فأول مورد حرائبها علا وآخر مصدر
يفاجيك عفوا منه جود بنانه بأغدق من صوب الغمام وأغزر
ويغشاك دون الستر نور جبينه بأشرق من ضوء الصباح وأنور
[ ٣ / ١٧٢ ]
تكفكفت الأبصار عنه بمؤدم أغر طليق الوجه أروع مبشر
مقابل أطراف العمومة مخول مقدس أعراق الأروم مطهر
أمستخبري عنه، عن الدهر لا تسل فقبلي قد أعيا على كل مخبر
أأرقى إلى السبع الشداد تخرصا وأنى بما في قعر سبعة أبحر ومنها في وصف قصيدته:
تذكرت ليلى للقوافي فلم تزل تساعدني عفوا ولم تعتذر
فدونك عذراء المعاني ابتدعتها عوان القوافي خيرة المتخير
إذا ما الرواة استنشدتها تبرقعت لها أوجه من حشمة وتغير ومنها في التعريض بابن زيدون:
وينكل عنها شاعر المصر كله ألا فاضحكن من شاعر المصر واسخر
ودونك فاحكم بين نظمي ونظمه بذهن ذكي ثم قدم وأخر
ولست بكاسيها مدى الدهر حلة بنغمة إنشاد ولا بمكرر
وما أنت ممن يحمد السيف عنده بجودة صقل وهو غير مذكر وله من أخرى:
[ ٣ / ١٧٣ ]
أبى أبدا إلا اصطحاب ثلاثة أبى كرم الأخلاق إلا اصطحابها
حسام ويعبوب وسمراء لدنة أعارت قلوب العاشقين اضطرابها
أجال على الصحراء أجرد سابحا فباهى به أعرابها وعرابها
طليعة عيني منه أذن حديدة أعارته آذان الظباء انتصابها
شكت ظلمه ظلمان كل مفازة وعاقب فيها ذيبها وعقابها
وصاغ من الإكليل حليا لنحره وأما الثريا فازدادها وعابها
أصرف منه في الأعنة بارقا وتحتسب الجوزاء رجلي ركابها ومنها:
أحن إلى البرق اليماني إذا انتحى لأن إلى البرق اليماني انتسابها
متى حسب الأملاك من كل أمة عقدنا بعباد الحسيب حسابها [٣٥ ب]
به نسخت أيدي الليالي ملوكها وكانوا خطاياها فأضحى صوابها وقال من أخرى:
جفا الأبردين الماء والظل وارفا وهجر يجتاب البلاد تنائفا
معنى بأحباب يسائل عنهم مرابع أقوت بعدهم ومصايفا
ثنى ذكره المثنى مخايل دمعة هواتن تمريها الحمام هواتفا
أسى بالتي من أجلها اقتحم القنا لفائف واجتاب البلاد نفانفا
محش وغى وراد ما حمت القنا ورود كمي لا يهاب المتالفا
تبوأ أفياء القنا وكفى بها طرافا ومسرود الحديد مطارفا ومنها:
وأبيض مهو لم تجده إذا انتمى إلى الشرف العادي يعدو المشارفا
[ ٣ / ١٧٤ ]
أعارته أنفاسي التهابًا ورقرقت عليه جفوني موج دمعي ذارفا
وراق العذارى حسنه فأعرنه دماج خصورٍ وائتلاف سوالفا
تخال مذاب التبر فوق لجينه سواكًا بأفواه الكواغب لاصفا ومنها:
يذكرني البرق اليماني إذا انتحى لدى الهز برقًا من حفافيه خاطفا
على عاتقي ثهلان منه غمامة إذا أسدف الليل استهلت سدائفا ومنها:
سقى عهدها بالخيف غادٍ ورائح وأيامنا بالجزع منه السوالفا
فكم ليلة نازعت كف المنى بها جنى الوصل حلو الطعم والعيش غاضفا
معاهد أستسقي لها أنجع الحيا وفاءً وأستصحى الدموع الذوارفا
تحملني ما لا أطيق وطالما عرفت صبورًا في الملمات عارفا
بما بيننا ما بال قلبك لا يرى على عطفك المضني بردفك عاطفا
رويدك بالغصن الخضيد فإنها روادف يتركن الجبال رواجفا
وفكي أسيرًا من ثقافك إنها مضارب ألحاظ بهرن المثاقفا
إذا جن ليل أو ترنم طائر حسبت به طيفًا من الجن طائفا
طوى نحوك الأجزع يرعى خلالها صفائف والأجزع تندى صفاصفا
تبدل من ريح القرنفل بالضحى ذواري من أرواحها وذوارفا
ومن فدن غنته شدوًا قيانه ثقائل من ألحانها وخفائفا
[ ٣ / ١٧٥ ]
وبالرمل مرتجًا وبالبان مائسا روادف يملأن الملا ومعاطفا
وبالنفس النفاح من نحو أرضهم غوالي يلقين الرياح غوالفا
وبالأمل [الملقي] بأطرافه على أبي عمرو الأعلى تليدًا وطارفا
فتىً ترد الأملاك سدة بابه كما ترد الماء الحمام عوائفا
تخالهم من كل شرقٍ ومغرب طوائف بالبيت العتيق طوائفا
يؤمن بحرًا يترك البحر جوده غريقًا، وبدرًا يترك البدر خاسفا [٢٦أ]
مكارم تنبي حد ذهني وتغتدي مصابيح فكري في دجاها توالفا
نماه إلى العلياء كل مدججٍ يراح إلى المعروف جذلان عارفا
وآساد آجام تهب رياحهم غداة الوغى في الناكثين حراجفا
إذا ما انتضوا بيض السيوف حسبتهم شموس ضحىً تبدي بروقًا خواطفا
يهزون بالسمر اللدان أشجعًا عواري بالطعن التؤام عوارفا
ترى البشر منهم في صحائف أوجه قرأنا عليها للنجاح صحائفا
يصونون أحسابا كرامًا وأوجهًا حسانًا وأحلامًا حصانًا حصائفًا
تلافي هضيم المجد فاخضر عوده ولولا تلافيه لأصبح تالفا
إذا جمدت كف الكرام عن الندى وخلفها مر السنين جلائفا
وجدت أبا عمرو على كل حالةٍ جوادًا بما يحويه سمحًا ملاطفا
[ ٣ / ١٧٦ ]
وأصبحت للدنيا وللدين كالئا وللمجد والعليا وللملك كانفا
رمتني صروف الدهر خيفا عيونها فأمنتني منهن ما كنت خائفا
وأصلحت أحوالي وكن فواسدا وأحييت آمالي وكن توالفا
وأوردتني صداء ودك سلسلا وأرعيتني سعدان برك وارفا
وأرضت أطماعي وكن خشاشيا وجددت آمالي وكن خشائفا
وإني وإن أحكمت نظم جواهر وألقاك منها بالنفيس متاحفا
لملق سبيك العسجد المحض منك في يدي صيرفي يسترك الصيارفا
وأنشدك السحر الحلال مخاطرا كمن قلد الليث المهيج مواقفا
وأجنيك من شكري بورد مضاعف وودي فتعطيني العطاء مضاعفا
وتمنحني بده الكريم وتارة تجازي بإطرائي فتعطي مجازفا وله من أخرى أيضًا:
عل الظن أني عنك سال ولم أكن سلوت ولكن عن صبوح أرقق
ومن فرقي لا تعجبي وتعلمي بأني ملدوغ من الحبل أفرق
وإني وإن عاقت عوائق دوننا: رقيب عتيد أو فراق مفرق
ليذكرنيك المسي والصبح والدجى وجوز الضحى، كل إليك مشوق
مشم ذكي عرفه، ومقبل شهي، وصدر ناهد، ومعنق
[ ٣ / ١٧٧ ]
وخد غدا يستغفر الله كلما تخلله لحظي يعيث ويفسق
يخادعه مكرا فيحسب أنه يناجيه سرا وهو يزني ويسرق
وليل زمان الوصل منك لحقته بيوم به كل الأماني تلحق
نرقرق من نظم الكلام ونثره سلافا تسقاها الجرشى وتغبق
حديثا كعرف العنبر الورد بيننا مع المسك مفتوقا يذر ويسحق [٣٦ ب]
جلت وهي عبرى عن محيا نقابها كما انحل خيط المزن والشمس تشرق
تكاد بلحظ الوهم تندى غضارة وتعقد لينا بالبنان وتطلق
ومما يغيظ الخيزرانة أنها بعقدتها فوق الحشا تتمنطق
إذا طفقت تمشي الهوينا تهاديا كما انساب مشحونا على الماء زورق
أرتك الهوى رشدا ولم تعد أنها أراك على وعساء بالحلي تورق
وإن سفرت تفتر عما بجيدها وعن مثل ما تفتر من ذاك تنطق
سمعت قلوب العاشقين كأنها بنود أبي عمرو مع الريح تخفق
مليك له مرأى جميل ومخبر نبيل وفعل مستطاب ومنطق
تلوذ بحقويه الملوك كأنها كواكب بالشمس المنيرة تحدق
إذا صال كاد النجم من شد صوله يخرق جلباب الدجى ويمزق
وإن لقي الأعداء ولت كأنها بغاث رأت في الجو صقرا يحلق
له من نبيل الرأي سيف وذابل ومن حزمه درع حصين ويلمق
ذكي إذا حاك الكلام رأيته يصمم في أوصاله ويطبق
[ ٣ / ١٧٨ ]
يشقق أبكار المعاني كأنها جيوب بأيدي الثاكلات تشقق
يطيب نسيم الشعر من طيب ذكره وتعذب أفواه الرواة وتعبق
متى حكمت فيه الشعر بت وليلتي من الروضة الغنا أنم وأعبق
به دمر الرحمن دمر وانطوى بنو يفرن أعدى الأعادي وأمرق
ومن آل يرنيان أنكث أمة لعهد وميثاق وأغوى وأفسق
ثلاثة رهط بدد الله شملهم أثافي كانوا للفساد ففرقوا
وصيرهم قبل انقاضء حديثهم حديثا به ظهر الجدالة يخرق
وكل غدا رهنا بما كان عاملا وكل على ما خيلت سوف يغلق
فأشكل ملبوس تخيرته لهم جوامع أغلال بها يتأنق
وأفضل مركوب عليه حملتهم أداهم إلا يعنقوا ليس تعنق
هم وردوا الحوض الذي عنه ذدتهم ووارد ذاك الماء لا بد يعلق
هم نقضوا ميثاق عهدك عنوة فأوثقهم في بقة الأسر موثق
هم أنضجوا ذاك الشواء فرمدوا وهم طبخوا ذاك القديد فأزعقوا ومنها:
بمعتضد بالله أشرقت الدنا وأطلقها من ربقة الجور مطلق
ورقت حواشي الدهر حتى كأنها رداء عروس بالعبير مرقرق
[ ٣ / ١٧٩ ]
ومنها:
لأغرقتني من أن أكون بشكرها أقوم، على أني أقوم فأغرق
ولو كل عضو في أو كل شعرة بجسمي لما أوليت بالشكر تنطق [٣٧ أ]
أتتني يد بيضاء منك كأنها سنا الصبح تجلو الهم والصبح مشرق
ومشتاقة عذراء شد خناقها ولم أر عذرا مثلها كيف تخنق
عليها من اسم الملك عقد منظم ومن خاتم الملك اليماني بخنق
تلاقيتها بشرا ملاقاة شيق إليها فقل إلف تلقاه شيق
أقبلها طورا وطورا أضمها إلى كبد تحنو عليها وتشفق
إلى أن تشفينا عناقا وخفت أن يضر بها ذاك الرباط المخنق
قطعت عليها عقدها فتناثرت دنانير أمثال الكواكب تشرق
كحلت بها حولاء عيني فاغتدى بها حور يزهي العيون ويونق ومنها في ذكر قصيدته:
وأيقظت أفراخي لها فتطايروا سرورا بآباط علي تصفق
فيا لك من لهو وطيب وفرحة ويوم سرور حسنه متألق
لو أن جريرا والفرزدق أنشدت لأدى جرير حقها والرزدق
وهن وإن كانت قوافي تنتقى جبال بإجهاد القرائح تنتق وله فيه من أخرى:
وليل كأكباد العداة وصلته بنوم كسا الآفاق منه وصائل
ويوم عماسي بليل ذعرته كما فاجأ الرعديد في الحرب باسلا
[ ٣ / ١٨٠ ]
وجرية ماء كالمجرة جللت من البرك بدورا كواملا
تشادي به ورق الحمائم بالضحى بلابل يبعثن الأسى والبلابلا ومنها:
أحمج شري الخطب جروا ومخطبا وألمج بنت الدهر جداء حافلا
وألقى بأمثال الخطوب خطوبها من الهمة الطولى تليلا وكاهلا
ومن يشك ما أشكو إلى نصب السرى من الراحة استمرى السموم القواتلا
ومن يرج عباد بن عباد الرضا رجائي لم يلق الليالي خاملا
فتى تدري الهيجاء أرواقها به على نكل حرب لا يرى الدهر ناكلا
وتسفر منه المشكلات نقابها إلى فيصل يستشعر القول فاصلا
وما أصعب الأشياء حتى يرومها برأي يريه آجل الأمر عاجلا
يذل له الأمر العسير فكاد أن يكلفه أن يرجع العام قابلا ومنها:
وطوقني دون السؤال اهتباله أيادي حلتني وقد كنت عاطلا
فأينع لي ما جف من عود مطلبي وعاد أجاجي منه عذبا سلاسلا
تراسل في الجلى أسرة وجهه نجيعا وطورا سؤددا وطوائلا
[ ٣ / ١٨١ ]
يد تسع الدنيا بما وسعت ولا أحاشي بهابرا بحرا وسواحلا [٣٧ ب]
يقل أبان أن يرى فص خاتم لها والبحور الزاخرات أناملا
أمستوصفي عنه ابن بجدتها أجل لقد جل عن وصفي علا وفواضلا
مساع إذا ما الوصف حاول بعضها ذهبن به في كل واد محاولا
خلعن على سحبان حلة باقل فساوى بها سحبان في العي باقلا
سوى العجز لا يجدي تناول وصفها علي وقولي عزت المتناقلا
وإن زمانا جاد فينا بمثله جدير بأن يدعى الجواد المناولا
فهذا مكان الوصف إن كنت واصفا وهذا مكان القول إن كنت قائلا
فما يهب الآمال إلا حواليا إذا وهب الناس العطايا عواطلا
وإن خاتلت أعداؤه أفتا لهم بمأقط حرب لم تجده مخاتلا
فما ينظم الآراء إلا دآديا ولا يبعث الرايات إلا قوائلا ومنها:
هم القوم طابوا أبطنا وعمائرا وطابوا شعوبا قوبلت وقبائلا
ضراغم آجام تهب لدى الوغى شمائلهم في المأزقين شمائلا
فما حملوا إلا بنصر حمائلا ولا عملوا إلا بنجح عواملا
ولا ادرعوا غير القلوب سوابغا ولا سكنوا غير السروج معاقلا ومنها:
ودونكها مصبوحة رسل مقول أزف بها بكرا عوانا مراسلا
[ ٣ / ١٨٢ ]
قوافي أمثال الصخور بعثتها قديما على أسماع قوم معاولا
حوامل للآمال أجمل من غدت مطافيل بالمعنى النفيس حواملا
إذا أنشدت في محفل القوم أعربت من الغيظ في أضلاع قوم محافلا
بيان هو السحر الحلال تجودت به فكرة أضحت لبابل بابلا وله من أخرى في إسماعيل بن عباد:
هوى بي هوى الغيد الحسان فللجوى بكل فؤاد من فؤادي تمكن
وزين عندي حلة السقم أنها نحور بها زهر الحلى تتزين
أما وعيون العين يوم النوى لقد سبى قلبي الغصان منهن أغصن
أمرضعها كأس الملامة مدمنا أقل علي اللوم كم أنت تدمن
نفضت يدي عن كل ورد وسوسن لخد به ورد أنيق وسوسن
وأغضيت إلا أن يلوح لناظري محيا به أيقنت أني محين
وألعس معسول الثنايا من المنى ألذ ومن شمس الظهيرة أحسن
حبيب رقيب الحسن فوق جبينه يتيه، ومعشوق الملاحة يمجن
حشا كحلا عينيه مسك عذاره فلاح به وجه من العذر بين
سأهواه ما اهتز الأراك وأصبحت أنامل إسماعيل بالجود تهتن [٣٨ أ]
صقيل فرند السيف يبيض ليله إذا اربد من ليل الكريهة موهن
تنبل منه كل مرأى ومخبر فقد فتنت فيه قلوب وأعين
تلين له الأيام وهي شدائد وتعنو وجوه الحادثات وتذعن
[ ٣ / ١٨٣ ]
فلا تيأسن منه بلين عريكة فقد يقطع الصماصم والمتن لين
نماه إلى العلياء آباء عزة رأى حسن مسعاهم فما زال يحسن
ميامن أمجاد مآمين لم تكن وقائعهم في كل هيجاء تؤمن
ترقرق منهم بالسماحة أوجه وتنثال منهم بالفصاحة ألسن
كفاهم بإسماعيل مجدا مؤثلا وعزا مكينا لا يني يتمكن
تظن به في المشكلات كهانة وليس كذا لكنه يتظنن
توقد ذهن في خمود سكينة ذكي كمثل النار في الزند تكمن وله من أخرى:
ما بين البين يوم الخوف مذموم إلا إشارة عناب وتسليم
وآية الحب في الأجفان واضحة والستر منتهك والصبر معدوم
هي الغزالة لولا ضيق دملجها حملتها ضعف ما يلقى بها الريم ومنها:
ساروا وقلبي أسير في القباب وقد حداهم كل رهو السير مخطوم
وفي الغبيط الموشى شادن خرق أحوى المحاجر طاوي الكشح مهضوم
مخدد الخد بالأوهام ناعمه كأنه المحاجر طاوي الكشح مهضوم
بدر بديباجتيه عجمتا سبج تحفه طرتا ليل وتعميم
غصن من الورق الماذي يجذبه للين حقف من الكافور مركوم
يهدي لك الدر من لفظ ومبتسم ضربان منتثر منه ومنظوم
[ ٣ / ١٨٤ ]
يجني الذنوب وأحنو أن أواخذه من أجل ذلك قيل الحسن مرحوم
ما هاج برح الهوى إلا مطوقة كأنها من نحول شفها جيم
ترنمت ودموع الصب آية أن يهل ساجمها بين وترنيم
أيا حمامة ذا الوادي أثرت جوى تنقض منقدة منها الحيازيم
إلا يكن واديا حلت ركابهم به وإلا فما واديك مأموم
هم أناخوا بجزعيه جمالهم وأنهلوا وهن الطلح الهيم
[هلم] نسري اعتسافا حيث عن لنا منهن وهنا سنا نار وتخييم
نغشي بهن بنات الوخد سابحة تخدي وقد هم بالسمار تهويم
ينضي سرى الليل تأويب النهار ولل هجير من لهب الرمضاء تضريم
والآل عند هيام القيظ مضطرب كأنه في بساط القاع محموم [٣٨ ب]
يزاحم الليل والخرقاء موضعة والقفر مثل طراد السيف ديموم
مزقته وثرياه تلوح كما لاحت بأنمل زنجي خواتيم
وقد محا سنة البدر الخسوف كما محا سنا رونق المرآة تسهيم ومن المدح:
حوى من الفخر ما لم يحوه ملك وحاز ما لم يحزه العرب والروم
أغر مبتهج فاح الزمان به كأنما دهرنا بالمسط مرثوم
هو الجواد الذي أضحى السماح له ريطا كأن العطايا فيه تعليم
[ ٣ / ١٨٥ ]
قد كفل الخلق جدواهم فعمهم كأنما الرزق من كفيه مقسوم
إذا نبا حادث للدهر عن له عزم ثنى المتن منه وهو مفصوم
يا ها أمية لا تقرب لحمص حمى محمد ما تحامى فهو ترخيم
كذاك آباؤه الماضون هم أكما ت العز ما ظلموا يوما ولا ضيموا
إذا نظرت فأشكال البدور وإن خبرتهم فهم الأسد الضراغيم
نماك للمجد عباد فأنت له نجل سمت بكما الصيد اللهاميم
هذي الليالي على حكم وإن رغمت زمامها بكلا كفيك مزموم ومنهم اوزير الكاتب أبو عمر بن الباجي
قال ابن بسام: وكان أبو عمر يوسف بن جعفر المعروف بابن الباجي من بلغاء الكتاب، وأغرب شأو جده الباجي في الولادة كل الإغراب، في صلة حبل البلاغة على جميع كتاب الإسلام، لأنه أنسل أربعة من حملة الأقلام وفرسان الكلام، أولهم جده يوسف، وابنه جعفر بن يوسف، وعبد الله ويوسف ابنا ابنه جعفر، ويوسف هذا هو المكني بأبي عمر. فأما أبوه جعفر فكتب صدر الفتنة المؤرخة أول هذا الكتاب لعدة
[ ٣ / ١٨٦ ]
من كبار أملاكها آخرهم يحيى بن إسماعيل بن ذي النون، ولديه توفي بمدينة سالم سنة خمس وثلاثين. وكان أبو عمر هذا إنما تصرف كاتبا، وطلع شهابا ثاقبا، بأفق المشرق، وإنما ذكرته هنا لأن بلده وبلد سلفه باجة، إحدى مدن الجانب الغربي من الأندلس، وقاعدة بلاد ساحل البحر المحيط الرومي.
ونقلت ما أثبت في هذا المجموع من رسائل بني الباجي من قراطيس تعاليق، وبطائق وقعت إلي تفاريق، منسوبة لهم في الجملة، وربما اختلطت رسائل الابن والأب لهذا السبب، وهذا الذي أصف وأشرح، مما لا يضر ولا يقدح، لا سيما في رواية حكاية لا يخل بها نسبتها إلى من يحكها، يحكها، وفي نشر نسيجة لا يغض من بهجتها إضافتها إلى من لم يحكها، وإنما هي ملح منثور أو منظوم، وليست بحقائق علوم، فنتكلف في صحة الأسانيد، والفرق بين سعيد وسعيد، والفصل ما بين عبيد وعبيد. وعلى أي حال ورد هذا المجموع، من مجهول أو معلوم، في منثور أو منظوم، فبديع رائق، ومخر إن شاء الله سابق.
جملة من رسائله في أوصاف مختلفة
له من رقعة عن ابن هود إلى المعتضد:
كثرت - أيدك الله - محامدك فصارت زاد الرفاق، وأشرقت
[ ٣ / ١٨٧ ]
محاسنك فرمت بساطع نورها إلى الآفاق، ففي كل سبيل طليعة من ثنائك مرحل، وفي كل أفق بريد من أنبائك يتعلل، [٣٩ أ] ولفضائلك المأثورة حملة يتباينون في القدر، ويتفاضلون في النشر، وكلهم موجز وإن حاول أن يطنب، ومقتصد وإن حاول أن يسهب، والله يصون ما ألبسك من المكرمات، ويزيد فيما خولك من الصالحات، بمنه.
وأنا لا أزال بفضل خلوصي إليك، وصدق انجذابي لك، وشدة اغتباطي بموهبة الله السنية فيك، مصيخا إلى كل داع بشعارك، وحامل لآثارك، مستهديا لطيب أحاديثك ومبهج أخبارك، فإذا ظفرت بمحدث عنك فقد نلت جذلي، وإذا وقفت على خبر من لدنك فذلك من أملي.
وفلان لحق بجهتي، طاعتك، وعنده أوفى بضاعة من رفيع ثنائك، وأحسن إشاعة بجميل أنبائك، وهو الناطق القؤول، والصادق المقبول، فعرض تلك البضاعة الزكية في معرض نفاقها، وقصد بها أقوم أسواقها، وأهدى ذلك العلق السني إلى مستهديه، وأداه إلى يد مقتنيه؛ ولما أن صدر عنها، بعد انقضاء وطره منها، وقد ضمخها بذكرك، وقام فيها بشكرك، تقت إلى مواصلتك معه، وتجديد العهد الكريم على يده، فأصحبته كتابي هذا مخبرا عن مقامه في بث مناقبك، وواصفا لحاله في نشر محامدك، ومحيلا عليه في وصف ودي، والإخبار عما عندي.
وله من تعزية إلى ابن أبي عامر في ابنه المعتز: بأي لسان - أيدك الله
[ ٣ / ١٨٨ ]
أخاطبك مذكرا، أو بأي مقال ألاطفك مصبرا، وقد أذهلتني فجأة الخطب، وتركتني طائر القلب واللب، وقد رماني ساعد الزمان حين رماك، وأصماني سهمه كما أصماك، وثارت إلي فجائعه من حيث ثارت إليك، ودارت علي وقائعه من حيث دارت عليك. ولو كان ما طالعني خطرة حلم، لكفى به داعية بث وألم، فكيف إذا كان يقينا يقطع أمل المؤمل، ويبطل رجاء المرتجي المتعلل -!
وورد كتابك الجليل ناطقا بلسان الرزية، مقصدا سهم الفجيعة في المعتز بالله، ابنك، ومعتمدي - كان - فإنا لله! ! أي زرء ما أفظعه في القلوب، وأي خطب ما أشنعه في الخطوب، وأي مصاب ما أحقه بالأسى ونبذ الأسى، لولا أمر الله تعالى. ولا أجد - أيدك الله - لهذه الفادحة قدرا، ولا أقيس بها أمرا، ولا أكاد أقول في مثلها صبرا، فإنها سالبة الأذهان، وجامعة الأحزان، وخبيثة الحدثان، وكبيرة نوائب الزمان.
وفي فصل منها: ونحن مأمور فينا، ومحكوم علينا، يملكنا خير المالكين، ويحكم فينا أعدل الحاكمين، ولو شاء الله لم يخلقنا، فضلا عمن خلق منا ولنا، وقد أنعم عليك بنعمى متعك بها ما شاء، ثم صنع في بعض ما شاء، فإن تقابل بالاحتساب قدره النازل، وبالتفويض
[ ٣ / ١٨٩ ]
قضاءه العادل، فأحر بحزنك أن يعود سرورا، وبصدعك أن يكون بثواب الله مجبورا.
وله من أخرى مثله: كتابي عن نفس مستطارة بلوعتها، وكبد مذابة بروعتها، وعن قلب شعاره برح الجوى، وأعشاره نهب الأسى، تفجعا لما فجعك، واشتراكا في عظيم المصاب معك، وأسفا على من فقدناه فقدان السمع والبصر، ورمينا فيه بأفظع الحوادث والغير، فأنا لله وإنا إليه راجعون، بها يعتصم العارفون، وإلى حقيقتها يرجع المسلمون.
وإن كتابك ورد منبئا عن صورة حالك، وتوفية رزئك حقه من الأسف، وإعطاء مصابك بقدره من اللهف، فسد على نفسي - فاديتك - ثنايا الصبر، ووقع منها موقع الهيثم من الجمر، ولعمر الله إنه الرزء، [فليس كمثله الأرزاء، التي] يحسن فيها العزاء، وإنك بالبث والحزن لحقيق، ثم إنك بالصبر والاحتساب لخليق، ولولا أني أثق برجوعك إليه، وتأييد الله تعالى في الاحتمال عليه، لسلكت في الذكرى طريق المحتشد [٣٩ ب]، وأنفدت فيها وسع المجتهد، على أني باستهدائها
[ ٣ / ١٩٠ ]
جدير، وإلى سماعها فقير. وما اقتباسي إلا منك، ولا اقتدائي إلا بك، جعلك الله في تلقي هذا الزرء، وتحمل هذا العبء، قدرة رشدٍ للجازعين، وأسوة هدىً للغافلين.
وله من أخرى إلى ابن هود بعد خروجه عنه: كتب مملوكه الملتحف في نعمائه، المتقلب في الآئه، من فلانة، وما قطع مرحلةً، ولا احتل منزلة، إلا ودأبه وصف معاليه، ونشر أياديه؛ وأما مفارقة ذراه فيكاد الإشفاق يصمي الجنان، ويدمي الأجفان، وينفي السلوان، وهو أمر حم واقترب، وقضاء سبق وغلب، وأنا مع انفصالي عن ذلك الكنف الجليل المأمول، والفناء العزيز الموصول، الذي عمرته في ظل الإكرام والتوجيه، ومهاد الإنعام والترفيه، غير خارج من عداد متن يتقلب فيه، وجملة من يراوحه ويغاديه، لأن فضلة بي حيث كنت محيط، وأملي به منوط، وتشيعي له مشهور، واعترافي بعوارفه لدي مأثور، وسيعلم مولاي أني صحبت فاعتدلت، ثم فاقرت وما اختللت، بل أعظمت وأجللت، وأثنيت فاحتفلت، والله الحسيب بالنيات والأعمال، الشهيد على الأقوال والأفعال.
ومن أخرى له: سيدي، ومن أبقاه الله للكرم يتبوأ سطته، والشرف يدرع بردته، والعز يلبس سرباله، والفخر يسحب أذياله، بأي لسان - أعزك الله - أناجيك على بعد الدار، وقد أخرست عن واجب الشكر لساني، وطمست على وجوه بياني، بما أضيفت من حلل برك التي
[ ٣ / ١٩١ ]
أخجلتني، وطوقتني من مننك التي ألجمتني، بالهدية السنية التي لا يزال الدهر ينثرها، وأيدي الثناء تنشرها، فكم من علقٍ نفيسٍ شافهني منها بلسان إلي نجوم السماء، ودان لها تفويت كل روضة غناء، وتحدث بها الكرم المحض، وأشاد بذكرها الثناء الغض، وحق لهدية أهداتها أناملك المستهلة السحائب، وجادت بها راحتك الثرة المواهب، أن يعنو لها القمران، ويحاسن بها زماننا كل زمان، فلو أن البحر عاينها طاميًا لما ساجلك، والغمام شاهدها هاميًا لاما طاولك.
وله من جواب على كتاب عتاب: المودات - أعزك الله - إنما تثبت دلائلها، وتصح مخيلها، بمضمرات الفؤاد، لا بمزورات المداد، وبمعتقدات الحقائق، لا بمعهودات البطائق، وفي علمه تعالى أني من الاعتداد بمجدك، والاعتلاق بحبل ودك، والإسناد إلى كرم عهدك، بمنزلةٍ لا يتعاطى إدراكها أحد، ولا تطول يد صفائي فيها يد، وفي نفسك النفسية من ذلك أعدل شاهد، وأصدق رائد.
وقد ورد كتابك ففضضته عن مثل عقارب لاسبةٍ، وسهام نافذة صائبة، من عتاب صدع قلبي، وفت في عضدي، وتقريع لم أقف ببابه، ولا جذبت بأسبابه، ومعاني العتاب - أعزك الله - إذا وردت على سليم منها، نزيه عنها، متحفظ من وقوعها، متحرز من جميعها، أساءت
[ ٣ / ١٩٢ ]
ظنه، وأطالت فكره، واشغلت سره، ولا سيما على بعيد الدار، نائي المحل، مشتاق إلى الإخوان، متأسفٍ على فقد الخلصان، مستشعر حرمانًا لزم، وزمانًا جار وظلم. وأما الهنات التي أطلقت عنان العتب عنها في ميدانٍ فسيح، وجريت في إيرادها جري الشفيق النصيح، فليست بهنات مخلقة لعرضٍ، ولا قاطعة عن فرضٍ، وربما غيرت عندك صفتي فتنكرت عليك، ومثلك من حكم الخبر على الخبر، وقنع بالعين دون الأثر.
وله من أخرى عن ابن هود إلى ابن ذي النون [٤٠أ] يشكره باطلاق ابن غصن من السجن: كتابي - أيدك الله - كتاب أعريته من ذكر الوداد، وعدلت فيه عن وصف الاعتقاد، خرقًا لعادة المتوددين، وصفحًا عن طريق المتصنعين، على أني - علم الله - في الصدر المقدم ممن يواليك، والرعيل الأول ممت يتشيع فيك، وأفردته بشكر يدك البيضاء، وحميد صنيعتك الغراء، التي طوقت بها جيد الأدب، طوقًا يبقى على الحقب، ووضعت على نار الذكاء، وقودًا يسطع بطيب الثناء، مزاحمًا بفضل همتك كلكل الزمان، وقد أناخ على الفهم بجران، ومحافظًا على حرمة الكرم وقد أعرض عن ثقلها الثقلان، أنفةً من أن يضيع حذاء نظرك حق أديبٍ، وتقطع بمرأى عينك نفس لبيب، وأنت عين الآداب، وعمدة ذوي الألباب، فيعود عليك من أهلها ملام، ويقول قائلها ضاع عند أوفى البرية ذمام، فلله همتك التي أبت إلا الحفاظ السليم، وشيمتك التي لم ترض إلا لمقام الكريم، ويدك التي أنتعشت
[ ٣ / ١٩٣ ]
بها الأديب أبا مروان بن غصن من هوة العثار، وفككته من قبضة الإسار، فأحييته وهو مشفٍ على البوار، فإنها يد مسيح الكرام، ومبدعة حسنة الأيام، فلو كانت للمكارم صورة لكانت هذه الصنيعة كحل طرفها، أو كانت للجد روضة لكنت المستبد بطيب عرفها، أو لو نطقت ألسن الآداب لفدتك، أو أرسلت نخبة الثناء لما تعدتك، وإن كثير الشكر ليقل في جنب ما أسديت، وبالغه ليقصر عن الغاية التي لها تصديت، لأنك ضمنت حياة نفس، ونشرت دفين رمسٍ، فكأنك أحييت جميع الورى، ونشرت كلب مستودع في الثري، وأنى يقاوم هذا الصنيع، ولو تظاهر على فرضه الجميع، وعند الله كفاء ما أوليت من جميل الفعل، وجزاء ما أتيت في سبيل الفضل.
وله من أخرى على لسان البهار إلى ابن هود: أطال الله بقاء المقتدر بالله، مولاي وسيدي، ومعلي حالي ومقيم أودي، وأعذني من خيبة العناء وعصمني معه من إخفاق الرجاء، ولا اشمت بي عدوًا من الرياض يناصبني، وحاسدًا من النواوير يراقبني، وقد علم الورد موقع إمارتي، وغنى بلطيف إيمائي عن عبارتي، وإنها تحية الزهر حياك بها، وخبيئة ذخرها لك وأهلك لها، وقد أتيت في أواني، وحضرت وغاب أقراني، ولم أخل من خدمتك رتبتي ومكاني، ولم أعر من الحضور بين يديك نوبتي وزماني، وأنا عبد مطيع مسخر، ومملوك يتصرف مدبر، حقيق بأن يحسن إلي فأدنى، وجدير بأن تهتبل بي ولا أجفى، لأني سابق حلبة النوار، وأول
[ ٣ / ١٩٤ ]
طلائع الأزهار، وأنا ناظر الفضل وعينه، ونضار الروض ولجينه، وقائد الظرف وفارسه، وعاقد مجلس الأنس وحارسه.
وفي فصل منها: فهل لمولاي أن يحسن إليّ صنيعًا، ويكرم النور جميعًا، ويدنيني فأرقى إلى أختي الثريا سريعًا، في مجلس قد أخلصته سحائبه، وأفرغت الحسن عليه والطيب ضرائبه، وجهك بدره، وغرتك فجره، وأخلاقك زهره، وثناؤك دره وعطره؛ وتعمل في أمر الدنيا رأيك، وتترك الهموم حيث تركها الناس قبلك، ولو صلح الكمد لأحد لكنت أنا أحق من لزمه، وأثبت عليه قدمه، لأني سريع الذبول، وشيك الأفول، لا يصحبني الظهور إلا قليلًا، ولا أمنح من متاع السرور إلا تعليلًا، غير أني مغتنم لساعاتي، آخذ من الأنس بقدر استطاعاتي، وقديمًا أكرمني مولاي فلا يهني، ووصلني فلا يصرمني، ومنحني فلا يحرمني:
لا تهني بعدما أكرمتني فشديد عادة منتزعه [٤٠ب] ولابن الحناط رقعة في وصف هذه الرسالة، منها فصل قال فيه: بعثت إليك برسالة الوزير الكاتب أبي عمر الباجي في البهار، منقولة بخطي على اختلاله، واختلاف أشكاله، إلا أن حسن الرسالة، وموضعها من البلاغة والجزالة، يغطي على قماءة خطي، ودناءة ضبطي، فاجتلها - أعزك الله - عروس فكر، لحظها حبر، ولفظها سحر، ومعناها بديع، ومنتهاها رفيع، ومرماها سديد، ركب اللفظ الغريب فاعتن له المراد البعيد، يطمع ويؤيس، ويوحش ويؤنس، فأما إطماعها فيما تحرز من لدونة
[ ٣ / ١٩٥ ]
ألفاظها وسهولة أغراضها، وأما إياسها فبما يعجز من امتثالها، ويبعد من منالها، والله يمتعك برياض الآداب تجتني أزهارها، وتنتقي خيارها.
ولأبي عمر في نزول الغيث بعد القحط: إن الله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعةً للفضل، ومنحًا يبسطها إذا شاء إنعامًا وترفيهًا، ويقبضها إذا أراد إلهامًا وتنبيهًا، ويجعلها لقوم صلاحًا وخيرًا، ولآخرين فسادًا وضيرًا، ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد﴾ (الشورى: ٢٨) .
وإنه كان من امتساك السقايا، وتوقف الحيا، ما ريع به الآمن، واستطير به الساكن، ورجفت الأكباد فزعًا، وذهلت الألباب جزعًا، وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء درها، واكتست الرياض غبرةً بعد خضرةٍ، ولبست شحوبًا بعد نضرة، وكادت برود الرياض تطوى، ومدود نعم الله تزوى، ثم نشر تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منته، وأزاح محنته، فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفق، ورواء غدق، من سماءٍ طبق، استهل جفنها فدمع، وسمح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع، فاستوفت الأرض ريًا
[ ٣ / ١٩٦ ]
واستكملت من نباتها ورئيا، فزينة الأرض مشهورة، وحلة الزهر منشورة، ومنة الرب موفورة، والقلوب ناعمة بعد بوسها، والوجوه ضاحكة بعد عبوسها، وآثار الجزع ممحوة، وسور الشكر متلوة، ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق، إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنة أن تعود فتنةً، ومن المنحة أن تعود محنة.
وإحسان بني الباجي كثير، وترسيلهم مشهور، اندرج لهم فيه بديع، ولا يتسع لاستيفائه هذا المجموع.
وهذه أيضًا جملة من شعر أبي عمر
قال من قصيدة في المعتمد، وقد طاعت له غافق والمدور أولها:
أنارت لك الدنيا ووجهك أنور وجلت عطاياها وقدرك أكبر
ودار كما شئت القضاء مساعدًا فجاءت ولاءً غافق والمدور
أزرتها بحر الكتائب مزبدًا فألقت عنان الطوع رضوى وصنبر ومنها:
[ ٣ / ١٩٧ ]
يقول مثارو الجن إذ ذعروا به هي الأرض تسعى أم هو البحر يزخر
سرى فاستطيروا خيفةً من نذيره ولم تك ليلًا قبله الجن تذعر
فتوح يموت الحاسدون شجىً بها فليت حليف الغي يحيا فيخبر ومنها:
لئن جهد المداح فيك فأطنبوا فإنك أعلى في النفوس وأخطر [٤١أ]
فدتك مسوك لا ملوك كما ادعوا إذا ظفروا يومًا زهوا وتجبروا
ولله منك القول والعقد صحةً إذا سد مسموع وخالف مضمر
وعصر تحلى منك بالأحد الذي له في يد السبق اللواء المشهر
وأيام سعد في ظلالك أوطنت تراح بها الآمال دأبًا وتمطر
نفى حسنها عن ناظري طائف الكرى فأنعم ساعاتي بها حين أشهر
وأمتعني جو نضير وسلسل نمير وممتد المطارف أخضر
وكم مورد في الأرض يشفى به الصدى ولكن نداك الغمر أحلى وأنضر
أهنيك أم هذا الأنام بأنعمٍ جميعهم في حليها يتبختر
وهل تلتقي الأجفان إلا على الرضى وأنت على الدنيا الإمام المؤمر وله فيه من أخرى أولها:
لا زال عزك يخضع الأطوادا ويذل في آجامها الآسادا
لله أيام بقربك أنعمت ما ضرها أن لم تكن أعيادا
[ ٣ / ١٩٨ ]
راقت محاسنها وطاب نعيمها فأتى الزمان حدائقًا وعهادا
أسفي على زمنٍ مضى في غيرها يا ليت ذاهبه استعيد فعادا وهذا كقول أبي العلاء:
وأطربني الشباب غداة ولى فليت سنيه صوت يستعاد وفيها يقول ابن الباجي:
من مبلغ عني الأحبة إذ نأت أوطانهم والمعشر الحسادا
أني وجدت الجو طلقًا بعدهم والماء مصقول الأديم برادا
فليكبت الأعداء أنك واحد رجح الجموع وقلل الأعدادا
لله معتمد عليه مؤيد بالنصر منه عفا وجاد وذادا
لا يصرف النصحاء عزم سماحه سبحان من طبع الجواد جوادا
جود يفيض البحر منه ومنة في البأس يدهش ذكرها الأنجادا
وأناة حلمٍ في إباء حفيظةٍ كالأرض تطلع سوسنًا وقتادا وله من قصيدة في تأبين المقتدر بن هود، أولها:
كأنك ما اتخذت القصر دارا ولا أوقدت بالعلياء نارا
ولا غدت الجموع عليك خرسا يهابون السكينة والوقارا
سكينة ألمعي في حباها شمائل تكسب الأنس النوارا
خلائق يستنير الفضل منها رياض الحزن سامرت القطارا [٤١ب]
[ ٣ / ١٩٩ ]
تعالى الله كيف هوى ثبير ووافى البحر مسقطه مغارا
أسر الدهر مقتدر المعالي فلم يا بدر فارقت السرارا -!
أباح لهاجم الحدثان منه زعيمًا لم يزل يحمي الذمارا
وطال به الزمان وكان قدمًا يجير على الزمان من استجارا
ربيب وقائعٍ بليت عليه حمائله وما حمل العذارا
لتبك الخيل مرسلها رياحًا تلوث بمفرق الشمس الغبارا
وبيض الطبع مصلتها بروقًا وصفر النبع مقدحها شرارا في ذكر الأديب أبي الحسن ابن الاستجي
وكان شاعرًا مجيدًا، وإمامًا في سائر التعاليم محمودًا، وله سبق لا ينكر، وحق لا يؤخر، وإحسان لا يزال يذكر، أنشد له أبو الوليد ابن عامر في كتابه المسمى ب - " البديع في فصل الربيع " قال، أنشدني أبو الحسن ابن الاستجي لنفسه:
قد قلت للروض ونواره نوعان تبري وفضي
وعرفه مختلف طيبه صنفان خمري ومسكي
ووجه عبد الله قد لاح لي وهو من البهجة دري
[ ٣ / ٢٠٠ ]
شم غرسك الأرضي إن الذي أبصرته غرس سماوي
حسنك نوري بلا مريةٍ وحسن عبد الله نوري ومعنى البيت الرابع من هذه ناظر إلى قول الآخر:
لا تقس غرس ربنا بالذي يغرس البشر وقال يمدح المعتضد ويصف الشقائق:
إن الشقائق من حم الخدود قد اش تقت ومسودها من حالك اللمم
كأنها في المروج الخضر آنية حمر قد اضطربت من قانئ الأدم
يا ابن الذي قد حماها في منابتها فلم تزل في حمى منه وفي حرم
معروفة باسمه في كل مطلعٍ محفوظة المنتمى مرعية الذمم
جدد لها من وكيد العهد حرمتها وصل لها محدث الإكرام بالكرم أشار إلى أن جده كان النعمان الذي نسب إليه الشقائق، وروي أنه مشى يومًا في بعض شأنه، فأفضى إلى موضع فيه من هذه الشقائق كثير فقال: احموها، فحميت، فسميت بذلك شقائق النعمان، حكى ذلك أبو حنيفة ورفعه إلى الأعشى، وذكر أنه كان حاضر النعمان يومئذ.
وأذكرها هاهنا قطعًا من الشعر، ما ضرها أن لم تكن قطعًا من الزهر
[ ٣ / ٢٠١ ]
تعلقت بذكر ابن الاستجي هذا، بارى بالمعارضة فيها صدور الرتب، وأفراد أهل الأدب ممن كان بإشبيلية في ذلك الزمان، أخرجتها من كتاب " البديع في فصل الربيع " لأبي الوليد بن حبيب المذكور.
قال أبو الوليد: أنشدني أبو الحسن ابن الاستجي لنفسه يمدح القاضي ابن عباد من جلة قصيدة: [٤٢أ]
كأنما الورد لما وشت يد المزن أرضه
كواكب في سماءٍ من الزبرجد غضه
كأن طل الأقاحي مدامع من فضه
أو لؤلؤ فوق أرضٍ من المها مبيضه
كأنما الورد صدر أبقى به اللثم عضه
كأنما النهر نصل جلا الصياقل عرضه
كأنما الشمس في الجو حين تقطع عرضه
وجه ابن عباد الند ب حين تأمل قرضه
حوى بطول يديه طول الثناء وعرضه ومن شعر أبي الوليد ابن عامر في معارضته من جملة قصيدة:
[ ٣ / ٢٠٢ ]
انظر إلى النهر واعجب بحسن مرآه وارضه
قد حل بين رياض من النواوير غضه
من نرجس مثل لون ال مهجور فارق غمضه
وأقحوان أنيقٍ بروده مبيضه
كأنما النهر أفق ال سماء عانق أرضه
وقد كسا عدوتيه بحومة الزهر مخضه
كما ابن عباد الند ب قد كسا الصون عرضه وقال ابن القوطية في ذلك:
بشاطئ النهر نور كسا الدرانك أرضه
نمارق وزرابٍ من النواوير غضه
فالورد وجنة خود غراء بيضاء بضه
كما البنفسج خد أبقى به اللثم عضه
والياسمين نجوم حازت من الحسن محضه
حكى سجايا ابن عبا د الكريم وعرضه وقال ابن الأبار من جملة أبيات:
[ ٣ / ٢٠٣ ]
شقائق شق قلبي رواؤها وافتضه
كأنما الأرض منها خريدة مفتضه
ونرجس متغاضٍ كأنما الحزن مضه
يرنو بطرفٍ كليلٍ كمن يحاول غمضه
وسوسن إن تشمه فكالوذائل بضه
أو ألسن الدر صيغت أو الطلى المبيضه
والأقحوان نجوم ليس ترى منقضه ثم خرج إلى المدح بأبيات حذفتها لطولها.
وقال أبو الاصبغ بن عبد العزيز:
يا من تأمل نورًا فيه النواوير غضه
وعاين الحسن منها قد زين البعض بعضه
فالنرجس الغض تبر في صفرة منه محضه
والأقحوان بياضًا كأنه سمط فضه
والورد ماء ونار سالا على وجه بضه
ضدان في صحن خد قد ألفا بعد بغضه
[ ٣ / ٢٠٤ ]
والمدح حذفته.
وعارضهم القاضي ابن عباد بسطًا لأمانيهم، وعجبًا بما أوردوا من ألفاظهم ومعانيهم، وكأنه نقد على ابن عبد العزيز هذا شيئًا في التشبيه، فقال يعرض به ويعاتبه فيه:
أبلغ شقيقي عني مقالةً لتمضه
بأن وصف الأقاحي الذي وصفت لم ارضه
هلا وصفت الأقاحي بأكؤسٍ من فضه
أو النجوم تساقط ن في المها المبيضه في أبيات غير هذه.
وقال ابن حصن في ذلك:
نبه جفونك للرو ض واهجرن كل غمضه
قد نبه الطل منه ال جفن الذي كان غضه
من بين ورد كخد ال حبيب حاولت عضه
وسوسنٍ قد حكي لي سوالف الغيد بضه
ومن بهارٍ تدلى جماجم منه غضه
[ ٣ / ٢٠٥ ]
كأنه معرض عن محدث لم يرضه [٤٢ب]
ومن أقاح يباهي مصفره مبيضه
كأنه نقر التب ر في مداهن فضه ولم أسلك في هذه الأشعار طريق الاختيار، إذ ليس فيها حظ لمختار، وإنما أثبتها لما تعلق بها، وذكرت بسببها، ولا أعطل جيد التأليف من مخشلبها.
فصل يشتمل على مقطوعات أبيات لجماعة من الأدباء
كانوا بعصر المعتضد عباد، ولم أجد لهم أشعارًا تفسح لي
في طريق الاختيار، إلا ما أثبت لهم الوزير أبو عامر
ابن مسلمة في عرض كتابه المترجم ب - " الحديقة " فكل
ما أثبت لهم في هذا الفصل فمن كتابه نسخت،
ومن خط يده نقلت
فمنهم الوزير أبو الأصبغ بن عبد العزيز أنشد له في قفول الخيري ورحلة البهار:
رحل الربيع عليه بند موال وأقيم للخيري راية وال
في شهر كانون أديل وقوضت أيام بهجته فهن خوالي
[ ٣ / ٢٠٦ ]
فاشكر أوائله فهن نوافج واحمد أواخره فهن غوالي
وإذا سررت بخل صدقٍ وافدٍ ورضيته فانظر إلى الترحال وأنشد له:
هام قلبي بغزالٍ أتمنى منه عطفه
شرب الكأس وأبقى عامدًا في الكأس نطفه
فعلمنا أنه ير غب أن يمنح رشفه
كشفت لي لولا الحميا ما خصصناك بتحفه
كشفت من سره ما لم تكن تأمل كشفه
وبدا في الخد منه خجل خالط طرفه
فجني الورد فيه وأنا أمنع قطفه قال أبو عامر: وكتب إليّ وإلى ابن الأبار وقد رأى معنا غلامًا فيما سلف وسيمًا، ثم عذر وأدبر، بأبيات أولها:
أمفترسي ظبيٍ أغر غرير ومقتنصي بدرٍ أنار منير
لئن نلتما بالسحر من كل غرة ففي مقل الغزلان كل غرور
وقد رحم الرامي المصيب فريسة ويرزقها بالسحر كل سحور
أثرت من الصيد الذي قد عقرتما وكم عاقر للصيد غير مثير
وسعد الفتى في عمره جالب المنى إليه وفي الحرمان كل عسير
فطيبا جميعًا واطربا وتمكنا فليس الذي أدركتما بيسير
هل الراح إلا وجهه ورضابه فإن جمعت حلت بغير نكير
[ ٣ / ٢٠٧ ]
فأجابه ابن الأبار:
لعمرك إن الظبي غير غرير وإن محيا البدر غير منير
بدت لحية في وجهه هي لحنة أتاحت له موتًا بغير نشور [٤٣أ] ومنها:
إذا لم أقل إلا براحٍ وراحةٍ فما قدر ذنبي في اغتفار قدير
ساقعد عن ناهي النهى في اجتنابها وإن قام في فودي شاهد زور
هل العيش إلا أن أقبل ثغرها وأصغي إلى بم أجش وزير
خبرت بني الأيام شرقًا ومغربًا فآثرتها إذ لم أفز بأثير وأنشد له أيضًا بما خاطب به ابن الأبار:
أما وخد له معذر ومبسم الخاتم المجوهر
وخصره المتعب المعنى بثقل ما ضاق عنه مئزر
ولمةٍ أسبلت أثيثًا كأنه وابل معطر
وورد خديه بعد سكرٍ والغنج من حظه المحير
إن لعينيه في فؤادي أشد من وقع كل خنجر
إن خلته ضيغمًا قطوبًا أو أسدًا عابسًا غضنفر
فهو من الحسن كل بدر وهو من الطيب كل عنبر
ريقته خمرة ولكن شيب شذاها بطعم سكر
لو كان في الخلد مثل هذا تاه على الحور أو تكبر
في شبهه قال مثل هذا من أحسن الوصف ثم ندر
" مظفر كاسمه مظفر أخلاق ليث وخلق جؤذر "
[ ٣ / ٢٠٨ ]
فأجابه ابن الأبار بهذه الأبيات:
لست بصاب إلى معذر بل أنا في حبه معذر
لا أعشق الظبي ذا لجام لأنه في الظباء منكر
أهواه والخد منه صبح حتى إذا ما دجا تغير
أحسن ما فيه أن تراه بين مهاةٍ وبين جؤذر
متوجًا لمةً تبدى بتاج كسرى وملك قيصر
إن ماس فالمرط منه مثر بما حوى والوشاح معسر
يرفق بالخلق حين يغضي وينظر الموت حين ينظر
متى يلم عاذل عليه يبدو له وجهه فيعذر
كم علني الراح ثم حيا أحوى مريض الجفون أحور
كأنما سحر وجنتيه نوم اجفانه لتسهر
ما زلت أشتفها ونقلي طلاه والمبسم المجوهر
أمكن من طرةٍ وثغرٍ فصرت في جنةٍ وكوثر وأنشد للوزير أبي الاصبغ بن سعيد:
وما أنس لا أنس المدامة بيننا يناولنيها وهو بالسحر نافث
ويجعل نقلي ريقه بعد رشفها فيا لك من طيب على السكر باعث
فسكران من خمرٍ ومن رشف ريقه وبينهما من سحر عينيه ثالث
[ ٣ / ٢٠٩ ]
وأنشد له:
يا أيها الساقي الذي بعثت لنا يمناه من مزن الغمام رذاذا
لا تسقنيها دون ملء كؤوسها وإذا سجدت بها إليك فماذا
إني اتخذت الغي رشدًا والهوى دينًا ولذت عن الرشاد لواذا
فامزج بريقك لي الكؤوس وقل لنا خذ، تلقني لكبارها أخاذا وأنشد له:
بالغت في عذلي وفي تأنيبي وفي الراح حين وعظتني بمشيبي
هيهات لست بتائب عن شربها ما دام شربها أقل ذنوبي
إن كان أكربني المشيب فإنها راح تروح بكربة المكروب
فلأشربن لكي أدافع كربها عني وأطرب فوق كل طروب وأنشد لأبي إسحاق بن خيرة الصباغ [٤٣ب]
يوم كأن سحابه لبست غمامي المصامت
فالغيث يبكي الضحى كمثال أجنحة الفواخت
والرعد يخطب مفصحًا والجو كالمحزون ساكت
والروض يسقيه الحيا والنور ينظر مثل باهت
فاطرب ولذ بحسنه واشرب فإن العمر فائت
[ ٣ / ٢١٠ ]
صرفًا كأن حبابها در على العقيان نابت
تحكي خلال الحاجب الز اكي المغارس والمنابت
عباد السامي الذرى والمجد حيث النجم ثابت
ملك إذا نطقت علا هـ بمعرك فالخطب صامت
أو طاش عقل معاشرٍ في ضنك حرب فهو ثابت وأنشد له أيضًا:
انبذ مقال النصيح ودن بشرب الصبوح
ورح وباكر مدامًا كالشمس وقت الجنوح
خرقاء يلثغ منها لسان كل فصيح
إذا تناولت منها حسنت كل قبيح
رقت على ظهر كسرى وعهد عادٍ ونوح
فليس توجد إلا بنور لونٍ وريح وأنشد له:
رب ليلٍ طال لا صبح له ذي نجوم أقسمت أن لا تغور
في دجى ليلٍ بهيمٍ حالك يستوي الأكمه فيه والبصير
فتراها حائرات في الدجى زاهرات كمصابيح تنير
قد هتكنا جنحه عن فلقٍ من خمورٍ ووجوه من بدور
إذ بدت شبهتها في كأسها نار إبراهيم في برد ونور
وامتطينا للملاهي مرحًا خيل راحٍ بمنايانا تدور
صرعتنا إذ علونا ظهرها في ميادين التصابي والسرور
[ ٣ / ٢١١ ]
فنعانا العود في ميتتنا بأبح البم إسعافًا وزير
فرفعنا من كؤوس نكسٍ وفتحنا من عيون بفتور
فكأن حين قمنا معشر نشروا بعد مماتٍ من قبور وأنشد لأبي بكر بن نصر الإشبيلي:
أهدت إليّ روحي براح يمينها راحًا أرق من الهواء وأعتقا
فكأن حب حبابها في وجهها در على أرض النضار تفرقا
وكأن شخص الكأس شمس وشحت قمرًا فغاض شعاعها وتمزقا
لله درك من زمان لم يزل حلو الحلى رحب الجناب معتقا
زمن هصرنا عيشه فكأنه من جود إسماعيل كان منمقا
الحاجب الملك الذي حجب الورى عن كل مكروهٍ يخاف ويتقى
وكأنه بيديه صور نفسه فأجادها كيف اشتهى وتأنقا وأنشد لمحمد بن ديسم الإشبيلي:
امزح حميًا الكؤوس واشرب بنفثةٍ من رضاب ألعس
راحًا تمطى بطون راح لها خلال الضلوع مكنس
يدير منها البنان خمرًا صبغة ماء اللجين ملبس
ملك زها رفعةً ومجدًا كما زكا محتدًا ومغرس [٤٤أ]
[ ٣ / ٢١٢ ]
تطلع أنواره شهابًا إن عارض للخطوب عسعس
ويذعن الموت حين يسطو ويبسم الموت حين يعبس وأنشد له في ترك الشراب:
تجافيت عن شربي لها لا لعفةٍ ولم يك إقصائي لها عن تحرج
وإن أك قد عرجت عن حق حبها فما أنا عن تفصيلها بمعرج وأنشد له في مثله:
ولم أجتنب شرب المدام لعفةٍ ولم ألحق الصهباء ذمًا ولا عذلا
تنافرني أن صرت ضدًا لشكلها فليست لنا أهلًا ولسنا لها أهلا وأنشد لأحمد بن محمد البلمي الإشبيلي:
ولقد رشفت مدامةً أشهى من الثغر البرود
بكرًا ولكن عهدها من عهد عادٍ أو ثمود
لانت لنا لكن لها بعقولنا بطش شديد
تبدو وقد نظم المزا ج من الحباب لها عقود
وإذا توارت بالحلو ق بدا سناها في الخدود
وكأنني مولى الورى والناس كلهم عبيد
[ ٣ / ٢١٣ ]
ومدامة ورسيةٍ أعملتها عرضت علي بشربها أعمالي
فكؤوسها بصفائها كلآلئٍ وشرابها في جوفها كالآل وأنشد له صاحب كتاب " البديع ":
انظر ونزه ناظريك بروضةٍ غناء ما زالت تراح وتمطر
لتريك من صنعاء صنعة وشيها بمطارف من تستر لا تستر
ألوانها مثنى وطيب نسيمها يقصى العبير بها وينسى العنبر وقال:
أما ترى النرجس الغض الذكي بدا كأنه عاشق ذابت ذوائبه
أو المحب اشتكى لما أضر به فرط السقام فعادته حبابئه وقال:
رب نيلوفر غدا يخجل الرا ئي إليه نفاسةً وغرابه
كمليك للزنج في قبةٍ بيضا ء يدنو الدجى فيغلق بابه
[ ٣ / ٢١٤ ]
وأنشد للوزير أبي بكر بن القوطية في تجنيس القوافي، عارض بها طريقة أبي الفتح البستي:
سقاني كأسه ولها دبيب زادني ولها
غزال إن رأى ولهي زها عن قصتي ولها وقال:
ومنادم لم أرض من أشري به فندمت إذ أصبحت غير شريبه
يا ليت ما ألقاه من أرقي به وسهادي انفردا بعين رقيبه وقال:
ومدل بسقيه يتلقى ندماه بسطوة واقتدار
فمن أسأل الرجوع لداري قال لي: اشرب فلست في وقت دار وقال في المردقوش:
عنبري اللون في الخلقة قد فاق طيبًا كل مشموم وبذ
ذو جلابيب له قلصها فأتت خلقًا كآذان الجرذ [٤٤ب]
[ ٣ / ٢١٥ ]
ولذا سموه إذ أشبهها مردقوشًا باشتقاق يومئذ أشار إلى ما حكاه بعضهم أن المراد بالفارسية: الأذن، والقوش: الفأر.
وقال في الترنجان:
وأخضر فستقي اللون غض يروق بحسن منظره العيونا
ذكي العرف مشكور الأيادي كريم عرفه يسلي الحزينا
أغار على الترنح وقد حكاه فزاد على اسمه ألفًا ونونا وأراه سمع قول صاعد اللغوي فيه، حيث يقول:
من طيبه سرق الأترج نكهته يا قوم حتى من اشجار سراق ولكنه عكسه، إذا اقتبسه، وترك الرائحة ومال إلى الاسم.
وقال في التفاح:
وجلنارية مسكية النفس كأنها جذوة في كف مقتبس
قد أشربت من صباغ الله حمرتها كأنها غرة أوفت على لعس
كريمة من بنات الفرع ما حضرت إلا وحضت على اللذات والأنس
حافت فنكستها لما كلفت بها فإن دعوت أجابت باسم منتكس قوله: " حافت " هو " تفاح " مقلوب.
وقال في السفرجل:
[ ٣ / ٢١٦ ]
وزعفرانية في ثوب محزون تروق طعمًا وشمًا في البساتين
مصفرةٍ من بنات الحسن تحسبها في زغبها ميتًا في ثوب تكفين
قد رنحت فوق أغصان ترجحها وفلكت كثدي الربوب العين وقال في الأترج:
جسم من النور في ثوب من النار كأنه ذهب من فوق بلار
فابيض باطنها واصفر ظاهرها كأنها درهم من تحت دينار
محفوفة برماح من منابتها مشحونة بين أرواح وأمطار
عطرية لم تطيب للقاء ولا مدت يميناص إلى حانوت عطار وقال في الخوخ:
وطيب الريق عذب آب في آب وزار مشتملًا في زي أعراب
مخمل الثوب لم تخمل رئاسته بين الفواكه من نقصٍ ولا عاب
خالسته نظري فاحمر من خجلٍ خداه ثم انثنى عني كمرتاب
من اسمه فيه مقلوبًا ومبتدئًا أربى على اللوز في تطريز جلباب يريد أن الخوخ يقرأ من طرفيه؛ وفيه يقول:
لم أر كالفرسك جلبابا كأنه قد سكن الزابا
من طرفيه يتأتى اسمه فإن تفطنت له ثابا وقال في الفستق: [٤٥أ]
صدف أبيض نقي ذو بهاءٍ ورونق
متفر عن جوهر أخضر فيه مطبق
كل صبغٍ يعزى إلى لونه قيل فستقي
[ ٣ / ٢١٧ ]
وقال في العناب:
أما ترى ثمر العناب موقرةً بكل أحمر لماعٍ من الخرز
وقد تدلت به الأغصان مائلةً مثل العثاكيل من صدر إلى عجز
وقد حمتها عن الأيدي أسنتها حذار مفترس أو خوف منتهز وقال:
ما طلعت في قوسها إلا بدا قوس قزح
نفس وما من نفسٍ روح ولكن لا شبح
شرارة تلمحها قرارة لمن لمح
ولست من شرابها ولا لها بمقترح
ولا أنا مغتبق بها ولا بمصطبح
لكنني أمدحها تظرفًا في من مدح الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر الايادي
أحد الأفراد امجاد من إياد، وهو وإن كان في وقتنا البحر الذي لم يبلغ بالتحصيل، والصبح الذي لا يفتقر معه إلى دليل، فإني أجريت ذكره في نفس هذا الديوان نفسًا، واجتلبت قطعةً من شعره أقمتها للآداب عرسًا، وجعلتها لألباب الشعراء والكتاب مدوسًا، مع أنه أعلى قدرًا، وأبهر ذكرًا، من أن يعبر الدهر عن علاه، أو يدعي الشعر أنه من حلاه؛ ولم أظفر عند تحريري هذه النسخة بشيء من نثره، فلذلك اقتصرت على جملة من شعره، جعلتها ذريعةً إلى إجراء ذكره، ولولا ترتيب اقتضاه
[ ٣ / ٢١٨ ]
هذا التأليف، وقضى به التصنيف، لحل ذكره من هذا الديوان محل زحل من الفلك، والتاج من مفرق الملك.
وقد قدمت في أخبار القاضي ابن عباد من إظلام أفقه - كان - على الأشكال، واجتماع فرقه من الأغفال، بما أغنى عن إعادة المقال. وكان الفقيه جده محمد بن مروان بن زهر، منشأ تلك الدولة العبادية أول من تثنى عليه الخناصر، وتشير إليه القلوب والنواظر، وتفتقر إلى ما لديه الألباب والبصائر، فضاقت دولته عن مكانه، ضيق صدر العاشق عن كتم أشجانه، واسترابت لجلالة شانه، استرابة المنافق بتلجلج لسانه؛ وأهمه أمره حتى أخرجه عن بلده، واستصفى ذات يده، فلحق بشرق الأندلس، وأقام بها بقية عمره، بين جاهه ووفره، وفي حصنٍ حصينٍ من سلامة سره وجهره.
ونشأ ابنه الوزير أبو مروان عبد الملك بن محمد فما بلغ أشده، حتى سد مسده، بل ما خلع تمائمه، حتى استوفى مناقبه ومكارمه، وورث مباديه وخواتمه، ومال إلى التفنن في أنواع التعاليم من الطب وغيره من العلوم، فجمع شعاعها، واستوفى أجناسها وأنواعها، وجذب بضبعها، وفرق بين غربها ونبعها، ورحل إلى المشرق لأداء حج الفريضة فملأ البلاد جلالةً، ورجح الأطواد أصالةً، ولم يلق أحدًا من زعماء تلك الأقطار إلا عول على ما عنده، وتجاوز في الأخذ عنه عفوه وجهده.
[ ٣ / ٢١٩ ]
ونشأ أبو العلاء زهر بن عبد الملك فاخترع فضلًا لم يكن في الحساب، وشرع نبلًا قصرت عنه نتائج الألباب، وكنا نتوقع الحمام حتى سطا، وننتجع الغمام إلى أن أعطى، لو ساجل البحر لفضحه، أو وازن الدهر لرجحه، نشأ بشرق الأندلس والآفاق تتهادى عجائبه، والشام والعراق تتدارس بدائعه وغرائبه، ومال إلى علم الأبدان، فلولا جلالة قدره، لقلنا جاذب هاروت طرفًا من سحره، ولولا أن الغلو آفة المديح، لتجاوزت طلق الجموح، ولكن اكتفيت بالكناية عن التصريح، وصلوات الله على المسيح. [٤٥ب] ولم يزل مقيمًا بشرق الأندلس إلى أن كان من غزوة أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، في من انضم إليه من ملوك الطوائ إلى حصن لييط ما كان، فشخص الوزير أبو العلاء معهم، فلقيه المعتمد واستماله واستهواه، وكاد يغلب على سره ونجواه، وصرف عليه بعض أملاكه، فحن إلى وطنه، حنين النجيب إلى عطنه، والكريم إلى سننه، ونزع إلى مقر سلفه، نزوع الكوكب إلى بيت شرفه، إلا أنه لم يستقر بإشبيلية إلا بعد خلع المعتمد، ودعا به أمير المسلمين، ﵀، فلباه، وحل من نفسه محلًا لم يحله الماء من الظمآن، ولا الروح من جسد الجبان، وقد أخرجت من ملح أشعاره ما يعطل شذا الزهر، ويخجل سنا الأنجم الزهر.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
جملة من مقطوعاته الاخوانيات
كتب إليه حسام الدولة ابن رزين بهذه الأبيات:
عاد اللئيم فأنت من عدائه ودع الحسود بغله وبدائه
لا كان إلا من غدت أعداؤه مشغولةً أفواههم بجفائه
أأبا العلاء لئن حسدت لطالما حسد الكريم بجوده ووفائه
فخر العلاء فكنت من آبائه ونأى السناء فكنت من أبنائه
كن كيف شئت مشاهدًا أو غائبًا لا كان قلب لست في سودائه
وإليك كأسًا من ودودٍ ممحضٍ مملوءة من وده وصفائه فأجابه الوزير أبو العلاء بقوله:
يا صارمًا حسم العلا بمضائه وتعبد الأحرار حر وفائه
ما أثر العضب الحسام بذاته إلا بأن سميت من أسمائه
ولقد غدا رأي الزمان بمعزلٍ حتى استمد الرشد من آرائه
عنت الملوك لفضله وعلائه وتبرقعت شمس الضحى لسنائه
شرفت ذا أمل بكأسٍ لو غدت سمًا لما قابلتها بدوائه
كيما أكون الدهر مكلوءًا به وأرى رهين الرمس من شهدائه قال ابن بسام: قول ابن رزين: " فخر العلاء فكنت من آبائه "
[ ٣ / ٢٢١ ]
البيت، للشعراء تصرف في اشتقاق المدائح من أسماء الممدوحين، ومنه قول ابن الرومي:
كأن أباه حين سماه صاعدًا رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد ولما سمع البحتري هذا البيت قال: مني أخذه في العلاء بن صاعد:
سماه أسرته العلاء وإنما قصدوا بذلك أن تتم علاه وقال ابن البين البطليوسي في الوزير أبي الأصبغ بن المنخر:
شم الأنوف لذاك ما سموا بها ومن المسمى تؤخذ الأسماء وقال أبو بكر بن سوار في القاضي ابن حمدين: [٤٦أ]
من معشر حمدوا فأحمد سعيهم فلذاك ما سموا بني حمدين وقال الصاحب بن عباد: وقد قتل المتنبي من هذا حبلًا اختنق به، فقال:
في رتبة حجب الورى عن نيلها وعلا فسموه علي الحاجبا وقال أبو الوليد بن حزم في الوزير أبي العلاء المذكور:
[ ٣ / ٢٢٢ ]
أما العلاء فلن تزاحمك العدا فيه وحسبك أن دعيت له أبا ومن جواب الوزير أبي العلاء له:
أجريت طرفك في العتاب وربما - وقيت - من أجرى بلا قصد كبا
عتبي ولا عتب لدي، وإن بنا استبدلت برقًا شام لحظك خلبا
لخبا وضمن من سجايا ذاته نفحات غدرٍ ضمن هبات الصبا
ولطالما فيه انخدعت إخاله نصلًا فلما أن ضربت به نبا
ما كل ناضر دوحةٍ روضًا ولا كل ضياء راق حسنًا كوكبًا وقول الوزير أبي العلاء: " وربما وقيت "، من مليح الالتفات، وهو عند بعض أهل النقد تتميم، والالتفات أول به وأشك بمعناه، ومنه قول كثير:
لو أن الباخلين وأنت منهم رأوك تعلموا منك المطالا وقوله: " وأنت منهم " التفات، وقد سماه ابن المعتز: " اعتراضًا " وجعله بابًا على حدته بعد الالتفات، وغيره جمع بينهما. وقال النابغة:
ألا زعمت بنو عبسٍ بأني، ألا كذبوا، كبير السن فان
[ ٣ / ٢٢٣ ]
فقوله: " ألا كذبوا " اعتراض؛ وقال بعض العرب:
فظلوا بيومٍ دع أخاك بمثله على مشرع يروي ولما يصرد فقوله: " دع أخاك بمثله " التفات مليح؛ وقال عوف بن محلم:
إن الثمانين، وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقال إسحاق الموصلي: سألني الأصمعي وقال: أتعرف التفاتات جرير - قلت: وما هي - فأنشدني:
أتنسى إذ تودعنا سليمى بفرع بشامةٍ سقي البشام وقال لي: أما تراه مقبلًا على شعره ثم التفت إلى البشام فدعا له - وأنشد له ابن المعتز:
متى كان الخيام بذي طلوحٍ سقيت الغيث أيتها الخيام وأحسن ابن المعتز في العبارة عن الالتفات، حيث قال: هو انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار وتلا قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف﴾ (يونس: ٢٢) وأنشد لأبي عطاء السندي يرثي عمر بن هبيرة:
[ ٣ / ٢٢٤ ]
وإنك لم تبعد على متعمدٍ بل كل من تحت التراب بعيد وهو عندهم استدراك؛ وأنشد ابن المعتز في هذا النوع لبشار: [٤٦ب]
نبئت فاضح أمه يغتابني عند الأمير، وهل علي أمير - وما أملح قول نصيب:
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا سنا بارقٍ نحو الحجاز أطير فقوله: " ولم أخلق من الطير " عجب. ولما سمعت التي قيل فيها هذا البيت تنفست تنفسًا شديدًا، فصاح ابن أبي عتيق: أواه، زاه!! قد والله أجابته بأحسن من شعره، والله لو سمعك لنعق وطار، فجعله ابن أبي عتيقٍ غرابًا لسواده، وأنشدوا للعباس بن الأحنف:
إن تم ذا الهجر يا ظلوم، ولا تم، فما لي في العيش من أرب وقال عدي بن زيد، وهو في حبس النعمان:
فلو كنت الأسير، ولا تكنه، إذًا علمت معد ما أقول واستقصاء ذكر هذا الباب، مما يضخم حجم الكتاب.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وقول الوزير أبي العلاء: " ما أثر العضب الحسام بذاته " البيت، من مليح المدح في حسن التعرف بجنس السيفية؛ وأبو الطيب ممن اتخذ سببًا إلى سمائها وعرج، وقرع بابها حتى دخل كيف شاء وخرج، كقوله:
لقد رفع الله من دولةٍ لها منك يا سيفها منصل وكقوله:
لولا سمي سيوفه ومضاؤه لما سللن لكن كالأجفان وكقوله:
تسمى الحسام وليست من مشابهةٍ وكيف يشتبه المخدوم والخدم وقال:
قلد الله دولةً سيفها أن ت حسامًا بالمكرمات محلى
فإذا اهتز للندى كان بحرًا وإذا اهتز للوغى كان نصلا وقال:
وإن الذي سمى عليًا لمنصف وإن الذي سماه سيفًا لظالمه
وما كل سيف يقطع الهام حده وتقطع لزبات الزمان مكارمه وقال:
إن الخليفة لم يسمك سيفه حتى بلاك فكنت عين الصارم
وإذا تتوج كنت درة تاجه وإذا تختم كنت فص الخاتم
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وقال:
من للسيوف بأن يكون سميها في أصله وفرنده ومضائه
طبع الحديد فكان من أجناسه وعلي المطبوع من آبائه ولما أفضت الحال، بالمعتمد إلى الاعتقال، وحبس بأغمات، اعتلت بعض كرائمه في أثناء ذلك، والوزير أبو العلاء هنالك، فبادر إلى مرغوبه، وسارع إلى تأتي مطلوبه، ولم يلتفت إلى ما كان سلف بين سلفيهما من معانٍ، قضتها صروف الزمان، واقتضتها حماية السلطان، فلاطف علاجها ورفع قدر المعتمد بالتبجيل، ودعا له بالبقاء الطويل، وكتب إليه المعتمد إثر ذلك بهذه الأبيات، وذكر قصة غريبة وهي: أن أكرم بناته ألجأها الحين إلى استدعاء غزل بأجرة تسد بعض خلتها، فأدخل إليها في جملة ما أخرج غزل لبنت عريف شرطته المنتقل إليه من دولة غرناطة، وعلم الأمر بعد ذلك فتعجب من تقلب الدهر، وفي ذلك يقول للوزير المذكور: [٤٧أ]
دعا لي بالبقاء وكيف يهوى أسير أن يطول به البقاء
أليس الموت أروح من حياةٍ يطول على الشقي بها الشقاء
[أأرغب أن أعيش أرى بناتي عواري قد أضر بها الحفاء]
خوادم بنت من قد كان أعلى مراتبه - إذا أبدو - النداء
وطرد الناس بين يدي مروري وكفهم إذا غص الفناء
[ ٣ / ٢٢٧ ]
وركض عن يمين أو شمال إذا اختل الأمام أو الوراء
ولكن الدعاء إذا دعاه ضمير خالص نفع الدعاء
جزيت أبا العلاء جزاء بر نوى برًا وصاحبك العلاء
سيسلي الكل عما فات علمي بأن الكل يدركه الفناء فأجابه الوزير أبو العلاء بأبيات، قال فيها:
تنافست المراتب فيك حتى حللت العسر إذ نحب الشقاء
عزيز أن ينال البحر نهي وتسقي الكوثر العذب الرشاء
ويلقى في متون الرمل ماء وتشكو غاية المحل السماء
ولكن الزمان بلؤم طبعٍ على الحر الشريف له اعتداء
ومجدك إنه قسم عظيم به وجد السنا وله السناء
لكنت الغيث إن محل تبدى وكنت الليث إن عن اللقاء
ومثلك، عز قدرك عن مثيل يؤمل أن يطول له البقاء
لأنك في سماء المجد نجم به لنواظر الدنيا جلاء
وغاية كل شيءٍ لانتهاءٍ وأنت لغاية المجد انتهاء وخاطبه الوزير أبو محمد بن عبدون برقعةٍ خطب فيها وده، فتخلف عن جوابه لشغل عرض، فأعاد عليه ثانية بهذه الأبيات:
نصيبي من الدنيا مودة ماجدٍ أهيم به سرًا وأخدمه جهرا
[ ٣ / ٢٢٨ ]
له الخير إن يأذن أقل غير عاذل وإن يأب اسكت عنه لا طالبًا عذرا
خطبت إليه من هواه عقيلةً وأعطيت من شكري وأغل به مهرا
فأطرق لم ينبس بحرفٍ ولم يعد إليّ جوابًا منه نظمًا ولا نثرًا
وما الصمت في هذا المكان لسنةٍ فإني لم أخطب مودته بكرا
فإن زفها دوني إلى كل خاطبٍ فلم ير مثلي لا وفاء ولا برا
وإن حدثت منه إليّ إجابة عذرت عن الأولى ولم أكفر الأخرى فأجابه الوزير أبو العلاء:
وفاؤك ما أسنى وفضلك ما أسرى ومجدك ما أسمى وزندك ما أورى
إذا رمت نثرًا جئت بالسحر ناثرًا وإن حكت شعرًا جئت بالآية الكبرى
بسطت بعفو القول يمنى ولمت أن قبضت ولم أمدد إليها يدًا يسرى
ولو نهضت بي نحو سؤلي قدرة إذن لم أدع في الشكر نظمًا ولا نثرًا
عقيلة نظمٍ عن يسار زففتها لكفؤ ودادٍ ولم تجد كفؤه مهرا
فما لجميل الظن يحسب أنني صمت لكبر حين عدت به سرا
أنزه ذاك الفضل عن كشف سوءة لجأت إليها حين أرهقني عسرا ما وجدته من شعر أبي العلاء في النسيب
كلفه حسام وصف غلام قائم على رأسه. فقال:
[ ٣ / ٢٢٩ ]
تضاعف وجدي إذ تبدى عذاره وتم فخان القلب مني اصطباره [٤٧ب]
وقد كان ظني أن سيمحق ليله بدائع حسنٍ هام فيها نهاره
فأظهر ضد ضده فيه إذ وشت بعنبر صدغيه على الخد ناره وقال فيه:
محيت آية النهار فأضحى بدر تمٍ وكان شمس نهار
كان يعشي العيون نورًا إلى أن شغل الله خده بالعذار كأنه ألم في هذا بقول الآخر:
حلقوا رأسه ليزداد قبحًا حذرًا منهم عليه وشحا
كان قبل الحلاق ليلًا وصبحًا فمحوا ليله وأبقوه صبحا وقال فيه:
عذار ألم فأبدى لنا بدائع كنا لها في عمى
ولو لم يجن النهار الظلام لم يستبن كوكب في سما وقال فيه:
تمت محاسن وجهه وتكاملت لما استدار عليه صبح مونق
وكذلك البدر المنير جماله في أن تكنفه جمال أزرق
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وهذا كقول ابن برد وقد تقدم:
يا ثوبه الأزرق الذي قد فاق العراقي في السناء
كأنه فيه بدر تم يشق في زرقة السماء وإنما أخذه من قول ابن المعتز:
الآن صرت البدر حي ن لبست ثوب سمائه وله وهو مما طبق المفصل في الغرض واستوفى معنى لم أر أحدًا يستوفيه، وجمعه من ألفاظ أدبية، ومعانٍ فلسفية، وأبرزه في صورة من الحسن يوسفية:
يا راشقي بسهام ما لها غرض إلا فؤادي وما منها له غرض
وممرضي بجفون لحظها غنج صحت وفي صنعها التمريض والمرض
امنن ولو بخيال منك يؤنسني فقد يسد مسد الجوهر العرض
[ ٣ / ٢٣١ ]
ومنهم الوزير الفقيه أوبع عبيد البكري
وكان بأفقنا آخر علماء الجزيرة بالزمان، وأولهم بالبراعة والإحسان، وأبعدهم في العلوم طلقًا، وأنصعهم في المنثور والمنظوم أفقًا، كأن العرب استخلفته على لسانه، أو الأيام ولته زمام حدثانها، ولولا تأخر ولادته، وعهدة في زيادته، لأنسى ذكر كنيه المتقدم الأوان، ذرب لسان، وبراعة إتقان، ولا يجمع الزمان حبه، إلا كما يؤلف كتبه، ولا يهز البرق حسامه، إلا كما يصرف أقلامه، ولا يتدفق البحر إلا كما يجيش صدره، ولا يكون السحر إلا كما يروق نظمه ونثره، وله تقدم سبقٍ. وسلف صدقٍ. وقد كان لسلفه بغربي جزيرة الأندلس إمرة قعدوا منها مقعد أكابر الأمراء من الخروج عن الطاعة، والاستبداد عن الجماعة، ولهم في ذلك، وللمعتضد قريع أقرانهم، الذي طم واديه على
[ ٣ / ٢٣٢ ]
قريانهم، أخبار ذكرها ابن حيان، وقد ألمعت منها بلمع ليتصل الكلام، ويستقيم النظام.
- فصل في أخبار البكريين من أمراء الغرب
[٤٨أ] قال ابن حيان: لما تولى الوزير أبو الوليد بن جهور الإصلاح بين ابن الأفطس والمعتضد، بعد امتداد شأوهما في الفتنة، وسنى الله السلم بينهما في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين، اعتدى بعد ذلك المعتضد على جاريه ابن يحيى أمير لبلة، وأبي زيد البكري أمير شلطيش وأنبة فأخرجهما عن سلطانهما الموروث، وحصل له عملهما بلا كبير مؤنة، وضمه إلى سائر عمله العريض، وازداد بذلك المعتضد سلطانًا وقوة، وذلك أنه لما خلا وجهه من المظفر بن الأفطس فرغ لابن يحيى بلبلة وصمم في قصده بنفسه، فنزل ابن يحيى له عن لبلة وخرج عن البلد، وانزعج إلى قرطبة: وردها مسلوب الإمارة، لائذًا بكنف ابن جهور ساد الخلة
[ ٣ / ٢٣٣ ]
ومأوى الطريد. وكان من الغريب النادر أن شاركه المعتضد بقطعةٍ من خيله أوصلته إلى مأمنه بقرطبة.
ثم سقط إلينا النبأ بعد امتداد يده إلى البكري بولبة وشلطيش؛ وكان هذا الفتى أبو زيد البكري وارث ذلك العمل لأبيه، وكان أبوه من بيت الشرف والحسب والجاه والنعمة، والاتصال القديم بسلطان الجماعة، وكان له ولسلفه قبل إسماعيل بن عباد جد المعتضد وسائل وأذمة خلفاها في الأعقاب اغتر بها عبد العزيز البكري، فبادر البعثة إلى المعتضد ساعة دخل لبلة يهنئه بما تهيأ له منها، وذكره بالذمام الموصول بينهما، واعترف بطاعته، وعرض عليه التخلي عن ولبة، وإقراره بشلطيش إن شاء، فوقع له ذلك من المعتضد موقع إرادة، ورد الأمر إليه فيما يعزم عليه، وأظهر الرغبة في لقائه، وخرج نحوه يبغي ذلك، فلم يطمئن عبد العزيز إلى لقائه، وتحمل بسفنه بجميع ماله إلى جزيرة شلطيش، وتخلى للمعتضد عن ولبة، فحازها حوزه للبلة، وبسط الأمان لأهلها، واستعمل عليها ثقةً من رجاله، ورسم له القطع بالبكري، ومنع الناس طرًا من الدخول إليه، فتركه محصورًا وسط الماء إلى أن ألقى بيده من قربٍ ولم يغرب عنه الحزم، فسأل المعتضد أن ينطلق انطلاق صاحبه، فأمنه، ولحق بقرطبة، وبوشر منه رجلًا سريًا عاقلًا عفيفًا أديبًا يفوت صاحبه ابن يحيى خلالًا وخصالًا إلى زيادة عليه ببيت السرو والشرف، وبابن له من الفتيان بز الأقران جمالًا وبهاءً وسروًا وأدبًا ومعرفة، يكنى أبا عبيد. وتحدث الناس من حزم عبد العزيز يومئذ أنه لما احتل بشلطيش علم أنه لا
[ ٣ / ٢٣٤ ]
يقارع عبادًا، فأخذ بالحزم أولًا، وتخلى له عنها بشروط وفى له بها، فباع منه سفنه وأثقاله بعشرة آلاف مثقال، واحتل قرطبة في كنف ابن جهور المأمون على الأموال والأنفس، وصفت لعبادٍ تلك البلاد، لو أن شيئًا يدوم صفاؤه، والملك لله وحده.
[فصل من نثره
له من كتاب يهنئ فيه المعتمد بالفتح الذي كان سنة تسع وسبعين وأربعمائة: أطال الله بقاء سيدي ومولاي الجليل القدر، الجميل الذكر، ذي الأيادي الغر، والنعم الزهر، وهنأ ما منحه من فتح ونصر، واعتلاء وقهر؛ بالطالع السعد يا مولاي أبت، وبسانح اليمن عدت، وبكنف الحرز عذت، وفي سبيل الظفر سرت، وبقدم البر سعيت، وبجنة العصمة أتيت، وبسهم السداد رميت فأصميت، صدر عن أكرم المقاصد، وأشرف المشاهد، وعود بأجل ما ناله عائد، وآب به وارد، فتوح أضحكت مبسم الدهر، وسفرت عن صفحة البشر، وردت ماضي العمر، وأكبت واري الكفر، وهزت أعطاف الأيام طربا، وسقت أقداح السرور نخبا، وثنت آمال الشرك
[ ٣ / ٢٣٥ ]
كذبا، وطوت أحشاء الطاغية رهبا، فذكرها زاد الراكب، وراحة اللاغب، ومتعة الحاضر ونقلة المسافر:
بها تنهض الأحلاس في كل منزلٍ وتعقد أطراف الحبال وتطلق شملت النعمة، وجبرت الأمة، وجلت الغمة، وشفت الملة، وبردت الغلة وكشفت العلة.
كان داء الإشراك سيفك واشت دت شكاة الهدى وكان طبيبا فغدا الدين جديدًا، والإسلام سعيدًا، والزمان حميدًا، وعمود الدين قائمًا، وكتاب الله حاكمًا، ودعوة الإيمان منصورة، وعين الملك قريرة، فهنأ الله مولانا وهنأنا هذه المنح البهية مطالعها، الشهية مواقعها، المشهورة آثارها، المأثورة أخبارها، ونصر الله أعلامه ففي البر تحل وتعقد، وعضد حسامه فبالقسط يسل ويغمد، وأيد مذاهبه فبالتحزم تسدى وتلحم، وأمد كتائبه ففي الله تسرج وتلجم، فكم فادح خطب كفاه، وظلام كرب جلاه، وميت حق أحياه، وحي باطل أرداه، وكم جاحم ضلالة أطفأ ناره، وناجم فتنة قلم أظفاره، ومغلول أسنة أرهف شفاره، ومستباح حرمة حمى ذماره.
فلله هذه المساعي الكريمة، والمنازع القويمة، المتبلجة عن ميمون النقيبة ومحمود العزيمة، فقد تمثل بها العهد الأول والقرن الأفضل الذي أخرج للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والذي سطع هذا السراج، وانتهج هذا المنهاج، فلا زالت الفتوح تتوالى عليه، وصنائع الله تتصل لديه، إدالةً من مشاقيه، وإذالة لمحاربيه، وإبادة لمناوئيه، وإن أجل هذه النعم في الصدور، وأحقها بالشكر الموفور، ما من الله به من سلامة مولاي التي هي
[ ٣ / ٢٣٦ ]
جامعة لعز الدين، وصلاح كافة المسلمين، بعد أن صلي من الحرب نيرانها، فكان أصبت أركانها، وأصبر أقرانها:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضاح وثغرك باسم فلله الحمد والإبداع والإلهام، وله المنة وعلينا متابعة الشكر والدوام، وفازت الكف الكليم، بأعلى قداح المكلوم لدى المقام الكريم، وإنها لهي التالية للأصبغ الدامية، في المنزلة العالية:
بصرت بالراحة العليا فلم ترها تنال إلا جسرٍ من التعب جملة من شعر أبي عبيد البكري
قال يخاطب أبا الحسن إبراهيم بن محمد المعروف بابن السقاء وزير ابن جهور، وقد خرج رسولًا إلى اديس بن حبوس بغرناطة:
كذا في بروج السعد ينتقل البدر ويحسن حيث احتل آثاره القطر
وتقتسم الأرض الخطوط فبقعة لها وافر منها وأخرى لها نزر
لذل مكان غاب عنه مملكي وعز مكان حله ذلك البدر
فلو نقلت أرض خطاها لأقبلت تهنيه بغداد بقربك أو مصر وله في المعتمد عندما أجاز البحر مستجيرًا بأمير المسلمين وناصر الدين:
[ ٣ / ٢٣٧ ]
يهون علينا مركب الفلك أن يرى محيا العلا لما نبا مركب الجرد
فجزنا أجاج البحر نبغي زلاله وذقنا جنى الشريان نبغي جنى الشهد
يذكرنا ذاك العباب إذا طمى ندى كفك الهامي على القرب والبعد ومنها:
محمد يا ابن الأكرمين أرومة ليهنك تشييد المكارم والمجد
فلو خلد الإنسان بالمجد والتقى وآلائه الحسنى لهنئت بالخلد وله:
أجد هوى لم يأل شوقًا تجددا ووجدًا إذا أتهم الحب أنجدا
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى فيرفع مجرورًا ويخفض مبتدا
ومن لم يحط بالناس علمًا فإنني بلوتهم شتى مسودًا وسيدا وله، وكان مولعًا بالخمر:
خليلي إني قد طربت إلى الكاس وتقت إلى شم البنفسج والآس
فقوما بنا نلهو ونستمع الغنا ونسرق هذا اليوم سرًا من الناس
فليس علينا، في التعلل ساعة وإن وقعت في عقب شعبان من باس]
[ ٣ / ٢٣٨ ]
في ذكر ذي الوزارتين الفقيه الكاتب أبي بكر محمد بن سليمان
المعروف بابن القيصرة
وهو في وقتنا جمهور البراعة، وبقية أئمة الصناعة، وعذبة اللسان العربي، وسويداء قلب هذا الإقليم الغربي، بحر علمٍ لا ينزح، وجبل حلمٍ لا يزحزح، من بعض كور إشبيلية، نشأ في دولة المعتضد، شهر بالعفاف فلزمه، ويسر للعلم فتعلمه وعلمه، وكانت له نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام، والخروج على الأيام، وهو دائبًا يغض عنانها فتجمح، ويطأطئ من غلوائها فتتطاول وتطمح، ممتنعًا من خدمة السلطان، قاعدًا بنفسه عن مرتبة نظرائه من الأعيان، بين عفة تزهده، وهيبة من المعتضد تقعده، حتى فطن له ذو الوزارتين ابن زيدون، فلم يزل يضرح قذى العطله عن مائه، ويعلي رماد تلك الهيبة عن نار ذكائه، إلى أن نبه عليه المعتضد [٤٨ب] آخر دولته، فتصرف فيها قليلًا على تقية من تلك البقية
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وتقشف من ذلك التعفف، إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد، وأحسبه قد كان في أيام أبيه، من بعض من يداخله ويصافيه، فحباه من علاه بنصيب، وسقاه من نداه ببحرٍ لا بذنوب، وأنهضه إلى مثنى الوزارة، وأكثر ما عول عليه في السفارة، فسفر غير ما مرةٍ بينه وبين حلفائه من ملوك الطوائف بأفقنا، حتى انصرفت وجوه آمالهم إلى أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، فسفر ذو الوزارتين بينهما مرارًا فكثر صوابه، واشتهر في ذات الله مجيئه وذهابه، واضطر المعتمد إليه قريبًا من آخر دولته، فعظمت حاله، واتسع مجاله، واستولى على الدولة استيلاء قصر عنه أشكاله، إلى أن كان من خلعه ما كان، فكان ذو الوزارتين أحد من حرب، وفي جملة من نكب. وأقام على تلك الحال، نحوًا من ثلاثة أحوال، حتى تذكره أمير المسلمين بما كان عهد من حسن خليقته، وسداد طريقته؛ وقد حدثت أن سبب ذلك الذكر، كتاب كان ورد من صاحب مصر، لم يكن بد من الجواب عليه والإنصاف منه، وتفقد يومئذ أعلام المشاهير، فكان ذو الوزارتين أقرب مذكور، فاستدعاه لحينه، وولاه كتبة دواوينه، ورفع شانه، حتى أنساه زمانه، وقد أثبت من كلامه مما أنشأه في الدولتين، ما يملأ ذكره الخافقين.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
جملة من إنشاءاته السلطانيات مع ما يتعلق بها
ويذكر بسببها
له من رقعة وردت على الجناح بهزيمة الطاغية اذفونش، قصمه الله، يوم الجمعة المشهور، الذي أباد الله فيه عبدة الطواغيت على يدي أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، قال فيها:
كتبت صبيحة يوم السبت الثالث عشر من رجب، وقد أعز الله الدين، وأظهر المسلمين، وفتح لهم بفضله على يدي مسعانا الفتح المبين، بما يسر الله في أمسه وسناه، وقدره سبحانه وقضاه، من هزيمة أذفونش بن فرذلند، أصلاه الله - إن كان طاح - الجحيم، ولا أعدمه - إن كان أمهل - العيش الذميم، كما قنعه الخزي العظيم، وإتيان القتل على أكابر رجاله وحماته، وأخذ النهب في سائر اليوم والليلة المتصلة به إلى جميع محلاته، وحضور العدد الوافر بين يدي من رؤوسهم، ولم يحتز منها إلا ما قرب، وامتلاء الأيدي مما قبض ونهب، واتخذ الناس هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، ويشكرون الله تعالى على ما صنع فيها، والتتبع بعد في آثارهم، وتمادي الطلب من وراء فرارهم؛ والذي لا مرية فيه أن الناجي منهم قليل، والمفلت
[ ٣ / ٢٤١ ]
من سيوف الهند بسيوف الجوه والبعد مقتول، ولم يصبني بحمد الله إلا جرح أشوى، وعنت رغب حسن المآل عندي وزكى، فلا يشتغل لك بذلك بال، ولا تتوهم فيه غير ما أشرت إليه، والحمد لله على ما صنع حق حمده، وهو أهل المزيد الذي لا يرجى إلا من عنده.
قال ابن بسام: وشهر رجب الذي ذكره كان سنة تسع وسبعين.
ثم ورد بعد كتاب من إنشائه يشرح جمل هذا الفتح وتفصيله، قال في بعض فصوله: وقد علم ما كنا قبل مع عدو الله اذفونش بن فرذلند، قصمه الله، من تطأطؤنا واستعلائه، وتقامئنا وإنتخائه، وأنا لم نجد لدائه دواء، ولا لبلائه انقضاءً، ولا لمدة الامتحان به فناءً، إلى أن سنى اتلله تعالى من استصراخ أمير المسليمن وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، معقلي الأحمى - أيده الله - ما سنى، وأدنى من نأي دياره وشحط مزاره ما أدنى، فلم أزل أصل بيني وبينه الأسباب، وأستفتح إلى ما كنت أتخيل من نصره الأبواب، إلى أن ارتفعت الموانع قبله، وانتهجت السبل القصية له؛ ثم أجاز - على بركة الله وعونه - يريش ويبري، وصار بعد قدمًا يخلق ويفري، ويتتبع وجوه الحزامة [٤٩أ] كيفما اتجهت ويستقري، وأنا أنجده بوسعي، وأسعده على حسب ما يطيقه ذرعي، إلى أن صرنا معشر الحلفاء
[ ٣ / ٢٤٢ ]
ببطليوس - حرسها الله - واتفق رأينا بعد تشاورٍ على قصد قورية - حرسها الله - وسمع العدو - لعنه الله - بذلك، فصمد من محتشده إليها في جيوش تملأ الفضاء، وتسد الهواء، وتمنع أن تقع على ما تحت راياته ذكاء، قد تحصنوا بالحديد من قرونهم إلى أقدامهم، واتخذوا السلاح ما يزيد في جرأتهم وإقدامهم، ولما أشرف على جنابها، ولسنا بها، ودنا من أعلامها، ولم يتجه لنا بعد ما أردنا من إلمامها، دعاه تعاظمه إلى مواجهة سبيلنا، وحمله نفجه وتهوره على السلوك في مدرج سيولنا.
وفي فصل منها: فدنونا إليه بمحلاتنا - نصرها الله - ثم اضطربناها بازائه، وأطللنا عليه براياتنا حتى كدنا نركزها بفنائه، ورأى - لعنه الله - ما اعتمدناه من إصغاره وإخزائه، فأجمع مضطرًا على اللقاء، وقدم بعض أخبيته دهشًا في الرقعة التي كانت بيننا على صغرها من بساط الفضاء، وقد تيقن أنه إن أخذ المسلمون مصافهم، ورتبوا في مواقعهم كوافهم، اصطلم عن آخره جمعه، واجتث أصله وفرعه، فاهتبل فيما قدر غرةً، وحمل ولم يكن - بحمد الله - ما استشعره مرةً، فتنادى المسلمون بشعارهم المنصور، وقبلوا عليه وعلى من معه في حالٍ مؤذنةٍ بالظهور والوفور، فتواقف قليلًا الجمعان، وتجاول مليًا الفريقان، وللسيوف حكمها، ومن الحتوف حدها المفهوم ورسمها، ثم صدق أمير المسلمين وناصر
[ ٣ / ٢٤٣ ]
الدين - أيده الله - الحملة، وصدم في جمعٍ لم يكثر عدد الجملة، فلم يلبث أعداء الله أن ولوا الأدبار، واستصرخوا الفرار، واتبعهم خيل المسلمين - نصرهم الله - بقية اليوم والليلة، تقتلهم في كل غورٍ ونجد، وتقتضي أرواحهم على حالين من كالئ ونقد، ولم يخلص منهم على أيدي المتبعين - آجرهم الله - إلا من سيلتهمه البعد، ويأتي على حشاشته الجهد، وأما محلتهم فانتهبت في أول وهلة، وشربت بأسرها في نهلة.
وفي فصل منها:
ولم يصب بحمد الله من المسلمين - وفرهم الله - على هول المقام، وشدة الاقتحام، كثير، ولا مات من أعلامهم تحت تلك الجولة إلا عدد يسير، فإن كان اذفونش - لعنه الله - لم يمت تحت السيوف بددًا، فسيموت لا محالة أسفًا وكمدًا، ونحمد الله على ما يسره من هذا الفتح الجليل وسناه، ومنحه من هذا الصنع الجميل وأولاه.
قول أبي بكر فيما كتب به عن المعتمد يومئذ: " ولم يصبني إلا جرح أشوى " تواتر النبأ أنه جرحت يده في ضنك ذلك المأزق.
وقيل في يوم الجمعة أشعار سارت بالمغارب والمشارق؛
أخبرني أبو بكر الخولاني المنجم قال: كتب إليّ أبو عبد الله بن عبادة
[ ٣ / ٢٤٤ ]
من المرية بقصيدته في صفة يوم اجمعة، فارتفعت إلى المعتمد على يدي، وهي التي يقول فيها:
وقالوا كفه جرحت فقلنا أعاديه تواقعها الجراح
وما أثر الجراحة ما رأيتم فترهبها المناصل والرماح
ولكن فاض سيل البأس منها ففيها من مجاريه انسياح
وقد صحت وسحت بالأماني وفاض الجود منها والسماح
رأى منه أبو يعقوب فيها عقابًا لا يهاض لها جناح
فقال له لك القدح المعلى إذا ضربت بمشهدك القداح [٤٩ب] وفي ذلك اليوم يقول عبد الجليل، ويمدح أمير المسلمين وناصر الدين، رحمه الله تعالى:
فثار إلى الطعان حليف صدق تثور به الحفيظة والذمام
نمي في حمير ونمتك لخم وتلك وشائج فيها التحام
فيوسف يوسف إذ أنت منه كيامن، لا وهي لكما نظام
نهجت لسيله نهجًا فوافى وفي آذيه الطامي عرام
[ ٣ / ٢٤٥ ]
فهيل به كثيب الكفر هيلًا وكل رفيغةٍ منه ركام
وصاروا فوق ظهر الأرض أرضا كأن وهادها منهم اكام
عديد لا يشارفه حساب ولا يحوي جماعته زمام
تألفت الوحوش عليه شتى فما نقص الشراب ولا الطعام
فإن ينج اللعين فلا كحر ولكن مثلما ينجو اللئام وكان اذفونش قد اضطره الخور يومئذ للفرار، فتسنم قنن الجبال الشاهقة والأوعار، إلى أن جنة ثوب الظلام، فنجا منجى الحارث بن هشام، برأس طمرة ولجام، ودخل طليطلة - أعادها الله - مع شرذمةٍ من أتباعه قليلة، وبقية من طائفةٍ لخ مخذولة مغلولة، فوصف ذلك كله عبد الجليل في هذه القصيدة، فقال:
فأين العجب يا أذفونش هلا تجنبت المشيخة يا غلام
ستسألك النساء ولا رجال فتخير ما وراءك يا عصام وهذا لفظ أبي فراس في سيف الدولة، وننشد ما قبله لاتصال المعنى به:
سلي عني سراة بني كلابٍ ببالس عند مشتجر العوالي
[ ٣ / ٢٤٦ ]
لقيناهم بأسياف قصار كفين مؤونة الأسل الطوال
تدور به نساء بني قريظٍ وتسأله النساء عن الرجال وفي هذه القصيدة يقول كأنه يخاطب أذفونش:
أقمت لدى الوغى سوقًا فخذها مناجزةً، وهون ما تسام
فإن شئت اللجين فثم سام وإن شئت النضار فثم حام
رأيت الضرب تصليبًا فصلب فأنت على صليبك لا تلام
أنام رجالك الأشقون - كلا وهل يحلو بلا رأس منام
رفعنا هامهم في كل جذعٍ كما ارتفعت على الأيك الحمام
سيعبد بعدها الظلماء لما أتيح له بجانبها اكتتام
ولا ينفك كالخفاش يغضي إذا ما لم يباشره الظلام
نضا أدراعه واجتاب ليلًا يود لو أن طول الليل عام
وليس أوان للأيم انسلاخ ولكن في ضمائره احتدام وقوله: " سيعبد بعدها الظلماء " البيت، كقول المتنبي: [١٥٠أ]
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ تخبر أن المانوية تكذب وكقول أبي تمام:
[ ٣ / ٢٤٧ ]
جفا الشرق حتى ظن من كان جاهلًا بدين النصارى أن قبلته الغرب وقوله: " يود لو ان طول الليل عام "؛ من قول المعري، وقصر عنه:
يود أن ظلام الليل دام له البيت؛ ونقله التهامي نقلًا مليحًا فقال:
وتود وجعلت سواد قلوبها وسواد عينيها سواد عذار وكانت طوائف الروم، مدة ملوك الطوائف بأفقنا قد كلب داؤهم بكل إقليم، فلاطفوهم بالاحتيال، واستنزلوهم بالأموال، فلم يزل دأبهم الإذعان والانقياد، ودأب النصارى التسلط والعناد، حتى استصفوا الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، بما كانوا ضربوا على أنفسهم من الضريبة، إلى ما يتبعها من هديات ونفقات، وشعر العصر، شاهد بالأمر، كقول حسان بن المصيصي يمدح المعتمد ويهون عليه تلك الإتاوات، من جملة أبيات:
ولم تطو دون المسلمين ذخيرةً تهين كرام المنفسات لتكرما
تحيل في فك الأسارى وإنما تعاقد كفارًا لتطلق مسلما
ما كنت ممن شح بالمال والقنا فتكنز دينارًا وتركز لهذما
فترسله للصفر أصفر عسجدًا وإن خالقوا أرسلت أبيض مخذما
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وفي ذلك يقول أبو بكر الداني من جملة قصيدة:
في نصرة الدين لا أعدمت نصرته تلقى النصارى بما تلقى فتنخدع
تنيلهم نعمًا في طيها نقم سينضر بها من كان ينتفع
وقل ما تسلم الأجسام من عرضٍ إذا توالى عليها الري والشبع
لا يخبط الناس عشوا عند مشكلةٍ فأنت أدرى بما تأتي وما تدع وهذا مدح غرور، وشاهد زور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، وهيهات!! بل حلت الفاقرة بعد بجماعتهم " حين أيقن النصارى بضعف المنن، وقويت أطماعهم بافتتاح المدن، واضطرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هو بأيديهم سبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، حتى دنوا مما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب ". وحصلت مدينة قورية وسرتة أولًا في يد العدو، إلى عدة حصونٍ وقلاع، كلها في غاية من الحصانة والامتناع، ثم لم يزل التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى حلت الفاقرة، وقضيت القضية، وتعجلت البلية، بحصول مدينة طليطلة في أيدي النصارى، وذلك في سنة ثمان وسبعين، وهي من الجزيرة كنقطة الدائرة، وواسطة القلادة، تدركها من جميع نواحيها، ويستوي في الأضرار بها قاصيًا ودانيها. وفي ذلك يقول
[ ٣ / ٢٤٩ ]
بعض الشعراء:
حثوا مطاياكم عن أرض أندلسٍ فما المقام بها إلا من الغلط [٥٠ب]
فالثوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولًا من الوسط ولعمري لو قضى بالسماع على العيان، واستغنى بالإقناع عن البرهان، واطمأن قلبه إلى التمويه، وقد رآه محضًا لا شك فيه؛ لكان كلام الداني أبي بكر، في ذلك المعنى المتقدم الذكر، برتبة ذلك أليق، وفي حلبته أجمح وأسبق، حتى لو سمعه الحارث بن هشام، لعلم أنه ثد ترك في حمد المذموم، ومعارضة الصحيح بالسقيم، طلقًا شاسعًا، ومجالًا واسعًا.
وأول من حسن الفرار، فما وقع ولا طار، الملك الضليل حيث يقول:
وما جبنت خيلي ولكن تذكرت مرابطها من بربعيص وميسرا ثم تتابع الشعراء في خدع العقول، بالتمويه المستحيل، فمن محسنٍ برز، ومن مقصر عجز، ومن أحسن ما ورد في ذلك قول حسان:
[ ٣ / ٢٥٠ ]
نوليها الملامة إن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكًا واسدًا ما ينهنهنا اللقاء الأبيات، حتى قال الحارث بن هشلام قطعته في حسن الفرار، التي صارت نهايةً في العجب، وشهادةً في تحسين نتائج الهرب، وهي قوله:
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
ونشيت ريح الموت من تلقائهم في مأزق والخيل لم تتبدد
وعلمت أني إن أقاتل واحدًا أقتل، ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم طمعًا لهم بعقاب يومٍ سرمد وسمعها بعض العجم فقال: قاتلكم الله معشر العرب، حسنتم كل شيءٍ حتى الفرار.
ومن أسحر ما ورد في ذلك للألباب، وأخدعه عن الصواب، قول ابن الرومي في سوداء، وقد تقدم في ما مر من الكتاب:
أكسبها الحب أنها صبغت صبغة حب القلوب والحدق إلى ما لا يحصى عدده، ولا يستقصى أمده.
[ ٣ / ٢٥١ ]
ومن المشاهد أيضًا على ما تقدم من الأوصاف رقاع رأيتها تكتب يومئذ بأحد بيوت الأشراف، خوطب بها العمال، في استعجال قبض تلك الأموال، منها رقعة عن المعتمد قيل فيها:
الحال مع العدو - قصمه الله - بينة لا تخفى، ومداراته - ما لم تمكن مضاهاته - أولى وأحرى، والتزم له في الصلح المتفق عليه جملة مالٍ رسم عليك منه - بعد النظر لحالك، والتحاشي من الإجحاف بمالك - كذا؛ فعجل النظ فيه، وابعثه بكتاب تجاوب على ظهره بوصوله، وبحسب تعجيلك أو تأخيرك يكون الاستدلال على طيب نفسك، وصدق ضميرك، فتدارك بالمشاركة في هذا الخطب الملم المهم الذي لا محيد عنه، ولا بد منه.
وأخرى خوطب عنه بها قواد البلاد في هذا المعنى: الحال مع العدو - قصمه الله - بينه لا تحتاج إلى جلاءٍ ولا كشف، معروفة لا تفتقر إلى نعتٍ ولا وصفٍ، ومن لا يمكن مقاواته ومخاشنته، فليس إلا مداراته وملاينته. وكان - فل الله حده، وفض جنده - قد اعتقد الخروج في هذا العام إلى بلادنا - عصمها الله - بأكثف من جموعه في العام الفارط وأحفل، وأبلغ في استعداده وأكمل، إلا أن الله تعالى يسر من إنابته إلى السلم ما يسر، ونظر لنا من حيث لا نستطيع أن ننظر، ووقع [٥١أ] الاتفاق معه على جملةٍ من المال تقدم إليه، ونستكف بها الشر
[ ٣ / ٢٥٢ ]
المرهوب لديه، فكم حالٍ كانت بخروجه تتلف، ونعمةٍ بأيدي طاغيته تنتسف؛ والرعية - حاطها الله - في هذا العام على ما يقتضيه ما عم البلاد من الفساد، وشملها من جائحة القحط والجراد، وتكليفها أداء شيء من المال الذي التزم مرتفع، وأخذها بالمعونة على ما ناب ممتنع، فلم يبق إلا أن نميل بهذه الكلفة على الخدمة ميل العموم، ونجريهم فيها على أحسن مجاري التحرير والتقويم، وهي حال تقتضي من كل من أحسن التأمل المعونة فيها، والمبادرة بحسب طاقته إليها، وقد أدرجت طي رقعتي هذه قنداقًا تسمى الخدمة قبلك فيه، ورسم على كل واحدٍ منهم ما توجبه حاله وتقتضيه، فتقدم في ما نصصته من الحال إليهم، وكلمهم بما يخفف الحال عندهم ويسهلها لديهم، ولتقبض ذلك كله في أعجل ما يمكن، فالحاجة إليه وكيدة، والضرورة حافزة شديدة.
قال: ولما كلب العدو - قصمه الله - في ذلك التاريخ، وأعضل داؤه، وجعل يطأ بلاد المسلمين، آمنًا لا يخاف، وآنسًا لا يستوحش، مقدمًا لا يكع، ومجترئًا لا يرتدع، ينزل بساحات القواعد الرفيعة، والقلاع المنيعة، فيعفي الآثار، ويستبيح الدمار، ويهتك مصون الأستار، ورمت
[ ٣ / ٢٥٣ ]
لها الأنوف، واستعذبت معها الحتوف، وحميت منها النفوس الأبية، والعدو في كل ذلك ثلج الفؤاد، رابط الجأش، لا يرقب سنان دافع، ولا يبدو له وضح سيف مدافع، لأن أكثر ملوك هذا الإقليم، كانوا يداخلون طوائف الروم، ويكتري كل واحد منهم عسكرًا بجملة من المال، يخرجه إلى بلد كاشحه، ويسلطه على معانده ممن يجاوره من البلاد، حسدًا له وطمعًا في بلده أن يصير طوع يده، فكانت نيران الفتنة بينهم مشتعلة، والرعية مهملةً، لأن جملة غلاتهم، وجميع اعتمالاتهم، كانت تتلف بأيدي تلك الطواغيت، الخارجة إليهم في أكثر المواقيت؛ وما كان يفلت من الخراب يغرمونهفي المغارم، وما يجشمونه من المجاشم، فقطعوا أيامهم بقرع الظنابيب، وشرع الأنابيب، نكايات قعدة، لا نكايات مردةٍ، إذ كان كل واحد منهم يختفي عن قرنه بقصره، ويطيل الهز لسيف غيره، ويسله على جاره، حتىغدا ذلك السيف مسلولًا عليه، كما قال أبو تمام:
عبأ الكمين له فظل لحينه وكمينه الملقى عليه كمين لأن النصارى لما اطلعوا على عوراتهم، زحفوا بطوائفهم إليهم، ولما لم يبق إلا نفس خافت ورمق زاهق، ورأى المسلمون أنهم بالجزيرة على طرف، وفي سبيل تمام وتلف، استصرخوا أمير المسلمين وناصر
[ ٣ / ٢٥٤ ]
الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، فأجاز إلى جزيرة الأندلس في صدر سنة تسع وسبعين، وبادر بنفسه وجماعته عجالًا، وتداركوها ركبانًا ورجالًا، ونفروا نحوها خفافًا وثقالًا، والنجح يقدمهم، والفلج يصحبهم، فكان من الفتح يوم الجمعة المؤرخ ما كان: صرع الله فيه عبدة الطواغيت، ووفد عليه عوضًا من آلاف دنانير الأموال، ضعفهم من الفرسان الأبطال، ففي ذلك يقول عبد الجليل من جملة قصيدة:
أتنكر العجم أن العرب سادتها وتشهد البيض والخطية السمر
لما تعارض دون الشكر كفرهم عادت بوادر فيهم تلكم البدر
وهب عن كل دينار لهم بطل كالخالص التبر مسبوك ومختبر
فليقلبوها ألوفًا من أسود وغىً تزكو على السبك لا جبن ولا خور
وليرقبوا من أمير المسلمين ومن مؤيد الدين ليلًا ما له سحر [٥١ب]
لم يهشموا الثغر إذ عاثت أكفهم لو يعقلون ولكن تلكم الثغر
وليس ما غيروا إلا لأنفسهم كأنما نبهوا إذ نامت الغير قوله: " وهب عن كل دينار لهم بطل " البيت، نبهه على هذا المعنى المتنبي بقوله:
ولو كنت في أسر غير الهوى ضمنت ضمان أبي وائل
فدى نفسه بضمان النضار وأعطى صدور القنا الذابل
ومناهم الخيل مجنونةً فجئن بكل فتىً باسل
[ ٣ / ٢٥٥ ]
وفي يوم الجمعة يقول أيضًا ابن جمهور من جملة قصيدة:
لم تعرف العجم إذ جاءت مصممةً يوم العروبة أن اليوم للعرب وهذا ينظر إلى قول أبي تمام:
لئن كان نصرانيًا النهر آلس لقد وجدوا وادي عقرقس مسلما وفي ملوك الأندلس يقول أبو الحسن ابن الجد يمدح أمير المسلمين وناصر الدين، ﵀:
في كل يوم غريب فيه معتبر نلقاه أو يتلقانا به خبر
أرى الملوك أصابتهم بأندلس دوائر السوء لا تبقي ولا تذر
قد كنت أنظرها والشمس طالعة لو صح للقوم في أمثالها النظر
ناموا وأسرى لهم تحت الدجى قدر هوى بأنجمهم خسفًا وما شعروا
وكيف يشعر من في كفه قدح تحدو به مذهلات الناي والوتر
[ ٣ / ٢٥٦ ]
صمت مسامعه عن غير نغمته فما تمر به الآيات والسور
تلقاه كالعجل معبودًا بمجلسه له خوار ولكن حشوه خور
وحوله كل مغتر وما علموا أن الذي زخرفت دنياهم غرر
فقل لمن نام أصبحت، انتبه، فلقد مضى لك الليل بحتًا وانقضى السحر
وانظر إلى الصبح سيفًا في يدي ملكٍ في الله من جنده التأييد والظفر
يرعى الرعايا بطرفٍ ساهرٍ يقظ كما رعاها بطرف ساهرٍ عمر
ردوا موارد قد أوردتم حنقًا بها الأنام ولكن ما لكم صدر
كأنني بكم قد صرتم سمرًا وما لكم في الورى عين ولا أثر
أمانكم قبل موتٍ سوء فعلكم وكيف بالذكر إذ لم تحسن السير رجعت إلى إيراد فصول من ترسيل ذي الوزارتين المذكور
فصول من رقعةٍ كتبها عنه إلى صاحب القلعة، قال فيها:
ورد كتابك الذي أنقذته من وادي منى منصرفك من الوجهة التي استظهرت عليها [٥٢أ] بأضدادك، وأجحفت فيها بطارفك وتلادك، واخفقت من مطلبك ومرادك، فوقفنا على معانيه، وعرفنا المصرح به والمشار إليه فيه، ووجدناك تتجني وتثرب على من لم يستوجب التثريب
[ ٣ / ٢٥٧ ]
وتجعل سيئك حسنًا، ومنكرك معروفًا، وخطأك صوابًا بينًا، وتقضي لنفسك بفلج الخصام، وتوليها الحجة البالغة في جميع الأحكام، ولم تنأول أن وراء كل حجةٍ أدليتها ما يدحضها، وإزاء كل دعوى أبرمتها ما ينقضها، وتلقاء كل شكوى صححتها ما يمرضها، ولولا استنكاف الجدال، واجتناب تردد القيل والقال، لنصصنا فصول كتابك أولًا فأولا، وتقريناها تفاصيل وجملًا، وأضفنا إلى كل فصل ما يبطله، ويخجل من ينتحله، حتى لا يدفع لصحته دافع، ولا ينبو عن قبول أدلته راءٍ ولا سامع، ولا يختلف اعترافًا به دانٍ ولا شاسع.
وفي فصل منها: وننشدك الله الذي ما تقوم السماء والأرض إلا بأمره، ألم نكن عندما نزغ الشيطان بينك وبين أبي عبد الله محمد بن يوسف، ﵀، وفاقم الشنآن، قد توفرنا على ما كان بالحال من إقلاق، وتأخرنا عما كانت النصبة تستقدم إليه من بدارٍ أو سباق، ولم نمد الجهة حق إمدادها، ولا كثرنا فوق ما كان يلزم من جماهير أعدادها، ولا عدلنا
[ ٣ / ٢٥٨ ]
عن جهاد المشركين، ولا أقبلنا إلا على ما يحوط حريم المسلمين، رجاء أن يثوب استبصار، أو يقع إقصار، وأنت خلال ذلك تحتفل وتحشد، وتقوم بحميةٍ وتقعد، وتبرق غضبًا وترعد، وتستدعي ذؤبان العرب وصعاليكهم من مبتعد ومقترب، فتعطيهم ما في خزائنك جزافًا، وتنفق عليهم ما كنزه أوائلك إسرافًا، وتمنح أهل العشرات مئين وأهل المئين آلافًا، كل ذلك تعتضد بهم، وتعتمد على تعصبهم لك وتألبهم، وتعتقد أنهم جنتك من المحاذير، وحماك دون المقادير، وتذهل عما في الغيب من أحكام العزيز القدير.
ونحن أثناء ما فعلت، وخلال ما عقدت وحللت، نؤم العدو - قصمه الله - فنجبهه ونكافحه، فنقدعه ونناطحه، ونتحفه من أقطاره، ونغزوه بدءًا وتعقيبًا في عقر داره، إلى أن استجمعت أخيرًا واستجشت، وترجعت إلى عرفانك وأجهشت، ولولا ماؤك الذي ثمدوه، وشارفوا إلى أن يستنفدوه، ما أووا لشكواك، ولزادوك ضغثًا على إبالة بلواك، وإنك لمتداوٍ منهم بسمٍ، ومستريح إلى غم، فبلغت معهم ما بلغت، وأرغت بهم ما أرغت، واستقبلتنا بما أثبت عن العدو ولقد أخذناه بمخنقه، وأضفنا
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أنشوطة وهق الخزي على عنقه، وأشفى على انقطاع ذمائه ورمقه، ففرجت عنه كربة لم يظنها تنفرج، ونهجت له منها وجه مخلص لم يحسبه ينتهج، وأخليت وجهه لأذى المسلمين يبدئه ويعيده، وبسطت فيهم يده وكانت في جامعة تقصره عما يريده، ولو أن صاحب رومة المشتمل معه بعباءة الكفر والشرك، المنتحل ما ينتحله من كلمة الزور والإفك، يكون مكانك من جوارنا، ويصاقب كما صاقبت قاصية دارنا، ما أتى من نصره فوق ما أتيت، ولا تولى من انتشاله، والسعي ف استقلاله، إلا بعض ما توليت، ولا أنحى على المسلمين من مضاره إلا بدون ما أنحيت، ولا بغاهم خبالًا بأكثر مما بغيت.
وما في تلك الجزيرة - عصمها الله - من صالحٍ ولا طالح إلا ما يعرضك على الله تعالى، ويرفع إليه فيك عقيرته بالشكوى، وكل ما سفك من دم، وانتهك من محرمٍ، واستهلك من ذمم، فإليك منسوب، وعليك محسوب، وفي صحيفتك مكتوب، وموعد الجزاء غدًا وإنه لقريب، فانظر ما أنجح أثرك، وأربح متجرك، وأصلح موردك ومصدرك.
وله من أخرى عنه إلى الفقيه قاضي الجماعة [٥٢ب] بقرطبة أبي عبد الله بن حمدين: وصل كتابك فوقفنا على معانيه، وأحصينا المجمل والمفضل
[ ٣ / ٢٦٠ ]
مما ذكرته فيه، والذي أومأت إليه من أن الأمر الذي وليته ذو شغوب مشغبة، واشغال على محاولها صعبةٍ، حق لا امتراء فيه، ولا غطاء عليه من محصليه، ولذلك ما اختير له، على وجه الزمان، أهل المنن من أولي الديانة والصيانة، الذين نرجو أن تكون منهم محسوبًا، وفي صدر ديوانهم مكتوبًا، فاستهد الله يهدك، واستعن بالله يعنك في صدرك ووردك، وتول القضاء القضاء الذي ولاكه الله بجد وحزم، وجلد وعزم، وأمض القضايا على ما أمضاها الله تعالى في كتابه وسنة نبيه، ولا تبال برغم راغم، ولا تشفق من ملامة لائم، وآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع قوي في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، ولا يكن عندك أقوى من الضعيف حتى تأخذ الحق له، ولا أضعف من القوي حتى تأخذ الحق منه، وانصح لله تعالى ولرسوله ﵇، ولنا ولجماعة المسلمين.
وقد عهدنا إلى جماعة المرابطين أن يسلموا لك في كل حق تمضيه، ولا يعترضوا عليك في قضاء تقضيه، ونحن أولًا وكلهم آخرًا مذ صرت قاضيًا، سامعون منك، غير معترضين في حق عليك، والعمال والعرية كافةً سواء في الحق، فإن شكت إليك بعامل وصح عندك ظلمه لها، ولا يتجه في ذلك عمل غير عزله، فاعزله، وإن شكا العامل من رعية خلافًا
[ ٣ / ٢٦١ ]
في الواجب فأشكه منها وقومها له، ومن استحق من كلا الفريقين الضرب والسجن فاضربه واسجنه، وإن استوجب الغرم في ما استهل فأغرمه، واسترجع الحق شاء أو أبى من لدنه، والأمر في استكفاء من يكفيك، ويغني في بعض الأمور عنك، إليك، ولا نشير بشيء عليك، وتصرفك أحيانًا في إصلاح صنعتك وترقيح معاشك، غير مضيقٍ عليك فيه، فاعلمه.
وله من أخرى عن المعتمد إلى ابن صمادح: إنما أشاركك - أيدك الله - في النعمة بأسوغها، وأطالعك في الهمة بأبلغها، لما أعلمه علم اليقين، وأتوسمه توسم الصبح المبين، إنك بكريم عهدك، وسليم ودك، تأخذ من ذلك بالحظ الأوفى، وتضرب في الارتياح له بالقدح المعلى، وأنفذته من حصن لييط - سها الله مرامه، وأعاد إلى يد المسلمين زمامه - وقد جرى بين فرسان من النصارى وبين سرعان من الجند - نصرهم الله - عند إطلالي عليه تناوش أطمع فيهم، ودل بأنه قد سقط في أيديهم، ثم صوبحوا يوم كذا بالحرب، وكوفحوا إلى أخرة بالغرب، بالطعن والضرب، وانصرفوا ولاذوا بالانجحار، واحتجزوا بالجدران والأسوار، ولم يكن واحد منهم يثور إلا إلى حمام، ولا يبدي جارحة إلا إلى سهم
[ ٣ / ٢٦٢ ]
رام، وفي خلال ذلك ما أمرت بشربهم فغورت منابعه، وقطعت مشارعه، وحصلوا منا ومن العطش تحت محاربين: ظاهرٍ وباطن، وعرضةً لمجاولين: مستترٍ وعالن.
وغير ذاهب على أحد ما تقتضيه هذه الحال المبهجة بما يخالفها على علو كعب الإسلام، وينصب على الشرك وأهله من سوء الانتقام، بعد البلوغ من الشكر لله تعالى إلى الغاية القصوى، من اختصاص أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب حليفنا الأعز - أيده الله - بقسمٍ من الشكر وافر، وحظ من الثناء والنثر ظاهر، فإنه الذي نهج بنفسه الكريمة - سناها الله - هذه السبيل، وتجشم فيها المجاشم حتى أذل من المشركين العزيز وأعز من المسلمين الذليل، ثم لم يشغله - دام تأييده - عن صلة أيدينا بعد ذلك أمر، ولا ثناه عن النظر لنا عذر.
وفي فصل منها: وكان نفوذي إليها من لورقة بعد أن تملكت قصابها، وتولجت على ما اقترحت أبوابها، وكان تخلي سعد الدولة أبي الأصبغ ابن لبون عنها على أفضل حال وأجمعها، بما [٥٣أ] شئت من إلطاف
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وإجمال: ياسر وتساهل، وتقاصر حيث كان له أن يتطاول، رأيًا أدرك منه على صغره، وقصر ما قطعه من مسافة عمره، ما يعجز عنه الكهل المجرب، ويقصر دونه الحول القلب. وتأملت ذلك منه - أبقاه الله - حق التأمل، ونظرت إليه بعين الملتفت المحصل، فوفيته الجزاء، وسرت معه حسبما سار معي إلى ما شاء، فحصل لي من الناحية ما لا يضاهى معقلًا وبسيطًا، وعاد الشمل محوطًا والأمر مبسوطًا، والعاجز الكاسل حازمًا نشيطًا، ورجع الضيق بها سعة، والهرج بحمد الله دعةً.
ومن جواب ابن صمادح، من إنشاء ابن الوكيل كاتبه: إلى مخاطبتك - أيدك الله - تسكن النفس، وبمطالعتك يتمكن الأنس. فما تزال - والله يعلي كعبك، ويجعل الأيام والليالي أنصارك وحزبك - تطلع من الاهتبال، في وفق الإجمال، ما يبدو ويتبين مع البكر والآصال - لا أعدمك الله معلوةً تبديها، ومنقبةً تنافس همم الكرام فيها -.
وورد كتابك مفتتحًا بما كان من صنعه تعالى الكفيل، وبلائه الجميل، ومنه المتتابع الموصول، في احتلالك بلييط - يسره الله، وأحل الهلاك بمن احتواه - وما كان من ذلك التناوش الذي أبدى مخايل الاعتلاء، وأذن بالملك والاستيلاء، ولا شك أن من سعى لله وحده، ولم يرد الظفر والظهور
[ ٣ / ٢٦٤ ]
إلا بما عنده، أن حزبه منصور، وماله موصول بها التسهيل والتيسير، والحمد لله تعالى على ما منح متعين، وموضع الضراعة إليه في الازدياد ظاهر بين، على ما أولى من نعم، أظهرت الإسلام بعد خمول، والشكر له على قسمٍ، أعزت الدين وقد كان جد ذليل.
وتوجه على ما ذكرت شكر أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب، حليفنا الأعز - أيده الله - على ما أجرى إليه بدءًا من الخفوف بنفسه النفيسة - نسأها الله - وما اعتمده عودًا من الاهتبال الذي توخاه، فهو الذي نهج السبيل، وبرد اللوعة والغليل، وأعاد الحزب اللعين بعد عزته الحقير الذليل.
ورأيت - أراك الله مناك - أن حركتك الميمونة كانت إلى هناك من لورقة بعد أن تملكت قصابها، وتولجت على اختيارك أبوابها، على الصورة التي وصفتها، من متابعة أهلها، وانطياع من فيها، نعمة يعلم الله تعالى أن نصيبي منها النصيب الأوفر، وذنوبي منها الذنوب الأكبر، وكل نعمة أناخت بجنابك، وحطت رحلها ببابك، فإني فيها الخليط المساهم، والمشارك المقاسم، على ما يقتضيه الإخاء، ويستدعيه الانتظام والصفاء.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وله من أخرى عنه: قل ما ينفع صلاح الظاهر إذا فسدت الدخلة، ولا يغني اندمال الخارج ما كانت العلة، وكتابي هذا يوم كذا وفي ليلة طلع علي الخبر بما يستغربه من غدر أهل فلانة لي، وعقد السلم بيننا لم يجف مداده، وعهد التواثق لم يكد ينفصل أشهاده، فانظر فعلهم ما أقبحه، وتأمله فما أفضحه، واعلم أن غائلتهم لا تطفأ أبدًا نائرتها، ولا يؤمن على حالٍ ثائرتها.
وله عنه من أخرى، إثر دخول ابن عكاشة قرطبة، وقتله لابنه عباد، وقد وجدت هذه الرقعة في بعض التعاليق منسوبة لابن الباجي: كتبت على أثر النازل الشنيع، والرزء الفظيع، الذي صدع كبدي، وفت في عضدي، وأثكلني من كان القرة لعيني، ما جرى على الفقيد الشهيد عباد ابني مجلك - كان - رحم الله مصرعه، وبرد مضجعه، وقتل قاتليه، ووفر لي أجر المصاب فيه.
وشرح هذه الفاجعة، والقاصمة الهاجمة: تسببت من مثابرة العدو المبين المفتون، جاري الذميم الجوار القبيح الآثار، ومجاهرة الفاسق المعروف بابن عكاشة، دليله في سبيل التسلط والعدوان، وسهمه إلى أغراض
[ ٣ / ٢٦٦ ]
التمرد والطغيان، على السعي الخبيث الذي لا يصر على مثله إلا منحرف عن الملة، منسلخ عن [٥٣أ] الخبر بالجملة، طلب الغرة في قرطبة حتى أصابها، وارتقب الفرصة حتى ولج بابها، ليلًا في زمرة من أخابيث أصحابه، بعد أن هيئ له فتحه، ودخل المدينة، وصادف السرب آمنًا غريرًا، والعدد قليلًا نثيرًا، ويمم موضع المطهر بالشهادة، فنذر بهم وخرج مطالعًا للأمر، فلم يبعد أن غشيه المردة فثبت لها مدافعًا عن نفسه حتى أفيظت - رحم الله موقعه فريدًا مسلمًا، وأقره في جواره العزيز سعيدًا مكرمًا.
ثم عاث المذكور في البلد، واستثار أشباهه من السفلة الأراذل، في استباحه المنازل، فأجابوه وانضمو إليه، وصار جمعه منهم وبتوت أمره بهم، وأما سائر الأعلام والأسواط فرءاء من هذه القصة، ناؤون عن المشاركة في هذه الدنية، بغتهم من الحال ما لم يعلموا، ففوضوا وسلموا؛ وبادرت إلى عرض ما وقع على فضل تأملك، لترى جد هذا العدو المطالب، المشاق المناصب، وإكبابه على التسلط والتمرد، إلى أن انتهك الحرمة
[ ٣ / ٢٦٧ ]
ووتر في الولد، غير مبال ببعيد ولا قريب، ولا ممسكٍ مخافة إنكارٍ، ولا تثريب، والرب لبغيه بالمرصاد، والقاطع بأمله في الانبساط والازدياد.
ذكر الخبر عما دار به نجم قرطبة يومئذ،
من ثعلب ابن ذي النون عليها،
وعودة المعتمد بعد إليها
قال ابن بسام: قد قدمت من عجب المعتمد بذاته، وتوفره - كان - على لذاته، وتقديره أنه يضبط أزمة البلاد، ويملك رقاب العباد، وخيله في الأجلال،وكأسه في يد الساقي المختال، على مكانه من العلم، ووفور حظه من الحلم، ما فيه كفاية لمن استغنى، وآية لمن تدبر واجتلى. وعندما أخرج قرطبة من أيدي بني جهور، في خبر قد شرح في القسم الأول وفسر، ولاها ابنه عبادًا، وكان محش حربٍ، ونشأة طعنٍ وضرب، فتىً لا يبالي من لقي، ولا إلى أي شيء دعي، عاجم ابن ذي النون في بعض نهداته إلى قرطبة، وجيشه قد ملأ الفضاء، وفات الإحصاء، ففل أجناده، واستباح طارفه وتلاده، ونجا ابن ذي النون منجى أبي نصر، بعد ما أعطى على القسر، وترجح بين القتل والأسر، لا يحفل بما أخر، ولا يلوي على من تعذر.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
غير أن المعتمد لما تهيأت له على ابن ذي النون الجسرة، وأمكنته منه تلك الغرة، أدار أمر قرطبة، وأميرها ابنه، على أحد عبيده المتجندين، محمد بن مرتين، وكان شهابًا لا يصطلي بناره، وأسدًا لا يستقر على زاره، إلا أنه كان من الإدلال ببأسه، والإهمال لنفسه، والإقبال على كيسه وكأسه، والغفلة عن عادة الله في جنسه، آيةً من آيات الله الذي وكله إلى سوء القدر، وقتله بيد أضعف البشر، أحد الرجالة المتلصصين، والدائرة المتمردين، المتصرفين في صغار المهن، النابتين في مدارج سيول الفتن، رجلٍ كان يعرف بابن عكاشة، لم تكن له سابقة قديمة، ولا نباهة معلومة، فراشة طارت حول نار الفتنة المبيرة، المهتكة لمحارم هذه الجزيرة، فترقى من سكنى الشعاب، والسكون إلى الذئاب، وانتهاز الفرصة إن أمكنته في الطارق المنتاب، إلى تسنم المعاقل، وتدبير الأمور الجلائل، وأذكاه ابن ذي النون عينًا على قرطبة، في أحد الحصون المصاقبة لها، وأبعد آماله كانت إخافة سبلها، وتحيف عملها؛ وكان إحدى الأعاجيب ذكاء لبٍ، وصرامة قلب، وتقدمًا إلى ضرب، لا يحل إلا ريثما يرحل، ولا يقول إلا بعد ما يفعل، وابن مرتين في خلال ذلك خال بشيطانه، ساع في شانه، بين بطالته وطغيانه، كلما حدث عن ابن عكاشة بغرةٍ اهتبلها، وأشير عليه في أمره بنصيحةٍ كي
[ ٣ / ٢٦٩ ]
يقبلها [٥٤أ] أعرض عن الصادق الخبير، ودفع في صدر الناصح المشير.
حدثني من أثق بخبره، ممن كان بعض أبواب قرطبة يومئذ إلى نظره، أن ابن عكاشة كان يسري تحت الليل إلى أحد حراسها فيخرج إليه بعض مردتها، فيطعمهم ويسقيهم، ويدبر كيف يفتح البلد على أيديهم، ويوليهم الأعمال ويقطعهم النفوس والأموال، فأخبر بذلك عباد بن المعتمد، فقال له: الق ذا الوزارتين الأعلى ابن مرتين، وكان لا يستبد عليه، ولا يقطع أمرًا إلا بين يديه، فأدى ما كان عنده من ذلك إليه، فأظهر السرور، ووعد الجد والتشمير، وقال له: تقدم إلى فلان وفلان، جماعةٍ كانت بالحضرة من الأعيان، فليكونوا عندك في العدد الوافر، والسلاح الظاهر، فأمرهم عنه فأتمروا، وتقدم إليهم بالحضور فحضروا:
في ليلةٍ من جمادي ذات أنديةٍ لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا وأقاموا منتظرين لأمره حتى بدا النور، وتكلم العصفور، وهو مشغول بجر ذيوله، وعصيان عذوله، فيئسوا من نصره، وجعلوا بعد يلحدون في أمره، وتم لابن عكاشه تدبيره، واستوسق له عبيره ونفيره، فانتهك حرمة قرطبة، سنة سبع وستين، في شرذمةٍ قليلة، وشباةٍ كليلة، معلنين بشعارهم، متلبثين بين تغريرهم واغترارهم، لم تكن لهم همة
[ ٣ / ٢٧٠ ]
إلا دار عباد، فثار إليهم عندما أحس بهم ولا أهبة إلا إقدامه، ولا صاحب إلا حسامه، فجادلهم بالسيف صلتًا، حتى أذاقوه الموت بحتًا؛ ثم نهدوا إلى دار ابن مرتين وهو في منزل راحته، غافلًا عما نزل بساحته. ذكر أنه كان ساعتئذٍ يلعب بين يديه بالكرج، فعول على الفرار، واستتر مديدةً في بعض الأقطار، حتى انفضت أيامه، وعثر عليه حمامه، أخرج من قرطبة كأنه يحمل إلى ابن ذي النون، وقد تقدم إلى حملته، فطووا خبره، ومحوا أثره.
وبات ابن عكاشة ليلته يطرق دور الأعيان من أهل قرطبة، يتودد إليهم، ويعرض نفسه عليهم، فمن أجابه قبله، ومن أبى عليه لم يعرض له؛ وأصبح قد انضاف إليه من بني المحن، وطغام الفتن، من منع منه، وحسم الأطماع عنه. ودعا الكافة إلى المسجد الجامع فأتوه خفافًا وثقالًا، وبايعوه بطاءً وعجالًا، وانثالت إليه طوائف الأمداد، وقواد الأجناد، فانتظم له الأمر، واستوسق له المصر، ولحق ابن ذي النون بعد ذلك وهو يرى أنه قد وطئ صلعة النسر، وأخذ بمخنق الدهر، أملًا طالما عللته به المطامع، وهزته إليه المضاجع، ولم يزل في يوم دخوله قرطبة يعمل الحيلة في إقصاء ابن عكاشة من دولته، وإخراجه عن جملته.
بلغني أنه دخل على ابن ذي النون يومًا، وقد رفل في الشارة، وتقلد مثنى الوزارة، فرحب به وأدناه، وهش إليه وناجاه، فلما خرج تنفس الصعداء، وأتبعه نظرةً شوهاء، وهينم بكلمةٍ عوراء
[ ٣ / ٢٧١ ]
فكأن بعض الحاضرين أنكر عليه وجعل يطري ابن عكاشة، ويذكر حسن بلائه، وينبه على مكانه من الدولة وغنائه، فلما أكثر قال له ابن ذي النون: دع عنك، من أجترأ على الملوك لم يصلح للملوك.
ثم لم يلبث ابن ذي النون إلا شهرًا لم تتعب كف العاقد، ولا أطالت غم الحاسد، حتى أتي من مأمنه، أغبط ما كان بسيئه وحسنه، وسقاه السم الوحي - زعموا - بعض ثقاته، فاستقل بجسده تابوته، وطار به إلى طليطلة جنه وعفاريته، وخلا وجه قرطبة بعد ذلك للمعتمد وعاد إليه ملكها، وانتظم في يديه سلكها، وأخذ بثار ابنه عبادٍ بقتله لابن عكاشة فلم يكن كما قال دريد بن الصمة:
قتلنا بعبد الله خير لداته ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب ومما كتب عن المعتمد بعود قرطبة إليه، وقتل ابن عكاشة على يديه رقعة منها: وأنفذته عندما عادت الحضرة إلى يدي، وانتظمت ببلدي، على صورةٍ من التيسير ضاعفت [٥٤ب] حسن مواقع العارفة بها، وبشرت بلواحق النصر المترادف بعقبها، وذلك أن أهلها الصادقة في محبتنا أهواؤهم، المتفقة على طاعتنا آراؤهم، لم يزالوا على مثل الجمر تقلبًا مما جرى قبل على غير اختيارهم، وتوجعًا لما كان انقضى علينا في جوارهم، نابين عمن ولي أمرهم بعدنا، مستقصرين لشانه عندنا، إلا النفر اليسير، والتافه الحقير، من سفهائهم الذين سببوا تلك الوهلة، وظاهروا على تلك الغفلة
[ ٣ / ٢٧٢ ]
ولم يكن لهم أولًا علم بما سدوه وألحموا، ولا ضوا آخرًا بما جنوه وارتكبوا فتحركت من وقتي، ولم أكد أطل على أفقهم إلا والإشارة علينا، بأثوابهم إلينا: أن أقدموا وصمموا، فاقتحمت من النهر مخاضةً توازي الربض الشرقي منها، وثار أهلها معي، داعين بشعاري، معلنين بانتصاري، وكلمة ثاري، يكسرون بين يدي كل غلق يعترضني، ويفتحون كل مرتج يتنصب دوني، وأحس ابن عكاشة ومن معه من الشيعة المفلوجة بمكاني ففروا بأرواحهم، وألقوا ما كان معهم من سلاحهم. وقد كنت أحطت بنواحي الحضرة خيلًا ترصدهم، وتقطع من النجاة سببهم، فوقعوا فيها وأتى على آخرهم، وسبق إليّ رأس ابن عكاشة؛ وكان الحبيب إليّ، أن يمثل بين يدي، فأبسط له من العذاب ما كان أشفى لنفسي، وأثلج لصدري.
وفي هذا الفتح أنشده حسان بن المصيصي قصيدته التي يقول فيها، ووصف إشارة الناس يومئذ من سور المدينة:
وليسوا بغرقي قد أشاروا لساحلٍ ولكنهم غرقى أشاروا إلى بحر وله عنه من أخرى إثر فتح مرسية على يدي ابن عمار، وإخراج بني طاهرٍ منها: لم يغب عنك من مجرى الحال بمرسية وجه أجلوه، ولا انطوى من فحواه أمر أنشره وأبديه، وها أنا أعرض عليك من باطنها ما ربما خفي، وأنهي إليك من نجواه ما لعله لم ينم على وجهه ولا أنهي
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وذلك أن الإفرنج أيام تلومهم على صاحبها، وإحداقهم بجانبها، أشخصوا إليّ من أعيانهم من قرب عليّ وجه مرامها، فاستجبت لندائهم، ولم يكد يختلج ببالي شك في صدق أنبائهم، وإذا الأمر بخلاف ما ذكروه، وعلى غير ما سهلوه، ووقع من المطاولة ما وقع، وآلت الحال معهم إلى ما قد فشا وسمع، فأعدت إليها الخيل مع فلان لإطالة حصرها، والإناخة بعقرها، وصاحبها مع ذلك عمٍ عن رشده، يقدم رجلًا ويؤخر أخرى في إعطاء صفقة يده، ليقضي الله تعالى قدره، ويبلغ أمره، فلما رأى أهلها الممتحنون بسوء نظره، المصابون من خطل تدبره، أن غماءهم لا تقرح، وظلماءهم لا تنجلي ولا تليح، أبدو إليه، ما كانوا ينطوون له عليه، فتألبةوا وثاروا وطيروا بالخبر من كان فيها من الأولياء إلى فلان، وكان على مقربة منها، غير متراخ عنها، فانصب إليها كالشؤبوب الماطر، وانقض عليها كالعقاب الكاسر، ووافاها وقد بولغ في حصاره، وانبسطت أيدي النهب في دياره، فكشفهم عن مكانه، ونفس عنه فانتشى ريح أمانه. ثم نقله وابن أخيه إلى أدنى معقلٍ إليهما، وآمنه عليهما
[ ٣ / ٢٧٤ ]
وأخذ في ضبط الحصون، وما يغني به الحزم من وجوه التحصين، وأظهر أهل البلد [من] الاغتباط بمآلهم، والاستبشار بمفاتحة حالهم، ما يظهر من خرج من ضيقٍ إلى سعة، وانتقل من هرجٍ إلى دعةٍ.
ومن أخرى له عنه: ومن أحدث نعم الله الممنوحة عهدًا، وأبعدها في التمام والوفور حدًا، ما أتاحه الله في المغالط المعجب، القوي المجيء والذهب، فلان - ضاعف الله إذلاله وإخزاءه، ووفاه على ذميم السعي جزاءه - فإن حاله جرت على ما أصفه: سلف من ضلالته في موالاة التعريض للحضرة وسائر أعمالها، ما أثاره الحسد المدوي لصدره، والقلق الغالب على صبره، واتفق له من [٥٥أ] إمهال الله تعالى إياه، وتنكيب الحوادث عن ذراه، مدةً عنه، اتفاق أجره رسنه، وأسلكه في الغواية سننه، حتى ظن أن الحوادث لا تريبه، والنوائب لا تنويه، وحسب أن الأيدي لا تمد إلى مطالبته، والآمال لا تطمح إلى معارضته، وقديمًا خان هذا المعتقد أهله، وأبان لمن سكن إليه جهله.
وفي فصل منها: ولم يبعد أن خرج في شهر رمضان على عادته من الاستخفاف بعظيم حرمته، وترك المراقبة لأهل الإسلام وذمته، بعد أن تأهب، واستنجد واستمد، والعجب قد أطغاه وأبطره، والشره قد غطى سمعه وبصره، والمطامع قد تشغبت عليه، وبسطت في
[ ٣ / ٢٧٥ ]
انتهاز الفرصة يديه، فأخرجت ابني الظافر مستعينًا بالله معولًا عليه، متبرئًا من الحول والقوة إليه، فلما دنا من المحلة الذميمة واصطفوا إزاءها، اقتحم سرعان رجالنا نهرًا كان بينهم، مبادرين غير هابين، ونشأت بين الفريقين حرب أجلت عن أعداد صرعى من أصحاب المخذول، ثم تلا ذلك عيون كافة العسكر وصدقت الحملة على الخائنين، فلم يلبثوا أن ولوا مدبرين، وألقوا بأيديهم منهزمين، والأسنة تحفزهم، والجلاد يزعجهم، فانحجزوا بالحصن وأسلموا محلتهم، فحيز جميعها، وغنم من كراعهم وسلاحهم وسائر أسلابهم جمل تفوت الحصر، وتعجز الوصف، وبقي المخاذيل إلى آخر النهار، ثم خرجوا مع المغيب، وشعر بفعلهم، فاتبعتهم الخيل إلى النهر، فتهافتوا فيه تهافت الفراش في النار، وفروا على عاجل البوار، وكان الشاذ منهم من سليم، والجم الغفير من غرق وتلف، والله حسيب من أورطهم وأغراهم، والمنتقم ممن قادهم إلى مناياهم. وأما المخذول المعهود خوره، والشديد تهوره، فإنه سقط عن مركبه في تلك الصدمة سقوطًا أوهنه وكلمه، ولولا من كر عليه حتى أقل واحتمل لحصل في ربقة الأسر، ولغلق رهنه إلى آخر الدهر.
وله من أخرى: وقد كانت نشأت بيننا وبين فلان، النطف الود، السيء العهد - جزاه الله جزاء من خاس بذمامه، ونثر عقد الوفاء بعد انتظامه - مداخلة توسطها رؤساء، وتقلد وزراء، طالت زمنًا لا ينتهج فيها
[ ٣ / ٢٧٦ ]
إلى السلم سبيل، ولا يبدو من الوفاق دليل، ولا يلوح للنجاح وجه مقبول، بما كان السفراء يلقونه من تشطط في غير كنهه، ومقابلتي بما كان يأتي من شبهه، إلى أن تطأطأ من سموه، وتقاصر من علوه، ونضا عنه ثوب الرياء، وأبدى وجه حاجته إلى الانقياد والاستبقاء، فأنبت إنابة من يؤثر الهدنة على الفتنة، وتأتيت إرادة من يريد إدالة المودة من الإحنة، وأنا أعتقد أنه مصحح فيما أراه، صادق في الذي أعطاه، أقضي على الظاهر، ولا أتجاوز تصفح الحاضر، وإذا ما هو مصر غدرةً شوهاء، لو تهيأ مراده منها لأغصت بالريق، وللفت السوق بالسوق، ولكن الله بما عودنا من فضلة نبه على الغامض، وأبان عن برق الخلب الوامض، فرأيت مكنون الضمير، بعين التفكير، ونشرت مطوي الجوانح بيد التدبير، فإذا كل ما عقد منحل، وما أبرم مضمحل، فرددت عندما خلج عقده إليه، وقلبت غير مليم ظهر المجن إليه.
ومن أخرى عنه: كنت قد هادنت أهل غرناطة - لا زالوا في أذيال مكرهم عاثرين، وفي أيدي غوائلهم مستأسرين - مهادنةً دعوني إليها فأجبت، واستدنوني نحوها فدنوت، فلما أشرقت على التمام، وآذنت بالانصرام، راسلوني في تماديها فساعدت، وأرادوني على اتصالها فانفعلت وأنفذت، وانعقد بيننا عقد بولغ في تأكيده، وتنوهي في إحكام مواثيقه وعقوده
[ ٣ / ٢٧٧ ]
ولم تكد صحيفته تطوى، ولا شهيده يتولى، حتى غدروني في الحصن الفلاني باستنامة من كان فيه من قبل إلى السلم، وإضاعته استشعار الحزم، فلم أعجل بالتنكر، ولا سارعت بالتنمر، ورأيت الاستيناء، وآثرت الاستبقاء، رجاء أن يفكروا في العواقب، فيفيئوا إلى الواجب، ويعطفوا [٥٥ب] إلى الرأي الصائب، وأعدت إليهم من أمكنني إعادته من السفراء، فلقوا منهم بدهة وإباءً، والتواءً وانزواء، ولما رأيت ذاهب رشادهم لا يرجع، ودواء استصلاحهم لا ينجع، وثأي نصفتهم لا يرأب، وغائب فيأتهم لا يرتقب، عملت على الإيثار، واستجمعت لذي الانتصار، وسقيتهم بمثل كاسهم، ورميتهم عن نظائر قياسهم، فلم يطل أمد، ولا كثر من ماضي الأيام عدد، حتى حصل من وجوه قوادهم، ورؤوس أجنادهم، فلان وفلان، إلى ستةٍ وعشرين رجلًا أحيط بهم أسرًا، وتقبض عليهم طرًا، وجعلوا قراهم البث واللهف، وأبا مثواهم الهون والخسف.
وله من أخرى عنه: شر الناس لنفسه من جهل مقدارها، ولم يتهم اختيارها، وقفا إذا شرهت وعميت آثارها، وطار بجناح طمعها، إلى
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ذميم طبعها، واتبع رائد جشعها، إلى وخيم مرتعها، وعاد إلى الصالح من خلطائه فاستفسده، وإلى الصفي فأحقده، وإلى المستنيم فأوحشه وشرده، ولا سيما في حال تحض على استدناء البعداء، وتبعث على مصادفة الأعداء، ومع نصبة قد أنذرت بمآلها، وحذت من بغتة اغتيالها، بل والله قد نفحت رجومها، ولفحت سمومها، وصرح بالبأساء شومها.
وليس يذهب عنك أني، بما أشرت إليه وردت حواليه، إلى صاحب طليطلة ناظر، وإلى قبح ما عاملني به شاهر، وذلك أنه منذ زمن يتمرس بجانبي، ويقوم في وجه ما لا يريبه من مذاهبي؛ فمن ذلك ما نعلمه من خفوفه إلى بسطة للقاء فلان - أخذه الله بما ألبسته من حرمةٍ فجر دها، وأوليته من نعمةٍ فغمطها وجحدها - وبقائه هنالك يشجعه على غدري، ويشيعه من مخالفة أمري، وتوثق له أنه إذا انصرم مني، وانخزل ببعض عمله عني، كان له إن هممت به سندًا، ووصل به إن وصلت يدًا، فحينئذ صنع فلان ما صنع، وحاول أن يطير فوقع، من تلك الجهة التي كانت انخرطت في سلك بلدي وعملي، واطردت في منابرها الخطبة
[ ٣ / ٢٧٩ ]
لي، حتى انصات فيها فواق بكية حكمه، وذكر على أعوادها اسمه، " ولكن قليلًا ما بقاء التثاؤب " ووسمه، إلى غير ذلك من قوارص القول والفعل، وستصل إليك على ألسنة الرسل، وأنا في كل ذلك أحتمل الأذى، وأغضى على القذى، وأقبض يد الأنتصار، طمعًا في الاقتصار والاستبصار، وذهابًا مع عادة الأناة والإنظار. وربما ألمحت في بعض الأحايين بعتابٍ، وتكلمت بكلمات غضاب، فظن أن ذلك قصاري في إنكاري، ومنتهى وسعي واقتداري، فزاد الاعتداء والاستهداف، وعظم الازدراء والاستحفاف، ولولا نظري من هذه الجزيرة - عصمها الله - إلى ما ينظر إليه، وإشفاقي منها على ما لا يشفق عليه، لأسكنت أول انبعاثه ذلك النزوان، وردعت قبل احتفاله ذلك الاستنان.
وفي فصل منها: ثم ختم تلك الهنات، وتلا تلك السيئات، بخبر صاحب فلانة، كنت أوطاته، على علمك رقاب أهلها، وجعلت إليه القبض والبسط فيها، ولم أشرك معه أحدًا في معنى، فخان بما ائتمن، وفرط في ما احتجن، وخاف عاقبة ذلك فنغل واضطغن، وأراد أن يفوز ببطنته
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وما جمع، وينجو مما حذر عليه وتوقع، فأزمع على الانحراف والانزواء، واستجمع للخلاف والانتزاء، وداخل فلانًا يعرض عليه مما ذهب إليه، ليؤيده على قبوله بما في يديه، فنأى عنه بجانب النزيه الكريم، وأعرض إعراض الحر الصميم، فانصرف إلى المذكور وهو لمناها مستمطر متوكف، وإلى مثلها مستوقف مستشرف، فما دعاه حتى لباه، ولا أومي إليه حتى تهافت عليه، لا يتهيب حالًا، ولا يتوقع مآلًا، وبلغني الخبر وكفى به مزعجًا، ولا كمثله مبرمًا محرجًا، فصبرت حتى أعذرت، وتأنيت حتى أبليت، ثم اعتزمت على الانتصار، وتقدمت لطلب، الثار، مستخيرًا وعد الله لمن بغي عليه، مقتضيًا حكمه العدل فيمن تسبب إليه، فتقدمت في معسكر ألفته يد الإعجال، [٥٦أ] وحالت البديهة بينه وبين الاحتفال، فأنخت به على بلده أيامًا، قطعت فيها دونه كل الرفاق، ولم أبق حوله سقفًا على جدار ولا قائمةً على ساق، ثم مررت إلى جهة فلانة أجوس خلالها، وأتقرى بالنهب والإحراق أعمالها، وأتسنم معاقلها، وأجعل أعاليها أسافلها، إلى أن وقفت بجانبها منازلًا، وزحفت إلى بابها مقاتلًا، وصاحبها يرى الخوي ملء عينيه، ويقلب على خسارة صفقته كفيه، ولا يعاين إلا نارًا تضطرم عليها، وتصطلم حواليها، فلو أصغينا لسمعنا قعقعة أضراسه، واستشعرنا لوجدنا حر أنفاسه؛ وكل كمي عنده - وكانوا عددًا لفيفًا، وجمعًا كثيفًا - فد نسخ جبانًا، ومسخ هدانًا، لا يكاد يقبل حتى يدبر، ولا يبرز حتى ينجحر:
[ ٣ / ٢٨١ ]
تلقى الحسام على جراءة حده مثل الجبان بكف كل جبان ثم انكفأت، على غير الطريق التي كنت أنشأت، عائدًا بمثل ما بدأت، واطئًا ما لم أكن قبل وطئت، فتخيل سبيلي، في وجهتي وقفولي، وتمثل أثري، في وردي وصدري. وكنت قد وجهت أسطولًا بلغ في ساحل بلده أقصى المبالغ من الإفساد والتدمير، والتغيير والتأثير، ثم انصرف بحمد الله كما انصرفت على غاية الوفور والظهور.
وله عنه من أخرى: وإن فلانًا جارنا - لا أجاره الله من ريب الزمان، ولا صرف عنه صروف الحدثان - يأبى الله أن يراه حائدًا عن فسادٍ، وعائدًا إلى رشاد، ومقلعًا عن قبيح، ومستمعًا من نصيح، فهو - والأيام قد وعظته لو اتعظ، والأحوال قد نبهته لو انتبه واستيقظ، وحجة علو السن قد قامت عليه، ووجهوه غير الدهر قد سفرت إليه، بمنزلة الغر العابث، في مسلاخ السفيه العائث، ولا يقصر ولا يبصر، ولا يرعوي ولا بفكر.
واتفق الآن، بمساعيه الخبيثة، ومحاولاته الذميمة، أن تسبب إلى مداخلة الحصن الفلاني، على يدي خبيث من أهلها، قد دبر الحيلة حتى اتجهت في مثلها، وأنفذ إليه قائدًا من وجوه عبيده، واتصل بي الخبر، فطيرت من ناشبهم الحرب، فوهب الله لأوليائي الظهور، ووقى الله المحذور، من مضرةٍ
[ ٣ / ٢٨٢ ]
كان الجاهل المطاول قرع بابها، وأحصد في ظنه أسبابها، فتأمل كيف دؤوب هذا الموصوف بحقائق صفاته، المتابع لقبائح هناته، على إضرام نار الفتن، باستثارة دواعي الإحن، وتعريض المسلمين - عصمهم الله - للحوادث والمحن، وكيف لا يزداد على الأيام إلا جماعًا في ميدانه، وانقيادًا لشيطانه، واستكثارًا من سوء عمله، على قريب أجله؛ وليشكر الله حق شكره من لم يضعه هذه الضيعة الورهاء الشوهاء، ويشعره هذه البصيرة العمياء الصماء، ومن طبع على قلبه، بمجاهرة عصيان ربه، فشره أبدًا عتيد، وشيطانه مريد.
وفي فصل من أخرى: ورد كتابك مبينًا عن ود كماء المزن، وعهد كروض الحزن، مع بر حافلٍ وفيته، إلطاف بالغٍ أحفيته، مجلوين في معرض سيادة لاحظت ضميري لها عيون حور، وجاذبته منها ألفاظ أو انس نور، أرتني البيان كيف يدب سحره، والافتنان كيف يطم بحره، وزهر الآداب كيف يطلع من كمامه، ولؤلؤ الكلام كيف يتسق من نظامه، كل ذلك سافر عن وجهه طويةٍ سائلة غرة الإمحاض، سليمة جوهر الصفاء، مع علوقٍ مستحيلة الأعراض.
وله عنه منه أخرى إلى صاحب المهدية: إنني - أيدك الله - على ما بيننا من لججٍ خضرٍ، وفياف غير، لمستكثر من إخائك، مستظهر بوفائك
[ ٣ / ٢٨٣ ]
متوفر على إجمال ذكرك وثنائك، وقيامًا بما يتعين من مجدك وسنائك، ويعلم الله انه ما أملي الأبعد، وعملي الأحمد، إلا أنه يؤم أفقك الطلق - صان الله بهاءه، وحسن أرجاءه - من الخواص النبلاء، والأعيان الفضلاء، من يبلغك كتابي، وينوب في إنهاء طاعتي إليك منابي.
وكان فلان [٥٦ب] قد ألم بي زائرًا، وتلوم لدي مجاورًا، فأقبلته وجه البشر، وألحفته جناح البر، وبخلال رائعة، وخصال بارعة، لنفائس المحاسن جامعة، منها - وهي أحظى وسائله لدي، وأدنى فضائله إليّ - إدمانه نشر نشر معاليك، وإعلانه بث أياديك، وكنت متى تشوف لمعاودة وطنه، واستشرف لمطالعة سكنه، أقوم في وجه زماعه، وأغض من طرف نزاعه، استمناحًا بما يثيره من ميامنك، واستدامةً لما يتلوه من آيات محاسنك، إلى أن جد به التوق، واستولى على مقادته الشوق، ولم يكن في صده عمل، ولا برده قبل، فأصبحته كتابي هذا إليك مجددًا رسم الوداد، وعامرًا سبيل حسن الاعتقاد، ومعلمًابما بلوت من صدق تشيعه لمجدك، وخفة لسانه بحمدك، ومشيرًا إلى ما عنده من كنه إجلال لك، وحقيقة استكثار منك، ثقةً بأنه يحسن إنهاءه، ويوفي أداءه إن شاء الله.
قال ابن بسام: ومحاسن ذي الوزارتين أبي بكر أكثر من أن تحصى، وآياته أبين وأبهر من أن نستقصي، وإنما ظفرت منها بطرف، وحصلت
[ ٣ / ٢٨٤ ]
منها على نتفٍ، ولم يقع إليّ من شعره ما أوشح هذا المجموع بذكره، ولا بأس باثباته إن حصل، وبالله أستعين وعليه أتوكل.
ومنهم الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم
محمد بن عبد الله بن الجد
قريع وقتنا، وواحد عصرنا، ممن استمرى أخلاف النظم والنثر، فدرت له بالبيان أو بالسحر، فإن تكلم فأبو بحر، أو نظم فكلثوم بن عمرو، حتى إذا أخذ في الجدال، أو تفقه في علم الحرام والحلال، فرويدك حتى ترى الصبح كيف يسفر، وثبج البحر كيف يزخر وهو على نباهة الذكر، وعلو القدر وشرف المحل من فهر، قد لزم داره، وطوى أخباره، واقتصر على عفة من المعيشة رزقها، فهو يتبرض جميعها، لا بل يتزود نسيمها، والشمس، وأن سترها الضباب فغير خفية السناء، ولا مجهولة الغناء. وكان على عهد المعتمد قد تقلد وزارة ابنه يزيد، فلم
[ ٣ / ٢٨٥ ]
يزل معه عليّ الشان، نابه المكان، حتى كان من أمره ما كان. وهو اليوم في وقتنا قد اضطر إليه أهل قاعدة لبلة فولوه خطة الشورى، وألقوا إليه مقاليد الفتوى، فمهد لذلك جانبًا متن كفايته، واحتسب فيه جزءًا من عنايته، على كرهٍ منه شديد، ومرام في التزايد من العلم بعيد. وعلى ذلك فلم يدع مساجلة الإخوان، ومراسلة من يرتسم بهذا الديوان، من بني الأوان، بما يشهد له أنه بديع الزمان، وفارس الميدان، وقد أثبت له بهذا الديوان، ما يقيم له أوضح برهان.
جملة من رسائله في أوصاف شتى
فصول له من رقعة أنشأها على لسان من صدر من بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵇: صلوات الله على خاتم الرسل، وناهج السبل، وناسخ جميع الملل، ومجلي الظلم والظلم، ومحيي القلوب بنور الهدى والحكم، ومقلد النذارة والسفارة إلى كواف الأمم، وعليه من لطائف التسليم، ما يربى على عدد النجوم، ويزري بالمسك المختوم، ويقتضي باتصاله واحتفاله رضى الحي القيوم.
كتبت يا أكرام الأنبياء وسائل، وأعظمهم فضائل، وأعمهم فواضل، وأتمهم فرائض ونوافل، وقلبي بحبك معمور ومأهول، وعلى الإيمان بك مفطور ومجبول، ويتمثل ما عاينته من عظيم آثارك مهول مشغول
[ ٣ / ٢٨٦ ]
ومن لي بمقولٍ [٥٧أ] لا يتخلله خلل، ولا يدركه في الصلاة عليك والدعاء لك ملل، ولا يشغله عن ذكر الله تعالى وذكرك سهو ولا خطل، حتى أقطع بذلك آناء ليلي ونهاري، وآصالي وأسحاري، وأجعله شعاري ودثاري، وهجيراي في إعلاني وغسراري؛ اللهم ألهمني من تحميدك وتسبيحك، والصلاة على رسولك الأمين ونصيحك، ما يشغل لساني، ويثقل ميزاني، ويبسط يوم الفزع الأكبر من أماني؛ اللهم وفر حظي من شفاعته، وأحسن عوني على طاعتك وطاعتهن واحشرني في عداد زمرته وجماعته.
ولما صدرت يا رسول الله عن زيارتك الكريمة، وقد ملأت هيبتك ومحبتك أرجاء فكري، وفضاء صدري، وغشيني من نور برهانك ما بهر لبي، وعمر قلبي، لحقني من الأسف لبعد مزارك، والحنين إلى شرف جوارك، ما أودع جوانحي التهابًا، وأوسع جوارحي اضطرابًا، وأشعر أملي عودًا إلى محلك المعظم وإيابًا، وكيف لا أحن إلى قربك، وأتهالك في حبك، وأعفر خدي في مقدس تربك، وبك اقتديت فاهتديت، ولولاك ما صمت ولا صليت، ولا سعيت ولا طفت، بل كيف لا يتحرك نحوك نزاعي، ويتأكد انقطاعي، وبك استشفاعي، واليك مفزعي يوم الداعي. فلا تنس لي يا رسول الله عياذي بك ولياذي، وإسراعي إلى زيارتك وإغذاذي، واذكرني في اليوم العظيم المشهور، عند حوضك المورود، وظلك الممدود، ومقامك المحمود.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
اللهم كما أعنتني على حج بيتك المحرم، وزور نبيك المكرم، فاجعله لي شفيعًا، وتوفني على ملته مطيعًا، ويسر لي كرةً إلى مواطنه المقدسة ورجوعًا، إنك على ذلك قدير، وبحقيقة دعائي عليم خبير، والسلام المردد والمؤكد على نبي الرضوان، وصفي الرحمن، ما تعاقب الملوان، وتناوب العصران.
وله من أخرى خاطب بها بعض من قدم من الحجاز: كتبت وقد هزني وافد البشرى، واستخفي رائد المسرة الكبرى، بما سناه الله من قدومك محوط الجوانب والأرجاء، منوط الفخار بذوائب الجوزاء، محطوط الآثار في مواطن الرسل ومواطئ الأنبياء، فيا لها حجةً مبرورة ما أتم مناسكها، وأوضح في مناهج البر مسالكها، لقد شهد فيه الميقات بخلوص إهلالك وإحرامك، واهتز البيت العتيق لطوافك واستلامك، ورضيت المروة والصفا عن كمال أشواطك، وتهلل بطن المسيل لسعيك فيه وانحطاطك ثم بالموقف الأعظم من عرفة سطع عرف تخشعك ودعائك، وارتفع خفض تضرعك واستخذائك، وفي البيت الأكرم من المزدلفة حظي تقربك وتزلفك، وزكا تهجدك وتنفلك، وعند الإفاضة فاضت الرحمة عليك، وكملت النعمة لديك؛ وأما منىً ففيها قضيت مناك وأوطارك، وقبلت هداياك وجمارك، وحطت خطاياك وأوزارك، فما صدرت عن تلك المعالم المكرمة، والشعائر المعظمة، وإلا وهي راضية عن عجك وثجك
[ ٣ / ٢٨٨ ]
شاهدة لك بكمال حجك، مشفقة من فراقك وبعدك، متعلقة لو أمكنها ببردك، وقبل أو بعدما تأنست بك يثرب، ورفع لك جناحها مضرب، فشافهن منازل التنزيل، وطالعت معاهد الرسول، وقضيت من زيارة القبر الكريم واجبًا، وقمت بينه وبين المنبر ضارعًا راغبًا، فما حجب عنه ﵇ زورك وإلمامك، وقصدك وائتمامك، وصلاتك وسلامك، بل كان لكل ذلك راعيًا سامعًا، ويكون لك بحول الله شاهدًا شافعًا، فهنأك الله ما منحك من جزيل الأجر في مواقف الحرمين، وأطار لك من جميل الذكر في الخافقين.
ولما قعد عن قصدك ما قعد، ولم يمكني الوفود عليك في جملة من وفد، استنبت كتابي منابي [٧٥ب] .
وله من أخرى في صفة مطر بعد قحط: لله تعالى في عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها الأوهام، تختلف والعدل متفق، وتفترق والفضل مجتمع متسق، ففي متحها نفائس المأمول، وفي منحها مداوس العقول، وفي أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقة، وبين أرجاء شدائدها بوارق الإنذار والأعذار خافقة، وربما تفتحت كمائم النوائب، عن زهرات المواهب، وانسكبت غمائم الرزايا، بنفخات العطايا، وصدع ليل اليأس صبح الرجاء، وخلع عامل البأس والي الرخاء، ذلك تدبير اللطيف الخبير، وتقدير العزيز القدير.
ولما ساءت بتثبط الغيث الظنون، وانقبض بتبسط الشك اليقين
[ ٣ / ٢٨٩ ]
واسترابت حياض الوهاد، بعهود العهاد، وتأهبت رياض النجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت الأنوار، من حلي الديمة المدرار، أرسل الله تعالى بين يدي رحمته ريحًا بليلة النجاح، سريعة الإلقاح، فنظمت عقود السحاب، نظم السخاب، وأحكمت برود الغمام، رائقة الأعلام؛ وحين ضربت تلك المخيلة في الأفق قبابها، ومدت على الأرض أطنابها، لم تلبث أن انهتك رواقها، وانبتك وشيكًا نطاقها، وانبرت مدامعها تبكي بأجفان المشتاق، غداة الفراق، وتحكي بنان الكرام، عند أريحية المدام، فاستغربت الرياض ضحكًا ببكائها، واهتزت رفات النبات طربًا لتغريد مكائها، فكأن صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطًا مفوفًا، وأهدت إليها من زخارف بزها ومطارف وشيهًا ألطافًا وتحفًا، وخيل للعيون أن زواهر النجوم، قد طلعت من مواقع التخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافترار الغيطان، فيا برد موقعها على القلوب والأكباد، ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصواد؛ كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشفت شنبًا من الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال، أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. لقد تبين للصنع الجميل
[ ٣ / ٢٩٠ ]
من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر الجزيل في ظلال نعمها معرس ومقيل؛ فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر، وتوقد قبس، وتردد نفس، وهو الكفيل تعالى باتمام النعمى، وصلة أسباب الحياة، بعزته.
وله من رقعة خاطب بها الوزير الفقيه أبا القاسم الهوزني إثر قدومه من حضرة أمير المسلمين، رحمه الله تعالى، غب نبوة خلصت إلى غربه، وروعةٍ كادت تطير بسربه:
وكم نعمةٍ لا يستقل بشكرها إلى الله في طي المكاره كامنه قد يجتنى - أغرك الله - من شجر المساءة ثمر المسرة، ويجتلى وجه المحبوب غب المكروه مشرق الأسرة، وربما تجهم القدر وضميره مبتسم، وتصلب الزمن وعقده محتشم، وإنما ينظر إلى موقع الأقدار في الإصدار، وتحمد مجاري الأعمال عند المآل؛ وفي هذه المقدمة دلالة على النبوة التي ما اعتكر جنحها، إلا ريثما وضح صبحها، ولا نعب بالبعد غرابها، حتى التفت إلى سانح السعد ركابها، ولا استطار لها في قلب الولي صدع، حتى اشتمل منها على أنف العدو جدع؛ وما ذاك
[ ٣ / ٢٩١ ]
إلا لأن سلطان الحق أنجدك وأيدك، وبرهان الفضل قام معك وأطال يدك، وحاشا للعلم أن يلبس حامله خمولًا، أو يحث له نحو الاذالة حمولًا، فوشكان ما استقلت بك يدي الآثار، في صدر العثار، وخاصمت عنك ألسن السنن، عوارض المحن، وما سرت إلا وظل الكرامة عنك ظليل، وصنع الله لك رسيل وبك كفيل، فلئن أوحش مسيرك، لقد آنس ظهورك، ولئن حسن اقترابك، لقد سمج اغترابك، ولئن سخنت العين بعدك، لقد بين البين فقدك؛ فالحمد لله الذي أوشك مقدمك، وأعلى قدمك، ورفع في كل مكرمة ومأثورة علمك، [٥٨أ] وإياه تعالى أسأل أن يهنيك ويهنئ فيك عارفة السلامة، ويبقيك بعيد الصيت رفيع القدر في الظعن والإقامة، ولولا ترددي في عقابل ربعٍ لزمت جسمي شهورًا، واتخذته ربعًا معمورًا، لما استنبت في التهنئة خطابًا، ولحثثت نحوك ركابًا، وأنت بسروك توسع العذر قبولًا، وتقبله وجهًا جميلًا.
وله من أخرى يهنئ بمولود: إن أحق ما انبسط فيه للتهنئة لسان، وتشرف في ميادين معانيه بيان وبنان، أمل رجي فتأبى زمانًا، واستدعي فلوى عنانًا، وطاردته المنى فأتعبها حينًا، وغازلته الهمم فأسعرها حنينًا، ثم طلع غير مرتقب، وورد من صحبة المباهج في عسكر لجب، فكان كالمشير إلى ما يعده من مواكب الآمال، والدليل على ما وراءه
[ ٣ / ٢٩٢ ]
من كواكب الإقبال، أو كالصبح افترت عن أنوار الشمس مباسمه والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه، وفي هذه الجملة ما دل على المولود المجدود، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود. فيا له نجم سعادةٍ، تطلع في أفق سيادة، وغصن سناء، تفرع من دوحة علاء، لقد تهللت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن باستقباله، ونظمت له قلائد التمائم، من جوهر المكارم، وخص بالثدي الحوافل، بلبان الفضائل. وما كان منبت الشرف بانفراد تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعر الربى، مغبر الثرى، متهافت أغصان الرضى، فأما وقد اهتز في أيكة السيادة قضيب، ونشأ من بيتة النجابة نجيب، فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترف عليه حبرته، ويراجعه رونقه وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه، فالحمد لله على ما أتاحه من انثناء الأمل بعد جماحه، واختيال الجذل في حلية غرره وأوضاحه، وهو المسؤول أن يهنيك منه صنعًا يحسن في مثله الحسد، ويتمنى لفضله النسل والولد.
وله من أخرى خاطب بها ذا الوزارتين الكاتب أبا بكر بن القصيرة وقد قربت بينهما المسافة، حسبما ذكر، ولم يتفق التقاؤهما:
لم أزل - أعزك الله - أستنزل قربك براحة الوهم، عن ساحة النجم، وأنصب لك شرك المنى، في خلس الكرى، وأعللك فيه نفس الأمل، بضرب سايق المثل:
[ ٣ / ٢٩٣ ]
ما أقدر الله أن يدني على شحطٍ من داره الحزن ممن داره صول فما ظنك بي وقد نزل عىل مسافة يوم، وطالما نفر عن خياله نوم، ودنا حتى هم بالسلام، وقد كان من خدع الأحلام، وناهيك من ظمأي وقد حمت حول الورد الخصر، وذمت الرشاء بالقصر، ووقف ب ناهض القدر، وقفة العير بين الورد والصدر، فهلا وصل ذلك الأمل بباع، وسمح الزمان باجتماع، وطيت بيننا رقعة أميال، كما زويت مراحل أيام وليال، وما كان على الأيام لو غفلت قليلًا، حتى أشفي بلقائك غليلًا، وأتنسم من روح مشاهدتك نفسًا بليلًا؛ ولئن أقعدتني بعوائقها عن لقاء حر، وقضاء بر، وسفرٍ قريب، وظفر غريب، فما تحيفت ودادي، ولا ارتشفت مدادي، ولا غاضت كلامي، ولا أحفت أقلاني، وحسبي بلسان النبل رسولًا، وكفى بوصوله أملًا وسولا، ففي الكتاب بلغة الوطر، ويستدل على العين بالأثر.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
على أني إنما وحيت وحي المشير باليسير، وأحلت فهمك على المسطور في الضمير، وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف، وصلت صديقًا، وبللت ريقًا، وأسديت يدًا، وشفيت صدىً، لا زالت أياديك بيضًا، وجاهك عريضًا، ولياليك أسحارًا، ومساعيك أنوارًا.
ثم ختم رقعته بهذه الأبيات:
هو الدهر لا يفتا يمر ويحلو لي وسيان عندي ما يجد وما يبلي [٥٨ب]
إذا أشكلت يومًا عليه ملمة فمن ظهر قلبي يستمد ويستملي
سألقى بحد الصبر صم خطابه وإن صيغ فيها الشيب من حدق النبل
وأعرض عن شكواه إلا شكيةً بها من هو مرآك ضرب من الخبل
روى لي أحاديث المنى فيه غضة ولكنها لم تخل من غلط النقل
وجاد بقرب الدار غير متممٍ ويا رب جودٍ قد من شيم البخل
تراءى لي العذب النمير فليتني بردت لهاتي منه في نغبة النهل
أتحجب شمس العلم بردة ليلةٍ ولو وصلت أردانها ظلمة الجهل
ويخشن مسراها لموطئ أخمصي ولو نبتت في جنحها إبر النحل
أجل قيد هذا الدهر أضيق حلقة وأقصر للخطو الوساع من الكبل
سأبعث طيفي كل حين لعله يصادف من نجوى خيالك ما يسلي
ودونك من روض السلام تحيةً تنسيك غض الورد في راحة الطل
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قوله: " ويا رب جود قد من شيم البخل " يشبه قول الآخر:
الدهر ليس له صنيع يشكر شرب له يصفو وشرب يكدر
يهب القليل وقد نوى استرجاعه هبة البخيل أقل منه وأنزر وكأن هذا من قول بشار:
أما البخيل فلست أعذله كل امرئٍ يعطي على قدره فراجعه ذو الوزارتين برقعة نسختها: كتبت ولسان القلم يتلعثم، وقدم الكلم يتأخر أكثر مما يتقدم، هيبة لانتقادك، وعجزًا عن مواقع إصدارك وإيرادك، وإن متعاطي جرائك، ومناهض إعادتك أو إبدائك، لجدير بالتقصير، وخليق بحرمان حظ البسوق والظهور، والله يزيدك فضلًا، ويجعلك لكل جليلةٍ من الخصال ونبيلة من الأحوال أهلًا، بمنه.
ووصل إليّ - وصل الله اعتلاءك، وأثل مجدك وسناءك - خطابك الكريم نظمًا ونثرًا، فأهدى برًا، واقتضى ما لا يستطاع شكرًا، ويعلم الله الذي لا ينطوي دونه سر، ولا يفوت إحصاءه أمر، أني أجد من الشوق إليك، مثل ما أخبرت به لديك، وأحس من التشوق إلى لقائك، بنحو ما أطلعته من تلقائك، والله وليك حيث كنت، وكلئك وكالئي
[ ٣ / ٢٩٦ ]
فيك أقمت أو ظعنت، وإياه أسأل أن يبلغك أوطارك، ويؤتيك من كل أمل وفي كل مورد ومصدرٍ اختيارك، بعزته.
وأنا أعتذر من الاقتضاب، وأن لا ألم في النظم بجواب، بما لا يذهب عليك من الأعذار ولا يستتر دونك من الأسباب، وأنت بمعاليك تقبل العذر، وتتأول أجمل تأول الأمر.
وله من أخرى: لم أزل مذ جد اغترابك، ونعب غرابك، أتعجب من تحولك، وأتشوف إلى ما يراد من قبلك، فلم أظفر من خبرك بيقين، ولا حصلت من كيفية مقرك على ثلج مبين، إلى أن ورد جهينة أخبارك، وعيبة أسرارك، فلان، فكشف من صورة أمرك ما التبس، ووصف من جملة حالك ما سر وأنس، وذكر أن ذلك القطر - حرسه الله - رحبت بك معاهده، وعذبت لك موارده [٥٩أ] واشتملت عليك أفياؤه، وتهللت إليك أرجاؤه، ولا غرو من نفاقك حيث احتللت، وقبولك أيما انتقلت، فمن تحلى بمثل حلاك، لم يضع كيف تصرف، ولا عدم اللطف أينما انحرف؛ والله تعالى يصنع لك جميلًا، وينيلك حيثما كنت أملًا وسولا.
ووصل خطابك الخطير فجلا وجه برك وسيمًا، وشخص عهدك عميمًا، وأهدى إليّ من رياض ودك نسيمًا، ومن عرار حمدك شميمًا، فيا حسن موقعه من الضمير، ويا نبل منزعه الجميل المشكور.
وله من أخرى: قد يرد من تحف الإخوان ما لم يراقب له مورد، ولا
[ ٣ / ٢٩٧ ]
ضرب فيه موعد، ولا غازله ضمير، ولا تقدم فيه بشير، فيكون لجامع الأنس أجلب، ولمجامع النفس أذهب، وعلى صفحات الفؤاد أندى وأبرد، وإلى تلعات الوداد أهدى وأقصد، لا سيما إذا ورد وللوحشة جثوم، وبين الجوانح كلوم، كمورد خطابك، فإنه هجم ولا تأهب له خلد، ونجم وفي جفن الأنس رمد، فأذكرني حسنه زمن الصبا، ونفس الصبا، وأنساني عهده زهر الربى، وثمر المنى، وجدد من رسم الصبابة والمقة قديمًا، وأحيا من شخص القرابة رفاتًا رميمًا، ونشر من واشجها ما دفنته الأيام خمولًا، ووصل من مقطوع أسبابها ما لم يكن قبل موصولا، فلله در عهدك ما أجمل محياه، وأنم في روض الوفاء رياه، وسقيًا لمغرس مجدك فما أذكى ثراه، وأطيب جناه، وصل الله ما بيننا يوم تقطع الأسباب والأنساب، وجعله ميراثًا في الأخلاف والأعقاب، وأبقاك أنسًا لذوي الألباب، ومعدنا للكرم اللباب، بمنه.
وتلقيت المنزع الجميل في جهة فلان، المسند إلى مجدك بأحسن وجوه الإجمال، وأتم معاني البر المتوال، وأقبلت عليه، إقبال المصغي إليه، المستوفي ما لديه، فنشر من أياديك الجميلة مآثر، وشب بمندل ذكرك الطيب مجامر، وعمر بأوصاف معاليك مشاهد ومحاضر، وجعلت أهتز لسماعها طربًا، وأستعيد من أغانيها نوبًا، وأستزيده من محاسنها عجبًا وعجبًا، فأمتع بشهيها أذني، وأذكر بلذيذها معسف زمني، ورأيته حسن الأداء، لمعاني الثناء، متصرف اللسان، في شكر الإحسان، والله يعمر بوفود الأمل جنابك، ويمد في ساحة الكرم أطنابك، بعزته.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
وله من أخرى: قد كنت - أدام الله عزك - بتواتر السماع، وتظاهر الإجماع، أتقلد فضلك، وأشهد بالسبق لك، وأود أن يسفر بيننا خطاب، ويتفق للمفاتحة أسباب، رغبةً في الانتظام، ولو بسفارة الأقلام، واجتلاء بالإخاء، ولو بالرقم صفح الماء، إلى أن وافاني خطابك ففتح للمداخلة بابًا، وأوضح في المواصلة شعابًا، وتضمن من أدلة الود ما لا يكذب رائده، ولا يحرج شاهده، بل يقضى بشهادته ويحكم، ويقطع على عدالته ويختم.
فأما ما نحلتنيه من الوصف الجميل، ومنحتنيه من الغرر والحجول، فإنما هي حلاك، أعرتها أخاك، وأوصافك تبرع، بها إنصافك، وسماتك، تجافت عنها مكرماتك، وقد تقلدتها حلية جمالٍ، ورفلت منها في حلة أجمال، واعتقدتها ذخيرة أيام وليال. والله تعالى يؤكد بيننا دواعي الوداد، ويجعل خلتنا من عدد المعاد، ويعين على شكر برك المبدأ المعاد.
واجتليت منه افشارة الكريمة في جهة فلان، فمهدت له عندي كنفًا رحيبًا، وبوأته لدي محلًا قريبًا، وشغلت لحظي برعاية أمره، وبسطت يدي في شد أزره؛ ومما أكد حقوقه علي تشيعه في علائك، وتحدثه بآلائك، وتقلبه برهةً من الزمن في ظل حرمك وفنائك، والله تعالى يبقيك مؤثرًا للحسنة، محمودًا بجميع الألسنة، ولا يخليك من الشيمة الدمثة والكلمة اللينة.
وله من أخرى: إذا عددت [٥٩ب] أعزك الله - أعيان الزمان، وأفاضل
[ ٣ / ٢٩٩ ]
الإخوان، ثنيت عليك خنصري، وطمحت إليك ببصري، وطرت في جوك ووقعت، وانحططت في شعبك وربعت، لأنك - والله يبقيك - حامل آداب ومعارف، ولابس من خلع الفضل مطارف، ومتميز بفضول محاسن منحت جمالها، ومتفرد بخواص فضائل جمعت كمالها، لا أعدمني الله منك جملة فضل، وزهرة نبلٍ، وذخر وفاء، وعلق سناء، بمنه.
وطلع علي خطابك مع فلان عبدك، ولسان حمدك، فأهب من روح الأنس بك نسيمًا، وجدد عهود سلفت ورسومًا، وأجناني من رياض برك نورًا عطرًا، وسقاني من حياض ودك عذبًا خصرًا.
فيا شبعي برونقه وريي وأنهى إليّ المذكور ما تنسمه من أرج ثنائك، واجتلاه من تبلج إخائك، فاتصل البر واتسق، وتتابع الفضل على نسق، ثم استطرد إلى شكر ما أوليته من غر أياد، وإجمال متمادٍ، واستنفد في ذلك جهد لسانه، وجرى في ميدانه ملء عنانه، فأحمدت مقطعه ومنزعه، ووجدت العرف واقعًا فيه موقعه، وأنت بسروك تؤكد فضلك عنده، وتصل إجمالك معه، لا أخلاك الله من بث صنائع، في أصناف مواقع، وأشتات مواضع.
ومن أخرى له: كتبت وأنا في عقابل شكوى سدكت بي منذ أشهر
[ ٣ / ٣٠٠ ]
سدك الغريم، وعركتني بأكف آلامها وأيدي سقامها عرك الأديم، حتى لقد فغرت علي فاها المنون، واستوت في اليأس مني الظنون، إلا أنه تعالى بلطفه من بالإقالة والإرجاء، ونقلني عن جهة اليأس إلى جانب الرجاء، له الحمد متواترا، والشكر أولا وآخرا، وهو المسؤول، عز وجهه، أن يمليك أطول الأعمار، ويزوي عنك مكروه الأقدار، بمنه.
وكان خطابك قد وافى في عنفوانها، وصد رنزوانها، فخفف من أوصابها، وخلع بعض أثوابها، وكأنما ورد عائدا ملطفا، أو وفد زائرا متحفا، ورمت المراجعة فلم تساعدني يد، ولا نهض بي جلد، ولما نضوت برد الاعتلال، وشمت برق الإبلال، وجب إنهاء العذر المعترض، وتعين قضاء الحق المفترض. وأما شكري لما تضمنه الكتاب الكريم من لطائف البر والثناء، ونتائج الفضل والسناء، فمسحوب الأذيال، في طريق الاحتفال، مأخوذ الأنفاس، من زهر الرملة الميعاس، ويعلم الله تعالى المطلع على خواطر الضمير، وهواجس الصدور، استنامتي إلى كرم نواحيك، وثقتي بشرف مناحيك، واغتباطي بما أحكم بيننا من نظام التآلف، ورفع لنا من أعلام التعارف؛ واجتليت من مختم الكتاب سلام الوزير الكاتب ناثر درره
[ ٣ / ٣٠١ ]
وراقم حبره، ولك الفضل في إبلاغه من تحيتي ما يضاهي تنفس الأزهار، في وجوه الأسحار.
وكتب كعتنيًا بأحد الأدباء الشعراء: لئن كانت الأيام - أعزك الله - قد قلصت أذيال أحوالك، وسلطت هجيرها على برد ظلالك، وكدرت بأقذاء صروفها صفو زلالك، فما استلانت نبعك، ولا أحالت عن عادة الجميل طبعك، ولا عفت في منازل السناء والثناء ربعك، فقد يجري الجواد وهو منكوب، ويتجمل الحر وبه ندوب، والله تعالى يجبر الصدع، ويجمل الصنع، بعزته.
ويتأدى من يد فلان، وفي علمك ما دهي به وطني من خطوب الزمن، وضروب المحن، وتقلب عباد الوثن، ودفعته الضرورة إلى استرفاد الأحرار، والتكسب بالأشعار، وهو ممن يتصرف في الصناعة بلسانٍ صنع، ويأوي فيها إلى طبع غير طبع، وله في قبول عفو المنيل إجمال، وعنده في شكر العرف المختصر احتفال.
ولما عرف ما بيننا من عهدٍ لا يفارق نصابه كرم، ولا يلحق شبابه هرم، اتخذ خطابي هذا عنوان شعره، ولسان أمره، ودليلًا على موضعه، ومشيرًا إلى مقصده ومنزعه، وأنت بسروك تصدق أمله، وتبيض وجه [٦٠أ] الصنيعة قبله.
وله من أخرى في مثله: العهد وإن قدمت أحكامه، وسلفت أيامه
[ ٣ / ٣٠٢ ]
إذا استجد عاد جديدًا، ونشأ حميدًا، لا سيما إذا غرس في تربة وفاء، وسقي بنطفة صفاء، وتردد في نصاب كرم، وتشبث بأطناب ذمم؛ وكان بين سلفنا ما لا ينسى ماضيه، وإن خلت لياليه، ولا يهجر حسنه، وإن بعد زمنه، وإنه لمسطور في صحيفة تذكري، وملحوظ بعين تصوري، ولئن لم يجمعنا مكان، ولا سلف للمداخلة عنوان، فإن ذلك غير قادحٍ في الضمير، ولا مكدر من العذب النمير.
وموصله فلان، ونشأة نعمتك، توسم رعايتك لها فسألها، وتخيل تحفيك بنواحيها فرغب فيها، وما أجبته إليها إلا وقد علمت أنك تشفع شفيعها، وتؤثر ترفيعها، وبوروده، عليك تجتلي وجه منزعه ومذهبه، وتقف على جليه أمله ومطلبه، وأنت بفضلك تصدق مخيلته، وتراعي وسيلته، وتتجمل معه، وتضع العرف موضعه، مقتضيًا بذلك من شكري أبرعه، ومن ذكري أطيبه وأضوعه.
ومن أخرى في مثله: أما وكنفك وساع، وشرفك يفاع، والتحدث يتدفق أدبك ونشبك إجماع، فلا غرو أن تقصد بتحف القصيد، وتطوى نحوك صحف البيد، ويجري من يعتمدك في مضمار تأميلك إلى الأمر البعيد، لا سيما من قد اعتمدك، فأحمدك وانتقدك، كفلان، فإنه رتع في برك، واكتحل برهة ببشرك، واشتمل بضافي عطافك، وكرع في صافي نطافك، فهو إذا عد غرر العصر ولمع الدهر، بدأ بذكرك وختم، وطار في جوك وجثم، وله في نشر المحاسن والفضائل لسان ذرب، وعنده شكر الصنائع والودائع مقام درب، ولما عضه العسر
[ ٣ / ٣٠٣ ]
ومسه الضر، وجب أن ينتجع جنابك، ويستمطر سحابك، ويؤم فناءك، ويجبر ثناءك، وهو بانتحائك مسرور، وبين يديه من رجائك نور، وقد سفر له قناع السفر، عن أسرة الظفر، وجليت عليه صورة الأمل، في معارض النص والزمل، فما أجدره بأن يجد ظلك سجسجا، ومحلك منبجا، ويجتني رباك غضة النور والزهر، وينثني عن مشرب نداك حامد الورد والصدر؛ لا زال مقرك معتمد الزوار، ومنزع الأحرار، ومحصب جمار الأشعار.
وله من أخرى في مثل ذلك: كتبت عن كلال ذهن، واتصال وهن، وركود خلد، وفتور جلد، لترددي في أذيال العلة التي عرفت صفتها، واجتليت من خطابي المتقدم صورتها، ولا مزيد عى ما عندي من الإجمال لذكرك، والاحتفال في شكرك، والتسحب على حواشي مجدك، والانحطاط في غورك ونجدك.
وموصله فلان، لم يتفق له في غير الجهة الحالية بك أمل، ولا اعتلق به في سواها عمل، فحن إلى ما عهده فيها من حسن رائك، وكريم اعتنائك، ورحب جنابك وخصب فنائك، واستنهض مخاطبتي لتبوئه تحت ظلك كنفا، وتؤكد له سببا مؤتنفا.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
وله من أخرى: كتبت وريحان العهد بمائه، ويتأود في غلوائه، لم يلم به مع القدم ذبول، ولا انسحب عليه للزمن ذيول، وكيف لا يرف ورقه، وينم عبقه، وفي روض وفائك يرتع أسحار وأصلا، ومن ثغب صفائك يشرب عللا ونهلا، ولذلك ما يقع الإعتاب بالخطاب، ويجتزى بتناجي القلوب وتصافي الغيوب عن الكتاب؛ والله يبقي ما بيننا معقودا بذوائب النجوم، محجوبا عن كلفة العبوس والوجوم.
وفلان لم يجد من ذلك الأفق بدلا، ولا غرس في سواه أملا، ولا ألفى في تربة غيره ترى ولا بللا، فعاد إليه يحمد عهده، ويذم ما لقي بعده، وسألني مخاطبتك بهذه الحروف، ليتزيد بها من رأيك الشريف وفضلك المعروف.
وله في مثله إلى الفقيه أبي القاسم ابن المناصف بقرطبة: أما وأحاديث فضلك صحيحة الإسناد، وأدلة سروك مزلة العناد، ومطالب علمك وفهمك ساطعة الأنوار [٦٠ أ] ومناهج هديك وسعيك واضحة الصوى والمنار، فلا عجب أن تحوم على شرعة مداخلتك حوائم الألباب، وتنتهز في التماس مواصلتك فرص الدواعي والأسباب. ولم أزل أولع برائق صفاتك، وألتمس سبب معرفتك، حرصا على التجمل بختلك، ورغبة في التيمن بصلتك، لأنك - والله يبقيك - أحق من احتذي على
[ ٣ / ٣٠٥ ]
مثاله، واقتدى بصالح أعماله، واستقريت آثار البر من مواقع خطاه، وانتسخت أخبار الزهد والقصد من صحائف هداه، وأحر بمن اتخذك صاحبا، وسلك من سبلك أثرا لاحبا، أن يأمن في جدد مسالك العثار، ويعدم في جوارك نقع الفتن المثار، والله يبقيك لأشتات الفضائل نظاما، وفي كل صالحة إماما، ويوسع النعمة بك وفيك سبوغا وتماما.
ولما اتفق شخوص فلان إلى الحضرة، وعلمت أن انجذابه إلى جنباتك، ووعيت عنه جملا حسانا من صفاتك، رأيت أن أصحبه خطابا، وأمد في ساحة الانتظام بك أطنابا، حرصا على أن يتأكد في ذات الله إخاؤنا، وتتفق في سبل مرضاته وطرق طاعته أنحاؤنا؛ وحملته مع ذلك من لطائم الحمد، ونخائل الود، ما إذا أعرته ناظري تأملك، وصادق تخيلك، علمت به خلوص ضميري، وصفاء نميري، وسلامة عهودي، ودماثة تهائمي ونجودي.
وهذا الرجل يشكر إجمالك معه شكر روض الحزن، لعارفة المزن، ويود أن يستظهر على ذلك بكل لسان، ويستنجز فيه كل ناء ودان، وقد جاريته في مضمار شكرك طلقا، وسعيت معه في ميدان الثناء عليك خببا وعنقا، فبيني وبينه من شابك القربى، ما يقتضي أن آخذ من مشاركتك له بالقسم الأوفى والسهم الأعلى؛ وقد عرفت ما مني به من عض الزمان، ومس الحرمان، ورأى أن يصرف وجه همته إلى تلك الحضرة ليدرك بها أملا، ويعلق من أعمالها عملا، ومعوله في موارده ومصادر عليك
[ ٣ / ٣٠٦ ]
ونظره في مطامح أغراضه وألحاظه إليك، وأنت بمجدك تسدد سهمه، وتؤيد عزمه، متمما يدك البيضاء، ومتبعا دلوك الرشاء.
وله في مثله إلى الفقيه القاضي بها: إن كانت المداخلة بيننا لم يفتح لها باب، ولا علقت بها أسباب، ولا رمي لنا في محصبها جمار، ولا عطف بنا نحو كعبتها اعتمار، فقد جمعتنا في معرف المعروفة مواقف، وضمتنا من معالم العلم معاهد ومآلف، ووشجت بيننا من أواصر الأدب أنساب، وضربت علينا في مدارج الطلب قباب، ولا غرو من تداني القلوب على تنائي الديار، وإئتلاف النفوس مع اختلاف النجار، فقد يتعارف الأنداد على البعاد، ويتناكر الأضداد مع قرب السواد والوساد، وربما ألف تشاكل الشيم والأخلاق، بين مستوطن الش وساكن العراق، ودأبًا حن زهر الغور إلى نسيم نجد، وامتزج عبر الشحر بمسك الهند. على أني لا أدعي رتبتك في فنون العلم والآداب، ولا أتعاطى صحبتك إلا بشرط الانقياد والإصحاب، ومن يضاهي محل الفرقد، بمنبت الغرقد، أو يشبه رتبة التقليد، بدرجة النظر والوليد، أو يقرن بين الالتباس والبيان، ويعارض قوة القياس بضعف الاستحسان -! لكني وإن لم أعد في رعيلك، ولا أضيف مبرمي إلى سحليك، فعندي من بضائع الكلم ما نفق في
[ ٣ / ٣٠٧ ]
سوقك، ولدي من سوامي الهمم ما يعبق ببسوقك، وعل بعض كلامي يسجد في ذراك، ويحظى برضاك، ويادف عندك رأيًا جميلًا، ويستوقف لحظك لو قليلًا، بقيت حليةً للدهر فائقةً، وغرةً في وجه الزهر رائقة.
ولما علم فلان، أن القيم عندك بحسب الإنسان، وعلى قدر تصرف اليد واللسان، وأن أحظى ما قرع به بابك، ورفع له حجابك، رقعة تشير بها إلى علم وأدب، ولا يخل بوجهها وشم ندب، استنهضني شفيعًا، فأجبته سريعًا، حرصًا على المداخلة أسم غفلها، والمواصلة أفتح قفلها، ورغبة في مشاركة الرجل المذكور ول بشفعة الكلام، وسفارة الأقلام، فبيني وبينه نسب موصول، وثرى مبلول، وآصرة رحم، وعاطفة سهم.
وكان له بتلك الحضرة النيرة بعدلك فيما سلف ظهور، وتصرف [٦١أ] مشهور، ثم ألقت عليه العطلة ثقل جرانها، وجرت به ملء عنانها حتى انسفت ما كان بيده، وحلت جميع عقده؛ وقد دفعته الأيام إلى جميل نظرك، وطيب مكسرك؛ وهو بكرم الصنيعة خليق، ولحمل المنن مطيق، وغرضه ن يصرف في بعض وجوه العمل، ويختبر حاله في الشد والزمل، وأنت بمجدك تفرص له من شرف عنايتك نصيبًا، وتوليه من رعايتك وجهًا خصيبًا؛ وما أسديت إليه فلي فيه مفخر، وهو عند الله مدخر، والله يبقيك للحسنات تعرس بأبكارها، والمآثرات تخلد كرم آثارها، منه.
وله من أخرى يشفع لبعض الشعراء: لا غرو أن يقصدك - أثل الله
[ ٣ / ٣٠٨ ]
سؤددك - مهدي حمدٍ، ومقتضي رفد، ويلم بك مستوجب معروف، ومعاني صروف، فقديمًا غشيت منازل الكرماء، وثبيت فضائل العلماء، وهزت أعطاف الكبراء، بنغم الثناء والإطراء، وقد أصغى إلى الأشعار، جلة الأخيار، وأثاب على المديح، من بعد عن التجريح، ومثلك سلك تلك السبيل، وآثر الجميل، وراعى التأميل.
وموصله - وصل الله اعتلاءك، وحرس أرجاءك - فلان، وهو ممن اضطره كلب الحرمان، ونوب الزمان، إلى اعتماد الكرام واستفرفاد الأعيان، وه من صناعة القريض، وبضعة التفريض، حظ موفور، ونده لأوجه الصنائع إذ برقعها الكفور، ظهور وسفور، وقد قصد تلك الجهة فيما سلف منتجعًا، وارتضع من أفاويق درها جرعًا، وما عدم منك تنويلًا، ورأيًا جميلًا، لكن العود أحمد، ورب العرف أوجب وأوكد، ولا يذهب العرف بين الله والناس، وليس ممن يسأل شططًا، ويتعسف غلطًا، وإنه ليتبلغ بالنسيم، ويستنجز الوعد بالتسليم، وحسبه ما يرقع جانب خلته، وينقع بعض غلته، وأنت بفضلك تشفق لما مني به من الاغتراب والاضطراب، وتحافظ على ما قبله من الوسائل والأسباب.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وله من أخرى إلى الفقيه أبي الحسن ابن الأخضر: إذا كان عهد الإخاء مما رقمته يد الطلب، في صفحة الأدب، لم يسنخ له الدهر حكمًا، ولا أحال الزمن منه رسمًا، بل يتجدد على تقادم الأحقاب، ويتردد أبدًا في عصر الشباب، وإنما هو في الحقيقة نسب لا يخفى، ورحم لا يجف له ثرى، وذمام تثنى عليه الخناصر، والتحام تشير إليه الأوار، فالأديب صنو الأديب، وكفى بتمازج القلوب، وفي علمك ما سلف بيننا من العهد، المزري حسنه بزمن الورد، سقاه الله صوب العهاد، ولا زال مخضر الماد، فما كان إلا غرةً انتهزت من تهاتف البيض الغرائر، ولمعةً كأنما اقتبست في تضاحك الترائب تحت سود الغدائر.
ولما علم فلان، حليف شكرك، وأليف برك، ما بيننا من المناسب الروحانية، والمذهب الأدبي، استنهضني لشكر ما خصصته له من تقريب محل، وتخفيف كل، فنهضت في ذلك نهوض المبدي المعيد، واحتبيت برداء الثناء عليك في المحفل الشهود، وسرني كون هذا الفتى الدميث الخليقة، السديد الطريقة، من إنشاء تخريجك وتفهيمك، وأغصان تثقيفك وتقويمك، فإنه ممن ستصور مقدار ما تسدي إليه، ويفي بصون ما تودعه لديه، وليس كل من أولي جميلًا يشكر، ولا كل شجر وإن سقي يثمر، وأنت بسروك توسع قريحته ذكاء، وصحيفته جلاء،، حتى يخلص خلوص
[ ٣ / ٣١٠ ]
الذهب، ويتخصص بحلية الأدب، محرزًا في ذلك ذكرًا يشيع خبره، ويفوح عنبره، والله يبقيك لهذا الشان تذيع أسراره، وترفع مناره، بعزته.
وله من أخرى عناية بأحد الأدباء الشعراء: من دفعته الأيام - أعزك الله - إلى التقلب في الأقطار، والتكسب بالأشعار، لم يخف عليه مواضع الأحرار، في النجود والأغوار، على أن رسم الشعر قد درس أو كاد، ومرتاد البر قد عدم المراد والمراد، إلا أن صاحب هذا الشأن لابد أن يتصرف، أنجح أو أخفق، ويتسوق كسد أو نفق.
وممن دخل ذلك الصقع فأحمده، وتخيل بمن معاودته [٦١ب] فاعتمده، فلان، وله في صنعة القريض باع، وبشكر ما يوالاه اضطلاع، وبين فكيه لسان كشقة مبرد، أو ظبة حسام فرد، ولما كنت - أعزك الله - مقدمًا في أعلام مصرك، وأعيان عصرك، وعلم ما بيننا من سهم الوداد، وكرم الاعتداد، سألني مخاطبتك راغبًا في أن تسدد له هنالك غرضًا، وتسهل من حياض أمله فرضًا، وترفع له في سبيل التزكية منارًا، وتقلده من صوغ التحلية طوقًا وسوارًا، فأجبته لما يمت به إليّ من وكيد ذمامٍ
[ ٣ / ٣١١ ]
وحميد إلمام، والثقة بنزول رغبتي لديك على طرف ثمام، وشرف اهتمام، وأنت بسروك تدنيه من كنفي قبولك وإقبالك، ولا تخليه من الأنس بتهممك واهتبالك، حتى يصدر وهجيراه شكر إجمالك، ونشر صنيعة من جاهك أو مالك، إن شاء الله.
وله من أخرى في مثله: من عهد - أعزك الله - أنس فنائك، وحسن اعتنائك، وألف برد أفيائك، ولين أرجائك، لم يحبسه عنك سكن ولا وطن، ولا لذ له في غير حجرك وظلك وسن، فمولي الجميل محبوب، ومكان الأنس مطلوب، والنفوس على علمك تلتمس الرجحان، وتعتمد الفضل حيث كان.
وفلان، ممن قيده إحسانك، واستعبده امتنانك، فهو لا يعدل بك أحدًا، ولا يحل عن عصمة تأميلك يدًا، فإذا بعد عن جنابك لم يسغ له قرار، ولا اطمأنت به دار، وقد بعثه صدق الانقطاع إليك على حسم العلق الموجبة لبعده عن ظل جناحك، وأنس التماحك، ولم يبق له في غير مكانك سيب يجذمه، ولا أمل يصدقه أو يكذبه، وأنت بمجدك توالي اصطناعه، وتراعي انقطاعه، وتلحظ بعين تهممك ضياعه.
[ ٣ / ٣١٢ ]
وله فصل من جواب خاطب به بعض الأدباء الشعراء: وردتني لك قطعتان من القريض، كقطع الروض الأريض، أو نغم معبد والغريض، تبسمتا عن ثغر وفاء، وأهتدتا إليّ روح شفاء، فأشعلت بذكر تهممك مجمرًا، ووضعت عليه من ثنائي ندًا وعنبرًا، ورأيت ما ذكرته من إزماعك على الرحيل، واستجماعك لركوب ظهر السبيل، فاسترجعت بذكر البين، ما وهبت من أنس السعدين، والله يرد ذلك الصعب ذلولًا، والحزن سهولًا، ولا يعدمك ممن ترجوه ترحيبًا وتسهيلًا.
وله أيضًا من جواب على كتاب في مثله: تكلفت المراجعة وحسي القريحة مثمود، وفي جو الذهن ركود وجمود، وبين أثناء الضمائر خطوب مثول، وفي صفائح الخواطر ثلوم وفلول، وما قصدت معارضة التبريز بالتقصير، ولا حاولت مناهضة الخطو الوساع بالباع القصير، وإني لممن ينصف ويعترف، ويرى مدى السابق فيقف، ولست ممن يجهل فضل ما بين النبع والغرب، ويذهل عن فرق ما بين الشبه والذهب، على أن عذري في الصناعة مقبول، ونبي في ساحة القريض محمول، فإني لم أقرع له بابًا، ولا شددت به عصابًا، وإنما يعد من أهله، من سلك مضايق سبله، ويكتب في فرسانه، من تصرف في ميدانه.
[ ٣ / ٣١٣ ]
ومن رسائله في التعزيات
نسخة رقعةٍ كتب بها إلى الوزير الفقيه أبي القاسم الهوزني يعزيه عن أخيه:
لا بد من فقدٍ ومن فاقد هيهات ما في الناس من خالد
كن المعزى لا المعزى به إن كان لا بد من الواحد إذا لم يكن بد من تجرع الحمام، وتشتت النظام، وانصداع شمل الكرام، فمن الاتفاق السعيد، والقدر الحميد، أن يرث أعمار البيتة الكريمة مشيد علاها، وتسلم من القلادة وسطاها، فمدار الكفاية على معلاها، وفخار الحلبة بمحرز مداها. وفي هذه النبذة إشارة إلى من فرط من الإخوة الفضلاء، ودرج من السادة النجباء، فإنهم وإن كانوا في رتبة الفضل صدورًا، وغدوا في سماء النبل بدورًا، فإن شمس علائك أبهر أضواء وأزهر أنوارًا، وظل جنابك على بنيهم ومخلفيهم أندى آصالًا وأبرد أسحارًا [٦٢أ] .
ونعي إليّ - أوشك الله سلوانك، ولا أخلى من شخصك الكريم مكانك - الوزير أبو فلان - برد الله ثراه وأكرم مثواه - فكأنما طعن ناعيه في كبدي، وظعن باكيه بذخيرة خلدي، لا جرم أني دفعت إلى غمرةٍ من
[ ٣ / ٣١٤ ]
التلدد لو صدم بها النجم لحار، أو دهم بمثلها الحزم لخار، ثم ثابت إليّ نفسي وقد قذها الجزع، وعضها الوجع، فأطلت الاسترجاع، وجمعت الجلد الشعاع؛ وها أنا عند الله أحتسيه جماع فضائل، وجمال محافل، وحديقة مكارم صوجت، وصحيفة محاسن درست وامحت، وما اقتصرت من رسم التعزية المألوفة، على القليل المحذوف، إلا لعلمي، بأن المعزي لا يورد عليك غريبًا، ولا يسمعك من موعظة عجيبًا، فبك يقتدي اللبيب، وعلى مثلك يحتذي الأديب، وإلى غرضك في كل موطنٍ يرمي المصيب، وفي تجافي الأقدار عن حوبائك، وسقوطها دون فنائك، ما يدعو إلى حسن العزاء، ويهون جلائل الأرزاء، لا صدع الله جمعك، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك، بعزته.
وله من أخرى في مثله: وردني - أعزك الله، وأشعرك الصبر لما قضاه - خطابك الخطير، فاستقبلني، أوله ببشرٍ وسيم، وبر جسيم، وتلقاني آخره بوجه شتيم، ورزء أليم، فيا قرب ما انصرفت عن نهج الاستبشار، إلى سمت الاعتبار والاستعبار، وانقلبت من مطالعة صفحة العهد الواضحة، إلى ملاحظة صورة الوجد الكالحة، فما وقع سانح البشرى، حتى أطاره بارح المنعى، ولا افتر صغر النعمى، حتى اكفهر وجه البوسي، بما ختمت به الكتاب الكريم، وكان أحق بالتقدم، من ذكر وفاة الحسيب الأديب، أخيك، ومحل صنوي، كان - ﵀، وألحفه رضاه - فيا له رزءًا، حملني عبئًا، ومصابًا، جرعني صابًا، وعند الله أحتسبه جملة عفافٍ، وبقية أشراف.
ومما أوقد لوعتي، وأكد روعتي، أن درج وللشباب عليه سربال
[ ٣ / ٣١٥ ]
وللأمل في تراخي مدته مجال، فاغتبط النفوس أفجع، وبغت المقادير أوجع وأشنع، وهي الآجال: فمعمر إلى أقصاها، ومختضر دون مداها، ولا يزال المؤجل تتحيف نواحيه، وتختطف أدانيه، ويفجع بأحبائه، ويروع بأترابه، حتى يكون هو الغرض المصاب، والمحل المنتاب، والسواد المخترم، والخيال المستقدم. فمن تصور الدنيا تصورك، وأوسعها تدبرك، لم يرعه هاجم كرب وإن كلح وجلح، ولا هزه واقع خطب وإن طمح وجمح، ولعلمي بمضاء جنانك، على مصادرة زمانك، واتساع صدرك، لمضايقة دهرك، سلكت في التعزية مسلك التخفيف، واقتصرت من معاني التسلية على اليسير اللطيف، ولو شهدت لحملت عنك بعض الأتراح، وشاركت في زيارة الغدو والرواح، والله يعوضك العزاء الجميل، ويضفي على ساقته - جبرها الله - ظلك الظليل، ويديم إمتاعك بمن بقي معك من أخٍ كريم، وقريبٍ حميم، بعزته.
وله من أخرى في مثله: محن الدنيا - وسع الله لاحتمالها ذرعك، وأنس في إيحاشها ربعك - ضروب، ولسان العبر بها خطيب، ونوائبها أطوار وفنون، ومصائبها أبكار وعون، والمرء غرض لأخياف سهامها، ومعرض لاختلاف أحكامها، فإن أخطأه منها صائب الحمام، وتخطاه واثب الاخترام، رشقته بنبل أرزائها، وطرقته بمضل أدائها
[ ٣ / ٣١٦ ]
وعرقته بعصل أنيابها، وأشرقته بمر شرابها، وأودعته من صنوف التصاريف، آلامًا وأوصابًا، وجرعته من فراق الأحبة صبرًا وصابًا؛ فمن فهم معاني صروفها فهمك، وعجم عود خطوبها عجمك، لم يتضعضع منه لصدمتها جلد، ولا تروع له عند ظلمتها خلد، ولا شقت لصبره في مآتها جيوب، ولا طار بقلبه في ملامحها وجيب، بل وجدته مشيع الجنان، ثابت الأركان، متهلل الجبين، مشرق اليقين، متسع الجوانب، لزحام النوائب، مستقل الكاهل، بأعباء النوازل.
فلئن نفذ القدر بوفاة من كنت تأنس بحياتها، وتتيمن على القرب والبعد بيمن صلاتها وصلاتها، وتضاعف الوجد بما افترق من فرقة المنون، وحرقة [٦٢ب] النوى الشطون، وانتظم من شحط المزار، ونفوذ حتم المقدار، ففي تجلدك لتحامل الخطبين محتمل، ولتصبرك في سوم الخطتين تصرف وعمل، وبجسيم عظيم المصاب، وكرم الاحتساب، يكون حسن الثواب، ويمن المآب، فللرزايا قيم وأثمان، وللحسنات في موازنتها خفوف ورجحان، فلا تمكن من يد الجزع مقادك، ولا تسكن زفرة الأسف فؤادك، واعتصم عند الصدمة الأولى بعروة الصبر
[ ٣ / ٣١٧ ]
الوثقى، وتجنب ما يقدح في كرم النصاب، ويقبح عند ذوي الألباب، واحتسب فقيدتك - قدس الله روحها، وأنس ضريحها - حديقة أنس، نقلت إلى جنة قدس، وذخيرة إيمان، ضمنت أكرم صوان، ولا تذهب نفسك حسراتٍ، ولا يتدارك نفسك زفرات:
فقد فارق الناس الأحبة قبلنا وأعيا دواء الموت كل طبيب وإذا كنا أهداف المنايا، وأخلاف الرزايا، وأبناء الأحلام، وأنداء الغمام، فاي معنىً في الجزع على من فرط، والتوجع لمن شحط، ونحن عن قريب نقدم على من تقدم ونلحق بمن سبق.
وهذه جملة من شعره
خاطبه بعض الأدباء والشعراء بنظم ونثر، فراجعه بقوله من جملة أبيات:
لئن راق مرأىً للحسان ومسمع لحناؤك الغراء أبهى وأمتع
عروس جلاها مطلع الفكر فانثنت إليها النجوم الزاهرات تطلع
زففت بها بكرًا تأرج طيبها وما طيبها إلا الثناء المضوع
[ ٣ / ٣١٨ ]
لها من طراز الحسن وشي مهلهل ومن صيغة الإحسان تاج مرصع
تبغيت منها متعة اللحظ فانزوت وقالت أدون المهر يبغى تمتع
لئن لم تجد نقدًا لمثلي عاجلًا فما لكم عن قيمة البضع منزع
فدونك ذاك الحكم منها فانه تضاء لعمري عادل ليس يدفع
ولي همة لو طاوع الدهر حكمها لكنت بفتوى الجود في ذاك أقطع وخاطبه أيضًا بعض أدباء العصر بشعر، فراجعه بقوله:
سلام كعرف المسك أو عبق الندّ على من عدا بالفضل فذًا بلا ندّ
سلام كأنفاس الأحبة موهنًا سرت بشذاها العنبري صبا نجد
سلام كإيماض الغزالة بالضحى إلى الروضة الغناء غب الحيا العد
على من تحداني بمعجز شعره فأعجز أدنى عفوه منتهى جهدي
غزاني من حوك اللسان بلأمةٍ مضاعفة التأليف محكمة السرد
دلاص من النظم البديع حصينةٍ ترد سنان النقد منثلم الحد
عليها من الإحسان والحسن رونق كما ديس متن السيف من صدأ الغمد
وفيها على الطبع الكريم دلالة كما افتر ضوء السقط من كرم الزند
إذا خف منها جانب الهزل كفه ووقر من أعطافه ثقل الجد
أبا عامرٍ لا زال ربعك عامرًا بوفد الثناء الحر والسؤدد الرغد
[ ٣ / ٣١٩ ]
لقد سمتني في حومة القول خطةً " لففت لها رأسي حياء من المجد " [٦٣أ]
زففت هديًا من ثنائك حرةً يقصر ملك الأرض عن مهرها عندي
عقيلة مجدٍ أتلع الفخر جيدها فأغناه ذاك الحلي عن حلية العقد
وكلفتني أن أستقل بحقها وهيهات من إدراك أيسره وحدي
فلم أر برًا أرتضيه لقدرها سوى الود محمولًا على كاهل الحمد
فعذرًا فما عذري بمحتجب السنا ولا وجهه عند الجلاء بمسود
فإن كنت قد أحجمت عنك مقصرًا فلا غرو في الإحجام عن أسدٍ ورد وكتب إليه أيضًا الأديب أبو عامر الذي ذكره بشعر أوله:
أعدها علينا أيها الناس الحبر هدي قواف مسك صفحتها الحبر فأجابه الوزير أبو القاسم بقوله:
أما ونسيم الروض طاب به فجر وهب له من كل زاهرةٍ نشر
تجافي له عن سره زهر الربى ولم يدر أن السر في طيه جهر
ففي كل سهبٍ من أحاديث طيبه نمائم لم يعلق بحاملها وزر
[ ٣ / ٣٢٠ ]
لقد فغمتني من ثنائك نفحة ينافسني في طيب أنفاسها العطر
تضوع منها العنبر الورد فانثنت وقد أوهمتني أن منزلي الشحر
سرى الكبر في نفسي بها ولربما تجانف عن مسرى ضرائبي الكبر
وشيب بها معنىً من الراح مطرب فخيل لي أن ارتياحي لها سكر
أبا عامر أنصف أخاك فإنه وإياك في محض الهوى الماء والخمر
أمثلك يبغي في سمائي كوكبًا وفي جوك الشمس المنيرة والبدر
ويلتمس الحصباء في ثغب الحصى ومن بحرك الفياض يستخرج الدر
عجبت لمن يهوى من الصفر تومةً وقد سال في أرجاء معدنه التبر
تطلبتها مردودةً اللحظ برزةً تردد في أسمال أثوابها الدهر
هي الثيب استعصت عليّ وإنما تطوع لمن يحوي ولايتها البكر
فدونكها عذراء لم يعد وجهها حجاب ولم يهتك لحرمتها ستر
بذلت لها نقدًا من الدر غاليًا فلم يجزها مهر ولم يخزها صهر
وإني لصب بالتلاقي وإنما يصد ركابي عن معاهدك العسر
أذوب حياءً من زيارة صاحبٍ إذا لم يساعدني على بره الوفر قوله: " ففي كل سهب من أحاديث طيبه " كقول أبي المغيرة ابن حزم:
[ ٣ / ٣٢١ ]
ورنت بألحاظٍ تدبر كؤوسها فينا فنشربها حلالًا مسكرا وقوله: " أمثلك يبغي " البيت، كقول الآخر:
أعندك الشمس تسري في مطالعها وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر [٦٣ب] واراه عكس قول حبيب:
إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر وقال أبو الطيب:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل انتهى ما أثبته من كلام الوزير أبي القاسم، وهو أبهى من النجوم وأبهر، وأسرى من النسيم وأسير، وكنت جديرًا باستقصاء أخباره، وحميد آثاره، لا سيما ومزاره كثب، وبيني وبينه من ذمام الأدب، والتزام الطلب، سبب ونسب، ولكن النوائب زاحمت ضائري، وضربت وجوه خواطري، فما دفع إليّ عفوًا تلقيته ووعيته، وما كانت فيه أدنى كلفة رجوته وأرجيته، ولا بأس من الزيادة إن انتهجت سبيل، ولله نظر جميل، وفيه مطمع وتأميل.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
فصل في ذكر ذي الوزارتين الكاتب أبي القاسم
محمد بن عبد الغفور صاحب المعتمد
وكانا قبل تمكن السلطان، رضيعي لبان، أمهما الكأس، وفرسي رهان، ميدانهما الأنس؛ فلما أفضى الأمر إليه، وأديرت رحى التدبير عليه، أرعاه تلاعه، وعصب به خلافه وإجماعه. وتوفي ذو الوزارتين في عنفوان شباب ذلك الملك، وهو منه بمكان الواسطة من السلك، فقال المعتمد فيه من جملة أبيات يرثيه:
أبا قاسم قد كنت دنيا صحبتها قليلًا، كذا الدنيا قليل متاعها وقد وجدت لأبي القاسم شعرًا إن لا يكن شديد المتن، أزور الركن، فإنه مليح الاطراد، سلس القياد، يقرب من متناوله، ويدل على قائله، ولم يقع إليّ وقت تحريري هذه النسخة شيء من نثره؛ وفيما
[ ٣ / ٣٢٣ ]
أثبت هنا من مقطوعات شعره، شاهد صادق على ما أجريت من ذكره.
فمن شعره يخاطب أحد أعبان بني الدب:
يا وزيرًا تعنو له الوزراء ضاق ذرعي وبان مني العزاء
أمن الحق أن أكون سقيمًا لست أرجى وفي يديك الشفاء
يا كبيري وسيدي وظهيري كن نصيري على أناس أساءوا
قد توقفت في الشهادة حتى حرم اليأس ما أحل الرجاء
ولقد تعلمن محض ودادي وثنائي، وقل فيك الثناء
ولكم سائل أطال سؤالي هل على الأرض من لديه وفاء
فجعلت الجواب منه مقالي ليس يخفى على العيون ذكاء
إن جهلت الوفاء في أهل حمصٍ فبنو الدب سادة زعماء
فيهم عفة وفيهم وفاء ولهم ذمة وفيهم حياء
وزراء أكابر كرماء علماء أفاضل حلماء
أي قومٍ وأي أعلام مجدٍ أنجبتهم إلى العلا آباء
يفخر الدهر منهم بأناسٍِ ليس إلا لهم يد بيضاء [٦٤أ]
من يجار الوزير أعني أبا مر وان في الفضل طال منه العناء
من يجاريه فغي متانة دينٍ وعليه من الحياء رداء
أورث المجد والمكارم نجلًا منه هامت بمثله العلياء
[ ٣ / ٣٢٤ ]
فات أهل الزمان فضلًا ومجدًا وذكاءً وأين منه الذكاء
ألمعيًا مهذبًا لوذعيًا للمروءات في يديه لواء
وإذا ما اعتزى لأكرم خالٍ وقف الفضل عنده والسناء
ولعمر العلا وسمر العوالي إنه خير من تظل السماء
يا عمادي ومن عليه اعتمادي عش كما شئت مدركًا ما تشاء
ولئن كانت النفوس فدائي إن نفسي لمثلكم لفداء في ذكر الوزير الكاتب أبي محمد عبد الغفور،
ابن ذي الوزارتين أبي القاسم المذكور،
واجتلاب قطع من شعره، ولمع من نثره
وأبو محمد هذا في وقتنا عارض إذا همع استوشلت البحار، ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار، وهو أحد من آوى من الحسب باشبيلية إلى ثبجٍ عظيم، ومشى من الأدب على منهج قويم، سابق
[ ٣ / ٣٢٥ ]
لا يسمح وجهه إلا بهيادب الغيوم، وصارم لا يحلى غمده إلا بأفراد النجوم؛ وكان نشأ بين يدي أبيه من دولة المعتمد، بحيث يفيء عليه ظلالها، ويتشوف إليه قبولها وإقبالها، وانشفت تلك السماء قبل أن ينوب مناب سلفه في سرجها، ويحل بيت شرفه من أبرجها، ولله هو، فلئن كان نبا به الأوان، وضاق عنه السلطان، فلقد نهض به جنان يتدفق بالغرائب، ولسان يفري شبا النوائب، وإحسان يملأ أقاصي المشارق والمغارب. وقد أخرجت من غرائب نظمه ونثره ما يخجل الخدود، ويعطل السوالف الغيد.
فصول من كلامه في أوصاف شتى
له من رقعة خاطب بها بعض أهل عصره، وافتتحها بهذين البيتين:
لولا عدىً غاظوا الصدي - ق بنفيهم عني الكتابه
لم أوذ سمعك بالهرا ء ولا انحرفت عن المهابه لعمري - وإن كان نفى منفيًا، وتقرع صديقًا حفيًا - لرب أعجم ضجر فأفصح، وأجذم عير فقدح؛ وإن لم يستألفا بعد
[ ٣ / ٣٢٦ ]
الإفصاح، وما شق من كلفة التحامل في الاقتداح، لم يؤمنا على ذكر ميت، وإحراق بيت؛ فلله من احتال لتخلصه، ولم يعجب بتخصصه، ودفع بيد جلده، في صدر حسده. وفي هذه الجملة بلاغ لو ارتضيت بها متنقصًا، ولم يرني بالاقتصار عليها متخرصًا، في الكتابة متلصصًا، إذ لعله ممن يظن الإيجاز حصرًا وانقطاعًا، ولا يعتقد الإجادة مع الاسهاب شيئًا موجودًا ولا مستطاعًا. لا جرم أني بحكم هذه التقية سأطيل قصصًا، وأتطلب فيما لم يطرق من القول قنصًا، ليعلم من ناف، ومن جلف جافٍ، بل من نزرٍ حقيرٍ خافٍ، أنني من كتابه وقته، وإن زعم أنف مقته، والله ما عرفته إلى اليوم، ولعلي سأعثر عليه في النوم، فأعرفه: من أرعن ناقص الوزن والصرف فأصرفه، بسمةٍ من الهون تشغله بنفسه، وتخجله في رمسه، والله يفنيه، [٦٤ب] ولا يعرفنيه، وينزه عن شخصه الوضر الدنس عائر سهامي، ومن عرضه القذر النجس طاهر كلامي.
وكأني بفارس هذه الصناعة، ومالك أزمة البلاغة والبراعة، قد سمع هذري، وضحك من ضجري، وعجب كريمة وده
[ ٣ / ٣٢٧ ]
وعقيلة عهده، من خاطبٍ، بسخفٍ مخاطب، في ليلٍ من الجهل حاطب، لم يأت خطبتها من بابها، ولا رفق في طلابها، وهيهات لمرتقب الشعرى، من ملابسة الكرى، ولمثل أملي في ذلك السماء، من تقصير في الاحتفاء، ولكن صدر التحبير، بما يشتمل على الضمير، فمتى سمح لغيره بمكانه، فقد صرم فجاء قبل أوانه، وكلف نضجًا ولات حين أبانه وسأمهرها من جميل الثناء مهرًا تشمه زهرًا، وتختمه نجومًا زهرًا، وترده كوثرًا، وتحمده عينًا وأثرًا، وتحمل من بهائه تاجًا تعنو الشمس لضيائه، وتغرق في لجة لألائه، فيكون بدعًا من المهور، ويفخر دهره على سائر الدهور، بمقتضى ما التزمت شروط الوفاء فيه، وحرمت من غدر بني الأيام صحة مبانيه، ولو اكتفيت بما مضى عليه سلفنا الكريم، وتبعت ولم ترم مركزها منه أعظمهم البالية الرميم، من صفاء ودّ يعدي الجار فضلًا عن البنين، ووفاء عقد يثني النار عن أن تحرق بالطبع أو بالمماسة عدد سنين، أحرزت من الفضل نصابًا تجب فيه الزكاة، وحويت من الفصل قصابًا لا تدركها الكفاة، ولا تبلغها العفاة؛ على أنه لا شيء أغرب من عقلٍ يمتار ما في يديه، ولا يحتاج إلى صدقة عليه، ولا من فضل يتجاوز غلوة سهمٍ، فضلًا عن غاية شهم.
وكنت قد استغنيت بما أصلوا، ولم أقطع بهذا الاستئناف ما وصلوا، إلا أني وجدت نسب أدبه قد كل، ورسم سببه قد اضمحل، والكلالة
[ ٣ / ٣٢٨ ]
في الآداب، أمس منها في الأنساب، فاعتمدت بهذه النأمة سداد خلل، وعمارة طلل؛ وشائع مجده كان أولى بهذه الرتبة من التهمم، وأهدى إلى سنن التفضل والتكرم، إذ كان أفسح في القول طلقًا، وأحسن في در كلمه العذب سردًا ونسقًا، فكيف تزل لي عن صهوة الانتداب، وتوفر علي خطة الاقتداء، هذا إذا قدرت، وما أراها إلا كأختها قد تعذرت، ليس إلا لمكاني من الحرمان والخمول، وكل عذر يدفع به في نحر هذا الصدق فغير مقبول.
وقد حطبت وخطبت، وسببت بل ضربت، وتكاتبت حتى كتبت، ولو خططت في صفحة البدر، بأنملي العشر، أو في الشمس، بالمعهودة الخمس، وصغت لفظًا للرقعتين، محاسن الجديدين، لقيل رمى الغرض فكاد، ولو نسج على منوال فلان وفلان لأجاد، وفلان إذا نقل الأقاويل توسط، وإذا رفع إلى فطرته الفطيرة تورط، فإن رأى أن يراجع بالقبول، وبما لديه من الرأي الحسن الجميل، بشرط العدول عن التفريط المخجل، واللفظ المشترك المحتمل، واعتقاد تجريحي في الصناعة بمجرد التبصير، وتنزيه خطوه الوساع فيها عن معارضة خطوي القصير، دل على موضعي من إيثاره، وطار اسمي الواقع بيمن جواره، عمر الله ربعه بالتأمل
[ ٣ / ٣٢٩ ]
وسمعه بالتكريم والتبجيل، وصدأ هذا الزمان معدٍ كل عقلٍ، وفي ما أتوكف من جوابٍ كريمٍ مدوس إمهاء وصقل، وأزال جاهل شبحي لما عليه من الأقذاء، حتى أجتلي صورة حقيقته في رونق الجلاء، وحبذا تعجيله قبل استيلاء العجب القبيح، وتكاتف حجب الغي على متن الصفيح، فيعز صقاله، ويعجز انتقاله، فرأيك انتقاله، فرأيك في ذلك مسددًا إن شاء الله.
فتخلف المخاطب عن المجاوبة، فأعاد عليه ثانيةً بخطابٍ قال فيه:
وكنت أعتقد أنه - أعزه الله - بجوابه لا يبخل عليّ، وقد بسطت لنيلي به الأمل يدي، ومددت لاجتلاء السرور عيني، وحتى الآن فلم يرتد طرفي الشيق إليّ، بل قيد بشطور، تشوفًا إلى بهجة تلك السطور، فما ظنه بصفر اليدين من الأمل، ناظر إلى [٦٥أ] أحد الشقين كالمختبل، بل ما ظنه بقومٍ يكثرون عنه السؤال، ويضربون فيه الأمثال، يودون لو قعد تحت الريبة من تأخر الجواب، وأطاع داعي الظنة في قطع رحم الآداب، لشد ما قدحوا زند الوحشة فصادفوه - والحمد لله - جد شحاحٍ، وأكبوا لنار الفرقة فلم يستضيئوا منها بمصباح، وظنوا أنه قد
[ ٣ / ٣٣٠ ]
ورد من جواب كريمٍ فكتمته كتم الأرض، ولم أهش لنافلة الشكر عليه فضلًا عن الفرض، وهيهات لوجه الصبح المتبرج من كتم، ولنسيم زهره المتأرج من ختم؛ غير كلمه العذب، بل لؤلؤه الرطب، يجهل للخمول سراه، فلا يفضل عن ستر الراح سناه، ولا يحمل مثقلات الرياح من طيب شذاه، فليحينا منه بقطف يجنينا ثمر السرور، ويعفينا من وصمة التقصير بنا والقصور، فما زلت - أراه الله ما تمناه - أكرم بني الأيام عهدًا، وأحكمهم عقدًا، وأبعدهم من الآفات ودًا، وأحمدهم قربًا حميدًا وبعدًا، وأصبعهم على الزمان الغادر مرامًا، وأشدهم أنفه وعرامًا، من أن ينقاد طوع زمامه، ويتصرف - وقد جئت خاطب وده في تضريح أنفي بدمٍ - على أحكامه، لا هم إلا أن يكون ذلك منه - صرف الله صروف الليالي والأيام عنه - سترًا على ما عهده من تأخر كلمي، وتعثر قلمي، واستعجام بناني، وقيام بناني، وقيام ظل البلادة دون إحساني؛ فهل شعر أنه قد نبل الناس، وظهر النسناس، وكلم الرمل الهزج، وسيط غير ما شيء فامتزج! ! ولذلك ما أقدم بي قدم الاعجاب، واستؤذن لي على دولة الكتابة بعد طول حجاب، فافتتحت مطالعة حضرته البهية، أراني بنيل هذه الرتبة العلية للنجم راكبًا، وللسعد مواكبًا، وإن كنت متكاتبًا لا كاتبًا، وقاعدًا حين تطارد فرسان الكتابة لا جائيًا معهم ولا ذاهبًا؛ ما ضره لو قارضني على الجد ولو هازلًا، وسابقني إلى غاية الود وأنا الراكب المنبت فيسبق مستريحًا نازلًا، بل ما ضره لو فتق لهاتي وقد همت، وسدد سهام كلماتي وقد ألمت، بمكنون الدر، من ألفاظه الغر، ومخجل الزهر، من حكمه الزهر، فيدني من ذي حرص عليه
[ ٣ / ٣٣١ ]
أمله، ويبعث جذله، ويكون جمال إصابته له؛ فلم حرمني جوابه، وتغافل عني وقد قرعت بيد الثقة بابه، ألا سلم للأيام، في إحالتها طباع الكرام، وأنشد:
ومن صحب الدنيا طويلًا تقلبت على عينه حتى يرى صدقها كذبًا كلا، لا أسلم لها فيه، ولا أوجدها السبيل إلى شين معاليه، ولو ضاعت هذه الثانية ضياع سراجٍ في شمس، ولقيت من إعراضه عنها ما لقيت أختها بالأمس، فليصل من وصله، وليعذر في الاقتضاء من مطله، ولو غيره عاملني مثل هذا الانزواء، وقابلني بأيسر كبر وجفاء لنظرت إلى كلمة أبي الطيب:
لا تحسبوا ربعكم ولا طلله أول حيٍ فراقكم قتله فكنت أقول:
لا تحسبوا قولكم ولا عممه أول ركنٍ بناصلٍ هدمه ورب كاتب أثقف مبانٍ، وأشرف أبيات معان؛ ولكنه عيني التي بها أبصر، وعضدي التي بها أنتصر، فمن ذا الذي يعتمد بسوء بصره
[ ٣ / ٣٣٢ ]
ويقلع نابه حين يجني عليه أو ظفره.
وله من رقعة: توفي الصبر فهششت لإقامة رسم العزاء، ثم تذكرت فتأخرت، وأن نفسي - فاديته - عيرتني ترك المقال، وقالت: أين ما ذخرت لهذه الحال - فقلت: أحسن الله عزاء من بكاه، وأرضى بقبض ذلك الظل من اشتكاه، حتى يهدي إليه غفرانًا، يلحقه رضوانًا، ويحفه روحًا شهيًا وريحانًا، ليعلم الهالك - ﵀ - حيث تصفو العقول، وتنسى الحسائف السالفة والذحول، أن الباقي بعده قد عطف على الأول، وإلى ما يقربه إلى الله زلفى، فأهدى سنا المغفرة، إلى عظامه النخرة، وكره الشمات، ولم يحقد على من مات، وإن كانت العرب قد هجت قتلاها، وشمتت على مر الدهور بموت عداها. قال الحصين يهجو من قلته.
[٦٥ب] فلما علمت أنني قد قتلته وقال غيره يشمت:
وإن بقاء المرء بعد عدوه ولو ساعةً من عمره لكثير
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وقال حبيب:
يا أسد الموت تخلصته من بين لحيي أسد القاصره وقال أبو الطيب:
قالوا لنا: مات اسحق فقلت لهم: هذا الدواء الذي يشفي من الحمق والله يعمر السيد حتى يرث أولياءه وأعداءه، ويقتضي على الأيام علاءه وسناءه، فليس لهذه المدة منتهى، ولا يبلغ منها مدى.
ومن أخرى: وإنما هو دأب فلكي، وجري سليكي، يتأكد ويتصل، وتتولد أسبابه فلا تفني ولا تنفصل؛ قال الأول:
فيومًا على سربٍ نقي جلوده ويومًا على بيدانةٍ أم تولب وتلك المنى لو أننا نستطيعها وأنا أقول: فيومًا في سوق فليق، ويومًا في طحن دقيق، ويومًا أقتات فيه بسخت السويق، ويومًا أقطعه على الريق، ويومًا في شهيق، ويومًا
[ ٣ / ٣٣٤ ]
بالجامدة ويومًا بالسليق، سبعة ألقاب، لسبعة تأكل شلو الأحقاب، تسع جميع الشهر، وتجري كالروح في هذا الدهر، فأنا آلم من السليم بوجعه، وأشغل بهذا الكد منه بأشجعه، حتى آوي إلى عجوز، لنوبها المترادفة من يجوز، آونة تطلب بمبيت سور، وآونة ببنيان جسور، وما في إناء رزقها المكسور، منت بلالة سور، ولم يبق على هذا القياس بعد مغرم الثغور والدروب، إلا أن تشمر عن ساق للحروب، وإنما عليهن جر الذيول، وعلينا إجراء الخيول، فإن رأى - أعزه الله - أن يعفيها ويكفيها، فلها أمثال، في ربات الحجال، وفي ذوي اليسار من الرجال، وقد تقدم أمر الأمير بإعفاء النساء، بيمن فالقوادم فالحساء، فما شأن هذه المرأة تخص بالغرامة، وتستثنى بهذه الحضرة من الكرمة - أفتراها التي دلت على ضيف لوط، فتسعط من قاتل الظلم هذا السعوط -! كلا ولكنها أم كاتب هذه الرقعة التي لو فسرت لفصحاء يونان، لعضوا من حسرة التقصير عنها البنان.
وله من أخرى: جعلت فداك، هل ظفرت بمطلوب يداك - كلا ولكنك رأيت سرابًا، فحسبته شرابًا، وغرتك دمائة، تحتها غثاثة
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وسكون، لا يصلح إلى جانبه ركون، وبحكم الرغبة والحرص، كانت فراستك في ذلك اللص، وإلا فصموت عيي، لا يذهب على ألمعي، ودمع فاجر، لا تروى منه المحاجر: وإذ قد نبا حد عتابك من قرع ذلك الحجر الصلد، كما أعيا قبل ذلك على ذي مرة جلد، فمن العناء معاناته، ومن الدناءة قربه ومداناته، فاستشعر اليأس منه، واصرف عنان التثريب والعذل عنه، فإنما هو كذئب في ثلة، بأرض مذلة، في ليلة بعيدة مسافة الصباح، قعيدة روعات الصراخ والنباح، يتملأ من دمائها، ويهزأ هذا الخبيث من ثغائها، بل هو أعق من ضب حرب، في حجر خرب، يخاف على حرشائه من الحرش، ولا يعتصم من أعدائه كعقرب الخرش، فهو إلى عقوقه أنزق من ذي خرق، وقع في حبالة ثم أبق، أحسن الله فيه العزاء حيا، وطوى بيد السلو لهجي بشكياته طيا
[ ٣ / ٣٣٦ ]
حتى أنساه، ولا أعرفه حين أراه، وفراستي في سواه أصدق من نار الفرس في الصدق، وأبصر في ظلمة الاشتباه من طالع الأفق.
وله من أخرى: وصل جوابك فشفى عليلا، وبرد غليلا، ونسم من روح الظفر بالأمل نفسا بليلا، وما كان لشرب ودادك العذب أن يستحيل صابا، ولا لمحل مجدك الموفي على الشهب أن ينحط نصابا، ولا لوفاء منك رسا ثبيرا، أن يذهب مع الرياح هباء مستطيرا؛ عقدة ودك أحصف، وحجاب مجدك أضفى من أن يسترق وأكثف، بقيت لغماء تجليها، ونعماء توليها، وعلياء تنافس فيها، وإن أتبع سيدي فرس البر بي لجامها، وقرع عارض المسرة تكاتفها والتئامها، فقد أمكن من الإحضار، وروى ظماء آمالي بمنهل القطار [٦٦أ] .
وله من أخرى: من الأمور الشائعة، والمعاني المتفقة الواقعة، ما يعدل له في الكتب عن قصد السبيل، ويؤخذ في أساليب التطويل، وشعاب التمثيل أو التعليل، فيقوم عذر الكاتب، ويرجى الفلاح للمكاتب؛ كالرأي المستحكم مني في جانبك - أعزك الله - دون سبب أحكمه، وأرب قضى لما عن فأبرمه، ولكن فطرة في الميلاد، وحكمة من خلاق العباد، خفيت عن أذهان منا حداد، وضرب بيننا وبين سرها المكتوم بسد بل بعدة أسداد، فمنا - معشر الإنس - من يجيب المار الأجنبي لسلامه، ويبغض البار الحفي من أخواله وأعمامه، وربما زاد سوء المقدار، في
[ ٣ / ٣٣٧ ]
ذميم هذا الاختيار، فهجر أحد أبويه أو كليهما، وقد علم أن طلب الجنة تحت قدميها، ففضله النوع البهيمي بقفو أثر مرضعه، وقد غني عن رضاعها، وزاد على خطوة باعها، وتبرأ منه الجنس الإنسي بموجب عقله، ومقتضى دليلي برهانه عن الله تعالى ونقله، فلا هو من البشر في شكر المحسن إليه، ولا من البقر في إلف القائم ولا من الشجر، بل هو أقسى من الحجر، ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾ (البقرة: ٧٤) فيكون بإذن الله موردا، وتلطف منه الأجزاء فيكحل إثمدا.
وقد لعمري منيت بهذا النوع من الولد، وكمدت به أبرح كمد، واشتغال نفسي بقسوه، بعد حنوه، وببعده بعد طول دنوه، مزج شكيتي، بالبسط لأمنيتي، حتى هرفت بما لم أعقد عليه نيتي، ولا قصدته في هذا المقام برويتي: كالهارف: " اصبحوا الركب أغبقوا الركب "، والهارفة: " زوجوني زوجوني ".
إن اللسان على الفؤاد دليل والله يحسن فيه العزاء حيا، ويطوي بيد السلو نهجي بهذه الشكاية طيا، حتى أنساه، ولا أعرفه حين أراه، وفراستي في سواه، أصدق من نار الفرس في الصدق، وأبصر في ظلمة الاشتباه من طالع الأفق.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وفي فصل منها: وإذا اتفق من المشاكلة ما صدرنا الكتاب به، المماثلة ما قد ائتلفت نفوسنا بسببه - وهي كما قال ﵇: " أجناد مجندة " - فمن حقنا أن نأتلف ولا نختلف، ونتعاون أعضاء وآراء، وأقوالا وأفعالا، ونطيب نفوسنا، ونستوي في حسن العشرة أقداما ورؤوسا، فنصرف على الأيام جمال أنبائها، ونرتسم في جريدة وفائها، ونتسربل من الحمد لبوسا، ونقمع من استيلاء الذم معرة وبوسا.
ومن أخرى: من طال - أعزك الله - أمد ارتياده، ودوم به جناح جده واجتهاده، في طلب كريم الأخلاق، ثم قدر له به تلاق، فما أحراه وقد وجده، أن يشد على علق منه يده، حتى إذا اعتمد اختياره، وأحمد في كل الضرائب آثاره، شد عليه بالعشر، وسجد له سجدة الشكر، وصان منه بعد تميمة تاج، وفارج رتاج، فأسكنه في جفن ناظر كريم، وربأ به عن جفن متحذ من الأديم.
وأنت حقيقة ذلك العلق الشريف المشدود عليه، ومجازا شبه العضب المشرفي المشار إليه، من أحرزك أغنيته، أو هزك شفيته، أو استكفاك خطبا مستليما كفيته، ولتناهي ودادي فيك، وتشيعي الشائع لمعاليك، أقتصر معك على لقية في العام، وأعتمدها في سني الإنعام.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
وفي فصل منها: وإنما يثابر على عمارة ما غرس، ويترجح في الإقامة على ما أسس، من استراب بخبث التربة التي احتلها بغرسه، واختطها لوقاية نفسه، وأما من أحمد ثراه، فقد طابت يقظته وكراه؛ على أن لقاء سيدي ومشافهته، ومحادثته ومفاكهته، كان أحب إلي، وأمتع لمسمعي، وأجلب لقرة عيني، ولكني مشغول بيومي، مدفوع إلى تقويت قومي:
" أحارب خيلا من فوارسها الدهر " ولا عدة إلا التجلد والصبر قد عدت أعرى من نواة، وكنت أكسى من قطاة، فإذا لقيت ذا هيئة خجلت خجل بخراء [٦٦ ب] اضطرت إلى سرار، وفوهاء همت بافترار، ووزير بل أمير دفع بعد ركوب الفاره إلى ركوب حمار.
ومن أخرى: ربما كان من الالطاف ما لا سبب له، إلا تنفيق كتب كاسدة، وتسويق سلع فاسدة، لا أن الملطف أحوج بسوء عشرة إلى تقويم، أو غلظ قشرة إلى ترقيق أديم، ولا أن الشيء المهدى يسمن ولا يغني من جوع، فيمنع بالفرح له أو الترح عليه عينا من الهجوع
[ ٣ / ٣٤٠ ]
لا هم إلا أن يكون طلوع ذلك الشيء النزر، من ودود بر، أو مودود رفيع القدر، فهو أوفر ما يقني، وأبعد ما يتمنى.
وفي فصل منها: فالمودات، ما خلت من تهاد مكررة، كطبيخ خلا من اللحم يدعى مزورة، والمهدى بين يدي هذه الأحرف عدد كذا من سفرجل، وتصحيفه عندي سفرجل، وإذا سفر عن ثغره جل، فالظفر بطارق الهم مجل، يشبه صور العذارى ضمخت بالعبير، وثديهن بالتقييس والتقدير، كأنما لبست من الحرير سرقا، أو شكت بألوانها وجدا قد برح بها وأرقا، بل كأنما سرقت الثدي طوابع مسك أحم، ضمت عليه جوانحها إذ خافت الذم، أقداح غرب، علت بماء ذهب، طبع من العنبر نواها، وناب عن شذاها الفائح للشرب ساطع شذاها، وربما
[ ٣ / ٣٤١ ]
فضلت شهي التفاح، وفتكت بأدواء المعد فتكة السفاح، وإن فاكهة تشبه الثدي، وتشرك في بعض صفاتها الهدي، لجديرة بأن يحفظها عناقا، ولا يعدل بالواحدة منها عناقا، بل يجعل فدية قضمها أن تشد وثاقا، وتضرب أعناقا. وإن محلك من نفسي لخصيب جناب الصفاء، نقي جلباب الوفاء، فصيح طير الثناء، نصيح جيب الصناعة والولاء، ودادا لا يبلغ مداه، ولا توبس هواجر البعد ثراه، والله يلحفه من التمهيد ظلالا، ويزيد يانع روضة نضرة وجمالا، حتى لا تكرى عيون أزهاره، ولا تعيا ألسنة أطياره، ولا يعرى من ورق عوده، ولا تخشى من حل نظام عقوده.
وفي فصل: وعذب شيم، لو أنطقها الله لقالت: معشر الأنيس على شفا، لن تجدوا في غيري مرتشفا، فردوا نميرا سائغا، وتفيأوا ظلا سابغا.
وغرضت عليه رسالة أبي عمر الباجي وأبي القاسم بن الجد المتقدمين في صفة المطر بعد القحط، فعارضهما برقعة قال فيها:
ولله جلت عظمته أوامر تحيل المنيرة عن طابعها، وتسلب من حصى المعزاء فضل شعاعها، وترد في خلف تمريه حلب ارضاعها، لا
[ ٣ / ٣٤٢ ]
تلحق بسوابق الرهان، في ميادين الأذهان، ولا تدرك بقداح القمار، من معليات الأبصار، تطلع المنح من ثنيات المحن، وتخول العاجز الزمن، منفسات الزمن، وقد تذهب بما تهب، وتغير على ما به تغير، حكمة بهرت حقيقتها زواهر الأفكار، وغمرت دقيقتها زواخر بحار الاعتبار، له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر؛ وإن أحق النعم بشكر لا تنضب مدوده، وحمد تتجاوز حد المعهود حدوده، نعمى أحيت بالسقيا أرضا مواتا، وأنشرت بدر الحيا أملا رفاتا؛ وقد غبط طير الماء ضباب اليهماء، وحجب كاسف الرجاء نيرات النعماء، وشابت مفارق الرياض، وغاضت مفعمات الحياض، واقشعرت الربى، وحل نبت الحاجر عقد الحبا، وباتت أزهار الغيطان، عليلات الأجفان، تستقي نجوم السماء، وتتوسل بالشبه إلى ذوات الأنواء، فعندما أمست البسيطة على شفا، وأجبل المحتفر ولم يجد مرتشفا، أرسل الله تلك النعمة، بين يدي الرحمة، ريحا لينة هبوب النسيم، في الروض الهشيم، شديدة حفز الغمائم، لتدارك ما في الكمائم، فنسجت بإذنه ملاءها، ورمت أمراسها ودلاءها، فلما لمت قزعها، ووصلت بقدرة الخلاق قطعها، سفحت عيون تلك النجوم، بمكفهر الغيوم، رحمة لعليل النبات، ورقة لأليل المهجات، فنمنم وشي التلاع، بيد لطيفة [٦٧ أ] صناع، ورصع
[ ٣ / ٣٤٣ ]
تيجان الأكام، بنطف الغمائم السجام، فاهتزت القطارية لذلك القطار، واشتملت على محسنها من الأوطار، وضحك ثغر الروض بعد عبوس، ونقل إلى سعة الرحمة من ضنك البوس، وسحبت فواهق الأنهار مذانبها، ونشرت عرائس الأزهار ذوائبها، ناظمة من لآلئ الطل عقودها، مالئة لبتها من جوهره الرائق وجيدها، تفوح مجامر أزهارها، وتلوح خفيات خفيات أسرارها، في مرائي أنوارها، فترمي الذاهل برياها، وتحيي النائم وما حياها، مؤذنة بادراكها، على لسان مسكها في ساحة مداكها، وقام من مترنم الأطيار، على منابر الأشجار، خطيب يتلو ما جر من الثناء، على سابغ النعماء، وسائغ رحيق الآلاء. فيا لها نعمة ما أحسن موقعها، ورحمة ما ألطف محلها، من النفوس وموضعها، لقد بردت حر الأكباد، وشفت غليل القلوب الصواد، وفديت بنفائس النفوس والأولاد، نفست خناق الآمال، وحلت عقال الإقبال، وكادت تجري الأرواح في الرمم البوالي والحمد كما لله حض عليه منتهى الحمد، ومبلغ الوسع والجهد، وما لا يحصره العد، وما شاء تعالى من شيء بعد.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
ووصف له أحد إخوانه امرأة ومدحها وحضه على أن ينكحها، وكان لذلك الصديق امرأة سوادء، فكتب إليه ابن عبد الغفور:
بينما كنت ناظرا في المرآة من شعر أحم، ورأس أجم، لا أخاف معه الذم، إذ تقدم رسولك إلي، يخطب بنت فلان علي، ويرغب منها في سعة مال، وبراعة جمال، ويقسم أنها لبرة بالزوج بالزوج بريكة، لا تحوجه عند النوم إلى أريكة، ولو يسرت - وعياذا بالله - لهذا النكاح، لرزقت قبل الولد منها آلة النطاح، ولا حاجة لي بعد الدعة والسكون، إلى حرب زبون، وقراع بالقرون، ولو حملت إلي تاج كسرى وكنوز قارون. فاطلب لهذه السلعة المباركة مشتريا غيري، ولا تسوقها ولا في النوم على أيري، وابتعها ولو بأرفع الأثمان لنفسك، وأضف عاجها النفيس إلى أبنوس عرسك، ولا عذر لها في النشوز والإعراض، فإنما حسن السواد الحالك بالبياض، والله يمدك بقرنين قبل الحين، ويصنع لك صنعين وبيلين، فيسقطك بهذا النكاح الثاني كما أسقطك بالأول لليدين.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
ومن أخرى: بلغني من ثناء الوزير الجليل، النقاب العلامة النبيل، سيدي وسيد أهل مصره، بل وقته وأعصار خالية قبل عصره، ما فغم أنوف النجوم، وأرغم معطس حاسدي بمذلة الوجوم، وإنما يثني من رهين شكره، ومعظم شأنه الرفيع وقدره، على سهم ذربه، أو شهم قد دربه، أو تلميذ أدبه وعلمه، فكان له الفضل الأكمل بأن كلمه، فكأنه - أعزه الله، بحكم جلاله - أمير شهد لنفسه فتوقف بين حد القبول، وبين ما في رد شهادته من خوف الخبول، وهبه من كلم مكلوم الهاجس، مكدوم السيات والمعاجس، قد صحت فيه الدعوى لصاحب، ومحت الشبهة في سبقه بأوضح لاحب، أي خلل سد، وأي سلب استرد، لا بل أي خطب درأ، ووطب ملأ -! فإذ قد اعترض على ما قد انحل من الإحسان، مقدور الحرمان، فإذا في حيرتي به حسرتي، وفي الفقرة الطالعة فاقرتي، وفي حطي لها حظي، ولا فائدة لهذه الأسجاع، سوى تحيرك أشجان وتوليد أوجاع، فإن رأى - أعزه الله - أن أنبذها بالعراء، وأطلق منها داعية الضراء، فقد وافق إرادتي، واختار لي أجدى من مكذوب إجادتي، والله يقدر الوزير الجليل - سيدي وسيد أهل عصره - حتى يشكي من شكا، كما لم يزل يرق لمن بكى، ويصيخ للمكروب إذا شكا، بعزته.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وكان الوزير أبو الحسين بن سراج قد خاطب بعض أهل العصر برقعة يشفع لرجل يعرف بالزريزير يقول في فصل منها:
كتبت أحرفي هذه، والود صقيل الوذائل، مطلول الخمائل، جميل البكر [٦٧ ب] والأصائل، والله تعالى يزيد أزهاره وضوحا وأطياره صدوحا، وظباءه تيامنا وسنوحا، بمنه.
ويصل به - وصل الله علوك، وكبت عدوك - شخص من الطيور يعرف بالزريزير، أقام لدينا أيام التحسير، وزمان التبلغ بالشكير، فلما وافى ريشه، ونبت بأفراخه عشوشه، أزمع عنا فطوعا، وعلى ذلك الأفق اللدن تدليا ووقوعا، رجاء أن يلقى في تلك البساتين معمرا، وعلى تلك الغصون حبا وثمرا، وأنت بجميل تأتيك، وكرم معاليك تصنع له هنالك وكونا، وتستمع من نغم شكره على ذلك أغاريد ولحونا، دون أن يلتقط في فنائك حبة، أو يسترط من مائك غبة:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة من جاهه فكأنها من ماله وانتهت هذه الرقعة إلى الوزير أبي القاسم ابن الجد فعارضها برسالة قال فيها:
[ ٣ / ٣٤٧ ]
حسنت لك يا سيدي أبا الحسين ضرائب الأيام، وتشوفت نحوك غرائب الكلام، واهتزت لمكاتبتك أعطاف الأقلام، وجادت على محلك ألطاف الغمام، وأشادت بفضلك ونبلك أصناف الأنام، فإن كان روض العهد - أعزك الله - لم يصبه من تعهدنا طل ولا وابل، ولا سجعت على أيكه ورق الوفاء ولا بلابل، فإن أزهاره على شرب الصفاء نابتة، وأشجاره في ترب الوفاء راسخة ثابتة، وقد آن الآن لعقم شجره أن تطلع من الثمر ألونا، ولعجم طيره أن تسمع من النغم ألحانا، بما سقط إلي، ووقع علي، من طائر شهي الصفير، مبني الاسم على التصغير، فإنه رجع بذكرك حنينا، وابتدع في نوبة شكرك تلحينا، وحرك من شوقي إليك سكونا، ودمث في قلبي لودك وكونا، ثم أسمعني أثناء ترنمه كلاما وصف به نفسه، لو تغنت به الورقاء، لأذنت له العنقاء، أو ناح بمثله الحمام، لبكى لشجوه الغمام، أو سمعه قيس بن عاصم في ناديه، وبين أعاديه، لحل الزمع حباه، واسترد الطرب صباه، فتلقيت فضل صاحبه بالتسليم، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم.
وبعد فإني أعود إلى ذكر ذلك الحيوان الغريد، والشطيان المريد فأقول: لئن سمي بالزريزير، لقد صغر للتكبير، كما قيل " حريقيص "، وسقطه
[ ٣ / ٣٤٨ ]
يحرق الحرج، و" دويهية " وهي تلتهم الأرواح والمهج؛ ومعلوم أن هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور في فهم التلقين، وحسن اليقين، فإذا علم الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطلق لسانه بالقبيح، ثم تراه يقوم كالنصيح، ويدعو إلى الخير بلسان فصيح، فمن أحب الاتعاظ، لقي منه قس إياد بعكاظ، أو مال إلى سماع البسيط والنشيد، وجد عنده نخب الموصلي للرشيد، فطورا يبكيك بأشجى من مراثي أربد، وحينا يسليك بأحلى من أغاني معبد، فسبحان من جعله هاديا خطيبا، وشاديا مطربا مطيبا.
ولما طار ببلاد الغرب ووقع، وزقا في أكنافها وصقع، وعاين ما اتفق فيها هذا العام من عدم الزيتون، في تلك البطون والمتون، أزمع عنها فرارا، ولم يجد بها قرارا، لأن هذا الثمر بهذا الأفق هو قوام معاشه، وملاك انتعاشه، إليه يقطع، وعليه يقع، كما يقع على العسل الذباب، وتقطع إلى العراد الضباب، فاستخفه هائج التذكار، نحو تلك الأوكار، حيث يكتسي ريشه حريرا، ويحتشي جوفه بريرا، ويحتسي قراحا
[ ٣ / ٣٤٩ ]
نميرا، ويغتدي على رهطه أميرا. فخذه إليك، نازلا لديك، ماثلا بين يديك، يترنم بالثناء، ترنم الذباب في الروضة الغناء، وقد هز قوادم الجناح، لعادة الاستمناح، وحبر من لمع الأسجاع، ما يصلح للانتجاع، واثقا بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه حدائقه، ولا تلفحه ودائقه، لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه، وفرض حياضه، مع أنه لا يعدم في جنابك حبا نثيرا، وخصبا كثيرا، وعشا وثيرا: [٦٨ أ]:
فإذا ما أراد كنت رشاء وإذا ما أراد كنت قليبا والله تعالى يكفيه، فيما ينويه، شر الجوارح، ويقيه شؤم الجابه والبارح، بمنه.
وبعد هذا الهزل العجاب، جد كالظلام المنجاب، وبروز صفحة الشمس من الحجاب، أخطب به من رسائلك بكرا، أجعل نقدها شكرا، وأبذل بها لها من ودي مهرا، وأمتع بها لحظي دهرا، فإن فرجت لحظتي بابا، ووصلت في مواصلتي أسبابا، جددت للعهد شبابا، واستوجب من الحمد محضا لبابا. واقرأ على سيدي سلاما أعطر من مسك دارين، وأكثر من رمل يبرين، يحييه مع العشي شروقا، ومع النجم طروقا، والسلام المعاد الموصول، ما عضدت الفروع الأصول، وألفت الجفون النصول، على سيدي، ورحمة الله.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
وله من أخرى: إن عجبا بر الوزير بالزعانف والزرازير، وحظره على قلب يكاد من الشوق إليه يطير، ومن الظمأ يتشكى قطعا ويستطير، وإنه مع عرضه على نار الجفاء غدوا، ونبو مضجع الاحتفاء به هدوا، ووصمة التقصير في جزائه، وممارسة، جرع أرزائه واختزائه، إن لهج فبذكره، أو هزج فبأفانين شكره؛ فكيف به لو ضاحك من خفي بره فرض شؤبوب شنان، غمر بذوب عزاليه نوع الإنسان -!
ثم نبدأ من شأن الحيوان بزرزور، لا يعرف حقا من زور، مشهور في الطير بالضرع، كثير العادية قليل الورع، كأنما رهطه عبيد للبلابل، ولغطه وقع الحصى المتقابل، وفي غيره من ذوات الريش، النازحة بكل ضراء وعريش، أنجب منه على اللغن، وأحسن تصريف لسان وذقن، كببغا لا تلعثم في عويص اللغى، وشفنين، يثير اللوعة بالرنين، كأنما عاسرته عند التلقين الراء، وداخله بعد الظفر بها امتراء، فاستظهرها بالنكير، استظهار قين بكير، وبهمة في المصاع بكرير؛ وورق كالقيان، خضبت أرجلها بالعقيان، فوارت لآلئ في الأجياد، وزبرجدا أنعلت به حوافر الأجياد، تستتر بورق الغصون، وتشهر بحرق الوجد
[ ٣ / ٣٥١ ]
المصون، ويصقع مشتاقها كالخطيب، ويقع على قاس من الأيك ورطيب، فيلين لشجوه ويميد، ويكاد يذوب له العميد؛ ورب عصفور، صفر لذات سفور، فحكت نقر الزير، وبعثت العين على الدمع الغزير، وبلبل حرك بلابل واقدات، وشك القلوب بمعابل نافذات، وكائن من غرد، حران قلب أو صرد، يفوت مدى العد، ويملأ ديار معد، ولو تقصينا لما أحصينا، ونضب عد الكلام على ثرارته، وعصب ريق الأقلام على غزارته، فلتسهب بما تشهد لفضله رجاح الألباب، ولتغرب من مدارك ثمره بلباب اللباب، حتى تبر على الغريض، بنسق كالاغريض، وتدل بسر التعريض، على سر الأضرب والأعاريض، على أني قد تحوميت وما نوغيت، أي كأني من الحقارة ألغيت، ولا نعيم لعين الوهم وقد وضحت شاكلة اليقين للمتوهم، وسأطفل على السمع، وأبذل مذخور الدمع، فأبث شجونا، وأنبذ النواة مجونا، فلا أرق البهارة، ولا أخفض الجهارة، ولا أصف أزاهر، ولا أنعت القمر الزاهر، بل أندب ربوعا، وأحرز العمر أسبوعا:
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وأبكي على فقد الدراهم إذ لها أبا قاسم غيري من الناس يكرم وما سلف للأدب مع الذهب إخاء، ولا هاله منه انتخاء، هذا خالد موجود، لا يلحق جوهره بيود، وذلك قد راب منه الشحوب، وأخلق ذيل عمره المسحوب، فيا لمياه أسجاع هذا النقاب تطرد لغير حائم، ولأجناء ثمر منها مع ذوات الثقاب تتهدل على غير طاعم، ولعرائس نورها تضاحك ثغرا عابسا، وتستدر جلمدا يابسا، تبرج وليس من فعل النوار، وتأرج لأنف لا يعرف فضل الصوار، وتعاظم على أكفائها، وتسرع إلى ما دون الحضيض لانكفائها، وحسبك من نهودها ليهودها، وشرودها تعثر في أذيال برودها، فعلة والله ينكرها الشرف، وينبل عنها المنصرف، فلتحدث العلياء منها متابًا، ولتكتف بقرع هذه العصا عتابًا. فشد ما منحت البر عقوقًا، ومنعت التشيع لها حقوقًا.
طالعت - أعزك الله - بهذه الشكاية مستريحًا، ومثلت لها قلبًا قريحًا، وهو بحكم جلالها يودعها من الكتمان ضريحًا، ويرضعها من أخلاف التجاوز محضًا صريحًا، فيسره الله لبر حر، وجعله بنجوة من كل ضر.
وله من رقعة شفاعة للزريزير المذكور: لله قطر باهي بك على الأقطار، واستغنى بخضل ظلك عن صوب القطار، أذكر نعيم الجنان بنضرته، وسكن نافر الجنان، بلألاء زهرته، أي محسب أنيس وطير، ومائحٍ
[ ٣ / ٣٥٣ ]
من النعم زخارٍ من الخير، وآها لقاطعٍ، قطع به مع الفجر الساطع، وبحي خلص من بحرٍ لجي، فاهتاج طرب الجذل النجي، لهفًا يعثر في البيت على الجني، سبح فقبح للشرب الصبح، وصدح فقدح لهم من نار الغي ما قدح، ولربما نطق بالتوحيد، ويحيد عن سجدة الشكر كل محيد، ويهزج ويسنح، وإلى رهطين من الطير يجنح، مرهوب الصقع في الديار، ومحبوب السجع بأعالي الأشجار، يمتع بشتى أفانين، ويخجل البلابل والشفانين.
وفي فصل منها: حتى اشتد منه الفقار، واسود فرعه والمنقار، ولم يكن به العول افتقار، فنهض وكسب، وأعرب عن نجرته وانتسب، وأخذ بالطباع في التوليد، وصدح غردًا ببيت الوليد، إلا ما غير منه وأحال، ولا يعرف الممكن ولا المحال:
لك الله عشًا ليلًا بأفرخٍ بعلياء فرع الأثلة المتهدل فيا للعجب العجيب، ولسان هذا الزرزور النجيب، أنطقه فضل الوزير بلسانٍ، نقله من نوع الزرازير إلى نوع الانسان، فشكر وشعر
[ ٣ / ٣٥٤ ]
حتى غلا مرجل أشره استعر، وأخذ عن وكنه في الرحيل، وباع مبرمًا من العيش بسحيل، فرشق السماح من جسمه بسهم، وسبق الرياح عن عزمه بمثل الوهم، فما احتل من الجانب الغربي شرقًا، حتى اعتقد إلى الجناب المرضي منصرفًا، وشغل عن النظر في عطفيه، بالنظر في أسرار كفيه، يا له من عازم، خوافي عادت باللائمة على القوادم، يتمنى لغرغرته بالندم، أن يخضب من أوداجه بدم، لأنه سقط من شجر زيتونه، بعقم بطونه، في هذا العام ومنونه، على خاليات من المير، موحشاتٍ مثل جوف العير. ولما نشر جناحًا للإياب وخفت، وتنفس الصعداء والتفت، أشفقت منه لغريب غربيب، وصعدت فيه وصوبت نظر المستثيب، فشفعت له بهذا الكتاب، يقيه من السيد الأوحد حر العتاب، وقد تقلده تميمةً تكفيه اختطاف الجوارح في الهواء، وتثنيه عن إطاعة البوارح في الالتواء، وهو بمجده الصميم، وبره العميم، يشفع ويرفع ويسوغه قراحًا وقرواحًا، ليمرح في هذه مراحًا، وينال من هذه الربى مغدىً ومراحًا، ولو اقتصر من مذنب على مقتضى المتاب، لغني عند سيده عن شفاعة الكتاب.
وفي فصل منها: ولو صرفت فيها الأنفاس كلامًا، والأشجار أقلامًا
[ ٣ / ٣٥٥ ]
والبسيطة قرطاسا، والدجنة أنفاسا، لرأيتني مقصرا لم أبلغ ما أريد، وكنت أسأل عونا واستزيد، وبودي لتناهي المحبة والولاء، واعترافي بالأيادي الجسيمة والآلاء، لو أضحي مكان كتابي، فاسعد بالوفود عليه، وأخترم من حيف الزمن الغشوم بالمثول بين يديه، ولكنه قد حيل بين عبده لبائس وبين مراده، وشغل بقوت يومه لنفسه الشقية وأولاده، فتأخر عن حضرته السنية تأخر الكسير، ونظر إلى سنا حوزته البهية نظر الأسير.
وله من أخرى: مثلك من لم يعدل [به] شح التجارة، عن كرم الوزارة، ولا شره المكسب، عن شرف المنتسب، فرأى الخطير بعين نزاهة نفسه حقيرا، والجليل [٦٩ أ] بحكم جلالة منتسبه فتيلا؛ ولم أوقظك بهذا التنبيه من سنة، ولا نفسي عن إباء المنية بالعاجزة الزمنة، وقد أوفيت رسولك الميزان حتى رضي، وإنه لمحض النصيحة فليحظ عندك فيمن حظي، بصرنا الله الرشد فيمن بصره، وحبب إلينا تجنب ما مقته من الشح وحظره.
وفي فصل من أخرى: ورد لسيدي أي كتاب، بل أي قطف من ثمرات الألباب، حيا به على البعاد، وبرد غلة قلوب صواد، فهجرنا له الزلال، وحسبناه السلسبيل الحلال، ودر دره من كاتب أقسم بالطور، لقيد عيني بشطور، تشوقا إلى بهجة تلك السطور، وفيها من شغف بها أقول:
[ ٣ / ٣٥٦ ]
سطور أفادت كل خال بوجنة كما خطفت منها لماها المباسم سحبت ذيلا على بلاغة سحبان، وسرت ليلا فيا فوح ما بين قرطبة وبينه أن ييبس، لما ناضلت فائز كلمه بمعراض، ولا ضاهيت جواهره الخالدة بأعراض، والله يصله في الأحفاد، ويحرسه في حوادث الآباد، ويعمر ببشره بشرة الجماد، ويعلم به مجاهل الأجياد.
وفي فصل منها: شفع الله تلك الغزوة الميمونة بغزوات، وكتب لنا في ساحات أعدائه عدة مواطئ وعدوات، حتى يحرز أسيرا ذا التاج، ويفرج عن شخصه مغلق الرتاج، ونؤوب بغير رضى الكندي، بل على وصف النابغة سمي الجعدي، راضين عن كل عقيلة، نيرة أسرة القسمات صقيلة، كريمة مثل الديمة، تذري دمعا على الأجفان، وتخفي ترائب كترائب الجفان، صقلت بالنعيم، وصافح عنهن الصفيح كل بطريق زعيم، إن اصطفيت لم تجئ بفسل، وتنجب بإذن الله النسل، كعلي بن الحسين وسالم، والمعتصم المشهور العين في المكارم، وغيرهم
[ ٣ / ٣٥٧ ]
من أمير وخليفة، وذي منزلة في الفضل منيفة، ورب فخور مختال، يدفع في هذا ببيت القتال:
- أما الإماء فلا يدعونني ولدا إذ ترامى بنو الإموان بالعار وليس كما زعم، من عار، لابس ثوب الكبر المستعار:
لا تزرين بفتى من أن تكون له أم من الروم أو سوداء دعجاء
فإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللأبناء آباء ما كل الحرائر، ببريات من الجرائر، ولا كل الإماء بمخلات في الانتماء، وإني مع ذلك لأتوفر على الرهط، ولا أرغب في رقي عنه ولا هبط، وأنشد:
إني على شغفي بما في خمرها لأعف عما في سراويلاتها والله يصرف المعترضات دون الواجبات، ويسمع عنا الخير في المحيا والممات.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وفي فصل: وما زلت معتزيا إلى أدبه ونسبه، منفقا من غرب كلمه الرائق وذهبه، مقرا بفضله، معترفا بتبريز خصله، مرتسما في جريدة من أدبه ودربه، وأرهفه وذربه، ولقنه وعلمه، وكان له الفضل الأكمل بأن كلمه: فليصل مني ولدا ثانيا " وليجبر كسيرا وانيا، وليأس بالكلام العذب، بل اللؤلؤ الرطب، كلما داميا، أصاب والعذار مبقل، وما أجلب والشيب علي مشتمل. وليمن على وليه، وغذي وسميه، برقعة يضمنها وجه الحيلة، في مداخلة تلك الدولة الجليلة، أيد الله سلطانها، ووطد أركانها، ليبني على ما أسس، ويجتني من ثمر النجاح ما رشح وغرس.
وله من أخرى: ما ظنه بعليل ذلة وقلة، وهما أشد مرض وعلة، علم داؤه ودواؤه، وتعذر برؤه وشفاؤه، وقد أوجب النظر الطبي والقياس الصناعي إذا علم الداء ووجد الدواء، ولم تعترض منية أن يكون الشفاء، فهو بحكم وصبه، وتقطع أسباب الفرج به، أنزق من فحل مخفور، أو ذئب محصور، قد ثقل على ذويه، وأبغضه محبه
[ ٣ / ٣٥٩ ]
فضلًا عن مجتويه، ولم ألهج بذكر قلةٍ على الإطلاق، ولا خشيت مع القنوع من إملاق، فأنا رأس الأغنياء، وعندي من كيميائه فوق الكيمياء، وفي ذلك قلت: [٦٩ب]
عيرتني بفقار عاطلٍ حليت جدًا بدمعٍ سجما
بفمي عزة نفسٍ لكتها ملأت مني بطنًا وفما وجعلت مدة باب صلت بكتبه، ضرًا من النظر لقلبه، ولقلبي المنقطع القرين، في حبه، إذ كنت لا أخلي أجوبتها من صحيح الشكاة، ولا أقتصر على ما عنده من سقيم الحكاة، فأكون قد صدعت صميمه بتعديدٍ ألقاه، وبت غريمه بما عسى أن يتكلفه من السعي ويتولاه.
وله من أخرى: جائز ف حكم الثقة بقدر الله أن ترجى الممتنعات، وتترقب بطلوعها الساعات، مع استيلاء اليأس على انفس، كعقد هذا البيع، الذي عقد الصيف بالربيع، فكأنما وقف الزمان فلا جزؤه الواقع وقع، وماضيه انقطع، ومنتظره اطلع، وإنما هو جزء دائم، ونفوس على الورد حوائم، وعهدي بعزة الفقيه مطلع بشائر، فلا يذكر المثل السائر:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في الموتى كليب لوائل
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وفي فصل من أخرى: سألت الفقيه - أعزه الله - حاجة منذ عامين، وأخرى مذ شهرين، ولم تكونا بكبيرتين، وفي كليهما نفض من ودي اليدين، فليت شعري على أي ود بعد ودي يشدهما، أو إلى أي عقد مثل وثيق عقدي مدهما، تالله ليدفعن من بني الأيام، إلى لئام غر كرام، أغر من السراب، وأغدر من الذئاب، وأعق من الضباب، وأوهى حبلًا من مضمحل الضباب، وسأسأله ثالثةً والثالثة الصادقة، فإن قضاها شكرته ما ذرت شارقة، وإن أباها فخيل عتابي إليه سارية طارقة.
وفي فصل من أخرى: أنا في فرط بري بالوزير الجليل - صنع الله له كل صنع جميل - إذا رماني ببهي شخصه الطريق، عصب من استحيائه بفي الريق، فلم أكد في التسليم عليه أبين، وجعلت معترضات حاجاتي إليه تفرق وتبين، حتى كأني ما بت لها أرقا، ولا طويت بها كشحا محترفا. وكيف لا أستحييه - أعزه الله - وإنما ألقاه باسط راحة، أو سائل إراحة - ولولا بشر له يؤنس، وتهلل من وصمة الود يعصم ويؤيس، لما انبسطت عليه في أمر، ولو مسني مهمه بألذع من جمر، وكنت قد أعددت لسعة كرمه أربع حوائج، ولعلها عند حرصه على الفضل أربع نتائج، سلاهيب او مرابيع، أشباهها للجري ينابيع، ونأمت بعد بهذا المنظوم وجعا، وإن كنت متصرفا لا مضطجعا، ولو سريت من
[ ٣ / ٣٦١ ]
الصحة بدليل، لاهتديت إلى ما يليق بقدره السامي الجليل.
ومن أخرى: فما ظنه بأمد يوم يشيب الوليد، ويستخف الحليم الجليد، ولعمري لئن الوالدان من جهة شيبا، ليردن الشيخ اليفن من أخرى قشيبا.
ومن المنظوم الذي ذكر فيها:
يا حبذا قصد الوزي ر وإن تكلف في الهجير
ذكري له ظل يرف وبشره ماء نمير
نفسي الفداء لنفسه من كل دائرة تدور
شهم حوى قصب العلا دون الورى ببها وخير
وأقامها بيراعة أمضى من السيف الطرير
يهني الأمير حصوله منه على العلق الخطير
فعليه واقية ترد قنا اللهاذم تستطير
يا ساميًا وهو الصغي ر بعزمة الرجل الكبير
مهلًا فضحت معاشرًا خانوا الأمانة في الدهور
وبنيت ما هدموا فهل خجلوا لذلك في القبور
[ ٣ / ٣٦٢ ]
وعليك من كلف بما يسديه رأيك أو ينير
عدد النجوم تحيةً ولربما قل الكثير وله من أخرى: يا سيدي الذي به أفاخر الشرفاء، وأكاثر منهم العدد الجم واللفاء، فمن أنوف تسعط بالرغام، ومن ألوف تسقط كحروف الإدغام، بلغني من ثنائك علي ما به أهرف، وبالتقصير في جميعه أعترف، ما يزيد منه [٧٠أ] النشر على مسك دارين، ويقل عليه الشكر عدد رمل يبرين. لله فضل نزه ذلك المنطق الشرف عن القدح، واستعمله فيما استولى عليه الشح، من التقريظ والمدح، لقد ألبسني من السرور بتكرمه أضفي جلباب، وكاد يطفئ المشيب في تضرمه بكرماء الشباب، لم تدنه الفضائل من الحسد، فشهدنا له فيها بقوة المسد، ولولا أن أكون مادح نفسه لقلت: شتان بين منصف ومتعسف، وطالع من بين الكلام ومنكسف؛ وقد لعمري كنت مضطرًا، وكدت أحكم لنفسي على معاصريها طرا، وذلك بحكم معاشرة قوم، يستعذبون في جنب الغص من كلمي مر عض اللوم، أيقاظ هم أم رقود - أم ليس بين الشبه والذهب نقود - فيا مطلعي بقرة عين، لا منصفي لتعين دين، در در علائك حتى تصبح لك الجوزاء دارًا، وتسحب بها البدر إزارًا، وتعقد
[ ٣ / ٣٦٣ ]
عليك الشمس أزرارًا، فتفوق محلًا وتهول مقدارًا.
وأنفذته من كتاب، غب قصد الخجل المرتاب، بنفسي فاديته، لينظر حين مشافهته، كيف عمل آلاتها، في شكر موالاتها، فكان من الشقاء، ما تعذر من محبوب اللقاء؛ وحملته المتطبب أبا فلان، كريمة رهطه، النابه الذكر في أعلام سبطه، زعيم يهود، المسود فيهم المسود، بحكم التوقف عن الملة الحنيفية، والتردد في المذاهب الأحبارية، وطويته على كلم جاش به صدر مكلوم، وهاجس بمقارعة أقران الهموم، مصدوع مثلوم، وأريد تحقق كيفية حسنه، بالنظر في مرآة ذهنه الصقيلة، وتعلم كمية وزنه، بسجية إربه الراجحة الثقيلة، فإن كلفت بعد هذا به العيون، ولم يشل منه الجرم الموزون، فبيمن الاقتداء به، والاهتداء بنجم أدبه، لا زال علمًا نهتدي بمناره، ونعشو إلى ضوء ناره، والسلام عليه ما تلألأت الفور، وصر العصفور، تحيةً تزاحمها في سمعه تحيات السعود، وتملأ رحب ربعه بإنجاز مودود منها وموعد.
وله من أخرى: أطال الله بقاء الفقيه الجليل ما زخرت أودية الكلام، وانتشرت أردية الغمام، وصرت في القراطيس الأقلام، وسرت إلى النائمين الأحلام، ولو علمت مزيدًا له في البقاء، ومحلًا فوق أرفع الكواكب
[ ٣ / ٣٦٤ ]
في الارتقاء، سألته ضارعًا إلى الخالق، ولو قرنت الإجابة فيه بالتردي من حالق، بادرت ذلك غير رعديد، وأقدمت منه على الخطب الشديد، والله ينير منار الأيام، وينسخ بإثبات عينه آثار اللثام. وإن العاقل والمتعاقل لينضج بصبابة صبره، حر لاعج الهم المعترض في صدره، فربما أدنى له ذلك نازح منى، وأثمر أحلى من ضرب العسل جنى؛ وقد آثرت هذا النوع من المعاشرة، وانتبذت بحمد الله من كل نزق ومعاسرة، مشبهًا بهما وإن كنت عن توقيهما بمعزل، كما ألفيت الجمجمة البيضاء ثالثة أثافي المنزل، فدعيت أثفيةً، وكم باتت بطارقها المستطعم حفية، فصبرت عن اقتضائه موعوده، وحميت لإرضائه كاذب طيفي المشفق أن يعوده، مبالغةً في أدب لا تنصفه الأيام، ولا تسعفه في أرب وقد جد به الهيام؛ وإني إلى لقائه - أعزه الله - لأشوق من الساجعة، ومن لذات الأرق براحة الهاجعة -! ولو شاء لأغنى بيسر إيماء، وأدال من غلظة الحرة برقة الإماء؛ والآن حين فعم الماء الحوض
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وغمر الترعة وشمل الروض، ومشيت على قدمي الأميال، ودست والله بهما ماء المنى السيال، وليت ببيعي صيدح، قضى عني دينًا فدح، ولكن شفع خمول العطلة، بخجل الرحلة، فقبض لي إصران، وخصصت بالشقوة من بين الأقران، وقد كان وعد في حالي بجميل نظر، ولما طال علي أمد ذلك الوعد المنتظر، رأيت أن أذكر:
وإني لأدري كيف أرضى وأقتضي ولكنه الحرمان يقضي بأن ألحى [٧٠ب]
وأصرف عن وردٍ قد غمر الندى خفيف عذارٍ والهبنقة الألحى
ومن عجب أن يقطعا كل نخةٍ وأمنع للقرص الذي فاتني الملحا وليس - أعزه الله - قرص بر ولا شعير، فإنه قد يكون مرتع بعير، ومستوقد سعير، إنما عنيت أريضة ضيقةً الساحة، تكاد تشتمل بظل الراحة، وتلغى في كسور المساحة، ضعفت عن عمارتها، وطمس الكلأ عين إمارتها، فلولا ضدها من جنة جارٍ، خبيث الطعمة لئيم النجار، جرى له بالجرأة قدر جارٍ، فمتى صدئت له صفة أرض صقلها، ول اشتكت إليه نبو المنزل لنقلها، لأصبحت هذه اليابسة ضالة أنشدها في القرى، ولو وقع منها اليأس لانقطع مني القرا.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
كتبت وإنما يكتب الخلي، ولا يحس غير عويله الشجي، ومن لا يملك لجده زمامًا، فأحرى بأن تصير يداه الباطشتان أكمامًا، وكأني به - أعزه الله - قد قال: بل تنفع الأكمام وتضر، ويطرد بها الحر والقر، وإنما أردت الأهم والأعم، وما ينفي الغم، ويحرز المعنى الأتم، لا قرًا صابرته حتى انصرم وتولى، ولا حرًا ما أرم عندي ذبابه ولا تغنى، لأنه إنما يألف منازل أهل الترف، ويحوم على ما فيها من صنوف مآكل وضروب طرف، وإما لائك بسباس وحشيش، مؤتدم بزيتٍ مبارك وملح جريش، فما ضجر منها لغددة، ولا جاء نطاسيًا شاكيًا بردة، فمن حيث صح اعتراضه، لم يحل بإصابة الشاكلة مقراضه؛ وكنت أجدع هذا الماقل لو لم أخف عليه تطويلًا، وإن تطارد لي ما أمل منه شيئًا قليلًا، فسوف أعد في البلغاء، وأحسن سجع ذوات الأطواق بعد الرغاء.
وله من أخرى: بيني وبين الفقيه النبيه - صنع الله له كل ما يشتهيه - ما لا زيادة لتنميق البيان فيه، من ود مضى عليه الأسلاف، ولم يعترض فيه على من تخلفوا بنوعٍ من أنواع التداني خلاف، إذ السبب في فساد أكثر الأشياء دنو وامتزاج، ولم يجن على الصعدة أن تبيت طعمة للنار إلا الزجاج، كبكر الراح، أمنت حولًا مجرمًا من عاب التخليل، حتى منيت من الماء الفراح بأشأم خليل، فجرى لها مقدور التلاق، بكراهة
[ ٣ / ٣٦٧ ]
مذاق، وشراسة أخلاق، وإنهما بلا مينٍ، لمن عنصرين كريمين، سلالة غمام، وسلافة مدام، وأي شيء اصطحب إلا انتخب -! الراحة - أعزك الله - في الانفراد، ولابد من الإصدار لذوي الإيراد، فاحمد الله على نوع من الوداد، غريب الميلاد، كأنما أصبح حبيسًا على الأبناء، واستمر من الوفاء به على مثال حال البناء، فما تغيرت له حركة قط، وأنى ذلك ولا يرفع ولا يحط، بل تجدد نضارته، وتؤكد - وقد أجدب ثرى كل ودٍ - غضارته، فما شئت لروح ذلك العلاء من شذًا ذكي، وعرف من زهر الثناء مسكي، تندى بذكره ألذ الشفاه، وتحترم من الخلوف الأفواه.
ومنهم ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار
وكان غربي المطلع، شلبي المقطع، شنبوسي المصيف والمربع، إلا أن
[ ٣ / ٣٦٨ ]
شعره غرب وشرق، وأشأم في نغم الحداة وعلى ألسنة الرواة وأعرق؛ لا جرم فإنه كان شاعرًا لا يجارى، وساحرًا لا يبارى، إذا مدح استنزل العصم، وإن هجا أسمع الصم، وإن تغزل، ولا سيما في المعذرين من الغلمان، أسمع سحرًا لا يعرفه البيان، وكيف لا يرغب في شعره، ويتنافس فيما ينفث به من سحره، وهو يضرب في انواع الإبداع بأعلى السهام، ويأخذ من التوليد والاختراع بأوفر الأقسام، وقد أثبت منه في هذا الديوان، ما يشتمل على غرائب الحسن والإحسان، وأدرجت في أثناء مقطوعات أشعاره، نكثًا ولمعًا من نوادر أخباره، وذكرت آخر أمره مع المعتمد ومباشرة قتله [٧١أ] له بيده، وأجريت شرح صفة الحال، من المبدأ إلى المآل.
وكان قد نشأ والشعر بأفقنا أنفق ما عهدت سوقه، وأعمر ما كانت إلى الجاه والمال طريقه، فاتخذه مدةً صناعته، ثم خلع بعد طاعته، رغبةً عن نحلةٍ سؤددها سؤال، وأجودها كذب ومحال، وكان أبو بكر من نقائذ البوس، ونوافض الجد اليبيس، أحد من امترى أخلاف الحرمان، وقاسى شدائد الزمان، وبات بين الدكة والدكان، واستحلس دهليز فلان وأبي فلان، جرت على رأسه من ذلك أحوال، دلت على أن الدنيا إدبار وإقبال، وأن عيش المرء فيها تهاويل وأهوال.
بلغني عنه أنه لزته إحدى لياليه النكرات، في أيامه المنكرات، إلى انتجاع بعض أعيان شلب، أحد من طرفت عنه أعين النوب
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وسعد بما كان ابن عمار شقي به من الأدب، فاعتمده بأبيات عملها على سبيلٍ قد تنكرت له وتنكر لها، وبنفسٍ لولا نفاستها لقتلها، واتفق أن قصده بها يومئذ حين جنحت ذكاء، وصبغت الغيطان لونها السماء، ولم يبق من النهار إلا تعلة عليل، وبلغة ابن سبيل، أضيق من عذر الجبان في الفرار، وأقصر مما بين اللحية والعذار، فلما أنشده قطعة شعلاره، وهتك له الحجاب ساعتئذٍ عن وجه عذره، أسر إلى غلامه بكلامٍ قصير، فغاب عنه غير كبير، ثم خرج عليه وفي يده مخلاة شعير،وقال له: خذ ما حضر، وأنت أحق من عذر. فجاشت نفس ابن عمارٍ جيشةً أذهلته عن اسمه، وكادت تسيل عرقًا على جسمه، وهم بصرف نائله النزر إليه، ففكر في مهيرٍ كان يركب عليه، فاحتمل الغضاضة في قبول ذلك النيل، راجعًا بالملامة على هجوم الليل، محتجًا بكل بيتٍ كان حفظه في إيثار الخيل، وقام يخد الأرض برجليه، ويدمي بالعض يديه. فلما صار ابن عمار إلى الحال التي وسوست للعصفور بصيد العقاب، وسولت للكبير ارتجاع الشباب، هجم على منزل ذلك الرجل، وقد صارت إليه أعناق الدول، وغصت الأرض حواليه بالخيل والخول، فقام يفديه بماله، ويحسبه يومئذ خطرةً بباله، أو خلوةً بطيف خياله، فذكره ذلك الزمان، وقرره على ما كان، والرجل يتلاشى بين الوجل والحياء، ويتمنى لو ابتغى نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء، ولم يرمه أبو بكر، حتى أخرج إليه قطعة الشعر، فبرئ إليه ابن عمار من تلك الدنية، وأعطاه مخلاةً مملوءة بدراهم قاسمية، وقال له: لولا حرمتك
[ ٣ / ٣٧٠ ]
لأوجعتك أدبًا، ولو ملأت تلك أمس برا، لملأت لك اليوم هذه تبرًا. فسبحان من لا منازع له في خلقه، ولا اعتراض عليه في قسمة رزقه، له النعمة السابغة، والحجة البالغة.
ثم لحظ ابن عمار الإقبال، وحالت به الحال، وقلد الأعمال السلطانية فأتهم فيها وأنجد، وقام بأعبائها وقعد، ثم لحق آخر عمره، وبين يدي إدبار أمره، بثغر سرقسطة بعد خروجه من مرسية - في خبر سيأتي ذكره - ولم يزل بذلك الثغر يتردد، وفساد حاله عند المعتمد يتزيد، إلى أن كان من خبره ما كان، حسبما يأتي الشرح والتبيان.
وأول تعلقه بالمعتمد كان حين وجهه لحرب شلب أبو المعتضد فنزع ابن عمار إليه، وبلغ من المنزلة لديه، أن غلب عليه؛ وبعد انتباذه شلب، وفراغه من تلك الحرب، صحبه بحضرة إشبيلية، وأحضره معه مجالس أنسه، إلى أن أوجس خيفةً في نفسه من أبيه المعتضد، ففر عن البلد، ولحق بشرق الأندلس، وتمكن بها من المؤتمن يوسف بن أحمد بن هود، فخاطب المعتمد بهذا القصيد الفريد، وقد أثبت أكثره لاشتماله على البدائع، فإنه من كلامه الرائق الرائع، وأوله:
[ ٣ / ٣٧١ ]
علي وإلا ما نياح الحمائم وفي وإلا ما بكاء الغمائم
وعني أثار الرعد صرخة طالبٍ لثار وهز البرق صفحة صارم
وما لبست زهر النجوم حدادها لغيري ولا قامت له في مآثم [٧١ب]
وهل شققت هوج الرياح جيوبها لغيري أو حنت حنين الروائم
خذوا بي إن لم تهدأوا كل سابح لريح الصبا في إثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتةً إلى غرة أهدت له ثغر باسم
طوى بي عرض البيد فوق قوائم توهمتني منهن فوق قوادم
وخاض بي الظلماء حتى حسبته له مربط بين النجوم العواتم
ألا قاتل الله الجياد فإنها نأت بي عن أرض العلا والمكارم
أشلب ولا تنساب عبرة مشفق وحمص ولا تعتاد زفرة نادم
كساها الحيا برد الشباب فإنها " بلاد بها عق الشباب تمائمي "
ذكرت بها عهد الصبا فكأنما قدحت بنار الشوق بين الحيازم
ليالي لا ألوي على رشد لائمٍ عناني، ولا أثنيه عن غي هائم
أنال سهادي عن جفون نواعس وأجني عذابي من غصون نواعم
وليل لنا بالسد بين معاطف من النهر ينساب انسياب الأراقم
[ ٣ / ٣٧٢ ]
بحيث اتخذنا الروض جارًا تزورنا هداياه في أيدي الرياح النواسم
يبلغنا أنفاسه فنردها بأعطر أنفاس وأذكى لناسم
تسير إلينا ثم عنا كأنها حواسد تمشي بيننا بالنمائم
سقتنا بها الشمس النجوم ومن بدت له الشمس في قطع من الليل فاحم
وبتنا بلا واشٍ يحس كأنما حللنا مكان السر من صدر كاتم
هو العيش لا ما أشتكيه من السرى إلى كل ثغرٍ آهلٍ مثل طاسم
وصحبة قومٍ لم يهذب طباعهم لقاء أديب أو نوادر عالم
صعاليك هاموا بالفلا فتدرعوا جلود الأفاعي تحت بيض النعائم
ندامى وما غير السيوف أزاهري لديهم وما غير الغمود كمائمي يجري ابن عمار في أكثر ما له من الأشعار جري الجموح، ولا يقنع بالكناية عن مذهبه إلا بالتصريح، لأنه كان - سمح الله له - مع مكن في دهره من تدبير الإقليم، أو انبسطت بنانه في التأخير والتقديم، واجترأ على الأيام، واقتاد من الجماهير العظام، زير قيان وغلمان، وصريع راح وريحان، أمله - زعموا - كان بين شرب كاس، وشم آس، وجذله في نصب حبالة، لغزال أو غزالة، ترى ذلك كثيرًا في أشعاره، وتسمعه أثناء أخباره، حتى ثل ذلك عرشه، وأوهن بطشه، وطأطأ من سموه، وساقه صاغرًا إلى يد عدوه، ألا تراه كلما نظم أو نثر، بالناي
[ ٣ / ٣٧٣ ]
والوتر، وتحلى بالحسن والحور، وعاب على أهل سرقسطة وأنكر، من هيئات الثغور ما عرف، ووصفهم بما وصف، كأنه لم يسمع قول الأول:
ومن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال باديةٍ ترانا ولا قول أبي العلاء:
من كل أروع لم تأشر ضمائره للثم خد ولا تقبيل ذي أشر [٧٢أ]
لكن يقبل فوه مسمعي فرسٍ مقابل الخلق بين الشمس والقمر إلى غير ذلك مما هو أوضح، من أن يشرح، في أكثر الأشعار؛ وما ينقضي عجبي من ابن عمار أن ينكر تلك الهيئة، على أهل ثغرٍ، أبناء قتلى وبقايا أسر، قلما خلوا من هيعةٍ من النصارى، إذ مسافة ما بينهم أقصر من إبهام الحبارى، وبلدهم مجر عواليهم، وموقد صاليهم، ومخفق أعلامهم، ودرية سهامهم.
وفي هذه القصيدة يقول:
وما حال من خلى بلاد أعارب وألقت به الأقدار أرض أعاجم
[ ٣ / ٣٧٤ ]
يقبح لي قوم مقامي عندهم وقد رسفت رجل السرى في الأداهم
يقولون لي دع أيدي العيس إنها تؤدي إلى أيدي الملوك الخضارم
فديتهم لم يبعثوا حرص عاجزٍ ولا نبهوا إذ نبهوا طرف نائم
ولكنها الأيام غير حوافلٍ بإرب أريب أو حزامة حازم
وإني لأدعو لو دعوت لسامعٍ مجيب وأشكو لو شكوت لراحم
أريد حياة البين، والبين قاتلي وأرجو انتصار الدهر، والدهر ظالمي
ونبئت إخوان الصفاء تغيروا وذموا الرضى من عهدي المتقادم
لقد عبتاو ظلمًا على غير عاتبٍ عليهم ولاموا ضلةً غير لائم
ولو أن عفوًا من هنالك زارني لزرت وما عدو الزمان بدائم
أجر ذيول الليل سابغة الدجى وأركب ظهر العزم صعب الشكائم
فأورد ودي صافيًا كل شامتٍ وألبس حمدي ضافيًا كل شائم
وأغضي لمن يلقى بوجه مكاره حياءً فألقاه بوجه مكارم
وما هو إلا لثم كف محمد وتمكين كفي من نواصي المظالم
إن اتفقت لي فالعدو مساعدي على كل حال والزمان مسالمي
وأي حياء طيه أي سورةٍ كما كمنت في الروض دهم الأرقم وفيها يقول:
[ ٣ / ٣٧٥ ]
له هزة في الجود معتضدية تهز إلى التشتيت شمل الدراهم
إذا نشرت لخم بذكراه فخرها طوت طيء من خجلة ذكر حاتم
أبى أن يراه الله غير مقلد حمالة سيف أو حمالة غارم
ومن مثل عباد ومن مثل قومه ليوث حروب أو بدور مواسم
ألكني بالتسليم منهم إلى فتى تهادى به جرد العتاق الصلادم
إذا ركبوا فانظره أول طاعنٍ وإن نزلوا فارصده آخر طاعم
أغر مكين في القلوب محبب إليها عظيم في نفوس الأعاظم
تبوأ من لخم وناهيك مقعدًا مكان رسول الله من آل هاشم
أبا القاسم أقبلها إليك فإنما ثناؤك مسكي والقوافي لطائمي
محملة عذرًا فإنك جملة من الفضل لم أستوفها بتراجم [٧٢ب]
أنا العبد في ثوب الخضوع لو أنني أرى البدر تاجي والنجوم خواتمي
وما عز في الدنيا مراد لمجدب ولا اعتاص في الآفاق ورد لحائم
ولكن ذاك الظل أندى غضارةً لضاحٍ وذاك البرق أشفى لشائم
وإني إذا أنصفت بعدك خادم لدهري وكان الدهر عندك خادمي
لعمري لقد أفحمت كل مفاخرٍ لما فيك من تلك السجايا الكرائم
نازعه فيك الثناء فينثني كأني نازعت الكؤوس منادمي
تراك تنسمت الذي قد أذعته فأرضاك أم غابت عليك مقادمي
[ ٣ / ٣٧٦ ]
ولا غرو أن حيتك بالطيب روضة سمحت لها بالعارض المتراكم قال ابن بسام: أما معاني هذه القصيدة فمحجة مسلوكة، ومضغة ملوكة، قد كثر تجاذب الشعراء أهدابها، وقرعوا بابها، حتى صارت كالجمل المذلل، والمهيع من السبل. فممن سلك من أهل أفقنا هذا السنن، أبو الاصبغ عيسى بن الحسن، من شعر كتب به من سجن ابن أبي عامر، يقول فيه:
وإن سمعت أذناك للورق رنةً فحزني يبكيها وفرط تفجعي
وإن هطلت يومًا على الأرض مزنة فلي سمحت بالدمع في كل مربع وهو شعر ضعيف، بين التكليف.
وقال يوسف بن هارون الرمادي:
على كمدي تهمي السحاب وتذرف ومن شجني تبكي الحمام وتهتف
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وما أحسن قول أبي الوليد بن زيدون من قصيدة قد تقدمت، أولها:
ألم يأن أن تبكي الغمام على مثلي ويطلب ثأري البرق منصلت النصل ولما قتل الوزير الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بمدينة الأشبونة، رفع الله منازله، وقتل قاتله، قال بعض أهل العصر فيه يرثيه:
عليك ابن إبراهيم تبكي الغمائم وفيك إذا ناحت تنوح الحمائم
فلا يأمنوا رعد السماء وبرقه فما هي إلا أنصل وغماغم
وقل لنعش سار شلوك فيه أن يرى لبني نعش عليك مآتم
وأن تلبس الزهر النجوم حدادها عليك وتبكيك العلا والمكارم
وتنثر الجوزاء من نظم عقدها وتسقط من كف الثريا الخواتم وقول ابن عمار: " لريح الصبا في إثره أنف راغم " هو أيضًا من متداولات المعاني، منها قول محمد بن هاني:
وأجل علم البرق فيها أنها مرت بحاشيته وهي ظنون وقال المعري:
ولما لم يسابقهن شيءً من الأشياء سابقن الظلالا
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وقوله: " من العابسات الدهم " كقول ابن نباتة يصف فرسًا أغر محجل الأربع:
وكأنما لطم الصباح جبينه فاقتص منه فخاض في أحشائه على أن ابن الرومي قرب له مرماه، وإن كان في غيره معناه، حيث يقول في صفة الشمول: [٧٣أ]
أخذت من رؤوس قوم كرامٍ ثارها عند أرجل الأعلاج وقوله: " تسير إلينا ثم عنا " البيت، ينظر من طرف خفي، إلى قول الرضي:
وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا على الكثيب فضول الريط واللمم والذي عول عليه الرض ي قول ابن المعتز:
والريح تجذب أطراف الرداء كما أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان وبهذا ألم ابن نباتة في قوله:
إذا ما الصبح أسفر نبهتني جنوب مسها مس الشفيق
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وقوله: " تمكين كفي من نواصي المظالم " مغتصب من قول أبي الطيب:
كأن رحيلي كان من كف طاهر فأثبت كوري في ظهور المواهب
لا تغرنك هذه الأوجه الغر فيا رب حيةٍ في رياض وقوله: " إذا ركبوا فانظره أول طاعن " البيت، معنى قديم، وأول من أثاره، ورفع مناره، عنترة بقوله:
يخبرك من شهد الوقائع أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم ولما قتل علي بن أبي طالب، ﵁، عمرو بن ود يوم الأحزاب وسقط وانكشف، قال:
وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المقطر بزني أثوابي وقال أبو تمام:
[ ٣ / ٣٨٠ ]
إن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب وقال المعري:
أدنى الفوارس من يغير لمغنم فاجعل مغارك للمكارم تكرم والتناسب في الألفاظ والمعاني حبل يتصل ولا ينفصل، وإنما نلمع منها باليسير اللطيف، وقد اندرج منها جملة وافرة في تضاعيف هذا التصنيف.
وقال ابن عمار من قصيدة في المعتضد عباد أولها:
حبيب برق أم جفاك حبيب فليلك فضفاض الرداء رحيب يقول فيها:
إلى الله أشكو أن مالك في دمي شريك وما لي في هواك نصيب
أتدرين من كلفت عينيك قتله وقلت: فتى لا يستفيد غريب
ستنصره من مهرة الخيل ترتمي بأعلام نصر في الوغى وتؤوب
تساموا بلخم فاستهلت سماؤهم بغيمين منها ذائب ومذيب
بدور ولكن السماء محارب وأسد ولكن العرين حروب
مزحت فإنني يا ابنة القيل لم أكن لأفشي سرًا ضمنته قلوب
سأشهد قومي أن طرفك من دمي بريء وإن كان الفتور يريب
[ ٣ / ٣٨١ ]
وكيف أرى في الغدر نهجًا لسالك وعهدي باللك الوفي قريب
فتىً نسخ العذر اقتضاء وفائه فلا تحكمي أن الوفاء غريب
أغر ينير الملك منه بكوكبٍ له في سماء المشكلات ثقوب [٧٣ب] وله فيه من أخرى:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره لما استرد الليل منا العنبرا
والروض كالحسنا كساه زهره وشيًا وقلده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد رياضه خجلًا وتاه بآسهن معذرا
روض كأن النهر فيه معصم صاف أطل على رداء أخضرا
وتهزه ريح الصبا فتظنه سيف ابن عباد يبدد عسكرا
عباد المخضر نائل كفه والجو قد لبس الرداء الأغبرا
قداح زند المجد لا ينفك من نار الوغى إلا إلى نار القرى
يختال أني من ذراه بجنةٍ لما سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقًا أن ربعي مخصب لما سألت به الغمام الممطرا
من لا توازنه الجبال إذا احتبى من لا تسابقه الرياح إذا جرى
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ماضٍ وصدر الرمح يكسهم والظبا تنبو، وأيدي الخيل تعثر في البرى
لا خلق أقرأ من شفار حسامه إن كنت شبهت المواكب أسطرا
السيف أصدق من زياد خطبةً في الحرب إن كانت يمينك منبرا
وإليكها كالروض زارته الصبا وحنا عليها الطل حتى نورا
تمقتها وشيًا بذكرك مذهبًا وفتقتها مسكًا بحمدك أذفرا
من ذا ينافحني وذكرك مندل أوردته من نار فكري مجمرا
فلئن وجدت نسيم حمدي عاطرًا فلقد وجدت نسيم برك أعطرا قوله: " لا خلق أقرأ من شفار حسامه " البيت، كأنه من قول محمد بن هانئ:
ولم أر أنفذ من كتبه إذا جعل السيف حيث القلم وذكر أن المعتمد أقام برهة بقرطبة يرفع بعض الأمور السلطانية فسئم طلقه، وتذكر على عادته خلقه، ودعته دواعي نفسه، إلى قينته وكأسه، فاستشار يومئذ ابن عمار، وكان خاطبه في ذلك بشعر، وطن عنده أهبة
[ ٣ / ٣٨٣ ]
إذا كانت عليه منه بعض الرقبة، فوجده أهتك سترًا، وأقل عن اللذات صبرًا، وأشار عليه بتعطيل الثغر، وإضاعة الأمر، وجاوبه على ذلك بهذه الشعر:
مولاي عندي لما تهوى مساعدةً كما تتابع خطف البارق الساري
إن شئت في البحر فاركب ظهر سابحة أو شئت في البر فاركب ظهر طيار
حتى تحل وحفظ الله يكلؤنا رحاب قصرك واتركني إلى داري
وقبل خلع نجاد السيف فاسع إلى ذات الوشاح وخذ للحب بالثار
ضمًا ولثمًا يغني الحلي بينكما كما تجاوب أطيار بسحار [٧٤أ] ومعنى البيت الرابع من هذه القطعة ينظر إلى قول عبد المحسن الصوري وأنشد الأبيات لحسنها:
أفدي الذي زارني بالسيف مشتملًا ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي في العناق له حتى كساني نجادًا من ذوائبه
وكان أسعدنا في نيل بغيته من كان في الحب أشقانا بصاحبه وقال ابن عمار للمعتضد:
الكأس ظامئة إلى يمناكا والروض مرتاح إلى لقياكا
والده جارٍ في عنانك لم تقل هات المنى إلا أجاب يهاكا
فأدر بآفاق الزجاج كواكبًا تخذت أكف سقاتها أفلاكا
[ ٣ / ٣٨٤ ]
راحًا إذا هب النسيم حسبتها مسروقة الأنفاس من رياكا
في مجلسٍ بسط الربيع بساطه زهرًا ورقرقه عليك أراكًا
سقط الندى فيه سقوط نداكما وجلت عليه الشمس مثل سناكا
يسري على ريحانه نفس الصبا سحرًا فيوهم أنه ذكراكا
رد مورد اللذات عذبًا صافيًا فلقد وردت المجد قبل كذاكا قال ابن بسام وأخبرني الحكيم النديم أبو بكر ابن الاشبيلي، قال: حضرت مجلس أنس مع أبي بكر بن عمار بقصر الرشيد بن المعتمد، فلما دارت الكأس، وتمكن الأنس، وغنيته أصواتًا، وذهب به الطرب كل مذهب، قال ابن عمار ارتجالًا:
ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق
أنت الرشيد ودع من قد سمعت به وإن تشابه أخلاق وأعراق
لله درك داركها مشعشعةً واحفز بساقيك ما قامت بنا ساق وقال في المعتمد في حين نزوله بعض الحصون:
على اليمن والطائر السانح نزلت وغيرك للبارح
وما اهتجت إلا وقد هيجتك دواعٍ إلى البلد النازحٍ
وإلا فكم خف من خف جهلًا فما هز من حلمك الراجح
[ ٣ / ٣٨٥ ]
تطلب حقوقك لا لائم فقد بين الصبح للامح
ومن يعترضك بأوداجه فكله إلى سعدك الذابح
وكم يزجرون وكم ينصحون فما يقبلون من الناصح
وما كان أنصفهم لو رموا زناد الوغى ليد القادح
ولا عجب لثبوت القلاع على بأسك الهادم الناطح
فلولا امتناع الفتاة الكعاب لما كملت لذة الناكح [٧٤ب]
خلعت الكرى في طلاب العلا على نائم دونها طافح
هنيئًا فأنت مليك الملوك فقد صرح الجد للمازج
وما أخرتني عنك النجوم يا غرة القمر اللائح
ولا النهر لم يثني عن ورود ندى بحرك الزاخر الطافح وهذا البيت الأخير، كأنه إلى بيت المتنبي يشير:
قواصد كافورٍ توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا وقوله: " ومن يعترضك بأوداجه " من قول الآخر في سعدٍ، حاجب ابن خاقان:
يا حاجب الوزراء إنك عندهم سعد ولكن أنت سعد الذابح
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وفيه أيضًا يقول البحتري:
سماه سعدًا للتفاؤل باسمه حقًا لقد ألفاه سعد الذابح والمعري القائل ما هو شبيه به، وإن كان في غير مذهبه:
يا سعد أخبية الذين تحملوا لما ركبت دعيت سعد المركب وقوله: " زناد الوغى ليد القادح، وقد بين الصبح، للامح " من المثلين المضروبين وهو قولهم: " قد بين الصبح لذي عينين " و" أعط القوس باريها ".
وقوله: " فلولا امتناع الفتاة الكعاب " البيت، كقول كشاجم:
لولا اطراد الصيد لم تك لذة فتطاردي لي بالوصال قليلا وأصل هذا المعنى المثل السائر: " تمنعي أشهى لك ".
[ ٣ / ٣٨٧ ]
ما وجد من شعره في النسيب وما يناسبه
قال في غلام من عبيد ابن هود:
وأحور من ظباء الروم عاط بسالفتيه من دمعي فريد
نبيل الخلق جافي الخلق عبد هو المولى ونحن له عبيد
بكيت وقد دنا ونأى رضاه " قد يبكي من الطرب الجليد "
قسا قلبًا وسن عليه درعًا فباطنه وظاهره حديد
وإن فتى تملكه بنقدٍ وأحرز رقه لفتىً سعيد وسجن المؤتمن يومًا هذا الغلام لبعض الأمر فتخلف ابن عمار عن الركوب للقصر، وكتب إليه:
أنا المطبق المسجون لا من سجنته وأطبقته فانظر لعبدك أو دع
حرام حرام أن تراني عين من تراه فان شئت ارتجاعي فارجع
ويا حسن حال الود إن سمحت يد ولقبت فيها بالشفيع المشفع فضحك المؤتمن وأخرج ذلك الغلام.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وساير ابن عمار في بعض الأسفار غلامين من بني جهور، أحدهما أشقر والآخر عذاره أخضر، فكان يميل بحديث من ظهر دابته إلى الذي وصف منهما في هذه القطعة، وهي من ملحه النادرة، وغرائبه السائرة:
تعلقته جهوري النجار حلو اللمى جوهري الثنايا
من النفر البيض جروا الزمان رقاق الحواشي كرام السجايا [٧٥أ]
ولا غرو أن تغرب الشارقات وتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلا جمان الحديث نساقطه من ظهور المطايا
شنئت المثلث للزعفران وملت إلى خضرة في التفايا ومعنى البيت الثالث منها من مشهور المعاني، ومنها قول الطليق المرواني:
وإذا ما غربت في فمه تركت في الخد منه شفقا ومعنى البيت الرابع يشبه قول البحتري، ويتعلق به خبر حكاه الصولي
[ ٣ / ٣٨٩ ]
عن يحيى ابنه، قال: لما ابتدأ أبي بعمل قصيدته في أبي الصقر ويهجو أحمد ابن صالح، التي أولها:
أمن أجل أن أقوى الغوير فواسطه قلت له: لم ركب هذه القافية الصعبة مع رجل لا حظ لك معه - اركب قافية سهلة، فقال: لعمري إن الكلام في القوافي السهلة أمكن، إلا أن الحاذق لا يعمل إلا جيدًا في أي شيء أخذ، ثم رأيته قال في نسيبها:
ولما التقينا واللوى موعد لنا تعجب رائي الدر حسنًا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه فطابت نفسي وقلت: ليقل بعد هذا ما أراد، فقد أجاد وزاد.
وشبيه بهذا قول بعضهم:
كلمتني فقلت: در سقيط فتأملت عقدها هل تناثر
وازدهاها تبسم فأرتني نظم در من التبسم آخر وقال ابن عمار في مثل ما تقدم من صفته لأهل العذار:
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وهويته يسقي المدام كأنه قمر يدور بكوكب في مجلس
متأرج الحركات تندى ريحه كالغصن هزته الصبا بتنفس
يسقي بكأس في أنامل سوسنٍ ويدير أخرى من محاجر نرجس
عنا بكأسك قد كفتنا مقلة حوراء قائمة بسكر المجلس
يا حامل السيف الطويل المرتدى ومصرف الفرس القصير المحبس
إياك إياك الوغى من فارس خشن القناع على عذار أملس
جهم وإن حسر اللثام فإنما رفع الظلام عن النهار المشمس
سلم فقد قصف القنا غصن النقا وسطا بليث الغاب ظبي المكنس ومعنى البيت الرابع منها كقول ذي الوزارتين ابن الحضرمي، في رثاء غلام وسيم وكان اسمه فعال، كان المتوكل يهواه، ومات الغلام فرثاه، فقال:
أودى فعال فلهفي له ولهفي عليه
غالته أيدي المنايا وكن في مقلتيه
وكان يسقي الندامى بطرفه ويديه
غصن ذوى وهلال جار الكسوف عليه
[ ٣ / ٣٩١ ]
وقال ابن عمار:
غزا القلوب غزال حجت إليه العيون
قد خط في الخد نون وآخر الحسن نون وكان له غلام وسيم إليه يميل إليه، فعتب في بعض الأمر عليه، وزال عنه إلى دار الوزير أبي المطرف ابن الدباغ، فشفع له أبو المطرف برقعة وصلها ذلك الغلام، فكتب ابن عمار إلى الوزير المذكور: [٧٥ب]
قرأت كتابك مستشفعًا لوجه أبي الحسن من رده
ومن قبل فضي ختم الكتاب قرأت الشفاعة في خده وقال من قصيدة:
قالوا: أضر بك الهوى فأجبتهم يا حبذاه وحبذا إضراره
قلبي هو اختار السقام لجسمه زيًا فخلوه وما يختاره
من قد قلبي إذ تثنى قده وأقام عذري إذ أطل عذاره
أم من طوى الصبح المنير نقابه وأحاط بالليل البهيم خماره منها:
[ ٣ / ٣٩٢ ]
عيرتموني بالنحول وإنما شرف المهند أن ترق شفاره
فوحسنه لقد ابتديت لوصفه بالبخل لولا أن حمصًا داره
بلد متى أذكره تهتج لوعتي وإذا قدحت الزند طار شراره ومن مقطوعاته الإخوانيات
اجتاز على بني عبد العزيز ببلنسية، وكانوا يضمرون عداوته، فأخرجوا إليه ضيافات، وتخلفوا عن لقائه، وناب في ذلك عنهم أقوام عوام، فكتب إليهم:
تناهيتم في برنا لو سمحتم بوجه صديق في اللقاء وسيم
وسلسلتم راح البشاشة بيننا فما ضر لو ساعدتم بنديم
سألتمس العذر الجميل عن العلا وأحتال للمجد احتيال كريم
وأثني على روض الطلاقة بالجنى وإن لم أفز من طيبه بنسيم
ضننتم بأعلاق الرجال على النوى فلم تصلونا منهم بزعيم
[ ٣ / ٣٩٣ ]
واستهدى منه بعض إخوانه خمرًا، فبعث بها مع تفاحتين ورمانتين وكتب مع ذلك:
خذوها مثل ما استهديتموها عروسًا لا تزف، إلى اللثام
ودونكم بها ثديي فتاةٍ أضفت إليهما خدي غلام وأهدى إلى ذي الوزارتين ابن لبون تفاحًا وإجاصًا، وكتب معهما:
خذها كما سفرت إليك خدود أو أوجست في راحتيك نهود
حذرًا من التفاح نشرًا بينها ولها بأغصان الجنان عقود
وشفعت بالإجاص قصدًا إنه شكل الجمال وحده المحدود
عذرًا إليك فإنما هي أوجه بيض تقابلها عيون سود
إيه وعندي من فراقك لوعة يعزى إليها ثابت ويزيد
أفطرت من صومي بغرتك التي كانت هلالًا كان عنه العيد
لله ليلتنا التي من أجلها هذا الزمان بمثله محسود وكتب إليه ابن لبون بهذه الأبيات:
ختمت بعصرك أعصر الأجواد وعنت لذكرك ألسن الوراد
وسبقت أملاك الزمان إلى مدىً ضلوه حتى كنت أنت الهادي
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وغدوت أكثرهم حسودًا في العلا إن الكريم طليبة الحساد [٧٦أ]
وبدا بفضلك نقص كل معاند تتبين الأشياء بالأضداد
وأتتك بمغناك العيون فقابلت أسد العرين به وبدر النادي
وأتتك وافدة الركاب فقابلت أمل الحريص ومنية المرتاد
وصدرن قد حملن عنك عوارفًا أصبحن كالأطواق في الأجياد
فضل أرانا جود حاتم طيئٍ وفخار كعب في قبيل إياد
إيه أبا بكر أتظلم ساحتي ظلمًا وصبح العدل عندك بادي
عجبًا لوعدك كيف تمسكه يد موصولة الأفعال بالأوعاد
ولسيب جودك كيف لم تسمح به لصحيح ظني أو صريح ودادي
إني لمعتقد إخاءك موئلي وأرى وفاءك معقلي وسنادي
وأصول منك على الزمان بمنصل جعل الطلى بدلًا من الأغماد
فسقى ديارك نائيًا أو دانيًا صوب الغمام المستهل الغادي
ولئن رحلت لقد حللت بمنزلٍ من نور عيني أو سواد فؤادي فأجابه ابن عمار بهذه القصيدة الفريدة التي برز فيها، وأحسن ما شاء في ألفاظها ومعانيها، وأولها:
عطلت من حلي السروج جيادي وسلبت أعناق الرجال صعادي
وثنيت عزمي عن مسير هزني سعدي إليه وحثني إسعادي
[ ٣ / ٣٩٥ ]
وسللت من ثوب المروة والوفا ثوبي وحلت على بني عباد
إن لم أحللك من فؤادي منزلًا ينبيك أنك مالك لقيادي
وأخص جانبك الرفيع بخدمةٍ أسقيك صفو أحبةٍ وأعاد
وأرد بذكرك من ثاني روضةً غناء حالية بنور ودادي
حتى تبين أن غرسك قد دنا بجنى وزرعك قد أنى لحصاد قال ابن بسام: وكأن هذه الأقسام التي جرت على لسانه وحلف بها أجيبت عنه، فإنه لم يرجع إلى إشبيلية بعد سفرته تلك لشيء صفا له، ولا رفا لابن عباد ولا وفى له.
وذكرت بهذه الفسام - إذ الشيء بالشيء يذكر، إذا كان من واديه، أو تعلق بألفاظه ومعانيه - خيرًا نقلته من خط الوزير أبي عامر ابن مسلمة، في كتابه المترجم ب - " الحديقة " قال: كنا يومًا في مجلس أنس مع أبي جعفر ابن الأبار، فغني بشعر الأشتر في التحريض على معاوية، حيث يقول:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن هند غارةً لم تخل يومًا من نهاب نفوس
[ ٣ / ٣٩٦ ]
قال أبو عامر: فسألت ابن الأبار الرد عليه، والإنضمام على السلامة من ذكر أحد، حمية للأموة وولاء إلى الحربية، فقال على الارتجال، وقد أخذت منه الجريال:
غادرت عرضي عرضة وأبحته وتركت نهب نفائس ونفوس
وقذفت أم المؤمنين تمردًا وكفرت من حرب بكل رئيس
إن لم نصبحكم بكل مصممٍ وبكل ذمر في اللبوس عبوس
خيل كأمثال الأجادل فوقها ليس غطارف غامدون لليس [٧٦ب]
فإذا كسوناكم حداد مآتم أبنا بصافية الأديم عروس
نسقيكم خمر الردى بصوارم ونعل من خمر المنى بكؤوس قال أبو عامر: وقد سلم ابن الأبار لتلك الطائفة المردود عليها، وتخلص ألطف تخلص، على أن الاشتر ما سلم ولا كرم.
قال ابن بسام: والذي وصف الوزير أبو عامر من الحمية للأموية، وولائه لآل الحربية صحيح، لأن جدهم الأول أبان بن عبيد المعروف بالشرخ مولى لمعاوية بن أبي سفيان، أهدي إليه من سبي البربر، وأبان بن عبيد هو الداخل مع عبد الرحمن بن معاوية، فأنزله بربض الرصافة من حضرة قرطبة، وتلك النزل دور يتوارثها بنو مسلمة من تاريخ دخول عبد الرحمن إلى وقتنا هذا، لها بأيديهم نيف على أربعمائة سنة.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وفي هذه القصيدة يقول ابن عمار:
يا سيدي وأنا الذي ناديته لرضى فلبى منك خير منادي
أعطاك فضل الإبتداء ولو جرى ظلم لأنكر أن تكون البادي
لله در عقيلةٍ أبرزتها من خدر فكرك في حلى الإنشاد
فرعاء عاطرة الذوائب واللمى غيداء حالية الطلى والهادي
وصلت إليّ مع المساء فعارضت صلى الحبيب أتى بلا ميعاد
خط من النظم البديع أفادني حظ الكرام وخطة الأمجاد
يفدي الصحيفة ناظري فبياضها ببياضه وسوادها بسواد
أهدى تحيتك الزكية طيبها كافور قرطاس ومسك مداد
وشي سخت يدك الصناع برقمه فكسوتنيه مذهبًا بأيادي
ولقد تعين لو أعانت قدرة حسن الجزاء بها وهز النادي
لكن عجزت فما استقل بنشأتي ماء الفرات ولا ثرى بغداد
عذرًا ففيك لكل طالب حجة خصم ألد ووجه عذر بادي
بك فاخر القلم القصير فطاول ال رمح الطويل كتابةً بطراد
فلك الفصاحة أو لسيفك كلما استمطيت متني منبر وجواد
ثنيت عليك حلى الوزارة مثلما حمل الحسام عليه ثني نجاد
وتتوجت منك القيادة بالذي ترك الرياسة مهنة القواد
أنت الحلال الحلو رق طبيعةً وصفا مزاجًا كالسحاب الغادي
[ ٣ / ٣٩٨ ]
امن معشر تتشرف الأذوا بهم كتشرف الأيام بالأعياد
جلوا فحلوا في الأنام مكانةً كمكانة الآلاف في الأعداد
أفديك من حر تعبد بره شكري وقل له الفدا والفادي
ولقد ظفرت من اقتبالك بالمنى وبلغت أقصى غايتي ومرادي
وأرحت من تعبي بعهدك في ندى ظل ونمت على وثير مهاد
وشددت منك يدي بعلق مضنة ونفضتها بزعانف أنكاد
يتعللون من الوفاء بعلةٍ ضحك الطبيب لها مع العواد
جمحوا إلى ظلمي فسست جماحهم ولقيت شدته بلين قياد
واستبطنوا حقدًا وبين جوانحي طبع يسل سخائم الأحقاد
ولكم دعي في الإخاء أعرته جذب ابن سفيان بضبع زياد
حتى إذا رفض الوفاء رفضته واعتضت منه بطيب الميلاد
لا ذنب لي في طر سائمة الهوى منه على السرح الوبيل الصادي
أنا قد رضيتك فارضني وأعدني إن كنت محتاجًا إلى الإعداد
إني لممن إن دعوت لنصرةٍ يومًا بساطي حجة وجلاد [٧٧أ]
أذكيت دونك للعدا حدق القنا وخصمت عنك بألسن الأغماد
صلني أصلك وصل فديتك بي أصل بك واعتمدني اتخذك عمادي
ولئن بدرت إلى رضاي فربما وافيتني لرضاك بالمرصاد
وعلى تظاهرنا الضمان بقلة ال أعداء ثم بكثرة الحساد
[ ٣ / ٣٩٩ ]
إيه وقلت إلى الوفاء محركًا إيه فما خطرت بعطف جماد
وزعمت تظلم ساحة ما بيننا ظلمًا وصبح العدل عندي بادي
كلًا فما التسويف من خلقي ولا لي الجميل بعادةٍ من عادي
وهل التوت بهواك إلا لقية أحلى لعيني من لذيذ رقاد
أخطرتها وأكر بعد إلى التي يدعو المطي لها ويشدو الحادي
لابد من ذاك السفار وإن عدت عنه الليالي إنهن عوادي
سفر إذا استبعدته فسأمتطي حرصي، وأجعل من ثنائك زادي
خذها نتيجة منكر لودادها برم بها قال لها متفادي
حذرًا من الرد المخل فإنها بعث الزيوف إلى بدي نقاد وكان بينه وبين حسام الدولة أبي مروان بن رزين تمكن أنس، فاتفق أن اجتاز على مقربة من بلده، ولم يلتقيا، فعتب ابن رزين عليه، فكتب ابن عمار إليه:
لقاؤك النجح لو أعقبته سفري ووجهك الصبح لو أقبلته نظري
وقصرك البيت لو أني قصدت به حجمي ويمناك منه موضع الحجر
لم تثن عنك عناني سلوة خطرت على فؤادي ولا سمعي ولا بصري
[ ٣ / ٤٠٠ ]
لكن عدتني عنكم خجلة عرضت كفاني العذر فيها بيت معتذر
" لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر " وما قيل في العجز عن الشكر، بكثرة البر، أحسن من بيت المعري هذا، وقد تضمنه ابن عمار أحسن تضمين.
ونزل ابن عمار في بعض حركاته بحصن شقورة، وانقبضوا عن لقائه استيحاشا منه، فكتب إليهم:
أإخواننا هل حال من دوننا أمر تراءى لكم أم وحشة جرها الدهر
بخلتم بلقيانا وكان نزولنا على جفوة منكم وإن عظم البر
وما هو إلا مقطع كهوائكم عصيب وخلق مثل منزلكم وعر
ثقوا بي إذا عن اللقاء فما اعتزى إلى شيمتي غدر ولا بيدي سحر وكتب منه إلى أبي الفضل بن حسداي يصف حصن شقورة وحصانته:
أدرك أخاك ولو بقافية كالطل يوقظ نائم الزهر
فلقد تقاذفت الركاب به في غير موماة ولا بحر
طفحت صحابته بلا سنة وتمايلت سكرا بلا خمر [٧٧ ب]
[ ٣ / ٤٠١ ]
ومنها في صفة الحصن:
وحش تناكرت الوجوه به حتى استربت بصفحة البدر
متجبر سال الوقار على عطفيه من كبر ومن كبر
عال كأن الجن إذ مردت جعلته مرقاة إلى السر وكتب في ذلك إلى ابن المطرز:
تراء لعيني إن أردت مبرتي وسبب إلى الحسنى ولو بقسيم
فما شم عرف المسك دون تنشق ولا اهتز عطف الغصن دون نسيم وكان في ضيافة المعتصم صاحب المرية، بالمنية الصمادحية، فلما أزمع على الرحيل استسرحه بهذه الأبيات:
يا واثقا وصل السماح الجود في فضل السماح ومطابقا يأتي وجوه الجد من طرق المزاح أسرفت في بر الضياف فجد قليلا بالسراح فأجابه المعتصم:
يا فاضلا في شكره أصل المساء مع الصباح
هلا رفقت بمهجتي عند التكلم بالسراح
إن السماح بمثلكم والله ليس من السماح
[ ٣ / ٤٠٢ ]
فلما أزمع على الرحيل، وشرع في سلوك السبيل، وحضر المعتصم لوداعه، أنشده عمار جوابا على أبياته الثلاثة:
ألفظك أم كأس الرحيق المعتق وخطك أم روض الربيع المنمق
ونظمك أم سلك من الدر ناصع يروق على جيد العروس المطوق
بعثت بها يا قطعة الروض قطعة شممت بها عرف النسيم المخلق
ثلاثة أبيات وهيهات إنما بعثت بها الجوزاء في صفح مهرق
هي السحر أسرى في النفوس من الهوى وكيف يكون السحر في لفظ متق
أمعتصما بالله والحرب ترتمي بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي
دعتني المطايا للرحيل وإنني لأفرق من ذكر النوى والتفرق
وإني إذا غربت عنك فإنما جبينك شمسي والمرية مشرقي وكتب إليه المعتصم يوما بنثر وشعر يقول فيه:
وزهدني في الناس معرفتي بهم وطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلا تسرني مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة من الدهر إلا كان إحدى المصائب فأجابه ابن عمار بقوله:
[ ٣ / ٤٠٣ ]
فديتك لا تزهد وثم بقية سترغب فيها عند وقع التجارب [٧٨ أ]
وأبق على الخلصان إن لديهم على البدء كرات بحسن العواقب
تكنفتني بالنثر عاتبا وسقت علي القول من كل جانب
وقد كان لي لو شئت رد وإنما أجر لساني ذكر تلك المواهب
ولا بد من شكوى ولو بتنفس يسكن من حر الحشا والترائب
كتبت على رسمي وبعد نسيئة قرأت جوابي من سطور المواكب
ثلاثة أبيات وهيهات إنما بعثت إلى حربي ثلاث كتائب
وكيف يلذ العيش من عتب سيد وما لذتي يوما على عتب صاحب
وقبل جرت عن بعض كتبي جفوة ألحت على وجهي بغمز الحواجب
سلكت سبيلي للزيارة إثرها فقابلت دفعا في صدور الركائب
وما كنت مرتادا ولكن لنفحة تعودت من ريحان تلك الضرائب
ولو لمعت لي من سمائك برقة ركبت إلى مغناك هوج الجنائب
فقبلت من يمناك أعذب مورد وقضيت من لقياك أوكد واجب
وأبت خفيف الظهر إلا من النوى وخليت للعافي ثقال الحقائب
سواك يعي قول الوشاة من العدا وغيرك يقضي بالظنون الكواذب
[ ٣ / ٤٠٤ ]
تلخيص التعريف بآخر أمره وكيفية مقتله
كان حب الرياسة في رأسه يدور، وأما انتزاؤه بمريسة فمشهور، وأفضت الحال بالرشيد هنالك إلى الاعتقال، بأيدي نصارى الإفرنجة، في جملة من المال كانوا أكثروا بها، فحبسوا الرشيد بسببها، إلى أن افتكه أبوه المعتمد في خبر طويل، وابن عمار صاحب ذلك الرعيل، والملوم في المعلوم من أمره والمجهول، وفساد حاله عند المعتمد يتزايد، وتدابره يتساند. وفي أثناء ما وقع من تدبير تلك الأمور، ونجوم ذلك الاستيحاش والتغيير، خاطبه المعتمد عاتبا متمثلا بهذين البيتين، وكان قد خرج عنه:
تغير لي في من تغير حارث وكل خليل غيرته الحوادث
أحارث إن شوركت فيك فطالما نعمنا وما بيني وبينك ثالث فأجابه ابن عمار بقوله:
[ ٣ / ٤٠٥ ]
لك المثل الأعلى وما أنا حارث ولا أنا ممن غيرته الحوادث
ولا شاركت الشمس في وإنه لينأى بخطتي منك ثان وثالث
فديتك ما للبشر لم يسر برقه ولا نفحت تلك السجايا الدمائث
أظن الذي بيني وبينك أذهبت حلاوته عني الرجال الأخابث
تنكرت لا أني لفضلك ناكر لدي ولا أني لعهدك ناكث
ولكن ظنون ساعدتها نمائم كما ساعدت مثنى المثاني المثالث
أبعد مضت خمس وعشرون حجة تجافت بنا تلك الخطوب الكواررث [٧٨ ب]
مضت لم ترب مني أمور شوائب ولا تليت مني مساع خبائث
حللت يدا بي هكذا وتركتني نهابا وللأيام أيد عوابث
وهل أنا إلا عبد طاعتك التي إذا مت عنها قام بعدي وارث
أعد نظرا لا توهن الرأي إنه قديما نبا هاف وأدرك رائث
ستذكرني إن بان حبلي وأصبحت تئن بكفيك الحبال الرثائث
وتطلبني إن غاب للرأي حاضر وقد غاب مني للخواطر باعث
أعوذ بعهد نطته بك أن ترى تحل عراه العاقدات النوافث قوله: " قديما نبا هاف وأدرك رائث " معنى مشهور، القول فيه كثير، ومن أشهره قول عبيد:
[ ٣ / ٤٠٦ ]
قد يدرك المبطئ من حظه والخير قد يسبق جهد الحريص وقال القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل ولما سمعه أعرابي قال: هذا ضبط الناس، هلا قال بعد هذا:
وربما ضر بعض الناس بطئهم وكان خيرا لهم لو أنهم عجلوا وفي ثناء تلك الحال، التي أفضت بالرشيد إلى الاعتقال، كتب إلى المعتمد بهذه الأبيات:
أصدق ظني أم أصيخ إلى صبحي وأمضي عزيمي أم أعوج مع الركب
إذا انقدت في رأيي مشيت مع الهوى وإن أتعقبه نكصت على عقبي
وإني لتثنيني إليك مودة يغيرها ما قد تعرض من ذنب
فما أعجب الأيام في ما قضت به تريني بعدي عنك آنس من قربي
أخافك للحق الذي لك في دمي وأرجوك للحب الذي لك في قلبي وهذا البيت على سهولة مبناه، من أحسن ما قيل في معناه، وبمثله
[ ٣ / ٤٠٧ ]
فلتنخدع الألباب، وتستعطف الأعداء للأحباب، إلا أن المصراع الأول كأنه شيء تكهنه من شأنه، وطيرة ألقاها الله تعالى على لسانه، وصدق كان له في عنقه ربق، وفي دمه حق، احتال له فناله، والمرء يعجز لا المحالة. وفيها يقول:
وكم قد فرت يمناك بي من ضريبة ولا بد يوما أن يفلل من غربي
ولا بد ما بيني وبينك من ثنا يطبقها ما بين شرق إلى غرب
وأعلم أن العفو منك سجية فلم يبق إلا أن تخفف من عتب
فلي حسنات لو أمت ببعضها إلى الدهر لم يرتع لنائبة سربي فأجابه المعتمد بقوله:
تقدم إلى ما اعتدت عندي من الرحب ورد تلقك العتبى حجابا العتب
متى تلقيني تلق الذي قد بلوته صفوحا عن الجاني رؤوفا على الصحب
سأوليك مني ما عهدت من الرضى وأصفح عما كان إن كان من ذنب
فما أشعر الرحمن قلبي قسوة ولا صار نسيان الأذمة من شعبي [٧٩ أ]
تكلفته أبغي به لك سلوة فليس يجيد الشعر مشترك اللب
[ ٣ / ٤٠٨ ]
فلم يزده جواب المعتمد هذا إلا توحشا ونفارا، وتوقفا عن اللحاق به وازورار، ولله در أبي الطيب في قوله:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه لقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم ونقله المتنبي من قول أعرابي:
أسأت إلي فاستوحشت مني ولو أحسنت ما استبعدت عني
أسأت فساء ظنك بي لجاجا وما أولى المسيء بسوء ظن وقول المعتمد: " تكلفته أبغي به لك سلوة "، صدق فيما وصف، وزاد على التكلف.
وقول ابن عمار: " فلي حسنات لو أمت ببعضها، إلى الدهر " مما ردد لفظه ومعناه، وأصله فيما أراه من قول الفيلسوف: " قد تكلمت بكلام لو مدح به الدهر لما دارت علي صروفه "، وأخذه الناجم فقال:
ولي في أحمد أمل بعيد ومعنى حين أنشده ظريف
مدائح لو مدحت بها الليالي لما دارت علي لها صروف وقال المتنبي:
[ ٣ / ٤٠٩ ]
في فيلق من حديد لو رميت به صرف الزمان لما دارت دوائره وكانت حال ابن عمار، حين تردد بتلك الأقطار من بلد بني هود، قد تمكن منهم بالمؤتمن، إلا أن بني عبد العزيز كانوا يشرقونه بريقه، ويوعرون عليه السهل من طريقه، ويبلغه عنهم ما تتوقد له ضلوعه، وتنسكب منه دموعه. بلغه عنه وعن ابن طاهر أنهما ندرا فيه بسبب خاتمين كان المؤتمن ختمه بأحدهما، والآخر اذفونش بن فرذلند، فكتب ابن عمار إلى ابن عبد العزيز:
قل للوزير وليس رأي وزير أن يتبع التندير بالتندير
إن الوزارة مذ لبست رداءها وقف على التغيير والتزوير
وأرى الفكاهة جل ما تأتي به رحماك في التعجيز والتصدير
بلغت دعابتك التي أهديتها في خاتم التأمين والتأمير
وأظنها للطاهري فإن تكن فجديرة التقديس والتطهير
[ ٣ / ٤١٠ ]
فرسا رهان أنتما فتجاريا بالقول في التقديم والتأخير
وإذا سلكت سبيله فحقيقة كي تتبع التصفير بالتصفير
وأرى بلنسية وأنت قدارها سينالها التدمير من تدمير وفي بني عبد العزيز أيضًا يقول مغريا بهم، خاطبا لنفسه، ونحلها ابن المطرز الشاعر:
بشر بلنسية وكانت جنة أن قد تدلت في سواء النار
جازوا بني عبد العزيز فإنهم جروا إليكم أسوأ الأقدار
ثوروا بهم متأولين وقلدوا ملكا يقوم على العدو بثار
هذا محمد أو فهذا أحمد وكلاهما أهل لتلك الدار [٧٩ ب]
جاء الوزير بها يكشف ذيله عن سوءة سوأى وعار عار
وأوى لينصر من نبا المثوى به ودهاه خذلان من الأنصار
[ ٣ / ٤١١ ]
نكث اليمين وحاد عن سنن التقى وقضى على الإقبال بالادبار
ما كنتم إلا كأمة صالح فرماكم من طاهر بقدار
هذا وخصكم بأشأم طائر ورمى دياركم بألأم جار
بر اليمين ولم يعرض نفسه ونفوسكم بمصارع الفجار
لا بد من مسح الجبين فإنما لطمته غدرا غير ذات سوار
هيهات يطمع بالنجاة لطالب ساع إذا ونت الكواكب سار
كيف التفلت بالخديعة من يدي رجل الحقيقة من بني عمار
رجل تطعمه الزمان فجاءه طرفين في الإحلاء والامرار
سلس القياد إلى الجميل وإن يهج فدع العنان لهبة التيار
طبن بأعراض الأمور مجرب فطن لأسرار المكايد دار
ماض إذا برزت إليه مصمم حول إذا التفت عليه مدار
ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة الأشبار
كشاف مظلمة وسائس أمة نفاع أهل زمانه ضرار
عجبا لأشمط راضع ثدي الوغى منه، وطود في القنا الخطار
شارب أكواس المدام وتارة شراب أكواس الدم الموار
جرار أذيال القنا، ظنوا به قد زاركم في الجحفل الجرار
وكأنكم بنجومه ورجومه تهوي إليكم من سماء غبار
وأنا النصيح فإن قبلتم فاتركوا آثارها خبرا من الأخبار
قوموا إلى الدار الخبيثة فانهبوا تلك الذخائر من خبايا الدار
[ ٣ / ٤١٢ ]
وتعوضوا من صفرةٍ خبيثة بأغر وضاح الجبين نضار ولما سمع العتمد هذا القصيد، وقرع سمعه فخار ابن عمار، قال هذه الأبيات، وهي من مليح التعريض، ومقلوب التقريض، وأضافها إلى بيت ابن عمار حيث قال عن نفسه:
كيف التفلت بالخديعة من يدي رجل الحقيقة من بني عمار فقال المعتمد:
الأكثرين مسودًا ومملكًا ومتوجًا في سالف الأعصار
المكثرين من الكباء لنارهم لا يوقدون بغيره للساري
والمؤثرين على العيال بزادهم والضاربين لهامة الجبار
الناهضين من المهود إلى العلا والمنهضين الغار بعد الغار
إن كوثروا كانوا الحصى أو فوخروا فمن الأكاسر من بني الأحرار
يضحي مؤملهم يؤمل سيبه ويبيت جارهم عزيز الجار
تبكي عليهم شنبوس بعبرةٍ كأتيها المتدافع التيار
يبكي بها القصر المنيف تلألأت شرفاته في خضرة الأشجار
ما ضاحكته الشمس إلا خلته نضحت جوانبه بماء نضار
يا شمس ذاك القصر كيف تخلصت فيه اليك طوارق الأقدار [٨٠أ]
لما تنلك شعوب حتى جاوزت غلب الرجال وسامي الأسوار
كم كان من أسدٍ هنالك خادرٍ لك حارس بأسنة وشفار
[ ٣ / ٤١٣ ]
من قومك الزهر الوجوه إذا الوغى كست الوجوه الغر ثوب القار
من كل أشوس خائض في لجةٍ نحو الكماة بشعلة من نار
لما نماهم للعلا عمارهم تركوا العداة قصيرة الأعمار وشنبوس التي ذكر هي اسم قرية ببادية شلب، كانت مقر سلف ابن عمار.
وقوله: " يا شمس ذاك القصر " كانت والدة ابن عمار - زعموا - تدعى بشمس مصغرة.
فلما بلغ ابن عمار شعر المعتمد هذا، وقد بلغ من التندير فيه الغاية، وتجاوز من الطنز عليه النهاية، فل حد صبره، ولم يشك أنه من شعره، فشاعت في اناس أشعار، عزيت إلى ان عمار، في القدح في المعتمد وآله وذويه وعياله، منها قصيدة أولها:
ألا حي بالغرب حيا حلالا أناخوا جمالا وحازوا جالا
وعرج بيومين أم القرى ونم فعسى أن تراها خيالا
لتسأل عن ساكنيها الرماد ولم تر للنار فيها اشتعالا وبعده ما أضربت عنه، رغبةً بكتابي عن الشين، وبنفسي أن
[ ٣ / ٤١٤ ]
أون أحد الهاجيين، فقد قالوا: الراوية أحد الشاتمين.
وقوله: " وعرج بيومين " هي أيضا اسم قرية بقطر إشبيلية كانت أولية بني عباد منها.
فلم قرعت الأسماع تلك الأشعار، ونسبت لابن عمار، اشتد حنق المعتمد عليه، ونفوذ المقدور يتسبب لموته على يديه، فلم يزل المعتمد يرتصد فيه الغوائل، وينصب له الحبائل، إلى أن لاح لابن عمار عند صاحب شقورة برق خلب، وكان قد تجاوز بطمعه في الرئاسة طمع أشعب، فول للمؤتمن ابن هود امتطاء صهوتها، وسهل له تسم ذروتها، وإنما أراد أن يخدعه كما خدع ان عباد، فدفع في صدره، وحاق به سيء مكره؛ فلما طرق إليه ولحق بحصنه، لم يلبث أن حصل في سجنه، غدرًا به، فجعل ابن عمار لاطفه ويسترحم، وينشده الله في حقن الدم، ووعده في نفسه وضمن له أموالًا، فلم يصغ إليه وشد صفاده اعتقالًا، وطير إلى المعتمد بالخبر، واتفق أن اجتاز الوزير أبو جعفر ابن جرج بذلك الأفق، وابن عمار في المطبق، فخاطبه بهذه الأبيات:
كأني أراك أبا جعفر تقول وتبسم نحوي مشيرا
سفرت ليرجع هذا معي وزيرًا فلم أر إلا أسيرا
[ ٣ / ٤١٥ ]
وهل يملك المرء من أمره قبيلًا فينفذه أم دبيرا
هو القدر الحتم يعمي الفتى وإن كان بالدهر طبًا بصيرا واتفق أيضًا وقت القبض عليه يومئذ دخول المعتمد حصن بياسة، وتطارح أهلها عليه، وحصول تلك الجهة في يديه، ورأيت رقعة صدرت عنه في ذلك إلى أحد بينه، وذكر الخائن ابن عمار في فصل منها قال فيه:
كتابي يوم كذا، وفي أمسه ورد كتاب المأمون أخيك من داخل حصن بياسة، وأن أهلها لما بلغهم تأهبي لمحاصرتهم، واحتفالي لمنازلتهم، وعلموا أن تدبيرهم قد اضمحل في أيديهم، وأن صريخهم قد خرس عن إجابة داعيهم، وتيقنوا أني إذا نويت مضيت، وإذا لججت حججت، خامرهم الفزع، وضاق بهم المتسع، ومشى بعضهم إلى بعض يتشاورون كيف المصنع، وأين المنزع، فلم يروا لأنفسهم طريقًا أنجى، ولا مهربًا أجدى [٨٠ب] بالخلاص وأحجى، من الترامي علي، والاستسلام إليّ، فبادروا نحوي رجالًا وركبانًا، وتسربوا قبلي زرافات ووحدانًا، ولم أرد حضرة قرطبة إلا وقد لحق بها منهم أفواج، وسالت بمن وراءهم أباطح وفجاج، كل يستعطف ويستنزل، ويسأل لمن وراءه عفوًا يعم ويشمل، فأقبلت وقبلت، وعذرت واغتفرت، وبالغت في تأنيسهم، وتطبيب نفوسهم، والحمد لله على ما من وتطول، وأنعم وأفضل.
ووافى هذا الصنع الجميل، والفتح الجليل، آخر تقدمه خطا
[ ٣ / ٤١٦ ]
وكان له - ونعم ما كان - فرطًا، وذلك بقبض عتاد الدولة ابي محمد ابن سهيل على الغادر الملحد ابن عمار، قطع الله به وبمن أوى إليه وآل بكل من سعى سعيه او نزع منزعه مآله، بحبائل نصبناها له هنالك حتى علقته، وغوائل أرصدناها حتى أوبقته، وتلك عادة الله الحسنى عندنا، في من غمط نعمتنا ونكث عهدنا، فله الحمد دائبًا، والشكر واصبًا.
قال ابن بسام: وكان القبض على ابن عمار بشقورة يوم الجمعة لست بقيت لربيع الآخر سنة سبع وسبعين، وورد على المعتمد غير ما خطابٍ في معناه ووجه الشفاعة فيه، وجبر صدعه وتلافيه، فسد بابا الشفاعة في ذلك، وشد صفاده هنالك. وممن كان شفع له يومئذ ذو الوزارتين ابن محقور صاحب شاطبة، بخطاب مشهور معروف، ورأيت عليه الجواب من إنشاء ابي الوليد ابن طريف، قال فيه:
وقفت على الإشارة الموضوعة من قبلك على أخلص وجوه السلامة، المستنام فيها شرف محتدك وصفاء معتقدك أكرم
[ ٣ / ٤١٧ ]
استنامةٍ، في الشفاعة في من أساء لنفسه حظ الاختيار، وسبب لها سبب النكبة والعثار، بغمطه لعظيم النعمة، وقطعه لعلائق العصمة، وتخبطه في سنن غيه واستهدافه، وتجاوزه في ارتكاب الجرائم وإسرافه، حتى لم يدع للصلح موضعًا، وخرق ستر الإبقاء بينه وبين مولى النعمة عنده فلم يترك مرقعًا، وقد كان قبل استشراء دائه، وكشفه لصفحة المعاندة وإبدائه، عذره في جميع جناياته مقبول، وجانب الصفح له معرض مبذول، لكن غيرته الغواية، عن طريق الهداية، فاستمر على ضلاله، وزاغ عن سنن اعتداله، وأظهر المناقضة، وتعرض - بزعمه - إلى المساورة والمعارضة، فلم يزل يريغ الغوائل، وينصب الحبائل، ويركب في العناد أصعب المراكب، ويذهب منه في أوعر المذاهب، حتى علقته تلك الأشراك الني نصبها، وتشبث به مساوئ المقدمات التي جرها وسببها، فذاق وبال فعله ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣) ولم يحصل في الأنشوطة التي تورطها، والمنحسة التي اشتملت عليه وتوسطها، إلا ووجه العفو له قد أظلم، وباب الشفاعة فيه قد أبهم، ومن تأمل أفعاله الذميمة، ومذاهبه اللئيمة، رأى أن الصفح عنه بعيد، والإبقاء عليه داء حاضر عتيد؛ ومثلك في رجاحة ميزانه، ومعرفته بأبناء زمانه، لم يجهل بدأة حاله من القل والضعة، وارتقاءه منها إلى الرفعة والسعة، وإنشائه من ذل الخمول، إلى العز العريض الطويل، وتسويغه عقائل الأموال، وجلائل الأحوال.
وفي فصل منها: ففوق لمناضله الجولة نباله، وأعمال في مكايدتها
[ ٣ / ٤١٨ ]
جهده واحتياله، ثم لم يقتصر على ذلك، بل تجاوزه إلى إطلاق لسانه بالذم الذي صدر عن لؤم نجاره، والطعن الشاهد بخبث طويته وإضماره، ومن جهل مقدار تلك النعمة التي كان سوغها أولًا، أخلق به أن لا يعرف مقدار العفو عنه آخرًا، ومن فسد هذا الفساد كيف يرجى استصلاحه - ومن استبطن مثل غله كيف يؤمل فلاحه، ومن لك بسلامة الأديم النغل، وصفاء القلب الدغل -! وعلى ذلك فلا أعتقد عليك [٨١أ] فيما عرضت به من وجه الشفاعة غير الجميل، ولا أتعدى فيه حسن التأويل، ولو وفدت شفاعتك في غير هذا الأمر الذي سبق فيه السيف العذل، وأبطل غافل الأقدار فيه الألطاف والحيل، لتلقيت بالإجمال، وقوبلت ببالغ المبرة والاهتبال.
ما أخرجته من سري نظمه وجزل مقاله مدة اعتقاله
من ذلك أبيات خاطب بها صاحب المرية يقول فيها:
أصبحت في السوق ينادى على رأسي بأنواعٍ من المال
فهل فتىً يبتاعني ماجد أخدمه مدة إمهالي
تالله لا جار على نقده من ضمني بالثمن الغالي
[ ٣ / ٤١٩ ]
أربح بها مولاي من صفقةٍ في سلعة من برك العالي وكتب أيضًا إلى المعتمد:
نفسي نحن إلى فداء تفديك نفسي من شراء
فاسبق بنقدك وعدهم مسترخصًا لي بالغلاء
ثم امض في على اختيا رك من فناءٍ او بقاء
والله ما أدري إذا قالوا: غدًا يوم اللقاء
ما أقتل الحالين لي إن كان خوفي أو حيائي وكتب إليه أيضًا:
سجاياك إن عافيت أندى وأسمح وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزية فأنت إلى الأدنى من الله أجنح
حنانيك في أخذي برأيك لا تطع عداي ولو أثنوا علي وأفصحوا
فإن رجائي أن عندك غير ما يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح
ولم لا وقد أسلفت ودًا وخدمةً يكران في ليل الخطايا فيصبح
وهبني قد أعقبت أعمال مفسدٍ أما تفسد الأعمال ثمت تصلح
[ ٣ / ٤٢٠ ]
أقلني لما بيني وبينك من رضى له نحو روح الله باب مفتح
وعف على آثار جرمٍ سلكته بهبة رحمى منك تمحو وتصفح
ولا تلتفت رأي الوشاة وقولهم فكل إناء بالذي فيه يرشح
سيأتيك في أمري حديث وقد أتى برأي بني عبد العزيز موشح
تخيلتهم لا در لله درهم أشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا
وقالوا: سيجزيه فلان بذنبه فقلت: وقد يعفو فلان ويصفح
ألا إن بطشًا للمؤيد يرتمي ولكن حلمًا للمؤيد يرجح
وماذا عسى الواشون أن يتزيدوا سوى أن ذنبي ثابت متصحح
نعم لي ذنب غير أن لحلمه صفاةً يزل الذنب عنها فيسفح
سلام عليه كيف دار به الهوى إليّ فيدنو أو علي فينزح
ويهنيه إن مت السلو فإنني أموت ولي شوق إليه مبرح
وبين ضلوعي من هواه تميمة ستنفع لو أن الحمام يجلح
[ ٣ / ٤٢١ ]
قال ابن بسام: بلغني أنه لما وصلت هذه القصيدة إلى المعتمد جعل من بحضرته [٨١ب] من أعداء ابن عمار ينتقدونه، ويطلبون به عيبًا لو يجدونه، فجعلوا يقولون: أي معنى أراد، ما قال شيئًا ولا كاد، فقال لهم المعتمد: مهما سلبه الله من المروة والوفاء، فلم يسلبه الشعر، إنما قلب بيت الهذلي فأحسن، وهو قوله:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع فسكت القوم في ناديهم، وسقط في أيديهم. فير أن أبا سالم العراقي جعل يتمضغ بقوله: " يكران في ليل الخطايا " وقال: ما معناه - وهلا بدل هذا اللفظ بسواه - فقال له المعتمد، وأراه طنز عليه، وأشار بالتقصير إليه: أبا سالم، أنزله، وإن استطعت بفضلك فأبد له! فأحجم وتلعثم، ولم يتأخر ولا تقدم. وكذلك قوله: " فماذا عسى الواشون أن يتزيدوا "، وهو لفظ المجنون:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك عاشق وإن كان المعنى مختلفًا فحذو اللفظ واحد.
ولحق بشقورة بعد القبض على ابن عمار يزيد بن المعتمد الملقب بالراضي
[ ٣ / ٤٢٢ ]
فكتب إليه ابن عمار:
قالوا أتى الراضي فقلت لعلها خلعت عليه من سمات أبيه
فأل جرى فعسى المؤيد واهب لي من رضاه ومن أمان أخيه
قالوا نعم، فوضعت خدي في الثرى شكرًا له وتيمنًا ببنيه
يا أيها الراضي وإن لم يلقني من صفحة الراضي بما أدريه
هبك احتجبت لوجه عذرٍ بينٍ بذل الشفاعة أي عذر فيه
خفف على يدك الكريمة أسطرًا في من أسرت فتنثني تفديه ثم صدر عن شقورة، وجاء به إلى قرطبة يوم الجمعة السادس من رجب من العام، وقد برز الناس لدخول الراضي، وابن عمار في ذلك الحفل، في قيوده، على دابى هجينة، حاسرًا في ثوب خلق بين عدلي تبنٍ، عظةً لمن اعتبر مجاري الليالي والأيام، ولعبها بالأنام، فكم دخل قرطبة قبل في أبهة الرؤساء، يسحب ذيل الكبرياء، فسبحان من يبسط للمحسن والمسيء عدله، ولا تدوم العزة إلا له.
حدثني الوزير أبو عمر الفرضي كاتب حشم المتوكل أنه شهد دخول ابن عمار يومئذ قرطبة، فلم ير زعيمًا من زعماء البلد، ولا عظيمًا من أهل دولة المعتمد، إلا وهو يمسح عطفه، ويمشي بين يديه أو خلفه، توقعًا
[ ٣ / ٤٢٣ ]
لكرته، واستدفاعًا لمضرته، فقد كان أكثرهم لا يشك أن غضب المعتمد عليه، نار يطفئها نظره إليه، وتيار يكفه مثوله بين يديه، فقد كان من قلبه بمكان، ومن إيثار قربه في شان.
وأخبرني الوزير المذكور أن ابن عمار كان يباهي يومئذ بذلته وقلته، عدد آسره الراضي وعدته، ويقاوم بهوانه وامتهانه بأسه وشدته، حتى كأنه أحد خدمه، أو بعض حشمه. قال: وكتب في أثناء ذلك إلى المأمون بهذه القصيدة الفريدة، وهي من حر النظام، وجزل الكلام، وأولها:
هلا سألت شفاعة المأمون أو قلت ما في نفسه يكفيني
ما ضر لو نبهته بتحيةٍ يسري النسيم بها على دارين
وهززت منه فقد يقلب سيفه يوم الجلاد الحين بعد الحين [٨٢أ]
ما لي أنبه ناظرًا لم يغف عن حظيه من دنيا ولا من دين
وأهز من عطفٍ ثناه عطفه حتى خشيت عليه فرط اللين
بيدي من المأمون أوثق عصمةٍ لو أن أمري في يد المأمون
أمري إلى مولى إليه أمره وكفاك من فوق كفاك ودون
حيث استوى الخصمان حقًا والتقى عز الغني بذلة المسكين
ملك طوى سر المهابة شخصه لولا أسرة وجهه الميمون
[ ٣ / ٤٢٤ ]
جبل سما بذوائبه إلى العلا ورسا بهضبته على التمكين
متوقد الجنبات كلل دوحه بجنى وفجر صفحه بعيون
ذلت لأيدي المجتنين قطوفه ودنا إليهم من ظلال غصون
ونأى لأبصار العصاة فإنما يتوهمون نعيمه بظنون
بحر إذا ركب العفاة سكونه وهب الغنى في عزةٍ وسكون
وإذا طمى للذنب لم يسمع به إلا الدعاء يعان بالتأمين
كم أسكب العذب الفرات على فمي ورمى يدي باللؤلؤ المكنون
واليوم قد أصبحت في غمراته إن لم تغثني رحمة تنجيني
بعدت سواحله علي وأدركت أمواجه فتلاعبت بسفيني
لا شك في أني غريق عبابه إن لم يمد الفتح لي بيمين
يا فتح جردها عناية فارسٍ بطلٍ على حرب الولي أمين
متقدم من جده بكتيبة مستظهر من لفظه بمكين
واقرن شفاعتك الكريمة عنده بتواضعٍ عن عزةٍ لا هون
في شكة من هيبة وسكينةٍ وبضجةٍ من رحمةٍ وحنين
فأبوك من تغشى الملوك بساطه شوسًا فما يرمونه بعيون
ما يعرض الجبار منه لحاجةٍ إلا برفع يدٍ ووضع جبين
يا فتح إن نازلته مستنزلًا فاهنأ بفتح من رضاه مبين
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وليخلصن إليك من أعلاقه علق يشد عليك كف ضنين وكان قد كتب أيضًا يومئذ إلى الرشيد بهذا القصيد، وهو من قصائده الحرة وقلائده المبرة:
قل لبرق الغمام مطو البريد قاصدًا بالسلام قصر الرشيد
فتقلب في جوه كفؤادي وتناثر في صحنه كالفريد
وانجذب في صلاصل الرعد تحكي ضجتي في سلاسلي وقيودي
فجزاك الإله من ملكٍ حر بقاء التمكين والتمهيد
من مطيع عهد الوفاء مطاعٍ وودودٍ على النوى مودود [٨٢ب]
كنت أشدو عليك يا دوحة المج د ويا روضة الندى والجود
إذ جناحي ندٍ بظلك طلق ولساني رطب على التغريد
وأنا اليوم تحت ظل عقابٍ لقوة مخوت الجناح صيود
[ ٣ / ٤٢٦ ]
أتقيها بناظرٍ خافق اللح ظ مروعٍ وخاطر مزؤود
غير أني سأصطفي لم جهدي من ثنا طيبٍ وذكرٍ حميد
في قليل من القوافي كثيرٍ وذلول من المعاني شرود
كلماتٍ كأنها الدر نظمًا طوقت منك أي طوق وجيد
أنت بدر النجوم تحت سنا الشم س أتتكم على سماء السعود
أنت ريحانة العلا لبني عبا د السادة الكرام الصيد
أنت إما اعترضتم درة التا ج فرند الحسام وسطى الفريد
وإذا ما مدحتم نكتة الخط بة فص الحديث بيت القصيد
وإذا ما ركبتم الخيل صدر الجي ش عين اللواء قلب الحديد
أنت فيهم إن يعتموا ليلة القدر وإذ يصبحون يوم العيد
فهنيئًا أبا الحسين خلال وصفات جلت عن التحديد
وشفوف على الجميع بسن وسناء إلى سنا ممدود
وهنيئًا من المؤيد حظ لا مزيد عليه للمستزيد
لك في نفسه العزيزة حب شاب فيه حلاوة التوحيد
وعلى لحظه النزيه طلوع كطلوع البشير بالتأييد
وإذا ما شدا بذكرك شادٍ قال أحسنت هزة المستعيد
فعلام السرى بصبح رضاه مع سنا وجهك الأغر السعيد
وإلى أين في الشفيع إذا ما لم ألذ منك عنده بالرشيد
بفتىً نازح المكان مطلٍ غائب الشخص ذي اعتناء عتيد
[ ٣ / ٤٢٧ ]
مشفقٍ يستجيب لي من قريبٍ وأنا أستغيثه من بعيد
لو أطلت علي رحمة عيني هـ انجلت شدتي وذاب حديدي قال ابن بسام: فصدرت هذه الأشعار، يومئذ عن ابن عمار، وهو في قيود الحديد، وقالها على البديه والارتجال، في تلك الحال، من شدة الاعتقال، وبالٍ يناجيه البلبال، قد تيقن أنه لا يفلت، ولا ينظر إلا إلى عدو يشمت، والموت يلاحظه من حيث لا يلتفت، إذ كان المعتمد قد أحضره في تلك الحال غير ما مرة بين يديه، ويعدد ذنوبه عليه، ولو قال كل قصيد ورواه حولًا كاملًا، في أكن ودعة، وفرط شهوة أو شدة حمية وعصبية، لما زاد على ما أجاد، فكانت هذه القصائد القلائد، مع ما تشتمل من البدائع الروائع، رقىً لم تنفع، ووسائل لم تنجع، وإذا سبق القدر، فلا ورد ولا صدر. [٨٣أ] .
أخبرت عمن صحب الراضي في وجهته يومئذ من شقورة وكان ممن رقب على ابن عمار، فجعل يكلأوه في طريقه، خوفًا على نفسه ومراعاةً أيضًا لسالف حقوقه، فلما انتهى إلى قرطبة وسلم للقصر، دعي ذلك الرجل مع أصحابه بعد العصر، في سلاح شاكٍ وتعبئة ظاهرة ليصحبوه إلى إشبيلية، فبينما هم عند باب السدة ينتظرون إلى أن يسلم إليهم ابن عمار، وقد انسلخ النهار، إذ أوجسوا نبأةً، فإذا المعتمد قد خرج والشمع بين يديه
[ ٣ / ٤٢٨ ]
وخدمه حواليه، وابن عمار بينهن على بغلٍ يهزأن به ويتضاحكن، فأعربت حاله يومئذٍ بمباديها، على سوء العاقبة فيها.
وحدثني أبو بكر الخولاني المنجم قال: لما وصل المعتمد إلى إشبيلية من وجهته تلك، سجن ابن عمار داخل القصر على قرب منه، وأحضره مرارًا بين يديه، يعدد ذنوبه عليه، فبقي مدةً كذلك، في سجنه هنالك، لا يتنفس ولا يتحرك إلا تحت سمعٍ وعينٍ، فاستدعى يومًا سحاءة ودواةً فبعث إليه بزوجٍ كاغدٍ، فكتب إلى المعتمد شعرًا استرحمه فيه، فعطف عليه، وأحضره ليلته تلك، ووعده بالعفو عنه، فخاطب ابن عمار من حينه الرشيد بذلك، فلمح تلك المخاطبة عيسى بن الأعلم وزيره يومئذ، فتحدث بالأمر، وذاع السر، وانتهى الخبر إلى الوزير أبي بكر بن زيدون صاحب الدولة وقته، وعداوته لابن عمار أوضح من أن تشرح، فدمغته من ذلك دامغة، وبات بليلة النابغة، وتخلف عن الركوب إلى القصر صبيحة الغد، حتى ورده رسول المعتمد، وحدس أن مجلس سره مع ابن عمار وصل إليه، واستفهمه فوجد نص المجلس عنده
[ ٣ / ٤٢٩ ]
فازداد حنقًا على ابن عمار الحائن، وحرك ضغنه الساكن، فقال لأحد الصقالب: سل ابن عمار كيف وجد السبيل، مع عظيم الترقيب، إلى إفشاء ما أخذت معه فيه، فلما سأله أنكر، قال المعتمد: فما أراد بالكاغد الذي طلب - قال: إنه أخبر أنه كتب إليك فيه بشعر، قال: هو في ورقة مفردة، فما فعل بالأخرى من الزوج الكاغد المبعوث به إليه - قال: كتب مسودة ذلك الشعر، قال المعتمد: خذها منه لأقف على ذلك؛ فلما لم يجد بدًا من النطق بالصدق، رجع إلى الحق، وقال: إني خاطبت الرشيد بما وعدني به مولانا من العفو، فاتقد المعتمد، وقام من فوره كما كان، وأخذ طبرزينًا، وجاء إلى موضع ابن عمار الذي كان فيه مسجونًا، ودخل إليه، ففزع - كما كان في قيوده - إلى تقبيل رجليه، فضربه به، ثم أمر بأن يم عليه، وأخرج ووري في قيوده، خارج باب القصر المبارك المعروف في إشبيلية بباب النخيل، فمضى ﵀ على هذا السبيل. واتفق بأن وقع حفر بموضع رمسه من ذلك المكان، لبنيان عرض فيه بعد نيف على عشرين سنة من مقتله، فأخبرني من شهد إخراج جمجمته وأعظم ساقيه بكبله وهي رميم، " وعند الله تجتمع الخصوم ". وما وقفت في
[ ٣ / ٤٣٠ ]
تأبين ابن عمار على شعر لأحدٍ من أهل العصر، غير بيت مفردٍ شهد أن المعتمد باشر قتله بيده، وهو لعبد الجليل حيث يقول:
عجبًا لمن أبكيه ملء مدامعي وأقول لا شلت يمين القاتل وكان عبد الجليل متعصبًا لابن عمار، مائلًا إليه بطبعه، إذ كان الذي جذب بضبعه، ونوه بذكره، ونفق من شعره، وعرفه بالمعتمد حتى استخلصه لنفسه، وأحضره مجالس أنسه.
ويتعلق بهذا القتل الشنيع، خبر غيب المسموع، في ذلك الأوان، وحديث ظريف من الحدثان، أخبرت به عن غير واحد من وزراء المعتمد، وذلك أنه لما مضت لقتل ابن عمار أيام،، حضروا مع المعتمد في مجلس أنس، فلما طابت الأنفس، وأخذت [٨٣ب] منهم حميا الأكؤس، وارتاح المعتمد وهز عطفه، وبدا على قسماته عطفه، سئل عن هذا الخبر المستظرف، الذي كانوا سمعوه من بعض السلف، وأقسموا عليه بتخليد ملكه في أن يحدثهم بحديثٍ كان إليه ينسب، وقالوا: هو من فم مولانا أطيب، فقال لهم كلامًا معناه لعل هذا الاستخبار عن شأن ابن عمار، قالوا: أجل، وطفقوا يفدونه بالأنس، وأكثروا في وداده من شربٍ الأكؤس، فأخبرهم أنه كان أيام مقامه بشلب، قد غلب ابن عمار على نفسه، وأخذ بمجامع أنسه، فأمره وأخذ عليه - إذا دعا أصحابه - أن يكون أول داخلٍ وآخر خارج، ليانس به ويتمتع بأدبه، فيجده ينفر
[ ٣ / ٤٣١ ]
نفار الشارد، ويتسلل من مجلسه تسلل الطريدة من يد الصائد؛ فلما أبى إلا اطرادًا عن أصله، وطال ذلك عليه من فعله، تقدم إلى أصحاب سدته ليلة في ترقبه من مذهبه، وأنذر وتهدد، وأقام في ذلك وأقعد، وقام ابن عمار كعادته، فلم يحفل المعتمد ليلته بمكانه، لما كان قدم في شانه؛ فلما انفض من كان عنده، التمسه ففقده، وطلبه منتهى جهده فما وجده، وأحضر من كان أوصى فيه إليه، فأخبر أنه لم تقع له عين عليه، فرابه أمره، وخفي عنه سره، فشهر فيما بلغني سيفه وأخذ الشمع بين يديه وجعل يطلبه حيث يحسبه ولا يحسبه، فلما انتهى إلى بعض الدهاليز إذا بحصير مطوي، وابن عمار فيه أغمض من سرٍ خفي، عريان كالأفعوان، فأمر بحمله، وهو قد تعجب من فعله، فلما استقر بالمعتمد المجلس، جعل يبسط جانب ابن عمار ويؤنس، وابن عمار يبكي فيضحك، ويشكو فيشكك، فلما سكن قليلًا، وأفرخ روعه، ورقأ دمعه، سأله عن شأنه فأخبر أنه كلما كانت تأخذ منه الشمول سمع كأن قائلًا يقول: يا مسكين، هذا يقتلك ولو بعد حين، كلامًا هذا معناه، فلا يزال يطلب الأنس بوسعه فيبعد عليه ذلك ويمتنع، حتى يصنع ما يصنع، إلى أن كان له معه الذي قدر.
ومن مقاله في أثناء اعتقاله هذه القطعة البديعة:
يقول قوم إن المؤيد قد أحال في فديتي على نقده
[ ٣ / ٤٣٢ ]
يا قوم ماذا الشراء ثانيةً ترى لمعنى يريب من عنده -!
أوحشني والسماح عادته سماحه بالغلاء في عبده
الحمد لله إن يكن حرجًا فليس في مثله سوى حمده
وحيلة إن وصلت حضرته جعلتها رغبةً إلى جنده
لو سامحوا في الفرند أرمقه من طرفه لم أخفه من غمده
يا رب بشر برحمةٍ وحيًا يؤنس من برقه ومن رعده ومنهم الوزير الكاتب أبو الوليد حسان بن المصيصي
وهو أيضًا من شلب، ومن ذلك الأفق طلعت نجوم الكلام، فأضاءت البلاد، ونشأت غيوم النثار والنظام، فطبقت الهضاب والوهاد؛ إلا أن حسانًا هذا وصاحبيه أبوي بكر: ابن عمار وابن الملح كانوا هنالك رؤساء الأمة، ورؤوس إجماع الأئمة، ونجمت دولة المعتمد ابن عباد بتلك البلاد وهم أغصان دوحةٍ، وأخدان غدوةٍ إلى طلب العلم وروحةٍ، يتدارسون
[ ٣ / ٤٣٣ ]
آياته، ويتبارون إلى أبعد غاياته، ولكل دليل في السنا مشتهر، وسبيل إلى العلياء مختصر. ونهض تصريف المقدار منهم بابن عمار، فشب عن طوفه، بالحمل وأوقه، وبلغ المبلغ الذي استغنى باشتهاره عن تكراره، وتبعه هذان في الانقطاع إلى الدولة، يحسبان كل بيضاء شحمة، ويتخيلان كل ضوء نجمة، ولله في بريته أقدار يمضيها، ومن مشيئته أسرار يتفرد بها فيخفيها؛ فلم يحصلا إلا على لبس ما خلع [٨٤أ] والارتسام حيث أشار ووضع؛ فأما ابن الملح فإنه نفر نفرة الأنف، وفر فرار الحنق الأسف، مؤثرًا للانزواء، على الاستخذاء، مكتفيًا بالدون، من التصرف على الهون، وكانت له خلال ذلك مدائح يهديها، ورحل إلى الحضرة يحمل على نفسه الأبية فيها، فيطرأ جديدًا، ويصادف عهدًا بها بعيدًا، فيؤوب ضخم العياب، محمود المقام والإياب. وأما حسان هذا فصدق الحملة، ولزم الجملة، مغتبطًا بما خول، جاعلًا نفسه حيث جعل، ورضي من ابن عمار بوطء عقبه، ولزوم مركبه، وابن عمار يرعاه لمكانه، ويخاف انتباه المعتمد لشانه، حتى زاحمه أخيرًا بالأديب أبي محمد عبد الجليل، فأقرا له بالفرق، وأخذ منهما جميعًا قصبات السبق. وكان ابن عمار بعد ذلك كله
[ ٣ / ٤٣٤ ]
كلما مر ذكر عبد الجليل ألقى بيديه، وشهد له بالفضل عليه، وليست الحظوظ بالأقدار، ولا الأمور على الاختيار، ولما أنشأ المعتمد لابنه الفتح، دولته بقرطبة المتقدمة الشرح، أصحبه حسانًا هذا كاتب سره، وصاحب أكثر أمره. وقد أخذت من شعره أعدل شاهدٍ على ما أجريت من ذكره.
جملة من شعره في المدح وما يتصل به
له من قصيدة أولها:
أضاء بك الأفق الذي كان أظلما وقد لحت في الإكليل بدرًا متمما
على أي وجهٍ لم يشعشع طلاقةً وفي أي ثغرٍ لم ينور تبسما
وقد صغت من ذاك المحيا وحسنه صباحًا ومن تلك الخلائق أنجما
إذا غبت عن ارضٍ تمثل أهلها " عسى وطن يدنو بهم ولعلما " ومنها:
ألا قل لأرباب المخائض أهملوا فظل ابن عباد عليهن أينما
فهل تقتدي الأعلام فيك بحارها لتحظى بعقد السلم منك فتسلما
مع الله يمضو إن مضوا مع غيره ولله أحرى أن يفل ويغنما
ولدت مع الإقدام في ساعةٍ معًا ففداك في الهيجاء كونك توأما
[ ٣ / ٤٣٥ ]
ولله عادات لديك جميلة يفيدك أريًا حيث تحسب علقما
ولو جبلي طي رميت بفرقةٍ لجاء أجا سلمى إليك مسلما
لذاك ابن عمار ثنى اذفونش طائعًا بسعدك حتى لو أمرت لأسلما
ولم يبق روميًا بفضلك مشركا وإن أشركوا بالله عيسى بن مريما
تفاءلت باسم الفتح لما لقيته لتفتح أمرًا خاله الناس مبهما
تلاقيتما للسعد بدرًا وكوكبًا أبًا لا يبارى في المكارم وابنما ومنها:
أراه وأرجوه وأنشر فضله فيملأ مني العين والكف والفما ومعنى هذا البيت الأخير كقول ابن شرف:
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ملء المسامع والأفواه والمقل وغلى هذا المعنى أيضًا ينظر قول الحسن على رأي بعض من فسر وهو:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر وقوله: " ولم يبق روميًا بفضلك مشركًا " كقول محمد بن هانئ:
[ ٣ / ٤٣٦ ]
لم يشركوا في أنه خير الورى ولذي البرية عندهم شركاء [٨٤ب] وله من أخرى فيه، أولها:
من استطال بغير السيف لم يطل ولم يخب من نجاح سائل الأسل
أعدتك صحبتك الأرماح شيمتها فانفذ نفوذ القنا في الأمر واعتدل
وإن أتتك أمور لم تعد لها فانهض برأيك بين الريث والعجل
أقدم على عجل وارغب على زهد واغلظ على رقة واسفر على خجل
حاز المؤيد مما قلت أفضله وزاد للفرق بين القول والعمل وهذا البيت الأخير مما بعد شأوه، وفات سروره، وتجاوز أكثر الحد عفوه.
ملك تواصله الدنيا ويهجرها سرًا ويلبس تقوى الله في الحلل
لا تحمدن زهد من لم يعط رغبته لعلة غض من جفنيه ذو الحول
وكم له سنة ضاء الزمان بها ضوءًا بلا لهب كالشمس في الطفل
تعطي الهواء ومتن الأرض غرته نورًا ونورًا عطاء الشمس في الحمل وهذا البيت لحسان من حسنات شعره، وأبين آيات ذكره، فيه توليد، شهد أنه شاعر مجيد:
[ ٣ / ٤٣٧ ]
تنهاه عفته عن أمر بطشته فالمشرتي عنده قاضٍ على زحل وهذا البيت أيضًا من مليح المنظوم، وله اختصاص حسن بأحكام النجوم؛ ومنها:
يطوي على نور إيمان جوانحه فالنفس من كوكب والجسم من رجل
لم يعق يومًا ولا احلولى لمسترطٍ وإنما هو بين الصاب والعسل
جر الذيول ولكن من جحافله على القتاد ولكن من شبا الأسل وهذا البيت أيضًا مما برز في لفظه ومعناه، وأراده كثير من الشعراء فأعياه:
فلم يطأ غير ما تحكي شمائله مع الجزالة من سهلٍ ومن جبل
جلالة أدخلت أملاك أندلس تحت الخناعة والإحجام والفشل
كأن ملكك أسنى من ممالكهم وأن دولتك العليا على الدول
لما دعا الغادر المضعوف قال له أخوه عنك: أخي لا تبك في طلل
صفحت عنه لآمال له سلفت وربما كره التفصيل للجمل
قد يدخل المسلم المخطي الجنان غدًا بنيتي أرتجي الغفران لا عملي وهذا البيت مما خلص فيه يقينه، وحسنت بخالقه ظنونه، وعسى الله أن يلقيه مآلها، فرب مرحومٍ بكلمة قالها.
وما أحسن أيضًا ما أنشدته للحسن بن رشيق، وقد منح من التوفيق
[ ٣ / ٤٣٨ ]
لسلوك هذا الطريق:
إذ أتى الله يوم الحشر في ظلل وجيء بالأمم الماضين والرسل
وحاسب الخلق من أحصى بقدرته أنفاسهم وتوفاهم إلى أجل
ولم أجد في كتابي غير سيئةٍ تسوءني وعسى الإسلام يسلم لي
رجوت رحمة ربي وهي واسعة ورحمة الله لي أرجى من العمل [٨٥أ] وفي هذه القصيدة يقول حسان:
لولا الكتائب لم تنظم مواكبها نظم العقود لكان الدهر ذا عطل
من كل معتقل بالبأس مخترطٍ للعزم، مدرع للحزم مشتمل
يقودهم من بني قحطان ذو بدعٍ من الندى والمعالي لا من النحل
ينبيك سؤدده عن صيد معشره فليس يزري أخير المجد بالأول
لا تعجبنك عليا لا قديم لها ولا تخل غرة ما ابيض بالكفل
بيض يمانون إن سلوا يمانيةً لم يعرف السيف في الهيجا من الرجل
وكم جلوا بالندى من ليل مفتقرٍ كأنه دمعة في جفن مكتحل
إذ كل نابتةٍ شوك بلا ثمرٍ وكل طائرةٍ شور بلا عسل
طلبت مثلهم في غير حيهم فلم أجد غرر الأفراس في الإبل
ما زال يندى على كفي بنائله حتى مسحت عللا عيني من بلل
من مبلغ يده أني نظمت لها شكرًا جعلت قوافيه من القبل
شكرًا ذكرت به من جوده سرفًا كأنه مفرغ في قالب العذل
[ ٣ / ٤٣٩ ]
لعل عذري في ذا الغزو قد عرفت أسراره بلسان صادقٍ مذل
وما الحروب ومثلي أن يشاهدها وإنما أنا حسان وأنت علي قال ابن بسام: وأظن حسانًا هذا لم يكن له علم بالسير، ولا تصرف بعلم الخبر، وقد رأيت جماعةً من أهل الأدب ينسبون حسان ابن ثابت ﵀ إلى الجبن، ويخرجونه من أهل الضرب والطعن، يحتجون في ذلك بقعوده عن رسول الله، ﷺ، في مغازيه وسراياه، وينشدون له في ذلك شعرًا أظنهم نحلوه إياه، وهي هذه الأبيات على رواية بعض الرواة:
أيها الفارس المشيح المطير إن قلبي من السلاح يطير
ليس لي قوة على رهج الخي ل إذا ثور الغبار مثير
أنا في ذا وعند ذاك بليد ولبيب في غيره نحرير ولا أمتري أنها منحولة إليه، ومفتعلة عليه؛ وبلغ من حججهم على ذلك حديثه في شأن اليهودي يوم الأحزاب المطيف بالأطم الذي كان النبي ﷺ، أحرز فيه النساء والأبناء، وإن حسانًا حض صفية بنت عبد المطلب على قتله وأخذ سلاحه، ويقولون لم تكن به قوة على سلبه، فضلًا عن حربه، وذهب عليهم أن حسانًا، ﵀، كان
[ ٣ / ٤٤٠ ]
قد أصيب في بعض حروبهم في الجاهلية، فقطع أكحله، وفي ذلك يقول:
وخان قراع يدي الأكحل ومن أدل شيءٍ على ذلك أنه هاجى في الجاهلية والإسلام أكثر من ثمانين شاعرًا، لم يصفه أحد بالجبن ولا عيره به، ولم يكن شيء يتعايرون به أشد. ولحسان أيام مشهورة، ومواطن في الحروب مذكورة، وكان ممن له كنيتان في السلم والحرب، كما كان الأبطال تفعل على عهده، كان يكنى في السلم بأبي الوليد، وفي الحرب بأبي نعامة.
وقد أولع ابن المصيصي [٨٥ب] بهذا المعنى فأعاده وأبداه، وألحمه وأسداه، وأعجبه ما اتفق له منه، حتى أخرجه إلى ما كان في مندوحةٍ عنه، والشعر ميدان ربما دعا الأرن إلى المراح، وأخرج السابق إلى الجماح، فقال من قصيدة يمدح بها المعتمد، وذكر نفسه وابن عمار:
كأن أبا بكر أبو بكر الرضى وحسان حسان وأنت محمد فأراد أن يعرب فأعجم، وأحب أن يضيء فأظلم، ونعوذ بالله من الخطل في القول، ونبرأ إليه من القوة والحول.
[ ٣ / ٤٤١ ]
وقول ابن المصيصي: " من مبلغ يده " البيت كقول ابن عبدون:
بلغ سلام فمي يدي ملكٍ غاب الملوك عن العلا وشهد وكرره ابن عبدون في موضعٍ آخر، فقال:
وبلغ عن فمي يده سلامًا كما أدنى الأزاهير الرباب وقول حسان: " ويلبس تقوى الله في الحلل " لفظ أبي الطيب:
وكساني الدرع في الحلل وقوله: " لا تحمدن زهد من لم يعط رغبه " البيت، معنى قد أكثر الناس فيه، وإن كان لحسان فضل بزيادة التشبيه؛ ومن شهوره قول حبيب:
إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له بعصفرها الدنيا فليس بزاهد وقد أحسن فيه أبو الطيب بقوله:
والظلم في خلق النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم وقال بعض أهل عصري:
تورعوا بين لا عزٍ ولا ظفر وأكثر الضعف محسوب على الورع
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وقوله: " كالشمس في الطفل " معنى بين النقصان، قصير الباع في مدى الإحسان، وفيه نقد أعرب عنه بعض أهل زماننا، ومن في طبقة ديواننا، وهو أبو حاتم الحجازي، وزاد فيه بقوله:
فكفى من الدينار صفرة وجهه الشمس صفرتها من اجل زوالها وقد نقله بعض أهل عصري إلى النسيب، فقال:
يعيبونها عندي لصفرة وجهها فقلت الهرقليات أوجهها صفر وقوله للمعتمد: " فلم يطأ غير ما تحكي شمائله ". البيت، أرى حسانًا مما بلح فيه سيره، ووقع طيره، هذا يطأ المعتمد فليت شعري ما يطأ غيره -!
وقوله: " من كل معتقل بالبأس مخترط " البيت من التقسيم المليح في القريض، الذي كثيرًا ما يتفق في هذه العروض، وهو شبيه بقول أبي سعد المخزومي:
ما يريدون لولا الحين من رجلٍ بالليل مدرعٍ بالجمر مكتحل وشبيه أيضًا بقول أبي تمام:
[ ٣ / ٤٤٣ ]
تدبير معتصمٍ، بالله منتقم في الله مرتغب، لله مرتقب إلى غير ذلك مما لا يحصى، والإحاطة لله تعالى.
وقال حسان من قصيدة أولها:
بياض أياديك تحكي الصفاح ومثل نفاذك تحذو الرماح [٨٦أ]
وأنبتت الحرب شوك القتاد وفتحت الورد فيها الجراح
وكم لك في السلم وجه حيي وكم لك في الحرب وجه وقاح
فما غير أصلك عود نضار ولا غير لخمك حي لقاح
فجودك صرف عداه المزاج وطبعك جد عداه المزاح
فلو كان خيمك من ماء كرمٍ لما شابه فيك ماء قراح
ألم تر غادر اسطبة حوى الخسر صفقته لا الرباح
سيدعى براقش أصحابه فقد دل منه عليهم نباح
فداسوا على قصد الذابلات تبكي دماءً عليها الصفاح
وغنى الحمام برقص الرؤوس ولذ اغتباق وطاب اصطباح
أيخفى علاك على ذي جفون ويطمع يبدو إليه الصباح
ولما زجرت بذكرك شعري تبين ينثال فيها المراح
[ ٣ / ٤٤٤ ]
ولولا أياديك خابت يدي ولم يور من زند فكري اقتداح
برقة معناه يسري كلامي إذا الخصر رق يجول الوشاح
وجدت معاليك أصلًا لشعري وهل نظم الدر لولا النصاح
لك الفضل أن طاب شكري ونشري بطيب الرياض تفوح الرياح وله فيه أيضًا من قصيدة:
ليس العلا إلا على كرمٍ أيقوم خط ما له سطح
من لخم أصلك يا مملك أم في الخط نبتك أيها الرمح
كأس المسرة قد سكرت بها والحد يلزمني متى أصحو
شد في الوغى لك منزلًا خشنًا لا يهلك الديباج والصرح
ودع الرياض لمن يلذ بها ما إن لغير مكارم نفح
أذكى من الآس النضير قنًا وأنم من ورد الربى جرح
إن النصاح من الورى خلق حتى الكواكب بينها النطح قال أبو الحسن: وهذه المقطوعة له من التحريض الحسن، لولا اعتراض المقادير أن تمر بأذن.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
وقال فيه من أخرى:
غنى الحمام ولو رآني ناحا وأعارني نحو الحبيب جناحا
ونعم كلانا فاقد محبوبه قلق، ولكني كتمت وباحا ومنها:
ثم انثنى ليعلمني ريقًا ومن قدمات سكرًا كيف يشرب راحا
فعففت عن رشفي مدام رضابه وجنيت من وجناته التفاحا
وثلاثةٍ خالطتها بثلاثةٍ ما ينتشق منه المتيم فاحا
المسك والشعر الملخلخ والدجى والوجه والكافور والإصباحا [٨٦ب]
ليس الملاحة في الوجوه تروقني يومًا إذا الأخلاق كن قباحا
سبحان من خص المؤيد بالعلا كملًا وعم بحبه الأرواحا
ملأت بطاعته القلوب أناته أضعاف ما ملأت لهاه الراحا
يا أهل قرطبة اغرفوا من بحره فطالما خضضتم الضحضاحا
هل لي إلى الشعراء من ذنبٍ سوى سبقي إلى عليائك المداحا
ومنابذ ناءٍ حذرت أناته ما غرني لما أتى وانزاحا
لا تأمنن مكر العدو لبعده إن امرأ القيس اشتكى الطماحا قال ابن بسام: وخبر الطماح على ما ذكر الرواة: رجل من بني
[ ٣ / ٤٤٦ ]
أسد كان امرؤ القيس قتل أخاه، فلما توجه إلى أرض الروم مع صاحبه عمرو بن قيثمة الذي يقول:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ووصل إلى قيصر وأكرمه، ووجه معه جيشًا فيه أبناء الملوك، فلما فصل أتى الطماح فوشى بع إلى قيصر، وقال: إنه أعرابي عاهر يشبب بابنتك في شعره، ويشهرها عند العرب، فبعث إليه قيصر بحلة منسوجة بالذهب مسمومة، وقال: إني أرسلت إليك بحلتي تكرمةً، فالبسها باليمن والبركة، فسر بذلك ولبسها، فأسرع إليه السم، وسقط جلده، ولذلك سمي ذا القروح، وقال في ذلك:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ليلبسني من دائه ما تلبسا
ولو أنها نفسي تموت جميعةً ولكنها نفس تساقط أنفسا وقد كرر معنى هذا البيت وأوجزه بقوله:
وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي أي اقتليني جملة ولا تنوعيه. وإلى هذا المعنى ينظر من طرف مريب
[ ٣ / ٤٤٧ ]
قول عبدة بن الطيب:
فما كان قيس هلكه هلكٍ واحدٍ ولكنه بنيان قومٍ تهدما هذا على تفسير من جعل هلكه هلك جميع من اتبعه وعاش في رفده، كما قال الآخر:
ولكن الرزية فقد قرمٍ يموت لموته خلق كثير وأبين منه وأولى بقول امرئ القيس قول المجنون:
وعروة مات موتًا مستريحًا وها أنا ميت في كل يوم لا بل أشبههم عندي بقول امرئ القيس ذي القروح، قول قيس ابن الذريح:
تساقط نفسي حين ألقاك أنفسًا يردن فما يصدرن إلا صوايا وتمام الحديث عن امرئ القيس أنه رأى هنالك حين احتضر قبر امرأة من بنات الملوك، في سفح جبلٍ يقال له عسيب، وأخبر بقصتها فقال:
[ ٣ / ٤٤٨ ]
أجارتنا إنا غريبان ها هنا وكل غريبٍ للغريب نسيب ومات فدفن إلى جنب تلك المرأة. وروي أن امرأ القيس دفن بأنقرة الروم، وأنهم اتخذوا صورته كما يفعلون بمن يعظمونه. وحدث المأمون أنه مر بأنقرة ورأى صورة أمرئ القيس قال: فإذا رجل مكلثم الوجه، يريد مستديره؛ وقيل المدفون بعسيب صخر أخو الخنساء، وهو القائل:
وإني مقيم ما أقام عسيب رجع:
وقال حسان بن المصيصي:
روض الشباب تناوبت أزهاره وليّ بنفسه وجاء بهاره [٨٧أ]
ود المها لو أن أسود لحظه أضحى خضابًا حين شاب عذاره
قد كان يعجبهن خفة حلمه فالآن ساء الغانيات وقاره
ترك الذي اشتمل الكثيب إزارها منه الذي اشتمل العفاف إزاره ومنها:
إني على هذا لأسمع بالصبا فيسرني ممن صبا أخباره
[ ٣ / ٤٤٩ ]
ومنها في المدح:
هو أعرف الكرماء، إن سميتهم جهلوا، ودل على اسمه إضماره
لا تعذلنه على إهالته اللهى في كيمياء المجد بان نضاره
لا تغترر بالبشر من سطواته فالسيف فيه فرنده وغراره
يأبى لمولاي الهوان وظلمه كأبي عرارٍ إذ أهين عراره
لا يستطيع النكس ينطق باسمه وانظر كما حمل اسمه ديناره
قل للمؤيد إذ تقليه ابنه إن الدجى متشابه أقماره
يحكيك في شأو العلاء وإنما تجري إلى أمد الجواد مهاره
إن تمضه رمحًا فأنت وشيجه أو توره قبسًا فأنت عفاره وقال يداعب ابن جمهور:
شكوت إليه بفرط الدنف فأنكر من علتي ما عرف
وقال الشهود على المدعي وأما أنا فعلي الحلف
[ ٣ / ٤٥٠ ]
فجئنا ابن جمهورٍ المرتضى فقيه الملاح وقاضي الكلف
وكان بصيرًا بحكم الملاح ويعلم من أين أكل الكتف
فأومى إلى الخد أن يجتنى وأومى إلى الريق أن يرتشف
وقال له جاهدًا في انتصافي دعوا يا مخنيث هذا الصلف
كذا تقتلون مشاهيرنا إذا مات هذا فأين الخلف -! وأرى حسانًا أراد أن يسلك من هذه السبيل، مسلك ابن معمرٍ جميل، في قصيدته حيث يقول:
وقلت لها: اعتديت بغير جرمٍ وغب الظلم مرتعه وبيل فجاء بين الشعرين ما بين الشاعرين، وبين القطعتين ما بين الزمانين؛ على أن محاسن حسانٍ كثيرة، وحسناته مشهورة، وإنما ألمعت منها بقليل، لزهدي في التطويل.
[ ٣ / ٤٥١ ]
ومنهم الوزير الفقيه أبو بكر بن الملح
قال ابن بسام: وأبو بكر، فرد من أفراد العصر، وهو من بيت أصالة، وبحبوحة جلالة، وفارس ميداني الزهد والبطالة، وشاعر ناد، وخطيب أعواد، غبر صدرًا من زمانه لا يحفل بعاذل، ولا يصغي في الفتوة إلى قول قائل، وكان في ذلك أحسن من التوريد في الخد، وبمكان الحلمة من النهد، والدين في أثناء [٨٧ب] تلك الوهلة، وبين خصاصات تلك الغفلة، يستطيل غيبته، وينتظر أوربته، فلما أقصر باطله، وأسمعه عذاله وعواذله، تلقاه باليمين، واشتراه بالثمن الثمين، فأصبح سجير عنزة ومنبر، وأمسى سمير مصحف ودفتر؛ وفي ذلك يقول من أبيات:
وكنت فتى الكاس عهد الشباب فصيرني الشيب شيخ الدعاء ومد لأبي بكر هذا العمر وعاش إلى وقت تحريري هذا المجموع سنة خمسمائة، وتوفي ﵀ في شهر رمضان منها؛ وقد أثبت من شعره ما يملأ الأسماع بيانًا، ويبهر الطباع حسنًا وإحسانًا.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
ما أخرجته من شعره في النسيب وما يناسبه
قال:
حسب القوم أنني عنك سالي أنت تدري سريرتي ما أبالي
قمري أنت كل حين وبدري فمتى كنت قبل هذا هلالي
أنت كالشمس لم تغير ولكن حجبت ليلها حذار الملال
ما مللنا فكان ذا غير أنا قد حسبناه من صروف الليالي وقال:
ظبي يموج الهوى بناظره حتى إذا ما رنا به انبعثا
مبتدع البخل لا كفاء له يعد شكوى صبابتي رفثا
أنكر سقمي وما قصدت له وما تعرضت للهوى عبثا
أقسم في الحب أن أموت به فما قضى بره ولا حثا وقال:
حبيب إلينا أن نراك على طيب حرامًا بشرب الراح من كل تأنيب
تكسبك الصهباء فضل خلائقٍ وعندك فضل آخر غير مكسوب
[ ٣ / ٤٥٣ ]
ومن قصائد ابن الملح المطولات في المدح
قال من قصيدة في المعتمد أولها:
سكن اشتياقك ما عدا عما بدا أرويت أم حمت الخطوب الوردا
لم يطف وجدك إنما هي شعلة كالسيف جرده المقام وأغمدا
والعضب يستره القراب وربما خشنت مضاربه الرقاق من الصدا
والروض يبعث بالنسيم كأنما أهداه يضرب لاصطحابك موعدا
سكران من ماء النعيم وكلما غناه طائره وأطرب رددا
يأوي إلى زهرٍ كأن عيونه رقباء تقعد للأحبة مرصدا
زهر يفوح به اخضرار نباته كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهم ظله بالصبح في عين القرارة مرودا
قد خف موقعه لديه وربما سمح النسيم بعطفه فتأودا
أعلى محل الشعر أن قصائدي جعلت مديحك بالمعاني مقصدا [٨٨أ]
خطبته تركب بطن كفي منبرا ودعتك تعمر ظهر كفك مسجدا
أثقلت أعناق المآرب لؤلؤًا وملأت آماق البصائر إثمدا
[ ٣ / ٤٥٤ ]
كم قد ركبت إليك كاهل همةٍ كادت تغالط في أخيه الفرقدا
أبغي لديك العيش أخضر يانعًا فأجوب جنح الليل أسفع أسودا
يقظان تحسبني الكواكب ناظرًا فيها يراقب للغزالة مولدا
وإذا تكنفني النهار لبسته وهجًا لفوحًا أو سرابًا مزبدا
رطب الجوانح في اليباب كأنما اس تهديت في الماء الخفي الهدهدا قال ابن بسام: لو قطع المفازة التي اهتدى فيها أصحاب رسول الله، ﷺ، ببيت الضليل حيث يقول:
تيممت العين التي عند ضارجٍ يفيء عليها الظل عرمضها طامي ما زاد على ما وصف، فكيف في رقعة من الأرض مساحتها يومان، لراكب أتان، أكثر بلاد الله ماءً، وأرطبها هواء، إلا أنه والله قال فأجاد، وخيل فسحر وزاد. ولبس هذا البيت في شعر امرئ القيس في أكثر الروايات. وفي العرب عشرة رجال يسمون كلهم بامرئ القيس.
وروى ابن الكلبي قال: جاء قوم إلى النبي ﷺ، فضلوا في طريقهم ووقفوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثًا لا يقدرون على الماء، فجعل رجل منهم يستذري فروع السمر والطلح، فبينما هم كذلك إذ أقبل رجل راكب على بعير، فأنشد بعض القوم بيت امرئ القيس المتقدم الذكر، فقال الراكب: ما كذب، هذا والله ضارج عندكم، وأشار إليه، فأتوه
[ ٣ / ٤٥٥ ]
فإذا ماء غدق غطاه العرمض، والظل يفيء عليه، فشربوا منه وارتووا، فلما بلغوا النبي، ﷺ، وأخبروه القصة، قال لهم: ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، خامل في الأخرى منسي فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار.
وقال ابن الملح من أخرى في المعتضد بالله:
نشرت للحمد طيبًا عن شذا نفسٍ بعثته عن ضمير غير متهم
فنورت بالقوافي روضة أنف في تربة العقل تسقى وابل النعم
لي الثواب فلم أرجع لمشكلةٍ عن اليقين ولم أعكف على صنم
لي همة ما يزال الدهر يطلبها وما تزال من التأميل في حرم
وما تحملتها في ظهر فاحشةٍ ولا وقفت بها في برزخ التهم
ما لي وللناس عمت لي منابتهم تباين اللمس ولم تضغط بمزدحم
تمزقت بردة الإنصاف بينهم في منكبي ولم تضغط بمزدحم
ليقصر الدهر خصمي لست مكترثًا من الخصوم وفي بيت الندى حكمى وله فيه من أخرى:
قد صرت في أخرى المقاصد فانصرف وشرعت في شتى الموارد فاصدر [٨٨ب]
واختر لهذا الدر أجياد العلا يزدن فحسن الجيد زين الجوهر
واشهد صروف الدهر تظفر عندها بالظافر ابن أبي الكرام وتنصر
فصغير مرأى العين عن بعد المدى كالنجم أصغره تنائي المنظر
[ ٣ / ٤٥٦ ]
وهذا كقول المعري:
والنجم تستصغر الأبصار صورته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وقال منها:
حاز السناء وما أسن وإنما نمت الفروع بطيب ماء العنصر
من معشر يمسي ويصبح طفلهم من حب [] العلا في معشر
ألفوا مضاجعة الظبا بمهودهم وولوا مطاولة الوشيج الأسمر
فلتحفظ الأيام منهم عصبةً سكنت بأرجاء الوغى والمنبر
ثبتوا على الأصل القديم فأثبتوا نسب الكواكب في قبائل حمير
وبنوا على السعي الجميل فبينوا أن المكارم في تراث المئزر
ولتحفظ الأيام سالف أمةٍ ملأت مفاخرهم فروج الأعصر
بقي الثناء عليهم فكأنما ركبوا المنابر في بطون المقبر ومنها:
أهدى إليك الود عبد يدعي شرفًا بصهر في بنات المحبر
طابت موارده لديك كأنما وقفت ركائبه بريف الكوثر
وسما يبلغه إليك كأنما قطع المراحل في بروج المشتري
[ ٣ / ٤٥٧ ]
نقل الوداد على قطار قصائدٍ رتعت زمانًا في جناب الدفتر
يحملن طيب الحمد فيك كأنما ينشرن بالفلوات طيب العنبر وله فيه من أخرى:
ضمانك ملء الأرض كالأخذ باليد لذلك هول الأمر بالغد في الغد
لذلك يبدو الموت نارًا ولجةً على صفحتي صمصامك الواقد الندي
لذلك مادت بالرماح صعادها وليست لوهي في الكعوب بميد
يهز بها أعطافه كل باسلٍ رحيب ذراع أو طويل مقلد
على شزبٍ لو سايرتها خطوبها عرضن عليها من وجوه التجلد
يصلن السرى والماء غور كأنما حملن عصا موصى على كل جلمد ومنها:
له جدول من صارم متسلل إلى غصن من ذابل متأود
هناك ربيع للسيوف مرجس قريب أوان من ربيع مورد وهذا كقول أبي العلاء:
روض المنايا على أن الدماء بها وإن تخالفن أبدال من الزهر وقال ابن شهيد من شعر قد تقدم: [٨٩أ]:
[ ٣ / ٤٥٨ ]
فذا جدول في الغمد تسقى به المنى وذا غصن في الكف يجنى فيثمر وقال المتنبي:
أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه وأترك الغيث في غمدي وأنتجع وقال ابن الملح من أخرى:
أوطأن في ظبة الحسام توسدي ومزجن كأسي في لهاة الأرقم
وإليك من نار الحياء بوجنتي وهجًا تحف به عيون المرزم
ولكم لقيت الهم يملأ أرضه بأحم طامي اللجتين عرمرم
وتركت ذاك الجيش نهبًا للظبا متخاذل الأنصار مطلول الدم
حتى إذا رمت الليالي جانبي من كل ناحية بكل الأسهم
خطمت بحبل الشيب أنف شبيبة قد كان قبل صروفها لم يخطم
لو كنت أقدر قادرٍ لم أجزها إني لأزهد في عقاب المجرم
إني لأقبض في مراجعها يدي ولو احتديت بها فروع الأنجم
وأرد عزمي والحقيقة مطلبي وأبيح حظي والكريمة مغنمي
أنا ضاحك للدهر ضحكة شامتٍ إن كان يعبس للندى المتبسم
قصد الزمان الآملين بحربه وأتيت في الغمرات أول مقدم
وعلمت أني إن أصل بمحمد أنفذ على ضيق المكر وأسلم
الله أكبر لو قضى لخليفةٍ بمزية العلم الذي لم يعلم
[ ٣ / ٤٥٩ ]
لرووا حديث النفس غير مرجمٍ وتيقنوا التنزيل غير مترجم
يا أيها البشر المنزه جملةً للمجد قبل إشارة المتكلم
خذ بالندى والبأس أعدل وجهةٍ وافرض ليومك بالمآثر واقسم
واحطم عداك مكايدًا ومكابدًا واثأر بسيفك للقنا المتحطم
واقنع بعذر من قناك فإنه نبأ لرمح ربيعة بن مكدم
بيديك صعدته، وكل قبيلة جثم وكل الأرض وادي الأخرم وله من أخرى في المعتضد بالله:
سروا تحت ليلٍ في الظلام بهيم مكلل آفاق كليل نجوم
تواصوا بأعمال الشقاوة بينهم وعاذروا بشيطان هناك رجيم
مقامة شربٍ ما قضوا حق مجلسٍ ولا فرحوا في سكرهم بنديم
ولا وجدوا برد السرور كأنما أديرت على الأقوام كأس حميم
مذاهب سوء غيرت من معاشرٍ نفوسًا فلم تسلم لها بجسوم
تحاموا بلادًا مزقتهم كأنما مضت في رباها عاصف بهشيم [٨٩ب]
سروا تحت أطراف الرماح كأنها شياطين ضلت تحت رصد نجوم
ومالوا على حد السيوف كأنما تميل إلى آذانهم بنميم
كأن المنايا دانت نفوسهم فحلت على عسر حلول غريم
[ ٣ / ٤٦٠ ]
ومنها:
ألا فخاطبوا للعقول فإنها وإن رخصت يومًا بنات كريم
ولا تبخسوها في المهور فإنها إباء سنيٍ في الملوك عظيم وقال من أخرى أيضًا:
كم قصر أنس لهونا في مطالعه قد عاد والعهد دانٍ موحش الطلل
فمن مغن بألحان المنى غرد وشارب بين طاسات الهوى ثمل
وغافل بالصبا عن قطع مدته قد راش أجنحة الأيام بالجذل
حتى إذا جئت آمالي تحرف لي خطب دفعت به في غرة الأمل
إذا الهوى فاض طوفانًا ركبت له فلك العزاء ولم آوي إلى جبل
لولا الحياء وقد شبت معاركه لقد كشفت لثام الصبر عن بطل ومنها:
ضاق الزمان بما حطت من قضب في رعيهن وما قصدت من أسل
لا تغمد البيض إلا في ضرائبها حتى لقد عادت الأغماد للقلل
رواق ملكك بالأسياف ذو طنب وبرد مجدك بالأرماح ذو خمل
وباب حربك مفتوح لقارعه عن قسور أهرت الشدقين ذي عصل
كأنه بكم والله يكلؤكم يقضي على الدهر أو يختار للدول
لو كانت الشمس من خدام دولتكم والعدل ما العدل لم تبرح من الحمل
[ ٣ / ٤٦١ ]
قال ابن بسام: ولم أسمع بمثل هذا البيت لمن سبق، فإن كان اتباعًا فما أحسن ما أرق، وإن يكن اختراعًا فما أولى وأخلق.
وفي هذه القصيدة يقول:
كم حطتم من ضياع في الأنام وكم وصلتم من شتيت غير متصل
بسنة كسنان الرمح ماضيةٍ ومذهب كقناة الرمح معتدل
مدحتكم حيث لا فخر أزيدكم فقد كحلت عيونًا جمة الكحل كما أن هذا البيت أشار فيه أبو بكر إلى التقصير، فلعله أراد أن يجعله في شعره تميمة من الفتور، وأحسن مما انتحاه، قول بعضهم في معناه:
لم أفدك المديح إلا لنفسي ليس للسيف إربة في الصقال وقال ابن الملح:
لا حد للوجد إلا أنت عارفه كأن قلبك للأشواق ميزان
ولا صبابة إلا أنت واسعها كأن صدرك للأشجان ميدان [٩٠أ] ومنها:
سرنا نراقب إعلان الصباح بنا كأننا في ضمير الليل كتمان وهذا كقول الصاحب بن عباد:
كأني سر والظلام ضمير
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وقال أبو الطيب:
سريت وكنت السر والليل كاتمه وقال أبو الوليد بن زيدون:
سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا وفيها يقول ابن الملح في المدح:
هو المقر العلا والخيل سارحة واللابس الحمد والصمصام عريان
والمبصر الرشد في أقصى مطالبه والناس من فتنة الأهواء عميان
تاهت بمجدك قحطان وعدنان وقد تخاضع يونان وساسان
وسار ذكرك والأفواه تنقله حتى تطارح فيه الإنس والجان
وشك في العصر أقوام فقلت لهم فلان في ثقليها لا سليمان
ذكيت جودك حربا والعدا جزر وسيفك النار والأطيار ضيفان
همى عليها من الموت الزعاف حيا مجلجل بصليل البيض حنان
وماج فيه وريح البأس تنسجه جيش هو اليم والأسياف خلجان
وللدماء غدير فوق ضفته للجيش دوح وسمر الخط أغصان وله من أخرى يصف حلبة الخيل:
خوافق قد ريشت بأجنحة الهدى فطارت ببحر الروم كل مطار
فهن بشد الجري عقبان شاهق وهن بألحان الصهيل قماري
[ ٣ / ٤٦٣ ]
بكل مباه بالسلاح كأنما يجر من الخطي فضل إزار
مهين لدنياه يظن حياته إذا لم يمت في الله دار بوار
تسنم جدران المكاره فانتهى مآثر لم تحجب له بجدار
سقى من قليب الحرب أشجار مفخر تدلت له من ساعة بثمار ومنها:
فمن سابح ورد تجلبب خلقة بنسج دم قبل النتاج ممار
وأبلق كالريم المدمى مفضض تخال بشقيه مسال نضار
وأشهب تجلوه المعاني كأنما تزين منه زندها بسوار
وأشقر نوري يهب كأنه وقد قدحته الحرب مقبس نار
وأدهم كالليل البهيم تعلقت به تحت كم الفجر كف نهار
إذا ما علاه راكب فكأنه بغرته تحت المطالب سار
بلبته خيط المجرة فصلت له موهنا أوساطه بدراري
سفينة بر سخرت غير أنها تجوب من الإلهاب لج غبار [٩٠ ب]
تطأطأ من عون الطباع بحاذف وتهنأ من لون الأديم بقار
له خلق لولا توارد غيره على عتقه لم ينحرف لنفار ومن الحسن في تشبيه الخيل بالبحر، قول بعض أهل العصر، وهو الأديب أبو بكر ابن العطار اليابسي، من شعر أنشدنيه لنفسه ببطليوس
[ ٣ / ٤٦٤ ]
سنة ست وثمانين:
والجيش قد جعلت أبطاله مرحا تختال عن خيلاء السبق العتق
إذا تسعرت الهيجاء أخمدها ما في معاطفها من ندوة العرق
هي البحور ولكن في كواثبها عند الكريهة منجاة من الغرق والشيء يذكر بالشيء إذا ناسبه أو قاربه؛ كان للمتوكل فرس أخضر أغر محجل، وعلى كفله ست نقط بيض، فتناغت لمة من الشعراء يومئذ ببطليوس في صفته، فكل جهد جهده، وبذلك ما عنده، فما سبق إلى الغاية، ولا أخذ الراية إلا النحلي، على أنه مزجى البضاعة، في هذه الصناعة، فقال:
حمل البدر جواد سابح تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصا سابغا فالثريا نقط في كفله
وكأن الصبح قد خاض به فبدا تحجيله من بلله
كل مطلوب وإن طالت به رجله، من أجله في أجله بيته الثاني أراه أخذ من قول ابن صاحب الاسفيريا معناه:
[ ٣ / ٤٦٥ ]
لبس الظلام أديمه فبدا لنا من بين عينيه سنا جوزائه والثالث نبه عليه ابن نباتة ببيته:
وكأنما لطم الصباح جبينه فاقتص منه فخاض في أحشائه وما أراه نقل إلا لفظ ابن شهيد ومعناه، من جملة قصيد له قد أنشدناه، وهو قوله:
وكأنما خاض الصباح فجاء مبيض القوائم وقال فيه أبو بكر الداني:
لله طرف جال بابن محمد فحوت به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمه أهدى لأربعة الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسم تبغي هناك لوجهه تقبيلا ولأبي عبد الله بن عبد البر الشنتريني فيه جملة أبيات:
فعلى المحيا كوكب متلألئ وعلى القطاة بنات نعش تسطح
وكأنما عمر على صهواته قمر تسير به الرياح الأربع
[ ٣ / ٤٦٦ ]
ولم يحضرني من شعر أهل العصر في وصف هذا الطرف إلا ما أثبت، وكانت لهم عندي في صفته عدة مقطوعات وجملة أبيات، سقطت من ذكري، وطارت من شرك صدري، وتعلق بحفظي أشعار لمن تقدمهم من أهل هذا الأفق، ممن تقدم زمانه، وشهر إحسانه بالقول، في صفة الخيل، رأيت إثباتها، إذ لها موقع بهذا الموضع.
قال يوسف بن هارون الرمادي: [٩١ أ] .
وأبلق من شرط الطراد لزينة وأخوان ميدان ويوم قتال
فخضرته ثلث وثلثاه شهبة فأخضر قدام وأشهب تال
له لهب من دهمة فيه شبهة كعام صدود فيه يوم وصال
تدرع بدر التم حسنا وبهجة فألزم في حيزومه بهلال وقال أبو عامر بن عبدوس في صفة أشهب، حاشا عرفه كان أحمر:
يا حسن هذا الجواد حين بدا في شية لم تكن لذي بلق
قام عليه النهار مدعيا فاعترفت عرفه يد الشفق
[ ٣ / ٤٦٧ ]
وقال أبو بكر بن حجاج:
وأشهب صافي بياض الأديم له شية زانها عرفه
كبدر سماء بدا زاهرا وقد مس في شفق طرفه وقال ابن فتوح:
طرف يفوت الطرف شأوا عدوه ويضيق وسع الأرض عند مجاله
بيدي سواد الليل في إدباره ويريك وجه الصبح في إقباله
متبخرا تيها كأن لجامه إكليل كسرى لاح فوق قذاله
عقد الجياد بشأوه وجرى على عرق نماه علا إلى عقاله
ذرعت متن الأرض منه بذراع كادت تكون الأرض من أمياله
تعيا الرياح وراءه في لأيه ويكل شأو الدهر دون كلاله وقال الرمادي:
ومعارض للريح في حركاته لولا اللجام لجال كل مجال
ذو منظر حسن تضمن مخبرا حسنا وكان لزينة وقتال
حسنت به الحركات والمعشوق لا يصبي لغير براعة ودلال
حطمت حوافره السلام صلابة فكأنه من أوجه البخال
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وهذا كقول حبيب:
أيقنت إن لم تثبت أن حافره من صخر تدمر أو من وجه عثمان وأخذه البحتري فقال:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته يوما خلائق حموديه الأحوال وقال القسطلي:
سامي التليل كأن عقد عذاره في رأس غصن البانة المياد
يهدي بمثل الفرقدين وناب عن رعي السماك بقلبه الوقاد
فكأنما أطأ الأباطح والربى بعقاب شاهقة وحية وادي [٩١ ب]
وكأنه من تحت سوطي خارجا في الروع شعلة قادح بزناد وقال يحيى بن هذيل:
في خضرة مفترة في غرة كالصبح كشف عنه ليل أليل
يمشي العرضنة فهو يحكي بالطلى كيف الصدود عن الحبيب فيقبل
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وقال أبو تمام بن رباح من أهل عصرنا:
وأقب تنقد البروق إذا جرى من غيظها حسدا بأن لم تلحق
ملك الرياح قوائما فجرى بها فيكاد يأخذ مغربا في مشرق وقال فيه:
وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت وما خلت أن الريح ذات قوائم
لها في المدى سبق إلى كل غاية كأن لها فيه نفوذ عزائم
وهمة نفس نزهتها عن الوجى فيا عجبا حتى العلا في البهائم رجع:
بقية ملح ابن الملح:
له من قصيدة عتاب قال فيها:
لقد ظلمتني أمة ما خمشتها بلحظ وقد عمت حشاي ندوبا
توهمتهم سلما فسولمت ظاهرا وشبوا على ظهر المغيب حروبا
وثقت بهم في النائبات فأخلوا وكانوا إلى جنب الخطوب خطوبا
فكم صاحب منهم يبيت بقلبه بعيدا ويغدو باللسان قريبا
إذا لاح خير ذادني عن حياضه كما ذادت الزجر العرامس نيبا
وإن عن شر قادني نحو ضنكة جنيبا وأنى لي أقاد جنيبا
[ ٣ / ٤٧٠ ]
وآخر قد فاجأته الود أولًا بديهة ساعٍ ماجدٍ وأديبا
سريت له من حسن ظني بطالعٍ أمنت له حتى الممات غروبًا
وكنت أذا بل الوداد بلفظةٍ أدرت عليه بالمحبة كوبا
جفاني ولكني أهب بعشرتي شمالًا إذا هب الصديق جنوبًا
وآخر لم أسأل به من ولا ابن من فلست لما يرتاب منه طلوبا
نشرت له برد الإخاء كأنما خضبت بها في العارضين مشيبا
وكنت إذا رثت من الود بردة عليه صرفت الاهتبال قشيبا
سقى كأس حقدٍ فوق لحق نميمةٍ تشق قلوبًا لا تشق جيوبا
فماذا يرى العبدان في ذنب أمة رأت حسناتي في الوفاء ذنوبا
ومن ينكر الشكوى إلى الله منهم وقد ملأوا الصدر الرحيب وجيبا
سأغفر لا عجزًا ولكن سجية نمتني نجيبا أو ورثت نجيبا ومن شعره في الأوصاف
قال يصف سوار فضة مذهبًا، وأخبر عنه:
أنا من الفضة البيضاء خالصةً لكن دهتني خطوب غيرت جسدي [٩٢أ]
علمت عضي بما أحوي فأحسدني جري الوشاح فهذي صفرة الحسد وقال في شمامة فضة منيلة:
[ ٣ / ٤٧١ ]
أنا المدارة بين الكأس والطبق والمستعارة للآناف والحدق
أكون للورد والخيري آونةً وتارةً لغصون الآس والحبق
لولا صيانة جسمي عن مجاذبة لثارت الحرب بين النور والورق
خفت الزمان على تغيير عهدتها ففي إهابي آثار من الحرق
كأنني نقطة في الصحو صافية قد غيرت بعض لوني خضرة الورق وكان في بعض قصور المعتمد باشبيلية في من جملة التصاوير صورة من خالص اللجين على صورة الفيل، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع من الأفيال لا يشكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلدًا وقاحًا قلما يخشى هزالا فجلس المعتمد يومًا على البحيرة والماء يسيل، من فم ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، ومعه ابن الملح، فقال في ذلك عدة مقطوعات منها قوله:
كأنما النار عند الشمعتين سنا والماء من نفذ الأنبوب ينسكب
غمامة تحت جنح الليل هامعة في جانبيها جناح البرق يضطرب
[ ٣ / ٤٧٢ ]
وقال في ذلك:
ومشعلين من الأضواء قد قرنا بالماء والماء بالدولاب منزوف
لاحا لعيني كالنجمين بينهما خط المجرة ممدود ومعطوف وقال فيه:
وأنبوب ماءٍ بين نارين ضمنا هوىً لكؤوس الراح تحت الغياهب
كأن اندفاع الماء بالماء حية يحركها بالليل لمع الحباحب وقال فيه:
كأن سراجي شربهم في التظاهما وأنبوب ماء الحوض في سيلانه
كريم تولى كبره من كليهما لئيمان في إنفاقه يعذلانه
إذا هزه للجود برد سماحة أصرا على تثريبه يحرقانه في ذكر الأديب أبي محمد عبد الجليل بن هبون المرسي
شمس الزمان وبدره، وسر الإحسان وجهره، ومستودع البيان ومستقره
[ ٣ / ٤٧٣ ]
آخر من أفرغ في وقتنا فنون المقال، في قوالب السحر الحلال، وقيد شوارد الألباب، بأرق من ملح العتاب، وأرق من غفلات الشباب؛ وكورة تدمير أفقه الذي منه طلع، وعارضه الذي فيه لمع، وإنما ذكرته في هذا القسم الغربي مع أهل إشبيلية لأنها بيت شرفه المشهور، ومسقط عيشه المشكور، طرأ عليها منتحلًا للطلب، وقد شدا طرفًا من الأدب، وكان الأستاذ أبو الحجاج الأعلم يومئذ زعيم البلد، وأستاذ ولد المعتمد فعول عليه من رحلته، وانقطع إليه بتفصيله وجملته، وكانت له في أثناء ذلك همة تترامى به إلى العلا، ترامي السيل من أعالي الربى، وكان بين الأستاذين أبي الحجاج وأبي مروان بن سراج ما يكون بين فحلين في هجمة، وزعمين [٩٢ب] من أمة، فاتفق أن كتب ابن سراجٍ إلى المعتمد بشعرٍ بائي من شطر الوافر يمدحه فيه، وكأنه - زعموا - عرض بقرنه ومباريه، وأعلم بذلك الأعلم، فصمت عن جوابه وأحجم، وولاها عبد الجليل فأطلعه في أفقها قمرًا، ونبه منه لحربها عمرًا، فقال قصيدته البائية التي أولها:
[ ٣ / ٤٧٤ ]
هوى بين النجوم له قباب ومع أنها ليست لاحقةً بعيون شعره، لما سعها ابن عمارٍ خادم الدولة يومئذ طار بذكره، وأجناه ثمارها، وباهى به أقمارها، وخلع عليه أصائلها وأسحارها، ووافق من المعتمد ناقدًا بصيرًا، وعاشقًا قديرًا، فأغلى بتلك الأعلاق، وأقام له الدنيا على ساق، وقصر عبد الجليل على هواه، فلم يرحل إلى ملك سواه.
وكانت له كل عامٍ رحلة، يتعهد فيها بلده وأهله، فحدثني غير واحد أنه اجتاز بالمرية، في بعض رحله الشرقية، وملكها يومئذ قبلة الأمال، وقطب رحى الآمال، ومرمى جمار المدائح، أبو ابن صمادح، فاهتز لعبد الجليل واستدعاه، وعرض له بجملة وافرة من عرض دنياه، فلم يعرج على صفده، وبادر العيد - وكان قريبًا - بالارتحال عن بلده، وقال في ارتجال:
دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنى وركن المعالي من ذؤابة يعرب
فيا أسفا للشعر ترمى جماره ويا بعد ما بيني وبين المحصب ولما ابتدأت الفتنة بالمعتمد، بادر الخروج عن البلد، فلم يغن عنه نفاره وأدركه مقداره، على قربٍ من مرسية، لقي قطعةً من خيل النصارى فتورط فيهم، وقضى الله له بالشهادة على أيديهم.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وذكرت بمقتل عبد الجليل - ﵀ - ومفره أعجوبةً من الزمان وحديثًا ظريفًا من الحدثان: كان بحضرة إشبيلية أيام ماجت بها على المعتمد الفتنة، ودارت عليه رحى المحنة، أبو القاسم ابن مرزقان، من شعراء الدولة، ونبهاء أهل الحضرة، ممن مت إليها بقديم جوار، لا ببارع أشعار، وأدل عليها باسم مرزقانه، لا بفضل بيانه، وكان في بني عباد عجب بكثرة عددهم، وعصبية لأهل بلدهم، وكان أبو القاسم هذا حلو الحوار، نادر الأخبار، وكان به على ذلك توهم يخرجه إلى حين الفرار السلمي، وغفلة تشهد عليه بلوثة أبي حية النمري، وكان هو وعبد الجليل من بين سائر أهل القريض، في طرفي نقيض، هذا يتعصب لسلطانه بهواه، وعبد الجليل يقفو الصواب يزعمه ويتحراه، فكانا ربما اجتمعا فيكون بينهما بون بعيد، وشقاق شديد: فأما عبد الجليل فقد ذكرت الخبر عما فعل، وشرحت كيف قتل، وأما أبو القاسم هذا فإنه غرة القتال فأقدم عليه، وهيت له القتل فبرز إليه، على حال لو تخيل بها المجد لجحده، وفي يوم لو رآه دون الماء لما ورده، فأدركه سوعان الرجالة
[ ٣ / ٤٧٦ ]
فهبروه بالسيوف، وجرعوه أكره ما كان له من الحتوف، فصار حديثهما عجبًا من الخبر عجيبًا، ومثلًا في تصرف القدر مضروبًا، وكلاهما أنهب نفسه الأقتال، وذاق منيته على يدي من خال.
ولابن مرزقان هذا أخبار طريفة، ونوادر في الشعر معروفة، ونأخذ فيما بعد بطرف مستطرف منها، إن شاء الله.
وقد أثبت هنا من شعر عبد الجليل في مدحه الفائقة، وأوصافه الرائقة، ما يشهد أنه سابق الحلبة، وصدر الرتبة، وضاق ذرع هذا المجموع، عن تضمين ما له من البديع، فجمعت شعره على حروف المعجم في تصنيف ترجمته ب - " كتاب الإكليل المشتمل على شعر عبد الجليل " وكذلك فعلت في سائر أعيان الوزراء الكتاب، لم يتسع لاستيفاء محاسنهم هذا الكتاب، فجمعت في تأليف ترجمته ب - " سلك الجواهر [٩٣ أ] من نوادر ترسيل ابن طاهر " وفي تصنيف رابع وسمته ب - " كتاب الاعتماد على ما صح من أشعار المعتمد بن عباد " وفي كتاب خامس ترجمته ب - " نخبة الاختيار من أشعار ذي الوزارتين أبي بكر بن عامر ". ولبعض الناس إلى كلام بعض صغو، وذلك الكلام عند آخرين - على جودته - لغو، وإنما كان ذلك لتباين النحائز، واختلاف الغرائز، فاستوفيت في هذه التواليف لكل فرقة مرادها، وخلصت لها موادها، إن شاء الله.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
ما أخرجته من شعر عبد الجليل في شتى الفنون
من ذلك ما له في الرثاء والتأبين
من ذلك قصيدته في الأستاذ أبي الحجاج يوسف بن عيسى المعروف بالأعلم، أولها:
سبق الفناء فما يدوم بقاء تفنى النجوم وتسقط البيضاء يقول فيها:
نفسي وحسي إن وصفتهما معا آل يذوب وصخرة خلقاء
لو تعلم الأجبال كيف مآلها علمي لما امتسكت لها أرجاء
إنا لنعلم ما يراد بنا فلم تعيا القلوب وتغلب الأهواء
طيف المنايا في أساليب المنى وعلى طريق الصحة الأدواء
بتعاقب الأضداد مما قد ترى جلبت عليك الحكمة الشنعاء
ماذا على ابن الموت من إبصاره ولقائه هل عقت الأبناء
أيغرني أن يستطيل بي المدى وأبي بحيث تواصت الغبراء
[ ٣ / ٤٧٨ ]
لم ينكر الإنسان ما هو ثابت في طبعه لو صحت الآراء
ونظبر موت المرء بعد حياته أن تستوي من جنه الأعضاء
دنف يبكي للصحيح وإنما أمواتنا لو تشعر الأحياء
وسواء أن تجلى اللحاظ من القذى أو تنتضى من شخصها الحوباء
ما النفس إلا شعلة سقطت إلى حيث استقل بها الثرى والماء
حتى إذا خلصت تعود كما بدت ومن الخلاص مشقة وعناء قال ابن بسام: لعل عبد الجليل اكتسب في هذا البيت والذي قبله العمل بحقيقة النفس ما جهله في وصفه لها قبل أنها " آل يذوب " وما أعجب أيضًا قوله عن جسمه بأنه صخرة خلقاء، اللهم إلا إن كان عنى بذلك رأسه كان يلقب بالمدمغة. وذهب هنا من صفة النفس إلى مذهب كلامي، كقول بعض أهل بلدنا، وهو أبو عامر ابن سوار الشنتريني، من جمة أبيات:
يا لقومي دفنوني ومضوا وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتًا وبكوني أي جزأي بكوا
أنعوا جسمي فقد صار إلى مركز التعفين أم نفسي نعوا
كيف ينعون نفوسًا لم تزل قائمات بحضيض وبجو
ما أراهم ندبوا في سوى فرقة التأليف إن كانوا دروا
[ ٣ / ٤٧٩ ]
وهذا معنى فلسفي، قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء، حين [٩٣ب] ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الأعراب، فاسترحوا إلى هذا الهذيان استراح الجبان إلى تنقص أقرانه، واستجادة سيفه وسنانه؛ وقد قال بعض أهل النقد إنه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء، أو بألفاظ الفلاسفة القدماء؛ وإني لأعجب من أبي الطيب، على سعة نفسه، وذكاء قبسه، فإنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وذكاء المعري: كثر به انتزاعه، وطال إليه إيضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مآله، وعليه سؤاله.
وإنما سلك عبد الجليل في هذا المعنى سبيل القائل حيث يقول:
يا سالكًا موئلًا يكلمنا عرج أخبرك خالص الفائد
حسمك والنفس خلتا عرضٍ وكل خل لخله قائد
والنفس تلقى الخلود إن خلصت والجسم لا باقيًا ولا خالد وقال المتنبي:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمةً وقيل تشرك جسم المرء في العطب وقال:
[ ٣ / ٤٨٠ ]
إلف هذا الهواء أوقع في الأن فس أن الحمام مر المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجز والأسى لا يكون بعد الفراق وقال:
تمتع من سهاد أو رقادٍ ولا تأمل كرىً تحت الرجام
فإن لثالث الحلين معنى سوى معنى انتباهك والمنام وقال:
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجسام من تربه
يموت راعي الضأن في جهله ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره وزاد في الأمن على سربه وإنما نقل أبو الطيب هذا المعنى من قول أبي غسان المتطبب:
حكم كأس المنون أن يتساوى في حماها الغبي والألمعي
ويحل البليد تحت ثرى الأر ض كما حل تحتها اللوذعي
أصبحا رمةً تزايل عنها فصلها الجوهري والعرضي
[ ٣ / ٤٨١ ]
وتلاشى كيانها الحيواني وأدى تقويمها المنطقي وهذا كلام من الإلحاد، على غاية الإضمحلال والفساد، فليس تساوي الناس في الموت والفناء، حجةً في عدم البقاء، والمراتب في دار الجزاء.
ومن شعر أبي العلاء، في هذه الأنحاء، التي ولع بها أيضًا وشغف، وصرف كلامه فيها فتصرف، قوله:
والنفس أرضية في قول طائفةٍ وعند قوم ترقى في السموات
وكونها في طريح الجسم أحوجها إلى ملابس عنتها وأقوات وقال:
وأوصال جسم للتراب مآلها ولم يدر دارٍ أين تذهب روحها وقال:
والروح تنأى ولا يدري بموضعها وفي التراب لعمري يرفت الجسد [وقال]:
[ ٣ / ٤٨٢ ]
والعيش كالماء يغشاه حوائمنا فصادرون وقوم إثرهم وردوا [٩٤أ]
ومد وقتي مثل القصر غايته وفي الهلاك تساوى الدر والبرد وقال:
أما الصحاب فقد مروا وما عادوا وبيننا في لقاء الموت ميعاد
سيران ضدان من روح ومن جسد هذا هبوط وهذا فيه إصعاد وقال:
وفكري سل حب المال مني ووجدي بالحياة أطال شعفي
ستضربني الحوادث في نظري فتمحقني ولا يزداد ضعفي رجعت إلى ما قطعت من قصيدة عبد الجليل.
وفيها يقول:
كذبت حياة المرء عند وجودها وجد الحمام ومنه كان الداء
لله أي غنيمة غنم الردى ومن الفجائع غارة شعواء
من كان غرة جنسه حتى أمحت فإذا البرية كلها دهماء
جبل تقوض لو تشخص عظمه لتواصت الغبراء والخضراء
ومغيض ما قد غاض منه شاهد أن لا يدوم بحاله الدأماء
[ ٣ / ٤٨٣ ]
أكبرت نعي جلاله فنفيته وهو الجلية ما عليه خفاء
مات ابن عيسى من يقول به عسى شفقًا وليس مع الحمام رجاء ومنها:
أفلا حمته فضائل موفورة وجلالة تعنو لها العظماء
وأذمة في سر لخمٍ طالما خدمت رعاية حقها الأمراء
شهروا سلاح الدمع خلف سريره إذ لم يكن للباترات غناء
رحنا به بل بالسيادة والعلا والشمس نجم والنهار مساء
نطأ القلوب على سواء سبيله فالسير مهل والعثار ولاء
أخذ الأسى فيه البرود بثاره مما جناه الزهو والخيلاء
حتى إذا بلغوا به ملحوده قمنا به لو أنه الجوزاء
ضرب الهدى في لحده بيمينه فتناولته عرصة فيحاء
وأظله التنزيل يتلو نفسه بتلاوةٍ لم يؤتها القراء
مستصحبًا أعماله متأنسًا بزواهرٍ هي والنجوم سواء
ولربما استخلصت منا أنفسًا ملأت ضريحك والصدور جلاء
وهناك لو كشف الغطاء لناظرٍ حول القليب حديقة غناء
في الجب إذ يحوي سميك أسوة لو حم منك وقد حجبت لقاء
يا تربة استبقى سناه، ويا فلا لا تلحقنك جريمة شنعاء
الله في وفي جوانح رطبةٍ لم تخل من شفقاتها الأعداء
أبنيه نحن وأنتم شرع به وعلى المصاب بفقده شركاء
[ ٣ / ٤٨٤ ]
هزوا قوادمكم إلى عليائه قد رشحت أبناءها الفتخاء [٩٤ب]
أما وقد شبهت ماثل رسمه سطرا فثم الحكمة الغراء
واعجب لذاك الخطك في صفح الثرى أن حاز علمًا ما له إحصاء
أنى وسعت وأنت مضجع واحدٍ من هذه الآفاق منه ملاء
يا زائريه تكلحوا بصعيده كحل البصائر تلكم البوغاء
فغرت له فاها الجدالة فانطوى في طيها الإسهاب والإيماء
قسم الأنام تراث علمك فاستوى في نيله البعداء والقرباء
كنا عبيدك في اعتقاد نفوسنا إذ في اعتقادك أننا أبناء
يا ملبس النعمى يجر ذيولها لبست ثراك غمامة وطفاء
وبكت عليك الشمس حق بكائها أن كان قد تتفاقد النظراء
خذها علالة خاطر دلهته من حيث ينشط جاءه الإعياء
قامت تناوح فيك كل قصيدة ثقفتها وقناتها زوراء أنشدتها على توالي الانتخاب، حسبما صنعته في أكثر أشعار هذا الكتاب.
قوله: " أيغرني أن يستطيل بي المدى " البيت، يلمح من بعض الوجوه، وإن لم يشبهه كل التشبيه، قول أبي العلاء:
وقبيح بنا وإن قدم العه - د هوان الآباء والأجداد
[ ٣ / ٤٨٥ ]
وأبو العلاء إنما ذهب إلى قول أبي الطيب:
يدفن بعضنا بعضًا ويمشي أواخرنا على هام الأوالي وقوله: " وسواء آن تجلى اللحاظ " البيت، كقول التهامي:
واستل من أترابه ولداته كالمقلة استلت من الأشفار إلا أن عبد الجليل قد نفخ فيه روحًا، وسلك به مسلكًا مليحًا، وولد له إحسانًا صريحًا.
وأما قوله: " أكبرت نعي جلاله " البيت، فقل أحد من الشعراء قال بيتًا في الرثاء، إلا ولهذا المعنى أشار، وحواليه دار، لأنه من متداولات المعاني، قال صريع الغواني:
تأمل أيها الناعي المشيد أحق أنه أودى يزيد
أتدري من نعيت وكيف فاهت به شفتاك كان بها الصعيد وقال أبو الطيب:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
[ ٣ / ٤٨٦ ]
وقال أبو إسحاق بن معلى من أهل عصرنا:
وتلجلج الناعي به فسألته عن ذا الحديث لعله يرتاب وقال أبو الحسن ابن الجد:
تصاممت عنها مستريحًا إلى المنى وقلت عساها في الأحاديث بهتان وقال أيضًا بعض أهل عصرنا:
ونبهني ناع مع الصبح كلما تشاغلت عنه عن لي وغناني [٩٥ أ]
أغمض أجفاني كأني نائم وقد لجت الأحشاء في الخفقان ولبعضهم أيضًا في قريب منه وإن لم يكن به:
أيحيى وما أدعوك إلا تعلة نغالط فيك النفس حينا من الدهر
وإنا لندري أنه لا يجيبنا ولكن تخلينا فما ندري وقوله: " شهروا سلاح الدمع " البيت، كقول أبي الطيب:
يبكي ومن شر السلاح الأدمع
[ ٣ / ٤٨٧ ]
وقوله: " والشمس نجم " البيت، معنى أحسن فيه وإن لم يكن اخترع، فقد أحسن وأبدع اتبع.
وقوله: " نطأ القلوب " البيت، من قول التهامي:
كأن وخد مطاياهم إذا وخدت يطأن في حر وجهي أو على بصري وقوله: " أخذ الأسى فيه البرود " البيت، نبهه عليه ابن الرومي بقوله:
أخذت من رؤوس قوم كرام ثارها عند أرجل الأعلاج وقوله: " يا تربة استبقي " البيت، من قول المعري:
فيا قبر واه من ترابك لينا عليه وآه من جنادلك الخشن
لأطبقت إطباق المحارة فاحتفظ بلؤلؤة المجد الحقيقة بالخزن وقوله: " أنى وسعت وأنت مضجع واحد " البيت، كقول أشجع السلمي:
[ ٣ / ٤٨٨ ]
فأصبح في لحد من الأرض ميتا وكان به حيا تضيق الصحاصح وأجمع أثمة الأدباء، أنه لا فرق بين المدح والرثاء، إلا أن يقال:
أودى وعدم به كيت وكيت وشبهه، مما يعلم أن الممدوح ميت، هذا إذا كان المؤبن ملكا أو ذا صيت وقدر، كقول النابغة في حصن بن حذيفة بن بدر:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم فكيف بحصن والجبال جنوح وألفاظ النساء، أشجى في باب الرثاء، من كثير من الشعراء، لما ركب في طباعهن من الخور والهلع، وألفاظ الناس مبنية على كثرة التفجع كما قال حبيب:
لولا التفجع لادعى هضب الحمى وصفا المشقر أنه محزون ولذلك عروا المراثي من ألفاظ النسيب، وجرت بذلك سنة البعيد والقريب، على قديم الزمان، إلا ابن مقبل فإنه قال في رثائه لعثمان بن عفان ﵁:
[ ٣ / ٤٨٩ ]
لم تنسي قتلي قريش ظعائنًا تحملن حتى كادت الشمس تغرب ودريد في تأبين أخيه، تغزل أيضًا فيه، والشاذ لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه.
ومن أشد الرثاء صعوبةً على الشعراء، تأبين الأطفال والنساء، ألا ترى أبا الطيب - وهو الذي قال، فأصاخت الأيام والليال، قد عابوا قوله في رثائه أم سيف الدولة:
سلام الله خالقنا حنوط على الوجه المكفن بالجمال وقالوا: ما له هذه العجوز يصف جمالها - وتعصب له بعضهم وقال: إنها استعارة، فقيل: إنها استعارة حداد في عرس، وكذلك قوله في أخته:
ولا ذكرت جميلًا من فعائلها إلا بكيت ولا ود بلا سبب [٩٥ب] ولولا الإطالة، وأنها تفضي إلى الملالة، لزدنا، فلنرجع إلى ما وعدنا
[ ٣ / ٤٩٠ ]
من شعر عبد الجليل في المدح، وهو فيه فائز القدح
قال من قصيدة في المعتمد بالله، أولها:
بيني وبين الليالي همة جلل لو نالها البدر لاستخذى له زحل
سراب كل يباب عندها شنب وهول كل ظلام عندها كحل
من أين أبخس لا في ساعدي قصر عن المساعي ولا في مقولي خطل
ذنبي إلى الدهر إن أبدى تعنته ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل
يا طالب الوفر إني قمت أطلبها عليها تغنى بها الأسماع والمقل
لا كان للعيش فضل لا يجود به يكفي المهند من أسلابه الخلل
لكن بخلت بأنفاس مهذبةٍ تروي العقول وهن الجمر والشعل
إذا مدحت ففي لخمٍ وسيدها عن الأنام وعما زخرفوا شغل
وإن وصفت فكاليوم الذي عرفت بك الفرنجة فيه كنه ما جهلوا
وقد دلفت إليهم تحت خافقة قلب الضلالة منها خائف وجل
فراعهم منك وضاح الجبين وعن نشر الحسام يكون الرعب والوهل
وحين أسمعت ما أسمعت من كلم تمثلت لهم الأعراب والرعل
وكلما نفحت ريح الهوى خمدت ذماؤهم وسيوف الهند تشتعل
[ ٣ / ٤٩١ ]
جيش فوارسه بيض كأنصله وخيله كالقنا عسالة ذبل
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرحٍ كأنما التيه في أعطافه كسل ومنها:
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهم فالحرب جاهلة من منهم الأسل
لولا اعتراضك سدًا بين أعينهم لكان يغرق فيها السل والجبل
أنسيتها النظر الشزر الذي عهدت فكل عين بها من دهشة قبل
ترسلوا آل عبادٍ فربتما لم يدرك الوصف ما تأتون والمثل
إذا أسرتم فما في أسركم قنط وإن عفوتم فما في عفوكم خلل
يقبل الغل مرتاحًا أسيركم فهو البشير له أن تسحب الحلل قوله: " ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل "، أشار إلى قول حبيب:
وقد يكهم السيف المسمى منية وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآقة ذا أن لا يصادف مضربًا وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا وأخذه البحتري فقال:
وعذرت سيفي في تبو غراره إني ضربت فلم أقع بالمضرب ونعم ما نقله بعض أهل عصرنا، وهو أبو الفضل ابن شرف، وزاد
[ ٣ / ٤٩٢ ]
فيه حسن النقل وبراعة التشبيه فقال:
تقلدني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم وقال ابن عبد الصمد السرقسطسي: [٩٦أ]
ذل في ذا الزمان نظمي ونثري ذلة السيف في يمين الجبان وإن كان أبو الطيب سلك سبيلها، وكان في حسن مذهبه دليلها، حيث يقول:
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم وأتيناه على الهرم وقال أبو تمام:
نظرت في السير اللائي مضت فإذا وجدتها أكلت باكورة الأمم فجمع ابن شرف المعنيين، واتخذ طريقًا معلمًا بين الطريقين، وأجاد المعري في هذا المعنى ما أراد وزاد، حيث يقول:
تمتع أبكار الزمان بأيده وجئنا بوهنٍ بعدما خرف الدهر
[ ٣ / ٤٩٣ ]
فليت الفتى كالبدر جدد عمره يعود هلالًا كلما فني الشهر وقال:
كأنما الخير ماء كان وارده أهل العصور وما أبقوا سوى العكر وقال ابن شماخ من أهل عصرنا:
صفا للألى قبلي أتوا در دهرهم فلم يصف لي مذ جئت بعدهم عمر
فجاءوا إلى الدنيا وعصرهم ضحى وجئت وعصري من تأخره عصر وقال أبو جعفر المحدث من أهل عصرنا:
لقي الناس قبلنا غرة الدهر ولم نلق منه إلا الذنابى وقال عبد الجليل من قصيدة في ابن عمار:
قتلت بني الأيام خبرًا فباطني مشيب وما يبدو علي شباب
ولما رأيت الزور في الناس فاشيًا تخيل لي أن الشباب خضاب
وآليت لولا ملك لخم محمد لما كان ملك في الأنام لباب
ولولا ابن عمار وفاضل سعيه لأصبح ربع المجد وهو خراب
وما كان يؤتى المجد من حيث يبتغى ولا كان يدري للحوادث باب
[ ٣ / ٤٩٤ ]
ولا أحرقت أرض العدو صواعق ولا مطرت أرض العفاة سحاب
وما كان هارون أصح وزارةً لموسى، وهل دون السحاب حجاب
بعيد الرضى في النصح ما كان راضيًا لو أن له السبع الشداد قباب
نهوض ولو أن الأسنة مركب ورود ولو أن الحمام شراب
مضى مثلما يمضي القضاء وهزه همام يهز الجيش وهو هضاب
كما اقترنت بالبدر شمس منيرة له عن سناها في الخطوب مناب
فكايله صاع المودة وافيًا وكل مثيبٍ بالوفاء مئاب
ومن كأبي بكرٍ السماكين همة أناف عليها عنصر ونصاب
فلفظته يوم المهابة خطبة ولحظته يوم اللقاء ضراب [٩٦ب]
له سنة في الجد والهزل مثلما تدار كؤوس أو تدق حراب ومنها في وصف كلامه:
رقيق كما غنت حمامة أيكةٍ وجزل كما شق الهواء عقاب وله من أخرى:
أطلت في الدهر تصعيدي وتصويبي ودهر ذي اللب مضمار التجاريب
ورب أخرق لا يهدى إلى فمه أصاب غرة مأمول ومرغوب
وآفتي أدب بادٍ فضيلته من حيث يشفع لي قد صار يغري بي
كفى من اللحظ أني لا أنافس في حظٍ ومخبرتي تكفي وتجريبي
وقد أرى صورًا في الناس مائلةً أشيمها بين تحقيق وتكذيب
[ ٣ / ٤٩٥ ]
لما ملأت يدي منهم لأخبرهم نفضت كفي بأشباه اليعاسيب
بيض وجوههم، سود ضمائرهم فما حصلت على عرب ولا نوب
الصدق أولى بمن يبدي ضغينته لا تجعل الصدق في نعت الأصاحيب ومن المدح:
في حسن رأي عبيد الله لي عوض وفضله بدل من كل مطلوب
وإن صحبت فتأميلي لغرته وذكره خير مألوف ومصحوب
بذلك الوجه تجلى كل غاشيةٍ عن ناظرٍ بوجوه اللوم محصوب
عاد المصلى بوضاح أسرته تنبيك عن خلد بالفهم مشبوب
فاستقبلت قبلة الإسلام بدر علًا يمسي له البدر نجمًا غير محسوب
وغرةً تطلب الآمال قبلتها بين المحارب طرًا والمحاريب
أدنى المؤيد إذ شطت منازله فضلًا بفضل وتهذيبًا بتهذيب
كالطرف والقلب فيما بين ذاك وذا مسرى الضمير وتبعيد كتقريب يتطرف هذا، وإن لم يكن به، قول ابن الرومي:
كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا وتحويه دفتا حيزوم ومنها:
فبت من وصفه في غاية قذف والطبع ينجدني والفكر يسري بي
كأنني واجد من عرف سؤدده ريح القميص سرت في نفس يعقوب
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وله من أخرى:
يعز على العلياء أني خامل وإن أبصرت مني خمود شهاب
وحيث يرى زند النجابة واريًا فثم يرى زند السعادة كابي ألم في هذا بقول أبي الطيب:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي بأصعب من أن أجمع الوفر والفهما بل إلى قول الآخر أشار، وحواليه دار، وهو:
إذا جمعت بين امرأين صناعة فأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فحيث يكون الجهل فالرزق واسع وحيث يكون النبل فالرزق ضيق وفي هذه القصيدة يقول عبد الجليل: [٩٧أ]
وإني لفي دهر فرائس أسده سدىً عبثت فيه نيوب كلاب
أتخفى على الأيام غر مناقبي وقد بذ شأوي شأو كل نقاب
ويركبني رسم الخمول وقد غدت خصال العلا والمجد طوع ركابي
[ ٣ / ٤٩٧ ]
سأرقى بهماتي قصارى مراتبي وإن كان أدناها يطيل طلابي
لتعلم أطراف الأسنة أنني كفيل بها عند الصدا بشراب
وتشهد أطراف اليراعات أنني بهن مصيب فصل كل خطاب
وليس نديمي غير أبيض صارمٍ وليس سيميري غير شخص كتاب
مضمخة لا بالخلوق أناملي مزعفرة لا بالعبير حرابي
ولكن بنفح يخجل الروض زاهرًا ولكن بدعس في كلىً ورقاب ومنها:
ومن لم يخضب رمحه ي عداته تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يخضب رمحه في عداته تساوت به في الحي ذات خضاب
ومن لم يحل السيف من بهم العدا تحلى بخزي في الحياة وعاب
إذا ورق الفولاذ هز تساقطت ثمار حتوف أو ثمار رغاب
ومن يتخذ غير الحسام مخالبًا فما هو إلا وارد بسراب
ومن غره من ذا الأنام تبسم فبالعقل قد أضحى أحق مصاب وله من أخرى أولها:
لولا تبسم ذاك الظلم والبرد قبلت نصحك إلا في هوى الغيد
بل لا أطيعك في غصن أهيم به كأنه نابت في طي معتقدي
وأين بي وبصبري عن حفون رشا غوامض السحر لا ينفثن في العقد
يعدي على اللوم قلبي وهي تؤلمه كما تضر كميًا شكة الزرد
[ ٣ / ٤٩٨ ]
وهذا من قول أبي الطيب:
بنو كعب وما أثرت فيها يد لم يدمها إلا السوار
لها من قطعه ألم ونقص وفيها من جلالته افتخار ومن قصيدة عبد الجليل حيث يقول:
قل للرشيد وقد هبت نوافحها أسرفت يا ديمة المعروف فاقتصد
أشكو إليك الندى من حيث أحمده لو فاض فيضًا علي البحر لم يزد قال ابن بسام: وأخبرني من لا أرد خبره أنه دخل على عبد الجليل يومًا وقد تطاول حتى كاد يمس رأسه السماء، فقال له: قد أتيت [ببيت] فلم أزد، وما أحسب حسنه لأحد، وأنشد هذا البيت؛ قال الحاكي، فقلت له: فأين أنت من قول أبي عبادة:
تنصب البرق مختالًا فقلت له لو جدت جود بني يزداد لم تزد قال: فبدا عبوسه، وتضاءل حتى كدت أدوسه، وقال: كسرتني والله، لو خطر هذا على بالي ما قلت [٩٧ب] ذلك.
وفيها يقول:
[ ٣ / ٤٩٩ ]
يا قاتل الشكر بالإحسان يعمره مهلًا أما لقتيل الجود من قود
عجبت من كرمٍ في راحتيك بدا إشراقه كيف لم يعز إلى الفند
جادت سحابك إذ جادت على أملي فقال أشياعها جادت على بلد
أثريت عندك من جاه ومن نشب حتى وجدت الغنى في همتي ويدي
يا واحدًا تقتضي آلاؤه جملًا برحت بي وبنظم الشكل فاتئد
للناس بعدك في العليا منازلهم والواحد الفرد يحوي مبدأ العدد
يدعى الرشيد ولم تعدم به صفة يا من هو الفصل بين الغي والرشد
لك الرشادة أخلاقًا وتسمية مثل البسالة إذ تعزى إلى الأسد
أي الفضائل تستوفيه مكتهلًا وذا شبابك قد ربى على الأمد
بادهتني بأيادٍ لا يقوم بها ما في لساني من قصد ومن لدد
عاد الزمان بما أوليتني غصنًا غضًا فقمت مقام الطائر الغرد
ما عذر طبعي أن ينبو وما تركت به أياديك من أمت ومن أود وله من أخرى في المعتمد أولها:
قالوا صحا وأدال الغي بالرشد من لي بذاك الصبا في ذلك الفند
لئن صحوت فعن كره وقد علموا بأي علقٍ من الدنيا فتحت يدي
لم يقصد الدهر إصلاحي ولي مثل في الغصن تذهب عنه صورة الغيد
[ ٣ / ٥٠٠ ]
ومنها:
طوى الزمان لييلات نعمت بها رنا بعين الرضى منها ولم يكد
وقاتل الله أدوار السنين فكم مزجن بالسم ما أحلولى من الشهد
لم يرسم الشيب في فودي خطته إلا ترحلت اللذات من خلدي
ضيف الوقار أفدنا منه تكرمةً بما تثقف من أمت ومن أود
وأسمر الخط لا تبدو فضيلته بغير أزرق كالنبراس متقد
للدهر عندي بنات من تجاربه أولى وأجدر بي من بيضها الخرد
الحر يزرأ إلا فضل شيمته وإن تقلب بين البؤس والنكد
وما الغنى في يد مملوءة عرضًا لكنه في وفور العزم والجلد
أو في رجاء ابن عباد وقد رغبت أيدي الملوك عن الإفضال والصفد
استوثق الناس مما في أكفهم وربما نفثوا بخلًا على العقد
ولا يرى العقد إلا في أذمته وما حوته يداه غير منعقد
بقية الفضل في دنيا قد ارتضعت ورحمة الله في سلطانه النكد
مستجمع الفكر لا ينحو معانده على بوائد من آرائه بدد [٩٨أ]
إذا استخفت حلوم القوم وقرها يقظان يسعى إليهم سعي متئد
يكفي المؤيد في الأعداء أن له عينًا من الله لا تغفى من الرصد
[ ٣ / ٥٠١ ]
تلقى به صل أصلالٍ وآيته أن تستبين عليه قشرة الزرد
وما تمر بأدهى من ليوث وغى يتبعن منه أبانًا وافر اللبد
يجر من شجر الخطي غابته وذاك ما لم تسعه عزمة الأسد ومنها:
جاريتم الدهر في مضمار حلبتها جريًا سواءً إلى أقصى من الأمد
لكن تحيتها قدمًا وقد شهدت " يا دار مية بالعلياء فالسند "
لخم ابن يعرب أولى أن يضاف إلى سناء معتضد فيكم ومعتمد
أنت الجميع وأنت الفرد قد علموا سريرة لم تكن في واحد العدد ومنها:
يا أشبه الناس آدابًا بما لك من جمال وجه تحدتني وفضل يد
من أين لي قدم في الفضل سابقة لو أن طبعي في واديك لم يرد
هذا الأتي لذاك المزن منتسب عاري الأديم من الأقذاء والزبد
أرسلتها في سماء المجد طائرةً عن غير جهد وفيها متعة الأبد
تصحي النهى أبدًا من حيث تسكرها وتسمع اللحظ صوت البلبل الغرد
لو أن لقمان يعطى عمرها بك لم يخن عليها الذي أخنى على لبد
طبعتها ولك التبر الذي طبعت منه فأسلمتها في كف منتقد وله وقد توقف مرتبه عند العامل:
[ ٣ / ٥٠٢ ]
ألستم معشر الأملاك طائفةً تقضي بتخليدها هذي الأناشيد
فإن نقضتم أناسًا من نوالكم فحق منكم لأهل الشعر تزييد
لكم خلقنا ولم نخلق لأنفسنا فإنما نحن تحميد وتمجيد
يا صاحب المجد إن المجد سائمة تضل إن لم يكن بالشعر تقييد
خذني بما شئت من غراء شاردة يصغي الأصم إليها وهو مفؤود
واعذر بتقصيره من لا يزال له في ساقة الرزق إرقال وتوخيد
لا يدرك القوت مما أنت واهبه حتى يطول من العمال تنكيد
وليس للشعر إلا خاطر يقظ يهزه منك ترفيه وتأييد
وما المدائح إلا بالملوك وهل يبدي سنا العقد إلا النحر والجيد وهذا كقول أبي الطيب:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد وله من أخرى إذ جاز المعتمد البحر إلى أمير المسلمين وناصر الدين، أولها:
عزم تجرد فيه النصر والظفر وفكرة خمدت من تحتها الفكر وقال فيها:
[ ٣ / ٥٠٣ ]
ركبت في الله حتى البحر حين طما آذيه وبسوط الريح ينحصر [٩٨ب]
طرف يزل عليه سرج فارسه وليس مما تضم الحزم والعذر
كأن راكبه في متن ذي لبد غضبان تقدح من أنفاسه الشرر
حملت نفسك فيه فوق داهيةٍ دهياء لا ملجأ منها ولا وزر
عذرت لو أنه ميدان معركةٍ يسمو له رهج في الجو منتشر
في حيث للكر والإقدام مضطرب وحيث تملك ما تأتي وما تذر
عساك خلت حباب الماء من زرد تعود الخوض فيه طرفك الأثر
أو قلت في الموج خرصان معرضة تحارب الجيش أو مصقولة بتر
هي البسالة إلا أنها سرف تنفي الحذار، ومما يؤثر الحذر
لا تحمل الدين والدنيا على خطر وليس يحمد في أمثالك الغرر
إن كان ثوبك مختصًا بلابسه فقد تعلق من أذياله البشر
هلا رحمت نفوسًا حام حائمها عليك واستولت الأشواق والذكر
وعاد أجبنها من كان أشجعها شحًا عليك وأحيا ليله السهر
إنا لفي حمص نستقري محاضرها وللقلوب بذاك اللج محتضر
لا نحسن الظن إشفاقًا وقد ضمنت لنا مساعيك أن يعنو لك القدر
كأنما النهر لما سرت سار إلى ذاك المجاز فأجرى فلكك النهر
كأنما قمت بالجدوى تساجله فناله دهش أو نابه حصر
[ ٣ / ٥٠٤ ]
أحاط جودك بالدنيا فليس له إلا المحيط مثال حين يعتبر
وما حسبت بأن الكل يحمله بعض، ولا كاملًا يحويه مختصر
لم تثن عنك يدًا أرجاء ضفته إلا ومدت يدًا أرجاؤه الأخر
تواصل اللحظ حسرى من هنا وهنا وليس غير ادعاء الجص والحجر
فصرت فوق دفاع الله تهصره براحة البر والتقوى فينصهر
كأنما كان عينًا أنت ناظرها وكل شط بأشخاص الورى شفر وهذا قول أبي الحسن السلامي، وقد دخل مع بعض إخوانه دجلة، فقال:
وميدان تجول به خيول تقود الدارعين وما تقاد
ركبت به إلى اللذات طرفًا له جسم وليس له فؤاد
جرى فظننت أن الأرض وجه ودجلة ناظر وهو السواد وعبد الجليل أيضًا الذي يقول في صفة الأسطول:
يا حسنة يومًا شهدت زفافها بنت الفضاء إلى الخليج الأزرق
ورقاء كانت أيكة فتصورت لك كيف شئت من الحمام الأورق
[ ٣ / ٥٠٥ ]
حيث الغراب يجر شملة عجبه وكأنه من عزةٍ لم ينعق [٩٩أ]
من كل لابسة الشباب ملاءة حسب اقتدار الصانع المتأنق
شهدت لهن العين أن شواهنًا أسماؤها فتصحفت في المنطق
من كل ناشرةٍ قوادم أفتخٍ وعلى معاطفها فراهة شوذق
زأرت زئير الأسد وهي صوامت وزحفن زحف مراكب في مأزق
ومجادف تحكي أراقم ربوةٍ نزلت لتكرع في غديرٍ متأق
والماء في شكل الهواء فلا ترى في شكلها إلا جوارح تلتقي ومن البديع في وصف الأسطول قول محمد بن هانئ الأندلسي من جملة قصيد، قال فيه:
قباب كما ترخى القباب على المها ولكن من ضمت عليه أسود
أنافت بها آطامها وسما بها بناء على غير العراء مشيد
من الطير إلا أنهن جوارح وليس لها إلا النفوس مصيد
إذا زفرت غيظًا ترامت بمارجٍ كما شب من نار الجحيم وقود
[ ٣ / ٥٠٦ ]
وقال علي بن محمد الإبادي يصف أسطول القائم من كلمة يقول فيها:
يتنزل الملاح منه ذؤابة لو رام يركبها القطا لم يركب
وكأنما رام استراقة مقعدٍ للسمع إلا أنه لم يشهب
وكأنما جن ابن داود هم ركبوا جوانبها بأعنف مركب
من كل مسجور الحريق إذا انبرى من سجنه انصلت انصلات الكوكب
عريان يقدمه الدخان كأنه صبح يكر على ظلام غيهب
ولواحق مثل الأهلة جنحٍ لحق المطالب فائتات المهرب
يذهبن فيما بينهن لطاقةً ويجئن فعل الطائر المتقلب
كنضانض الحيات رحن لواغبًا حتى نقعن ببرد ماء المشرب
شرعوا جوانبها مجادف أتعبت شأو الرياح لها ولما تتعب
تتضاع من كئبٍ كما نفر القطا طورًا وتجمتع اجتماع الربوب
والبحر يجمع بينها فكأنه ليل يقرب عقربًا من عقرب رجع:
[ ٣ / ٥٠٧ ]
وقال عبد الجليل من قصيدة أولها:
محل ألبس الدنيا جمالًا وإن فضح المقاصر والخلالا
بناه كما بنى العلياء بانٍ يشيد مآثرًا ويبيد مالا ومنها في وصف القصر:
وللزاهي الكمال سنًا وحسنًا كما وسع الجلالة والكمالا
يحاط بشكله عرضًا وطولًا ولكن لا يحاط به جمالا
تواصلت المحاسن فيه شتى فوفد اللحظ ينتقل انتقالا [٩٩ب]
وقور مثل ركن الطود ثبت ومختال من الحسن اختيالا
تدافع من جوانبه ائتلافًا فكاد المستبين يقول مالا
فلو أدنوا حرام السحر منه لأضحى يعبد السحر الحلالا
سماء ترتمي بعباب بحرٍ كأن بها إكامًا أو تلالا
فقد كاد اللبيب يهال منه ويحسب أن بحر الجو سالا
فما أبقى شهابًا لم يصوب ولا شمسًا تنير ولا هلالا
وللبهور البهي سماء نور تمثل شكلها حلقًا دخالا
مزخرفة كأن الوشي ألقى عليها من طرائفه خيالا
[ ٣ / ٥٠٨ ]
وما خلت الهواء يكون روضًا ولا سقفًا يكون كذاك آلا
بلى حققت أن النار كانت له ظئرًا وعنصره زلالا
فلم أعدل بجامده مذابًا ولم أنكر لندوته اشتعالا
وكل مصور حي جماد تبين فيه زهوًا أو دلالا
له عمل وليس له حراك وإفهام وما أدى مقالا ومنها:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع من الأفيال لا شكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلدًا وقاحًا قلما يخشى هزالا
كأن به على الحيوان عتبًا فلم يرفع لرؤيتها قذالا
وأوصى بالرياحين اغتراسًا همام طالما اغترس الرجالا
وكان الغرس والإثمار وقفًا لمن جعل الندى والوعد حالا
وقامت يوم قمنا منشدات فغضت من رويتنا ارتجالا ومنها:
براعة مصنع جلبت فاضحت براعة منطقي منها مثالا
فكم طلب العويص فما تأبى وكم قلب العيان فما استحالا
ولكن المؤيد عز وصفًا وأعيتني حقيقته منالا
[ ٣ / ٥٠٩ ]
إذا استوضحته أبصرت دهرًا لو أن الدهر لم ينسخ فعالا
أقام لها معاليها شموسًا ومد لنا مساعيه ظلالا
وآراء ينتجها رزانًا فيرسلهن أقدارًا عجالا
وفيه أناة مقتدر حليم تكاد تغر بالأسد النمالا
ويبطش بطشة تنبي الأعادي أكفهم وما حملوا اعتقالا
من البيض الذين إذا تولوا صنيعًا لم تجد فيهم شمالا
وبينا نجتلي منهم بدورًا إذا بهم قد اعتضروا جبالا
تألق وجهه وزكت نهاه فقلت مثاله محق الضلالا [١٠٠أ]
وما يوم العروبة يوم سر لقد نطق الزمان به فقالا
عجزنا أن نحقق منه وصفًا وما عجز الرشيد له امتثالا
يعارضه بكل سبيل مجدٍ فتحسبه ينافسه خلالا
ولما لم يطق يثني صباه أحال على شمائله اكتهالا
وكاد يكونه حتى تراه بجاذبه ولا يقوى انفصالا
وأبهجنا طولعهما بدستٍ طلوع الأصل والفرع اتصالا
فلم أر قبله بدرًا كساه جوار الشمس تمًا واكتمالا
[ ٣ / ٥١٠ ]
وفي يقول:
أتتك على خلاقها جيادي وإن كان الضياع لها شكالا
وما يبليك ذهن أحوذي إذا أصبحته جدًا تفالى
تزاحمت الهموم خلال صدري فما تركت لأنفاسي مجالا
وما خلت النسيم يكون ثقلًا ولا نفحاته تأتي وبالا
كأني كلما استنشقت منه أرد به إلى كبدي نصالا
وكيف يصح ذو قلب أبي إذا كان الإباء له نكالا
مضى ماء الشبيبة في الأماني ومن ولى فما يرجو اقتبالا
وكنتم خير من يرجى فما لي وجدت يقين آمالي محالا
ولم أحمل ودادكم ادعاءً ولا أظهرت مدحكم انتحالا احتذى عبد الجليل فيما وصف به الرشيد من تقيله لمذهب أبيه قول الخنساء، وقد قيل لها مدحت أخاك حتى هجرت أباك، فقالت:
[ ٣ / ٥١١ ]
جارى أباه فأقبلا وهما يتعاوران ملاءة الحضر
حتى إذا جد الجراء وقد ساوى هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيهما قال المجيب هناك لا أدري
برقت صحيفة وجه والده ومضى عل غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه لولا جلال السن والكبر
وهما كأنهما وقد برزا صقران قد حطا إلى وكر وقيل لأبي عبيدة: ليس هذا في مجموع شعر الخنساء، فقال: العامة أسقط من أن يجاد عليها بمثل هذا.
وقد أحسن البحتري حيث يقول:
جد كجد أبي سعيد إنه ترك السماك كأنه لم يشرف
قاسمته أخلاقه وهي الردى للمعتدي، وهي الندى للمعتفي
فإذا جرى في غاية وجريت في أخرى التقى شأوا كما في المنصف وقول الخنساء: " يتعاوران ملاءة الحضر " أبدع استعارة، وأنصع عبارة. وقال عدي بن الرقاع: [١٠٠ب]
[ ٣ / ٥١٢ ]
يتعاوران من الغبار ملاءةً غبراء محكمة هما نسجاها
تطوى إذا وردا مكانًا جاسيًا وإذا السنابك أسهلت نشراها وإلى هذا أشار حبيب بقوله:
يثير عجاجة في كل ثغرٍ يهيم بها عدي بن الرقاع وأول من نظر إلى هذا المعنى شاعر من بني عقيل فقال من جملة أبيات:
قفار مرورات يحار بها القطا ويمشي بها الجأبان يقتريان
يثيران من نسج الغبار عليهما قميصين أسمالًا ويرتديان وقول عبد الجليل: " يثير مآثرًا ويبيد مالا "، سماه بعض أهل النقد معاقدة، وهو أن يشترط الشاعر شروطًا في معان يريد التوفيق بينها، فيعقد لكل صف منها ما يشاكله ويماثله، ومن عجيب ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
فأقسمت يا عمرو لو نبهاك إذًا نبها منك داءً عضالا
[ ٣ / ٥١٣ ]
إذًا نبها ليث عريسةٍ مفيتًا مفيدًا نفوسًا ومالا فعاقدت بين مفيت ومفيد.
وقال المجنون:
وأذنيتني حتى إذا ما سبيتني بقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لا حاجة لي حيلة وخليت ما خليت بين الجوانح فعاقد بين قوله: " أدنيتني " و" تجافيت عني " حيث تشابها رسمًا وشكلًا، وعاقد أيضًا بقوله: " وخليت ما خليت " وبقوله: " يحل العصم سهل الاباطح ".
وإلى هذا أشار العباس بن الأحنف بقوله:
أشكو الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا ومن مليح هذا لبعض أهل أفقنا قول يحيى بن هذيل القرطبي:
لما وضعت على قلبي يدي بيدي وصحت في الليل الظلماء واكبدي
ضجت كواكب ليلي في مطالعها وذابت الصخرة السماء من جلدي
[ ٣ / ٥١٤ ]
فعاقد بين قوله: " يدي بيدي " و" ذابت الصخرة الصماء من جلدي "؛ وذكر أن المتنبي أنشد من شعر أهل الأندلس، حتى أنشد هذين البيتين، فقال: هذا أشعر القوم.
ولما سمع المعتمد بن عباد قصيدة عبد الجليل هذه ووعاها، سرت في نفسه حمياها، وكانت سببًا لصلة من كان ببابه من الشعراء، غير أنه وفى لبعد الجليل في الحباء.
وكانت يومًا بدار أبي بكر الخولاني المنجم، فاتفق أن دخل علينا عبد الجليل وفي كمه صلة المعتمد من ضرب السكة لديه، قيمتها ثلاثة آلاف درهم، فرفع إليه إثر ذلك قصيدته التي أولها:
ما الشعر مرتجلًا أو غير مرتجل ببالغ كنه ذاك السؤدد الجلل
بأي لفظ أحلي منك ذا شيم لولا حلاها لكان الدهر ذا عطل
لا حلة الشمس مما قد أحاوله ولا نظام النجوم الزهر من عملي
وسائلين أجدا في مباحثتي خذا حديثي عن الأملاك والدول [١٠١أ]
جيش المؤيد يقضي من خلائقه أن الملوك له ضرب من الخول
فالفرق بينهما في كل معلوةٍ كالفرق يوجد بين النقص والكمل
سل المكارم عنه كيف تعلمه أو لا فسل شفرات البيض والأسل
[ ٣ / ٥١٥ ]
أحد من ذهنه في كل معضلة إذا تعثر في العسالة الذبل
واري البصيرة لا تزري الأناة به ولا تعود عليه آفة العجل
لذلك الحلم في الأعداء قد علموا فتك يسد طريق الأمن بالوجل
صاحي النهى عربدت فيهم مكايده فطار عنهم خمار السكر والثمل
يجيزنا كلما حكنا مدائحه والصبح عريان مستغن عن الحلل
لله آذار من شهر سموت به حتى لقيت عليه الشمس في الحمل
ما بين نور جبين منك مؤتلق وبين فضل طباع منه معتدل
ونائل أسدي النوء طوع يدي يسطو على القرن أو يسطو على البخل
فديت موسومة باليمن مد بها فكان تقبيلها أسنى النهى قبلى
لثمتها فرشفت العز ممتزجًا فيه الغنى وأخذت الري في النهل وقال عبد الجليل أيضاص من قصيدة في المعتمد، أولها:
أربع [الندى] تهمي [به] وتصوب ومغنى العلا نأوي له ونثوب
بحيث استقل المجد فوق سريره وقام لسان المجد وهو خطيب
سقاك غمام مثل ودي ضاحك كأن سماء الصحو منه تذوب
[ ٣ / ٥١٦ ]
ولا فاء ظل العيش وهو مقلص عليك ولا صافيه وهو مشرب
ولا آل مزورًا عليك غديةً زمان يمسي الصفحتين طروب
ولا انفك للخطي حولك هزة وللأعوجيات الجياد دبيب
لقد رقت حتى قيل إنك رحمة وإن أكف الضارعين قلوب
كأنك بيت نادر وأكفهم خواطر أورى زندهن حبيب
طلعت كريعان الشبيب روقة فكذب في دعوى البياض مشيب ومنها يخاطب الربع:
أراق على عطفيه منه طلاوةً مدى الدهر ملتاح الجبين مهيب
إذا رسبت يومًا حلاه فإنما سماك العلا في منتداك رسوب ومنها:
فيا أيها القصر المبارك لا تزل وأنت جديد الحلتين قشيب
ويا أيها الملك المؤيد دم به ليترع كوب أو يثار عكوب
أسم فيه سرح اللحظ من طرف باسل مراد الوغى في ناظريه عشيب
ستظأره أم النجوم تحله لها كوكب لا حان منه غروب
[ ٣ / ٥١٧ ]
محيط بما أحببت من كل صورةٍ تروقك حتى شكلهن قريب
ومن حبك دون السموك كأنها أفاريد روض الحزن وهو هضيب
إلى طرر تحكي أصائل ملكه تكاد بأنداد النضار تصوب
ومن مرمرٍ أحذاه رونقه المها فأخطأ فيه اللحظ وهو مصيب
وبحر عليه للرياحين فيئة كيمناك مخضر البرود لحوب
لئن كان مكظومًا كغيظك إنه كعرضك مصقول الأديم خشيب
أرى حور الأحداق أو رونق الطلى طلاه ففيه للعقول خلوب
أجل إنما يجتاب منك بشاشةً لها جيئة من فوقه وذهوب
وإلا فمن آدابك الزهر يجتلي فرندًا له در عليه رطيب
كما ضاع من أهداب ثوبك نشره وكل صعيد مس وطؤك طيب
وكل هواء تحت ظلك سجسج وكل مكان في ذراك خصيب
إليك أشارت أعين وأنامل وفيك أجيلت ألسن وقلوب
كأنك من طبع الحياة مركب فأنت إلى كل النفوس حبيب
مليك كما تهواه أما دلاصه فغاو، وأما برده فمنيب
موفر أعطاف السيادة لم يزل بأفئدة الأعداء منه وجيب
إذا ضاق في الهيجا مجر سنانه فإن مناط السيف منه رحيب ومنها:
[ ٣ / ٥١٨ ]
لهم حارك للملك ثم حنيفه سما كاهل منه وسال سبيب
وكانوا عليه في الزمان فوارسًا علته وشبان تروق وشيب
وسنة مجد من نعيمٍ وشدة على الدهر منها محكة وقطوب
ليخضب منها اليوم والأفق أشيب وينصل ثوب الليل وهو خضيب ومنها في صفة بنية:
ثغور على المجد التليد ضواحك وأيد إلى المجد التليد تصوب
ترقرق عنه الملك واهتز عطفه كما اهتز مخشوب الغرار قضيب
مشابه لا تخطي علاك سهامها فتهوي إلى أغراضها فتصيب
تملأ أثناء النداء مهابةً وتبسم عنها الحرب وهو قطوب
ويهنيك عيد للصيام ذخرته كفيل بأن الله عنه مثيب
وعيد عليه منك رسم طلاقةٍ كأوب حبيب طال منه مغيب
خلعت عليه من بهائك حلةً كما عصفرت فوق العروس جيوب
ونمت عليه من مديحك فوحة كما مسحت فوق الرياض جنوب
[ ٣ / ٥١٩ ]
الوزير الأديب أبو القاسم بن مرزقان
هو أكثر القوم قولًا وإصابة، فإنه يوفق في إصابة الأغراض، وكلامه سهل قريب، فمما أخرجت من شعره في أصناف شتى قوله في وصف شمعة، محكمة الصنعة، على صورة مدينة، أهديت إلى المعتمد على الله بالمحددة:
مدينة في شمعةٍ صورت قامت حماة فوق أسوارها
وما رأينا قبلها روضةً تتقد النار بنوارها
تصير الليل نهارًا إذا ما أقبلت ترفل في نارها
كأنها بعض الأيادي التي تحت الدجى تسري بأنوارها
من ملك معتمد ماجد بلاده أوطان زوارها
أكف ذات الشعر تغنى به وشعره حلي لأشعارها وأصبح المعتمد على الله على حال راحته في القصر المبارك، ودخل إليه
[ ٣ / ٥٢٠ ]
الرشيد ابنه، فتبادل الأنس معه، ثم أمر بإحضار من جرت عادته بمشاهدة المجلس الكريم من الأصحاب، فحضروا، فقال لهم المعتمد بعد كلام حذفناه للاختصار طلبًا للمعنى: قلت البارحة بيت شعر وهو:
بعثنا بالغزال إلى الغزال وبالشمس المنيرة للهلال وذلك أن المعتمد على الله قد أمر بصناعة غزالين من ذهب، فصنعا معًا من سبعمائة مثقال خالصة، فأهدى أحدهما إلى الرشيد ابنه، والآخر إلى السيدة العروس بنت ابن مجاهد، فقال في ذلك البيت المذكور، وأحب أن يذيل، فذيل هذا البيت ممن هذا المجلس ذلك اليوم وممن لم حضره، منهم أبو القاسم ابن مرزقان، وأصاب الغرض، فقال:
بعثنا بالغزال إلى الغزال وبالشمس المنيرة للهلال
فذا سكني أسكنه فؤادي وذا نجلي أقلده المعالي
شغلت بذا وذا خلدي ونفسي ولكني بذاك رخي بال
زففت إلى يديه زمام ملك محلى بالصوارم والعوالي
فقام يقر عيني في مضاء ويسلك مسلكي في كل حال
فدمنا للعلاء ودام فينا فإنا للكفاح وللنزال ورفع أبو القاسم ابن مرزقان قطعة شعر في ذلك أيضًا وهي:
عاطني القهوة مثل الجلنار حملتها أكؤس مثل البهار
[ ٣ / ٥٢١ ]
وأدرها بين زهر عبق واسقني ود كبيرٍ بكبار
ملك إن قلت من رب العلا فإليه كل مخلوق أشار
لخمي ماجد معتمد كل عسر حين تلقاه يسار
ما دجا ليل على آمله كل ليل بأياديه نهار
بين كفيه وفي ناديه ظبية ريقتها صرف العقار
عجبي منها وهذا أسد كيف لا تبعد عنه بنفار
أنست من أنها مرسلة باتصال الوصل من أشرف دار
ولها عد إلى غرتها أنهم قد صوروها من نضار
في قدود تتهادى بها سترى في حرم ذات الفقار
لا عدت موضع لهوٍ ودد فلقد تنهض في خير سفار
[ ٣ / ٥٢٢ ]
نشر دوزي هذا الفصل من الذخيرة الخاص ببني عباد، في المجموع الذي ضم ما جاء من هذه الأسرة في المصادر العربية، وذلك في الجزء الأول ص ٢٠١ - ٢٢٣.
هو ذو الإصبع العدواني، انظر الأغاني ٣: ٨٥.
ط س: بكى.
ط س: الذي.
س: يسمع نفسي.
لا مجال لحصر المصادر المعتمدة في أخبار بني عباد، فقد جمع منها دوزي في كتابه:
Historia Abbadidorum (Leiden، ١٨٤٦) .
قسطًا وافرًا، وإنما نذكر هنا بأهم المصادر مثل البيان المغرب والقلائد والصلة والمغرب والمعجب والمطرب والإحاطة والروض المعطار ونفح الطيب وبدائع البدائه وتاريخ ابن خلدون وتاريخ ابن الأثير والخريدة وابن خلكان والنويري، وتعد مقارنة هذا النص بما ورد في الحلة السيراء والبيان المغرب أمرًا ضروريًا، لاعتماد المصدرين على كتاب ابن بسام.
هو ولد الحافظ الفقيه أبي محمد ابن حزم، روى عن أبيه وأبي عمر ابن عبد البر وغيرهما، وكتب بخطه علمًا كثيرًا، وكان عنده أدب ونباهة وذكاء، وتوفي بالزلاقة سنة ٤٧٩ (الصلة: ٤٤٠) .
انظر الحلة ٢: ٣٤ والبيان المغرب ٣: ١٩٤.
بكسر العين وتخفيف الطاء (الحلة) .
ط د م س ودوزي: طاعة.
صوابه " الشام ".
طشانة (Tocina) تقع في كورة إشبيلية.
الحلة ٢: ٣٥.
ط د س: قديم.
المكور: المعمم.
واضح من هذا القول أنه لم يعد توليه القضاء من الخدم السلطانية.
د والحلة: والزكانة.
هذه هي قراءة م؛ والجرثومة: أصل الشجرة، وقد يفهم من ذلك أنه تجشم صعاب الأمور وفي ط د والحلة: الجرائم؛ س: الجراثيم.
ط د م س: بخون.
ط س: بريم؛ م: ابريم، د: ابرم، البيان: مريم.
ط م د: توطدت (وهي قراءة جيدة أيضًا)؛ س: اتواطأت.
ط د م س: واجمع.
الحلة ودوزي: الذين بالأندلس.
هو يعيش بن محمد بن يعيش أحد رؤساء طليطلة عند نشوب الفتنة، وقد استطاع أول الأمر إبعاد منافسيه من رؤساء المدينة ولكن مدته في الحكم لم تطل، فأخرجه أهلها، وخاطبوا إسماعيل بن ذي النون لتسلم البلد، وقد ترجم له ابن بشكوال (الصلة: ٦٥٠) وقال إنه بعد خروجه من بلده صار إلى قلعة أيوب وتوفي بها سنة ٤١٨ أو أوائل ٤١٩ (انظر الحلة ٢: ٣٧ - ٣٨ التعليق رقم: ٥) .
البيان المغرب ٣: ١٩٧.
البيان: حزمة.
قد تقرأ في ط: وارتاح؛ البيان: وساح.
ط د س والبيان: وقصر.
ط: على يده.
ط: بطل؛ دوزي: تقليد؛ البيان: بتضليل؛ س: تغليل.
ط م: ابن عباد، وبياض في د.
ط س ودوزي: وثبتت.
س م: مما.
هو محمد بن أحمد بن عامر الحميري الملقب بحبيب والد إسماعيل مؤلف كتاب " البديع في وصف الربيع " (وسيترجم ابن بسام لابنه في ما يلي من هذا القسم) .
دوزي: وجبير؛ س: وجنبي.
زاد هنا في م: وكان القاضي ابن عباد زاخر العباب متألق الشهاب، وقد مرت آنفًا.
عمارتها: موضعها بياض في د س وعند دوزي، ويكثر البياض في هذه القطعة، إلا أنه في م ط محشى بخط مختلف عن خط الأصل.
تكتب أيضًا: البرزلي والبرزالي. وقد بويع البرزالي هذا بقرمونة سنة ٤٠٤ فعمرت، وكان فارسًا مهيبًا ثم بايعته استجه والمدور وأشونة ولم يزل يتولى أمورها حتى سنة ٤٣٤ (البيان ٣: ٢١١ - ٣١٢) .
ميرتلة: مدينة تقع إلى الشرق من باجة (الروض المعطار: ١٩٣) .
ورد النص على الأفراد في م س: فيعم كلما آب الخ.
س ودوزي: شذوذه.
المعان: المنزل؛ ط: مغانها؛ م س: مغانيها؛ د: مكانها.
ط: قدم.
من طمر بمعنى تحت الأرض؛ س: أظهروه.
تقاوم أصحابها: سقطت من ط.
انظر البيان المغرب ٣: ٢٠٣.
زيادة من البيان.
ط د م س: مصر.
ط د م س: تعده.
وردت هذه المقطعات في الحلة ٢: ٣٨ - ٣٩، والأولى منه في النفح ٤: ٢٤٢.
الحلة ودوزي: يلمعن.
انظر الحلة ٢: ٣٩
ط د م ودوزي: وجبان.
البيان المغرب ٣: ٢٠٤ والحلة ٢: ٤٠.
الحلة: الأحد؛ والسبب في هذا الخلاف أنه توفي السبت ودفن يوم الأحد (كما سيبين في ما يلي) ولكن الخبر لم يطرق قرطبة إلا يوم الأربعاء.
ط د م س: وداحض.
الحلة: والجرائر.
س ط د والبيان: أجد، الحلة: أمد.
م: المتل (دون إعجام للتاء)؛ س: الأمل.
ط د س ودوزي: مغيبها.
ط د م س: فلم يبرأ من شدة القسوة.
الحلة: جبلته.
دوزي والحلة: فيهن.
هو الملقب بالمعتضد (٢٧٩ - ٢٨٩) .
دوزي والحلة: خلائف.
ط د م س: الشظا.
دوزي: مرتين.
ط د: عريشته؛ س: عن بيته.
ط د م س: ةومبتدع، والتصويب عن البيان.
ط د س: وقعه.
البيان: الوقعة؛ وقد تقرأ في ط كذلك.
س: تطبيقها.
نقل لسان الدين بعض هذا النص في أعمال الأعلام: ١٥٥.
قد تقرأ في م: يعتن.
انظر البديع في وصف الربيع: ٩١ والحلة ٢: ٤٩ وأعمال الأعلام: ١٥٧.
البديع: ناله؛ الحلة: مسه.
نفح الطيب ٤: ٢٤٣.
نفح الطيب ٤: ٢٤٢.
النفح: ساكنًا.
ط د م س: شوال.
الحلة ٢: ٤٩ والنفح ٤: ٢٤٢ وأعمال الأعلام: ١٥٧ والبيان ٣: ٢٠٨ وقد وردا في الذخيرة ١: ١٨ منسوبين لابن برد الأصغر.
ط: الصباح.
الحلة ٢: ٤٧ والبيان ٣: ٢٠٨.
دانية بمعنى قريبة كما إنها اسم البلد حيث مجاهد العامري أبوء الجيش.
الحلة ٢: ٤٦.
بيت مضمن وهو للمتنبي، انظر ديوانه: ٤٨٢.
البيان ٣: ٢٠٨ والنفح ٤: ٢٤٣ والحلة ٢: ٤٩.
رندة: (Ronda) مدينة قديمة من مدن تاكرنا (الروض: ٧٩) .
لعله يعني قصيدته التي يقول فيها:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما البيان: وجرية.
البيان ٣: ٢٠٩.
ط: متوقعين؛ البيان: مترفعين؛ س: متوفقين.
ط: يحدو؛ د: يحذر؛ س: يجدوا.
ط د م س: الذنوب؛ وقرفت الندوب: قشرت الجروح.
عظيمة: سقطت من ط د والبيان.
زيادة من دوزي.
ط: فكشفه.
في النسخ: بغير.
ط م: عمرات؛ س: غمرات.
زيادة من البيان المغرب.
ويعجبون: من م وحدها.
البيان: قينة ابن الرميمي.
ط د م س: بينهم.
ابن يحيى صاحب ليلة، وقد مر من خبره ما يكفي، وابن هارون هو سعيد بن هارون صاحب اكشونبة، توفي سنة ٤٣٤ وخلفه ابنه ومن يده أخذ المعتضد اكشونية سنة ٤٤٩؛ وابن مزين هو عيسى بن محمد بن مزين صاحب شلب، حكم فيها سنة ٤٤٠ ووالى عباد الحروب ضده وقتله سنة ٤٤٥ وانتزع مدينة شلب منه، وأما البكري صاحب شلطيش وأونبة فسيورد ابن بسام خبره مع بني عباد في ما يلي.
سيأتي خبر سقوت في هذا القسم من الذخيرة.
البيان المغرب ٣: ٢١٤.
س ودوزي: فضرب.
هو محمد بن نوح الدمري الملقب بعز الدولة ثار بمورور سنة ٤٣٣ إلى أن أنهى المعتضد حكمه سنة ٤٤٥، وسجنه وتوفي في سجنه ٤٤٩.
مورور (Moron): مدينة صغيرة إلى الجنوب الغربي من قرمونة، بولاية إشبيلية (الروض المعطار رقم: ١٨١) .
م س والبيان ودوزي: الاستقامة.
في النسخ: يومًا.
هو أبو النور هلال ابن أبي قرة اليفرني.
س ط: فواطنهم (لعلها: فراطنهم؛ وهي قراءة توفق قوله " ورمز ") .
انظر الحلة ٢: ٥٠.
ط د س: المتلثمين.
ط م س: وجلوها (اقرأ: وحلوها) .
ويبري معطوقة على " يريش ".
يقرع (من الثلاثي) فيه معنى المشاورة، وإذا كان مضارعًا للرباعي (أقرع): ففيه معنى الرجوع تقول: أقرع إلى الحق أي رجع؛ ولولا شخصية المعتضد وما تنطوي عليه من الاعتداد لصح أن تكون القراءة " ويفزع إليه ".
البيت لأبي سعد المخزومي واسمه عند المرزباني (معجم الشعراء: ٩٨) عيسى بن خالد بن الوليد وقيل إنه دعي في مخزوم (طبقات ابن المعتز: ٢٩٥ - ٢٩٨) وكان يهاجي دعبل بن علي الخزاعي؛ وقد ورد بيته في معجم المرزباني وديوانه: ٥٣.
ط: المقدم.
ط د م س: أبي سعيد.
ديوان بشار: ٢١٧ (جمع العلوي) .
دوزي: هدنة.
ديوان المتنبي: ٣٩٠.
ديوان ابن هانئ: ١٨٩.
تتردد أشعار المعتمد في كثير من المصادر التي ترجمت له، وقد جمع ديوانه الأستاذان: أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد (القاهرة ١٩٥١) وأرى أن أكتفي بمراجعة ما جاء في الذخيرة على هذا الديوان، إلا استثناءات قليلة.
الديوان: ٢٦.
ديوان المجنون: ٧٩.
هذه العبارة والبيتان التاليان من هامش ط، وهما مكتوبان بخط الأصل، وأمام العبارة لفظة: " طرة "؛ وهما معهما بيت ثالث في المقتطف من أزاهر الطرف لابن سعيد الورقة: ٤٤، ولم ترد هذه الأبيات في الديوان أو في النسخ الأخرى.
ديوان المعتمد: ١٣ ومختارات الصيرفي: ١١١.
ترجمته في القسم الأول من الذخيرة ص: ٧٩٠.
ديوان المعتمد: ٢٠ ومختارات الصيرفي: ١١١.
الديوان: جفوني (عن المطرب والخريدة) .
الديوان: ٢١ ومعاهد التنصيص ٢: ١١٤ والمعجب: ١٦١ ومختارات الصيرفي: ١١١.
الديوان: ١٥ ورايات المبرزين: ٣٧ (١٠ غرسيه غومس غ) والمعجب: ١٦١.
الديوان: ضوء الشمس.
الديوان: ٨.
عد هذا البيت في الديوان لاحقًا بالأبيات السابقة.
الديوان: ٥.
الديوان: ١٧.
لم يردا في ديوانه المجموع.
انظر ترجمته في الذخيرة ٣: ٣٦٠.
الديوان: ٦٠.
هذه هي قراءة م، وفي ط د: يتنحنح؛ الديوان: يتبحح؛ س: يتحتح.
الديوان: ٦٤ وقد أثبت هنالك جواب ابن عمار أيضًا؛ ومختارات الصيرفي: ١١٠.
كنيته في ط د: أبو عمر؛ وقد مر ذكره عند المقري (النفح ٤: ٧٧) في رسالة كتبها المعتمد نفسه إلى الأعلم الشنتمري يقول له فيها " سألك الوزير الكاتب أبو عمرو ابن غطمش سلمه الله عن المسهب وزعم أنك تقول بالفتح والكسر الخ ".
الديوان: ٥٨٧ والمسالك: ٣٩٧ وابن خلكان ٥: ٢٦.
الديوان: ٣٦ وابن خلكان ٥: ٢٤ والحلة ٢: ٥٦ والقلائد: ١٩ ومنها بيت واحد في رايات المبرزين: ١٠ (غ) .
ط والديوان: أخلقتني.
الحلة: ولا تمرس بي (ولم تثبت هذه القراءة في الديوان) .
ط م س: الذي.
انظر البيان المغرب ٣: ٢٧٣.
ط د م س: فحاجوا الظمآن.
س ودوزي: الغائظ.
ط د: وجه.
دوزي: اتقان.
انظر ديوان ابن زيدون: ٣٠٦ والقلائد: ١٤ والإعلام ٢: ٣١٥.
زيادة من دوزي.
ديوان المتنبي: ٢١٨.
ديوان المعتمد: ٦٧ والقلائد: ١٥ والإعلام ٢: ٣١٦.
الديوان: النحور (عن القلائد) .
ط د م س: ورجعتم لمحالكم، وبهامش ط " وزحفتم ".
دوزي والقلائد: وظلم.
د والديوان ودوزي: تهدم (عن القلائد) .
ديوان ابن زيدون: ٣١٤ والقلائد: ١٦.
ط م: غوت.
ديوان المعتمد: ١١٢.
ديوانه: ٨٨ وبعضها في القلائد: ٢٢ والمعجب: ٢٠٢ والإعلام ٢: ٣١٤ ومختارات الصيرفي: ١٢٠.
الديوان والقلائد: إن يسلب القوم العدا.
ديوان قيس بن الخطيم: ١٠.
ديوان قيس: باقدام.
انظر الشعر والشعرا: ٦٦١ والأغاني ١٠: ٢٥٦ - ٢٥٧.
ثار في زمن مروان اثنان كل منهما يعرف بشيبان وهما شيبان بن عبد العزيز اليشكري وشيبان بن سلمة (المعروف بشيبان الأصغر)، وفي م س والأغاني: سنان؛ د: سنار؛ ط: سناس.
انظر شعر الخوارج: ٢٢١ (الطبعة الثانية) .
ط د م س: يهوى.
الأغاني ١٠: ٢٨٠.
الأغاني: فررت.
الأغاني ١٠: ٢٥٥.
الأغاني: واردات؛ ط م س: باردات.
ديوان المعتمد: ٨٧.
ديوانه: ٩٦ والمعجب: ٢٢٢ والأعلام ٢: ٣٢٠ - ٣٢١.
ترجمته في القسم الثالث: ٨٠٩.
أبياته في القلائد: ٣١ والنفح ٤: ٢٢٤، ٢٥٩ والإعلام ٢: ٣٢١.
قارن بقوله في القلائد: ".. وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخر على تربه ولثمه، فانحشر الناس إليه وانجلفوا، وبكوا لبكائه وأعولوا ".
الحلة: ٢: ٦٣.
الحلة ٢: ٦٤ والمعجب: ٢١٧.
المصدر نفسه.
ط م س: الذي.
ط م د س: علي.
عيون الأخبار ٢: ١٨٢ وكتاب الصناعتين: ١٤ وزهر الآداب: ٣٣٣.
زهر الآداب: ٣٣٢.
ديوانه: ١٠٤ وزهر الآداب: ٣٣٢.
زهر الآداب: ٣٣٢ - ٣٣٣.
ط م د س: فصاغها.
ط د س: تجول.
ديوان المتنبي: ٢٣٩.
ديوان نصيب: ٥٩.
ديوان أبي تمام ٣: ١٨٦.
ترد ترجمته في ما يلي من هذا القسم وفيها البيتان.
في النسخ: هاديا، وصوبناه ما سيجيء ترجمة ابن عبدون.
ط د: نثرًا ونظمًا.
النصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام الدلالات الأخرى من لفظ وإشارة وعقد وخط (البيان ١: ٧٦)، وفي ط د س م: النسبة.
ديوان المعتمد: ١٠٢ والمعجب: ٢١٩ والإعلام ٢: ٣٢٢.
ط د م س: عض.
ط د م س: يداه.
دوزي: تزاحفت.
انظر ديوان المعتمد: ١٠٣ والمعجب: ٢٢٠ والخريدة ٢: ٤١ والنفح ٤: ٩٦ - ٩٧ والإعلام ٢: ٣٢٢ ومختارات الصير في: ١٢٠ - ١٢١.
يشير هنا إلى أن جرير مدح الأمويين بأنهم أعطوا " هنيدة " وهي مائة من الإبل.
هذه الأبيات زيادة من دوزي.
ديوان المعتمد: ١٠٤ والمعجب: ٢٢١.
م والديوان: عاف؛ س: خاف.
م ط د س: بت.
ديوانه: ٣٢٨، وصدر البيت: " والهجر أقتل لي مما أراقبه ".
ديوان المعتمد: ١٠٤ والمعجب: ٢٢١ وبعضها في النفح ٤: ٩٧.
الديوان ودوزي: ناهضت همتي.
هامش ط: في أخرى: محيا لنور الهدي فيه قسام.
خ بهامش ط: من كفيك مجدا وسؤددا.
ديوان المعتمد: ١١٣.
ط م: أن يحنى عليه.
ط: أعين.
ط م د س: وقول.
ديوان المعتمد: ٩١ والمعجب: ٢٠٦ والإعلام ٢: ٣١٥.
ديوان المعتمد: ٩١ والمعجب: ٢٠٦ والحلة ٢: ٦٧ ومختارات الصيرفي: ١١٩.
الديوان: لحكاهم.
ط د م س: الغنى.
من أبيات في ديوانه: ١٠٨.
الديوان: جبر.
ديوانه: ٩٢.
ديوانه: ٦٨ والقلائد: ٢١.
طبقات ابن المعتز: ١٨٧ وابن خلكان ٣: ٨٦.
ديوان المعتمد: ١٠٥ ومختارات الصيرفي: ١٢٠.
ط م د: صبر؛ س: صهر.
أبو عمرو ابنه الملقب سراج الدولة، وسيأتي الحديث عنه في ما يلي.
انظر السمط: ١٤٥.
ديوان المعتمد: ٦٩ ومختارات الصيرفي: ١٢٠.
العين: مطر أيام لا يقلع.
ط م د س: يلقى.
الديوان: فإذ ما رمت.
ديوان المعتمد: ١١٠ والقلائد: ٢٨.
ط م د س: الأهل.
م س: الحبيب.
ديوان ابن شهيد: ١٠٠ - ١٠١.
هو السمهري بن بشر بن أويس العكلي ويكنى أبا الديلم (الأغاني ٢١: ٢٥٧) .
الأبيات في الأغاني ٢١: ٢٦٤.
الأغاني: فشامت؛ وهو خطأ: والسامن: الذي يكتسب سمنة.
ط م د س: قسي أسلمتها؛ وقد غيرته اعتمادًا على الأغاني.
ديوان المعتمد: ١٠٠ والقلائد: ٢٥ ومختارات الصيرفي: ١١٩.
ديوان المعتمد: ٤٨.
ديوانه: ١١٢ وانظر الإعلام ٢: ٣٢٤.
ترد ترجمتهما في ما يلي من هذا القسم، وكذلك البيتان وانظر الغيث ٢: ١٩.
هذه القطع الثلاث المتوالية ترد في الديوان: ١١٥، ٩٤، ٩٨ وانظر الإعلام ٢: ٣٢٤.
في هامش ط أبيات مطلعها:
تؤمن للنفس الشجية فرجة وتأبى الخطوب السود إلا تماديا وبعدها قطعة قافية، وهي بخط الناسخ نفسه، ولكنه كتب عليها: " من غير الأصل " فلذا لم أثبتها.
ديوان ابن حمديس: ٢٦٨.
ديوان المعتمد: ١٠٠.
ديوان المعتمد: ١١١.
ط م س: وفود.
في هامش ط قطعتان بخط الناسخ ولكنهما من غير الأصل.
انظر نفح الطيب ٤: ٢٥٧ ومختارات الصيرفي: ١٢١.
مضمن من قول حبيب أبي تمام (ديوانه ٣: ٢٣٢):
عسى وطن يدنو بهم ولعلما وأن تعتب الأيام فيهم فربما ط س: الشاسي.
المعجب: ٢٢٣ والنفح ٤: ٩٧ - ٩٨ والإعلام ٢: ٣٢٢ ومنها أبيات في معاهد التنصيص ٣: ٢٠ ومختارات الصيرفي: ١٢٤.
في أصل ط: توقد، وخ بهامشها: تنفخ.
خ بهامش ط: شكت [من] .
زيادة من دوزي.
القلائد: ٢٣ والنفح ٤: ٢١٤ والمعجب: ٢٠٩ ومختارات الصيرفي: ١٢٢.
القلائد والنفح: بمزن.
فوقها في ط: منهم.
القلائد والنفح: تخدمها.
انظر الذخيرة ٣: ٦٦٦ وما بعدها.
أبو حفص عمر بن الحسن الهوزني (٣٩٢ - ٤٦٠) طلب العلم على شيوخ الأندلس ثم ارتحل سنة ٤٤٤ (وابن بسام يقول سنة ٤٤٠) وأخذ عن علماء المشرق، وأصبح متفننًا في العلوم؛ ولما قتله عباد بيده أمر بدفنه بثيابه وقلنسوته وهيل عليه التراب داخل القصر من غير غسل ولا صلاة (انظر الصلة: ٣٨١ والنفح ٢: ٩٣ ومسالك الأبصار ١١: ٤١٦ والمغرب ١: ٢٣٤ وفيه نقل عن الذخيرة، وترتيب المدارك ٤: ٨٢٥) .
المغرب: وتناصر.
انظر التعليق رقم: ٢ على الصفحة السابقة.
م: مدينة ابن بشتر، وانظر الكائنة على مدينة بربشتر في الذخيرة ٣: ١٧٩.
في الصلة: لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر.
الأبيات في المغرب وترتيب المدارك وهي وبعض الرسالة في النفح ٢: ٩٣.
ترتيب المدارك: يتقنع.
المغرب: نجادة؛ النفح: شكاية.
د: والتليد الوالد والوليد.
دفعهم: سقطت من ط س.
م د س: الأمر.
الجأواء: الكتيبة التي يعلوها لون السواد لكثرة الدروع، ط س: شهواء.
م: مجدد.
ط: قول.
س م: يعترها.
بهامش ط بخط مغاير: مفاصلها، وكذلك هي في بعض أصول النفح.
م س: تخترم؛ أصل ط: تتخرم.
س م: ألبس.
م: بالروض.
د: من هوى؛ وسقط من م س، وموضعه في ط كلمة غير واضحة.
د: تصرفني.
جو: اليمامة، ووقيعة خالد فيهم في حروب الردة مشهورة.
بعد هذا البيت في م س: ومنها.
في النسخ: فغرهم.
ط م: لما تبين؛ س: لما يبين؛ وسقطت من د، وأثبتنا ما في هامش ط.
م س وهامش ط: المجتنى.
م ط س: وبمعاشر.
البيتان الأولان لزهير بن أبي سلمى، ديوانه: ١١٥.
ط م د س: واستشار.
المثل في فصل المقال: ٣٦٢ والميداني ١: ٢٢١ والعسكري ١: ٤١٥ (تحقيق أبو الفضل) والمستقصى: ٢٢٦ واللسان (سرح) وجمهرة ابن دريد ٢: ١٣٢.
من كلام أبي بكر الصديق، يقول: إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر أبصرت قصدك وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجما بك على المكروه، يضرب الفجر والبحر مثلًا لغمرات الدنيا (اللسان - فجر) وانظر الذخيرة ١: ٣٩٤.
ط م: آل البلاد؛ س د: إلى البلاد.
النفح: رش: ط ك د س: نشو.
النفح: خفضوا فالداء رزء أجل.
م ط: بك.
في النسخ: استوى.
ط د: عجبوا.
مضمن من الحماسية رقم: ٢٧٣ في شرح المرزوقي.
فثبوا: سقطت من م ط.
ط د: نشو؛ م: نشى.
صدره: إن يأبروا نخلا لغيرهم، الحماسية رقم: ٥٤ للحارث بن وعلة الجرمي.
حماسة البحتري: ١٣٦ والمختار: ١٧٢.
مروج الذهب ٦: ٦٢ وفصل المقال: ٦٩، ٢٣٣.
المختار: ١٧٢ وزهر الآداب: ٥٧٣.
صدره: وأزرق الفجر يبدو قبل أشهبه، ديوان البحتري: ١٧١ والمختار: ١٧٢.
ديوان ابن الرومي: ١٤٦ وزهر الآداب: ٥٧٣ وروايته: كم جر (كم قاد) .
شروح السقط: ١٧١٨.
ديوان أبي تمام ٤: ١١٥.
ديوان العباس: ١١٦.
النفح ٣: ٢٣١، وردا غير منسوبين، وهما في التمثيل والمحاضرة: ١١٥ لابن نباتة السعدي وانظر نهاية الأرب ٣: ١٠٤ واليتيمة ٢: ٣٩٦.
في الميداني (١: ٢١٤) رب صبابة غرست من لحظة، رب حرب شبت من لفظة.
في النسخ: شهود.
م: البيت.
في صحيح مسلم ٢: ٢٩٥ - ٢٩٦ الأرواح جنود مجندة ما تعارف الخ الحديث.
ديوان أبي نواس: ٤٢٨.
في النسخ: تختلف.
في النسخ: اعتقلت، وما أثبته من هامش ط.
يشير إلى المثل: " يضع الهناء مواضع النقب " والهناء: القطران، والنقب: الجرب، يضرب مثلًا للحاذق البصير في الأمور، هو من شعر دريد بن الصمة في الخنساء، وصدر البيت " متبذلًا تبدو محاسنه ".
في النسخ، لدى، وما أثبته من هامش ط.
ديوان عدي: ٩٣.
أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد (أو سعدون) بن أيوب التجيبي، أحد أقطاب المذهب المالكي، وصاحب المؤلفات الفقهية القيمة، منها المنتقى وإحكام الفصول في أحكام الأصول وغيرهما، توفي بالمرية سنة ٤٧٤ (انظر ترتيب المدارك ٤: ٨٠٢ والديباج المذهب: ١٢٠ والمرقبة العليا: ٩٥ وبغية الملتمس رقم: ٧٧٧ والصلة: ١٩٧ والقلائد: ١٨٨ والمغرب ١: ٤٠٤ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٢٤٨ ومعجم الأدباء ١١: ٢٤٦ والإكمال ١: ٤٨٦ وتذكرة الحفاظ: ١١٧٨ وابن خلكان ٢: ٤٠٨ والشذرات ٣: ٣٣٤ ونفح الطيب ٢: ٦٧ ومرآة الجنان ٣: ١٠٨ وفوات الوفيات ٢: ٦٤ وعبر الذهبي ٣: ٢٨٠ والروض المعطار: ٧٥.
باجة الأندلس (Beja): تقع في البرتغال على بعد ١٤٠ كم إلى الجنوب الشرقي من لشبونة.
م ط س: ومال.
هو أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر القاضي (- ٤٢٢) (انظر في ترجمته ترتيب المدارك ٤: ٦٩١ وطبقات الشيرازي: ١٦٨ وتبيين كذب المفتري: ٢٤٩ وتاريخ بغداد ١١: ٣١ والديباج المذهب: ١٥٩ وابن خلكان ٣: ٢١٩ والمرقبة العليا: ٤٠ والفوات: ٢ ٤١٩ وستأتي ترجمته في القسم الرابع من الذخيرة؛ وانظر كذلك مصادر أخرى ذكرت في حاشيتي الوفيات والفوات) .
في النسخ: كشفت.
د: التظافر.
في النسخ: فإنك تنطوي وتأوي.
د: وغرس.
د: بحوزتنا.
بهامش ط: جملة من شعر أبي الوليد، وليس في النسخ شعر أو نثر له؛ وقد جاء في هامش ط المقطوعتان الأوليان الثابتتان هنا، وهنالك ما يفيد أنهما نقلتا من نسخة عتيقة؛ ثم كتب بهامش النسخة نفسها بخط مغاير كثيرًا لخط الأصل: " بل بقي نحو الورقة ونصف " وكتب عند نهاية الترجمة، " بقيت خمسة أبيات "، وهذا الذي أثبته هنا إنما جاء في الطبعة المصرية (١٩٧٥) اعتمادًا على النسخة الكتانية؛ وقوله " ما أخرجه " - بضمير الغائب - دليل على أنه ملحق بجهد رجل آخر عدا ابن بسام، لعله وجده في مسودات ابن بسام نفسه، أو لعله أضافه مشاكهًا عمل ابن بسام في المقدمات المسجوعة، وما جاء به مسجوعًا هنا يقارب طريقة ابن بسام، ولكنه لا يطابقها تمامًا. هذا وقد خالفت قراءة الطبعة المصرية في عدة مواضع، دون أن أشير إلى ذلك.
وردت القطعة في ابن عساكر والقلائد والمغرب والفوات وبغية الملتمس والصلة والمرقبة العليا وابن خلكان ومعجم الأدباء والنفح وترتيب المدارك والديباج المذهب والروض المعطار.
هو القاضي أبو جعفر بن أحمد بن محمد السنماني - سمنان العراق - كان فقيهًا متكلمًا على مذهب الأشعري وقد أخذ عنه الباجي علم الكلام بالموصل لا ببغداد، وتوفي سنة ٤٤٤ (اللباب والمنتظم ٨: ١٥٦) .
منها بيتان في معجم الأدباء ١١: ٢٤٩ والنفح ٢: ٧٦.
في البيت إشارة إلى مطلع معلقة طرفة.
النفح ومعجم الأدباء: رق.
حجيت: لزمت وتمكست ب -.
هذا البيت قلق القراءة.
معجم الأدباء ١١: ٢٥٩ والنفح ٢: ٧٦.
النعائم: منزلة من منازل القمر.
معجم الأدباء والنفح: ضمن؛ والخيم: الخليفة والطبع.
المغرب ١: ٤٠٥ والقلائد: ١٨٩ ومعجم الأدباء ١١: ٢٥٠ - ٢٥١ وترتيب المدارك ٤: ٨٠٧ ومنها بيتان في ابن خلكان ٢: ٤٠٨.
ترتيب المدارك: وأمطر.
القلائد: ١٨٩ والنفح ٢: ٧٥.
القلائد والنفح: لوعة وقفة وتلوم.
القلائد والنفح: والحزن.
منها أبيات في نفح الطيب ٢: ٨٤؛ وممدوح الباجي هذا هو ثمال بن صالح المرداسي صاحب حلب، فهذه القصيدة مما قاله بالمشرق.
النفح: بالخيف.
النفح: لتقبيل (وما هنا أصوب) .
النفح: أشارت (وما هنا أصوب) .
انظر النهي عن التصاوير في الستر في سنن النسائي ٨: ٢١٢. والميثرة كهيئة المرفقة أو الثوب تجلل به الثياب؛ وهذه القراءة تقديرية.
الأبيات في ابن عساكر ٦: ٢٥٠ (ما عدا الثاني) .
انظر المثل في فصل المقال: ٢٥٤، ٣٣٤ والميداني ١: ٣٠٣ والفاخر: ١٥٨ والعسكري (بهامش الميداني) ٢: ٦٤.
ترجمته في الجذوة: ٦١ (والبغية رقم: ١٠٧) والمطمح: ٢٣ والمغرب ١: ٩٦.
م س: على ما أخرجت.
أبو علي إدريس بن اليماني ترد ترجمته في الذخيرة ٣: ٣٣٦ وابن الأبار سترد ترجمته في هذا القسم: ١٣٥.
م ط س: بحقك.
سيأتي طرف من خبره في هذا القسم: ٢٠٦.
م ط د س: الدهر.
كذا في م ط د س، وهو مختل، ولعل صوابه " باهري الأنوار ".
م ط س: فيها.
هو الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، منافس المنصور بن أبي عامر، وقد قضى عليه المنصور سنة ٣٦٧ (وأخباره في المصادر التاريخية المتعلقة بتلك الحقبة، وانظر المطمح: ٤ - ٨) .
يسعى: سقطن من ط م س.
موضع هذا الشطر بياض في ط د س وقد جاء في م بخط مختلف عن خط الأصل.
س م: السرور.
منها ثلاثة أبيات في المغرب ١: ٩٧.
المغرب: أزهاره.
الدرانيك: البسط.
ذكره صاحب الجذوة مرتين: ٦٥، ٢٨٣ (البغية رقم: ٣٨٣، ١٥٧٢) فقال في الموضع الأول إنه أديب شاعر يروي عنه ابنه عبد العزيز، وأن ابن حزم ذكره، وأورد له في الموضع الثاني أبياتا من قصيدة طويلة قالها في القاضي أبي الفرج ابن العطار.
م س: جنبي.
ط د: لنا.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٤٠٠.
ط د س: ببيضتك.
انظر المثل " ما كل بيضاء شحمة " و" ما كل سوداء تمرة " في العسكري ٢: ٢٨٧ (تحقيق أبو الفضل) والميداني ٢: ١٦٩.
انظر فصل المقال: ٣٦٢ والميداني ١: ٢٢٣ والعسكري ١: (أبو الفضل) والفاخر: ٢٠٦ وقد مر تخريجه ص: ٨٣.
انظر العسكري ١: ٦١ والميداني ١: ٣٦.
بيت شعر للنابغة الذبياني (انظر اللسان والأساس: أنى؛ وفصل المقال: ٣٢٨) .
ديوان المتنبي: ٤٥٤.
م ط س: ارتكبت.
ديوان أبي تمام ٣: ١٠٦.
م ط س: ومعنى القول الثالث.
هذا من الحديث، والهاء في " تقله " هاء السكت: ولفظ الحديث لفظ الأمر، ومعناه الخبر، أي من خبرهم أبغضهم (التاج: قلى) .
جبلي نسبة إلى جبل وقاضيها يضرب به المثل في الجهل (ثمار القلوب: ٢٣٦) .
وفي النسخ: حني.
البيت للقطامي، ديوانه: ٧٦.
ط: فيها.
م ط: وأنشدوا.
البيت لعدي بن الرقاع العاملي، انظر الشعر والشعراء: ٥١٧ وتمام المتون: ٣٣٩ - ٣٤٠.
طولوق: انظر في شرح هذه اللفظة ١: ٢٦٨، ٣: ٦٥٣ من الذخيرة، وهو هناك شرح استنتاجي، وقد جاء في شرح القصيدة الساسانية لصفي الدين الحلي أن الطولوق درج فيه تصاوير وتماثيل، انظر: C. E. Bosworth: The Mediaeval Islamic Underworld part II p. ٧٣ (Arabic Part)، p. ٣٢٩ (Eng. Trans) .
ط: قدرا.
د: أطيب.
س ط د م: والرقيق.
م ط س: عندهم.
ديوان أبي تمام ٢: ٧١.
م ط س: وخاف.
رويد الابلال: الإقلال: بياض في م د س: وثبت في ط بخط مغاير لخط الأصل.
في النسخ: وإحسانك، وأثبت ما في هامش ط.
ط د: وزمرت.
م ط د س: ويحرمون.
د: ويستحيون؛ م ط س: ويستحبون.
خ بهامش ط: مضافر.
د: بحر.
م: تمشي.
في النسخ: إجهاد؛ والاحفاد: الإسراع.
م: وجلح؛ س: وحلج.
هذا يعني أن الهوزني قد خلف له أقرباء في اشبيلية حين ارتحل عنها.
ط س: معطوف.
ديوان أبي تمام ٢: ١٨.
ديوان المتنبي: ٧٩.
وقع هنا خرم في م.
ديوان المتنبي: ٤٤٠.
ديوان ابن هانئ: ١٩٩.
الديوان: مسود.
في المعتمد: لم ترد في ط س.
س ط: السحر.
س ط: وأحداق نشاق؛ وتتاق: مخففة من تتأق أي تملأ.
م: باللهو.
أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عامر بن حبيب، الملقب بحبيب، وقال ابن الأبار إن أباه كان يلقب بذلك، توفي في حدود ٤٤٠ وهو ابن اثنتين وعشرين سنة (وقال ابن سعيد: ابن تسع وعشرين سنة)؛ وذهب ابن سعيد إلى أن المعتضد هو الذي قتله، وكان له أخ اسمه محمد بن محمد بن عامر وهو شيخ أبي بكر ابن العربي؛ وكانت لأبيه قدم في الرياسة عند المعتضد كما أشار ابن بسام في هذا الجزء. (انظر الجذوة: ١٥٢ والبغية رقم: ٥٣٤ والتكملة: ١٨٠ والمغرب ١: ٢٤٥ والنفح: ٣: ٤٢٧ والمسالك ١١: ٢١٥)؛ وكتابه " البديع في فصل الربيع " نشر بتحقيق هنري بيريس، الرباط: ١٩٤٠.
البديع: ١.
البديع: بتأليفه بتصنيفه.
البديع: ٢٨ - ٢٩ والنفح ٣: ٤٢٧ والعطاء الجزيل في كشف غطاء الترسيل ص: ٤.
البديع والعطاء: لكل.
البديع: ٢٩.
البديع: ٣٠ والعطاء الجزيل: ٤.
البديع: مكموم.
في النسخ: وأبلست.
ط م د س: الربيع.
هو أبو الوليد ابن جهور، وفي العطاء الجزيل: ابن جمهور.
البديع: ٥٢ (وابن بسام يوجز في النقل) وانظر أيضًا العطاء الجزيل: ١٢٦ - ١٢٧ ونهاية الأرب ١١: ١٩٦.
العطاء: إن اللطيف الخبير.
البديع والعطاء: فضل على بعض بعضا.
البديع والعطاء: منا.
البديع: نرتكض.
العطاء: عليها.
العطاء: وهو النمام.
د: رونقي.
للخنساء، ديوانها: ١٥٢.
العطاء: الخيري النمام.
ط م: زمنا في زمن.
العطاء: تلعة.
زيادة من البديع والعطاء الجزيل.
العطاء: بخالصه.
العطاء: بسوابقه.
ط م د س: نازعه المباهاة.
البديع: ٥٨ والعطاء الجزيل: ١٢٧.
البديع: أكبرت.
العطاء: لا يجول ولا يحول.
البديع: منول؛ وفي النسخ: مثول عون، وآثرت قراءة العطاء الجزيل.
البيت لابن الرومي، انظر ديوانه ٢: ٦٤٤ وتشبيهات ابن أبي عون: ١٩٣ وديوان المعاني ٢: ٢١ وحلبة الكميت: ٢٠٢؛ وعند هذا البيت ينتهي ما جاء من هذه الرسالة في العطاء الجزيل.
يشير إلى قول ابن الرومي في هجاء الورد (حلبة الكميت: ٢١١):
وقائل لم هجوت الورد معتمدا فقلت من قبحه عندي ومن سخطه
كأنه سرم بغل حين يخرجه البراز وباقي الروث في وسطه البديع: ١٢٨ ونفح الطيب ٣: ٤٢٨.
البديع: ١٢٩.
البديع: ١٠٥ والمسالك ١١: ٢١٥ والنفح ٣: ٤٢٨.
البديع: أرى.
البديع: برود.
البديع: ١٥٧ والمسالك نفسه.
منها بيتان في المسالك.
ديوان ذي الرمة: ٤٧٨.
د: أردت؛ ط س: رأيت.
هذا البيت والذي يليه في المغرب ١: ٢٤٥ ورايات المبرزين: ٣٩ (١١ غ) والنفح والمسالك.
ديوان المتنبي: ٣٣٠.
الديوان: هذا المعد.
الديوان: أعد هذا.
هو أحمد بن محمد الخولاني الاشبيلي (- ٤٣٣)، كان كثير الشعر (انظر ترجمته في ابن خلكان ١: ١٤١ والجذوة: ١٠٧ وبغية الملتمس رقم: ٣٦٤ والمغرب ١: ٢٤٣ والمسالك ١١: ٤١٨ والوافي ٨: ١٣٧ وله أشعار في النفح والبديع في فصل الربيع) .
انظر الوافي ٨: ١٣٧ ومنها بيتان في المسالك.
الوافي: أفديه.
الوافي: الجيد.
الوافي: والبرد.
روى بن بسام منها بيتين لإدريس في الذخيرة ١: ٨٧.
زهر الآداب: ٢٧٢ وديوان صريع الغواني: ٩١.
انظر الزهرة: ٦٦.
ط د: ديمة.
هما ليزيد الطثرية في ابن خلكان ٦: ٣٦٩ والأغاني ٨: ١٦٤.
الأغاني ٨: ٣٣٧.
ط د م س: بذات.
زهر الآداب: ٧٢٧ والزهرة: ٦٧ وديوانه: ١٤٧.
زهر الآداب: ٧٢٧ والروض المعطار (بيروت ١٩٧٥): ١٩٤.
زهر الآداب: ٧٢٧.
متابع لزهر الآداب: ٧٢٧.
متابع لزهر الآداب: ٧٢٨ وانظر ابن خلكان ٤: ٢٦٠ والوافي ٣: ٥٨ ومصارع العشاق ٢: ١٣٧.
ط: تفخر.
وبراته: مخفف من " وبراءته ".
ديوان الرضي ٢: ٢٧٤.
ديوان المتنبي: ٣٣٥، ٣١٠.
أبيات الرمادي في المطرب: ٣ - ٤.
هو أبو أحمد بن فرج الجياني صاحب كتاب الحدائق، وأبياته في الجذوة: ٩٧ والمطمح: ٨٠ والشريشي ١: ٢١١ والمغرب ٢: ٥٦ والنفح ٣: ١٩١، ٤٣٧ واليتيمة ٢: ١٧.
في أصل ط: غدوت.
في أصل ط: السقم؛ وفي الحاشية: السقب.
م ط: أمتي.
انظر هذه القطعة في المصادر المذكورة سابقا.
تسل: مخفف من " تسأل ".
انظر المسالك ١١: ٤١٨ - ٤١٩.
المسالك: أيام.
د: قده.
المسالك: خده.
المسالك: حتى في الخنا (اقرأ: الجنى) .
هو ابن اللبانة، وترجمته في القسم الثالث: ٦٦٦.
هو المعروف بعصا الأعمى لأنه كان يقود الأعمى التطيلي (انظر ترجمته في المطمح: ٨٨ والمغرب ١: ٢٨٩ والرايات: ٢٣ غ) وأبياته قد وردت في المغرب ١: ٢٩٠.
عند هذا الحد ينتهي الحرم في النسخة م.
المغرب: لفاء.
ديوان امرئ القيس: ٢٢.
فقال: سقطت من م.
البيت من قصيدة لابن الطثرية في وفيات الأعيان ٦: ٣٦٨ والحماسية رقم: ٥٤١ وزهر الآداب: ٨٥٤ وقيل لأبي كبير الهذلي، وأدرجت في ديوان ابن الدمينة: ١٨٦ وخرجها محقق الديوان ص: ٢٥٦.
هو الحكم الحضرمي، انظر الأغاني ٢: ٢٥٠.
ديوان ابن أبي ربيعة: ٢٥٢.
ديوان أبي تمام ٣: ٣٥٢.
ديوان الأخطل: ١٢٩.
الديوان: الحجل.
زهر الآداب: ٣٩٣ ووفيات الأعيان ٢: ٢٢٤.
زهر الآداب: ٣٩٣ وديوان النابغة: ١٨٤.
زهر الآداب: ٣٩٣ وديوان أبي تمام ٣: ١١٥.
زهر الآداب: ٣٩٣ والمختار: ٩٨.
زهر الآداب: ٣٩٤ وديوان المتنبي: ٢٧٩.
زهر الآداب: ٣٩٤.
أمالي القالي ١: ٢٣.
هو النحلي، الذخيرة ١: ٣٨٤.
ديوان المتنبي: ٣٦.
انظر المغرب ١: ٢٩٠.
المغرب: إذا انثنى.
المغرب: الهتك.
ديوان المجنون: ٢٠٦.
هو صالح الشنتمري، كما سيجيء في ترجمته.
انظر المسالك: ٤١٩ والفوات ٣: ٤٠٦ والنفح ٣: ٤٧ ومعاهد التنصيص ١: ٩٥ - ٩٦.
الفوات: المكان.
النفح: من خمر.
المسالك: ثم لما نام الرقيب سريعًا، الفوات: نام من بعد نعس.
ط: وأحذر؛ م: وأخاف؛ س: وأخشى.
م: واستشر؛ ط د س: واشتهر، والتصويب عن المسالك.
المسالك ١١: ٤٢٠ وديوان أبي نواس ١: ٨٤ (تحقيق فاجنر) .
الأبيات للمفجع البصري، انظر اليتيمة ٢: ٣٦٣ ومعجم الأدباء ١٧: ١٨٢ والمسالك ١١: ٤٢٠.
نقل العمري هذه الحكاية ١١: ٤٢٠.
م: من ذلك قوله؛ وانظر ديوانه: ٣٥٤، وما هنا أتم.
الديوان: وتفتيت.
م ط س: ونهانا.
الديوان: عاطيته الكأس.
الديوان: فترت.
ديوان الفرزدق: ٢١٢.
ديوان جرير: ١٠٠١.
الديوان: تدليت تزني وقصرت.
ديوان امرئ القيس: ٢٤١ وقراضة الذهب: ٤٢.
ديوان ابن أبي ربيعة: ١١٣ وقراضة الذهب: ٤٢.
انظر كتاب ثابت: ٢٨٧ واللسان (عتر) .
عتر الذكر: إذا اشتد إنعاظه واهتز.
ثابت: فقرتها.
ديوانه: ٢٧٣.
الديوان: فقمنا إليه واحدًا بعد واحد.
ديوانه: ٢٧٤.
انظر ترجمة والبة في الأغاني ١٨: ٤٣ وتاريخ بغداد ١٣: ٥١٨ وطبقات ابن المعتز ٨٧ والفوات ٤: ٢٤٧ وقد ورد بيتاه في معظم المصادر المذكورة.
ديوان سحيم: ١٩ - ٢٠.
الديوان: وتحوي.
ديوان ابن المعتز ٣: ٥٠.
المختار: ٤١ وزهر الآداب: ٩.
انظر الشريشي ٢: ٢١ - ٢٢.
م: فأوصى؛ الشريشي: قد أوحى لنوح.
المسالك: ٤١٩ وفي المغرب منها أبيات.
المسالك: تسهد ليله.
المغرب: جعل الحسام إلى الحمام.
المغرب: لم اتخف من بأسه.
م: سيوفهم.
انظر المغرب ٢: ٢٣٢ والنفح ٤: ٦٧.
له ترجمة في الجذوة: ٢٩٦، ٣٧١ (البغية رقم: ١٢٣٢، ١٥٢٣) والمغرب ١: ٢٤٥، وذكره في رايات المبرزين ١١ (غ)؛ ونقل ابن سعيد عن الحجاري قوله إن ابن حصن نشأ مع المعتضد فاستوزره إلا أنه كان فيه طيش أداه إلى حتفه؛ وانظر أيضًا النفح ٣: ٢٦٦، ٤٢٩ وبدائع البدائه: ٣٦٧ والمسلك ١١: ٢١٧.
المسالك: أفتن.
المغرب: تنفض الماء، د: غراب، والبيت في المسالك.
انظر النفح ٣: ٤٢٩.
فيه إشارة إلى المثل: كل مجر في خلاء يسر.
عجز بيت من الشعر، وصدره " إلى ديان يوم الذين نمضي " والبيت لأبي العتاهية في ديوانه: ٣٥٣ والأغاني ٤: ٥٣ وهو دون نسبة في ابن خلكان ٦: ٢٢٩.
س م: نوال.
المسالك ١١: ٢١٧.
ط: أليس ذا عجبا أن.
وردت في المغرب ١: ٢٤٦ والمسالك، والأخير منها في رايات المبرزين: ٤٠ (١١ غ) .
ط: تحوي.
سقط هذا البيت من م.
وردت أبيات منها في المغرب ١: ٢٤٦ وتحفة العروس: ١٦٨.
كذا في النسخ، على التأنيث، ولعله " حاذي ".
ط م د س: تنأ.
ط: مالك.
المغرب: بتهاد.
م: ضجعتني.
المغرب: لظهر.
أصبح هذا مثلًا عند الأندلسيين، انظر المثل رقم: ٨٣٦ من أمثال الزجالي (٢: ١٩٠) .
م س: ظن.
أود البيت كاملًا في النسخ، وذلك لا يلتئم مع إثباته لفظة: " البيت " التي تشير إلى حذف.
ديوان عمر: ٤٣٩.
الديوان: احتضنتني.
ط د: النوم.
منها بيتان في المسالك ومعاهد التنصيص ٣: ٨٢.
ديوانه: ١٦٩ ووفيات الأعيان ٢: ٣٦٦ - ٣٦٧.
الوفيات: وهل ترى حمائلا.
الشقر: شقائق النعمان.
وردت في المسالك ١١: ٢١٨.
وردا في المسالك.
ط م د س: يحجب؛ المسالك، حجب؛ ويجحف: يقشر.
المغرب: من صبها؛ المسالك: منصبة (وهي قراءة جيدة) .
وقد جرى: سقطت من م س ط.
عنه لأني: موضعها بياض في م ط س.
البيتان في المغرب ١: ٢٤٦ والمسالك.
انظر المغرب ١: ٢٤٧ والمسالك ١١: ٢١٩ وسرور النفس: ١٠٢ وعنوان المرقصات: ٢٦ ونهاية الأرب ١٠: ٢٦٧ وحلبة الكميت: ٢٨٦ ورايات المبرزين: ٣٩ (١١ غ) .
خ بهامش ط: هاجني، وكذلك هو في سرور النفس.
ط: التبر.
خ بهامش ط: فرع، وكذلك هو في سرور النفس.
سرور النفس: تؤاما.
ديوان المتنبي: ٤٦٥.
م ط س: واعتزم.
ط د: ويدنو.
يريد قبيلة عك.
ديوان ابن الرومي ١: ٦٣ والتشبيهات لابن أبي عون: ٢١ والشريشي ٢: ١٨٠.
اليتيمة ٣: ٣٧٩.
اليتيمة: ذو غرة لو برقت في صفحة.
م: أطل.
شروح السقط: ١١٣٣.
شروح السقط: ١٣٥١.
ط م د س: وساجرة.
ديوان ذي الرمة ٢: ٦٣٣.
الديوان: أخضر.
منها أربعة أبيات في المسالك.
ديوان أبي تمام ٣: ٢٤.
الديوان: يعنفني.
الخنج: الضخم؛ وفي ط: خنج.
ديوان أبي تمام: ٣٢٦.
ورد في طبقات ابن سعد ٣: ٢٩ منسوبا للشفاء ابنه عبد الله.
انظر مسند أحمد ١: ٨٩، ٩٦، ١٠١؛ ٣: ٢٢٨، ٢٧٠.
منها خمسة أبيات في المسالك.
المسالك: أزوره.
د: الغزال المخصر، م: المحصر.
د ط س: جريان؛ وجربان السبف: غمده أو هو قراب ضخم يضع المرء فيه السيف وأدوات أخرى، والمفقر: السيف الذي فيه حزوز مطمئنة عن متنه.
د: بالصرائم.
المسالك: تختار.
م ط س: تركوها؛ الترهوك: مشي الذي كأنه يموج في مشيته.
هو مؤدم مبشر: وصف للرجل الكامل أي جمع لين الأدمة ونعومتها وهي باطن الجلد وشدة البشرة وخشونتها وهي ظاهر الجلد؛ ويقولون امرأة مؤدمة مبشرة إذا حسن منظرها وصح مخبرها.
ط: وإنما؛ س د: وأنا.
ومنها قصيدته: وقع في د قبل قوله " أأرقى إلى السبع ".
د: خودا للمعاني.
المهو من السيوف: الرقيق، وقيل هو الكثير الفرند.
لصف: برق وتلألأ.
الغاضف: الناعم البال.
د: صفاصف؛ وأرجح أن تكون القراءة " فصافص ".
ط م س: عوالفا.
د: وبالأمن.
تنبي: تسبب فيه نبوة.
الحرجف: الريح الباردة.
ط د س: قرانا.
م: حصافًا؛ م ط: حضائفًا.
جلائف: مقطوعة مستأصلة.
س ط: سراد.
فيه إشارة إلى المثل: " ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان ".
ط: أبرضت؛ وأرضت: جعلتها أريضة ممرعة، والخشاشي: الأرض الصلبة ذات الحصى، والخشائف: اليابسة.
من المثل: " أعن صبوح ترقق " يضرب لمن يعرض بشيء وهو يريد غيره. انظر فصل المقال: ٧٥ والضبي: ٥٣.
في النسخ، جرشى، ولا وجه لإسقاط " ال " التعريف فيه.
م ط د: ترقرق ونعبق، والبيت متصل بما بعده.
ط د م س: الحيا.
ط م: اطفقت.
بنور يفرن من زناتة، استولوا بعد الفتنة على تاكرنا وكانت قلعتهم رندة، وكان زعيمهم أبو نور بن أبي قرة حليفا لعباد، ثم غدر بهم عباد في حديث طويل، (انظر البيان المغرب ٣: ٢٧٠ وما بعدها) وقوله: " دمر " هي أحد فروع اليفرنيين، وفي النسخ: تدمر.
وردت في النسخ: يرقيان، وعند ابن عذارى (٣: ٢٧١) يرنيان، وكان أميرهم عبدون بن خزرون صاحب أركش وشذونة، وقد قام عباد بالقضاء عليهم أيضًا وأباد أكثرهم سنة ٤٥٨.
الجدالة: الأرض.
موضع هذه العبارة بياض في م ط س.
في د ط: جدوا؛ ويحمج: يحدق النظر، (وفي النسخ: يجمح) والشري: الحنظل، والجرو: الحنظل حين يكون صغيرا، والمخطب: الحنظل حين يصفر.
في النسخ: ألمح؛ وألمج: أرضع؛ الجداء: القليلة اللبن، والحافل: الضرع الممتلئ باللبن.
في النسخ: تزدري؛ ولا معنى له.
نكل حرب: قوي عليها، وفي النسخ: حزب.
م ط: ابتهاله؛ س: اهتبالها.
أبان: اسم جبل.
س م: أفة.
المأقط: المعترك.
م: أحمل.
ساقط في ط م س؛ وفي د: بكل فؤاد من فؤادي؛ ولا أراه دقيقا، ولعل الصواب " بكل قسيم من فؤادي " أو " بكل فؤادي علقة وتمكن " أو ما أشبه من قراءة.
لعل الصواب: " ذكاء ".
س ط: حدا بهم.
العجمة: الثقطة؛ السبج: الخرز الأسود.
س م ط: أفة أن.
بياض في م د س؛ وفي ط كلمة لعلها مزيدة بخط غير خط الأصل.
ط م س: يضني؛ د: يقي.
مرثوم: مخلق ملطخ بالطيب.
التعليم: جعله معلما أي مخططا.
ط د م: وما.
ذكر ابن سعيد (المغرب ١: ٤٠٥) أن يوسف بن جعفر الباجي كان فقيها جليل القدر رحل إلى المشرق وحج وولي قضاء حلب، وعاد إلى الأندلس فجل قدره عند المقتدر بن هود ملك سرقسطة، وقد ذكره ابن بشرون الصقلي وعنه ينقل العماد (الخريدة ٢: ٣١٣) وذكر أن له مؤلفات وتصانيف شرعية؛ وعاد العماد فذكره (٢: ٣٨٠) نقلا عن القلائد: ١٠٢ وفيها أن كنيته " أبو عمرو "، وانظر المسالك ١١: ٤٢٠.
هكذا يقول ابن بسام، ولكن هذا من التجوز الذي يلحق ضررا بالدراسة الدقيقة، والمؤلف إنما ينتحل لنفسه عذرا، وقد علق العمري على هذا بقوله: " وهبهم أهل بيت واحد، أليس يفرق بينهم التفاوت -! ".
كذا في النسخ.
يد: سقطت من ط.
وردت هذه الرسالة في العطاء الجزيل: ٦٢.
العطاء الجزيل: بطول الأسى.
في النسخ: وكثيرة.
في النسخ: منحك، والتصويب عن العطاء الجزيل، وزاد فيه بعد اللفظة " الله ".
وردت في العطاء الجزيل: ٦٣.
العطاء الجزيل: في توفية.
ط م س: فشد.
في النسخ: الحبر.
ط م د س: لرزء يسهل فيها، وأثبت ما في العطاء الجزيل.
ط م د س: للبث.
ط م د س: في الاحتساب.
م س: باستدانها، ط: باستمدانها.
في النسخ: هاد للعاقلين، والتصويب عن العطاء الجزيل.
م ط: أفحمتني، س: أفجعتني.
م ط س: وفضضته.
ط: الكتاب.
كان المأمون بن ذي النون قد سجن أبا مروان ابن غصن الحجاري، انظر أخباره فقي القسم الثالث: ٣٣١ وما بعدها.
ط د: صبيح.
تقع هذه الرسالة في سلسلة الرسائل " الزهرية " التي مرت منها نماذج في ترجمة أبي الوليد إسماعيل الملقب بحبيب: ١٢٧.
هو محمد بن سليمان الرعيني أبو عبد الله، راجع ترجمته في القسم الأول: ٤٣٧.
ط د م س: فاعتزله.
قارن بالقلائد: ١٠٣ والخريدة ٢: ٣٨٢، ووردت أيضًا في العطاء الجزيل: ١٢٩.
القلائد والخريدة: ترفيهًا وإنعامًا تنبيهًا وإلهامًا.
القلائد والخريدة: وعلى آخرين.
العطاء الجزيل: له.
م: أنعم.
م د س ط: فقنع.
العطاء الجزيل: إثر.
القلائد والخريدة: الحمد.
غافق: حصن حصين كان بقرب حصن بطروش (الروض: ١٣٩) والمدور حصن آخر (Almodovar del Ria) قريب من قرطبة، وانظر الحديث عن المدور في المغرب ١: ٢٢٢.
صنبر: اسم جبل، ذكره البحتري " أعلام رضوى أو شواهق صنبر "، وفي المسالك: وألقت عنان الطوع وهي تحسر.
المسالك: تطوى.
المسالك: الأمير.
منها أربعة أبيات في المسالك.
شروح السقط: ٢٨٤.
م د ط س: صوب.
منها أربعة أبيات في المسالك.
ط م د س: حام.
هو علي بن عبد الله بن علي المعروف بابن الاستجي؛ ذكره الحميدي مرتين (الجذوة: ٢٩٥، ٣٧٠) وتصحف اسمه في الموضع الثاني إلى " الاشجعي " وكان فقيهًا نحويًا من أهل قرطبة، سكن إشبيلية (انظر البغية رقم: ١٢٢١، ١٥٢٢ والمسالك ١١: ٤٢) .
انظر البديع: ١٨ والجذوة: ٣٧١ والمسالك والبغية.
البديع: ١٥١.
م: الشعر.
البديع: أبنية اصطلمت.
س د م ط: جرد، والتصويب عن البديع.
يعني أبا حنيفة الدينوري صاحب كتاب النبات.
البديع: ٤٠ - ٤١.
البديع: الروض.
البديع: محضه.
البديع: مرفضه.
سقط البيت من م.
م ط د: يأمل؛ ط د: فرضه.
البديع: ٤١ - ٤٢.
ط د م س: عضه؛ خ بهامش ط: مخضه؛ البديع: من الأزاهر مخضه.
البديع: ٤٣.
م ط س: كما (كمى) .
البديع: بيضاء غراء.
البديع: الهشم.
بعد هذا حدث سقط في م.
البديع: ٤٣.
البديع: واقتضه.
ط د س: الحسن.
في النسخ: يشمه.
هنا ينتهي السقط في م.
البديع: ٤٦.
ط د م س: سلا.
س ط: بعض.
البديع: ٤٧.
ورد البيت في م:
بأن وصف الأقاحي بأكؤس من فضه البديع: ٤٨.
هذا البيت والذي يليه سقطا من م.
س ط م د: نقد.
ذكره الحميدي (الجذوة: ٣٦٧ والبغية رقم: ١٥١٣) في من ذكروا بالكنية ولم يتحقق من أسمائهم، والحميدي يعتمد أيضًا كتاب الحديقة لأبي عامر ابن مسلمة.
د: فريضة.
ط: سأبعد.
انظر الجذوة: ٣٦٧ (البغية رقم: ١٥١٢) ووصفه بأنه رئيس أديب شاعر؛ وانظر النفح ٣: ٤٨٥؛ وذكر الحميدي: ١٦٤ الأصبغ بن سيد وكناه أبا الحسن، وقال إنه، شاعر إشبيلي رآه قبل ٤٥٠، ولعل الشخصين شخص واحد، وإنما الخطأ واقع بين الاسم والكنية.
م ط س: ريقها.
هو إبراهيم بن خيرة أبو إسحاق يعرف بابن الصباغ، من شعراء إشبيلية (الجذوة: ١٤٥ والبغية رقم: ٥٠١ والغرب ١: ٢٦٠ والنفح ٣: ٤٨٥) وفي المصادر بعض أبياته التائية؛ وقد نسبت الأبيات في المطمح: ٢٣ لأبي عامر ابن مسلمة نفسه.
س والجذوة: بمثال.
س: طال.
أبو بكر ابن نصر الإشبيلي، ذكره الحميدي في الكنى اعتمادًا على ابن مسلمة (الجذوة: ٣٦٩ والبغية رقم: ١٥١٩) .
ذكره ابن سعيد نقلًا عن الحجاري وإنه من شعراء الدولة المعتضدية، معتمدًا على أبي عامر ابن مسلمة (المغرب ١: ٢٥٩) .
وردا في المغرب ١: ٢٥٩.
م ط د س: ولم.
انظر ترجمته في المغرب ١: ٢٥٩ والنفح ٣: ٤٨٤.
البديع: ٢٩.
م ط س: يقضي العبور.
هما في المغرب والنفح؛ وقال ابن سعيد أن صاحب البديع انشدهما له، ولكنهما لم يردا في المصدر المذكور.
البديع: ١٤٦ والمغرب والنفح.
البديع: الأحبوش.
المشهور بهذا الاسم أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن القوطية صاحب كتاب الأفعال وكتاب افتتاح الأندلس، أصله من إشبيلية وسكن قرطبة، وكان عالمًا بالنحو حافظًا للغة وأخبار الأندلس وأحوال فقائها وشعرائها، وطال عمره، وكانت وفاته سنة ٣٦٧، ولا يمكن أن يكون هو المذكور هنا، فلعل هذا حفيد له، ولهذا وضعه الحميدي في باب الكنى (الجذوة: ٣٦٩ والبغية رقم: ١٥١٨)، وقد كان أبو بكر هذا هو صاحب الشرطة وذكر أنه شاعر متأخر (بالنسبة لزمان الحميدي)، وقد أكثر له صاحب البديع من المختاات الشعرية.
يسمى أيضًا المرزنجوش والمرزجوش، وهو بنات كثير الأغصان ينبسط على الأرض، وله ورق مستدير عليه زغب، وهو طيب الرائحة جدًا.
البيت في الذخيرة ٤، الورقة: ٣٤.
في النسخ: مدرسا.
توفي الفقيه محمد بن مروان بن زهر سنة ٤٢٢ (انظر المطرب: ٢٩٣ والصلة: ٤٨٧ والبغية ص: ١٢٠ والوافي ٥: ١٦ وعبر الذهبي ٣: ١٥٠) .
راجع ترجمة أبي مروان عبد الملك في الذيل والتكملة ٥: ٣٧ والتكملة رقم: ١٦٩١ وطبقات صاعد: ٨٤ وابن أبي أصيبعة: ٦٤ والمغرب ١: ٢٦٥.
انظر في أخبار زهر بن عبد الملك كتاب التكملة: ٣٣٤ والمطرب: ٢٠٣ والنفح ٣: ٢٤٦، ٤٣٢ (نقلًا عن الذخيرة) . وبدائع البدائه: ٣١٠ وابن أبي أصيبعة ٢: ٦٤ - ٦٦. وكانت وفاته ٥٢٥ ودفن بإشبيلية باب الفتح.
انظر النفح ٣: ٤٣٢ - ٤٣٣.
النفح: حسن.
ديوان ابن الرومي ٢: ٥٩١ ورسالة الصاحب: ٢٤٢.
ديوان البحتري: ٢٤٠٥.
ستجيء ترجمته في هذا القسم: ٧٩٩.
ستجيء ترجمته في هذا القسم: ٨١١.
رسالة الصاحب: ٢٤٢.
ديوان المتنبي: ١٠١.
ترجمته في ما يلي من هذا القسم.
ديوان كثير: ٥٠٧ ومعه مصادر تخريجه، ويضاف إليها: بديع أسامة: ١٣٠ وبديع ابن المعتز: ٦٠ وإعجاز الباقلاني: ١٥٠ ومعاهد التنصيص ١: ١٢٥ وشرح النهج ٢: ٤٠٧.
بديع ابن المعتز: ٥٩.
يريد ابن رشيق في العمدة ٢: ٥٤، وهو يتابعه في أمثلته.
لم يرد في ديوان النابغة الذبياني وقال صاحب العمدة: ورواه آخرون للجعدي، وهو في ديوانه: ١٦٢ وروايته، ألا زعمت بنو كعب.
العمدة ٢: ٤٥، وكذلك سائر هذا الفصل عن الالتفات.
س م ط د: يوفي.
طبقات أبن المعتز: ١٨٨.
ديوان جرير: ٢٧٩، ٢٧٨.
بديع ابن المعتز: ٥٩.
هذا كلام ابن رشيق، وانظر ابن المعتز: ٥٨.
ديوان بشار: ١١١ (جمع العلوي) .
ديوان نصيب: ٩١.
انظر الأغاني ١: ٢١٣.
ديوان العباس: ٣٣.
م د: السحر.
لم يرد في ديوانه.
هنا آخر النقل عن العمدة لابن رشيق.
انظر في هذه الأبيات ديوان المتنبي: ٢٩٧، ٤١٣، ٣٥٥، ٤٠١، ٢٤٩، ٢٧٨، ٣٤٤ على التوالي.
م ط س: شرطه.
ديوان المعتمد: ٩٠ والمعجب: ٢١٨.
زيادة من الديوان لاستيفاء المعنى.
في المعجب:
وركض عن يمين أو شمال لنظم الجيش أن رفع اللواء
يعنيه أمام أو وراء إذا اختل الإمام أو الوراء م ط د: سيبلي؛ س: سنبلي؛ المعجب: سيبلي النفس.
د: أعقبني.
بدائع البدائه: ٣١٠ - ٣١١.
م ط د س: يغشى.
ط م د س: يستبق، والتصويب عن بدائع البدائه.
بدائع البدائه: لما استدار به عذار مونق.
بدائع البدائه: استنار.
أورد ابن بسام هذين البيتين في القسم الأول: ٥٠٦ وهما هنالك منسوبان لابن الرومي، وانظر ديوانه: ١٣٧.
م: الأزرق.
الفقيه: زيادة من ط.
أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري (- ٤٨٧) صاحب المؤلفات اللغوية البارعة مثل شرح الأمالي وفصل المقال، والكتب الجغرافية مثل: المسالك والممالك ومعجم ما استعجم؛ انظر مقدمة السمط التي جميع فيها الأستاذ الميمني ما ورد عنه في الصلة والقلائد وبغية والحلة والوافي وعد مؤلفاته، وانظر دراسة عنه في الجغرافيين في الأندلس: ١٠٧ - ١٤٨؛ وقد نقل الأستاذ الميمني نص الذخيرة هذا أيضًا في مقدمة السمط.
بأفقنا: سقطت من م ط س.
ط م س: وأبدعهم؛ الميمني: وأبرعهم.
يعني أبا عبيد القاسم بن سلام.
ونثره: سقطت من م س.
م ط: أميرة.
نقل دوزي هذا الفصل عن الذخيرة في مجموعه عن بني عباد ١: ٢٥٢ وانظر البيان المغرب ٣: ٢٤٠ والحلة السيراء ٢: ١٨٠ - ١٨٢.
أونبة اسم آخر لمدينة ولبة (Huelva) وهي وشلطيش (Saltes) في كورة اكشونبة في الركن الجنوبي الغربي من شبه جزيرة ايبرية، وتسمى المديرية اليوم مديرية ولبة. وفي ساحلهما جزر صغيرة أكبرها جزيرة شلطيش (انظر الروض المعطار، الترجمة الفرنسية: ٤٤، ١٣٥.
لبلة (Niebla) تقع شمال اقليم اكشونبة وتبعد عن اشبيلية إلى الغرب مسافة خمسين كيلومترًا (الروض: ٢٠٣) .
م س: وردها.
دوزي: جلالا وخلالا.
بهامش ط الأيسر بخط غير خط الأصل: " بقي منها نحو نصف ورقة " وعلى الهامش الأيمن " هنا ترجمة للوزير الفقيه أبي عمر أحمد بن محمد بن حجاج ". ولكن مما يلفت النظر أن النسخ المعتمدة لم تورد ترجمة ابن حجاج كما أنها لم تورد للبكري شعرًا أو نثرًا، وهي في الأرجح ناقصة عما رسمه ابن بسام نفسه، لهذا أثبت هنا بعض نثر البكري وشعره ليكون ذلك في نسق مع طبيعة كتاب الذخيرة.
نهاية الأرب ٥: ١٤٥ ونقله الميمني في مقدمة السمط.
للأعشى: ديوانه: ١٤٩ والذخيرة ١: ٨٣٥.
ديوان أبي تمام ١: ٧٨.
انظر الحلة السيراء ٢: ١٨٦ وما بعدها، ومقدمة السمط.
هنا تقع ترجمة أبي عمر أحمد بن محمد بن حجاج، وقد نقل ابن سعيد شيئًا منها عن الذخيرة (المغرب ١: ٢٥١) وفيها يقول: " كان بحر علوم، وسابق ميدان منثور ومنظوم " وأورد له ابن سعيد رسالة أو قطعة من رسالة، أثبتها البلوي أيضًا على نحو أتم في العطاء الجزيل (ص: ٥؛ وأرجو أن أوفق إلى العثور على الترجمة كاملة وإلحاقها بها القسم من الذخيرة) .
أبو بكر محمد بن سليمان الكلاعي الاشبيلي (- ٥٠٨) كان من أهل التفنن في العلوم كاتبًا بارع الخط، وسافر رسولًا عن المعتمد بن عباد إلى الملوك غير مرة، وقبيل وفاته أدركه الخرف؛ انظر ترجمته في الصلة: ١٠٤ والمغرب ١: ٣٥٠ والمطرب: ٨١ واعتاب الكتاب: ٢٢٢ والمعجب: ٢٢٧ والوافي ٣: ١٢٨ والمحمدون من الشعراء: ٣٥٨ والخريدة ٣: ٣٨٣ والذيل والتكملة ٦: ٢٢٧ والنفح ٤: ٣٦١، ٣٦٥، ٣٦٦ والإحاطة ٢: ٥١٦.
من هنا نقل ابن الأبار نص ابن بسام في ترجمة ابن القصيرة (أعتاب الكتاب: ٢٢٢) حتى قوله: تقعده؛ ثم لخص بعد ذلك حتى آخر الترجمة.
الأعتاب: فعلمه.
ذكر مؤلف المعجب: ٢٢٨ أن ابن القصيرة كان على طريقة قدماء الكتاب من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب، اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفوًا من غير استدعاء.
فيه مشابه مما أورده صاحب الروض المعطار (مادة: الزلاقة) ونقله المقري في النفح ٤: ٣٦٩، وانظر أيضًا القسم الثالث من كتاب أعمال الإعلام: ٢٤٥.
م: وقدره ممتنًا وقضاه، س: وسناه ممتنًا وقضاه.
أعلام: إن كان قد أمهله.
أشوى: أصاب الشوى أي الأطراف، ولم يكن قاتلًا.
هذه العبارة قلقة هنا، وكذلك هي في الروض والنفح وأعمال الإعلام.
ط د م: القيمة (ولعل الصواب: العصية) .
م س: الخلفاء.
قورية (Coria) قريبة من ماردة (الروض المعطار رقم: ١٥٣) وفي س م: مورية.
م ط: تعاطيه.
م د: أخطرناها.
م: برايتنا.
الكالئ: النسيئة والسلفة، والنقد: الدفع المعجل.
م: أعاليهم.
يعني أبا عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز.
انظر أبياتًا منها في القسم الثالث من أعمال الإعلام: ٢٤٩ وفي القلائد: ١٣ والمغرب والخريدة وهي من قصيدة وردت في ترجمة ابن عبادة القزاز في القسم الأول من الذخيرة: ٣٠٨.
م س: تواقعه.
منها أبيات في المسالك ١١: ٢٢١ والخريدة ٢: الورقة: ٩٩ (في ترجمة عبد الجليل ابن وهبون) والمطرب: ١٢٠ - ١٢١ والقسم الثالث من أعمال الإعلام: ٢٤٧ - ٢٤٨ والقلائد: ١٣.
كيامن: مثل يامن (يعني بنيامين أخا يوسف الصديق) وفي أعمال الإعلام: كبا بزلا وما لكما نظام (وهو غريب) .
ط: رفيقة؛ م: رقيقة؛ والرفيغة: التراب اللين.
فيه إشارة إلى قول حسان بن ثابت يعير الحارث بن هشام بالفرار:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ننجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأسي طمرة ولجام هو مثلن انظر جمهرة العسكري ٢: ٢٥٥ (تحقيق أبو الفضل) والميداني ٢: ١٤٣ واللسان (عصم) .
ديوان أبي فراس: ٣٠٦.
الديوان: إماء من قريظ.
م س: لليل.
ديوان المتنبي: ٤٦٤ والخريدة ٢: ١٠٠.
ديوان أبي تمام ١: ١٩٩.
تمامه: وزيد فيه سواد القلب والبصر (شروح السقط: ١١٩) .
ديوان التهامي: ٥٥.
م: التصليط.
ستأتي ترجمته في هذا القسم: ٤٣٣.
ط م س: تسام.
ط د: المتن.
وضعنا هذا النص بين أقواس، لأنه سيرد من بعد في رسالة لمحمد بن أيمن، فهو ليس من كلام ابن بسام، وإنما أورده مقتبسًا.
هو ابن العسال الزاهد عبد الله بن فرج اليحصبي، انظر النفح ٤: ٣٥٢.
في النسخ: لقد.
م: عار.
ديوان امرئ القيس: ٧٠.
قيل إن بربعيص بنواحي حلب؛ وفيها وفي ميسر كانت وقعة فيما يبدو.
ديوان حسان ١: ١٧.
المغث: القتال؛ اللحاء: السباب؛ ألمنا: فعلنا ما نلام عليه.
م: أبهر.
انظر زهر الآداب: ٢٣٠ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٣٦ والقسم الأول من الذخيرة: ١٥٠ والغيث ٢: ١٦٠.
ط م د: تكن.
م: وأجدى.
ط: الموهوب.
ط: متدامًا؛ م س: قندامًا؛ وبياض في د؛ والقنداق لفظة يونانية تعني " بيان " أو " براءة " مدرجة ضمن رسالة أو رقعة، كما يفهم من النص أعلاه.
قال: سقطت من م د س.
في النسخ: كمل.
ط: ومجرمًا.
كذا ولعلها " الديار "، وهي غير واضحة في م.
قرع للأمر ظنبوبه (وهو عظم الساق): استعد له وتهيأ.
ديوان أبي تمام ٣: ٣٢٠.
الديوان: المخفى.
ط: نافق؛ س م: راهق.
م د: سيل.
د: تعرض.
ديوان المتنبي: ٢٥٩.
م ط: غير أسر، وهي رواية أخرى.
في النسخ ابن جهور، والتصويب عن الحلة ٢: ١٠١ حيث ذكر أنه أحد أدباء إشبيلية. وابن جهور ليس من إشبيلية، وقد عرف محقق الحلة بمن اسمه عبد الله بن أحمد بن جمهور ومن المستعبد أن يكون هو الشاعر المقصود هنا، لأن عبد الله ولد سنة ٥١٦ أي بعد الزلاقة بثماني وثلاثين سنة.
ديوان أبي تمام ٣: ٢٤٢.
نهر آلس ووادي عقرقس ببلاد الروم، وكان عند الأول نصر للروم وعند الثاني نصر للمسلمين.
ترجم ابن سعيد (المغرب ١: ٦٣٤٠) لبي الحسن محمد بن محمد بن الجد، الذي سيترجم له ابن بسام في هذا الجزء ويكنيه بأبي احسين (والكنيتان تتبادلان في المخطوطات) فلعله هو المعني هنا.
سقط البيت من م.
م ط: صوت.
هذه الرسالة موجهة إلى صاحب قلعة بني حماد على لسان يوسف بن تاشفين؛ كذا قال في القلائد: ١٠٥ والخريدة ٣: ٢٨٥.
القلائد والخريدة: ونكرك.
القلائد والخريدة: وخلافك.
م ط س: بصلح.
القلائد: لقصصنا؛ الخريدة: لفضضنا.
ط: ويخجل من حجته.
القلائد والخريدة: حجته.
د والقلائد: لا.
د: القصة.
م ط: امتدادها.
القلائد: ولا عنانا غير.
القلائد والخريدة: غيظًا.
القلائد والخريدة: وحماتك.
م ط س: القادر.
س د: فنندهه (اقرأ: فنبدهه) .
م س ج وخ بهامش ط: مالك.
ظ: وشاربوا.
ط م: وأجليت.
س م ط: ولولا صاحب رومة.
هو محمد بن علي بن عبد العزيز بن حمدين التغلبي، أبو عبد الله، كان من أهل التفنن في العلوم، حافظًا ذكيًا تولى القضاء بقرطبة سنة ٤٩٠ وبقي في منصبه إلى أن توفي سنة ٥٠٨ (الصلة: ٤٣٩ - ٥٤٠) وانظر القسم الأول: ٨٣٩ (الحاشية: ٤) وفي ما جاء هنا تصحيح لما ورد هنالك حول أبي عبد الله قاضي الجماعة.
س ط د: وتولى.
وجلد وعزم: سقطت من م.
ط د م س: تبالي.
م: وعالك.
س: لديك.
م ط س: إشارتك: خ بهامش ط: أشاركك.
د: وأطلعك.
خ بهامش ط: المستبين.
م ط س: سط؛ د: لبيط (وهذا الوجه الأخير يكثر وروده) .
ط: بالضرب.
م د: فعورت.
ط د: خليفنا.
كذا ورد في م ط د.
لورقة (Lorca) من أكبر مدن ولاية مرسية (الروض رقم: ١٦٢) .
ط: ليون؛ وأبو الأصبغ سعد الدولة هذا ذكره ابن سعيد في المغرب (٢: ٢٧٥) وذكر أنه ولي لورقة بعد أخيه أبي عيسى ابن لبون (الذي ترجم له ابن الأبار في الحلة ٢: ١٦٧) ثم صارت للمعتمد كما يذكر ابن القصيرة في هذه الرسالة.
د: والأمل.
ط: والحرج (وهي قراءة مقبولة) .
لعل المعنى هنا هو أبو بكر عيسى بن الوكيل اليابري الذي عاش إلى أيام دولة المرابطين واستعمل على الكتابة بغرناطة (أعتاب الكتاب: ٢٢٤) .
د: أفق.
د: بلبيط؛ ط س م: بليط.
س ط م د: الحتوف.
كذا في النسخ، ولعلها: مشايعة.
ط م د س: وانطباع.
ط م د س: الداخلة.
قص الفتح في القلائد: ١٠ - ١٢ كيف استولى المعتمد على قرطبة بمداخلة أهلها وولاها ابنه الملقب بالظافر " ولم يزل فيها آمرًا وناهيًا، غافلًا من المكر ساهيًا إلى أن ثار فيها ابن عكاشة ليلًا وجر إليها حربًا وويلًا " وقتل الظافر؛ وانظر أيضًا النفح ١: ٦٢٣ - ٦٢٧ وأعمال الأعلام: ١٥١، ١٥٨ واسم ابن عكاشة " حكم " وانظر ما يلي: ٢٦٨.
م ط س: تم.
يشير بهذا إلى ابن ذي النون، كما سيذكر ابن بسام في ما يلي.
قد تقرأ في م: " سني ".
م: غشيته.
ط: أفيضت.
ط د س: واستشار.
م: ومتون؛ س: وتيمور.
زاد في د: معهم.
د: إلا أنهم بغتهم.
قد تقرأ في م: والبابه؛ د: والبائه؛ وفي ط: واكبابه والبابه.
د: البلد.
نقل دوزي مهذا الفصل في ما جمعه من أخبار بني عباد ١: ٣٢٢ وانظر أعمال الإعلام: ١٤٩ - ١٥٢.
م ط ودوزي: الآجال.
أنظر القسم الأول: ٦١٠ - ٦١٤.
أبو بكر محمد بن مرتين: ذكره الحجاري وقال إنه كان ينادم ابن افتتاح (المغرب ١: ٢٤٣) وقد ذكر في النفح ٣: ٤٠٦ ولقب بالقائد، وانظر ٣: ٤٧٤، وذكره ابن الخطيب في أعمال الأعلام: ١٥١، ١٥٨ وأشار إلى أنه وزر للظافر أثناء توليه قرطبة، وهو ما يتحدث عنه ابن بسام في هذا الفصل.
دوزي: أمكنت.
م: أحد.
بعد هذه اللفظة بياض عند دوزي، ولا وجود له في النسخ المعتمدة.
من جمادي: سقطت من ط م س.
البيت لمرة بن محكان التميمي، شاعر مقل اسلامي، انظر الحماسية رقم: ٦٧٥.
س م ط د ودوزي: وشناة.
م ط: وهدته؛ خ بهامش ط: وهزته.
م ط د س: وحسنته.
البيت من قصيدة في الأصمعيات (رقم: ٢٩): ١١٧ - ١١٩، وانظر حماسة ابن الشجري: ١٣ والسمط: ٦٩٠ والخزانة ٣: ١٦٦.
م: ويقتحمون.
د: البحر.
ط: نهي.
ط م د س: والإباحة.
م: غماتهم.
م س: تنقدح؛ ط: تتفدح: تصبح قرحاء أي ذات غرة، والأقرح: الصبح لأنه بياض في سواد.
الياء غير معجمة في النسخ؛ وهي من ألاح بمعنى أضاء وبدا وتلألأ؛ ويمكن أن تكون قراءة هذه العبارة على النحو الآتي: " أن غماءهم لا تتفرج، وظلماءهم لا تنجلي ولا تتبلج "، ولكن آثرت ما هو أقرب إلى الأصل.
د: عنهم.
هذه القراءة من هامش ط؛ وفي النسخ: فانثنى.
م: حرج (واللفظتان تتبادلان في النسخ) .
د: التعرض.
م: المظفر.
م: ومعولًا.
م ط س: تبدو عن.
د: والاستيفاء.
م ط س: الأحة.
د: الخاطر.
م: شهراء.
ط: فيعسوا.
البدهة: المباغتة والمفاجأة؛ س ط د: بديهة.
م ط د س: وثاني؛ ط: نصيفتهم.
خ بهامش ط: تتمة عشرين.
م ط: أسرى.
ط: الجهون وفوقها " كذا "، وشكلها قريب من ذلك في م س.
س م ط د: خشعها.
د: نعلم.
بسطة (Basa) واسمها في القديم (Basti)، وهي اليوم أكبر مدينة في ولاية غرناطة وتبعد ١٢٣ كم إلى الشمال الشرقي من غرناطة نفسها (الروض رقم: ٤٦) .
من حرمة: سقطت من م.
م: عن مخالفته؛ س: عن مخالفة.
س م ط: ذلك.
انصات: استقام؛ س م: اقضات؛ د: اتصلت.
عجز لأحمد بن أبي فتن، وصدره: " تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكر " (زهر الآداب: ١٠١٢ وقد مر تخريجه في القسم الأول: ٣٢٣ وورد هنالك برواية مختلفة) .
ط م س: التشاوب اسمه استقال؛ د: في اسمه.
ط م د س: قوارض.
د: الاقصار.
م ط د: والاستهراف.
كذا في النسخ.
م ط: اسق مقفًا.
أجوس وقفت: سقط من م س.
م ط: بجانبها.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٤١٦.
م س: السيف.
م: فتطيرت.
س د م: وأحصل.
زاد في م: شاء.
لقبائح: موضعها بياض في م.
ط م د: باستثارة.
النشر: الرائحة؛ وقد انفردت بها ط ولعلها مكررة إذ المعنى يتم دونها.
م: واستولى مقادة.
محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرح بن الجد الفهري: شلبي الأصل سكن اشبيلية، ويعرف بالأحدب، أخو الحافظ أبي بكر ابن الجد، كان من أهل التفنن في المعارف والآداب والبلاغة ذا حظ جيد من الفقه والتكلم في الحديث، وكان يفتي ببلده لبلة وتوفي سنة ٤١٥ (الصلة: ٥٤٤ والذيل والتكملة ٦: ٣٢٦ والمطرب: ١٩٠ والمعجب: ٢٣٧ والقلائد: ١٠٩ والخريدة ٣: ٣٩٣ والمغرب ١: ٣٤١ وإحكام صنعة الكلام: ١٨٥ - ١٨٦) .
العفة: بقية اللبن في الضرع، ولعلها أن تقرأ " غفة " - بالغين المعجمة - وهي البلغة من العيش.
د: غير.
هو اللقب بالراضي أبي خالد، ولاه أبوه أولا الجزيرة الخضراء ثم رندة، ومنها استنزل وقتل سنة ٤٨٤ (انظر الحلة ٢: ٧٠) .
د: فصل.
قبر: سقطت من م ط س.
م: قلبك.
ولا طفت: لم ترد في د.
في النسخ: بقربك.
في النسخ ما عدا س: يتهجدك.
العج: العجيج في الدعاء. النفح: سفك دماء البدن وغيرها؛ وفي الحديث: تمام الحج العج والثج؛ د: وشجك.
م: منحها؛ س: فتحها.
م: الجناح.
م ط س: انتهك.
انبتك: انقطع.
ط م: تشرفت.
م ط س: ثار.
م ط: للطبع.
أبو القاسم واسمه الحسن هو ولد أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني الذي ترجم له ابن بسام في هذا القسم من الذخيرة (انظر ص: ٨١ فيما تقدم) وأبو القاسم هو الذي سعى في فساد دولة بني عباد عند أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أخذًا بثار أبيه، وكان فقيهًا مشاورًا ببلده، توفي سنة ٥١٢ (الصلة: ١٣٧ والمغرب ١: ٢٣٥ وترتيب المدارك ٤: ٨٢٦) .
تعالى: زيادة من م.
م: يتجنى.
يريد حمى الربع.
س م ط: فاتبعها.
في النسخ: فأشعرها.
د: الوليد.
ط: في أوفق.
ط: انثنائه، م: انشاء.
البيت لحمدج المري (البلدان: صول)؛ وصول: مدينة في بلاد الخزر من نواحي باب الأبواب.
س ط م: عن حباله؛ وسقطت " نوم " من م ط س.
من قول أبي العلاء المعري (شروح السقط: ١٥٣)
هموا فأموا فلما شارفوا وقفوا كوقفة العير بين الورد والصدر فهلا: سقطت من م ط س.
م س: مرادي.
م س: حاصت.
س: أجفت.
د: أمدًا.
ط م س د: يبقي.
كذا في النسخ، ولعلها: خطوبه.
ط م د س: غصة.
ط م د س: وجاء.
د س: الظل.
لم يرد في ديوانه (جمع العلوي)، وهناك بيت على شاكلته وهو (ص: ١٤٠):
أعطى البخيل فما انتفعت به وكذاك من يعيطك من كدره م ط س: جوابك؛ والجراء: بمعنى المجاراة والمباراة.
د: وإبدائك.
أجمل تأول: سقطت من م ط س.
م: وصولا.
كذا في م ط د س؛ ولعل الصواب " متغيف " أي مائل الأغصان (أو مسعف) .
د: يموج، س: يخرج.
م ط: سعيك.
عجز بيت لأبي تمام، وصدره (الديوان ٣: ٣٥٦):
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفًا
م: ويحتمل.
م: واسلفت؛ س: واستلفت.
في النسخ: يجتلي ويقف.
مقام: سقطت من م.
إشارة إلى قول البحتري (ديوانه: ٤٠٥):
لا أنسين زمنا لديك مهذبا وظلال عيش كان عندك سجسج
في نعمة أوطنتها وأقمت في أفيائها فكأنني في منبج م ط س: والشحب؛ د: والشخب.
الثغب: الغدير.
ط م د: ألقى.
بنو المناصف كثيرون ترجم لبعضهم ابن الأبار في التكملة وابن سعيد في المغرب، ولم أجد من بينهم من كنيته أبو القاسم.
د: واستنسخت.
خ: بهامش ط: جوادك.
م: وذان.
من قول قيس بن الخطيم: (الديوان: ٤):
إذا ما اصطحبت أربعا خط مئزري واتبعت دلوي في السماح رشاءها م ط: يفرج، س: يبوح.
السواد - بكسر السين - السرار؛ وقيل لابنة الخس: ما أغراك بعبدك - قالت: طول السواد وقرب الوساد (الحيوان ١: ١٦٩) .
م ط د س: يفرق.
م: بمرضاك.
الزمل: نوع من العدو؛ وفي ط: الرمل، وهو أيضًا نوع من العدو.
م ط س: إلى بعض.
من قول بشار (ديوانه: ١٥):
يسقط الطير حيث ينتثر الحب وتغشى منازل الكرماء ثبيت: مدحت ونالها الثناء.
من قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ط م د: يرفع.
هو علي بن عبد الرحمن بن مهدي التنوخي من أهل إشبيلية (- ٥١٤)، كان من أهل المعرفة بالآداب واللغة حافظًا لهما (الصلة: ٤٠٤) .
م: رمقته.
م ط: تهايف؛ س: تهالف، وهي غير واضحة تمامًا في م.
لع الصواب: وصفحته.
د: المرام.
م س: وتسوق؛ ط: وسوق.
م ط: الصنع.
د: شدقيه.
فرضًا: سقطت من ط ك س.
العرب تقول للشيء: الذي لا يعسر تناوله هو على طرف الثمام، والثمام نبت لا يطول ولهذا لا يشق تناوله؛ وفي النسخ: تمام.
م: الرهان.
د: سبب.
ط م: ثلم.
هو الحسن بن عمر الهوزني الاشبيلي (٤٣٥ - ٥١٢) وقد مر التعريف به فيما تقدم ص: ٢٩١.
البيتان لأبي فراس الحمداني، ديوانه: ٧١ واليتيمة ١: ٥٢٣ في تعزية سيف الدولة، وقد وردا في القسم الثالث: ٢٢٥ ونسبا في محاضرات الأدباء لأبي نواس، وذلك تصحيف.
م س د ط: أهجع.
د ط: أبشع، س: أشنع وأوجع.
ط م د س: ومختصر.
الساقة: مؤخرة الجيش، والمقصود هنا - فيما يبدو - من خلفهم الفقيد بعد موته من أبناء يحتاجون إلى رعاية، وانظر ما تقدم ص: ١٢٠.
ط س: آمالًا.
م: خطبها.
م ط س: لصدمها.
م: لعبرة نمائها، س: مأتمها.
المشيع: الشجاع لأن قلبه لا يخذله.
زاد في ط د: به.
ط م س: موازنها.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٣١٥.
انظر القلائد: ١١١ والخريدة ٣: ٣٩٤ - ٣٩٥ والمطرب: ١٩٠.
ط م: معنى.
القلائد والخريدة: تضوع.
د والقلائد والخريدة والمطرب: مهلل.
انظر القلائد: ١١١ والخريدة ٣: ٣٩٥.
د م س وأصل ط: جدي.
الخريدة: حباني.
مضمن من شعر أبي تمام، وصدر البيت، أتاني مع الركبان ظن ظننته (ديوان أبي تمام ٢: ١١٥)، وعند هذا البيت ينتهي ما ورد من القصيدة في القلائد والخريدة.
د: المجد.
القلائد: ١١٢ والخريدة ٣: ٢٩٦ والمغرب ١: ٣٤١ والمطرب: يحامي.
المطرب: طاب له نشر.
المغرب والقلائد والخريدة: تحامي، المطرب: يحامي.
المغرب والقلائد الخريدة والمطرب: نشر.
المطرب: سر.
المطرب: الند.
المطرب: صرامتي؛ المغرب: ضرائبها.
ط: وشتت؛ د: وشمت؛ م والقلائد والخريدة: وشبت مطربًا.
الثغب: ما بقي من الماء في بطن الوادي؛ المطرب والقلائد والخريدة: ثعب.
هذا البيت نهاية القصيدة في المصادر المذكورة.
ط م س: ولا.
القسم الأول: ١٧٩.
هو أبو تمام، ديوانه ٤: ٤٦٤.
الديوان: الاحشاء.
ديوان أبي تمام ٤: ٥٦٨ وصدر البيت: " وقالت أتنسى البدر قلت تجلدًا ".
د: تشرق.
ديوان المتنبي: ٣٣٠.
له ترجمة في المطمح: ٢٩ والمغرب ١: ٢٣٦ والخريدة ٣: ٤٣٧ والنفح ٣: ٥٥٢ (نقلًا عن المطمح) . وهو جد صاحب " إحكام صنعة الكلام " (تحقيق د. رضوان الداية، بيروت) .
قد أشار صاحب إحكام صنعة الكلام إلى جانب من هذه العلاقة (ص ١٩٧) وأورد لجده بيتين طيرهما للمعتمد حين كان المعتمد ما يزال يلقب بالظافر، وهما:
ظفرت بالأعداء يا ظافر ونلت مجدًا نوره باهر
فمنك للباغي وللمبتغي عضب جراز وندى غامر ففك المعتمد المعمى.
انظر إحكام صنعة الكلام: ١٩٨.
هذا المخاطب هو الوزير أبو مروان ابن الدب كانت له منية بعدوة اشبيلية، وكان صهره هو الوزير الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية (انظر المطمح: ٢٨ - ٢٩ والنفح ٣: ٥٥٠) .
م: العليل وهن.
قال صاحب المغرب (١: ٢٣٦) " ذكره الحجاري فقال: قطع الله لسان الفتح صاحب القلائد، فانه شرع في ذمه، بما ليس هو من أهله، والله ما أبصرت عيني شخصًا أحق بفضله منه " ومما قاله الفتح فيه (القلائد: ٦٠): فانه بادي الهوج، وعر المنهج، له ألفاظ متعقدة، وأغراض غير متوقدة وربما ندرت في نثره ألفاظ سهلة الفرض، مستنبلة الغرض " وهذا الذي يقوله ابن خاقان ذو حظ كبير من الحقيقة، ويتبين ذلك من قراءة رسائله فإن الغموض - بسبب التقمر - يرين على صفحتها؛ وانظر أيضًا في ترجمته: الخريدة ٣: ٤٢٩ ونقل عن اليسع قوله إن ابن عبد الغفور كان كاتبًا بمراكش سنة ٥٣١.
ونجم عظيم: سقط من م س.
وردت الرسالة في العطاء الجزيل: ٣٢.
د: وإن كان لعمري بقي.
ط م: وتفرع.
د: غير؛ ط م س: عمر.
العطاء الجزيل: كلمة.
د: بتخلصه.
العطاء الجزيل: أرضيت.
م: ترني.
العطاء الجزيل: عليه.
أي الذي نفى عنه القدرة على الكتابة.
م: وتحجبه.
العطاء الجزيل: من خاطب سخف.
ط م د س: إبايه.
العطاء الجزيل: وتجمل.
العطاء الجزيل: أفصح.
م: غدرت.
العطاء الجزيل: بمكاني.
العطاء الجزيل: أو فلان.
العطاء الجزيل: ولي على موضوعين.
العطاء الجزيل: وصار.
د ولا زال؛ م ط: ولا أزال.
كذا ويمكن أن تقرأ في العطاء الجزيل. وفي ط: يستحي.
ط م د س: الاستيلاء.
ط م د س: عن.
ط س: الصفح.
ط م س: المخاطبة.
لا كاتبًا: سقط في م س.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٢١٨.
س: أوجد لها.
ديوان المتنبي: ٢٣٤.
س د ط: عمله.
م ط: ويقتلع، والتاء غير معجمة.
ط: نظفر، وفوقها " كذا ".
الحصين بن الحمام المري، هو الذي يقول لما اكثر القتل في بني صرمة بن مرة وحلفائهم يوم دارة موضوع:
نفلق هامًا من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما أما قوله " فلما علمت أنني قتلته " فانه صدر بيت للقتال الكلابي، وعجزه " ندمت عليه أي ساعة مندم " (ديوان القتال: ٨٩) .
ديوانه ٤: ٣٦٢ في هجاء عياش بن لهيعة.
القاصرة: موضع على الطريق بين مكة ومصر.
ديوان المتنبي: ٢٢١.
هو امرؤ القيس، انظر ديوانه: ٤٩.
البيدانة: الاتان التي تعيش في البيد ولا تقرب الناس، التولب: الولد الصغير.
فيه إشارة إلى قول البحتري: " منى النفس في أسماء لو تستطيعها " (الديوان: ١٢٩٦) .
السخت والسختيت: دقاق السويق؛ ط د: بسحت؛ م س: بحت.
ط د س: تجوز.
م: مبيت.
ط: بلقيان حبور.
سور: مخففة من سؤر أي بقية.
د: امتثال.
من قول زهير (ديوانه: ٥٦):
عفت من آل فاطمة الجواء فيمن فالقوادم فالحساء ط د: قراع.
م س: المعنى.
في النسخ: لمسافة.
في النسخ: يتملأ.
في النسخ: الحبيب.
م: بكائها؛ س: بقائها؛ ط د: بغائها.
الخرشاء: النقبة من الحرب، ولعلها " الخرشاء " أي الجلد، الحرش: الحك والقشر، والحرش أيضًا صيد الضب.
د: بعقرب؛ ط م س: لعقرب.
الخرش: العض والخدش.
م: عقوبة.
م: حبالة أبق.
ط: بغيت؛ د: بقية، وسقطت اللفظة من م س.
ط: فيه.
فيه إشارة إلى النمر بن تولب، فقد كبر حتى خرف وأهتر فجعل يقول: اصبحوا الراكب (الشعر والشعراء: ٢٢٧ والخزانة ١: ١٥٦) .
فيه أيضًا إشارة إلى قصة امرأة جعلت تردد هذا القول عندما خرفت وأهترت.
من هنا حتى آخر هذا الفصل مكرر، انظر ما سبق ص: ٣٣٦ - ٣٣٧.
له: لم ترد في ط م.
د: وصان منه بيمينه؛ ط د: بعد تتمة؛ س: تتميمه، وفوقها " كذا " في النسخ.
في النسخ: أشبه العضب المشرف.
د: واعتقدها من.
س م: تقوية.
صدر بيت للمتنبي، وعجزه: " وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر ".
وردت في العطاء الجزيل: ٥ وتكرر بعضها فيه ص: ٩٧.
م ط س: أهل الالطاف.
س م ط والعطاء الجزيل: كتبة.
م س ط والعطاء الجزيل: شعرة.
الشيء: سقطت من العطاء الجزيل.
العطاء الجزيل: فيمتع.
ط: سيبا.
م ط س: مما ينقى؛ د: يعني؛ والتصويب عن العطاء الجزيل.
د: مكدرة.
العطاء الجزيل: خلاء.
المزورة: نوع من الحساء دون لحم.
العطاء الجزيل: عدة.
ط د: خل.
ط د: مخل.
م ط: بالعنبر.
د: بالتعنيس؛ ط م س: بالتعيين
العطاء الجزيل: ثم.
م ط: الدم.
ط: أفراح عرب.
العطاء الجزيل: العبير.
العطاء الجزيل: ولربما.
العطاء الجزيل: نحفظها تعدل م ط: عماقا.
وردت في العطاء الجزيل: ٩٧، ١٢٩؛ وانظر ما تقدم: ٢٨٩.
العطاء الجزيل: وتستلب.
في النسخ: من خلف الممرية جلب؛ م: بجلب.
العطاء الجزيل: من منفسات.
في النسخ: تعير؛ تغير: تفيد وتمنح.
ط م د: رقيقتها.
العطاء الجزيل: الدجى.
ط م د س: وأخيل.
م ط س: ألمت قرعها؛ د: فرعها.
ط م: مائلة.
العطاء الجزيل: ليتها.
ط: وتجيدها، س: ونخيدها.
ط م د س: اسئارها.
ط م د س: سر
العطاء الجزيل: ومحببي.
العطاء الجزيل: عقل.
شيء: سقطت من العطاء الجزيل.
وردت في العطاء الجزيل: ١١٢.
العطاء: ورغب.
م ط س: ولو رزقت.
العطاء: منها قبل الولد.
ط والعطاء: تشوقها.
م: وأضعف.
في النسخ: باليدين.
م: رهون.
ط: اكمله.
م ط: الحبول.
كما: سقطت من ط.
قد مر التعريف به في القسم الأول ص: ٨٢١.
التحسير: إلقاء الريش العتيق؛ الشكير: صغار الريش.
ط: اللدين.
المعمر: المنزل، وقيل هو اسم موضع في قول الراجز " يا لك من قبرة بمعمر ".
البيت لأبي تمام من أبيات كتب بها إلى إسحاق بن أبي ربعي كاتب أبي دلف، ديوانه ٣: ٦٠ وتمام المتون ٣٦٤، ٣٦٦.
مرت ترجمته في هذا القسم، ص ٢٨٥.
م ط س: تيقنت.
ط: لأدانت.
الزمع: القلق.
فيه إشارة إلى قصة أوردها في أماليه (١: ٦٥) وهي أن الأصمعي وقف على غلام من بني أسد اسمه حريقيص فقال له: أما كفى أهلك أن يسموك حرقوصا حتى حقروا اسمك - فقال: إن السقط ليحرق الحرجة.
وردت دويهية مصغرة للتعظيم في قول لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل يعني مراثي لبيد في أربد أخيه.
مطيبا: سقطت من م س.
م ط د س: ورقا (ورقى) .
فيه إشارة إلى قول الراجز في الضب:
لا يشتهي أن يردا إلا عرادا عردا ط س: وصلت.
الضمير هنا يعود - على الأرجح - إلى ابن عبد الغفور لا إلى ابن الجد صاحب الرسالة السابقة وعلى ذلك تعد الرسائل التالية حتى آخر الترجمة لابن عبد الغفور.
د م ط س: وخطره.
القطع: انقطاع ما البئر في القيظ، وأقطعت السماء إذا انقطع مطرها.
الشنان: البارد؛ ط م د س: شان.
ط م د س: عمر.
اللغن: أن يتكلم المرء بكلام خاص.
ط: يدب.
نافذات: سقطت في م س.
ونضب: سقطت من ط س.
ط م د س: والمغرب.
نعيم عين: كرامتها وقرتها؛ س ط: نقيم؛ م د: نغيم.
م د: شاغلة؛ ط: شاغلت.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
بعض هذا النص في الحلة ٢: ١٣٢.
قال ابن الأبار (الحلة ٢: ١٣٢): وسرى إلى ابن عمار أن المعتمد كتب من قرطبة إلى بعض كرائمه شعرًا يعتذر فيه من اللحاق بها، آخره: إن شاء ربي أو شاء ابن عمار؛ فأجابه ابن عمار بهذه الأبيات: " مولاي عندي لما تهوى "، وذلك ما حكاه أبو الطاهر التميمي السرقسطي في ديوان شعر ابن عمار من جمعه؛ وانظر خالص: ٢٣٦.
خ بهامش ط: للمعتمد: وانظر الخريدة ٢: ٧٧ وخالص: ٢٠١.
الخريدة: بآفاق السرور.
نداكما: لا وجه للتثنية هنا، ولعل الصواب " نداكا ".
خالص: ٢٣٣.
خالص: ٢٢٥.
اضطرب هذا الشطر في م فجاء: " وإلا فكم خف جهلا من خف ".
ط د م س: فيا.
ديوان المتنبي: ٤٤٠.
د: ركب.
هو البحتري، انظر ديوانه: ٤٦٢.
بعد هذا البيت يبدأ خرم في م س.
ديوان البحتري: ٤٧٦٣.
الديوان: ظن أن يحي به، عمري.
شروح السقط: ١١٢٦.
المثل في فصل المقال: ٦١ والميداني ٢: ٣١ والعسكري ٢: ١٢٥.
فصل المقال: ٢٩٨ والميداني ١: ٣١٣ والعسكري ١: ٥٠ والفاخر: ٢٤٦.
انظر جمع الجواهر: ٦٥ وزهر الآداب: ١١ وتمام المتون: ٣٩٩.
الميداني ١: ٧٤.
انظر قلائد العقيان: ٩٤ والمطرب: ١٧٢ وخالص: ٢٢٩ والنفح ٣: ٣٢٨ والوافي للرندي: ٧٦ والمسلك السهل: ٤٣٦.
خ بهامش ط: وأغيد.
مضمن وصدره: " فقالوا قد جزعت فقلت كلا " (أمالي القالي ١: ٤٩ وروايته: وهل يبكي) وانظر الذخيرة ١: ٣٢٥.
النفح: وأحرز حسنه.
خالص: ٣٠٠.
نفح الطيب ٣: ٣٢٦ وخالص: ٢٥٤، والقصة والأبيات في القسم الرابع من الذخيرة (الورقة: ٤٠) .
ط د: جوهري.
المثلث: عند الأندلسيين أنواع من الأطعمة يطلق عليها هذا الاسم منها المجنة المثلثة، والمثلث من رؤوس الخس (كتاب الطبيخ: ٢٠١، ٢٢٢ ومعجم دوزي) وألوانها تضرب للصفرة لأن الزعفران يدخل في تركيبها؛ والتفايا: من بسائط الأطعمة، تحضر من لحم الضآن الفتي مضافًا إليه ملح وفلفل وكزبرة يابسة (كتاب الطبيخ: ٨٥ - ٨٨) والخضراء منها يضاف إليها ماء الكزبرة الرطبة.
انظر نفح الطيب ٣: ١٩٧ وقد وردت أبيات الطليق في القسم الأول من الذخيرة: ٥٦٥.
أخبار البحتري: ١٢١ - ١٢٢ وديوان البحتري: ١٢٢٩.
ورد البيتان في الحلة السيراء: ٢٦٠ وكتاب التشبيهات: ١٤٤ والمسالك ١١: ١٧٤ والمرقص والمطرب: ١٦ والدرة المضيئة ٦: ٥٧٦ ورفع الحجب ١: ١٢٤. وينسبان للمصحفي أو لابن فرج، وقال المقري في النفح ١: ٦٤ إن صاحب المطمح نسبهما للمصحفي، ولكنها لم يردا في المطمح.
قلائد العقيان: ٩٦ والنفح ١: ٦٥٣، ٣: ٣٢٨ وخالص: ٢٩٧ وبدائع البدائه: ٣٧٢ والريحان ١: ١٥٦ ب.
النفح: متناوح يندى عطفه.
خ بهامش ط: نجاده (بخط مغاير لخط الأصل) .
النفح: إياك بادرة الوغى.
هو أبو الوليد ابن الحضرمي، وزر للمتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس، فداخله تيه وعجب وتجبر، كرهه من أجلها أصحاب الدولة فعزله المتوكل (المغرب ١: ٣٦٥ والنفح ٣: ٤٥٠ والشريشي ٤: ١٢٤. وفيه ثلاثة من الأبيات التي وردت هنا) .
خ بهامش ط: وشوقي إليه.
وردت ترجمته ف القسم الثالث: ٢٥١.
النفح ٤: ٧٣، ٣٠٦ وخالص: ٢٤٤.
هنا ينتهي السقط في م س.
المعجب: ١٧١ والقلائد: ٨٦ وخالص: ٢٢٠.
القلائد: انتدبت.
القلائد: هيج.
القلائد: ٩٠ والخريدة ٢: ٨١ والحلة ٢: ١٤٥ وخالص: ٢٧٨.
القلائد والخريدة والحلة: للفضل.
م: بالحيا القلائد والخريدة والحلة: من نشره.
الحلة: بخلتم بأعيان.
ط م: ولم.
خالص: ٢٦٤.
خالص: ٢٦٣.
م ط س: نثرًا.
وقع البيت في م س وهامش ط.
القلائد: ٩٣.
القلائد: فلاحظت.
خ بهامش ط: ولاح بدر
القلائد وخ بهامش ط: ونجعة.
القلائد: دانيًا أو نائيًا.
القلائد: ٩٣ وخالص: ٢٧٢.
د: وصلت.
القلائد: نفسي.
هذا البيت واللذان بعده من هامش ط.
رفا: مخفف من رفأ بمعنى حاباه، ورفق به؛ ط م د س: وفا.
انظر البيتين في الإصابة ٦: ١٦٢ والحماسية رقم: ٢٥ (شروح المرزوقي: ١٤٩) .
الحماسة: ابن حرب.
ط د م: ولواء.
الليس: جمع أليس وهو الشجاع الذي لا يبالي الحرب.
د: بالشرح؛ م: بالشرج.
نقل ابن سعيد هذا في المغرب ١: ٩٧.
خ بهامش ط: خلصت.
ورد في الرايات: ٥٦.
هذا البيت والذي قبله من هامش ط.
هذا البيت وخمسة أبيات بعده من هامش ط.
هذا البيت من هامش ط.
خالص: متعللين.
م س: شدتهم (وكذلك عند خالص) .
مم ط س: دعاك.
هذا البيت مقدم عن موضعه عند خالص.
خالص: فإنما أهدي.
خالص: ٢٦٢.
ط د س م: أعفيته.
س: وقصدك.
انظر شروح السقط: ١٢٠.
خالص: ٢٩٥.
ترجمته في القسم الثالث: ٤٥٩.
القلائد: ٩٢ وخالص: ٣٠٢.
م ط س: طفقت.
ط م س: إلى المطرز؛ وسيرد " ابن المطرز " ص: ٤١١؛ وانظر خالص: ٣٠٤.
القلائد: ٥٠ وخالص: ٢٦٥ والحلة ٢: ٨٥ والمغرب ٢: ١٩٨.
المغرب والحلة: فضح السحاب؛ المغرب: الجون.
القلائد: ٥١ والحلة ٢: ٨٥ والمغرب ٢: ١٩٨.
القلائد: ٨٦ والمطرب: ١٧٣ وخالص: ٢٩٧.
م ط: بعثت.
ط والقلائد: منطق.
القلائد: وإن.
القلائد: ٤٩ والخريدة ٢: ٨٣ وابن خلكان ٥: ٤٠ والحلة ٢: ٨٤ والمغرب ٢: ١٩٧.
القلائد: ٥٠ والخريدة ٢: ٨٤ وخالص: ٢٦٩.
القلائد وخ بهامش ط: جاهدا (بغير خط الأصل) .
القلائد وخ بهامش ط: بعض (بخط مختلف) .
الخريدة: يخفف؛ القلائد: يبرد.
ط م س: لغمز.
القلائد: قبلها.
الخريدة: فصادفت.
نقله ابن الأبار في الحلة ٢: ١٤٤.
الحلية (٢: ١٤٤): الرحيل، وذلك تغيير من المحقق، ليطابق ما اقترحه ابن عمار من خروج إلى شرق الأندلس مع الرشيد بجيش اشبيلي للاستيلاء على مرسية (وفي أصل الحلة: الرعيل) .
هما لإبراهيم بن العباس الصولي قالهما لما انحرف عنه ابن الزيات، وكان الحارث بن بسختر صديقا له، فهجره فيمن هجره من إخوانه (الأغاني ١٠: ٤٥ وديوان العباس: ١٨٢) وقيل إن البيتين لإسحاق بن إبراهيم الموصلي.
الحلة ٢: ١٤٣ وخالص: ٢٨٤ وتمام المتون: ٣٠٨.
الحلة: صوت.
الحلة: أبعد انقضا خمس وعشرين.
الحلة: كبا؛ ط م د س: بنا.
د: تمر.
ليس لعبيد، وإنما هو لعدي بن زيد، ديوانه: ٧٠.
ديوان القطامي: ٢٥ وتمام المتون: ٥٦.
الحلة ٢: ١٣٥ وديوان المعتمد: ٥١؛ وعند الفتح في القلائد: ٩٠ - ٩١ أبيات اختلطت بها بعض هذه، كتبها ابن عمار إلى المعتمد، وانظر خالص: ٢٧٩.
الحلة: أغرب.
نقل التعليق في الحلة ٢: ١٣٦.
د: مبتناه؛ ط: معناه.
د: للأصحاب.
الحلة: ولا غرو.
هذا البيت ورد في ط م س، وذكر ابن الأبار (الحلة ٢: ١٣٧) أن أبا الطاهر التميمي أورد هذا البيت زيادة على ما أورده ابن بسام في روايته.
الحلة ٢: ١٣٦ وديوان المعتمد: ٥٢؛ والرد الذي أورده الفتح في القلائد يتضمن أبياتا على الروي نفسه، لكنها غير هذه.
ديوان المتنبي: ٤٥٦.
م ط س: الناظم.
زهر الآداب: ٦٣٣ وذهب الحصري إلى أن الناجم أخذه من قول بشار في المهدي: " لقد مدحته بشعر لو قلت مثله في الدهر لما خيف صرفه على حر ".
ديوان المتنبي: ٣٧.
الديوان: لو قضفت به.
يعني ابن عبد العزيز، ولم يصرح بذكره فيما سبق.
الحلة ٢: ١٤١ والقلائد: ٦٤ وخالص: ٢٩٣.
القلائد: التنزير بالتبذير.
الحلة: لو سلكت سبيلها.
د: والتدوير؛ الحلة والقلائد: التعزيز والتوقير.
يعني أبا عبد الرحمن ابن طاهر، وكان مشهورا بنوادره، كما وضح ابن بسام في ترجمته في القسم الثالث: ٢٦ - ٢٧.
في الحلة:
ولعل يوما أن يصير نعته في طينه التقديم والتأخير وفي القلائد: أن يصير نقشه.
قدار: عاقر الناقة؛ وفي د: مدارها.
كان ابن عمار شديد التنقص للوزير أبي بكر احمد بن محمد بن عبد العزيز، ويقال إنه نظم هذه الأبيات حين غدره ابن عبد العزيز في حصن جملة (Jumilla) من أعمال مرسية (انظر الحلة ٢: ١٥٥ وديوان المعتمد: ٧١) .
الحلة: خبر.
د: سواد القار.
ط د س: جاروا.
ط م د س: ذيلها.
البيت من هامش ط، وهو والأبيات هنا من تقييد معلق آخر عدا الناسخ.
هذا البيت والذي يليه من هامش ط.
هذا البيت والذي بدعه ما هامش ط.
زيادة من هامش ط.
ط د: التقريظ.
الحلة ٢: ١٥٦ وديوان المعتمد: ٧٢.
ط م د: وشنبوس.
ط م س: التدبير.
الحلة ٢: ١٥٧٦ والخريدة ٢: ٧١ والريحان ١: ١٥٦ ب والوفيات ٤: ٤٢٨ والوافي ٤: ٢٣٠.
د: أضرب.
ذكر ابن الأبار (الحلة ٢: ١٥٧) أن ابن عبد العزيز دس إلى مرسية نبيلًا من يهود الشرق ليلابس ابن عمار ويروي ما يقوه من أشعار، وأن هذا اليهودي هو الذي حصل على هذه القصيدة وطار بها إلى ابن عبد العزيز، فطيرها هذا مدرجة طي كتابه إلى المعتمد.
ترجمته في القسم الثالث: ٤٤٨.
خالص: ٣٠١.
ط: الخيان.
د: الصنع.
لم أجد تعريفًا به، ولكن يبدو من سياق الأحداث أنه كان صاحب حصن شقورة، حيث تم القبض على ابن عمار. وقد قص لسان الدين كيف احتال صاحب هذا الحصن على ابن عمار وجعل البلد بيده باللسان، وطلب منه الصعود بنفسه لمباشرة قصبته، فأسرع لذلك في طائفة يسيرة من الرجال فلما تحصل في القصبة وثب به صاحب الحصن وكلبه وأودعه المطبق (أعمال الأعلام: ١٦٠) .
د: أووا.
ذكره في النفح ٣: ٤٢٩ وأورد له أبياتًا في زوال دولة المعتمد، وانظر الذخيرة ١: ٨١٨ - ٨٢١.
ط د س: رائه.
ط د م س: ولقد.
القلائد: ٩٢ والمعجب: ١٨٣ وخالص: ٣٠٥.
ط د م س: ترك؛ د: المال.
الحلة ٢: ١٥٤ وخالص: ٣٠٦.
الحلة ٢: ١٥٣ - ١٥٤ والقلائد: ٩٨ والمعجب: ١٨٥ وأعمال الأعلام: ١٦١ والنفح ٥: ١٨٢ وخالص: ٣١٩ والريحان ١: ١٥٧ أوتمام المتون: ٩٢.
المعجب: وأسجح.
القلائد: عدائي؛ الحلة: وشلي.
س والحلة: وتمصح.
الحلة والقلائد والمعجب: بزور.
القلائد والمعجب: بفعله.
القلائد: يتقى.
ط: أرجح.
المعجب وخ بهامش ط: واضح.
الحلة: فيفصح؛ م ط س: فيمرح.
م ط س: علي.
النفح: ستشفع.
القلائد: مجلح.
انظر المعجب: ١٨٦.
يعني أبا ذؤيب الهذلي، ديوان الهذليين ١: ٨.
ط س: أزله.
ديوان المجنون: ٢٠٣.
القلائد: ٨٦ والحلة ٢: ١٥١ وخالص: ٣٠٨ والريحان ١: ١٥٧أ.
القلائد والحلة: واهبًا.
القلائد والحلة: سهل - أحرفًا.
قارن بالحلة ٢: ١٥٨ وأعمال الأعلام: ١٦١.
الحلة ٢: ١٥١ وتمام المتون: ٣٦٣ وخالص: ٣١٣.
الحلة: ملك.
الحلة: وكفاه كفاه.
د: التقى.
د: سفحه.
م ط: غرة.
الحلة: درب على نصر الولي.
د: حده.
ط م: لدفع.
الحلة: أنفاله.
الحلة: عليه.
يومئذ: سقطت من م.
د: المنيرة؛ ط س: المنبرة؛ م: المثبرة؛ وانظر أبياتًا من القصيدة في الحلة ٢: ١٥٢ وهي عند خالص: ٣٠٩.
مطو البريد: صاحبه؛ وفي م ط: مظهر البريد؛ الحلة: ظاهر بريدي.
الحلة: وانتخب، وفوق اللفظة في م: كذا، ولعل الصواب: وانحدر.
بعده في الحلة بيتان متصلان به وهما:
- فإذا ما اجتلاك أو قال ماذا قلت إني رسول بعض العبيد
بعض من أبعدته عنك الليالي فاجتني طاعة المحب البعيد ط: عبد.
في النسخ: محوة؛ والمخوت التي إذا خاتت أي انقضت سمع لجناحها دوي.
مزؤود: مذعور.
د: بمن.
في النسخ: يلتفت، وإنما نثر قول تميم بن جميل السدوسي (الوافي للرندي: ٢٠):
أرى الموت بين السيف والنطع كامنًا يلاحظني من حيث ما أتلفت قارن بالحلة ٢: ١٥٨.
الحلة: وحرمه.
الحلة: عن.
انظر الحلة ٢: ١٥٩.
هو عيسى بن يوسف بن سليمان الشنتمري، ولد أبي الحجاج الأعلم اللغوي المشهور، روى عن أبيه واختص بعبيد الله بن المعتمد حتى استوزره ونال معه دنيا عريضة (الذيل والتكملة ٥: ٥١٥ والتكملة: ٤٠٩) .
د: في وقته.
ط: وحدس إليه.
الحلة: معه البارحة فيه.
ط: فالتقد؛ د: فانفد.
اضطربت كتابة اللفظة في ط م س (ط: طبر بزيرًا، وفوقها: كذا) .
بحاشية ط شعر بخط الأصل وهو:
أما والله إن الظلم لوم وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان رب العرش نمضي وعند الله تجتمع الخصوم قلت: والبيتان لأبي العتاهية وقد مر تخريج الثاني منهما.
الحلة ٢: ١٦٠.
انظر الحلة ٢: ١٦١.
د: يسمع.
ذكر ابن قاسم الشلبي الذي أخذت عنه أكثر أخبار ابن عمار أن هذه القصيدة وجدت في قراب ابن عمار بعد قتله (الحلة ٢: ١٦٠)؛ وانظر الأبيات عند خالص: ٣١٧.
الحلة: فقلت.
الحلة: مثلها.
انظر المغرب ٢: ٣٨٥ والمسالك ١١: ٤٢٨ (وفيه نقل عن الذخيرة) ورايات المبرزين: ٢٧ (غ) والخريدة ٢: ١٩١، ٣: ٥٨٨ (ط. تونس) والنفح ٤: ٣٠٧؛ ولفظة " حسان " سقطت من م س ط.
في الأصول: حسان؛ وقد اضطرب الاسم فجاء حينًا مصروفًا وحينًا ممنوعًا من الصرف، وهذا جائز فيه، لأنه إن كان من " حسن " كان مصروفًا لأصالة النون فيه، وإن كان من حس " كان ممنوعًا من الصرف، لأن النون فيه زائدة؛ ولكني أجريت ما جاء في هذا النص على سياق واحد، أي اعتبرته مصروفًا.
م: ويتبادرون.
الأوق: الثقل.
انظر إلى قول الشاعر:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة عشية لاقينا جذام وحميرا وهو من المثل: ما كل بيضاء شحمة (الميداني ٢: ١٦٩والعسكري ٢: ٢٨٧ تحقيق أبو الفضل، وانظر ما تقدم ص: ١١٤) .
مغتبطًا: سقطت من م.
م: بيده.
صدر بيت لأبي تمام (ديوان ٣: ٢٣٢) وعجزه: وأن تعتب الأيام فيهم فربما.
يقال في مضارع مضى: يمضي ويمضو.
ط م د س: تفاءلت بالفتح اسم الفتح.
ط د: داله؛ م س: دله.
يرد مع أبيات أخرى له في القسم الرابع من الذخيرة (الورقة: ٩٠) .
يعني أبا نواس، ديوانه: ٢٧٣، وعجز البيت: " ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر ".
ديوان ابن هانئ: ١٧.
منها أبيات في المغرب والمسالك والرايات.
ط م د: أغرتك؛ س: أعزتك.
في الأصول: واغلظ على رقة وارغب على زهد، والتصويب عن المغرب.
الرايات: قدرته.
ديوانه: ١٥٣.
م: يقول فيها.
س: وكان.
لم ترد هذه الأبيات في ديوان حسان.
انظر هذا الخبر في السيرة ٢: ٢٢٨ والإصابة ٢: ٨ وفيه قول حسان عندما حضته صفية على قتل اليهودي: " يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا " وقوله بعد أن قتلته على سلبه: " ما لي بسلبه من حاجة ".
ديوانه ١: ٤٣٢ وصدر البيت: " أضر بجسمي مر الدهور ".
كان حسان يكنى أبا الوليد - وهي الأشهر - وأبا المضرب وأبا الحسام وأبا عبد الرحمن؛ ولم أجد أحدًا ذكر له كنية في الحرب؛ وأبو نعامة كنة قطري بن الفجاءة، ولا مانع من أن يتكنى بها غير واحد من الناس.
إزاء البيت بهامش ط تعليق بخط الأصل، وهو: يا مصيصي لقد أفرطت، وفي قبيح القول تورطت، وفي التأديب فرطت.
ديوان المتنبي: ٣٢٩ وأول البيت: جاد الأمير به لي في مواهبه، فزانها
ديوان أبي تمام ٢: ٧٣.
ديوان المتنبي: ٢١٩.
د: لا عزوا ولا ظفروا؛ م س ط: ولا ظفروا.
ترجمته في القسم الثالث: ٦٥٢.
الهرقليات: الدنانير.
المعتمد التقسيم: سقط من م.
السمط: ٧٦٦ وزهر الآداب: ٣٣٠ والمختار: ٨٠، وديوان أبي سعد: ٥٢.
في النسخ: الجبن، وهو ما في زهر الآداب أيضًا.
ديوان أبي تمام ١: ٦٣.
الديوان: لله مرتقب في الله مرتغب.
منها أبيات في المسالك وبيتان في تمام المتون: ٢٩٠.
م س ط: فانبتت.
اسطبة أو اصطبة (Estepa) على بعد ٢٣ كم إلى الشرق من أشبونة (Osuna) وتقع ضمن ولاية إشبيلية (الروض رقم: ١٨) .
فيه إشارة إلى المثل: " على أهلها دلت براقش ".
النصاح: السلك يخاط به.
فيه: سقطت من م س.
وردت الأبيات في المسالك، وانظر الغيث ٢: ٦٠.
م: المضرة.
المسالك: حسنًا.
م ط: ثم.
منها أبيات في المسالك ١١: ٤٣٠.
المسالك: نحو الديار.
ورد هذا البيت في النفح ٤: ٣٠٧.
م س: ذكره.
ديوان امرئ القيس: ٦٥، وعجز البيت " وأيقن أنا لاحقان بقيصرا ".
في النسخ: يوشي.
ديوان امرئ القيس: ١٠٨، ١٠٧.
ديوانه: ١٢ وصدر البيت: " أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ".
انظر البيان والتبيين ٢: ٣٥٣، ٣: ١٨٨ وعيون الأخبار ١: ٢٨٧ والحماسية رقم: ٢٦٣ والأغاني ١٠: ٢٠.
ورد البيت لمليل بن الدهقانة التغلبي في الحماسة البصرية ١: ٢١٢ ومعجم المرزباني: ٤٤٥ ونسب في الأمالي ١: ٢٧٢ لأعرابية، وفي البيان والتبيين ٢: ٣٥٣ ورد البيت التالي دون نسبة:
إذا ما مات مثلي شيء يموت بموته بشر كثير ديوان المجنون: ٢٥٦.
الأغاني ٩: ٢٠٠.
ديوان امرئ القيس: ٣٥٧ ومادة " عسيب " في معجم ياقوت.
م: جانب.
انظر هذا الخبر في معجم ما استعجم ١: ٢٠٤ (مادة: أنقرة) .
معجم ما استعجم ٣: ٩٤٣ وابن خلكان ٦: ٣٤.
المسالك ١١: ٤٣٠ - ٤٣١.
د: امرؤ.
ط م: لحظها.
المسالك: فيسرني متعللا.
لم يرد البيت في م ط س، وقصة عرار الذي أردت زوج أبيه إهانته فامتعض أبوه لذلك، تتحدث عنها الحماسية:
أرادت عرارًا بالهوان ومن يرد عرارًا لعمري بالهوان فقد ظلم انظر الخريدة ٣: ٥٨٨ والمسلك السهل: ٤٣٥ ووردت الأبيات في زاد المسافر: ١٤١ والوافي للرندي: ٣٠ والنفح ٣: ٣٨٢ منسوبة لأبي عبد الله محمد بن الفراء الأعمى، وفيها زيادة على ما هنا، واختلاف في الختام.
روايته في زاد المسافر والوافي والنفح: فجئنا إلى الحكم الألمعي شيخ المجون وقاضي الظرف.
م س: يعلم.
ديوان جميل: ١٦٤.
الديوان: فقلت له قتلت.
د: وخيم.
هو أبو بكر محمد بن إسحاق اللخمي من أهل شلب يعرف بابن الملح وابن الملاح، كان له ابنان هما أبو القاسم أحمد وأبو محمد بن عبد الملك وقد رويا عنه. (انظر ترجمته في الذيل والتكملة ٦: ١١٨ والتكملة: ٤١٤ والمغرب ١: ٣٨٣ والرايات: ٢٧ (غ) والقلائد: ١٨٧ والنفح ٤: ٧٠، ١٤٨، ٢٦٣، ٣: ٤٦٦)؛ وفي ترجمة ابنه عبد الملك انظر الذيل والتكملة ٥: ٣٢ والتكملة رقم: ١٧٠٥ وأما في ترجمته ابنه أحمد فانظر الذيل والتكملة ١: ٤٠٠ والتكملة: ٥١، وكان أحمد هذا ريان من الأدب شاعرًا، ولي الصلاة والخطبة بجامع بلده زمانًا، وعن أحمد وعبد الملك يروي أبو بكر ابن خير، وقد مر لأحمد هذا شعر في النفح ٤: ٧١ والمغرب ١: ٣٨٤ وفي أخباره ما يشير إلى أنه انقلب بعد العفة إلى الانخلاع وتزوج امرأة كانت ترقص في الأعراس باشبيلية.
منها ثلاثة أبيات في الخريدة ٣: ٤٦٧ والقلائد: ١٨٨ (وبيتان في المغرب ١: ٣٨٤) .
أصل ط والقلائد: صبابتي؛ الخريدة والمغرب: قضيتي.
المغرب: كل يوم.
القلائد: لم تغب لي.
انظر القلائد والخريدة.
القلائد والخريدة: رمى.
القلائد والخريدة: الخلق.
د ط: المطولة.
منها ستة أبيات في كل من الخريدة والقلائد والريحان ١: ١٥٧ / أوأربعة في المغرب.
المغرب: بنانه.
ط د: فتن.
القلائد والخريدة: يمسي ويصبح في القرارة.
ط د س: حف.
انظر مادة " ضارج " في معجم ما استعجم والروض المعطار.
م: يستذر؛ ط: يستدير؛ د: يستدر.
د: حروب؛ ط م س: ضروب.
م ط د س: يظفر.
شروح السقط: ١٦٣.
د: رؤيته، وهي رواية البطليوسي.
م ط س: حان النساء؛ د: حاق.
بياض في ط م س؛ وفي د: أنهار، ولا معنى له.
د م: الوافر.
ط: غرو؛ س: غرق.
شروح السقط: ١٥٨.
ديوان ابن شهيد: ١٠٨ والذخيرة ١: ٢٨٩.
ديوان المتنبي: ٣٠٢ والذخيرة ١: ٢٨٨.
الديوان: أأطرح.
ط: وأورد (أقرأ: وأذود) .
ط د: فتاك.
في يوم الكديد بارز ربيعة بن مكدم عددًا من الفرسان تواتروا لمبارزته، وحمى الظعينة، فلما ذهب دريد بن الصمة ليرى ما حدث ووجد ربيعة حديث السن، أعطاه رمحًا وعاد عنه دريد وادعى أن ربيعة انتزع منه الرمح؛ وفي ذلك اليوم يقول ربيعة:
إن كان ينفعك اليقين فسائلي مني الظعينة يوم وادي الأخرم (انظر العقد ٥: ١٧١) .
ط: نبات.
ومنها: سقطت من م س.
ديوان المتنبي: ٢٤٨ وصدر البيت: " وكنت إذا يممت أرضًا بعيدة ".
ديوان ابن زيدون: ١٤٦ والذخيرة ١: ٣٦١.
م ط د س: يظل.
بنسج: سقطت من م س.
هو محمد بن العطار اليابسي نسبة إلى جزيرة يابسة، انظر المغرب، ٢: ٤٧٠ والمسالك ١١: ٤٥٨ والنفح ٤: ١٠ وله ترجمة في القسم الرابع من الذخيرة.
منها بيتان في المغرب ٢: ٤٧٠.
ط: كوثبها؛ د: كواتبها.
بدائع البدائه: ٢٦٩ والنفح ٣: ٣٣٣ والشريشي ٣: ١٥٤.
البدائه والنفح: ركب البدر جوادا سابحا.
البدائع والنفح: خيض.
ط م د س: أخذه.
هو أبو المطرف عبد الرحمن بن فتوح، وقد وردت ترجمته في القسم الأول: ٧٧٠.
قد مر البيت ص: ٣٧٩ من هذا القسم.
مر في القسم الأول: ٢٠١ وانظر من هذا القسم.
بدائع البدائه: ٢٧٠ والنفح ٣: ٣٣٣.
البدائع والنفح: يا ابن محمد.
ورد البيت الثاني في البدائع والنفح.
كتاب التشبيهات: ١٩٣.
التشبيهات: الكمي.
التشبيهات: وإحراز.
التشبيهات: لبب من شهبة بين دهمة.
التشبيهات: نورا وظلمة.
التشبيهات: ولبب.
هو أبو بكر عبد الله بن حجاج الغافقي، من شعراء المعتضد، هجر إشبيلية إلى الجزيرة الخضراء ومدح صاحبها محمد بن القاسم بن حمود، وقد لقيه الحميدي في حدود ٤٣٠ (انظر الجذوة: ٢٤٣ والبغية رقم: ٩١٩ والمغرب ١: ٢٦٠ والنفح ٣: ٣٨٥) .
د: بأذرع.
ديوان أبي تمام ٤: ٤٣٤ وأخبار أبي تمام: ٦٨.
الديوان: حلفت.
هو عثمان بن إدريس الشامي (أو السامي) .
ديوان البحتري: ١٧٤٥ وأخبار أبي تمام: ٧٠.
من ملحقات الديوان: ٥٤٣ عن الذخيرة، وانظر الشريشي ٣: ١٥٤.
عن يحيى بن هذيل (- ٣٨٩) انظر كتاب التشبيهات ص ٣٣٦ - ٣٣٨ حيث ورد ذكر القطع الكثيرة التي ضمها ذلك الكتاب من شعره مع نبذة عن حياته وذكر لمصادر ترجمته.
ترجمته في القسم الثالث: ٨٢١ والبيتان في الشريشي ٣: ١٥٤.
انظر الشريشي.
م: مثيلة؛ أما المنبلة فقد شرحت في القسم الثالث: ٤٣٢ (حاشية: ٣) ومعناها مرصع أو مزخرف.
ط م د س: صبابة.
الورق: موضعها بياض في ط م س.
انظر نفح الطيب ٤: ٢٦٣ وبدائع البدائه: ٣٧٣.
النفح والبدائع: يجري.
النفح والبدائع: منسكب.
النفح والبدائع: حفاف.
النفح والبدائع: في الماء.
النفح والبدائع: الفيل.
ترجمته في بغية الملتمس رقم: ١١٠١ والمطرب: ١١٨ والقلائد: ٢٤٢ والخريدة ٢: ٩٥ والمعجب: ١٥٩ والنفح ١: ٦٥٧ (نقلا عن القلائد) ومواطن أخرى متفرقة. والمسالك ١١: ٢١٩ والسلفي: ١٩ ومواطن مختلفة في بدائع البدائه، ورايات المبرزين ٧٧ (غ) .
م د س: المال.
أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بالأعلم الشنتمري (٤١٠ - ٤٧٦) كان عالمًا بالعربية واللغة ومعاني الأشعار، وكف بصره آخر عمره (انظر ابن خلكان ٧: ٨١ والصلة: ٦٤٣ ومعجم الأدباء ٢٠: ٦٠ ونكت الهميان: ٣١٣) .
أبو مروان ابن سراج: له ترجمة في القسم الأول من الذخيرة: ٨٠٨ وفيه فصل من أشعار رثي بها، وانظر صورة من هذه الخصومة بينه وبين الأعلم حول الرسالة الرشيدية في إحكام صنعة الكلام: ٨٦.
فيه إشارة إلى قول بشار (ديوانه: ٢١٧ جمع العلوي):
إذا أيقظك حروب العدا فنبه لها عمرًا ثم نم القلائد: ٢٤٤ والمطرب: ١٢١ والخريدة ٢: ١٠٢.
الخريدة: فيا ويلتا.
م: عليهم.
ترد ترجمته في ما يلي من هذا القسم ص: ٥٢٠.
هو حيان بن الحكم السلمي (انظر حماسة البحتري: ٦٥ وحماسة الخالديين ١: ١٤٢ والعيون ١: ١٦٤ والحيوان ٤: ١٨٥) .
اسمه الهيثم بن الربيع (ترجمته في الشعر والشعراء: ٦٥٨ والأغاني ١٦: ٢٣٦ وطبقات ابن المعتز: ١٤٣ والخزانة ٤: ٢٨٣ والسمط: ٢٤٤ وقد جمع شعره رحيم صخي التويلي - مجلة المورد (١٩٧٥) المجلد الرابع - العدد الأول: ١٣١ - ١٥٢) .
م: على الصواب (اقرأ: يقف على الصواب) .
م: وجروه.
على حروف شعر: سقط من م.
كذا، وهو ثالث بحسب ما عده في هذه الفقرة، إلا أن يكون قد عد الذخيرة ضمنا.
م: قصيدة.
يقول فيها: سقط من م.
خلقاء: مصمتة ملساء.
م: لما أمست.
د: عفت الأنباء.
كذا في النسخ، وأظن صوابه: " العلم ".
لعل لهذا اللقب صلة بقولهم: " الدامغة " وهي الشجة التي تبلغ الدماغ، وإن كنت أرجح أن اللقب يشير إلى ضخامة رأس عبد الجليل وأنه لذلك نبز عامي.
ط د: نوار.
د: التعيين.
ط م س: كان.
ط م: منزلا (دون إعجام) .
ط د م س: فائد.
هذه القطع في ديوان المتنبي: ٤٢٦، ٢٢٦، ٤٧٨، ٥٧٣ - ٥٧٤.
لعل الصواب ابن غسان؛ وقد سماه الثعالبي (اليتيمة ٣: ٤٢٨) أبا الحسن ابن غسان البصري الشاعر الطبيب، وذكر أنه ورد الأهواز مع الشعراء ومدح عاملها، وذكره التوحيدي باسم " ابن غسان " في الامتاع ٢: ١٦٩ وحكى أنه غرق نفسه لأسباب تجمعت عليه من فقر وجرب وعشق؛ وترجم له القفطي (تاريخ الحكماء: ٤٠٢) وذكر أنه كان يخدم بصناعته ملوك بني بويه.
م ط: أصحا يزايل.
ط م د س: وأردى.
اللزوميات: ٥٥ ب (نسخة ليدن رقم: ٩٠٦)؛ ١: ١٤٨ - ١٤٩ (ط. هندية) .
اللزوميات: والروح في رأي.
اللزوميات: ٦٦ ب، ١: ١٧٨.
اللزوميات: ٨٧ أ، ١: ١٩٧.
اللزوميات: ٩٠ أ، ١: ٢٠٠.
اللزوميات: ٩١ أ، ١: ٢٠٣ - ٢٠٤.
ط م د س: شيئان.
اللزوميات: ١٨٩ ب، ٢: ٩٧.
اللزوميات: ولا أزداد.
بثاره: سقطت من م س.
ط م س: مناه (دون اعجام في ط وفوقها كذا) ويا فلى؛ د: لا تخلقنك.
البوغاء: التراب عامة، أو التراب الهابي في الهواء.
الجدالة: الأرض.
د: القرناء.
شروح السقط: ٩٧٥.
ديوان المتنبي: ٢٥٧.
ديوان التهامي: ٥٣.
ديوان مسلم بن الوليد: ١٤٧ ورجح ابن خلكان ٦: ٣٣٨ أن الشعر لعبد الله بن أيوب التيمي.
الديوان: تأمل.
ديوان المتنبي: ٤٢٣.
ترجمته في القسم الثالث: ٨٤٠ وانظر البيت: ٨٤٤.
سيرد البيت في هذا القسم: وانظر الثالث: ٨٤٩.
هو الأعمى التطيلي، انظر ديوانه: ٢٢٨ وستأتي ترجمته في هذا القسم: ٧٢٨.
ط م: لعلة.
ديوان المتنبي: ٥٠٨ وصدره: بأبي الوحيد وجيشه متكاثر.
ط د م س: أبكي.
وقوله: سقطت من م ط.
لم يرد في ديوانه.
مر قبلا ص: ٣٧٩ مع تخريجه.
شروح السقط: ٩٣٨ - ٩٣٩.
ط م د: واها وآها.
أمالي القالي ٢: ١١٥ والحماسية رقم: ٢٨٠ (شرح المرزوقي) وزهر الآداب: ٧٩٤ والسمط: ٧٤٥ ووفيات الأعيان ٤: ٨٩.
الأمالي: وكانت له حيا.
متابع للعمدة ٢: ١٤٧.
ديوان النابغة: ٢١٣ والعمدة؛ ط د: حصن بن بدر؛ م: حصن والفاظه بدر.
قارن بالعمدة ٢: ١٥٣.
ديوان أبي تمام ٣: ٣٢٤ والعمدة.
ط د م: حصب.
ديوان تميم بن أبي مقبل: ١١ ومطلع القصيدة:
عفا بطحان من قريش فيثرب فملقى الرحال من منى فالمحصف وهذا الذي أورده ابن بسام هو ما جاء به ابن رشيق في العمدة ٢: ٢٥٢.
مطلع قصيدة دريد في رثاء أخيه:
أرث جديد الحبل من أم معبد بعاقبة وأخلفت كل موعد العمدة ٢: ١٥٤.
هو قول الصاحب بن عباد في رسالته: ٢٣٣.
الديوان: صنائعها.
بعض أبياتها في القلائد والخريدة والبغية والمسالك والرايات.
الرايات: ودجن.
الرايات: والخريدة فلتكره سجيته.
م ط د: والوهل.
م ط س: دماؤهم.
جيش فوارسه: موضعها بياض في ط س.
ديوان أبي تمام ١: ١٤٨.
ديوان البحتري: ٢٨٣.
الذخيرة ٣: ٨١٢.
الذخيرة ٣: ٨١٢.
ديوان المتنبي: ٥١٣.
ديوان أبي تمام ٣: ١٩٢.
الديوان: أيامه.
اللزوميات: ١٠٩ / أ؛ ١: ٢٤٧.
ط م د س: كالفجر.
اللزوميات ١٣٧ / أ؛ ١: ٣١٥.
أبو مروان عبد الملك بن شماخ، وردت ترجمته في القسم الأول: ٨٢٧.
ترجمة ابي جعفر المحدث في القسم الأول ص: ٩٠٥ وقد ورد البيت هنالك.
انظر الذخيرة، القسم الأول: ١٤.
م: عرض؛ وسقطت " لي " منها ومن ط.
زهر الآداب: ٣٩٢ وتشبيهات ابن أبي عون: ٣٤٧.
م ط د: دنفا.
انظر الغيث ٢: ٧٤ والشريشي ٢: ١٣٩.
ديوان المتنبي: ١٦٢.
الديوان: الجد.
الشعر لأبي إسحاق الصابي، انظر اليتيمة ٢: ٢٩٣ ومعجم الأدباء ٢: ٨٥ - ٨٦ وبهجة المجالس ١: ١٩٤.
اليتيمة والمعجم: النقص؛ بهجة المجالس: النول.
اليتيمة والمعجم: الفضل؛ بهجة المجالس: الحذق.
د: كتابي.
ومنها: سقطت من م.
م د: الفلاذ.
ديوان المتنبي: ٣٩٧.
الديوان: فيهم.
الديوان: بها.
م س: هل أتيت فلم يزد.
ديوان البحتري: ٦٥٩.
س: يغمره.
ط د: عيدك.
م س: تدعو.
د: فقمت فيه.
وقعت لفظة " ومنها " في ط بعد هذا البيت.
م س: سورة.
م: قطعته.
ط د: فما تثقف.
ط د: نبات.
سقط هذا البيت واثنان بعده من م.
ط س: ينجو.
م: لا تخفى.
لم يرد هذا البيت في م س.
ط د: يزد.
م س: وتشبع.
م: يحق.
ديوانه: ١٩٤، وصدر البيت: وأصبح شعري منهما في مكانه.
منها سبعة أبيات في المطرب: ١١٩، وبيت في الخريدة ٢: ٩٥ وسبعة في الخريدة ٢: ١٠١ وثلاثة عشر بيتًا في المسالك ١١: ٢٢١.
م: تجدد.
وقال فيها: لم يرد في م.
م: حيث.
لعلها: ينحسر.
ط د: المدح - معوضة؛ م: قرصان.
ط: محاظرنا.
ط: الدهر.
ط د: وارتابه (اقرأ: وانتابه) .
م: وجدت بها؛ س: وهدت بها؛ ط د والمسالك: ومدت به، والتصويب عن المطرب والخريدة.
هذا البيت والذي يليه في الغيث ٢: ١٦٠، والأخير في مختارات ابن الصيرفي: ١٢٤.
المطرب والخريدة والصيرفي: كأنما البحر عين.
اليتيمة ٢: ٦ قال: وركب في صباه سمارية، ولم يكن رأى دجلة قبل ذلك؛ وابن خلكان ٤: ٤٠٤.
الذي: زيادة من م س.
نفح الطيب ٤: ٥٩ - ٦٠ والمسالك ١١: ٢٢.
ط د: يعنق.
النفح: لها الأعيان.
ط د: فتفصحت.
الشوذق والسوذق - بالشين والسين - الشاهين، و" قراهة " في النسخ قد وردت " وهادة "، وتصحيحها على التقدير، لا أنها قراءة دقيقة.
لم يرد البيت في م س.
م س: قصيدة قال فيها؛ وانظر ديوان ابن هانئ: ٥٢ وزهر الآداب: ١٠٠١.
الديوان: أعلامها، وما هنا موافق لزهر الآداب.
من هذه القصيدة ثمانية وعشرون بيتًا في زهر الآداب: ١٠٠٣ ورفع الحجب ١: ١٤١. وثمانية عشر بيتًا في النفح ٤: ٥٧ - ٥٨ وبعضها في المقتضب من تحفة القادم: ١٢٢ ومنها بيتان في الحلة ١: ٢٨٥.
النفح: مسجون؛ م س: مزجور.
زهر: الظلام الغيهب.
زهر: لواعبًا.
زهر: يبرك ماء الميزب.
ط: نوائبها.
منها أبيات في المسالك ١١: ٢٢٢ - ٢٢٣ والنفح ٤: ٢٦٣ وانظر ما مر منها في القمم الثالث ٧٦٦ - ٧٦٧.
م: يحيط.
المسالك: من الأنس.
م س والمسالك: تبر.
س م: يهاب.
م س: خلقًا دبالا؛ المسالك: خلقًا وحالا.
م: لذوبته؛ س: لدويته.
ط د: فما.
انظر ما تقدم ص: ٤٧٢.
المسالك: فلم ترفع لرؤيته.
ط د س: رويتها.
المسالك: مقالا.
م س: لنا معاليه.
م: تغرب الأسد.
م س: وذكت بهاه.
د: عز، ط: عن؛ م: عق، والتصويب عن المسالك.
م س: بها.
م س: واكتهالا.
م س: خلائفها جياد.
مر البيت في الذخيرة ١: ٨٢.
م: حدًا نفالا؛ س: حدًا ثقالا.
المسالك: أردد منه للكبد النصالا.
س م د: تقبله.
أبيات الخنساء في زهر الآداب: ٩٢٥ وأمالي المرتضى ١: ٩٨ وحماسة ابن الشجري: ١٠٤ والأول في الخزانة ٣: ٢٧٧ وأنيس الجلساء: ٤٣.
أمالي المرتضى: هجنت.
ط د: سارت؛ م س: صارت؛ أمالي المرتضى: لزت هناك.
أمالي المرتضى: برزت.
س م: لأبي عبيد الله.
متابع لزهر الآداب: ٩٢٦ وانظر ديوان البحتري: ١٤٢١ وأنيس الجلساء: ٤٣.
زهر الآداب: ٩٢٦ والمختار: ٢٦٣ والطرائف الأدبية: ٩٦ وديوان أبي تمام ٢: ٣٣٧.
زهر الآداب: ٩٢٦ وديوان أبي تمام: ٣٣٧.
زهر الآداب: ٩٢٦ - ٩٢٧ وأنيس الجلساء: ٤٣.
زهر الآداب: يقتربان.
ديوان الهذليين ٢: ٥٨٣ وحماسة ابن الشجري: ٨٣ والحماسة البصرية ١: ٢٢٥ وزهر الآداب: ٧٩٥ والخزانة ٤: ٣٥٣ وبلاغات النساء: ١٧٣ وحماسة البحتري: ٢٧٣ وأمالي المرتضى ٢: ٢٤٣ وكتاب الصناعتين: ١٤٢؛ وقد أورد ابن رشيق هذا الشعر في العمدة ٢: ٣١ (تحقيق محيي الدين عبد الحميد) في باب التسهيم أو ما يسميه قدامة " التوشيح " ويسميه ابن وكيع " المطمع " ولم أعثر على من سماه " معاقدة ".
م: عرينة مبيدًا.
م: ومبيد.
ديوان المجنون: ٩٤ والزهرة: ٤٧ والعقد ٥: ٣٧٨.
ديوان العباس: ٨٤ والعقد ٥: ٣٧٨.
الذخيرة ٣: ٣٤٧.
انظر المسالك ١١: ٢٢٤ - ٢٢٥.
ط: أحيي.
م س: والفرق.
ط د: المكاره.
ط م: يحيرنا؛ د: فخيرنا؛ المسالك: يجيرنا.
ط م د س: منه.
ط م د س: مرسومة.
إلى هنا تنتهي الترجمة في ط د، وما تبقى تنفرد به م س؛ ولهذا سيجد القارئ أن النص قد يجيء قلقًا في بعض المواضع.
منها أبيات في المسالك: ٢٢٤.
ما بين معقفين زيادة من المسالك.
هذه هي قراءة س والمسالك؛ وفي ك: سمى.
ص: ضافيه.
صورة اللفظة في م: مويه، وسقطت من س.
س: حكمة.
يريد بحبيب الشاعر أبا تمام.
العكوب: الغبار.
س: تخاله.
المسالك: مريب.
المسالك: سلكه.
خشيب: صقيل كالسيف.
المسالك: من كل القلوب.
يعني أصلح مائله؛ وهذه قراءة محتملة لهذا الشطر لا نقطع بصحتها.
فليخطب؛ س: فليخضب.
م: مصيب.
ذكره في المغرب ١: ٢٦١ والنفح ٣: ٢٦٤، ٦١٤، ٤: ١٢٤ وبدائع البدائه: ١١٤، ٣٦٦ وانظر قصة له فيما تقدم ص: ٤٧٦ - ٤٧٧ وهذه الترجمة لا تفي بما وعد به ابن بسام من نوادره، ولعلها زيدت من بعده، وقد سقطت من ط د.
الأبيات في المغرب والنفح ٤: ١٢٤ ما عدا الأخير.
هذه هي القراءة في المغرب والنفح؛ وأما في م فقد تقرأ " بفؤادها " وفي س: بعوادها، وهو غير منسجم مع القافية.
المغرب: تضحك.
المغرب: أصبحت.
انظر النفح ٣: ٦١٤ وبدائع البدائه: ١١٤.
النفح والبدائع: وللشمس بالهلال.
النفح والبدائع: للسماح.
م س: تلقاهم.
م س: خدود.
س: شفار.
[ ٣ / ٥٢٤ ]