فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي بكر محمد بن ذي الوزارتين
المشرف أبي مروان بن عبد العزيز (١) وإثبات جملة من نظمه ونثره
وبنو عبد العزيز يعرفون ببني المرخي (٢)، نسبهم في لخم، وهم جملة فضل، وبيتة (٣) نبل، وعلم وفهم، وفيهم يقول الوزير أبو محمد بن عبدون
_________________
(١) هو محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن كميل اللخمي الأشبيلي المعروف بابن المرخي أخذ عن أبي الوليد العتبي وأبي عبيد البكري وأبي الحسين ابن سراج وأبي علي الغساني وسكن قرطبة، واختص بأميرها المرابطي محمد بن الحاج داود اللمتوفي، فلما توفي يوسف ابن تاشفين سنة ٥٠٠ رفض ابن الحاج أن يبايع علي بن يوسف وانحاز له الملأ من أهل قرطبة، ثم إن ابن الحاج نكب وفسد تدبيره، فهرب أبو بكر ابن المرخي إلى شرق الأندلس، حتى إذا رضي أمير المسلمين على ابن الحاج عاد ابن المرخي إلى صحبته عندما ولي فاس وغيرها من أعمال المغرب ثم سرقسطة وبلنسية عندما وليهما، وظل في صحبته حتى قتل سنة ٥٠٨ بمعركة البورت (ومعناها الباب) . وبأخرة من عمره، جلس يقرئ الناس الكتب الأدبية، وكان مقربًا إلى اللمتونيين، ينتفع به الناس لحسن وساطته لديهم، وكان محدثًا متقنًا ضابطًا حسن الخط، واستكتبه على بن يوسف مع أبي عبد الله بن أبي الخصال، وروى عنه ابنه الوزير أبو الحكم وغيره، وتوفي سنة ٥٣٦ وقال العماد سنة ٥٤٠، ودفن بمقبرة أم سلمة وشهد جنازته والي قرطبة الزبير بن عمر اللمتوني. (انظر المغرب ١: ٣٠٧ والصلة: ٥٥٥ والذيل والتكملة ٦: ٥٠٤ ومعجم الصدفي: ١٣٢ والخريدة ٣: ٤٣٣ والبغية رقم: ٢٠١ والمطرب: ٢٠٨ والقلائد: ١٦٣ والنفح ٣: ٤٥٨، ٥٧٠؛ ولا بد من التفرقة بين بني عبد العزيز هؤلاء وبني عبد العزيز الذي كانوا ببلنسية وكانوا خصومًا لابن عمار ومنهم أيضًا أبو بكر ابن عبد العزيز وقد ترجم له ابن بسام في القسم الثالث: ٤٠ وكانت وفاته سنة ٤٥٦) .
(٢) قال ابن دحية (المطرب: ٢٠٨) صوابه عند أهل النحو بفتح الخاء، وقوله هذا يومئ إلى أنه كان ينطق بكسرها " المرخي " عند العامة.
(٣) د: ومنبت؛ ط: وثبتة (اقرأ: وبيتة) .
[ ٤ / ٥٣٣ ]
من جملة أبيات خاطبهم بها بقرطبة (١):
بني عبد العزيز لئن سلوتم فما أنا عن علائكم (٢) بسال
وما عهدي بناسٍ أي ناسٍ تواصوا بالمكارم والمعالي
وإيثار الغريب على سواه وإن لم يثر (٣) من جاه ومال
بحور بلاغة ونجوم عز وأطواد وراسٍ من جلال
سلام يملأ الملوين طيبًا على تلك السجايا والكمال
فكم كافور أيامٍ خلطنا ولم تظلم، بمسكٍ من ليال ومن جواب أبي بكر له:
أمالك رق أبكار المعاني ورب السبق في يوم الرهان
وفائت كل منطيقٍ بليغٍ بطول الباع واليد واللسان
بدأت وكان منك الفضل عودًا فمن عذراء تردف بالعوان
فجاء الشعر متسقًا حداه كما اتسقت حلي السيف اليماني
تقاصر دونك البلغاء حظًا كما قصر السماع عن (٤) العيان
لئن أهدت بدائع كل حسنٍ فمهديها غريب في الزمان
غريب سيادةٍ غربي أفقٍ وقد عرضت إليه المشرقان (٥) [١٠١ ب]
_________________
(١) م س: من قرطبة.
(٢) م س: علاقتكم؛ ط: علاتكم.
(٣) م س: يوثر.
(٤) م س: على.
(٥) د: له بالمشرقان؛ ط: المشرقان.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
وأبو بكر في وقتنا هذا مهب البراعة وجنوبها، ومنتهى بعيد هذه الصناعة وقريبها، وكان جده (١) صدر الفتنة الناشئة في آخر دولة بني عامر قد انزوى بضيعة له بمدينة شذونة (٢) أحد أقاليم القطر الغربي من الأندلس حيث ظن أنه يخفى على الديلي مناره، وتتلفع برماد الخمول ناره، وتأبى الزهرة إلا مروقًا من الكمامة، والشمس إلا شورقًا تحت الغمامة، فاهتدى له أحد أمراء البرابرة (٣) المتغلب - كان يومئذ - على مدينة قرمونة وذواتها من أقطار الجزيرة، فاستخلصه لنفسه، وغلب عليه أهل جنسه، فلم يزل يقتدح بزنده، ويلقي إليه بمقاليد حله وعقده (٤) . ونشأ ابنه أبو (٥) مروان المذكور في حجر دولتهم، فحمى حماها، ودارت عليه رحاها، إلى أن انتحاها من قدر الله تعالى على يدي عباد (٦) ما انتحاها، فلم يجد أبو مروان بدًا من لزوم طاعته، والدخول في جماعته، فأقام باشبيلية بقية أيام المعتضد وصدرًا من دولة المعتمد، يتبرض جميعها، ويتزود نسيمها، إلى أن أنشأ المعتمد لابنه الفتح دولته بقرطبة - حسبما نومئ (٧) إلى خبرها بالشرح -
_________________
(١) يعني عبد العزيز بن محمد.
(٢) تذكر المصادر أن أبا بكر بن عبد العزيز شراني الأصل أي من قرية شرانة إحدى قرى شريش بولاية شذونة.
(٣) م س: أحد من البرابر.
(٤) فلم يزل وعقده: سقط من م س.
(٥) أبو: سقطت من م.
(٦) استولى عباد على قرمونة سنة ٤٥٩ من يد المستظهر عزيز بن محمد البرزالي (ابن عذاري ٣: ٣١٢) وفي م: على يد ابن عباد.
(٧) م س: سنومئ.
[ ٤ / ٥٣٥ ]
فانتقى لها (١) من حملة السيوف والأقلام، من وقع عليه ظنه من الأعيان والأعلام، فكان أبو مروان علم بردها، ووسطى عقدها، ومالك زمامي عفوها وجهدها.
ونشأ ابنه أبو بكر هذا في حجرها، وبين سماكها ونسرها، طفل دفع في صدر الكهول، وغر بهر ألباب ذوي التجربة والتحصل. وبخل المأمون به بخل الحازم بسره، وشد عليه شد يد الضنين (٢) على وفره؛ فلما انقضت تلك الدولة، أخلد إلى العطلة، وتميز من الجملة، متلفعًا بالحياء، مستحلمًا للوفاء، وقد لحظته اليوم هذه الدولة (٣) في وقتنا، فأخذ من حبلها بطرفٍ، وتولى من ظلها إلى كنف، ولم يحضرني وقت (٤) تحريري هذه النسخة من نظمه الفائقة درره، ولا من نثره الرائقة أحجاله وغرره، لما أجريت من ذكره، إلا ما لا يكاد يفي بقدره، وفيما أثبت من ذلك دليل وبرهان يريك الفرق بينه وبين سواه، إن شاء الله.
جملة ما وقع إلي من نثر
مع ما ينخرط في سلك ذلك من شعره
كنت بحضرة قرطبة أول سفري إليها سنة أربع وتسعين، فدخل عندي هلال بن الأديب، وقرع سمعي من شعر أبي بكر هذا بكل حسنٍ غريب،
_________________
(١) م س: فانتقله.
(٢) م س: البطش.
(٣) تلك الدولة الدولة: سقط من م س.
(٤) م س: إلى وقت.
[ ٤ / ٥٣٦ ]
فكتبت معه رقعةً أخطب فيها وده، وأستجلب ما عنده، أقول في فصل منها:
كل يبلغ (١) - أعزك الله - من حسنات نبلك وفضلك، ومعلوات حسبك ونسبك، ما يحدث إليك طربًا في الموتان، فضلًا عن الحيوان، وما زلت أسمع فأتطلع، واستشعر فأستبصر، وأحن إلى مفاتحته الخطاب، وقلما يقع إلا بأسباب، إذ الدخول لا يكون إلا على باب، وعندهم - على علمك - أن الهجوم عليه، دون سبب يدعو إليه، نوع من الجفاء، وضرب من مفارقة الحياء، ولا يستجيزه إلا من كان عن الأدب بمعزل، وللأمور غير محصل، ومع هذا فإن الزمان شأنه البخل إذا استعطي، والمطل إذا اقتضي، ورب مرغوب فيه لا ينفق، ومحروصٍ عليه (٢) قد سدت دونه الطرق، ومذ (٣) دخلت الحضرة، في هذه السفرة، تحدثت بلقائك، لأكتب اسمي في ديوان أوليائك، فارتقبت ذلك ارتقاب الصائم للهلال، إلى أن كتبت هذه الأحرف مع صديقنا أبي الحسن الفاضل هلال، فلك الفضل بما لك من شرف خيم، ومحتدٍ كريم، في الغض على ما تراه من زيوف، والمراجعة إن تأتت (٤) عنها ولو بقليل حروف. فهذا الخطاب، الذي قرعت به هذا الباب من مواصلتك، وجعلته سلمًا إلى مخاطبتك، أس يقوم (٥) عليه
_________________
(١) م: يبلغه.
(٢) عليه دون سبب ومحروص عليه: سقط من م س.
(٣) م س: وقد.
(٤) تأتت: سقطت من م.
(٥) م س: أمر سيقوم.
[ ٤ / ٥٣٧ ]
بنيان، وغرس ستلتف فوقه أفنان، وهمس سيكون بعده إعلان. ثم ختمت الرقعة بهذه الأبيات (١):
أبا بكر المجتبى للأدب رفيع العماد قريع الحسب
أيلحن فيك الزمان الخؤون ويعرب عنك لسان العرب [١٠٢أ]
وتعدل في (٢) الفهم بالحاضرين لديهم وما النبع مثل الغرب
أراك بعينٍ أراهم بها إذًا فأرى الدر كالمخشلب
لقد كان (٣) جيل الورى أدهمًا (٤) بقرطبةٍ عجمها والعرب
إلى أن تبسم عنك الزمان فأسفر عن واضحٍ ذي شنب
فجئت كما شئت ذا مقولٍ يفلل حداه بيض القضب
فوا حزنا لزناد (٥) كبا وروضٍ ذوي وزلال نضب
وما كان جيلك هذا الأنام ولا لك في أفقهم من أرب
وطبعك (٦) ينفث عن لؤلؤ تنظمه في نحور الكتب
فأين (٧) العميد وعبد الحميد وما حويا من خطير الخطب
وأين البديع وشمس المعالي بديعك مد عليهم طنب
ولما سمعت هلالًا يعيد قوافي لؤلؤك المنتخب
_________________
(١) انظر نفح الطيب ٣: ٤٥٨.
(٢) د ط: وتعدم ربعهم.
(٣) م س: حبل.
(٤) ط: أعجم لا عرب، م س: عجم لا عرب.
(٥) ط: كتب؛ س: كبت.
(٦) م س: فطبعك.
(٧) ط د: الحميد.
[ ٤ / ٥٣٨ ]
شفعت بها لو وفت ذمتي بواجبها إذ عليها وجب
وخامرني حب سمعي لها كأني خلوت ببنت العنب
فقلت جرير يجيد القريض والآن جاد بحوك الخطب
وقرطبة بدلت بالعراق أم الأرض تحملنا من كثب
فجئتك خاطب ود فلا ترد أبا بكر من قد خطب
وإن لم يكن أفقنا واحدًا فينظمنا شمل هذا الأدب فراجعني أبو بكر برقعة (١) قال فيها (٢): وقفت - أعزك الله - من كتابك الكريم، المضمن (٣) من البر العميم، ما أيسره يثقل الظهر، ويستنفد الشكر، ويستعبد الحر، ورأيتك - رأيت أملك - تخطب من مودتي ما ليس بكفؤ لخطبتك، ولا بازاء جلالة رتبتك (٤)، لكنه فضل ملكت زمامه، وأعطيت مقوده وخطامه، ولا شك أن صديقنا أبا الحسن - أعزكما الله - أنطقه هواه، ونامت عن الخبرة (٥) عين رضاه، فسماع بالمعيدي لا أن تراه، ولعمري لقد أخرت الجواب فرقًا من كشف السر، وإرادة التمادي (٦) في تدليس الأمر، ثم علمت أن فضلًا وضع في يديك (٧)، وقصر
_________________
(١) د: بقطعة، وسقطت اللفظة من م؛ وفي س: رقعة.
(٢) ورد بعضها في المغرب ١: ٣٠٨.
(٣) المغرب: المهدي.
(٤) المغرب: ولا بازاء رتبتك.
(٥) م: عن الخير.
(٦) م: للتمادي.
(٧) م: يدك.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
عليك، يوسعني في النقد طولًا، كما شرفتني (١) في البدء قولًا، وعند اللقاء أنهي عذري، وأعرفك حقيقة قدري، إن شاء الله.
ثم أتبع النثر بهذا النظم:
أمحيي معاهد رسم الأدب ومبقي مشاهد فخر العرب
ومن نظم الفضل نظم الجمان ومن سبك الشعر سبك الذهب
بدأت فلبيك من خاطبٍ وأين الكفي له إن خطب
أتحتل يا بدر في أفقنا ولما تحييك (٢) زهر الشهب
ويهتز نصلك في غمدهم ولما تحجبك بيض القضب
فمن تلك جلاسك الواصلون ومن هذه لك غيل أشب
تناءت علينا مساعي العلا ورقيت منها قصي الرتب
لك الفضل حركتني للنهوض نحوك (٣) وهو بعيد الطلب
وحدثت عني وهذا الحديث يدخله صدقه والكذب
فمعذرةً إن بعض (٤) المقال محض وأكثره مؤتشب
برئت إليك من الزائفين نظم القريض ونثر الخطب
وعمدًا تأخر عنك الجواب أن لم يكن قاضيًا ما يجب
تعرضت شأوك يوم الجزاء فإذ لم أجب نهجه (٥) لم أجب
وأقدمني العذر والإعتراف فجاءتك تسجد أو تقترب
_________________
(١) م: شرفني.
(٢) كذا وصوابه " تحيك ".
(٣) م: بجوك.
(٤) ط د: المآل.
(٥) ط: بهجة.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
ولولا الحياء لقد كنت قبل أرغب من سيدي ما رغب [١٠٢ب]
لأبقيت ذكري بما صغته بخطه على صفحات الكتب
قواف تعطل في وزنها (١) " قرأت الكتاب أبر الكتب
وإن تك أحمد هذا الزمان فأين عليّ لنا أو حلب وقال يخاطب الوزير (٢) أبا محمد بن عبدون معتذرًا من تخلفه عن تشييعه (٣):
في ذمة (٤) الفضل والعلياء مرتحل فارقت صبري إذ فارقت موضعه
ضاءت به برهةً أرجاء قرطبةٍ ثم استقل فسد البين مطلعه
يا قاطعًا أملًا قد كان واصله وناثرًا حذلًا قد كان جمعه
عذرًا إلى المجد عني حين فارقني ذاك الجلال وأعيا أن أشيعه
قد كنت أصحبته قلبي فأقعدني ما كان أودعه عن أن أودعه
صب أيها القطر مورودًا شرائعه فقد ظمئت وعم الري موقعه
إني لأحسد هذا الطرس تلمسه كفاه أو تجلي عيناه مودعه
والشمس تحسد والخضراء موضعها للفضل تعرف في الغبراء موضعه
لا زعزعتك الليالي النكد يا جبلا لم ترج غير الليالي أن تزعزعه وله فصل (٥) من رقعة شفاعة: أحسن الصلة - أعزك الله - بين (٦) الأخوان
_________________
(١) صدر بيت للمتنبي، ديوانه: ٤٣١ وعجزه: " فسمعًا لأمر أمير العرب ".
(٢) الوزير: سقطت من م س.
(٣) القلائد: ١٦٤ والخريدة ٣: ٤٣٣ والمطرب: ٢٠٨.
(٤) في المصادر: المجد.
(٥) ط د: في فصل.
(٦) ط م: حسن الصلة بين.
[ ٤ / ٥٤١ ]
ما كان الفضل موجبها، والمجد مسببها، وطيب الخبر منشيها، وحسن الثناء مهدها وممطيها (١)؛ والوزير أبو فلان - أبقاه الله - ممن يفتن في شكرك فيسحر المسامع، ويوقع ذكرك في القلوب أكرم المواقع، حتى يستميل إلى مودتك النفوس فتنقاد سمحة القياد، ويهتف بالثناء عليك في المحافل فلا يخاف المعارضة والعناد، وكان له من رأيك الجميل في سالف المدة (٢)، أشرف ذخيرة وعدة، فلما ملكك الفضل أزمة النقض والإمرار، ورتبك في ديوان الإيراد والإصدار، علم (٣) أنه لا يسقط نجمه مع علو نجمك، ولا تلدغه عقارب الدهر وهو يرقيها باسمك، وأنت - دام عزك - تسمعه بميسم إيجابك (٤)، وتقيده بالإحسان في كنابك، وتطيع الكرم (٥) في رعاية نزاعه، ومحافظة تأميله وانقطاعه، ومهما تعتمده به من مبرة، وتسديه إليه من عادةٍ مستمرة، فإنما تسقي غرسك، وتبني أسك.
وله من أخرى: أما الود - أعزك الله - فمقيم، والعهد كريم، والإخاء مخيم لا يريم؛ لكني أخبرك عن حال مختلة، ونفس معتلة، وشغل بك قد ضيق الصدر، وأظلم منير الفكر، بما وقفت عليه من كتابك، واستطلعته من خطابك، فتجرعت الكمد - علم الله - مر المذاق (٦)، وشربت من كأسه المترع الدهاق. وعلمت أنه جنس ذليل، ورهط مخذول
_________________
(١) م: منشأها وممطؤها.
(٢) م س: المودة.
(٣) م: علم لنا.
(٤) م: إلحافك؛ س: الحافل؛ ط د: إلجائك.
(٥) م: الدر (لعلها: الود) .
(٦) م: من المراق.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
وحزب مفلول بل مقتول، حيث لا ناصر فيستصرخ، ولا فحم لقيت فينفخ، ولا وزر إلا العبرات تستنجد، والزفرات (١) تستحث فتوقد. وقل غناءً عنك دمع تجريه، أو حزن تبديه، أو صديق (٢) لا يملك إلا التفجع، ولا يستطيع إلا التلهف والتوجع، لكنه في الشر خيار، وفي الأرض قرار، وفي الناس منتجع مزدار، وإلى الله انقطاع وفرار؛ وصاحب الشرع ﵇ قال (٣): " لا تلثوا بدار معجرة " (٤)، وقال الأول: " إذا نبا بك منزل فتحول " (٥)؛ وأنت - ولا عتب - تقيم بذلك (٦) الإقليم؛ مقام عير الحي والوتد (٧)، ولا تتعوض منه ببلد، ولا من أهله (٨) بأحد، حتى كأنك إنما تشفق من خراب عامر ضيعك، ودروس جديد أربعك، ومعذرةً إليك من هذا الجفاء، فيما بعث إليه إلا حنق يقوده شفق، وقلق تذكيه حرق. [١٠٣أ] وقد عرضت على عدة من إخواننا - أعزهم الله - شخص كتابك، فكلهم تألم بمصابك (٩)، وتوجع
_________________
(١) م س: وزفرات.
(٢) م: صديع؛ س: صديغ.
(٣) م س: يقول.
(٤) في النسخ: تلبثوا م: المعجزة؛ وفي اللسان (عجز) أنه من حديث عمر، ومعناه لا تقيموا ببلدة تعجزون فيها عن الاكتساب والعيش. (والمعجزة بفتح الجيم وكسرها) .
(٥) التمثيل والمحاضرة: ٤٠٠.
(٦) ط د: ذلك.
(٧) يريد مقام ذل، مشيرًا إلى قول الشاعر: ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد (٨) ط د: أجله.
(٨) م: لمصابك.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
لأوصابك، وارتمض لعثرة الأحرار التي لا يقال، ودولة لذل التي لا تزال (١)، جبر الله الكسر، وحكم على الدهر، وكشف الضر، ورزق فيما بقي حسن التسليم والصبر.
قال ابن بسام: وإنما امتعض أبو بكر في هذا الجواب على خطاب كان شرح له فيه الأديب أبو جعفر الكفيف (٢) محنته مع مقاتل، غلامٍ كان لابن مطري أولًا، ثم لابن (٣) الأفطس، لتنازع وقع بينهما على بيت شعر ظهر عليه فيه أبو جعفر، فحقد ذلك له، فبينما هو (٤) ماشيًا فارغ القلب، آمن السرب، إذ اعترضه مقاتل في الطريق، على مقربة من السوق، على هملاجه، بين طوقه وتاجه، فجرى شوطه، وأخرج سوطه، الذي كان يحث به فرسه، وأمر سائسه (٥) بحبس يديه، وانحنى به عليه، قائلًا: لم تعرضت بطشتي، ولم تخف سطوتي -! فلا النعمان بن البشير يوم الأخطل، ولا الزبرقان بن بدر في مسألة جرول، ولا المأمون يسطو بدعبل، وتالله لو كان مقاتل كليب وائل، أو قيس بن عاصم، أو معرقًا في بني هاشم، لثنى من عنانهن وقصر من يده ولسانه، فكيف وهو مقسوم الولاء، معدوم الآباء! ! وإنما أقدره يومئذ الكبر، وأبطره الوفر، بعد الكدية في الرفاق (٦)، والقصص في الأسواق، ونقل اللحم بالأشبونة من الدور
_________________
(١) ط: تزال، س: لازال.
(٢) انظر مقدمة ديوان الأعمى التطيلي: ح - ي.
(٣) م: لبني.
(٤) س: فبينماه.
(٥) ط: سيسه؛ س: منيسه.
(٦) س: في الرياق.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
إلى (١) الوضم، فكيف لا (٢) يتربص خروج الدجال، أو ينزل المطر على هذه الحال، أو تتأخر القيامة، ومقاتل قد صار (٣) قدامه، يقتل الأحرار، ولا قود ولا ثار!! ألا مغيثًا، ألا مشيًا إلى الموت (٤) حثيثًا، ألا دعوة نوحٍ، من قلب قريح!!
ولأبي بكر أيضًا فصول من جوابٍ عن أهل قرطبة على خطاب ورد من قبل المستعين بن هود قال فيه: وصل كتابك، فوقفنا على جميع معانيه، وأحطنا علمًا بما فيه، ورأينا ما تضمنه من المقال الذي لم يوفه أعزه الله - حق النظر، ولا تدبره أحسن التدبر، بل أطاع فيه سلطان هواه، ودعاه الحرج (٥) إليه فاستهواه، ولو حكم عادل النصفة، وعصى أمر الأنفة، لخاصم نفسه قبل أن يخاصم عنها، وكان قبل أن يأخذ لها آخذًا منها، ولعلم أن الحق ليس بأقوال تسطر، ولا حججٍ (٦) تصرف عن طريقها وتغير؛ والشيطان قد ينصب للعاقل أشراك الخدع، ويروم أن يستنزل الحليم بأصناف الطمع، فمن صرفته عصمة الله انصرف (٧)، ومن وقفته خشيته أحجم ووقف.
وفي فصل منها: وقد كنت (٨) خاطبتنا المرة بعد المرة، وكاتبتنا الكرة بعد
_________________
(١) م س: إلى الصور من.
(٢) لا: سقطت من م س ط.
(٣) قد صار: سقط من م س.
(٤) ك: للمنية.
(٥) م: الخروج.
(٦) م: بحجج.
(٧) ط: أنصف.
(٨) وقد كنت: سقطت من م.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
الكرة، تذكر أنك (١) قد حللت عن تلك البلاد يدك، وأصفيت (٢) في طاعة أمير المسلمين وناصر الدين - أيده الله - معتقدك، ورأيت أنها (٣) أمانة تؤديها، إلى حافظها وراعيها، وتسلمها إلى من يقوم بحق الله - عز اسمه - فيها، إلا مواضع يسيرةً استثنيتها، وأماكن قليلةً سميتها، فما الذي نقلك عن هذا الرأي الحميد، والمذهب السديد، إلى التمسك بما قد بان لك وجه الحيرة في تركه، وإرادة التملك بما لا قدرة لك على ملكه -! ولو كنت - أحسن الله توفيقك - مليًا (٤) بالدفاع، قديرًا على التحصن من أعداء [الله] الكفرة (٥) والامتناع، لكنت معذورًا فيما ترغبه، وجديرًا أن يخلى بينك وبين ما تطلبه، لكن العجب كل العجب أن يكون سعيك للكفار، وتوفيرك للدمار، وكيف يسوغ لك أن تحذر من الله وأنت لا تحذره (٦)، وتذكر به تعالى ثم لا تذكره -! ألست تعلم أن النصارى - لعنهم الله - قد استولوا على ثغور المسلمين التي كانت بنظرك منوطةً، وبمستقر قدميك (٧) مخلوطة - فهل كانت لك طاقة بمحاربتهم، أو قوة على مقارعتهم، أو إصراخ لمن استرخصك من قتيل مستشهد، أو أسير مضطهد -!
وفي فصل منها: فحين وصلت دعوتهم لسامعها، واتصلت مظلمتهم
_________________
(١) تذكر أنك: سقطت من م.
(٢) م: وأضفت.
(٣) م: لنا.
(٤) مليًا: سقطت من ط.
(٥) د: الأعداء والكفرة: ط: الفكرة.
(٦) زاد في م: العجب أن يكون.
(٧) م: مخدمك؛ ط: قدمك.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
برافعها، وتعلقوا من أمير المسلمين وناصر الدين - أيده الله (١) - بالسبب المتين، وأووا منه إلى الحصن الحصين، أردت - والله يقيدك (٢) - أن تقطع منه (٣) حبالهم، [١٠٣ب] وتفرق اتصالهم، وتذرهم بين أيدي (٤) الأسر والقتل نهابًا، ولا ترجو فيهم ثوابًا، ولا تخاف (٥) عقابًا. وهو - أيده الله - لم يبلغ بلادك ولا غيرها لمالٍ (٦) يبتزه، ولا لتملكٍ يستفزه، وإنما بغيته (٧) أن يقمع شيطان الشرك، ويستنقذ المسلمين من الهلك، ولما (٨) نرجوه من حسن إنابتك، وإسراعك إلى داعي الحق وإجابتك، خاطبنا أمير المسلمين - أيده الله - محيلين على ما تضمنه خطابك، ووعاه كتابك، ممهدين عنده عذرك فيما تضمنه من القول الذي لا تصح شواهده، ولا ترتبط (٩) لمتأمل معاقده، وإنا لنخشى أن ينفض (١٠) عن ذلك الثغر يده، ويحل من عزمه (١١) فيه ما كان عقده، فحينئذ لا ينفع النادم قرع سنه ولو هتمها، والعاض يده ولو كلمها، وقد كان لك مندوحة
_________________
(١) م س: أدام الله تأييده.
(٢) ط: يعيذك.
(٣) منه: سقطت من م.
(٤) أيدي: سقطت من م.
(٥) م: يرجو.. يخاف.
(٦) س م: لملك؛ وسقطت من ط.
(٧) م: بغية.
(٨) ط: وإنما.
(٩) م: ترتبطه.
(١٠) م س: لينفض.
(١١) م: العزم.
[ ٤ / ٥٤٧ ]
في القول اللين، والاحتجاج المبين، عن (١) الموافقة والمخالفة، والمدافعة بغير الحق والمكاشفة، حتى انتهيت (٢) إلى أن تقول إنه لك في من سلف واعظ يزعك، أو زاجر يردعك، والله يعصمك من أن تختار اختيارهم، وتؤثر إيثارهم.
وفي فصل منها: وقبيح بمن علم بما (٣) عند الله علمك، وفهم بما لديه فهمك، أن يزهد في الدنيا وهو يطمع منها في غير حاصل، أو يذم العاجلة وهو يعتد بعرضٍ من أعراضها غير طائل، ونرجو أن يكون وراء هذا من ركوبك المثلى، ورجوعك إلى التي هي أولى، وتكذيب ما تلقيه (٤) الوساوس، وتمنيه (٥) خادعات الهواجس، ما يبقي به دينك نقيًا لا يتدنس (٦) إزاره، وذكرك جميلًا لا تقبح آثاره، وهو الذي يشبه مذهبك الكريم، وآراء سلفك القديم، الذي أنت متقيل حميد آثارهم، مستضيءبأنوارهم، مشيد على (٧) ما أسسوه من الأثر الصالح، والعمل الراجح. وما كان في هذا الكتاب من (٨) مراجعة، فيها موافقة ومنازعة، فإنما دعا إليها ما ننوي من النصيحة، والموالاة الصحيحة، وقد يعاتب
_________________
(١) م: على؛ س: الهين على.
(٢) م: انثنيت.
(٣) م س: ما.
(٤) ط د: تلفته.
(٥) د: وتمنته؛ م س: وتلقيه.
(٦) م: يدنس.
(٧) على: سقطت من ط د.
(٨) الكتاب من: سقطت من م س.
[ ٤ / ٥٤٨ ]
الشفيق فلا يحجم، ويقول الصديق فلا يكتم، وأنت تحمل ذلك على سبله (١) الواضحة، وطرائقه اللائحة، وتعلم أن أخاك من أرضاك باطنه، وإن عصاك ظاهره وعالنه (٢) .
وله من قصيدة (٣) في القاضي (٤):
وكيف أجزوت الحي جيبك عاطر وردفك فضفاض وعقدك صائح
تجاوب أفرد الحلي وساوسًا عليك كما غنى الحمام النوائح
وكيف شققت الليل خدك زاهر وجيدك براق وثغرك واضح
وكيف استطعت السير حجلك مفعم وردفك رجراج وحليك قادح
ومنعرج الوادي ظبأ وأسنه ومنقطع البيداء خب وكاشح
وقد (٥) نصت الجوزاء (٦) جيدًا كأنه عيون إلى تلك الطروق لوامح
تأرجت الموماة أن سرت وسطها فكل سبيل جزت بالطيب فائح
أقبل ترب الأرض حتى كأنما تضم ثناياك العذاب (٧) الأباطح
فما سجد (٨) الرهبان في كل بيعةٍ كما أسجدتني أرضها والصحاصح
_________________
(١) م: سبيله.
(٢) م: وغالبه.
(٣) م: ومن قصيدة له.
(٤) انظر ديوان ابن زيدون: ٣٩٠، ٤٨٣ وقصيدة فائية لأبي المغيرة ابن حزم في القسم الأول: ١٧٦ فهذا كله نسق واحد من المعارضات؛ ولم يتضح أي القضاة يمدح، ولعل هنا نقصًا في النسخ.
(٥) م: نصب.
(٦) م ط: جيد.
(٧) م: العراب.
(٨) ط: البرهان.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
ومنها في المدح:
فإن أك في ميدان لهوي راكضًا فإني للقاضي الأجل لمادح
هو السبب المدني إلى كل سلوةٍ وكفارة الآثام وهي فوادح
به تنهض الأيام وهي عواثر وتستدرك الآمال وهي نوازح [١٠٤أ] قال ابن بسام (١): قول أبي بكر: " أقبل ترب الأرض " البيت مع الذي بعده، من الوصف الغريب، في توفية إكرام ربع الحبيب؛ وأول من بكى بالربع ووقف واستوقف، الملك الضليل، حيث يقول:
قفا نبك من ذكرة حبيب ومنزل ثم جاء أبو الطيب فنزل وترجل ومشى في آثار الديار وقال (٢):
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً لمن بان عنه أن نلم بها راكبًا ثم جاء المعري فلم يقنع بهذه التوفية من الكرامة حتى خنع وسجد، وقال (٣):
تحية كسرى في السناء وتبع لربعك لا أرضى تحية أربع وأبو بكر إنما ألم بهذا المعنى.
ومحاسنه أكثر من أن تحصى، ولم أحاضر وقتي هذا إلا بقليلها (٤)، ولا
_________________
(١) نقل الصفدي جانبًا كبيرًا من هذا النص في الغيث ١: ٦٧ وصرح أنه ينقل عن الذخيرة.
(٢) ديوان المتنبي: ٣١٨.
(٣) شروح السقط: ١٥٢٧.
(٤) ط د: بأقلها.
[ ٤ / ٥٥٠ ]
بأس من الزيادة - إن شاء الله - عند حصولها.
ومما سمحت (١) به الأيام، وفازت به الأزلام، من نثر أبي بكر المتدفق عن بحر (٢)، المزري بدر انتظم في لبات الزهر، رقعة يقول فيها:
مولاي وسيدي الأجل لا يزال بمعونة الله تخمه الأوطار، وتطيعه الأنصار، وتتنافس فيه الأقطار، وتستأذنه في صوبها القطار، فدعاؤه متقبل مستجاب، والغيم عند استصحابه منجاب، وقد كان الغمام أسف ودقه، ورجي صدقه، فصعد وتعلى، ثم دنا فتدلى، فكاد من قام بالراح (٣) يدفعه، وانتظرت شآبيبه ودفعه، إلا أن تلك الدعوة ردت مخيلته جهامًا، وفرقت جمعه وكان لماما، وعاد المحل يلتهم التهامًا، فرفقًا - رفق الله بك - فإن الناس مسنتون، ولما لا يرضى من القول بسوء الظم مبيتون، وماذا عليه - أعزه الله - في أن يخصب محله، سقى الغيث بلدًا يحله، وتشيعه حيث ارتحل ديمة مدرار (٤)، وينزل حيث ينزل النوار، وننال من بركة دعائه نصيبًا، ولا نلقى منه يومًا عصيبًا، وإن دام دعاؤه في استصحاب الشمس، فسيتركها خاوية كأن لم تغرب بالأمس.
_________________
(١) هذا مما زيد من بعد وقد انفردت به النسختان م س حتى آخر الترجمة.
(٢) م س: بحره.
(٣) م س: بالراجي؛ وفيه إشارة إلى قول الشاعر يصف السحاب: دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح (٤) من قول المتنبي (ديوانه: ٢٦٨): وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة حيث اتجهت وديمة مدرار
[ ٤ / ٥٥١ ]
وأخرى يقول فيها:
سقى بلدًا أمست تحله من المزن ما تروى به وتسيم (١) كيف لا استسقي لمثواه - أدام الله نعماه - عزالي (٢) الغمام، وأنتقي لعلياه حر الكلام، وأعيذ (٣) النفس بمقدار سعده، وأنفي الأنس جملةً من بعده، وهو - أعزه الله - سر الضمير ونجواه، وذكر اللسان ودعواه، وشغل القلب والصدر، والصديق الوفي بعدت أخلاقه عن الغدر (٤)، والواحد الذي يعدل ألوفًا في جلالة القدر، ويزيد على الأ [نام] كما زادت على الليالي ليلة القدر؛ ما هذا الإطراء، والقول بالآراء (٥) -! تكفي شهادة الضمائر، وتناجي السرائر. ما أولاني بالنجه، وحثو التراب (في) الوجه! ! كيف وجد - أعزه الله - تلك البلاد الكريمة - أظنه أكرم فارتبط، وانتاب (٦) فاغتبط، وحط الرجل عند الملك الظاهر، المكنى بأبي الطاهر، فأنشد قول أبي تمام في عبد الله بن طاهر (٧):
إذا ما امرؤ ألقى إليك برحله (٨) فقد طالبته بالنجاح مطالبه
_________________
(١) انظر الأغاني ٢: ١٩٨ وأمالي القالي ١: ٣٦.
(٢) م: عز؛ س: عن (اقرأ: عين) .
(٣) س: واعتد؛ م: واعند.
(٤) م: بعدت عن الضمير الغدر.
(٥) م س: الآراء (لعلها: الهراء) .
(٦) م س: وارتاب.
(٧) ديوان أبي تمام ١: ٢٣٩.
(٨) الديوان: بربعك رحله.
[ ٤ / ٥٥٢ ]
وفي فصل منها: وماذا عليه لو عرف من شأنه بقضه (١)، من عدة النسيم اجتاز على أرضه، فتنشق عرفه، وتقبل عرفه:
يقبل الريح من صبابته ما قبل الريح قبله أحد ومنها: ولما علم أن تلك الحضرة مجر العوالي (٢)، بل مستقر المعالي، ومجرى السوابق، بل مسرى البواشق، أملها فأمها، وقدم أرجاءها فجاءها، وغرضه أن يكون هنالك خادم قائد، أو جامع فائد، وإذا ظفرت يداه بجواد، يحمله على جواد، فقد أخصب مراده، وأكثب مراده.
ومنها: وإن خفت بالمراجعة بالحال العلية وصلة الإجمال، وختمت بالحسنة الأعمال، أسمعني الله عنك أنباء طيبة، وأمطرك من المعروف ديمة صيبةً، برحمته.
وأخرى يقول فيها:
وإني وإسماعيل يوم وداعه لكالغمد يوم الروع فارقه النصل (٣) لا بل كالجفن فارقه السواد، والصدر بان عنه الفؤاد، هذا تعداد يطول، ودهر بأحداثه يصول، وعلى ما جر من خطوبه، وأعقبنا من
_________________
(١) صورتها في م: يقضه.
(٢) م: بحر الغزالي.
(٣) البيت لصريع الغواني، ذيل ديوانه: ٣٣٢ والشعر والشعراء: ٧١٣.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
عبوسه وقطوبه، لنقرينه صبرًا يرده، وجلدًا يهده (١)، وتحملًا يردعه ويصده، فلا يجد لسهامه منفذًا، ولا يعرف للقدح فيها مأخذًا، وإنا لنرضى بالقدر، ونشرب على القذاة (٢) الكدر، ولا تؤثر فينا لأواء، ولا تبلغ منا عزاء؛ أما وقد ذقنا طعميه، وحلبنا شطريه، وخطرنا قطريه، وجربنا حاليه، فما يحدث جديدًا، ولا ينشئ شديدًا، وإن الله سبحانه ليختار للعبد، ويهديه إذا استهداه للرشد، إذا انتهى به العسر، طالعه اليسر، ووافاه النصر.
ومنها: فذكرنا (٣) - أعزك الله - وطالعنا بأنبائك - أطابها الله - فأنا نرتقب أخبارك، ونستوضح آثارك، ونلحظ على البعد ديارك:
كما نظر الأسير إلى طليقٍ يؤم بلاده لشهود عيد ومن الحق أن تشد يد اغتباطك، وحبل ارتباطك، بفلان، فهو للصحبة ذاكر، وبعهدك مكاثر، ومن أعبائك في تلك الرحلة متنصل، ووده وكيد متأصب. وستفرح معه أيامًا، وترى الفضل إمامًا، والزمان غلامًا، إن شاء الله.
وأخرى افتتحها بهذين البيتين:
أخاطب ود من أخ لك عنده إنابة مخلوع العنان إذا لبى
تفيأ إذا ما شئت ظل ضلوعه ظليلًا ورد من وده شبمًا (٤) عذبا
_________________
(١) م: يردده يهدده.
(٢) م س: القدار.
(٣) لعل الصواب: " فاذكرنا ".
(٤) م س: طلوعه أشنبًا.
[ ٤ / ٥٥٤ ]
وصل لسيدي - وصله الله - تحية أهداها، مقترنةً ببغيةٍ اهتداها، فلولا أن تموج الهواء. لا ينقل (١) الأهواء، لوافاه يحمل من رجع السلام أحفاه، ولوصف ما نشأ له من الولوع، (و) انتهى (حتى) هد الضلوع. فما غريب أو حشه سلطانه، وجفت أوطانه، فبات يستهدي البوارح نسيمها، شوقًا إلى وسيمها، ويستكشف الركب عن أنبائها، كلفًا بأحبائها:
بأشوق مني إلى حضرةٍ تخذت بساحتها موطنا وأتمثل بما بين يدي من الأشواق، إلى تلك الأخلاق، فأقول: ما غريب، نأى عنه هوىً قريب، فكلما أم بابه قطع (أسبابه)،أو هم أن يثني إليه عنانه، شغلت الأيام بنانه، فبات مراق كأس الوسن، فضفاض رداء الحزن، بأشواق مني إلى ذلك الخلق الكريم، فهل يسمح به صرف الزمان اللئيم، وله الذم: ما وهب إلا خلال ما انتهب، ولا أباح إلا ريثما استباح. وإن تكن الأيام أتت لقائك، فأنا أسأل الله طول بقائك، عسى أن يدنو بك دارًا، أو يدور بنا عليك مزارًا.
وله (٢):
قد هززناك في المكارم غصنا واستلمناك في النوائب ركنا
فوجدنا الزمان قد (٣) مال عطفًا وتأتى علًا وأشرق حسنا
_________________
(١) م س: لا ينفعل.
(٢) وردت الأبيات في القلائد والخريدة والمطرب.
(٣) في المصادر: لان.
[ ٤ / ٥٥٥ ]
فإذا ما سألته كان سمحًا وإذا ما هززته كان لدنا
مؤثرًا أحسن الخلائق لا يع - رف ضنًا ولا يكذب ظنا
أنت ماء الزمان أخصب وادي - - هـ ورفت رياضه وانتجعنا
نزعت (١) بي إلى ودادك نفس قلما استصحبت سوى الفضل (خدنا) في ذكر الوزير الكاتب أبي الحسين يوسف بن محمد بن الجد (٢)
واجتلاب قطعة من نظمه ونثره (٣)
قد قدمت ذكر بني الجد (٤)، وذكرت أنهم كانوا صدور رتبٍ، وبحور أدب، توارثوه نجيبًا عن نجيب، كالرمح أنبوبًا على أنبوب، مع اشتهار بصحبة السلطان، وشرفهم على وجه الزمان. وأبو الحسين هذا كان من أسنى نجوم سعدهم، وأسمى هضاب مجدهم، ولولا ما خلا به من معاقرة العقار، وتمسك بأسبابه من قضاء الأوطار، لملأ ذكره البلاد، وطبق نظمه ونثره الهضاب والوهاد. وقد استكتبه ذو الوزارتين أبو بكر ابن عمار أيام حربه بمرسيه، وله معه أخبار مذكورة، وعنه رسائل مشهورة،
_________________
(١) بي: سقطت من م.
(٢) كنيته في المغرب (١: ٣٤٠) أبو الحسن، وورد في مواضع أخرى من الذخيرة مرة أبو الحسين ومرة أبو الحسن؛ وفي هذا الموضع من النسخة ط " أبو الحسن "، وانظر مسالك الأبصار ١١: ٤٣١؛ وسقطت لفظة " يوسف " من م س.
(٣) م: نثره ونظمه.
(٤) ذكر ابن سعيد (المغرب ١: ٣٤٠) أن بيت بني الجد بيت جليل، وهم فهريون سكنوا لبلة وسادوا أيضًا باشبيلية، ثم ترجم لأربعة منهم، ولكن ليس من السهل تبين صلة القربى بينهم. وقد مرت ترجمة أبي القاسم منهم في هذا القسم من الذخيرة: ٢٨٥.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
ولم أقع من كلامه وقت تحريري هذا التصنيف، إلا على اليسير الطفيف، وفيما أثبت منه ما يقر له بالفضل، ويرفع لواءه في النبل.
جملة من نثره مع ما يتشبث به من شعره
له من رقعةٍ خاطب بها من استنهضه إلى معارضة الحصري في قصائده المعشرات (١) قال فيها:
يا سيدي (٢) - أبقاك الله شاحذ فكرٍ، نافذ ذكرٍ؛ من حق ذمتك، الذهاب مع وفق همتك، ولما أكملت رغبتك من كتب معشرات (٣) الحصري، هب من خاطري النائم البكي، فنظمت في معناها، ما لا يغني من الصناعة مغناها، فالدر لا يعارض بالمخشلب، والبحر لا يناهض بالمذنب، وإنما ذلك لما في طباع الإنسان، من اتباع الإحسان؛ مع أني أردت أن أملأ سمعك، بصورة حالي معك، وأنت تعلم أني حين تعرضت، وأوان تربصت (٤)، غريب حريب، قليل فليل، مريض الجنان، مقروض اللسان؛ فالشعر إذا لم يحكه قلب فارغ، ولم يسبكه
_________________
(١) المعشرات: قصائد تتألف كل قصيدة منها من عشرة أبيات، في موضوع من الموضوعات كالنسيب أو مدح النبي أو الزهد، ومعشرات الحصري في النسيب، وقد نشرت مع دراسة عن الحصري قام بها الأستاذان محمد المرزوقي والجيلاني بن الحاج يحيى: ٢١٢ - ٢٤٠ (تونس ١٩٦٣) وفي م: المشعرات.
(٢) يا سيدي: سقطت من ط.
(٣) م: معشر.
(٤) م: ترصنت (اقرأ: تبرضت) .
[ ٤ / ٥٥٧ ]
لب من ظلماء الشغل بازغ، لم يكمل خلقه، ولم يرو الصدور وقده، وجاء خداج النتاج، أجاج المزاج. فإن نظر في هذي إليك ناظر، وعطف من عنان المناظرة بينها وبين تلك - على تباعدها - مناظر، فأطلعه على غيب حالي، قبل أن تطلعه على عيب مقالي، ليعلم أنها زبدة الماء، وعصارة الصخرة الصماء. والله المرجو للإدالة، والمدعو في الإقالة.
وله من أخرى خاطب بها عمه من ميورقه، عند تناثر عقد (١) رؤساء الجزيرة:
يا مولاي وسيدي الذي أفترض بره، وألتزم شكره (٢)، ومن لا زال في أمان من الزمان، وسلامٍ من الليالي والأيام:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب (٣) [١٠٤ب]
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملًا شرقت بالدمع حتى يكاد يشرق بي وإن عينًا لم تصب بدمٍ (٤) بعد دمٍ لبخيلة، وإن نفسًا لم تذب على تلك النازلة العظمى لجلدة حمولة، لله تعالى التسليم فيما حل وجل، وفجع وأوجع، وأن تكن تجافت عن النفوس، ورتعت (٥) في العرض الخسيس، فخطبها حقير، وكسرها مجبور (٦) . على أنها كيف تصرفت مشكلة،
_________________
(١) عقد: زيادة من م س.
(٢) س: ذكره.
(٣) لأبي الطيب، ديوانه: ٤٢٣ والذخيرة ٢: ٤٨٦.
(٤) م س: تصب دمًا.
(٥) م: وولعت.
(٦) م: المجبور.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
وعلى ما تخيلت (١) مذهلة، وصفاتك - أعزك الله (٢) - أصلب من أن تؤثر فيها النوازل، وأثبت من أن تضعضع فيها الرواجف والزلازل؛ وأنا حين خططت هذه الأحرف على جمر الأسى متقلب، وبارتقاب ما خصكم (٣) - لا زال خيرًا - معذب، وقد أودعت مناولها من خبري، وحملته من عجري وبجري، ما لك الطول في الإصغاء إليه، واستيفاء ما لديه، ثم في مراجعتي بما تقررت الحال عليه.
وختمها بهذه الأبيات (٤):
كتبت وقد غالت عزائي (٥) أشجان وقد شرقت بالدمع والدم أجفان
وقد وقذتني نبأه الخطب لم تصخ (٦) إلى مثلها في سالف الدهر آذان
تصاممت عنها مستريحًا إلى المنى (٧) وقلت عساها في الأحاديث بهتان
إلى أن جلاها الصدق عندي فهدني وإن قليلًا أن تضعضع أركان
كذا فارقبوا يوم القيامة بغتةً فيهلك شيطان ويهتك سلطان
عزاءً وأني بالعزاء وقد هوت كما قد ذوت فيكم نجوم وأغصان
وغاضت بحور (٨) للندى وتقلصت ظلال العلا وانهد للمجد بنيان
_________________
(١) م: خيلت.
(٢) م س: دام عزك.
(٣) د: يخصكم.
(٤) منها بيتان في كل من المغرب والمسالك.
(٥) د: غرامي.
(٦) سقط هذا البيت والذي بعده من م س.
(٧) ورد البيت في القسم الثالث ٣: ٨٤٩ وفي هذا القسم الثاني أيضًا: ٤٨٧.
(٨) م س: بحار.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
لبان بما قد بان (١) أمن وإيمان وما الدهر إلا ناقض (٢) العهد خوان
ولولا الأسى لم يبد في العيش عذره وحبسي ولم أبعد علي وعثمان
وكم قبلها من مثلها ثم بعدها وليس على دهر جنى (٣) ذاك عدوان
وبين ضلوعي والجفون تنازع على الرسم من جسمي فسحب ونيران
ولا شك أني بين هاتين طائح فيغرق طوفان ويحرق بركان
تقسم صبري والحوادث جمة ملوك وجيران وقوم وأوطان
لعل الليالي، والليالي لواعب ستأتي التي فيها عن الغم سلوان
وفي الفم ماء مانع من (٤) زيادة وعند الذي يهدي كتابي تبيان
فطولك في إرعاء سمعك ساعةً لتسمع ما شطت به عنك أزمان
وراجع ولو في صفحة الماء راقمًا وطالع فيكفيني من الطرس عنوان وله من أخرى: يا سيدي الأجل، وغمامي المستهل، وكوكبي النير المطل، ومن أبقاه الله في الشمل الأجمع، والأمل الأمتع، أو ذنت بمقدمك الميمون، المقر للنفوس والعيون، فارتحت ارتياح من أنشدت ضالته، وأعيدت عليه بعد السقم صحته، وقد كان من ورد اشتياقي إليك، أن أقع بين يديك، غير أن الوجل (٥) قيد القدم، فلم أجد بدًا من أن أستنيب القلم، ومثلك - دام عزك - شرح لعذر وله صدرًا،
_________________
(١) م س: يمن.
(٢) س م: ناكث.
(٣) م ط: حنى (حنا)؛ د س: خنى.
(٤) م ط: زيارة.
(٥) م: الوجد.
[ ٤ / ٥٦٠ ]
ولم يظن بصفيه فيما يقع من إخلاله بخلاله وجلاله (١) غدرًا. ومع هذا فلو كنت على ثقةٍ من وجدانك بمكانك، لمشيت ولو على شوك [١٠٥أ] القتاد، مجتنيًا من تلك الخلائق الناضرة (٢) العاطرة زهر الربى والوهاد، وناقعًا من تلك السجايا الباهرة حرارة الجوانح والأكباد - لا زلت لأودائك أملا، ولأوليائك فضلًا من الزمان كملا (٣) .
ومن شعره (٤)
أهدى الزمرد (٥) مورقًا ومنورًا عجبًا تطلع كل لحظ أبصرا
فحسبته من قلبه ومودتي حجرًا وريحانًا يرف معطرا
وزجرت منه بأن قسوته انثنت لينًا كخد منه رق وعذرا
قد كان سري فيه ممنوع الحمى فاليوم هتك كل سرٍ سترا
فلأخلعن ثوب الوقار عن (٦) الصبا ولألبسن ثوب الهوى متبخترا
ولأشربن كأس الصبابة علقمًا حتى أعاطي كأس وصلٍ سكرا
ولئن كتمت الحب فيه صيانةً وضنانةً فكفى بجسمي مخبرا
وإذا سما بسمائه بدر الدجى فعليه من قلبي السلام مكررا
_________________
(١) ط: من إخلاله بجلاله.
(٢) س م: الباصرة (اقرأ: الباهرة) .
(٣) س: وكملا.
(٤) انظر المسالك ١١: ٤٣١.
(٥) المسالك: مونقًا.
(٦) م: على.
[ ٤ / ٥٦١ ]
واستكتبه العامل ابن القروي (١) الإسلامي، فغاب عنه أيامًا يشرب النبيذ فلامه على خلع عذاره، في استهتاره، وترك خدمته، فكتب إليه أبو الحسين:
أمسك (٢) عنانك إن ركبت قليلًا واسمع وإن كان الحديث طويلًا
إعزل وول ففي حديثك آية لو أن قومك أحسنوا التأويلا
هلا عذرت على البطالة أهلها ورأيت رأيًا في المدام أصيلا
هي ما علمت فإن عرتك (٣) جهالة فاستفسرن من سراها الانجيلا وقال (٤):
تحكمت اليهود على الفروج وتاهت بالبغال وبالسروج
وقامت دولة الأنذال فينا وصار الحكم فينا للعلوج
فقل للأعور الدجال هذا زمانك إن عزمت على الخروج وله يخاطب بعض من نهض به زمانه لا إحسانه، وكانت لداره بابان إذا انتظر من الواحد طلوعه، خرج به من الثاني عدو له عن الفضل ونزوعه، وفي ذلك يقول أبو الحسين وقد اختلف إليه فلم يلقه، ولا شام يومًا برقه:
يا ماجدًا والزمان عدل طال اختلافي لساحتيك
لقد رأيت الغريب حتى رأيت شعرًا (٥) براحتيك
_________________
(١) ط: ابن القدوي.
(٢) م س: عتابك.
(٣) م ط د س: عدتك.
(٤) المسالك ١١: ٤٣١ - ٤٣٢.
(٥) م: شعري.
[ ٤ / ٥٦٢ ]
في ذكر الأديب أبي الحسن [غلام] البكري (١)
وإثبات جملة من محاسن شعره
وأبو الحسن في وقتنا بحر من بحور الكلام، قذف بدر النظام، فقلده أعناق الأيام (٢)، أسحر من أطواق الحمائم، وأبهر من النجوم العواتم؛ من شعراء الدولة العبادية، لم تكن له رحلة لسواها (٣)، ولا قدم في غير ذراها، وكان أخيرًا هو وعبد الجليل وأبو بكر الداني هقعة جوزائها، ونسر سمائها، وطبقتها التي قال بتفضيلها الإجماع، وشهد لها [١٠٥ب] العيان والسماع. ولما انجابت غيومها، وامحت نجومها، بخلع صاحبها، خلع أبو الحسن صنعة الشعر خلع النجاد، وتبرأ منها تبرؤ العبادية (٤) من دعوة زياد، إلا إلمام الطيف بعين الفرق، والتفات الدليل، ببنيات الطرق، واشتمل عليه البكريون لكونه إحدى ذرى بنيانهم، وأحد (٥) دعائم أركانهم، ولتعويله عليهم، وأنقطاعه بالولاء إليهم، فألحفوه نعماهم، وأغنوه عن سواهم.
وقد أثبت من شعره ما يقضي به بالفوق (٦)، ويخصه بقصبات السبق.
_________________
(١) اسمه حكم بن محمد: وله ترجمة في القلائد: ٢٩٠ (وانظر ص: ٢٤٢ وعنه النفح ١: ٦٥٧) والمغرب ١: ٣٤٨ وبغية الملتمس رقم: ٦٩٢ والمسالك ١١: ٣٨١ ولفظة " غلام " موجودة في فهرسة الذخيرة، وفي المصادر.
(٢) ط د: الأنام.
(٣) ط: سواها.
(٤) م س: العباسية.
(٥) م س: وإحدى.
(٦) د م س: بالفرق.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
جملة من شعره
له من قصيدة أولها (١):
ألاحت وللظلماء من دونها سدل عقيقة برقٍ مثلما انتضي النصل يقول فيها (٢):
نكرت الدنا (٣) والأهل فيها فليس لي بها عقوة آوي إليها ولا أهل
وأفردني صرف الزمان كأنني طرير من الهندي أخلصه الصقل
فيا ليت شعري هل مقامي لنيةٍ (٥) تصيخ (٤) لنجواها المطية والرحل
وسير يخلي المرء منه (٦) قرينه فريدًا كما خلى تريكته الرأل
فمن من حبيبٍ كان روضة (٧) ناظري يرف ويندى بين أفنانها الوصل
ضحى ظله إذ كورت لي شمسه فشخص نعيمي لا يقوم له ظل
غبرت وبادوا غير أن تلبثي وراءهم عيش يلذ له القتل
إذا كان عيش المرء أدهى من الردى (٨) فعائدة الأيام داهية خبل
_________________
(١) انظر القلائد والمسالك وبغية الملتمس.
(٢) يقول فيها: سقطت من م س.
(٣) د والقلائد: والأرض.
(٤) ط: يصيح؛ والقلائد: تضج بنجواها.
(٥) القلائد: والرجل.
(٦) القلائد: قريبه.
(٧) القلائد: خاطري.
(٨) القلائد: ختل.
[ ٤ / ٥٦٤ ]
وللناس هممات تبحبح (١) بالغنى وإن كان جمعًا ضمه اللؤم والبخل
إذا قنع المضطر كانت بكفه مقاليد (٢) لم يبهم لها أبدًا قفل
ومن (٣) راد لم يعدم من الله (٤) نجعةً ففي كل محلٍ من غمامته وبل
رأيت النهى في المرء فضلًا يشفه (٥) ولكن من يحويه ليس له فضل
ومن ميز الدنيا بتمييز أهلها تبين أن العقل مثل اسمه عقل
فيا ليت (٦) علمي فيهم أنه عمى وحلمي الذي أشقى به أنه جهل
وطئت من الأيام أخشن جانبٍ فهل لي منها جانب دمث سهل
ولكت من الأعداء شري (٧) ضغينة لبست بها ماذية مجها النحل
وقارعتهم حتى فللت شباتهم بسورة عز لا يكفكفها الذل
ولكن صرف الدهر قرن إذ سطا يخر حفافيه (٨) الفوارس والرجل ومنها (٩):
حبست كما ضم المهند غمده وقيدت مثل القرم يضغطه العقل
وعريت من مالي وما ملكت يدي كأني منه محرم ما له حل
_________________
(١) م د: تبجح؛ م: بالقنا؛ س: فالقنا.
(٢) القلائد: مفاتيح.
(٣) ط: داك؛ د: ذاك؛ م: أراد.
(٤) م س: تحفة؛ ط: نعمة.
(٥) د: يشيقه؛ ط: يشيفه.
(٦) م: شعري.
(٧) م: ولو كنت من أسرى صعينة؛ ط: د س: ظعينة.
(٨) د: يجر خفافيه؛ ط: يجد حفايفه.
(٩) ومنها: سقطت من م س.
[ ٤ / ٥٦٥ ]
أري أعين الأعداء بشر طلاقةٍ وأوجه آمالي مقطبة طحل
فمن لي بأني في جناح غمامةٍ لها بارق نحو الأحبة منهل وله من قصيدة (١) في المعتمد (٢):
مضيت كما يمضي الحسام المصمم وأبت كما آب الحيا المبتسم (٣) [١٠٦أ]
وأسفر من مرآك صبح مسرةٍ تجلى به قطع من الليل مظلم
تحف به (٤) الأجناد تخطر بالقنا فخلناك بدر التم حفته أنجم
لك العزمات النافذات التي بها رأينا قناة الدين كيف تقوم
سيعلم من ناواك أنك لا الذي يخيم عن الحرب العوان ويحجم
دع السيف يوهي ما بناه فإنما (٥) على السيف أن يبنى بما هو يهدم
لكيما يقر الشامخون أنوفهم بأن علاكم للمعاطس مرغم
أحلك ربع (٦) الملك مجد مؤثل وسرو على مر الجديدين قشعم
لتربأ (٧) بك الأيام عن حدثانها فإنك في يهماء دهرك معلم
لربعك يخدي كل نضوٍ كأنها (٨) قسي عليها من عفاتك أسهم
ويومٍ كريعان الشباب شهدته يقينًا ولم يطمح إليه التوهم
_________________
(١) س م: قصيد.
(٢) المسالك ١١: ٣٨٢.
(٣) ط د: المتنسم.
(٤) م: الأجياد.
(٥) وقع هذا البيت رابعًا في م س.
(٦) ط د: المجد.
(٧) ط: لتفرأ (اقرأ: لتبرأ) .
(٨) اقترن الشطر الثاني من هذا البيت بالشطر الأول من البيت السابق في م.
[ ٤ / ٥٦٦ ]
فما خلت أن البحر يحويه مجلس ولا يحتبي وسط الندي يلملم
لقد طرزت نعماك يمنه منطقي فراق بها وشي القريض المسهم
لك الخير إن القلب واعٍ وإنما يبوح بما فيه اللسان المترجم
ولولا (١) الأسى ما رق شعر مهلهلٍ ولا حاز سبقًا في الرثاء متمم وله من أخرى (٢):
إذا أنت عاينت الأنام ودهرهم ترى نقدًا يأدو لغرتها سمع
تأهل قلبي وحشة حشت الحشا وأقفر من أنسٍ كما أقفر الربع
فلا جبرة (٣) إلا إراقة عبرةٍ وزفره منجود يقوم لها الضلع
هما نصرتا من لم تؤيده قدرة وبئس النصيران التنفس والدمع
تدرعت قلبي جرأةً وحزامةً ومن يدرع قلبًا يهن عنده الدرع
فإن خدعت دنياي مني منجدًا فإن سراب القاع شيمته الخدع
وإن افتقد عزمي فقد أطأ العدا بأخمص ضيمي مثلما يوطأ الفقع
هببت عليهم بالردى فأطرتهم (٤) كما نفحت عصفًا مؤوبة مسع
علوا وهووا من غير نفع كأنهم سماء ولا رجع وأرض ولا صدع
أرى النقص عارًا في الجوارح والنهى فما لفمي أخذ ولا ليدي منع
_________________
(١) م س: فلولا.
(٢) منها بيتان في المسالك.
(٣) م س: خبرة.
(٤) من قول الهذلي: " قد حال بين دريسيه مؤوبة، مع " والمؤوبة: ريح تجيء مع الليل والمسع: ريح الشمال.
[ ٤ / ٥٦٧ ]
أصون ببذل الجهد عرضي وإنني لأحفظ أسراري كما يحفظ الشرع
وأفتش أعضائي مخافة أن يرى بها وصمة تشني فيخطفها السمع
وأصمت أفواه الرواة بمقولٍ لورقائه في ايكة المنتدى سجع وله من أخرى في المعتمد:
قرعت الصياصي بشعت النواصي وسمر العوالي وبيض القضيب [١٠٦ب]
خميس يضاهي الحيا المكفهر إذا اختال في الهيدبي المنسحب
ودانيت حتى ثغور الظبا تبسم عن فلج (١) ذي شنب
وخلفت قتلك لما عتا فليل (٢) المضارب دامي (٣) الندب
(٥) تحاجز عنه (٤) العلا فركًا وأبت بها آنساتٍ عرب
يراعيك مرتقبًا مثل (٦) ما رعى الشمس حرباؤها المنتصب
فخضت من طرفه إذ سما وأصمته بعد طول الصخب
وعاودت قرطبةً عندما عبأت الهناء لذاك الجرب ومنها (٧):
فلو أن جدي كودي لكم لبوأني الجد أعلى الرتب
أليس ثنائي وسط الندي يجر المقاول أن تخطب
_________________
(١) ط د: ملح.
(٢) في النسخ: قليل.
(٣) د: بادي.
(٤) م س: تحاد عنه؛ ط د: تحاجر.
(٥) ط د: بركا.
(٦) ط د: كلما.
(٧) ومنها: زيادة من م س.
[ ٤ / ٥٦٨ ]
ألظ الرواة به فازدهت قلائده في نحور الكتب وله في القاضي أبي عبد الله بن حمدين يشفع لبني البكري:
بعدلك رشت جناح القضاء وسربلت حكمك ثوب الضياء
وصارت خطاك على منهج من القصد بين السنا والسناء
ومدت ظلالك نار الهجير ودرت سماؤك بالجربياء
وقد كمنت فيك سيما التقى كما كمن العود تحت اللحاء
وما يحمد الرعي في كل وادٍ ولا يوجد الري في كل ماء
ختمت القضاء بحكم الإله (١) كختمة أحمد للأنبياء
دعيت بكنيته واسمه فنور الهدى طي ذاك الدعاء
أهنيك لا بل أهني الورى بأن فاز نقبهم بالهناء
طلعت لهم وسط عمياء لا ترى العين فيها سبيل اهتداء
ولحت منار هدىً ناره يؤرثها ملكوت السماء
فهديك شمس يطير الضلال شعاعًا بأرجائها كالهباء
وسعيك في ذاته لم يزل يبيح الجنى في جذوع الأشاء
فحط أفرخًا ضمهم في يديك حميم ثوى في ربوع الفناء
أغاض الردى منه ماء الندى وأخمد منه شهاب الذكاء
يضمكما منتمى وائلٍ وقرب النفوس أجل انتماء
وأكرم حي وفي رعى أذمة ميتٍ كريم الإخاء
_________________
(١) في هامش ط نحط الأصل: انظر هذا التمثيل البشيع، فليته لم يمثل به.
[ ٤ / ٥٦٩ ]
ناقص
[ ٤ / ٥٧٠ ]
ناقص
[ ٤ / ٥٧١ ]
وله من أخرى، أولها:
شكري لنعماك شكر الروض للديم فاقطف بأيدي الأيادي روضة الكلم
أبت خلالك إلا كل مكرمةٍ بثت (١) لك الحمد في عربٍ وفي عجم
سجية في العلا شابت ذوائبها وهمة نشأت في تربة الكرم [١٠٧ب]
جيش أياديك الحسنى تقد لجبًا واجعل سلاحك ما تسديه من نعم
تهزم أعاديك اللائي إذا فحصت عنها المكارم لم توجد من الأمم
والق انتعاشك عند (٢) العثر منفردًا بلا أخٍ كانفراد الصارم الخذم
والفظ (٣) جناه وإن لذت مذاقته (٤) فربما شرق الغصان بالشبم
كم من سريرة عليا بث (٥) أثرتها لك المهيمن بين اللوح والقلم
ومن أفانين صنع كلها نعم لديك ترمي القذى في أعين النقم
من أي (٦) قطر يكر الخطب (٧) تصدمه وإن عرتك (٨) المنايا الحمر لم تخم ومنها (٩):
لولاك لم تنظم في السلك لؤلؤة ولا غدا الشعب منه جد ملتئم
_________________
(١) ط د: بنت.
(٢) د: الوفر؛ ط: الور.
(٣) م س: جفاه.
(٤) ط د م: بالشيم؛ س: بالشتم.
(٥) د: بت آثرها؛ س: بت لشرتها.
(٦) د: فكر؛ س: قصر.
(٧) م: تصرفه.
(٨) د: عنتك.
(٩) ومنها: لم ترد في م س.
[ ٤ / ٥٧٢ ]
واليت (١) سعيك بالتقوى (٢) فشافهه بين الملمات نجح الله من أمم
فمجتبيك كمرتاح (٣) رمى نظرًا في ناضرٍ من رياض الحزن مبتسم
ومجتويك كمغرورٍ أجال يدًا في مزبدٍ من عباب البحر (٤) ملتطم
دلائل الفضل في السادات واضحة منها الوفاء ومنها الرعي للذمم
تبلى الليالي ولا تبلى عرائكها وربما جددتها لبسة الكرم
همى حياك فأحيا ميت كل ثرى ولاح برقك وضاحًا لكل عم
من لي (٥) بتأدية الشكر التي كتبت جدواك أسطره في صفحتي عدمي
حملتني منه ما لو حل في جبلٍ لرض رضوى وآد الركن من إضم
ما لي سوى العجز (٦) والتقصير من وزر فاعذر سكورك بعض العذر أو فلم
_________________
(١) ط د س: وانيت.
(٢) م س: فشابهه.
(٣) ط د: فمجتنيك؛ كمرتاح: بياض في ط؛ د: كثرثار.
(٤) م س: الدهر.
(٥) د: بنادية؛ م ط: ببادية.
(٦) في النسخ: الفخر.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
في ذكر الكاتب أبي الحسن صالح بن صالح الشنتمري (١)
وإثبات جملة من نظمه ونثره (٢)
وابو الحسن غربي (٣) النشأة، شنتمري الأفق، شاعر ناثر، وله من المعرفة بلسان العرب حظ وافر، وكلامه في المماثلة والسجع، جارٍ على الطبع، ذاهب بين الجزالة والحلاوة؛ من رجل شديد الحياء، كثير الانقباض والانزواء، يرى الكتابة عليه من أشق الأشياء، ولا لنبو طبع وقلة أدب، بل لضعف عصب، فكان لا يكتب الرقعة إلا في مدة، وكثير من الكتاب، يشق عليه الكتاب، لزمانةٍ تكون في يده، أو إفراط ضعف في خطه. وفيما (٤) أثبت هنا من نوعي كلامه، في نثره ونظامه، شاهد على ما وصفته به، ومنبه على فهمه وأدبه.
_________________
(١) انظر ترجمته في المغرب ١: ٣٩٧ ورايات المبرزين: ٣٥ (غ) وذكر محقق المغرب أن له ترجمة في المسالك ٨، الورقة ٣٣٤.
(٢) م س: نثره ونظمه.
(٣) م س: عربي.
(٤) ط د: ومما.
[ ٤ / ٥٧٤ ]
جملة من نثره
له من رقعة في استدعاء خلطة: المحاسن - أعزك الله - على رتب وأحوال، وصورٍ وأشكال، فأحقها بالإعظام والإجلال، ما كان منها في الخصال والخلال، وما يتلى من آيات براعتك ونبلك، ومعلومات حسبك ونسبك، بعث على التطارح عليك، والحنين إليك، وكم حننت إلى المخاطبة فملكني عنها ارتيادي لها سببًا (١) يوطئ لها كنف [١٠٨أ] القبول والارتضاء، إذ الهجوم عليها عندهم ضرب من الجفاء (٢)، والحنين في خلال ذلك يتزايد ويتصاعد (٣)، إلى أن بلغ بي غايةً ملكتني عن التملك، وأمسكتني عن التماسك.
وفي فصل من أخرى: لو كان البدار (٤) إلى المخاطبة بحكم الاعتقاد، وعلى حسب المحبة الوداد، لكنت أول من أعمل كلمه في مكاتبتك، وأرسل قلمه لمخاطبتك (٥)، لكن المخاطبات بين الناس تقع إلا بعللٍ وأسباب، كالدخول قلما يكون إلا على باب (٦) .
_________________
(١) م: سنى؛ س: سنا.
(٢) انظر ص: ٥٢٧ س ٦ - ٧ حيث كرر ابن بسام نفسه هذه العبارة.
(٣) س: يتصاعد ويتزايد.
(٤) م: البدر.
(٥) م: بمخاطبتك.
(٦) انظر أيضًا ص: ٥٢٧ س: ٦.
[ ٤ / ٥٧٥ ]
ومن أخرى له (١) إلى الوزير الفقيه أبي الحسين ابن سراج: مثلك - أعزك الله - لا يغرب عليه بمقال (٢)، ولا يقعقع له باحتفال (٣)، فإن العلوم الشريفة بأصلها، والآداب الرفيعة بجملتها، مشهورة بروايتك، محصورة بداريتك، محظوظة بحفظك لها (٤)، محوطة بإحاطتك بها، والبلاغة التي هي أفضل ثمراتها، وأطيب طيباتها، لا تعزى حقائقها إلا إليك، ولا تلفى (٥) معجزاتها إلا لديك، ولا يقتدي في سننها إلا بك، ولا يعترف فيها بالعجز والتقصير إلا لك، ولذلك (٦) أو جزت في كتابي هذا، وتركت طريق (٧) السجع حياء من التعرض لصناعة قد انفردت أنت بفضلها، وسبقت أهل الزمان في ميدانها، وأخذت عليهم مسالكهم، وأحرزت شرف الدلالة (٨) في مجاهلها.
وله من أخرى: كل فعال يقصر عن فعالك، وكل إجمالٍ ينزر عند (٩) إجمالك، وإنك فاضل أهل زمانك، ومقلة عين أوانك، فلو خاطبتك بلسان الوائلي والإيادي (١٠) مخاطبةً جريت معها طلق الجموح،
_________________
(١) له: زيادة من م س.
(٢) ط د: يعزب عليه مقال.
(٣) م س: باحتمال.
(٤) لها: سقطت من م س.
(٥) ط د س: تلقى.
(٦) ولا يقتدي ولذلك: سقطت من س م.
(٧) م س: طريقة.
(٨) س م: الأدلة؛ د: الدالة.
(٩) ط: عن؛ د: عنه.
(١٠) الوائلي: سحبان وائل، والأيادي: قس بن ساعدة.
[ ٤ / ٥٧٦ ]
وهببت لها هبوب اليمانية النفوح (١)، وشحنتها بفصول الإعظام والإجلال، وبلغت بها غاية (٢) الاحتفال، سعايةً في الوصول إلى قضاء حقك، وعنايةً بأداء الواجب المتعين لك، لكنت في ذلك كمن جال في مناكب الأرض يروم الإحاطة بساحتها، والوقوف على حقيقة مساحتها.
وإذا كان التطويل، لا يبلغ معه المأمول، فالإضطراب (٣) أجمل، والخطاب دونه اسهل؛ بهذه العين نظرت، بعد ما صدرت، ولذلك ما قصرت واختصرت، فحبست العنان في أول الطلق، وصرفت العناية لها إلى الأحق بها والأخلق، وصرفتها إلى أن جمعت بين الاختصار والاعتذار، وتشفعت بالاقرار إلى الاغتفار (٤)، وإن ذلك لما يجعل المعذرة في حيز الاعتذار، لا سيما عند من أصله أصلك، وفضله فضلك، ممن إذا تشفع إليه، ورغب فيما لديه، جاءت الشفاعة بين قرينتين: من شرف قديم (٥)، وسلم كريم، ومعونتين: من سريرةٍ جميلة، ونحيزةٍ نبيلة.
وفي فصل له من أخرى: ومن الحقائق التي برح فيها (٦) الخفاء، واستوى في علمها العلماء والجهلاء، وأقر لها الأعداء والأولياء (٧)، أني مت أهبت بك إلى الإخاء، وهززتك بوصف ما أنا عليه في الخلوص والصفاء، فإنما
_________________
(١) النفوح: سقطت من س م.
(٢) م س: أبعد غاية.
(٣) ط: فالاضطراب.
(٤) س: الاعتذار.
(٥) قديم: زيادة من س م.
(٦) س: معها.
(٧) س م: وأقر بها الأعداء كما أقر بها الأولياء.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
أهبت بمن له في الكرم، شهرة العلم، وفي السؤدد، منزلة الفرقد، ويأبى - لا محالة (١) - ذلك الكرم الراسخ، والشرف المنيف الباذخ، إلا أن يبلغني من ودك أملي، ويعطياني من جميل اعتقادك حتى أقول: بجلي، وينقلاني من الوقوف على فضلك بالأخبار، إلى الوقوف عليه بالاختبار، فيصير علمي بك علمين، ويقيني بك يقينين، لا زال الزمان يبدي من أسرار فضائلك، ويهدي من أزهار شمائلك، ما يصور (٢) القلوب (٣) إليك، ويطالب الألسنة بالدعاء لك والثناء عليك.
وله من رقعة عتاب: إنا لله، لقد غرقت من غشك في بحرٍ عميق (٤)، وامتحنت منك بعدو في ثياب صديق (٥):
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى (٦) عدوًا له ما من صداقته بد وقد كنت خاطبتك - لا مسك خطب، ولا فل لك غرب، جاريًا - علم الله - إلى التحقيق، آخذًا بما يلتزمه الصديق للصديق، [١٠٨ب] غير ملتفت إلى تلك البوادر التي كانت الدعابة تجريها، وإدلال الوداد السبب فيها، وما كان في كتابي شيء يتهمه من أخلص نية، وأوى إلى حسن
_________________
(١) ط د: ويأبى ذلك لا محالة.
(٢) ط س: يصون.
(٣) م: القلب.
(٤) ط م س: غميق.
(٥) من قول أبي نواس: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق (٦) للمتنبي، انظر ديوانه: ١٨٤.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
طوية، اللهم إلا إن كان ما صمنته من التبجيل، قد حرفته عن الوجه الجميل، وتأولته أقبح التأويل.
قال ابن بسام: ومما لوح فيه بالعتاب، وزخرف بالتصنع ظاهر الخطاب، رقعة خاطب بها من أحوجته الأيام إلى مصانعته، وقد بدت منه بوادٍ (١) صوب فيها وصعد، وقام وقعد، قال (٢) فيها:
معلوم - أعزك الله - أن لكل مقام مقالًا، ولكل (٣) حالٍ تناولًا وحوالا (٤)، وكما لا يصلح الإكثار في كل خطاب، فكذلك الاختصار لا يسوغ في كل كتاب، وفي النفس كوامن لا يمكن تبيينها عليك، وتقريرها لديك، إلا بالتطويل، وإن أصار إلى التثقيل، وأنت بعلاك تصرف إليها بالك. لما وهب لنا أيها العماد من عرفانك ما وهب، وسبب من التعلق بك ما سبب، رايتني قد رقيت إلى جوار الأفلاك، وجعلت الأخمص على ذروة السماك، لما رجوت من الاعتزاز بجانبك العزيز.
وفي فصل منها: وإني بحمد الله لممن إذا علم أكرم، وإذا جرب قرب، وإذا خبر (٥) أدخر، أما الإكرام فلما من الأدب، الذي به يرتقي إلى عليات الرتب، وأما الادخار فلا عتدالي في أحوالي، وثقةٍ جعلها الله من خلالي، وعندي من الآلات التي تبعث على اتخاذي واستعمالي:
_________________
(١) ط م س: بوداد (واقرأ: بوادر) .
(٢) موضع قال: بياض في ط.
(٣) م س: وإن لكل.
(٤) م: وحذالا، س: وخلالا.
(٥) ط د: أخبر.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
أني أقول من الشعر أبدعه، ومن النثر أرفعه (١)، وأنقد النقد الذي قل من يجاريني فيه، ويباريني (٢) في التكلم على معانيه، وإن كان خطي لا يلحق بالخطوط القوية الكتابية فإن ضعفه لتميمة على جيد لفظي، ونميمة على ذكاء فهمي واتساع حفظي؛ فمن المعلوم المعروف، أن العلماء مخصوصون بضؤولة الخطوط ولطافة الحروف، فكل (٣) يشهد أني أنهض إلى المطولاته، وأقتدر على المخاطبات السلطانية، وما أنا ممن يفتخر بخدمة الزمام، ويجعلها ذريعةٍ (٤) إلى الإكرام:
معاذ إلهي إنني وعشيرتي بنفسي عن ذاك المقام لراغب ولكنني أفتخر - عند الاضطرار إلى الافتخار - أني حامل روايات، وحافظ لغات، وذو شمائل تنسب إلى مكرمات، وما تطارحت قط على زاهدٍ في، ولا أظهرت حرصًا على غير حريصٍ عليّ، بل كنت أقابل الإباء بنظيره، وأظهر الاستغناء بظهيره، وأنشد:
ولست بساقطٍ في قدر قومٍ وإن كرموا، كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كل ناءٍ بجانيه إذا عز الذاب ولست أضرب المثل في سقوطي عليك، وانجذابي إليك، ولكني أقول:
_________________
(١) د: أسمعه؛ ط: أبد (ثم بياض) .
(٢) ط: ويمازيني؛ د: ويماريني.
(٣) م س: وكل.
(٤) ذريعة: سقطت من ط: وفي م: ضريعة.
[ ٤ / ٥٨٠ ]
إني أسقط (١) سقوط الطل على الرياض، وأتزين بخدمتك تزين الجمال بالبياض:
وله فصل في صفة القلم: بخط اليراعة، ينال حظ البراعة، وأفضل أقلام الكتاب، المنتخبة للكتاب، ما لم يكن في طوله تعوج، ولا في صلابته ترجج، وكانت خصوصية العنصر الذي نماه، وسجية المنبت الذي إليه منتماه، قد أخذت به ما بين الدقة المتناهية التي لا تستحسن، والغلظ المفرط الذي يستخشن، وأقرته (٢) على المقدار الذي لا يقع اختيار الكاتب على سواه، ولا يتعداه اقتراحه ولا يتخطاه، ثم انتحى بريه ذو يمينٍ رفيقة، وسكين رقيقة، فأجاد الشق وأحكم القط، وجاء به غير شاق ولا عاق (٣)، سلس الجريان إذا أرسل، موافقًا للبنان إذا أعمل، معطيًا (٤) لقيادة، غير بخيل بمداده، تتبناه الأنامل فترأمه، [١٠٩أ] وتواصل العمل به فلا تسأمه.
قال ابن بسام: ومن البدايع في وصف القلم ما حكاه العتابي عن نفسه قال (٥): سألني الأصمعي فقال: أي الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر - قلت: ما نشف بالهجير (٦) ماؤه، وستر (٧) عن تلويحه غشاؤه، من التبرية
_________________
(١) إني أسقط: زيادة من م س.
(٢) م س: وأقربه.
(٣) ط: شان ولا عان.
(٤) ط د: معط.
(٥) زهر الآداب: ٦١٩.
(٦) س م: في الهجير.
(٧) زهر: وسيره.
[ ٤ / ٥٨١ ]
القشور، الدرية الظهور، الفضية الكسور؛ قال: فأي نوعٍ من البري أكتب وأصوب - قلت: البرية المستوية القط، عن يمين سنها برية تأمن معها المجة عن المط، الهواء في مشقها فتيق، والريح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال: فبقي الأصمعي شاخصًا إلي ضاحكًا لا يحير مسألة ولا جوابًا (١):
وهذه أيضًا (٢) قطعة من شعره
قال يتغزل (٣):
أملي من الدنيا تيسر خلوةٍ أبكي بها وأبث سر هواك
حولي وحولك أعين ومسامع (٤) أخفي الهوى عنهن عند لقاك
حذرًا عليك فديت بي ومخافةً أن يقصروك (٥) ويحجبوا مرآك (٦)
لولا الحياء وأن تشيع سريرتي لنثرت (٧) شمل الدمع حين أراك ومن شعره الطيار المليح، المتناهي في خفة الروح، قوله (٨):
_________________
(١) لا يحير جوابًا: سقط من م س.
(٢) أيضًا: سقطت من م س.
(٣) انظر المغرب ١: ٣٩٧.
(٤) المغرب: إذ ألقاك.
(٥) س: يبصروك.
(٦) ط د: مأواك.
(٧) المغرب: بددت.
(٨) البيتان في المغرب، وقد وردا في الذخيرة ٣: ٤٩٠ ونسبهما صاحب الذخيرة له هنالك أيضًا، وصرح ابن سعيد بأنهما قد ينسبان أيضًا لأبي محمد ابن سارة.
[ ٤ / ٥٨٢ ]
أسنى ليالي الدهر عندي ليلة لم أخل فيها الكأس من إعمال
فرقت فيها بين جفني والكرى وجمعت بين القرط والخلخال وقوله:
للحسن في خلق من أهوى خلائقه روض بهي بسيف اللحظ محمي
فالجيد سوسنة والعين نرجسة والخد ورد وذاك الخال خيري وقال:
لله ما صنع الحياء بصفحةٍ لم تبق عندي للتجلد مذهبا
كان البياض بها لجينًا خالصًا فأحاله فغدا (١) لجينًا مذهبا وقال:
أبدي الحبيب تعجبًا من طول مك - ث الورد عندي عندما أهداه
لم يدر أن دوامه في منزلي من أجل أن مدامعي سقياه وقال:
وصافية كمعتقد الصديق لها في الكأس إيماض البروق
كأن بكأسها ما (٢) تشتكيه قلوب العاشقين من الحريق
إذا قبضت يد الساقي عليها (٣) رأيت له أنامل من عقيق
شربت وصاحبي عذب الثنايا يعللني لماه على الرحيق
_________________
(١) د: فقدي.
(٢) م س: تشتهيه.
(٣) ط: عقوق.
[ ٤ / ٥٨٣ ]
وقال:
وصهباء لم تمسس بنارٍ ولم تذل بعصرٍ ولم (١) توهن قواها (٢) بماء
لحاني عليها من لحا فزجرته وقلت له: مه لست من قرنائي
سأشربها ما سوغ الدهر شربها وعفو إله العالمين ورائي ومما أبهم فيه، وإنما يكنى عن قدح فخار مزفت (٣) قد اتخذ للمشروب:
خل إذا قل المجيبون لم يزل إلى كل ما أدعو إليه مجيبي
غدوت أخا التوفيق لما اتخذته أديب السجايا وفق كل أديب
تخيرته من نجر آدم خالصًا فكان أخي في نجره ونسيبي [١٠٩ب] وله يمازح بعض إخوانه:
خذ ما أتاك من الزمان ولا تطل في إثر ما قد فاتك البرحاء
ماذا ترى في فلذةٍ (٤) رشراشة ورقاقةٍ ورقيقةٍ (٥) صفراء
إن كان عندك ما ذكرنا كله وبعث فينا لم تخف إبطاء وقال:
ألا يا خير من يبغى نداه ويسعى نحو منزله ويمشي
تحن إلى بنات البحر نفسي وأكره أن تموت لدي عطشى
_________________
(١) ط د: ولا.
(٢) اقرأ الألف الأخيرة من " قواها " بالقصر.
(٣) مزفت: زيادة من م س.
(٤) س م: بلدة.
(٥) م: ورفيقة؛ س: وفريقة.
[ ٤ / ٥٨٤ ]
وله يفتخر من كلمة طويلة (١):
خليلي ليس المجد إلا لعالم على كل مجهول من العلم قائم
أخو العلم حيث احتل أضحى مكرما ولا سيما إن حل بين الأكارم
وذو الجهل معدود (٢)، وإن كان سيدًا طرير الكسا، في مهملات البهائم
وإني لممن فاز بالعلم قدحه وممن له فيه اشتهار المعالم
ولي قلم قد شرف الله شأنه بصنعة وشاءٍ على الماء راقم
خليلي ليس الخط ما قد عنيته وإن كنت مشغوفًا به (٣) جد هائم
ولكنه لفظ إذا ما وشيته تحير فيه كل واش وواشيم
بلى إن خطي فيه ضعف وإنما أقامته ألفاظي مقام التمائم
إذا شئت نثرًا كنت أنثر ناثرٍ وإن شئت نظمًا كنت أنظم ناظم ومنها:
تكلفني الحوباء لا در (٤) درهمًا سماح البهاليل الكرام الخضارم
تقول أحب ذا قربى وصل ذا وسيلة وقم بالحقوق الواجبات اللوازم
أما إنني لو نلت أيسر (٥) نزرةٍ لكانت لكفي بسطة في المكارم
فآهٍ (٦) لعصرٍ مثل أهليه جاهلٍ ودهرٍ لأبناء المروءة (٧) ظالم
_________________
(١) منها أبيات ثلاثة في الغيث المسجم ١: ١٣٧.
(٢) هامش ط: معدوم.
(٣) به: لم ترد في ط؛ د: على.
(٤) م س: لله درها.
(٥) الغيث: يسرة.
(٦) الغيث: فآهًا.
(٧) م: المودة.
[ ٤ / ٥٨٥ ]
وله من أخرى يصف شروط المروءة ومكارم الأخلاق (١):
أحب من الأقوام كل (٢) نجيب شريفٍ زكي الوالدين حسيب
وإني لذو علم صحيحٍ يقينه بأن صديق الصدق غير غريب
ومن خلقي أني إذا ما وجدته شددت عليه منه كف رغيب
وإن نصيب الجار عند احتياجه إلى العون في مالي لمثل (٣) نصيبي
وإن بعيد القوم ينزل ساحتي ويأوي إلى ركني لمثل قريب
أهين له مالي وأحفظ ماله وآتيه من بري (٤) بكل عجيب
وألقى الخطوب السود في الذب دونه لقاء أخي صدرٍ لهن رحيب
وجدك لو كان الزمان مساعدي وكان الذي في راحتي يفي بي
لألفيتني جم الفضائل منعمًا كثيرًا إلى الفعل الجميل هبوبي [١١٠أ]
تجود يدي قبل السؤال وتمتري طلوب الندى جدواي غير طلوب
لحا الله وهابًا بطيئًا حباؤه يجيء الذي يعطيه بعد لغوب
ولكن وهابًا يهب إلى الندى كما هب عضب في يمين ضروب
يحاذر (٥) أحداث الليالي وقلما خلا من توقيهن قلب لبيب
ويرتاب (٦) بالأيام عند سكونها وما ارتاب بالأيام غير أريب
وما الدهر في حال السكون بساكن ولكنه مستجمع لوثوب
لقد عاين الأيام من خاف غدرها بعيني بصيرٍ بالأموال طبيب
_________________
(١) منها ثلاثة أبيات في الغيث المسجم ٢: ١٩٨.
(٢) ط د: محيب.
(٣) ط د: بمثل.
(٤) م: مالي.
(٥) الغيث: تحاذر؛ م: يحادث.
(٦) الغيث: وترتاب.
[ ٤ / ٥٨٦ ]
وقال في مثل ذلك:
حبيب إلى الدهر إعطاء سائلي وإكرام قصادي وعون خليلي
أهز طباعي بل طباعي تهزني إلى الجود لا أرضى طباع بخيل
وراح كما افتر الصباح سبأتها لطارق ليل ما علي جليل
نضوتبها عنه جلابيب ليله فعوض من تعريسه بمقيل
وما زلت أسقيه وأشرب فضله وكأس الكريم الفضل ذات فضول
إلى أن تناهى طيبه ونعيمه ومالت به الصهباء كل مميل
فوطأت مثوى جنبه وكننته بضاف لصنبر الشتاء قتول
وقلت له لما تعاظم عنده صنيعي به، هذا أقل قليل
حللت بنا ليلا وقد قسم القرى فلم يبق منه مقنع لأكيل
أقم عندنا تستوف ما أنت أهله فأنت لدينا أهل كل جميل
وإني لممن تعتريه كآبة إذا آذنت أضيافه برحيل وهذا من حر الكلام، وجزل النظام، وسجية حاتمية، وشنشنة أعرابية، وإنما احتذى أبو الحسن في هذا قول أبي عامر بن شهيد القرطبي في أبيات، وقد تقدم إنشادها، أولها (١):
ولما رأيت الليل عسكر قره وهبت له ريحان تلتطمان
_________________
(١) الذخيرة، القسم الأول: ٣١١ وديوان ابن شهيد: ١٦٣ وجواب " لما " قوله: رفعت الساري الليل نارين فارتأى شعاعين تحت النجم يلتقيان وسائر القصيدة في الحفاوة بالضيف على نسق شبيه بما أتى به الشنتمري.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
فصل في ذكر الوزير أبي الحكم عمرو بن مذحج
وأبي الوليد ابن عمه، ابني حزم، وإيراد بعض ما لهما من ملح النظم
وأبو الحكم (١) منهما في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت لمن اتخذ قبلة، وحجة على من جعل النقصان جبلة، إذ عن كل قوس من الفخر نزع (٢)، وفي كل أفق من علو القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، وإكليلا على جبين ملك، قلما عن لنظر إلا راقه، ولا اختلج ذكره في قلب بشر إلا شاقه؛ وإياه يعني الوزير أبو الحسن بن سعيد البطليوسي [١١٠ ب] وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، عجبا منه أو عجبا به (٣):
رأى صاحبي عمرا فكلف وصفه وحملني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له عمرو كعمرو فقال لي صدقت ولكن ذاك شب عن الطوق وفيه أيضًا يقول الوزير أبو محمد بن عبدون من جملة أبيات (٤):
_________________
(١) ترجمة أبي الحكم عمرو بن مذحج بن حزم الاشبيلي في المغرب ١: ٢٣٨ والمسالك ١١: ٤٣٢ وله شعر في النفح ٣: ٤٧١.
(٢) نزع: سقطت من ط د.
(٣) انظر نفح الطيب ١: ٣٦٣، ٣: ٤٧٠ والمغرب والمسالك؛ وفي س م أنه أبو الحسن ابن السيد، وهو خطأ، لأن ابن السيد كنيته أبو محمد، وأما ابن سعيد هذا فترجمته تجيء في هذا القسم من الذخيرة.
(٤) نفح الطيب ٣: ٤٧٠.
[ ٤ / ٥٨٨ ]
يا عمرو رد على الصدور قلوبها من غير تقطيع ولا تحريق
وزر الثريا وهي نحن بكوكب لولا العقوق لقلت بالعيوق
وأدر علينا من خلالك أوكؤسا لم تأل تسكرنا بغير رحيق فيه أيضًا يقول أحدهما (١):
قل لعمرو بن مذحج خاب ما كنت أرتجي
شارب من زبرجد ولمى من بنفسج فلما هم ليله بنهاره، ودب على سيف وجنته فرند عذاره، راع المجد بحزم وكرم (٢)، ونبوة (٣) وسيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل. واحتل (٤) صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق. ولا خلا ذكره من قلوب العشاق؛ وله في الأدب سبق سلف. ومنه بيت شرف، وله شعر مطبوع قلما يغبه البديع، وقد أتيت منه بفصول، تشهد له بالتفصيل (٥) .
_________________
(١) نفح الطيب ٣: ٤٧٠ والمسالك ونسبهما العمري لابن عبدون.
(٢) س ط د والمسالك: بحر كرم، وأثبت ما في المغرب.
(٣) ط س: وأسوة؛ والمسالك: وأسرة.
(٤) ط د: وأصل، وبهامش ط: لعله: وأصهل؛ المغرب: وتقلب في؛ س والمسالك: وأمل.
(٥) وفيه أيضًا يقول الوزير بالتفصيل: سقط من م وحدها.
[ ٤ / ٥٨٩ ]
جملة من شعره في أوصاف شتى
كتب إليه الوزير أبو محمد عبدون بأبيات قال فيها (١):
سلام كما هبت من الحزن نفحة تنفس قبل (٢) الفجر في وجهها الزهر
من (٣) الوارف الفينان وشت بروده (٤) ذراع من الليث. الثريا له شبر
وإلا يد حزمية مذحجية تقشع عنها مذحج فانهمى عمرو
فجاد على تلك الأجارع والربى رواعده وعد وبارقه بشر
أبا حكم أبلغ سلام فمي يدي أبي حسن وارفق (٥) فكلتاهما بحر
ولا تنس يمناك التي (٦) هي والندى رضيعًا لبان لا اللجين ولا التبر فراجعه أبو الحكم بأبيات منها (٧):
أتى النظم كالنظم الذي تزدهي به عروس من الجوزاء إكليلها البدر
تحلت (٨) لنا منه بخطك رقعة هي الروضة الغناء كللها الزهر
_________________
(١) النفح ٣: ٤٨٠ - ٤٧١.
(٢) النفح: عند.
(٣) ط: الوافر.
(٤) م: الميث؛ ط: ستر.
(٥) ط د: وارقني.
(٦) م: ولا تنس لي تلك التي.
(٧) انظر النفح ٣: ٤٧١ والمسالك ١١: ٤٣٢ - ٤٣٣ والمغرب ١: ٢٣٨.
(٨) ط م: تحلت.
[ ٤ / ٥٩٠ ]
تحير ذهني في مجاري صفاته فلم أدر شعر ما به فهت أم سحر
فإن قلت شعر فالقلوب شعاره وإن قلت سحر فهو سحر ولا كفر
أرى الدهر أعطاك التقدم في العلا وإن كان قد أوفى أخيرًا بك الدهر
لئن حازت الدنيا بك الفضل آخرًا ففي أخريات الليل ينبلج الفجر قول أبي محمد: " أبلغ سلام فمي يدي " معنى قدر كرره في مواضع من شعره كقوله في المتوكل:
إن كنت من أصلي ومن عصبي أو كنت من فرع نأى ومجد
بلغ سلام فمي يدي ملك (١) غاب الملوك عن العلا وشهد وحسان بن المصيصي القائل من شعره قد تقدم إنشاده (٢): [١١١أ]
ومن بلغ يده أني نظمت لها شكرًا جعلت قوافيه من القبل وقال أبو الحكم في صديق كان له به هوى يسمى باسمه:
يا من شكا فشكا جسمي بشكواه الله يكلأني فيه ويرعاه
ويا ضنى جسدي بالله صل جسدي وخل عنه ولا تلمم بمثواه
عمرو بعمرو ولكن في محتمل لما تجشمه من برح بلواه
الحمد لله حتى السقن نافسني فيه فأضحى كما أهواه يهواه
عين الكمال أصابتني ولي كبد مصدوعة فيه إن لم يدفع الله
_________________
(١) ورد البيت في هذا القسم: ٤٤٢.
(٢) انظر ما تقدم ص: ٤٣٩.
[ ٤ / ٥٩١ ]
وله فيه وقد سقط عن دابته ووثئت رجله (١):
لقد أسرعت فيك العيون وإنما جميل دفاع الله عنك التمائم
وما أنت إلا البدر طارت بسرجه عقاب لها الريح (٢) الخريق قوادم
ولا غرو أن طافت برجلك وثأة (٣) لها المجد خفاق الجناحين حائم
فقد ترجف الأفلاك في دورانها وتنقض أعلام النجوم العواتم وكتب إلى الوزير أبي محمد بن عبدون (٤):
زرني فديتك يا زعيم الناس لترى بدورًا من كبار أناس
أنت الهزبر وهم جآذر جاسمٍ قد خيموا من منزلي بكناس
من كل من أثوابه مزرورة منه بغصن البانة المياس
يا راضعًا در المكارم قف بنا " ما في وقوفك ساعةً من باس (٥) وله في عمرو المتقدم الذكر:
يا عمرو إنك لعبة (٦) من سكر فإذا مررت بسكر فتذكر
ما شان وجهك نمشة في صفحة فبذاك يوصف كل بدر أزهر
يحمر أحيانًا فأحسب أنه ورد ينقط صفحه بالعنبر
_________________
(١) انظر المغرب ١: ٢٣٨.
(٢) ط د: الجو.
(٣) ط د: قائم.
(٤) المسالك ١١: ٤٣٣.
(٥) صدر بيت لأبي تمام (ديوانه ٢: ٢٤٢) وعجزه: نقضي ذمام الأربع الأدراس.
(٦) ط: في.
[ ٤ / ٥٩٢ ]
أضمرت فيك صبابتي فوشى بها دمع فككت به صحيفة مضمر
من ذا يفرق بيننا وجلالنا متكافئ في المنتمى والعنصر وكتب إلى الوزير أبي العلاء بن زهر:
يا من نضا العزم منه صارمًا خذ ما توشح المرعفين السيف والقلما
افرش (١) بمغدى ومسرى حر أوجهنا وبعدها فانتعل أبصارنا أدما
وما بأنفسنا بخل عليك فقد سارت أمامك تعدو البعد والأمما
أبا العلاء ابن للعليا تشيد ما (٢) أضاع منه بنو التضييع فانهدما
لا زال شملك في ورد وفي صدر على اقتراح المعالي فيك منتظما وله فيه (٣):
ضع الرحل في حمص بأيمن طائر ووال اصطناع الخير فيها وظاهر
فما هو إلا السرو بين موارد تصاحبه طول المدى ومصادر [١١١ب]
لعمر العلا لولا (٤) أبوها وذكره لما شاقني برق ببرقة صادر
ولا بت والظلماء إثمد مقلتي يؤرقها بيض النجوم الزواهر
وهبت فؤادي للبشير بأوبه سليمًا ولم أنجل عليه بناظري
وأصغر بموهوب وإن جل قدره يقضي به الأحرار حق الأكابر
وإني وإعظامي لسؤدده الذي يعظمه أهل النهى والبصائر
لألحى الليالي إنهن قعدن بي وألحقن جدي بالجدود العواثر
_________________
(١) د: اسرف.
(٢) لم يرد البيت في ط د.
(٣) منها ثلاثة أبيات في المسالك ١١: ٤٣٣.
(٤) م: أبوه.
[ ٤ / ٥٩٣ ]
فلو نهضت بي قدرة لهززت في نهوضي إلى العليا قوادم طائر
وما لي مركوب سوى رجلي التي تقيدها أيدي السحاب المواطر
غمام عداني عن غمام كلاهما ثناني غريقًا في البحور الزواخر وله فيه:
متى تجلى ابن زهر نواضري (١) محيًا مصوغًا من حيًا وحياء
فقد دويت شوقًا إليك جوانحي وفي يد لقياه مسيح شفاء
وأعجب مني كيف أصبحت جار من حياتي بكفيه ومت بدائي وله (٢):
قدمت علينا والزمان جديد وما زلت تبدي في الندى وتعيد
وعيش (٣) العلا لولا مراتبك العلى لما اخضر في أفق المكارم عود
فيا ناهضًا والجد والجَد صحبه بحيث كبا للمنخرين حسود
لقيت أمير المسلمين وظله عليك بما تهوى لديه يزيد
فقم بالمعالي واستقل بملكها فأنت بملك العالمين قعيد
ولو حوا بني زخر فإن وجوهكم نجوم بأفلاك العلا وسعود وله فيه (٤):
_________________
(١) ط د: وحباء.
(٢) منها ثلاثة أبيات في النفح ٣: ٤٧١.
(٣) النفح: وحق.
(٤) منها بيتان في المغرب ١: ٢٣٩.
[ ٤ / ٥٩٤ ]
يا جاليًا وجه (١) السعادة واضحا ومقلبًا طرف النباهة طامحا
صير مجنك صفحتي قمر الدجى وسنان رايتك السماك الرامحا
الله يعلم أن بين جوانحي قلبًا إليك مدى الليالي جانحا
دم للعلاء أبا العلاء مصاحبًا واقتد زمانك سامحًا لا مجامحا وله فيه وقد جاز البحر معه، فقال (٢):
يا ابن زهر طأ الثريا عبيرًا وحصى البيد لؤلؤًا وعقيقا
وتلق الهواء وهو طليق كمحياك حين تلقى الصديقا
وما ترى الريح كيف هبت رخاء لك بعد الهبوب ريحًا خريقا
وضحى البحر هيبةً لك لما جئته سالكًا عليه طريقا
غمرته من راحتيك بحار صاح من موجها (٣) الغريق الغريقا
فرق اللج منك حتى استطارت منه أحشاؤه فريقًا فريقا
جزه يا ابن الكرام أرضًا ذلولًا أو فقده إن شئت طرفًا عتيقا [١١٢أ]
وانتض الحزم حيث كنت حسامًا واصحب النجح حيث كنت رفيقا
وتفيأ علاك ظلًا ظليلًا وتنشق ذكراك مسكًا فيتقا وكتب إلى أبي الوليد ابن عمه، فقال (٤):
إني لأعجب أن يدنو بنا وطن ولا يقضى من اللقيا لنا وطر
_________________
(١) م: السيادة.
(٢) فقال: زيادة من م س؛ وانظر المسالك ١١: ٤٣٣.
(٣) المسالك؛ من بعدها؛ م: وجهها.
(٤) فقال: زيادة من م س؛ ومنها بيتان في المسالك وثلاثة في النفح.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
لا غرو أن بعدت دار مصاقبة بنا وجد بنا في الحضرة (١) السفر
فمحجر العين لا يلقاه ناظرها وقد توسع في الدنيا به النظر
صبرًا جميلًا وإن أبدى الزمان لنا غير الجميل فإنا معشر صبر
وبيننا فقر يجري المزاح بها كالغنج في أعين مرضى بها حور
نثرًا ونظمًا من الآداب بينهما سحر البلاغة منظوم ومنثر بيته الثالث من هذه يتطرف قول الآخر:
كم والد يحرم أولاده وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تبصر ما حولها ولحظها يدرك ما يبعد وكقول الآخر أيضًا:
كتجاور العينين لا يتلاقيا أبدًا وبينهما قصير جدار (٢) ومن جواب أبي الوليد له (٣):
لبيك لبيك أنت السمع والبصر وإن أتت دونك الأحداث والغير
إيه أبا حكم فالود مقترب وإن تباعدت الأشخاص والصور
لا عتب فالود يمحو ما أتيت به حسبي من الذنب تجنيه وأعتذر
ينبو لساني عن عتب الصديق وما أزرى بغربيه لا عي ولا حصر
_________________
(١) النفح: للحضرة.
(٢) م: قصيد حداد.
(٣) انظر المسالك ١١: ٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ٤ / ٥٩٦ ]
ضنانة (١) بخليلٍ أن أفارقه ما القوس إن لك يكن يومًا لها وتر
أراع سربك يا ابن العم أن درست سبل الوفاء فلا عين ولا أثر
إن يرفع الدهر يومًا من خسيستهم وحط منا ونحن الأنجم الزهر
فالدهر كالبحر تطفو فوقه جيف وتستقر بأقصى قعره الدرر وقدم أبو الحكم من بعض أسفاره. فكتبت إليه أنا بأبيات منها (٢):
يهني قدومك كلًا يا أبا الحكم يا دوحة العلم والآداب والحكم
مذ غبت ما رنقت عيني إلى سنةٍ يا عمرو إلا لكي ألقاك في الحلم
إن كنت من تغلب في بيت سؤددها وكنت من مذحج في السؤدد العمم
فلم يضرنا تنائي النسبتين وقد رحنا نسيبين في علم وفي فهم
والعذر في زمنٍ أن جئت في أممٍ لا الجليل جيلك فاعذرهم ولا تلم في أبيات غيره هذه. وعاتبت فيها بعض إخوانه. فراجعني بأبيات منها قوله (٣): [١١٢ب]
يا من تناول حر اللفظ من أمم بذي غرارين مثل الصارم الخذم
لو أن لفظك تهديه إلى حجر لما استجيز عليه الوصف بالصمم
هذي جوارح جسمي كلها أذن مذ جاء (٤) منك بأني لؤلؤ الكلم
حاشا لنبلك أن تخفى معالمه وهن أشهر من نارٍ على علم
_________________
(١) م س والمسالك: بخليلي.
(٢) المسالك ١١: ٤٣٤.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المسالك: جاز.
[ ٤ / ٥٩٧ ]
إن كان للنبل عرنين تدل به حسنًا فأنت به أبهى من الشمم
اردد أنوف الليالي وهي راغمة ما لم تكن لك في الإذعان كالخدم
من تغلب أنت في علياء مركزها فمن يباريك في مجد وفي كرم
قوم أراد ابن هند أن يضيمهم فأوطأوا الرأس منه أخمص القدم
مآثر قسمت بين الورى وغدا للتغلبيين منها أوفر القسم
ريت نفثة مصدورٍ بعثت بها مني إلى متلظي الصدر محتدم
لم تفض مني بالشكوى إلى طلل ولم تبت عاكفًا مني على صنم
سافر بطرفٍ أو انظر هل ترى يقظًا يحل من طلب الأيام في حرم
حوادث لم تزل (١) بالحر لاعبةً كما تلاعت الأيسار بالزلم
وبيننا قربة ليست أواصرها ما بين آدابنا مجفوة الرحم ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيتة الأصلية،
ابن عمه أبو الوليد محمد بن يحيى بن حزم (٢)
أحد أعيان أهل (٣) الأدب، وأجلى الناس شعرًا لا سيما إذا عاتب (٤) أو عتب، جعل هذا الغرض هجيراه، فقلما يتجاوزه إلى سواه، وكلما أبدأ فيه وأعاد، أحسن ما شاء وأجاد، وفي كل معنى يحسن،
_________________
(١) م س: بالمرء.
(٢) انظر ترجمته في المغرب ١: ٢٣٩ والمسالك ١١: ٤٣٤ ونفح الطيب ٣: ٤٧٢.
(٣) أهل: سقطت من م.
(٤) م: عابث.
[ ٤ / ٥٩٨ ]
أكثر ما يمكن، ولكن رأيته في باب (١) العتاب يعلن بأمره، ويعرب عن ذات صدره. وقد أجريت من شعره في هذا المعنى وسواه. ما يصرح عن مغزاه، ويشهد على بعد مداه.
جملة من شعره في أوصاف شتى
في النسيب وما يناسبه
قال (٢):
أتجزع من دمعي وأنت أسلته ومن نار أحشائي ومنك (٣) لهيبها
وتزعم أن النفس غيرك علقت وأنت ولا من عليك حبيبها
إذا طلعت شمس علي بسلوة أثار الهوى بين الضلوع غروبها وهذا البيت الأخير ينظر إلى قول مجنون بني عامر (٤):
نهاري نهار الناس حتى إذا دنا لي الليل هزتني إليك المضاجع وقال أبو الوليد (٥): [١١٣أ]
وطارحك الواشون عني سلوة مغالطةً هيهات ذاك بعيد
_________________
(١) م: جواب.
(٢) الأبيات في النفح ومنها اثنان في المسالك وفي معاهد التنصيص ١: ٣٧٢.
(٣) النفح: وأنت.
(٤) ديوان المجنون: ١٨٥.
(٥) منها ثلاثة أبيات في المسالك.
[ ٤ / ٥٩٩ ]
وكيف سلوي عن هواك وإنه ليبلى فؤادي وهو فيك (١) جديد
إذا ما ثناه الناس عنك لوت به علائق حب فيك ليس تبيد
بلى إن عرتني (٢) فترة الصبر هزني تذكر أيامي بكم فأعود وقال وهي من حسنات شعره، وآيات ذكره (٣):
وكم ليلة ألطفت بالمنى فقمت أبادر إلطافها
بشمس (٤) إذا ما تأملتها رددت على الشمس أوصافها
بفترة (٥) لحظ كأن الكرى أعان عليها وإن خافها
وإني وإن عفتها معلنًا لأعذل في السر من عافها
وهبت علينا صبًا رطبة وقد عابث الطل أعطافها
وقد بثها الروض هجر الحيا (٦) فجرت على النور أطرافها
وخيل الظلام أمام الصباح والركض قد ضم أجوافها
وقد فضض الفجر أذيالها وزاد فذهب أعرافها
وكاثرت البدر شمس بدت فمدت على الأرض أكنافها
وغاضبت السحب (٧) فيها الرياح فصرت من الغيظ أخلافها
وذكرني بادارات الحمام حمائم تندب ألافها
_________________
(١) م: فيه.
(٢) المسالك: علتني.
(٣) انظر المسالك ١١: ٤٣٥ ومنها بيتان في المغرب.
(٤) م: وشمس.
(٥) ط: لعزة؛ د: لغرة.
(٦) سقط البيت من س م.
(٧) ط د: الصبح.
[ ٤ / ٦٠٠ ]
وقال من أخرى (١):
كم قلت معرضًا ومصرحًا أكذا علقت ضلالةً بفلان
ومنيت من خلطائه بعصابة خلطت بها شبهًا من البهتان
هيهات لولا (٢) غنج لحظ محمد ما كنت نهزة أعين الغزلان
ولقد بعثت على السلو لو أن لي قلبًا يطاعوني على السلوان
فجعلت ثوب الصبر فيه بصيرةً وثنيت عن علم إليه عناني
ونبذت حلمي والتفت إلى الصبا ويد العفاف تضم من أرادني
لله أيام على وادي القرى سلفت لنا والدهر ذو ألوان
إذ نجتني في ظله ثمر المنى والطير ساجعة على الأغصان
والشمس ترمق من محاجر أرمد والظل يركض في النسيم الواني
والراح إذا ضرب الظلام رواقه وخشيت فيه طوارق الحدثان
ملنا نؤمل غير ذلك منزلًا والراح تقصر خطوه (٣) فيداني
ويروم قول أبي الوليد وربما كتبت مكانه لامه الواوان (٤) [١١٣ب]
ثم احتللنا والوشاة بمعزلٍ وقد التقت في جفنه سننان
والبدر يرميني بمقلة حاسدٍ لو يستطيع لكان حيث يراني
حتى إذا نشر السرور بساطه وطوى بساط شكيتي لأوان
أهوى يقبل راحتي توددًا ويشد عقد بنانه ببناني
_________________
(١) انظر المسالك أيضًا.
(٢) المسالك: غنج فاتر لحظه.
(٣) المسالك: خطونا.
(٤) ورد البيت في القسم الأول: ٣٠٩ وروايته " كتمت ".
[ ٤ / ٦٠١ ]
ويقول إشفاقًا علي ورحمةً متلجلج الألفاظ بعد بيان
هاك (١) اغتنمها من زمانك خلسة تشفي غليل فؤادك الهيمان
فثلمت فاه والتزمت عناقه ويد الوصال على قفا الهجران
ومرقت من ظن الأعادي عفةً والليل مشتمل على الكتمان وقد كرر هذا المعنى في موضع آخر فقال (٢):
فاطلع طلوع الشمس أو معها فيد (٣) السرور على قفا الحزن
في ساعة سمح الزمان بها فكأنما هي لذة الوسن وقال (٤):
وكم ليلةٍ كاد الهوى يستفزني ولا رقبة دون الأماني ولا ستر
وفي ساعدي بدر على غصن بانةٍ يود مكاني بين لباته البدر
وفي لحظه كالسكر لا من مدامةٍ ولولا اعتراض الشك قلت هو السكر
وقد سلبته الراح سورة كبره ومال على عطفيه وانقطع العذر
وبين ضلوعي يعلم الله حاجة (٥) طواها عفافي لا كما زعم الغدر
فلم يك إلا ما أباح لي التقى ولم يبق إلا أن تحل لي الخمر
_________________
(١) م: هات.
(٢) هما في المسالك ١١: ٤٣٦.
(٣) م: بيد.
(٤) منها أربعة أبيات في المسالك.
(٥) سقط البيت من س.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
وله في مثله (١):
وكم ليلةٍ (٢) ظافرت في ظلها المنى وقد طرفت (٣) من أعين الرقباء
وفي ساعدي حلو الشمائل مترف لعوب بيأسي تارةً ورجائي
أطارحه حلو العتاب وربما تغاضب فاسترضيه ببكائي
وفي لفظه (٤) من سورة الكأس فترة تمت إلى ألحاظه بولاء
وقد عابثته الراح حتى رمت به لقى بين ثنيي بردتي وردائي
على حاجةٍ في النفس نلتها ولكن حمتني عفتي وحيائي قوله: " وفي لفظه من سورة الكأس " البيت، مما فتن فيه أبو الوليد فتنة لا يحسنها السامري، بل سحر سحرًا لا تتعطاه الحبال ولا العصي.
وقال من أخرى:
لاح العذار فلاح عذري فيه (٥) وسقى ومن عينيه ما يسقيه
وقضى علي ومر يسحب ذيله أكذا سفكت دمي ولست تديه
وفجعت سادة مذحج بزعيمها وأمنت من أشياعه وذويه
هيهات لو ملك القضاء سبيلها لثنى عنان جماحه (٦) ثانيه
لكن حماك الحسن من سطواتهم ومن الذي ترنو فلا تصيبه [١١٤أ]
_________________
(١) انظر المسالك أيضًا.
(٢) المسالك: ضافرت.
(٣) م: وكم طرفت.
(٤) س والمسالك: لحظه.
(٥) سقط هذا البيت والذي يليه من س.
(٦) ط د: حمامه.
[ ٤ / ٦٠٣ ]
ولقد أتاح لك الهوى من معشري ما لا يكاد الدهر يطمع فيه
وهويته عذب الشمائل (١) مترفًا نشوان يعثر في فضول التيه
كالغصن غازلت الصبا أعطافه فتكاد لمحة ناظري تثنيه
أطوي الهوى شحًا عليه ورقةً والدهر ينشر منه ما أطويه
يجني فأضمر هجره لا عن قلى والحب يغفر كل ما يجنيه
ولكم صددت فعارضتني سورة من ورد وجنته وخمرة فيه
والبدر من حسد يجمجم قوله ما ضر مجدك لو شركتك فيه وقال أبو الوليد من أخرى:
وشت بهواه مقلتي ولساني وأتلفت فيه مهجتي وجناني
فلما تناهى الشوق واستحكم الهوى وقيل فلان طاعة لفلان
نأى عن مكاني حين لا لي حيلة وقد حل من قلبي بكل مكان
وصد على عمد ليشرك في دمي ولو ظفر الأعداء بي لبكاني
ومن عجب أني إذا رمت سلوةً وجدت هواه آخذًا بعناني
أبا قاسمٍ خذها شكاية واجدٍ كما وجد المقصوص للطيران وقال (٢):
أساكن قلبي والمقام كما ترى (٣) (٤) لعلك تصغي ساعةً فأقول
_________________
(١) ط د م س: مترف.
(٢) المغرب ١: ٢٤٠.
(٣) المغرب: والجوار حفيظة.
(٤) سقط البيت من ط.
[ ٤ / ٦٠٤ ]
أعيذك من أقوال قوم (١) وربما فيكم قمر غطى عليه أفول
وكم أملوا لا (٢) بلغوا فيك خطةً وحاشاك منها والحديث يطول
ومستكشف لم يدر ما بين أضلعي يعرض (٣) بي واللوم فيك ثقيل
فصكت (٤) لساني يعلم الله سكتة لها في جناني زفرة وعويل
وسد طريق اللحظ دمع كأنما تشحط من جفني فيه قتيل وهذا البيت مما أحسن فيه، ولكن ابن الرومي زاد عليه بحسن الاستعارة والتشبيه، وهو قوله (٥):
رسم الكرى بين الجفون محيل عفى عليه بكًا عليك طويل
يا نظرة ما أقشعت لحظاتها حتى تشحط بينهن قتيل ونسب هذين البيتين صاحب " العمدة " (٦) لأبي نواس.
وقوله: " فصكت لساني " البيت يشبه قول حبيب (٧):
ولي وقد أفحم الخطي منطقه بسكتةٍ تحتها الأحشاء في صخب وقال أبو الوليد من أخرى:
_________________
(١) المغرب: مريبة.
(٢) ط د: يبلغوا.
(٣) المغرب: تعرض.
(٤) المغرب: فشدت.
(٥) البيتان لأبي نواس في ديوانه: ٣٨٨، وكذلك نسبهما له صاحب زهر الآداب: ٢٤١.
(٦) العمدة ٢: ١٢٠.
(٧) ديوان أبي تمام ١: ٧٢.
[ ٤ / ٦٠٥ ]
وكم معشر لاموا عليك رددتهم وأكبادهم غيظًا علي تذوب
ومالوا إلى رجم الظنون وبيننا إذا ما خلونا للعفاف رقيب
ولما بدت أشياء منك تريبني وأكثر فيها مخطئ ومصيب
وشاركني فيك الذين علمتهم ولم يك لي إلا السلو طبيب
تجافيت عن حظي لهم فيك عنوةً وقد يتجافى في الشيء وهو حبيب [١١٤ب]
إذا عرضوا أوليتهم فيك سكتة ويعرض دمعي دونهم فيجيب وقال (١):
لما استمالك معشر لم أرضهم والقول فيك كما علمت كثير
داريت دونك مهجتي فتماسكت من بعد ما كادت إليك تطير
فاذهب فغير جوانحي لك منزل واسمع فغير وفائك المشكور وقال (٢):
يقول وقد لمته في هوى فلان وعرضت شيئًا قليلا
أتحسدني - قلت: لا والذي أحلك في الحب مرعى وبيلا
فكيف وقد حل ذاك (٣) الحمى وقد سلك الناس تلك (٤) السبيلا وقال:
_________________
(١) الأبيات في المغرب ١: ٢٤٠ والنفح ٣: ٣٧٢.
(٢) الأبيات في النفح ٣: ٤٧٢.
(٣) النفح: ذاك الجناب.
(٤) م س والنفح: ذاك.
[ ٤ / ٦٠٦ ]
أبلغ فلانًا وإن كنت الضنين به قولًا تطاير من أرجائه الشرر
إني تركت الحمى عن غير مقلية لمعشر وردوا قبلي وما صدروا
وصنت وجه عفافي عن تبذله حتى سلا القلب عنه وارعوى البصر
يا أملح الناس إلا ريبةً عرضت تكاد من ذكرها الأحشاء تنفطر
ما الذنب عندك إلا عفة صرفت يد الهوى عنك إلا ما جنى النظر
وباحث عن غرامي فيك قلت له عني إليك فلا عين ولا أثر
ويلي عليه (١) وويحي من تبذله وطالما صنته لو ساعد القدر ومن شعره في العتاب
قال من كلمة (٢):
مقال يطير الجمر من جنباته ومن تحته قلب عليك يذوب
أحين نبذت الناس إلا علالةً من الحسن يدعو ناظري فيجيب
ودنت بما تهوى هدىً وضلالة وما الناس إلا مخطئ ومصيب
سرت لك في أفياء ظلي قولةً لها بين أحناء الضلوع دبيب
فهلا على حال وفيت لمن (٣) وفت سجيته حيث الوفاء غريب
وحاشاك أن تعزى إلى المجد خطة تجشمه داء وأنت طبيب
ولكن أبى إلا إليك التفاتةً فؤاد عليه من هواك رقيب
_________________
(١) م س: وويلي.
(٢) بعض أبياتها في المسالك ١١: ٤٣٤: ٤٣٧ ومنها بيت في المغرب.
(٣) وفت: سقطت من م.
[ ٤ / ٦٠٧ ]
وود وإن أخرتموه مقدم وصدر وإن أحرجتموه رحيب
وكم بيننا إن كنت تحفظ ما مضى إذ العيش غض والزمان قشيب
وقد قام في وجه النسيم غزيل تغازل عطفيه صبًا وجنوب
وسد طريق الشمس بدر إذا بدا أهلت عيون بالهوى وقلوب
يدير علينا السحر ملء جفونه فكل بريء عند ذلك مريب
وتحت جناح الغيم أحشاء روضة بها لخفوق العاصفات ضروب
وللزهر في ضمن الرياض تبسم وللطير من فوق الغصون نحيب
وقد شملتنا يعلم الله عفة على ما ترى والعاشقون ضروب [١١٥أ]
أما والذي أعطاك شامخة العلا فزل شباب عن مداك وشيب
لقد علقت كفاك مني كوكبًا له في سماء المكرمات ثقوب
حنانيك لا تحمده بعد توقد فربتما عل الطلوع (١) غروب
وخذها وإن صدت قليلًا بوجهها ففي صدرها شوقًا إليك لهيب قوله: " وقد قام في وجه النسيم غزيل " من براعة الشعراء الحلوة؛ وأنشدت لأبي بكر بن سعيد البطليوسي (٢):
عندي (٣) قطيع قهوة ومودتي وأبو الحسين وقال أبو الوليد من أخرى (٤):
_________________
(١) س م وأصل ط: على؛ ط: الضلوع.
(٢) هو أبو بكر عبد العزي بن سعيد أحد بني القبطورنة، وسترد ترجمته في هذا القسم: ٧٥٣.
(٣) القطيع: الزجاجة الصغيرة.
(٤) منها أربعة أبيات في المسالك.
[ ٤ / ٦٠٨ ]
ولقد منحتك مهجتي لبصيرة لاحت لقلبي في إخائك أو عمى
فلو اطلعت على فؤادي لم تجد إلاك فيه ما أجل وأعظما
وهوى لطيف الكشح ذا جبرية إلا عليك فما أحن وأرحما
كالغصن غازلت الصبا أعطافه نشوان يعبث بالفنوس وربما
وكأنما (١) غمر الكرى أجفانه فتضرجت وجناته منها دما
فكأنما (٢) لبس الملاحة حلة ولقد خجلت لقولتي فكأنما
يروى ترابك من مدامة ريقه وسواك يهلك لا سواي من الظما
فلئن هممت فغير مشدود الحبى (٣) ولئن عففت فغير ممنوع اللمى
(٤) ولقد قنعت فلا قنعت بزورة ولقد نجوت فما نجوت مسلما
فأبحت سرح اللهو مرتاد الهوى ومنعت طير الوجد أن يترنما قوله: " يروى ترابك " البيت، ذهب إلى قول الآخر:
أتمنع ريقك المعسول عني وأنت على التراب به تجود إلا أن هذا زاد عليه، لبعض حاجته إليه، ولكنه والله دعا الإحسان فأسمع، وجادت نفسه، حيث يقول بعده:
وأنت لو اقتصرت عليه جدنا (٥) ولكن قد علمنا ما تريد
_________________
(١) المسالك: غمز؛ م س ط: عمر.
(٢) م س: وكأنما وكأنما.
(٣) م ط د س: الحيا.
(٤) د: ولقد قنعت بزورة من طيفه.
(٥) م: حرنا.
[ ٤ / ٦٠٩ ]
وقوله: " ومنعت طير الوجد أن يترنما "، من لطيف الإشارة، ومليح الاستعارة. أوما به إلى الكتمان. إيماء يأخذ بمجامع البيان.
وقال من أخرى (١):
خذها أبا العباس قولة مخلص إن وافقت من مسمعيك قبولا
تطغى (٢) ويمنعها الحياء (٣) وربما مال العتاب بها عليك قليلا
واضيعتا للود عند معاشر لا يهتدون إلى الوفاء سبيلا
فارغب بنفسك عن معاريض العدا لا زال دونك حدهم مفلولا
وانظر (٤) فربتما ظللت وكم فتى (٥) لعب السراب بناظريه طويلا
وأصخ فغيري من يسوءك غيبه وسواي من رضي الوداد عليلا
وارفق فثم وإن (٦) صدرت بقية تأبى على رغم السلو رحيلا [١١٥ ب]
فلطالما أجريت أجفاني دما وملأت أضلاعي جوى وغليلا وله من أخرى إلى أبي الحكم ابن عمه (٧):
أعمرو كم أطامنها حياءً فتطغيها معاتبة الأماني
وإن وقف الغرام بها قليلًا فعذرل أخيك في جفني فلان
_________________
(١) منها أربعة أبيات في المسالك ١١: ٤٣٧.
(٢) م س: تصغي ويحفظها؛ المسالك: ويحفظها.
(٣) ط د: وإنما.
(٤) ط د: فانظر.
(٥) ط د: طولا.
(٦) م س: صددت.
(٧) منها بيتان في المسالك: ٤٣٧.
[ ٤ / ٦١٠ ]
أتتني قولة هجمت فكادت تغل يدي وتعقد من لساني
ولم أرتب ومجدك غير أني كليم من مقارعة الزمان
أأرحل والنوى قذف ورحلي كما تدري مظاهرة الحرمان
أما رأي الأمير ولم أرجم ظنوني في التباعد والتداني
يعين على المكارم عاشقيها وإن عزت مصافاة الحسان
ويثني الدهر طوع يدي حتى كأن الدهر كفي أو بناني
وإن سد القضاء سبيل سعيي فليس جميل سعيك لي بدان فأجابه أبو الحكم بأبيات منها:
أما وعقيلةٍ لك غازلتني بغنج السحر من جفني فلان
لقد أهديت لي منها عروسًا معرسها سويداء الجنان
جلت من رقة التعريض صحفًا أرق من الحسام الهندواني
وأخشى أن أكون لها ظلومًا أذا سميتها سحر البيان
بنفسي أنت قول الناس ريح يوافق منك ركنًا من أبان
أنا لك حيث كنت أخ أمين إذا ما خان إخوان العيان
ألا ليت القبول غدت بسرجي إلى لقياك مطلقة العنان
فألمح منك أروع أريحيًا تبوأ ذروة الحسب الهجان ولأبي الوليد إلى أبي بكر ابن عمه (١):
_________________
(١) أبو بكر محمد بن مذجح: أخو أبي الحكم عمرو، انظر المغرب ١: ٢٣٩ ونفح الطيب ٣: ٤٧١؛ ومنها بيتان في المسالك: ٤٣٧.
[ ٤ / ٦١١ ]
إليك وإن أصبحت عني بمعزلٍ وأخفق ظني في هواك ولا أدري
عتابًا كحد السيف إلا بقيةً عليك ولولاها لساءك ما يفري
وأعددته للدهر جنة واثقٍ فألقيته سيفًا علي مع الدهر
وأرسلته سهمًا سديدًا (١) على العدا فأخطأهم عمدًا وعاج (٢) إلى نحري
أريش ويبري أعظمي غير مقصر فيا ليت شعري كم أريش وكم يبري ومن جواب أبي بكر له (٣):
ولما رأى حمص استخفت بقدره على أنها كانت به ليلة القدر
تحمل عنها والبلاد عريضة كما سل من غمد الدجى صارم الفجر
فيا أيها المهدي إلى صوارمًا من العتب يفري حدها جنن الصبر [١٦٦أ]
أفي الحق أن يحظى بقربك معشر قليلو الحجى ليسوا بخل ولا خمر - ومنها (٤):
ألسنا من القوم الذين (٥) سموا بنا إلى حيث لا تسري النجوم التي تسري
فكم جعلوا عبسًا يطول عبوسها وكم صبحوا بكرًا براغية البكر وقال أبو الوليد من قصيدة (٦):
_________________
(١) المسالك: إلى.
(٢) س والمسالك: وعاد.
(٣) منها بيتان في المسالك والنفح.
(٤) ومنها: زيادة من م س.
(٥) م: ملوا.
(٦) البيتان في المسالك ١١: ٤٣٧ - ٤٣٨.
[ ٤ / ٦١٢ ]
وإذا الزمان رمى إليك مسالمًا وأمنته فأحذر من الإخوان
وسجيتي ما قد علمت وربما صدئ الحسام من النجيع القاني ومعنى البيت الأول كأنه يشير إلى ما قال الفقيه منصور (١):
لو قيل لي خذ أمانًا من حادث الأزمان
لما أخذت أمانًا إلا من الإخوان والبيت الثاني كقول ابن الملك من شعر وقد تقدم (٢):
والعضب يستره القراب وربما خشنت مضاربه الرقاق من الصدا ولأبي الوليد (٣) من قصيدة (٤):
حبيب إليه الورد، منهل الردى يسير عليه الخطب، أهونه القتل
إذا نال غايات المكارم والعلا فلا أسعدت سعدي ولا أجملت جمل ومنها (٥):
_________________
(١) هو أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي المصري الضرير (- ٣٠٦)، وقد ذكرت ترجمته في القسم الأول: ٨٨٣ والمصادر، ويمكن أن يضاف إليها معجم الأدباء ١٩: ١٨٥ والمغرب (قسم مصر) ١: ٢٦٢ والمنتظم ٦: ١٥٢ وحسن المحاضرة ١: ١٦٨ ومعجم المرزباني: ٢٨٠ وجمع الجواهر: ١٢٠ - ١٢٢ ولم يرد البيتان في المصادر المذكورة هنا أو في القسم الأول.
(٢) انظر ص: ٤٥٤ فيما تقدم.
(٣) م س: ولأبي بكر.
(٤) منها بيتان في المسالك.
(٥) ومنها: لم ترد في م س.
[ ٤ / ٦١٣ ]
نبذت (١) إليك الناس لا غادرًا لهم ولا طالبًا جدواك إن خيم المحل
ونكبت عن قومٍ مضوا وبودهم لو آن ثرى رجلي لأجفانهم كحل وهذا كقول بعض أهل عصري:
وكم رافعٍ لي بالعداوة صوته يود لو آني بين أضلاعه قلب ولأبي الوليد من مرثيه (٢):
بأي مقالٍ من لساني أرثيه وأي دموعٍ من جفوني أبكيه
وقد جل رزئي فيه حتى كأنما رزايا جميع الناس مجموعة فيه منها:
فروض سروري بعد يومك قد ذوى وعارض حزني فيك حلست عزاليه
ولو كنت أدري أين ثاري نلته ولو حل ما بين الكواكب جانيه ومنها:
وإن كنت أوتيت السيادة ناشئًا فذلك فضل الله من شاء يؤتيه
وما باختياري عشت بعدك ساعةً (٣) فلي أجل يفني سوادي وأفنيه
فيا قبره ماذا تجن من العلا ويا يومه ماذا نعي فيك ناعيه وله مما كتب على قوسٍ وأخبر عنها:
_________________
(١) ط د: تبدت.
(٢) منها بيتان في المغرب ١: ٢٤٠.
(٣) الشطر الثاني من هذا البيت اقترن مع الشطر الأول من البيت السابق في ط د.
[ ٤ / ٦١٤ ]
إنا إذا رفعت سماء عجاجةٍ والحرب تقعد بالردى وتقوم
وتمرد الأبطال في جنباتها والوت من فوق النفوس يحوم
مرقت لهم منا الحتوف كأنما نحن الأهلة والسهام رجوم
ولكم دمٍ عز القضاء وروده فروين منه والعوالي هيم في ذكر الأديب أبي بكر يحيى بن بقي (١)
وإثبات جملة من سري نظامه، وحر كلامه
[١١٦ب] وأبو بكر في وقتنا هذا على صغر سنه شهاب فهم ونبل قلما يخلو شعره من بديع، وأخرجته فتنة طليطلة - جبرها الله - الآتي خبرها في القسم الرابع من هذا المجموع، ولما يسطع بعد ضوءه، ولا نشأ نوءه، فاحتل اشبيلية، فمن ثم شرق وغرب، وأحزن ذكره في البلاد وأسهب، ولذلك نسقته في دررها، وأثبته أثناء حجولها وغررها؛ وقد أخرجت من شعره ايشهد بما أجريت من ذكره، ويبرأ من الإطراء، ويري أني ربما قصرت في الثناء.
_________________
(١) أبو بكر يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي (وعند السلفي يحيى بن حكم بن بقي وعند ابن الأبار يحيى بن أحمد) الشاعر الوشاح، سر قسطي النسب (وقيل طليلطي) اشبيلي الأدب، سلوي النشب، وادياشي العطب، أي أن أصله من سرقسطة (أو طليطلة) وتأدب باشبيلية، وأكتسب المال بمدينة سلا، وتوفي بوادي آش سنة ٥٤٠ (أو ٥٤٥)؛ قيل إن له ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة ومثلها قصائد ومقطعات، وله مدائح كثيرة في بني عشرة أعيان سلا (انظر ترجمته في القلائد: ٢٧٩ وعند وعن المطمح ترجمة منقولة في نفح الطيب ٤: ٢٣٦ - ٢٤٠؛ ووفيات الأعيان ٦: ٢٠٢ والسلفي: ٥٠ - ٥١ ومعجم الأدباء ٢٠: ٢١ والمسالك ١١: ٢٨٠ والخريدو ٢: ٣٠٨ ونفح الطيب ٣: ٢٠٩، ٣٤٧، ٤٠٤، ٤٣٩، ٤٤٨، ٤: ١٣، ١٥٥، والمطرب: ١٩٨ وله موشحات في دار الطراز وجيش التوشيح.)
[ ٤ / ٦١٥ ]
جملة من شعره في أوصاف شتى
استهدى من بعض إخوانه أقلامًا، فبعث إليه منها بثلاث من القصب، وكتب معها إليه:
خذها إليك أبا بكر العلا قصبًا كأنما صاغها الصواغ من ورقة
يزهى بها الطرس حسنًا ما نثرت بها (١) مسك المداد على الكافور ن ورقه فأجابه أبو بكر بأبيات منها قوله:
أرسلت نحوي من قنًا سلب منآدةٍ تطعن القرطاس في درقه
فالحظ ينكرها والخط يعرفه والرق يخدمها بالرق في عنقه فكأن بعض من حضر سماع شعره حسده عليه، ونسب الانتحال إليه، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه الأول من جملة أبيات:
وجاهلٍ نسب الدعوى إلى كلمي لما رماه بنبل النبل في حدقه
فقلت من حنقٍ لما تعرض لي من ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه
ما ذم شعري وأيم الله لي قسم إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه
الشعر يشهد أني من كواكبه بل الصباح الذي يستن في أفقه وله من كلمة في الوزير أبي العلاء (٢):
_________________
(١) لم يرد هذا البيت في ط د.
(٢) يعني أبا العلاء ابن زهر، الذي تقدمت ترجمته ص: ٢١٨.
[ ٤ / ٦١٦ ]
علقتها من ربرب العفر (١) لكنها عربية النجر
لا تلتمحها ربما سلبت منك الفؤاد وأنت لا تدري
واذهب بشأنك إن مقلتها سقيت (٢) ببابل قهوة السحر
سل بالعيون فتىً أصيب بها مثلى لتعلم صحة الأمر
هن السيوف من الردى طبعت تبري القلوب وقلما تبري ومن المدح:
ن جده كعب بن مامة قد حاز الندى بالطي والنشر
هو آثر النمري صاحبه بالماء في دوية القفر
واساه حتى مات من ظمأ ثم انطوى والجود في قبر
وأراك يا زهر اقتديت به في صبره ونواله الغمر
زهر الكواكب كلها شهدت أن السيادة في بني زهر
ذر حاتمًا يشجي بكعبكم وافخر بدعمي (٣) على عمرو
وافخر بنفسك لست دونهم ولئن سكت (٤) فخيفة الكبر وله من أخرى (فيه):
افخر على الناس ملء الأرض من شممٍ ألعز أقعس والآباء أنجاد [١١٧أ]
هل يستوي الناس قالوا كلنا بشر فالمندل الرطب والطرفاء أعواد
_________________
(١) بعد هذا البيت في م س: ومنها.
(٢) سقيت: سقطت من ط د.
(٣) دعمي الذي يعنيه هنا من إباد قبيلة كعب بن مامة وهو أخو زهر القديم (انظر كاسكل ١: ١٧٤) .
(٤) ط م س: سكنت.
[ ٤ / ٦١٧ ]
وهذا يشبه قول أبي الطيب (١):
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وقال الحصري:
أبا بكر أن أصبحت بعض لوكهم فإن الليالي بعضها ليلة القدر ومنها:
يا زهر زهر إياد لا كما زعمت زهر النجوم فما للصيد أنداد
حقًا سلكت إلينا كل موحشةٍ تيهاء ساكنها ظبي وفياد
يجيب فيها الصدى من ليس يسأله ويقتل الجوع فيها من له زاد
وينضب الماء وهو الجم مورده [] (٢) الرمل رملًا وهو أعقاد
والمرو في الحرة والرجلاء قد حميت كأنهن من العشاق أكباد
من شر ما طرق الأقوام من نوبٍ وخير ما ارتاده للنجع مرتاد
يخرجن من جنبات النقع طائرةً كأنهن سقوط وهي أزناد ومنها:
ولوا جميعًا بما في الدهر من حسنٍ لا عيب في القوم إلا أنهم بادوا وهذا كقول أبي تمام حيث يقول (٣):
_________________
(١) ديوان المتنبي: ٢٥٨.
(٢) بياض في ط د س وموضعه كلمة غير واضحة في م، ولعلها " ويحشد ".
(٣) م س: كقول أبي حاتم من قصيدة؛ وانظر ديوان أبي تمام ١: ١٩١.
[ ٤ / ٦١٨ ]
وما كان بين الهضب فرق وبينهم سوى أنهم زالوا ولم يزل الهضب ولأبي بكر من قصيدة:
لم أعلم الشوق إلا من مطوقةٍ فهمت عنها الذي قالت ولم تبن
لا مثلها وسقيط الطل يضربها في عاتقي حلةٍ من سندس اليمن
تذكرت ساق حر وهي تندبه بالأخضرين من الظلماء والفنن
كأنهن بأعلى الدوح إذ جعلت روم تراطن بالألفاظ من فدن
والنجم منهزم أولى كتائبه والصبح يغسل ثوب الليل من درن
والروض يرشف ريق الطل عن ترف وليت لي مثله ممن يعذبني
دع المنى ربما نيلت بلا طلبٍ وربما الحرمان في المهن ومنها في وصف طرفٍ:
لكن على سابحٍ نهدٍ مراكله مؤلل الجيد والأرساغ والأذن
أقام في الحي أحوالًا وآونةً يسقي الخليطين (١) من ماءٍ ومن لبن
فجاء إذ صنعوه وهو مضطمر سامي التليل ممر الخلق كالشطن
يهوي من الأرض أنى شاء راكبه ويترك الريح في الآري والرسن قوله: " والصبح يغسل ما في الليل من درن ". يشبه قول بعض أهل العصر: [١١٧ب]
شهم له نظرة في كل مشكلةٍ يكاد يغسل ما في الطين من درنٍ
_________________
(١) م: الطريحين.
[ ٤ / ٦١٩ ]
وقلبه من قول المعري (١):
فإن كان يكتبه كاتب فقد سود الصبح مما كتب وقال أبو بكر من قصيدة:
أقبلت بالجيش ملمومًا كتائبه كأنك البدر تحت العارض الهطل
في فتيةٍ كسيوف الهند أنحلهم حب الصوارم والخطية الذبل
وتيموا بعيونٍ غير فاترةٍ من الأسنة لم تهج مع المقل
إن لا تكن أعينًا نجلًا فإن لها في أضلع القوم مثل الأعين النجل وما أحسن ما أتى بهذا المعنى، وإنما ذهب إلى قول (٢) أبي الطيب (٣):
أثبت (٤) عينك في حشاي جراحةً فتشابها كلتاهما نجلاء وقال:
عليهن من وقع السيوف حواجب (٥) ومن قصيدة أبي بكر:
ترى السماء دخانًا مثلما خلقت والأرض قد شرقت بالخيل والإبل
_________________
(١) اللزوميات ٤٧ / أ؛ ١: ١٢٦.
(٢) م س: ذهب بقول.
(٣) ديوان المتنبي: ١١٥.
(٤) الديوان: مثلت.
(٥) وقال حواجب: لم يرد في م س؛ ولا يعرف إلى من يعود الضمير في " وقال ".
[ ٤ / ٦٢٠ ]
تمشي بها الخيل لا جرد مطهمة مشي الكواعب في حليٍ وفي حلل
من كل مضطمرٍ الكشحين حافره أحق من مبسم الحسناء بالقبل
يا معشر الروم قد شالت نعامتكم إما من الحين أو ن شدة الفشل
لم يكسكم من ثياب الخزي أسبغها إلا اتقاؤكم للصدر بالكفل
ويا ويلكم معشرًا بل ويل أمكم فإنها ولدت للثكل والهبل وهذا المعنى كثير، ومنه قول أبي تمام (١):
لم تبق مشركة وقد علمت إن لم تنب أنه للسيف ما تلد وأخذه أبو الطيب فقال (٢):
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولداو والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا وقال محمد بن هانئ (٣):
لو تعلم الروم ما لا قت بطارقها (٤) ما هنئت أم بطريقٍ بمولود وقال أبو بكر من قصيدة:
من لي به والوغى شهباء من أسلٍ في صهوةٍ من أقب البطن منجرد
يردى ويصرع أقوامًا، عيونهم حمر من الروع لا حمر من الرمد
بكل غصنٍ من الخطي منعطفٍ بطائرٍ من سنانٍ ليس بالغرد
_________________
(١) ديوان أبي تمام ٢: ٢٠ وروايته " إن لم تتب ".
(٢) ديوان المتنبي: ٣٠٣.
(٣) ديوان ابن هانئ: ٤٦.
(٤) الديوان: لو كان للروم علم بالذي لقيت.
[ ٤ / ٦٢١ ]
ومنها:
الدهر أخوان من أن يستقيم لكم وإنما جاد عن كره ولم يكد
ومن تصنع يرجع بعد آونةٍ إلى الطباع رجوع العير للوتد وهذا المعنى مشهور ومنه قول الآخر (١):
كل امرئٍ راجع يومًا لشيمته وإن تمتع أخلاقًا إلى حين وقال آخر (٢):
يا أيها المتحلي غير شيمته إن التخلق يأتي دونه الخلق [١١٨أ] وقال آخر (٣):
ومن يتكلف غير ما في طباعه يدعه ويغلبه على النفس خيمها وقال الرضي (٤):
_________________
(١) م س: الأول، والبيت لذي الاصبع العدواني، المفضليات: ٣٢٣ وبهجة المجالس ٢: ١١٣.
(٢) بهجة المجالس ٢: ١٣٣ وروايته: ما أن تخلقت إلا شيمتي خلقًا إن الخلائق يأتي دونها الخلق وسقط البيت من م.
(٣) هو كثير عزة، انظر ديوانه: ١٤٨ وعيون الأخبار ٢: ٥ والشعر والشعراء: ٤٢٠ واللسان (خيم) وروايته: ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه (من خيم نفسه) .
(٤) الرضي: سقطت من م س، وانظر ديوان الرضي ١: ٦٥٢.
[ ٤ / ٦٢٢ ]
لا تبدين لي التكلف في الهوى (١) فضح التطبع شيمة المطبوع ولكن أبا بكر استولى على الأمد، ونفث بالسحر في العقد، بقوله: " رجوع العير للوتد ".
وله من قصيدة:
لم أنس إذ ودعته وقد التقت مني هنالك بالبكا عينان
يرنو بنرجسةٍ إليّ وربما قرع الأقاح بياسمين بنان وهذا كقول الآخر (٢)، ولكن أبا بكر نقص عنه (٣):
وأسبلت (٤) لؤلؤًا من نرجسٍ فسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد وقال من أخرى (٥):
وقالوا ألا تبكي وتلك مطيهم على السهب يحملن الأوانس (٦) كالدمى
لئن (٧) نفدت مني الدموع تغامزوا وقالوا: سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقاموا كالبكاء تنهدي إذا ما بكى القمري قالوا ترنما
_________________
(١) الديوان: هيهات لا تتكلفن لي الهوى.
(٢) هو الواواء الدمشقي، ديوانه: ٨٤.
(٣) ط: تقصر منه.
(٤) الديوان: وأمطرت.
(٥) منها ثلاثة أبيات في كل من القلائد والخريدة وبيتان في الرايات: ٤٩ (غ) وبيت واحد في المغرب.
(٦) القلائد: الخرائد.
(٧) ط م د س والقلائد: بعدت، الرايات: أإن بعدت.
[ ٤ / ٦٢٣ ]
وهذا من حجول الكلام وغرره، وإن لا يكن اخترع، فما أتقن ما اتبع! !
ومنها:
نأوا بصموت الحجل عاطرة الشذا مبتلة الأعطاف معسولة اللمى
ألا نظرة منها فتنقع غلةً على كبدي ما أشبه الشوق بالظما وله من قصيدة:
وإني من الورق السواجع بالضحى ولكنني من بينها لم أطوق وهذا كقول ابن حمديس الصقلي، وهو أبرع وأجمع وأصنع، إلا أن أبا بكر قلبه على ما أراد، ونقص منه فما أخل به ولا كاد (١):
جناحي مبلول وجبدي مطوق وروضي مطلول (٢) فما لي لا أشدو وله من قصيدة أيضًا (٣):
أتى به الدهر فردًا في فضائله وفي الفرائد ما يربى على الجمل
بياض عرضي تحامى الذم جانبه ليس السواد بأبهى منه في المقل والبيت الأول منها كقول بعض أهل عصرنا:
_________________
(١) ديوان ابن حمديس: ٥٤٥ (عن الذخيرة) .
(٢) د: مبلول؛ ط: مملول.
(٣) أيضًا: سقطت من م س.
[ ٤ / ٦٢٤ ]
وقد تقتضي هذه المفردات معانٍ تقصر عنها الجمل وله من قصيدة:
عندي حشاشة نفسٍ في سبيل (١) ردى إن شئتها اليوم لم أمطل بها لغد
وكيف أقوى على السلوان عنك (٢) وقد (٣) ربيت حبك حتى شب في خلدي
خذها وهات ولا تمزج فتفسدها الماء في النار أصل غير مطرد وهذا كلام بديع، ونظم سنيع (٤) .
وقال:
جرب ولا تغترر بمحمدةٍ قد يقتل [النور] (٥) وهو نفاح وقال:
ولقد وصفت لعاذلي من حسنه طرفًا فود بأنه لم يعذل
وعصيته فيما مضى من عهدنا وأنا الذي أعصيه في المستقبل وله من قصيدة (٦): [١١٨ب]
_________________
(١) أصل ط: هوى.
(٢) عنك: سقطت من ط د.
(٣) م س: كبد (ي) .
(٤) ونظم سنيع: سقطت من م س، كما سقط البيت التالي أيضًا من م وحدها؛ ط: شنيع.
(٥) ما بين مقفعين لم يرد إلا في س.
(٦) منها أربعة أبيات في كل من المغرب والقلائد، وبيتان في الخريدة.
[ ٤ / ٦٢٥ ]
إذا ما غراب الليل مد جناحه (١) عليّ وغطاني بريش قوادم
تقلبت في طي الجناح لعلني أرى الصبح يبدو من خلال القوادم
إلى الله أشكوها نوىً أجنبيةً لها من أبيها شيمة ظالم
سلا كل مشتاقٍ برؤية إلفه وكان على الشوق ضربة لازم
إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجدًا وإن لم يجش بي كنت بين التهائم
أكل بني الآداب مثلي ضائع فأجعل ظلمي أسوةً في المظالم
أم الظلم محمول عليّ لأنني طلبت العلا من قبل حل التمائم
لعمر أبيك الخير ما آمل الغنى للين لبوسٍ واحتفال مطاعم
ولكنما أملته لصنيعةٍ أسر بها نفس الصديق الملائم
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها (٢) على عربيٍ ضاع بين أعاجم
ولا ذنب لي عند الزمان علمته سوى أنني للشعر آخر ناظم
توهمته عمرو بن هندٍ وخلتني (٣) شقيًا أتاه من وفود البراجم ومنها:
إليك ترامت بي قلوص كنبعة معطفة في دفها والحيازم
لعوب إذا رقص السراب استفزها ببيض الأداحي في النقا التراكم
تباري الصبا في سيرها فكأنها جبان تولى في غبار الهزائم
وما راعها إلا الزمام تظنه إذا ما تدلى حيةً في المخاطم
_________________
(١) سقط هذا البيت من ط د.
(٢) المغرب: الأعاجم.
(٣) يشير إلى المثل: " إن الشقي وافد البراجم ". (فصل المقال: ٤٥٤ والعسكري ١: ٨١) وكان عمرو بن هند قد آلى أن يحرق مائة من بني تميم،، فحرق تسعة وتسعين ووفى العدد برجل من البراجم أقبل على النار يظن أنه يجد عندها طعامًا.
[ ٤ / ٦٢٦ ]
وهذا كقول المعري (١):
يحاذرون من وقع (٢) الأزمة لا اهتدى مخبرها أن الأزمة أصلال وهذا كقول بعض أهل العصر (٣):
تخشى الزمام فتثني جيدها فرقًا كأنه بين ثني حيةٍ ذكر
كأني من البيداء أطوي صحيفةً قد اختلفت فيها خطوط المناسم
لنفسك أكرمني ولا لمعاشر إذا انتقدوا كانوا زيوف الدراهم
وميزك بي ميز الكمي بسيفه وإن أدركته مهنة في الصوارم
أحبك للعليا غصبتك بعضها وكل كريم مولع بالأكارم
وإن كان منك الود فيئًا أخذته غلولًا وحظي وافر في المغانم
وإن تصطنعني تصطنع ذا حفيظة شديدًا على الأعداء صعب الشكائم
له كلمات كالقلائد في الطلى ولكنها في أوجه كالمياسم
يشق عليها ترك مدحك ضلة لمدح أناس في عداد البهائم
يصولون مني بالمهند ماضيًا وأمسك منهم بالحبال الرمائم ومنها في المدح:
حمدت السرى عند الصباح بماجدٍ هو الماء يعطي ريه كل حائم [١١٩أ]
_________________
(١) شروح السقط: ١٢٥٧.
(٢) شروح السقط: من لدغ.
(٣) هو الأعمى التطيلي، انظر ديوانه: ٥١.
[ ٤ / ٦٢٧ ]
وحسبك من قاضي الجماعة أنه أمان لمذعور ومال لعادم
به ثبت الإسلام في مستقره وشل فريق الكفر شل النعائم
إذا مشقت يمناه في بطن مهرقٍ تحجب نوار (١) الربى في الكمائم
ولاحت سطور كالشباب حكين لي سلاسل أصداغ الخدود النواعم
ومن لي بتقبيل الحروف فإنها ثغور الدمى إلا ابيضاض المباسم
أقل أيادي كتبه رد عسكر وتأليف أشتات وسل سخائم
ورثت العلا من تغلب ابنة وائل تلادًا لها من عهدها المتقادم
وأنى يجاريكم إلى المجد حاسد جهول بأسرار العلا غير عالم
وهذا بجير وهو خير لداته (٢) سوى شسع نعل منكم لم يقاوم
ويا عجبًا يعزى إلى (٣) الجود حاتم وما هو منه في اللهى واللهازم
بل المثل المضروب في الجود للذي يعود على (٤) أبناء كعبٍ وحاتم وله من أخرى في الوزير أبي الحسين بن سراج:
تشف وراء فطنته المعاني شفيف الراح من خلف الزجاج
وما طلب الكلام الحر إلا (٥) أتى بين انفراد وازدواج
أقام العلم دهرًا ليس يبدو لها منه سوى نتف خداج
وكان الناس في ظلمات جهلٍ فما جليت بغير ني سراج
_________________
(١) ط د: أنوار.
(٢) يشير إلى قول مهلهل التغلبي، وقد قتل بجير بن الحارث بن عباد: " بؤ بشسع نعل كليب ".
(٣) ط د: المجد.
(٤) ط: إلى.
(٥) هذا البيت والذي يليه سقطا من م س.
[ ٤ / ٦٢٨ ]
وقال من قصيدة:
وبنات أعوج قد برمن بصحبتي مما قطعن من اليباب المقفر
بيداء كالمحروم في أحواله لا ذا أنيل وهذه لم تعمر أراه كأن له في هذا إلمام، بقول أبي تمام (١):
وإذا تأملت البلاد (٢) وجدتها تثري كما تثري الرجال وتعدم وإلى هذا أشار بعض أهل العصر بقوله:
حظ من الدين والدنيا أصبت به كل يرزأ حتى هذه البقع ولأبي بكر من قصيد (٣):
من لم يعانق غزالًا في مغازلة ما بين ممتنع طورًا ومنفعل
فما قضى من لبانات الصبا وطرأ ولا تنزه في روض من الجذل
وعاذلين رأوا أني على خطأ كما رأيت بأن القوم في خطل
هل أنكروا غير تهامي بغانيةٍ سكرى من الدل أو ألحاظها النجل
ما زال يحجبها الغيران مذ نشأت لو غيرها حجب الغيران لم بل [١١٩ب]
في كلة سيراء تتقي نظري يا أيها الناس حتى الظلم في الكلل
من لي به حيث لا نخشى مراقبةً ولا نبيت من الواشي على وجل
في ليلة لا يلي المريخ مدتها ولا نقيم بها إلا على زحل
_________________
(١) ديوان أبي تمام ٣: ١٩٥.
(٢) الديوان: رأيتها.
(٣) م س: قصيدة.
[ ٤ / ٦٢٩ ]
أما (١) الرياض فقد أمهرتها قدحًا من المدام نكاحًا ليس فيه ولي
عقيقةً في يدي سالت وأشربها لو شعشعت بسجايا الدهر لم تسل وله من أخرى:
كيف صبري على الكؤوس إذا ما عثر الروض في ذيول النسيم وهذا من المقلوب؛ إنما يعثر النسيم في ذيول الروض، فإن ذهب به أبو بكر مذهب الأخطل في قوله (٢):
" أو بلغت سوآتهم هجر "
وشبهه فأبو بكر ممن لا يتهم أدبه ولا يعجم نبعه ولا غربه رجع:
وقال:
ورنا نرجس الربى بعيون وجلا الورد عن محيًا وسيم
وبدا معصم الخليج فخطت فوقه الريح أسطرًا من وشوم
سوف تدري الهموم أية راحٍ أخذت من أرواحنا والجسوم
بنت دن رعت (٣) ببيداء نفسي فهي تعدو به كعدو الظليم
كرمت (٤) في حدائق غرسوها لكرامٍ فسميت بالكروم
_________________
(١) م س: الليالي.
(٢) ديوان الأخطل: ١١٠ وأول البيت: " على العيارات هداجون قد بلغت، نجران أو الخ.
(٣) م س: ريقت.
(٤) م س: كرمة.
[ ٤ / ٦٣٠ ]
طفت بالأيك فاستهلت دموعي لحمامٍ تبكي فراق حميم
تتغنى الثقيل حتى كأن قد نشر الله معبدًا من رميم
عجمة أعربت بوجدٍ دقيقٍ وكلام مقطع من كلوم قال ابن بسام: لو لم يتجاوز معبد الثقيل إلى سواه، لكان لأبي بكر ما ادعاه، وقرب منه ما تكلفه وتعاطاه، وأسحر منه وأولى بالحكمة وفصل الخطاب، أبو العلاء حيث يقول، يصف الإبل (١):
كأن المثانبي والمثالث بالضحى (٢) تجاوب في غيد رفعن طوال
كأن ثقيلًا أولًا تزدهي به ضمائر قوم في الخطوب ثقال ولعمري لو شبه سجع الحمام، بخفائف الغريض وأهزاج حكم الوادي لكان أحسن عبارةً وأفتق إشارة.
وأما قوله: " كلام مقطع من كلوم " فأشفى للقلوب من اعتلال النسيم، وأحلى على الأكباد من محاورة الطرف السقيم.
وفي هذه القصيدة يقول أبو بكر:
أوضعت بي إليه وجناء حرف أكلتها السفار أكل القضيم
تترك الريح خلفها وهي حيرى بين إيضاعها وبين الرسيم
ظلت أطوي القفار منها بلامٍ طبعتها بالميم بعد (٣) الميم
_________________
(١) شروح السقط: ١١٨٨.
(٢) الغيد: الطوال الأعناق من الإبل.
(٣) م: إثر.
[ ٤ / ٦٣١ ]
فأتته (١) والمرو قد نال منها فهي تخطو على وظيفٍ رثيم
وقليلًا تمتعت في الفيافي بسنام كالعارض المركوم
فأنحنا إلى فناء جواد (٢) ماله نهبة لكل عديم
فأكلنا لهاه أكل الضواري وشربنا [] (٣) شرب الهيم أما تشبيههم الخليج بالمعصم، فطريق لم يبق له ستر محرم إلا هتك، ولا فيه موضع قدم [١٢٠أ] إلا سلك، فمن أشهره منارًا، وأبهره أنوارًا، قول ابن عمار (٤):
روض كأن النهر فيه معصم صافٍ أطل على رداء أخضرا وقوله: " فسميت بالكروم " يشبه لفظه بيت المعري، وبينهما من البعد، ما بين الدرة والحجر الصلد، المعري أثبت فيه قدمًا، وأمس رحمًا، حيث يقول (٥):
وأنت أبوها إن غدت كرميةً وإن سكنت راء فوالدها الكرم (٦) وذكرت بقوله: " بلام، طبعتها بالميم بعد الميم "، قول ابن الرومي في جهة أخرى:
_________________
(١) ط د: والمرء، والمرو: الحجارة.
(٢) هذا البيت والذي يليه لم يردا في م س.
(٣) سقطت من ط، وموضعها في د: " لماء ".
(٤) انظر ما تقدم ص: ٣٨٢.
(٥) شروح السقط: ١١٥٠.
(٦) شروح السقط: كرم.
[ ٤ / ٦٣٢ ]
يا أخا النحو والمقدم فيه لم ترى (١) اللام أدغمت في الميم وكتب خلف الأحمر إلى بعض المؤدبين:
أتترك في الحلال مشق صادٍ وتأتي في الحرام مشق ميم وذكر الثعالبي (٢) أنه كان للقاضي علي التنوخي غلام وسيم، اسمه نسيم، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويخصه بتقريبه واستخدامه، فكتب إليه بعض إخوانه يداعبه:
هل علي لامه مدغم لاضطرار الشعر في ميم نسيم فوقع تحته: نعم ولم لا -!
وقال أبو بكر من قصيدة:
واحر قلبي من خليط زائلٍ صبري على آثاره سيزول
زمت له قلص ببارين الصبا ولربما سبق الهبوب ذكيل
هم فارقوك وحملوك من الأسى ما ليس يحمل شامة وطفيل
زرعوا بقلبك حبه، ونباته (٣) برح الجوى، لا إذخر وجليل
_________________
(١) ط: لم تر؛ م س: لن ترى.
(٢) اليتيمة ٢: ٣٣٦.
(٣) في هذا البيت والذي قبله إشاره إلى قول بلال بن رباح مؤذن الرسول (ص): ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل وشامة وطفيل: جبلان قرب مكة.
[ ٤ / ٦٣٣ ]
شيعتهم متوجهين وأدمعي حذر الفراق سوافح وهمول
ونظرت في تلك الحدوج وطيها غزلان وجرة أهيف وكحيل وقال من أخرى:
لا تحملني على التسويف نفي هبةٍ فيلتقي فرحي فيها مع الأسف
ليس اعتذارك بالأشغال أقبله فإن شغلك بي أدنى إلى الشرف وهذا كقول الأول (١):
ولا تعتذر بالشغل يومًا فإنما تناط بك الآمال ما اتصل الشغل وقال أبو حاتم الحجاري (٢):
إني لأعلم أن شغلك بالعلا والمجد فاجعلني من الأشغال وقال أبو بكر من قصيدة (٣):
عليك أبا عبد الإله خلعتها لها البدر طوق والنجوم دلائل
وما هي إلا الدهر في طول عمرها وإن لم يكن فيها الضحى والأصائل قال ابن بسام (٤): ويا لهذا البيت ما أحسن مذهبه، وأبدع منتواه (٥)
_________________
(١) انظر الإمتاع والمؤانسة ٣: ٢٢٩ والبصائر ٢/١: ١٥٩ وزهر الآداب: ٢٨٦ وربيع الأبرار: ٢٥٨ ب (نسخة برنستون) .
(٢) انظر الذخيرة ٣: ٦٦٣؛ وسقط قول الحجاري مم ط د.
(٣) البيتان في تمام المتون: ٢٨٩.
(٤) قال ابن بسام: سقطت من ط د.
(٥) ط د: مثواه.
[ ٤ / ٦٣٤ ]
ومنقلبه، إلا أنه أتى بالدهر ومسلوب الضحى والأصائل، فقلم يزد على أن جلاه في زي عاطل، لا بل أبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المظلوم، بعد ضحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم - هل بقي إلا ليلة الأسود الجلباب [١٢٠ب] وهجيره السائل اللعاب -! ولو قال لممدوحه: " وتلك العلا فيها الضحى والأصائل " (١) لأبرز قصيدته رافقة البرود، شفافة العقود، ولأفاد ممدوحه بهذه الكلمة مدحًا لا يسعه المقال، ولا تفي به القصائد الطوال.
وله من أخرى:
وما أكثر الأقوام إلا ثعالب تروغ ولا يحلى لديها بطائل
يرد ذهني حائرًا في طباعهم كأنهم من مشكلات المسائل
وأصغي إلى أقوالهم فتريبني صدور لهم أقوين مثل المنازل وقال:
خذها على وجه الربيع المخصب لم يقض حق الروض من لم يشرب
هممي سماءؤ علًا وهمي مارد فارجمه من تلك الكؤوس بكوكب
والله ما أدري وإني واقف للراح بين تحير وتعجب
أفضضت دنًا أم فككت الخدر عن بكرٍ تجول مع المنى في ملعب
أخت الزمان تكسبت (٢) من خلقه جهل المراهق واحتناك الأشيب وله من أخرى:
_________________
(١) قارن هذا بما اقترحه الصفدي من تغيير (تمام المتون: ٢٨٩ - ٢٩٠) .
(٢) ط د: تكشفت.
[ ٤ / ٦٣٥ ]
مسومة تحكي سنابكها الصفا وتنقض منها بالضراغم عقبان
نمتها إلى حرٍ كريمٍ (١) صفاتها فللنبع أضلاع وللآس آذان ومنها:
دخلت عليها خيمةً شرفاتها وأعمدها (٢) بيض رقاق وخرصان
فقالت: ألص قلت: بل ذو صرامةٍ تشسب على أحشائه منك نيران
إليك شفقت الليل كالسيل يرتمي وفيك أسغت الهول والهول (٣) خطبان
فقالت: أقم (٤) عندي لك الوصل كاملًا على أن حظ العين مني حرمان ومن قوله (٥):
عاطيته والليل يسحب ذيله صهباء كالمسك الذكي (٦) لناشق
حتى إذا مالت به سنة الكرى باعدته شيئًا، وكان معانقي
زحزحته (٧) عن أضلع تشتاقه كي لا ينام على وساد خافق
_________________
(١) س م: النجار.
(٢) ط د: وأغمادها؛ م س: وأعهدها.
(٣) م س: والخطب.
(٤) س م: أفق.
(٥) انفردت س م بهذه المقطوعة، وهي من قصيدة اشتهرت عند المشارقة، ووجدت استحسانًا ومعارضات، ومنها بيت في القسم الأول نمن الذخيرة: ٨٢٣ وقد ذكرت بعض مصادرها هنالك ويضاف إليها: الرايات: ٤٨ (غ) والمسالك: ٢٨٠ ورفع الحجب ١: ٥٩ ومعاهد التنصيص ٣: ٨٠ والقلائد: ٢٧٩ ومطلعها في المقتضب من تحفة القادم: ٨٤. وانظر أيضًا نفح الطيب ٣: ٢٠٩ والغيث ١: ١٨٦ والمسلك السهل: ٣٢٩.
(٦) في أكثر المصادر: الفتيق.
(٧) في رواية: باعدته.
[ ٤ / ٦٣٦ ]
في ذكر الأديب أبي الحسن بن هارون الشنتمري (١)
قال ابن بسام: وأبو الحسن هذا سهل الكلام، بارع النظام، ممن اغترف من بحر الكلام بكلتا يديه، وجذب ثوب البيان من كلا طرفيه؛ جده لأمه أبو الحسن بن الاستجي المتقدم الذكر (٢)، فأما سلفه من قبل أبيه فقد انخدع لهم الزمان بريهة، وهينم بأسمائهم هنية، بشنتمرية الغرب إلى أن نبه الدهر الغافل على (٣) أمرهم، وأسكت من ذكرهم، على يدي المعتضد عباد بن محمد مخلي الأوطان، وملحق الأقران بالأقران؛ وقد ذكر ابن حيان ذلك، وألمعت أنا بطرف مما وقع لهم معه هنالك.
ومن شعر أبي الحسن المعرب عن أدبه، والشاهد لما وصفته به، قوله: يصف صدود غلام كان له به كلف (٤):
(٥) عادت إلى أديانها هيف واطرد الإسراف والحيف
_________________
(١) هو علي بن محمد بن سعيد بن هارون، وقد كان أهله يحكمون في شنتمرية المغرب حتى انتزعها منهم المعتضد بن عباد سنة ٤٤٤ (انظر الحلة السيراء ٢: ١٧ - ٢٠ والمغرب ١: ٣٩٥ والمسالك ١١: ٤٣٨) .
(٢) انظر ص: ٢٠٠ من هذا القسم.
(٣) ط د: عن.
(٤) الحلة ٢: ١٩.
(٥) من المثل: " ذهبت هيف لأديانها " (العسكري ١: ٤٦٠ تحقيق أبو الفضل، وفصل المقال: ٣١٣ والميداني ١: ١٨٧) يضرب مثلا لركوب الرجل رأسه، والهيف: الريح الحارة؛ الأديان: العادات.
[ ٤ / ٦٣٧ ]
وامتنع الأصبغ من وصلنا وزاد حتى امتنع الطيف
شنتمري (١) الأفق غربيه وربما حن له الخيف
ذو لحظة إن لم تكن في الحشا رمحا وإلا فهي السيف وأنشدت له (٢):
يا ليلة العيد عدت ثانية وعاد إحسانك الذي أذكر [١٢١ أ]
إذ أقبل الناس ينظرون إلى هلالك النضو ناحلا (٣) أصفر
وفيهم من أحبه وأنا (٤) أنظره في السماء إذ ينظر
فقلت لا مؤمنا بقولي بل معرضا للكلام لا أكثر
أثر شهر الصيام فيك أبا محمد قال لي وما أثر
بل أثر اليوم في هلالكم هذا الذي لا يكاد أن يظهر وقال (٥):
وحديقة شرقت بغمر (٦) نميرها يحكي صفاء الجو صفو غديرها
تجري المياه بها أسود أحكمت من خالص العقيان في تصويرها
وكأنها أسد الشرى في شكلها وكأن وقع الماء صوت زئيرها
_________________
(١) س م والحلة: القطر.
(٢) انظر الحلة ٢: ١٩.
(٣) في النسخ: ناحل.
(٤) م س: انظر وهو في السماء ينظر.
(٥) الحلة ٢: ٢٠ والمسالك والمغرب.
(٦) ط د: بغير؛ الحلة: بعد؛ وما أثبته رواية م والمغرب؛ وفي س: شربت بغمر.
[ ٤ / ٦٣٨ ]
وقال (١):
انظر إلى ثابت على طرفه قد سل سيف المنون من طرفه
وهز من قده لواء ردى يدني الصحيح السليم من حتفه
يطوف (٢) بالحج منه بدر دجى على جواد كالبرق في خطفه
يكاد من لينه ونعمته يعقد عقد العنان في نصفه
فلا ترى غير باهت فرق بين يديه منها ومن خلفه
ومن مشير له بإصبعه ومعلن بالسلام من كفه فصل يشتمل على ذكر الكتاب الوزراء وأعيان الأدباء الشعراء،
ممن نشأ في المدة (٣) المؤرخة بحضرة بطليوس،
وسائر بلاد البحر المحيط الرومي (٤)،
والأخذ بطرف من نوادر أخبارهم، وشوارد أشعارهم.
قال ابن بسام: قد قدمت في صدر هذا القسم أن هذا الجانب الغربي من الجزيرة، لأول تلك الفتنة المبيرة (٥)، الواقعة بقرطبة في آخر دولة بني (٦) عامر، اشتمل على بيتي حسب، وجمهوري أدب: مملكتان من لخم وتجيب،
_________________
(١) منها أربعة أبيات في المسالك.
(٢) كذا في الأصول.
(٣) المدة: سقطت من ط د.
(٤) زاد في م س: والأندلس.
(٥) م س: المثيرة.
(٦) ط د س: ابن أبي.
[ ٤ / ٦٣٩ ]
فوفد عليه لذلك كل أديب، واستوطنه كل أغر نجيب. وقد جئت بجملة موفورة، لطوائف كثيرة، وجماعة أعداد، كانوا بدولة بني عباد، من أرباب هذا الشأن، فلنذكر الآن من أرباب المنثور والمنظوم، بعقر هذا الإقليم، ولنقدم منهم من تقدم في الزمان.
وقاعدة بلاد هذا الساحل من الجانب الغربي بطليوس، ورئيسها في أكثر المدة المؤرخة - كان -.
المظفر أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس (١)
أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائف والتأليف الفائق، المترجم ب - " التذكرة " والمشتهر اسمه أيضا ب - " كتاب المظفر (٢) " في خمسين مجلدة، يشتمل على علوم وفنون من مغاز وسير، ومثل وخبر، وجميع
_________________
(١) جد بني الأفطس بن محمد بن مسلمة - فيما يقول ابن حيان - من فحص البلوط وكان من أهل المعرفة والدهاء والسياسة، استطاع أن يملك بلاد غرب الأندلس: بطليوس وشنترين والأشبونة وتوفي سنة ٤٣٧ فخلفه ابنه محمد الملقب بالمظفر وكان أديبا عالما، وأقام ملكا عظيما بالثغر الجوفي ضاهى فيه ابن عباد وابن ذي النون، وكانت بين هؤلاء حروب وغارات، وقد كان محمد المظفر يدفع الإتاوة للأذفونش، وبقي في حكمه حتى سنة ٤٥٦ (انظر البيان المغرب ٣: ٢٣٦ والحلة ٢: ٩٦ والمغرب ١: ٣٦٤ والتكملة ٣٩٣ (وفيه نقل عن الذخيرة) وأعمال الأعلام: ٢١٢ وصفحات متفرقة من نفح الطيب وتاريخ ابن خلدون ٤: ١٥٩ وابن الأثير ٩: ٢٨٨ والمعجب: ١٢٧ وشرح البسامة ودوزي Spanish Islam: ٦٣٤ وابن خلكان ٧: ١٢٣) .
(٢) المشهور فيه: " المظفري " وكذلك هو في التكملة ويقال إنه لم يستعن فيه بأحد من العلماء إلا بكتابه أبي عثمان سعيد بن خيرة (البيان المغرب ٣: ٢٣٦) وفي م س: بكتاب ابن المظفر.
[ ٤ / ٦٤٠ ]
ما يختص به علم الأدب، أبقاه (١) في الناس خالدا. وليس بمعدود في الشعراء والكتاب، فأفرد له فصلا من هذا الكتاب، ولو كان مجموعنا هذا في طبقات العلماء، لكان قطب أفقه، وغاية طلقه. وكان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويفيل رأي من ارتسم في ديوانه؛ حدثني من سمعه يقول: من لم يكن شعره [١٢١ ب] مثل شعر المتنبي أو شعر المعري فليسكت، لا يرضى بدون ذلك.
وقد ذكر أبو مروان بن حيان خبره في جملة ما شرح من قصص ملوك الطوائف في ذلك الأوان، وشرح كيف غر سرابهم، وطن ذبابهم، فقال (٢): كان عبد الله بن مسلمة رجلا من مكناسة، وكان سابور العامري أحد صبيان فائق الخادم، فتى الحكم، وقد انتزى ببطليوس وثغر الغرب من عمل الحاجب ابن ميتويه (٣)، فصحبه عبد الله وظاهره (٤)، ورمى إليه بأموره، فدبر أعماله وتزيد في الغلبة عليه، حتى صار كالمستبد به، فلما هلك سابور ورث سلطانه بعده، فاستولى على الأمور وتلقب بالمنصور، ثم أفضى الأمر لابنه وتلقب بالمظفر.
قال ابن حيان: ومن النادر الغريب انتماؤه في تجيب، وبهذه النسبة مدحته الشعراء إلى آخر وقته، منهم ابن شرف القيرواني حيث يقول (٥):
_________________
(١) م س: أبقاه الله.
(٢) النص في الحلة ٢: ٩٦ وانظر البيان المغرب ٣: ٢٣٧.
(٣) ط م د س: مينويه.
(٤) م س: وصاهره.
(٥) انظر أبياتا منها في المسالك ١١: ٢٤٠.
[ ٤ / ٦٤١ ]
يا ملكا أمست تجيب به تحسد قحطان عليه نزار
لولاك لم تشرف معد بها جل أبو ذر فجلت غفار انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وأول قصيدة ابن شرف هذه في المظفر قوله (١):
زار وقد شمر فضل الإزار جنح ظلام جانح للفرار
وروضة الأنجم قد صوحت والفجر قد فجر نهر النهار
قلت له: أهلا بطيف دنا (٢) من نازح الدار بعيد المزار
كيف خطوت الشر ثم الشرى وابنى هلال والقنا والشفار
أصهوة الغبراء أم داحسا ركبت حتى خضت ذاك الغمار
وجئت بالخطار أن أعوج جنيبة معتدة (٣) للخطار
وهل تقلدت لدفع (٤) الردى حمائل الصمصام أم ذي الفقار
وأنت زيد الخيل أم (٥) عامر ومالك بن الريب أم ذو الخمار (٦)
فقال لا هذا ولا ذا ولا بل كنت عنهم قمرا في سرار
_________________
(١) قوله: سقطت من م س.
(٢) قبيل هذا البيت في س م ط: ومنها.
(٣) م س: معدة.
(٤) المسالك: الأذى.
(٥) عامر بن مالك أبو براء ملاعب الأسنة أو عامر بن الطفيل.
(٦) ذو الخمار: لقب عوف بن الربيع ذي الرمحين (التاج: خمر)، وانظر فيما يلي (ص: ٦٤٦) تعليق ابن بسام فهو خطأ، لأن الإشارة هنا إلى فارس لا إلى فرس.
[ ٤ / ٦٤٢ ]
سيري فلم نقذفك في مجهل (١) ولا ضربنا بك ضرب القمار
حيث علوق (٢) العلم مطلوبة يوافق السوق كرام التجار
خذها أبا بكر غريبية سرى بها الود إليكم وطار
ليست من الشعر القصير الخطى ولا من المسروق والمستعار
قدمتها قبل قدومي كما قدمت الحجاج رمي الجمار ومنها:
أقمت للعلم منارا وما أظن في الدنيا لعلم منار
فما نداماك سوى أهله وكلهم بين ندامى العقار
ميزك ميزان عقول الورى وفهمك العدل لكل عيار
تبدو لك الهجنة في لحظة وتعرف الأسنان قبل الفرار
من لفظهم تعرف ما هم وفي جحفلة العاثر يبدو العثار
فما رأتك العين تصغي إلى محال (٣) عجل سامري الخوار [١٢٢ أ] وكان ابن شرف كتب بهذه القصيدة من طليطلة إليه، فواصله بمائة مثقال من ضرب السكة لديه.
قوله: " زار وقد شمر فضل الإزار، جنح ظلام " أشار إلى أنه زار آخر الليل كما قال أبو تمام (٤):
_________________
(١) من قول أبي الطيب: ضربنا بها التيه ضرب القمار فإما لهذا وإما لذا (٢) ط د: علوم.
(٢) في النسخ: مجال.
(٣) ديوان أبي تمام ٣: ١٨٥.
[ ٤ / ٦٤٣ ]
زار الخيال (١) له لا بل أزاركه فكر إذا نام فكر الخلو لم ينم
ظبي تقنصته لما نصبت له في آخر الليل أشراكا من الحلم وقد عاب الآمدي هذا عليه فقال (٢): وإذا زاره بالفكر فقد زار، فلا معنى للاستدراك؛ ثم اعتذر له فقال: الاستدراك صحيح لأنه إذا قال زار الخيال احتمل زيارة الاختيار، من غير بعث باعث، واحتمل وقوع الزيارة عن حمل حامل، فأزال هو (٣) الإبهام بقوله: " لا بل أزاركه فكر "؛ وقوله: " لم ينم " لم يرد حقيقة النوم بل كما يقال: لم ينم فلان عن هذا الأمر. وقال: " آخر الليل " ولم يقل أوله، لأنه أنبأ أنه يسهر، وإنما يهوم في آخره تهويما فيطرقه الخيال في ذلك الوقت؛ وقيل وجه آخر، وهو أن الخيال لا يطرق في العادة إلا مع وفود النوم، وهذا إنما في آخر الليل مع استمرار النوم وطول زمانه.
وقال أبو الطيب (٤):
لا الحلم جاد به ولا بمثاله لولا ادكار وداعه وزياله
إن المعيد لنا المنام خياله كانت إعادته خيال خياله يقول: التمثيل والتخييل له في اليقظة إعادة خياله في المنام، فكأن الخيال الذي في النوم خيال الخيال الذي تصور في اليقظة؛ وأظهر من هذا قو أبي
_________________
(١) الديوان: لها.
(٢) الموازنة ٢: ١٦٧ وفي النص اختلاف كثير.
(٣) م س: هذا.
(٤) ديوان المتنبي: ٢٧٤.
[ ٤ / ٦٤٤ ]
تمام المتقدم (١)، وإنما من قول جران العود (٢):
حييت طيفك من زور ألم (٣) به حديث نفسك عنه وهو مشغول فقوله: " وهو مشغول " أي لم يزر على الحقيقة، فبنى حبيب من هذا قوله: " وما زارك الخيال " (٤)، وبنى من قوله: " حديث نفسك " قوله: " ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال " (٥) .
وقال الكميت (٦):
ولما انتبهت وجدت الخيال أماني نفس وأفكارها وقد أعاد حبيب لفظ جران العود فقال (٧):
استزارته فكرتي في المنام فأتاني في خفية واكتتام
يا لها لذة تنزهت الأر واح فيها سرا من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيب غير أنا في دعوة الأحلام
_________________
(١) المتقدم: سقطت من م س.
(٢) الموازنة ٢: ١٦٨ وديوانه: ٥٥ وحماسة ابن الشجري: ١٧٧.
(٣) الموازنة: أهلا بطيفك أتاك به؛ الديوان: سقيا لطيفك.
(٤) ط م س: طيف الخيال، وهو خطأ، انظر التعليق التالي.
(٥) الإشارة هنا إلى بيتين لأبي تمام حذفهما ابن بسام أو سقطا من النسخ، وأوردهما الآمدي وهما: عادك الزور ليلة الرمل من رملة بين الحمى وبين المطالي ثم فما زارك الخيال ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال (٦) الموازنة ٢: ١٦٩ وديوانه ١: ٢٢٢.
(٦) الموازنة ٢: ١٦٩ وديوان أبي تمام ٤: ٢٦٢.
[ ٤ / ٦٤٥ ]
وعيب عليه " دعوة الأحلام "، لأنها من ألفاظ العوام، وصفة طيف الخيال باب ممتد الأطناب، لا يتسع له عرض هذا الكتاب.
وقول ابن شرف: " وأنت زيد الخيل أم عامر " البيت، أراه مما وهم فيه، وذو الخمار فرس مالك بن نويرة، حكاه المبرد (١) وأنشد قول جرير (٢):
عتيبة والأحيمر وابن عمرو وعتاب وفارس ذي الخمار جملة من نثر المتوكل وشعره (٣)
من ذلك رقعة خاطب بها وزيره أبا الوليد بن الحضرمي (٤) وقد صرفه عن خدمته قال فيها: ولما رأيت الأمر قد ضاع والإدبار قد انتشر وذاع، أشفقت من التلف، وعدلت إلى ما يعقبنا - إن شاء الله - بالخلف، وأقبلت أستدفع مواقع أنسي، وأشاهد ما ضيعته بنفسي، فلم [١٢٢ ب] أر إلا لججا قد تورطتها، وغمرات قد توسطتها (٥)، فشمرت عن الساق
_________________
(١) انظر الكامل ٣: ٤٠٠ وفرس مالك يعرف حقا بذي الخمار، ولكن ابن شرف لم يقع في الوهم، كما ظن ابن بسام، إذ أن " ذو الخمار " أيضا لقب عوف بن الربيع، كما تقدم ص: ٦٤٢ وكان يحارب في خمار امرأته، فإذا سئل المطعون: من طعنك - قال: ذو الخمار.
(٢) ديوان جرير: ٨٥٥.
(٣) هو عمر بن المظفر محمد الذي حاصره المرابطون في بطليوس وقتل هو وابناه ذبحا سنة ٤٨٧. (انظر الحلة ٢: ٩٦ والمعجب: ١٢٧ وأعمال الأعلام: ١٨٥ والقلائد: ٣٦ والمغرب ١: ٣٦٤ والفوات ٣: ١٥٥ والخريدة ٣: ٣٥٦ والنفح ١: ٦٦٣ " نقلا عن القلائد ".
(٤) انظر التعريف به فيما تقدم ص: ٣٩١.
(٥) م س: غرقتها.
[ ٤ / ٦٤٦ ]
للجتها، وخدمت النفس بمهجتها (١)، حتى خضت البحر الذي أدخلني رأيك، ووطئت (٢) الساحل الذي كاد يحول بيني وبينه فعلك، فنفسك لم، وبسوء صنيعها ألمم (٣) واعتصم، وإن متت بجميل اعتقاد، ومحض وداد، فأنا مقر بذكره (٤)، معترف بقله وكثره (٥)، لكنك كنت كالمثل السائر: " شوى أخوك حتى إذا أنضج رمد " (٦) حتى أطمعت في العدو، ولبست لأهل حضرتي الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة التزام زهوك وتعظيم شانك، حتى أحرجت النفوس علي وعليك (٧)، فانجذب مكروه ذلك إليك، ومع ذلك فليس لك عندي إلا حفظ الحاشية، وإكرام الغاشية.
واتصل بالمتوكل أيام سلطانه بيابرة (٨) أنه قدح فيه، بمجلس المنصور يحيى أخيه (٩)، فكتب إليه: كل صديق - أيدك الله - إذا خاطب صديقه،
_________________
(١) ط د: مهجتها.
(٢) م: وواطيت؛ س: وواطأت.
(٣) م س: ألم.
(٤) ط د: بغره؛ وفي م س: مغر بذكره.
(٥) د: بقلك وكثرك؛ ط: بقله وكثرك.
(٦) فصل المقال ١: ٢٤٣ يضرب لمن يفسد اصطناعه بالمن.
(٧) وعليك: سقطت من ط.
(٨) ط د: بيانورة (اقرأ: بيابورة)؛ ويابرة (Evora) بلدة في جنوب البرتغال (الروض المعطار، الترجمة الفرنسية: ٢٣٩) .
(٩) تولى يحيى الملك في بطليوس بعد أبيه المظفر سنة ٤٥٦ وتلقب بالمنصور، أما المتوكل فأعطي يابرة.
[ ٤ / ٦٤٧ ]
فأغرب ما يطنب به عليه، ويسهب فيه لديه (١)، أن يقول: أنا كأخيك، محبة فيك، فإذا كتبت إليك، فأي غريبة أورد عليك - ونحن منتهى كتب المتخاطبين (٢)، وغاية آمال المتحابين! غير أنه جرى في ناديك - لا زال معمورال بمعاليك - أنني أبيع (٣) الأحرار والحرائر، وأستصغر المعاصي (٤) والكبائر، والله نزهني عن هذا وأبعدني عنه، فلا قدرة لبشر أن ينيطه (٥) بي ويدنيني منه.
ثم ختم الرقعة إليه بشعر أثبتناه، على ما ذكرناه، من رواية أشعار الجلة والأعيان، على قدم الزمان، وهو (٦):
فما بالهم (٧) لا أنعم الله بالهم ينيطون (٨) بي ذما وقد علموا فضلي
يسيئون في القول جهلا وضلة وإني لأرجو أن يسوءهم (٩) فعلي
طغام لئام أو (١٠) كرام بزعمهم سواسية ما أشبه الحول بالقبل
لئن كان حقا ما أذاعوا فلا خطت (١١) إلى غاية العلياء من بعدها رجلي
_________________
(١) م س: عليك لديك.
(٢) ط د س: المخاطبين.
(٣) م: أني أسمع.
(٤) ط د: الصغائر.
(٥) ط: يلبطه (اقرأ: يلطه) .
(٦) الحلة ٢: ١٠٤ والفوات ٣: ١٥٦ والقلائد: ٤٠ والخريدة ٣: ٣٥٧.
(٧) م س: فما لهم.
(٨) الحلة: ينوطون.
(٩) ط د: يسيئهم.
(١٠) م س: طعام ليال أم.
(١١) القلائد والخريدة والفوات: فلا مشت.
[ ٤ / ٦٤٨ ]
ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة ولم أمنح العافين (١) في زمن المحل
وكيف وراحي درس كل غريبة وورد التقى شمسي وحرب العدا نقلي
ولي خلق في السخط كالشري طعمه وعند الرضى أحلى جنى من جنى النحل
" وإني وإن كنت الأخير زمانه " لآت بما أعيا الصناديد من قبلي
وما أنا إلا البدر (٢) تنبح نوره كلاب عدى تأوي اضطرارا إلى ظلي
فيا أيها الساقي أخاه على النوى كؤوس القلى مهلا رويدك بالعل
لنطفئ (٣) نارا أضرمت في نفوسنا (٥) فمثلي (٤) لا يقلى ومثلك لا يقلي
ألست الذي أصفاك قدما وداده وألقى إليك الأمر في الكثر والقل
وصيرك الذخر الغبيط لدهره ومن لي ذخرا غيرك اليوم لا من لي
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيا (٦) فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي نفثت - أيدك الله - نفثة مصدور انتهى الجفاء به (٧) منتهاه، وبلغ به أقصى مداه، فإن ظهر زلل ففضلك في ستره على المعهود منك قديم الزمان، لا على المنفصل عنك الآن، والله يقلب القلوب، ويصلح العيوب، ويبلغنا الأمل والمرغوب.
وقد ذكر ابن حيان بعض ما كان شجر بين المتوكل وأخيه في ذلك الأوان
_________________
(١) الفوات: ولم أسخ للعافين.
(٢) م س: تلمح.
(٣) م س: لتطفئ.
(٤) ط د: فمثلك.
(٥) م س: يغلى يغلي.
(٦) انفردت م س بإيراد هذا البيت.
(٧) م س: به الجفاء.
[ ٤ / ٦٤٩ ]
فقال وفي صدر سنة إحدى وستين، نشأ من تلقاء ثغر غربي الأندلس المثغور عارض هم ضاعف الإشفاق، وأكد التوقع بانكشاف خبر الاختلاف الواقع بين أميريه: يحيى وعمر ابني المظفر بن الأفطس، [١٢٣ أ] واهتدى الطاغية اذفنوش بن فرذلند المتمرس (١) بجماعة ملوك الطوائف بالأندلس، إلى شب نار الفتنة بينهما كيادا للمسلمين (٢)، فبدأ بالاعتلال على يحيى صاحب بطليوس منهما، يسومه الزيادة في مال جزيته التي كان فارق أباه الهالك عليها بوساطة (٣) المأمون بن ذي النون بينهما، فانتقض على هذا الغلام لوهي في جبلته، وطماعية في إتيانه من قبل أخيه، فأظهر له يحيى العجز عن الزيادة في الجزية، فجرت بينه وبينه الطاغية في ذلك خطوب اغتدى (٤) بها بلد بطليوس وثغره ثغورا، فأقام يحيى منهما على ولاية المأمون بن ذي النون وحلفه وراثة (٥) عن أبيه النظفر، ومال أخوه عمر إلى المعتضد، وتأتت بين هذين الأخوين في أثناء ذلك هدنة على دخن، لم يتم معها أنس ولا تمكنت لهما طمأنينة، وما زالت السعاية تقدح بينهما العداوة، حتى أورت نار فتنة ضرمت (٦) البلاد، وأجاحت الرعية، وثلمت ثغرهما وضاعفت البلية؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: ثم استوسق الأمر للمتوكل بموت يحيى أخيه (٧) . وحصلت
_________________
(١) ط د: المتورس.
(٢) م س: للإسلام.
(٣) م س: بواسطة.
(٤) م س: اعتدى.
(٥) م س: وارثه.
(٦) س: أضرمت.
(٧) ط د: أخيه يحيى.
[ ٤ / ٦٥٠ ]
له جميع بلاد أبيه، واحتل حاضرة بطليوس، وجعل ابنه العباس في يابورة (١) واتفق أن خرج طلحة بن عبيد الله (٢) مستوحشا عنه لأمر بلغه عنه، ولحق ببلد المعتمد، فكتب العباس إلى أبيه معتذرا عن فراره، ويقسم أنه ما خرج إلا باختياره، فأخبرني الوزير الكاتب أبو المطرف بن الدباغ قال: إني لمساير المتوكل خارج حضرته، بطليوس، حين ورود تلك الرقعة من ابنه العباس عليه، فبلغ منه الضجر منتهاه، وتجاوز مداه، واستدعى وهو على ظهر دابته دواة، ووقع في ظهر الرقعة يومئذ فصلا قال فيه - دون عنوان ولا دعاء ولا سلام، وأنا أتعجب في كتبه تلك الفقار، مع فرط الضجر (٣) -: قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجراءتك عليها، وعودتك إليها، واتصل بي ما كان من قبلك في خروج طلحة بن عبيد الله عنك، ولم تثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حتى فر بنفسه عن أهله ووطنه، والعجلة من الشيطان، ولا يحمد قبل النضج بحران، وهو الذي أوجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك، ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك (٤)، وصدرت به كتبك فأنا المريح والله نفسي من شغبك، وإن تكن الأخرى فهو لك الحظ الأوفى، فاختر لنفسك أي الأمرين ترى.
وأخبرني الوزير أبو طالب بن غانم قال: لا أنسى والله خط المتوكل بهذين
_________________
(١) م س: بيابرة.
(٢) م س: عبد الله (حيثما وقع) .
(٣) فصلا قال الضجر: سقط من م س.
(٤) ط: عودت به نفسك.
[ ٤ / ٦٥١ ]
البيتين في ورقة (١) بقلة الكرنب (٢) وقد كتب إلي بهما من بعض البساتين (٣):
انهض أبا طالب إلينا واسقط سقوط الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطى ما لم تكن حاضرا لدينا في ذكر الوزير الكتاب أبي عبد الله محمد بن أيمن (٤)،
واجتلاب جملة مما بلغني من ترسيله
وكان أبو عبد الله محمد بن أيمن بأفقنا أعجوبة الدهر، وفريد العصر، وفارس ميدان النظم والنثر، اشتهر في حملة الأقلام، اشتهار البدر في السماء، وتلاعب بغرائب الكلام، تلاعب الأفعال [١٢٣ ب] بالأسماء. ولما صرف المتوكل ذا الوزارتين أبا الوليد بن الحضرمي عن خدمته، وقبض يده عما كان يتصرف فيه من تدبير دولته، لم يفوض بعده إلى وزير، ولا ألقى إلى أحد بأزمة ذلك التدبير، غير أن أبا عبد الله بن أيمن هذا كان من وزرائه، وصحبته بمنزلة الرقيب من الحبيب، لا يحظى بشر بنواله،
_________________
(١) في ورقة: سقطت من م س.
(٢) ط: يقلب الكرب؛ د: بقلة الكرب؛ وانظر الحلة ٢: ١٠٧.
(٣) القلائد: ٤٦ والمغرب ١: ٣٦٥ وأعمال الأعلام: ١٨٥ والحلة ٢: ١٠٧ والنفح ١: ٦٦٦، ٣: ٣٢٩؛ ٤: ١٥٥ ونسبهما في الموضع الثاني إلى المعتصم بن صمادح، وانظر بدائع البدائه: ٣٧٤ والمقتطف: ٣٢ والفوات ٣: ١٥٦ وفيه أن الوزير هو أبو غانم وهو يخاطبه بقوله: انهض أبا غانم الخ.
(٤) انظر ترجمته في المغرب ١: ٣٦٦ وذكر المحقق هنالك أن له ترجمة في مسالك الأبصار ٨: ٣٣٢.
[ ٤ / ٦٥٢ ]
ولا يطمح أحد معه في وصاله؛ ولما احتل الوزير الكاتب أبو المطرف (١) ابن الدباغ حضرة بطليوس - حسبما سنشرحه (٢) - خاف ابن أيمن أن يمحو سناه، ويستولي على مداه، فاشتعلت بينهما نار ملأ الآفاق شعاعها، وأخذ بعنان السماء ارتفاعها، وأحسب ذلك كان سبب ارتحال أبي المطرف عن حضرتهم، وخروجه من جملتهم، وسنأتي بذكره في القسم الثالث من هذا المجموع، إن شاء الله.
وقد أخرجت من كلام ابن أيمن ما يأخذ من البلاغة باليمين، ويشهد له بالمكان المكين.
فصل من ترسيله
لما اشتد يومئذ كلب الروم، بهذا الإقليم، على ما تقتضيه شهادة المنثور والمنظوم، بلسان من اندرج ذكره في هذا الديوان من كل زعيم، استصرخ ملوك الطوائف بأفقنا أمير المسلمين وناصر الدين أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، وقد ألقوا بأيديهم، فكتب أبو عبد الله بهذه الرسالة عن صاحبه، وأراها كانت ثالثة المفاتحة، أو ثانية المداخلة (٣)، وهي:
لما كان نور الهدى - أيدك الله - دليلك، وسبيل الخير سبيلك،
_________________
(١) م س: أبو المظفر.
(٢) ورد مشروحا في القسم الثالث: ٢٥١.
(٣) عن صاحبه المداخلة: سقط من م س.
[ ٤ / ٦٥٣ ]
ووضحت في الصلاح معالمك، ووقفت (١) على الجهاد عزائمك، وصح العلم بأنك لدعوة الإسلام أعز ناصر، وعلى غزو الشوك أقدر قادر، وجب أن تستدعي لما أعضل من الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيفة بها - أهلكهم الله - عند إفراط تسلطها واعتدائها (٢)، وشدة كلبها واستشرائها، تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرج لها عن كل ذخيرة، وتسترضي بكل نفيسة خطيرة، ولم يزل دأبها التشطط والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى استصفي الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب (٣)، فيا لله ويا للمسلمين! ! أيسطو هكذا بالحق الأفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النصر -! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم! ! وإنا لله على ما لحق عرشه (٤) من ثل، وعزه من ذل، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء.
_________________
(١) م س: ووقف.
(٢) م: واغترابها.
(٣) قوله: ولم يزل دأبهما من التغلب: انظر ما تقدم ص: ٢٤٨ - ٢٤٩ حيث اقتبسه ابن بسام كأنما هو من إنشائه.
(٤) عرشه: يعني عرش الدين.
[ ٤ / ٦٥٤ ]
ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك - أيدك الله - بالنازلة في مدينة قورية - أعادها الله - وأنها مؤذنة الجزيرة بالخلاء، ومن فيها من السلمين بالجلاء، ثم ما زال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلصت القضية، وتعجلت البلية، وحصلت في يد العدو - قصمه الله - مدينة سرته (١) وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع، في الحصانة والامتناع، وهي من المدينة كنقطة الدائرة وواسطة القلادة، يدركها من جميع نواحيها، ويستوي [في] (٢) الاستضرار بها قاصيها ودانيها (٣)، وما هو إلا نفس خافت، ورمق زاهق، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالا، وتتداركوها ركبانا ورجالا، وتنفروا نحوها (٤) خفافا وثقالا. وما أحرضكم على الجهاد بما في كتاب الله تعالى، فإنكم له أتلى، ولا أحرضكم على [١٢٤ أ] التسرع إليه بما في حديث رسوله ﵇، فإنكم إلى معرفته أهدى.
وكتابي هذا جملة (٥): الشيخ الفقيه الواعظ يفصلها، ومشتمل على نكتة هو يوضحها ويبينها، فإنه لما توجه نحوك احتسابا، وتكلف المشقة إليك طالبا ثوابا، عولت على بيانه، ووثقت في عرض الحال عليك بفصاحة لسانة، وأنت بفضلك تستوعب ما يؤديه استيعاب المستوفي، وتصغي
_________________
(١) ذكرها الإدريسي (نزهة المشتاق - قسم الأندلس والمغرب: ١٧٥، ١٩٦ تحقيق دوزي) وذكر أن بينها وبين شقورة مرحلتين كبيرتين، وأنها مدينة متوسطة القدر حسنة البقعة كثيرة الخصب.
(٢) ط: ويستوفي.
(٣) قارن بما ورد ص: ٢٤٩.
(٤) نحوها: زيادة من م س.
(٥) ط د: يحمله؛ م س: حمله.
[ ٤ / ٦٥٥ ]
إلى ما ينهيه إصغاء الواعي، وتجد منه مضض المرتمض، وتتحرك له تحرك الممتعض.
ثم لم يزل يستشري الداء، ويعم أقطار الجزيرة البلاء، وأمير المسلمين وناصر الدين - ﵀ - مشغول ببقية حرب طوائف البرابرة المتغلبين - كانوا - على أقطار العدوة، فلم يزل يميط أذاها، ويضرح قذاها، حتى سلك (١) سبيلها، وطاب مستقرها ومقيلها، وكان من أشد تلك الطوائف أيدا، وأمتنها كيدا، العز بن سقوت (٢)، المتغلب - كان على مدينة سبتة وما والاها، فإنه جاهر بالخلاف سماعا وعيانا، وشغل أمير المسلمين - ﵀ - عن تلافي هذه الجزيرة زمانا، إلى أن بلغ الكتاب أجله ووقته، وفتحت على يديه سبتة، حسبما نلخص الخبر عنها.
_________________
(١) م س: سلكت.
(٢) د م: سكات، وهذا وجه من وجوه كتابة هذا الاسم (انظر الجذوة: ٣٣) وهو أيضًا سكوت، وسواجات، وفي أخباره راجع البيان المغرب: ٢٥٠ وأعمال الأعلام: ١٤١ وروض القرطاس: ١٠٤ وابن خلدون ٦: ١٨٤؛ وقد كان الحوديون استخلفوا على سبتة شخصا اسمه رزق الله (أبو العطاف) فقتله سقوت سنة ٤٥٣ وحكم سبتة وتسمى " المنصور " وهو والد الحاجب العز، الذي دخل المرابطون سبتة في أيامه.
[ ٤ / ٦٥٦ ]
إيجاز لخبر عن فتح مدينة سبتة
وتلخيص التعريف بأولية أمرها (١)
كان سقوت بن محمد المتغلب عليها قد جرى عليه سباء، واستبد به ولاء، ففاز به (٢) قدح علي بن حمود أيام امترى أخلافها، واعرورى شقاقها (٣) وخلافها، ومن هالته طلع هلالا وبدرا، وبين باطله وبطالته عتق خلا وخمرا، وعليه (٤) جيبت رحاها، وإليه كان مجرها ومرساها، حتى عدت (٥) أيامه، واشتهر مقامه، وملأ أجزاء الزمان وصدر الأوان بأسه وإقدامه. ولما أفضت الدولة الحمودية إلى سقط زندها، ومنتهى جهدها، يحيى بن علي - المتقدم الذكر - ألقى بقماليد سبتة إلى هذه الأفعى الجارية، والشعلة الوارية، سقوت المذكور، فأقام به عمودها، وأطعمه قائمها وحصيدها، وطفق لأول حينه يخلق ويفري، ويجر لأبعد شئونه ليسير ويسري (٦)، وقد كان يحيى بن علي أشرك معه في عمالتها مولى آخر من مواليه يكنى أبا العطاف، أحد أجذال الطعان، وكفاة الأقران، فأقاما بقية أيام يحيى بن علي يتجاذبان أهدابها، ويتعاطيان
_________________
(١) م س: أميرها.
(٢) به: سقطت من ط د.
(٣) م س: ثقافها.
(٤) م س: وعنه.
(٥) ط: غدت.
(٦) وطفق ويسري: سقط من ط د.
[ ٤ / ٦٥٧ ]
أقداحها وأكوابها، إلى أن وقع من مقتله (١) سنة سبع وعشرين ما فرغنا من ذكره، ونبهنا على مستودع مستقره؛ ولما أفضت دولة آل حمود إلى ابنه إدريس بن يحيى بن علي سما سقوت بن محمد فأخذ بلقم الطريق، وطلع لمغبونه إدريس من ثنايا العقوق، وأول ما بدأ به من ذلك الفتك بشريكه الخاسر، بحيلة خفية، تمخضت له بميتة (٢) وحية، في خبر طويل، تركته تخفيفا للتثقيل، فأصبح بعده سقوت بن محمد قد حلت شمس سلطانه بالحمل، وقام وزن زمانه فاعتدل (٣)، وتسمى لأول وقته يومئذ من الأسماء السلطانية بالمنصور المعان، وقد عرض له ابن حيان ببعض أوابده، وفصل بذكره سلك مقيداته وشوارده، وأنا أذكر من ذلك ما وفى به وسعي، وكان من شرط جمعي.
قال ابن حيان (٤): وهذه نادرة من طخيات (٥) هذه الفتنة (٦) المبيرة، أن تخطت أرض هذه الجزيرة، إلى ما وراء بحرها الزقاقي الذي كان منه دخول العرب أيام فتحهم هذا الصقع، هاجتها (٧) أسباب المنفسة الفادحة، لامتعاض حسيب الأملاك النبيه الأبوة الشامخة، عباد من هضم جاره الخارجي سقوت
_________________
(١) يعني مقتل يحيى الحمودي.
(٢) م س: بموتة.
(٣) م س: واعتدل.
(٤) نقل بعض هذا النص في كتاب مفاخر البربر: ٤٥ مع بعض اختصار وتغيير في الترتيب وخلط بكلام ابن بسام نفسه، وانظر مخطوطة الرباط (رقم ١٢٧٥) ص: ٨٣.
(٥) ط: طحيات؛ م: ضحياة؛ س: صخياء؛ مفاخر: هيجان (وفي المخطوطة: طخليات) والطخية: الظلمة أو السحابة.
(٦) زاد في المفاخر: البربرية.
(٧) م س: والمفاخر: هاجها.
[ ٤ / ٦٥٨ ]
مولى ابن (١) حمود - بزعمه - الناهض الجد بأنقص (٢) الخلال: من معقة المولى وختر الرفيق (٣) واهتضام الحقوق، والترقي إلى أعلى مراتب (٤) السلطان، حتى تسمى بالمنصور المعان، لقبين في قران، أغمض له عليهما [١٢٤ ب] الزمان، فساء غلطه في نفسه، واضطره القدر أن تمرس بجاره (٥) عباد صيرفي (٦) الفتنة الذي لا ينام على دمنة، كان سبب ذلك باعتقال عباد لرجل من تجار سبتة في شيء حضره بحضرته، فاعتدى عليه سقوت فاعتقل له عدة تجار (٧)، فنشأت لذلك بينهما (٨) وحشة سنة سبع وخمسين، واجتمعا على عقد (٩) البحر بينهما، فتلفت فيه رؤوس أموال، وهلكت من أجلها نفوس رجال، يطول في صفتها المقال، إلى أن كمل عباد من أسطول أنشأه نحوا من ثمانين قطعة، فأجراها إلى سبتة، فخرج عليها (١٠) أسطول لسقوت، فكان الظهور لابن عباد، ثم افترقت الأساطيل بعد حروب وسفك
_________________
(١) م س: آل.
(٢) م: بأنقض.
(٣) م س: وخبر الرقيق.
(٤) م س: لأعلى موارب (س: موازب) .
(٥) م س: يجاه.
(٦) ط: صيفري؛ م: صرفي.
(٧) ط: رجال.
(٨) م س: بينهما لذلك.
(٩) ط د: عقل؛ س: عقر.
(١٠) م س: إليها.
[ ٤ / ٦٥٩ ]
دماء وانقطع بحر الزقاق بينهما مدة استهما اجترار (١) منافعه فيها؛ انتهى ما لخصته من كلام.
قال ابن بسام: ثم غلظ أمر سقوت، حتى أخاف (٢) القريب والنازح، واقتاد الحرون والجامح، وانبثت سراياه في البحر والبر، فأدرك المطلوب والطالب، وتصيد الطافي والراسب، ونجم (٣) في لمتونة أمير المسلمين وناصر الدين أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، فأحاطت دولته بالفرق، إحاطة القلادة بالعنق (٤)، ودبت في ممالك العرب والعجم، دبيب البرء في السقم، وطفق يتبع آفاق جورهم بالعدل، تتبع الديمة آثار المحل، ويسبق قولهم بالعمل، سبق السيف العذل، وتجاروا إلى مصارعهم، حتى لحق متبوعهم بتابعهم، وانتظم دانيهم بشاسعهم، ودارت النوبة على سقوت بن محمد، فتطرف (٥) أمير المسلمين - ﵀ - بلده للفراغ ممن شذ عنه ذؤبان زناتة، وقد التفوا بِأحد محاش الفتنة، ووألوا إلى موضع يعرف (٦) بالدمنة، فنزل بساحتهم أمير المسلمين، سنة إحدى وسبعين، على مقربة من بلاد سقوت (٧)، فهم بالانحياش إليه، فقد كان آل وإيل عليه، فنهاه حزبه الذميم السعي، وثناه ابنه الفائل الرأي، فقد كان هذا الفتى على بعد
_________________
(١) ط د م س: احترام.
(٢) أخاف: سقطت من م س.
(٣) من هنا يبدأ النقل في كتاب مفاخر البربر: ٥٤ ومخطوطة الرباط: ٨٧.
(٤) م س: بالفراق بالأعناق.
(٥) مفاخر والمخطوطة: فتطوف.
(٦) م س: يدعى.
(٧) زاد في المفاخر: فتضيفه لا من خلة، وأراد أن يكثر به لا من قلة.
[ ٤ / ٦٦٠ ]
مراميه، ولوذعية - زعموا - كانت فيه، يذهب مذهب الجبابرة من ملوك الطوائف عندنا، من الإعراض عن العواقب، وأخذ الشاهد عيارا على الغائب، أين ما هو فيه، لا يحفل بشيء يذره ولا يأتيه، ووضحت لأمير المسلمين - ﵀ - السبيل إلى حربه، لما كان من نفاره عن قربه، وانتباذه لأول وهلة عن حزبه؛ فلما أوقع بأهل الدمنة، رمى سقوت ابن محمد بأقماره ونجومه، وأحله وجوه هممه (١) وهمومه، والبلاد تنقاد لحكمه، والمنابر تكاد تهل (٢) باسمه، وسمع الرعية بمقدمه، فانثالوا عليه انثيال الجياع على الوليمة، وتباشروا به تباشر البلد (٣) بالديمة، وخرج سقوت بن محمد في عديده وعدده، للذب - زعم - عن رعيته وبلده (٤)، وعساكر أمير المسلمين يومئذ على مقربة من مدينة طنجة، وعليها من قبله (٥) ابنه المسمى بضياء الدولة، فلقي عساكر المرابطين وقد سالت بها سيولهم، وشارفها (٦) لواؤهم ورعيلهم، فأقام بإزائهم يومين والأجل يقحمه، والخيل تسلمه، إلى أن طحنته رحاهم، وسالت نفسه على أسنتهم وظباهم، يوم الكسوف الشمسي الكلي من العام المؤرخ، ودخل المرابطون طنجة ذلك اليوم.
وأفضت الدولة البرغواطية إلى الحاجب العز ابنه، شهاب أفلاكها،
_________________
(١) م س والمفاخر: همته.
(٢) م: تهذ؛ س: تمد.
(٣) زاد في المفاخر: التيهاء (وفي المخطوطة: التمية) .
(٤) زاد في المفاخر: وأقسم أن لا يسمع قرع طلبه (طبله -) في ملكه.
(٥) يعني: وعلى طنجة من قبل سقوت
(٦) م: وطار بها؛ س: وشان بها.
[ ٤ / ٦٦١ ]
وخيرة أملاكها، هب للأدب ريحا، ونفخت دولته في أهله روحا، أعرض (١) به الشعراء وأطالوا، ووجدوا به السبيل إلى المقال فقالوا. وومن خيم في ذراه، ونال الحظ الجسيم من دنياه، الحصري الضرير، فإن (٢) له فيه (٣) ما أذهل الناظر عن الرقاد، وأغنى المسافر عن الزاد، والحاجب يكحل عينيه بزينة دنياه، ويفتق لهاته بمواهبه ولهاه، وكان سهل الجانب للقصاد، طلق اليد بالمواهب الأفراد؛ من رجل [١٢٥أ] استعان بالشر، وتهاون بالأمر، لا يجبي إلا من غلول، ولا يجيش إلا إلى ابن سبيل، لا سيما البحر فإنه أضرم لججه نارا، ولقي ريحه إعصارا، أخذ كل سفينة غصبا، وأضاف إلى كل رعب رعبا، فضجت منه الأرض والسماء والتقت الشكوى عليه والدعاء، وأذن الله لأمير المسلمين وناصر الدين - ﵀ - فأناخ بعقوته، وحكم مداه بين سنامه وذروته.
وكان من الاتفاق العجيب أن أنشأ المعتمد سفينة ضاهى بها مصانع الملوك القاهرين بعد العهد بمثلها: شدة أسر، وسعة (٤) بطن، وظهر، كأنما بناها على الماء صرحا ممردا، وأخذ بها على الريح ميثاقا مؤكدا، ووجهها على (٥) مدينة طنجة لتمتار، وقد أنجد أمر الله وغار، ولما رأى أمير المسلمين وناصر الدين - ﵀ - تلك السفينة، خاطب المعتمد في ذلك، فشحنت على سبتة موتا ذريعا، وأقيمت بإزاء أسوزارها (٦) حصنا منيعا. فلما كان يوم
_________________
(١) مفاخر: أعوص.
(٢) ط د: فبان
(٣) في النسخ: فيها.
(٤) ط د: ومنعة.
(٥) م س: إلى.
(٦) م س: سورها.
[ ٤ / ٦٦٢ ]
الخميس من صفر سنة ست وسبعين، قدم أمير المسلمين لقتال سبتة أسطولا فخما، رجم به مردة عفاريتها رجما، ولقيه العز بن سقوت ببقية جمة من أسطول طالما أوسع البلاد شرا، وملأ قلوب أهلها ذعرا، فكان لأول ذلك اليوم ظهور (١) على أسطول المرابطين حتى أخذ منه قطعة جليلة المقدار، ظاهرة الحماة والأنصار، فكان من إذلال الله للعز بن سقوت يومئذ أن بخل على آخذها (٢)، وتكلم بكلام أنكر عليه فيه؛ وارتاعت محلة المرابطين لأخذ تلك القطعة، حتى هموا بالإحجام، وقوضوا بعض الخيام. وغضب أمير المسلمين وناصر الدين - ﵀ - إحدى غضباته فكانت إياها، وفغرت المنايا (٣) على سبتة فاها، وتقدمت تلك السفينة حتى أطلت على (٤) أسوارها، ورفعت صوتها ببوارها، وأفضت بدولة صاحب سبتة إلى سوء قرارها، ليلة الجمعة من صفر المؤرخ، ولجأ العز بن سقوت في نفير من أصحابه إلى البحر، فهم بركوبه، فأعوزه الفرار، ودفع في صدره المقدار، وكر راجعا، فدخل دارا تعرف بدار تنوير (٥)، وبدر به جماعة من المرابطين، فاقتحموا عليه بعد مرام بعيد، وقتال شديد، حتى ضاق اضطرابه، وفر عنه أصحابه؛ ولما أحس بالشر دفع ذخائر (٦) كانت عنده إلى أحد من وفى له من رؤوس حماته، فبلغني أنه عثر عليها ووجد فيها جوهر كثير، ونشب من نشب
_________________
(١) م س والمفاخر: ظهر.
(٢) ط: آخذيها.
(٣) ط د: المنية.
(٤) م س: أظلت أسوارها؛ ط د: طلت على
(٥) مفاخر: شوير (وفي المخطوطة: تنوير) .
(٦) م س: دنانير.
[ ٤ / ٦٦٣ ]
الملوك (١) خطير، ووجد في جملتها خاتم يحيى بن علي بن حمود. وخرج العز بن سقوت حين وضح الفجر من ليلته تلك. فلقيه المعز ابن أمير المسلمين (٢) - رحمهما الله - فجلله الحسام، وحكم فيه الحمام، تعالى من لا يرد قضاؤه، ولا تبيد آلاؤه.
ومن ترسيل ابن أيمن أيضا رقعة (٣) عن المتوكل إلى المعتمد في معنى خروج أبي المطرف ابن الدباغ عنه (٤) إليه، قال فيها: من تخيرك - أيدك الله (٥) - على سواك، وأرادك (٦) وترك وطنه هجرة إلى ذراك، وأسرع تلبية دواعي سرورك وعلاك، فمجدك يقضي له - وإن أزعجته عنك بحكم الاضطرار، صروف الأقدار - أن تستمر عليه النعمى، وتطرد لديه (٧) العارفة الحسنى، وينتظم بدء الصنيعة فيه بالعقبى، فالفضل على علمك بتمامه، والطول باختتامه، والبر بمقتضاه (٨)، والمن بأخراه.
وهذه - أدام الله تأييدك - حال فلان، فإنه هجر إليك الورى، وركب
_________________
(١) م س: الملك.
(٢) كان المعز ولي عهد يوسف بن تاشفين، لكنه توفي في حياة أبيه فقدم ابنه عليا لولاية العهد، وفي مفاخر البربر أن المعز طلب إلى ابن سقوت أن يعيطيه المال فقال له: " خازن أبيك كنت تجمع لك المال - " فجلله الحسام الخ.
(٣) ط د: ومن ذلك رقعة
(٤) عنه: زيادة من م س.
(٥) م س: أدام الله تأييدك.
(٦) وأرادك: سقطت من م س.
(٧) م س: عليه.
(٨) م س: بمنتهاه؛ ط د: بمنتضاه.
[ ٤ / ٦٦٤ ]
نحوك أعناق الأمل والهوى، وقد كان ظفر بالحظ (١) من دنياه، واعتلق منها السبب الذي لا تنتقض مرره ولا تنتكف (٢) قواه، إلا أن الزمان من بت (٣) العصم، وإحالة النعم، والقطع بذوي الآمال والهمم، جار في سننه الذميم، على القديم، وحين جد به (٤) الجد العاثر - أسعد الله جدودك، وأدام تأييدك - في الانزعاج من جنابك، ومفارقة النعمة من ملازمة ركابك، وخدمة بابك، لحق بحضرتي - طاعتك - يعتقد - وحق [١٢٥ ب] ما أعتقده - أنه لم ينفصل عن جماعتك، ولا تحول إلا إلى أعمالك، وانتقل من يمينك إلا إلى شمالك، وعنده تذكر لحسن معاهده لديك، وطيب مشاهده بين العزيزتين يذيك، ما ليس مثله إلا عند معتقد أيام الصبا، ومستعيد عشيات الحمى، وأما شكره لسوالف نعمك، ونشره لمطاوي منازعك الجميلة وهممك، وإشادته بسنائك، وإبداؤه وإعادته في حسن (٥) آثارك وأنبائك، فبحيث لو جاز أن تتقلد مقاومه في ذلك لعطلت الحلى، أو تتورد لشفت من الصدى، أو تترشف لأغنت عن برد اللمى، أو تقطف لكفت من يانع الجنى. ومن فارقك - أيدك الله - وتحرقه للبعد عنك تحرقه، وتحققه بالتشيع لك تحققه، ففضلك الباهر يأبى أن تنقطع عنه عوارف الإجمال على النوى، ولا سيما
_________________
(١) م: بالحظ فيه؛ س: بالحد فيه.
(٢) م س: ينتقض.. ينتكث.
(٣) م س: الزمن من بث.
(٤) م س: جذبه.
(٥) م س: تحسين.
[ ٤ / ٦٦٥ ]
وقد وسدت مع القرب جوازئ آماله أبردي ظلاله (١)، وأوردت على الدنو ظامئة ذمامه النمير العذب من جمامه، وقد كان لحقه عند انزعاجه عن حضرتك - ولله حراستها، ولك رئاستها - ما الفضل له متألم، والمجد منه متذمم، مما أعلم - والله - علم اليقين أن سيادتك تأبى مسموعه، ولا ترضى وقوعه، وإنما أتى ذلك التعدي - لا محالة - من جهة المتولي، لأن قدرك - رفعه الله - منزه عن ارتجاع موهوب ولو عظم، ومعاملة خادم باستصفاء مكسوب وإن ظلم، وعند الوزير الكاتب أبي طالب من بسط هذه النكتة ما أنت بمعاليك تقتضيه منه وتستوفيه، وتأتي متفضلا من الإيجاب فيه، بما يليق بسؤددك الأثيل، وقعددك الجليل، ومعتقدك الحسن الجميل، واضعا بذلك عندي يدا تشف على ما تقدم أخواتها، وتهتف بالتعجيز عن معارضتها من جميع جهاتها.
وله (٢): الفضل - لا زالت له أهلا، وبه أولى - عن شرف حامليه موضح، " وكل إناء بالذي فيه ينضح "؛ وورد كتابك - لا زالت المسار (٣) تردك، والأقدار تسعدك - بوصول فلان إلى حضرتك - ضاعف الله جلالها، وبسط ظلالها -، وما كان من أخذه عند مثوله، بكرم (٤) فرعه التابع لطيب أصوله، في وصفي بما والله قطعني على البعد، وقنعني حياء من المجد، فإني ما رأيت مثله سواه، والله يغفر له ما أتاه، ذكر الجود والبحر (٥)
_________________
(١) ط د: ظله؛ وهذا من قول الشاعر: إذا الأرطى توسد أبرديه خدود جوازئ بالرمل عين (٢) وله: سقطت من ط د، واتصلت هذه الرسالة بما قبلها.
(٢) م س: المسرات.
(٣) م س: بكريم طبعه.
(٤) ط د: والمجد.
[ ٤ / ٦٦٦ ]
شاهد، وأسهم في الفضل وربه أحد، وإذ لا أستجيز موافقة جفائه، بالاعتراض على تقريظه وثنائه، فلا بد أن أعتذر مما استكثر، وأتذمم مما استعظم، وأقول: إني ما عدوت في تلقيه ببعض حقوقه، استرسال الصديق مع صديقه، ولو ذهبت إلى معارضة فضله، وتوفيه واجب مثله، لضعفت عن ذلك أسباب المقدرة (١)، ووضحت بوقوع العجز وجوه المعذرة، وهو ولي البر والإجمال، فيما عرضه وحسنه من الحال؛ وهكذا من شرف الله محتده، وأطاب (٢) مشهده، ومن زكا عنصره، وكرم محضره.
وذكرت في الكتاب الكريم، عقب هذا الفصل، بل سابغ الفضل، أن ما نقله فلان المذكور إليك، وأورد عني عليك، مما وافق مرادك، وطابق غرضك واعتقادك، ولا غرو فاتفاق المذاهب والآراء. تبع لتمازج (٣) النفوس والأهواء، ونحن بحمد الله في الاتصال يد وساهد، وفي الانتظام جسمان والروح واحد.
وتقدمت كتبي إليك بما كان من تطرق خيل العدو - بددها الله - جهاتي (٤)، طاعتك، حتى كادت تتركها خلاء، وتعيدها (٥) عفاء، وأنبأتك أن ذلك لا يثبت معه سلم، ولا يرقأ عليه كلم، ولا يطيب معه معتقد،
_________________
(١) ط: المقدورة.
(٢) م س: من شرف محتده وطاب.
(٣) ط د: لتنازح.
(٤) جهاتي: موضعها بياض في م س.
(٥) ط د: وتوعدها.
[ ٤ / ٦٦٧ ]
ولا يصبر عليه أحد؛ والآن فقد ورد ما هو أشد، وطلع ما هو أشنع وأفظع، وذلك ضرب الخيل من قبل فلان على تلك الجهات، وبلوغها في النكايات أقصى الغايات، فعل العدو المحارب، وعمل الضد المطالب، لا يمر بحصن إلا أناخ بحياله، وجد في قتاله، وهذه حال ليس وراءها إلا الاستئصال، فمذهب القوم في حيز الجلي (١) [١٢٦ أ] الظاهر، وقد وضح الصبح لذي ناظر، وأهل تلك الجهات مظهور القلق، من اتصال هذا التطرق (٢)، معلنو الشكوى، بتجاوز هذه العدوى، فكيف يسوغ لي - وجهاتهم مباحة، وأحوالهم مجتاحة، طلبهم بما تعرفه، والاستعانة بهم على ما نكلفه، أليس ذلك في حد الامتناع، وجانب الأمر المستطاع -!
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي محمد عبد المجيد بن عبدون (٣)،
وسياقه فصول من غرائب نثره ونظمه.
وأبو محمد هذا في وقتنا سر الدهر المكتوم، وشرف فهر الحديث والقديم،
_________________
(١) م: الجلا.
(٢) ط د: هذه الطرق.
(٣) كان ابن بسام يعتقد أن المتميزين من كتاب عصره أربعة كلاعيان وفهريان، فالكلاعيان هما ابن القصيرة وابن عبد الغفور، والفهريان أبو القاسم ابن الجد وأبو محمد ابن عبدون، (إحكام صنعة الكلام: ١١٠) وكانت صلة ابن بسام بابن عبدون وثيقة وقد صور اللقاء الأول بينهما في القسم الأول والثالث ١: ١٤٤، ٣: ٤٩٨ (وانظر إحكام صنعة الكلام: ٢٦٠)؛ كما أن ابن عبد الغفور صور علاقة ابن عبدون بأبيه (إحكام: ١٤٨) وكيف تصافيا بعد خصام، وأبرز اعتداد ابن عبدون بنوع من النثر يقال له المبتدع (١٥٧) ولابن عبدون ترجمة في القلائد: ١٤٥ والخريدة ٢: ١٠٣ (وكناه مرة أبا بكر ومرة أبا محمد) والمغرب ١: ٣٧٤ والرايات ٣٢ (غ) وبغية الملتمس رقم: ١٥٦٧ (وقال إنه كان في حدود الأربعمائة فوهم أو عنى شخصا آخر) وصلة الصلة: ٤٢ والتكملة: ٤٠٧ (وكر أن وفاته كانت بعد ٥٢٠) والمعجب: ١٢٨، ٢٢٨، (وأورد له رسالتين لم يوردهما ابن بسام) والمطرب: ١٢٧، ١٨٠ والفوات ٢: ٣٨٨ والزركشي: ٢٩٨ وأورد ابن بشكوال ترجمة في الصلة: ٣٦٩ لمن سماه عبد المجيد بن عبد الله بن عبد ربه الفهري وذكر أنه توفي سنة ٥٢٧؛ وانظر صفحات متفرقة من إحكام صنعة الكلام ومن نفح الطيب (وفي ج - ١: ٦٧٣ نقل لترجمة ابن عبدون عن القلائد) والريحان ١: ٨١ ب - ٨٦ / أ. الأصل: في الغر أنه كمر الثوب، يقال طويت الثوب على غره أي على كرسه الأول.
[ ٤ / ٦٦٨ ]
لسان صدقها في الآخرين، وقمر أفقها ملأ الصدور والعيون، وديوان علمها المذال والمصون، ومسترق كلمها المنثور والموزون، أعجوبة الليالي، وذروة المعالي، ذو لسان يفري ظبة السيف، وصدر يسع رحلة الشتاء والصف، أفصح من صمت ونطق، وأجمح من صلى وسبق، عول من ملوك الطوائف على رئيس بلده المتوكل، فعليه نثر دره الثمين، وباسمه حبر وشيه المصون، وقد رحل إلى المعتمد فكأنه لم يجد قبولا، ولا وافق منه رأيا جميلا، وقد رحل إلى المعتمد فكأنه لم يجد قبولا، ولا وافق منه رأيا جميلا، وأراه إنما أتي من ازورار جانبه، وبعد مطالبه، فلما صمت ذكر ملوك الطوائف بالأندلس، طوى الشعر على غره (١)، وبرئ من حلوه ومره، إلا نفثة مصدور، أو التفاتة مذعور، وهو اليوم ببلد يابرة يرتشف (٢) فضل ثماده، ويأكل من بقية زاده؛ وقد أثبت من نظمه الرقيقة حواشيه، الرائقة أعجازه وهوادبه، ونثره الغضة مجانيه، المبيضة مجاليه، ما يشهد له بالفضل، شهادة البرهان على الشكل.
_________________
(١) الأصل في الغر أنه كسر الثوب، يقال طويت الثوب على غره أي على كسره الأول.
(٢) م: يرشف.
[ ٤ / ٦٦٩ ]
نسخة (١) له خاطب بها الوزير أبا (٢) القاسم بن الجد يخطب فيها وده، ويستجلب ما عنده، قال (٣) فيها: يا راية مجد رفعت، فإن تلقيتها باليمين، وأعطيتها الثناء، الثمين، شددت عليها يد الضنين، وشريعة فضل على مائها (٤) أحلق وأحوم، وبصفائها أجد (٥) وأهيم، وفي ابتغائها أقعد وأقوم، فلو وصل رشائي بباع، من رجع جواب واجتماع، لبردت غلة ذلك الاشتياق والالتياع، وإن تعذر لقاء، فقد انتشر ثناء، امتلأت الأرض منه السماء، ووصف عز الأوصاف وغلبها، وهز الأعطاف وجذبها، وذكر ملأ الآذان حليا، والآناف ريا، والأفواه أريا، ونبل جلت مطالعه دياجي الأوهام، وصقلت (٦) مواقعه صوادي الأفهام، ومجد رد الليالي الدهم زهرا، والمساعي البهم غرا، فوددت أن أعار جناحي طائر، فأكون لكعبة ذلك الجلال أول زائر، فأقرن هناك حجة بعمرة، وأفوز من عمادي - وصل الله علوه - بنظرة، توسع عيني قرة، ووجهي نضرة، وأعشو إلى ذلك الضياء، وأرى محلي من تلك السماء؛ ولله دهر أطلعك أفقه، ووقت وسعك طلقه، ما أكرم طبيعته، وأضخم دسيعته، وأشرف في الأوقات خيمه، وأعبق في الآناف شميمه، وأرق على الأنفاس نسيمه! ! وبحقك أقسم، وألتزم من ذلك ما ألتزم،
_________________
(١) م س: نسخة رقعة.
(٢) م س: أبو.
(٣) قال: زيادة من م س.
(٤) ط د: ثنائها.
(٥) ط د: وبصفاتها أحدو.
(٦) م س: وروت؛ وعلى هذه القراء تكون " صوادي " بمعنى " عطاش "؛ أما على القارءة المثبتة فإن " الصوادي " تعني التي أصبحت صدئة تحتاج إلى صقل.
[ ٤ / ٦٧٠ ]
لقد أظهر بك شرفه وبين، وأخذ منك زخرفه وازين؛ وجعلك غرة بهيمه، وغارة (١) [١٢٦ ب] مليمه، والحجة على خصومه (٢)، وأبدى سرا طالما كتمه وأخفاه، وشرح معنى شد ما أبهمه وعماه، فلو كنت في الأزمان السالفة لوددت أن يتقدم دهري فألقاك، أو في الأوقات المستانفة لحمدت أن يتأخر عمري فأراك، فكيف وقد ضمني معك عصر، وجمعني وإياك غهر، وأنا أخطب إلى عمادي - أدام الله عزته - مودته عقيلة، وأجعل رحمي الأدب والنسب وسيلة، وأبذل من تحلية حمدي وشكري مهرا، وأبني لها بين سحري ونحري قصرا، وأسدل عليها من الإشاعة والإذاعة سترا، وأحليها (٣) من مشدود موائق ومعاقد، بمسرود مخانق وقلائد؛ والله جل وعلا يعينني (٤) على فرضه أؤديه، وقرضه أقضيه، ومن (٥) جزيل تحيتي، على سيدي الأعظم وإمامي، ما يفعم رياه الخافقين، ويقر مرآه كل عين، ينقاد من غير قائد، وينساق من غير سائق، إذا انتهت أولاه، عادت أخراه، وإذا صدقت تباشيره، برقت أساريره، يحيي مغناه، عند (٦) سروبه وسراه.
فراجعه الفقيه (٧) بما نسخته: يا روضة أدب غذيت برهم
_________________
(١) ط: وعذرة؛ س د: وغدرة.
(٢) ط: خصوصه.
(٣) م: وأحلها.
(٤) ط د: يعيننا.
(٥) من هنا حتى آخر الرسالة ورد غير منسوب في إحكام صنعة الكلام: ٨٣.
(٦) عند: سقطت من ط د.
(٧) الفقيه: سقطت من م س.
[ ٤ / ٦٧١ ]
الفهم، وسقيت بديم حسن الشيم، ما أدمثت رباك، وأطيب شذاك، وأزكى قرارك، وأذكى عرارك! لقد شرقت بأزهارك (١) زهر النجوم، ولبست من الكمد والحسد زي الوجوم، وبطل لنفحات (٢) شذاك ورياك أرج (٣) العبير، وتعطل لما وشت يداك واكتسى ثراك نسيج الجبير، لله در (٤) تحفة أهديت (٥) من تحفك! ما أنظر جناها، وأزهر سناها، وأبهر لفظها ومعناها! ! لقد ضمنت من بدائع الكلم فقرا شوارد، وقلدت من نواصع الحكم دررا فرائد، وخلعت (٦) علي خلعة نبل أو كسي مثلها أويس (٧) لاهتز طربا، أو سلي بشبهها قيس لعاد نبع وجده غربا، لا جرم أنها حلاك، تبرعت بها علاك، وصفاتك، تجافت عنها مصافاتك، فيا لها منة لا يكافئها ثمن، ولا يسمح بمثلها زمن، ومنحة تتضاءل لها بيض النعم، وتتقاصر عنها حمر النعم.
وما زلت أستنشق من عرف أنبائك، ما يرغب في اقتنائك، وأتحقق من قلة أندادك، ما يبعث على خطبة ودادك، لا سيما وقد جمعتنا عناصر، وضمتنا من سهم الأدب والنسب أواصر، لكن تحاميت المفاتحة هيبة لبراعة إحسانك، وبلاغة يدك ولسانك، ومن ذا ينازعك رتبة
_________________
(١) م س: بأزاهرك.
(٢) م: نفحات.
(٣) م س: ريح.
(٤) د ر: سقطت من م س.
(٥) م س: أهديت لي.
(٦) م: وجعلت.
(٧) أويس القرني مضرب المثل في الزهد، توفي في خلافة عثمان (سنة ٣٧هـ -) انظر طبقات ابن سعد ٦: ١١١ وحلية الأولياء ٢: ٧٩؛ وقرن - بفتح الراء - بطن من مراد.
[ ٤ / ٦٧٢ ]
البيان، ولو سحب ذيول سحبان، أو نطق بلسان حسان؛ وإن كانت للكلام إمارة فأنت فارس منابرها، وطاعن محابرها، ومقلد (١) علمها ولوائها، ومذلل صعرها والتوائها، ولئن كنت - أعزك الله - من غرائب المغرب، لقد زهيت لك المشارق، وحليت بجواهرك ونوادرك المهارق، ولما صح لك فضل التقدم إلى صلة الأسباب، ومفاتحة هذا الباب، تعين الجواب (٢)، وإن أنبط من حسي بكي، وقلب غير ذكي، وناهيك من خجل من يقيس الصفر بالذهب، ويعرض الخمود للهب، فتكلفت المراجعة اضطرارا، واستشعرت اعترافا بفضلك (٣) وإقرارا، وأنت بسروك تصفح عن هناتها؛ وتقيم أود قناتها، ولولا حق الاقتضاء، والثقة بكرم الإخاء، لأحجمت ذعرا، وقدمت عذرا.
وأما المودة التي خطبت بفضلط بكرها، واستوجبت حمدها وشكرها، فقد زففتها إليك مشرقة الجبين، بنور الحق المبين، ضاحكة الترائب، على حسن (٤) الضرائب، تتأود في حلل الثناء (٥)، تأود الكاعب الحسناء، وتحمل من نطف الصفاء، ما يزري على الديمة الوطفاء، فإن وافقت لديك وجها خصيبا، واستحقت من رضاك وقبولك نصيبا، فقد فاز قدحها، ووري قدحها، ولم يخب سعيها وكدحها. وظني أنها ستسعد بارتضائك، وتهتز في أيد انتضائك، وتأنس بحوارك، وتسكن إلى جوارك،
_________________
(١) م: ومتقلد.
(٢) الجواب: سقطت من م.
(٣) م: لنفسك.
(٤) يحلى حسن؛ وسقطت " حسن " من ط.
(٥) في الثناء سقطت من م.
[ ٤ / ٦٧٣ ]
[١٢٧ أ] والله تعالى يبقيك، مرغوبا فيك، وأقرأ على سيدي سلاما دائم الاتصال، عطر البكر والآصال، يتكرر تكرر الأنفاس، ويخضر دائما اخضرار الآس.
وكتب أيضًا أبو محمد (١) إليه برقعة قال فيها: يا أعظم من لو سريت بأنواره لاهتديت، وأفخم من لو اقتديت بآثاره لاكتفيت، ومن أبقاه الله لفخر آبائه يفضله إلا من بنيه، ولستر إغضائه يسدله على مستحقيه، ولعذر أوليائه يقبله على ما فيه، كتبت عن قريحة خمد (٢) لهيبها، ونحيزة ركد هبوبها، وذهن امحت أضواؤه، وطبع أخوت أنواؤه، وجنان فل ظبته (٣) الكسل، ولسان عقد عذبته الخجل، ندبته إلى الاحتفال فانقطع، وبعثته على الاسترسال فامتنع، وقال: في كل حين تعرضني على العيون، بوجه مجدور، بكل نجه (٤) جدير، فقلت: لا عليك، ولتشب نفسك إليك، العذر إن شاء الله بين يديك؛ حامل الرقعة إلى عمادي - وليته لم يحملها إليه، ولم يطلعها عليه (٥)، ولم يضعها بين الكريمتين (٦) يديه - حفزني أشد حفز، واختطفها (٧) من يدي اختطاف الذئب دامية العنز، ومنعني من النظر فيها، وتصفح ألفاظها ومعانيها، فأسقطت لفظتين، كانتا
_________________
(١) م س: أبو محمد أيضًا.
(٢) إلا من خمد: سقطت من م.
(٣) م س: الطيبه.
(٤) م س: نجد.
(٥) ولم يطلعها عليه: سقطت من ط.
(٦) الكريمتين: زيادة من م.
(٧) م: واستخطفها.
[ ٤ / ٦٧٤ ]
بين سطرين، فاتفق بذلك نوع من الإغراب، لم يقع في باب من الإعراب، ولا سمع من العرب ولا من الأعراب، ولم يقع في حساب، فكيف في كتب -! ولئن وما أولاه بالتعثير، وغير كلمي وما أجدره بالتغيير، ما بهر من جلالك، وتعين من إجلاك، فمن رام الصعود إلى السماء زل، أو المكاثرة بالهباء قل، أو المظاهرة على الرؤساء ذل؛ وبين يدي نجواي صدقة على الكتاب أقدامها، وكلمة من الصواب أغتنمها: من طمع في مجاراتك قطف (١)، ولو ركب البرق، ومن دفع إلى مباراتك تخلف، ولو سبق الخلق؛ وإن وصلت تلك الرقعة تتعثر ألفاظها في معانيها، وتتبرأ من تواليها، ووافتك ترسف من مهابتك في عقال، وتقف من سيادتك بين انقباض واسترسال، فلك - أدام الله عزك - شرف الاهتبال وكرم الإجمال، في إرخاء ستر وأسدال سجف، على ما فيها (٢) من جفاء بشر وإخلال حذف؛ فقبح الله العجلة فما أسوأ آثارها، وأكثر عثارها وأكبر شنارها، وأوحش غلطها، وأفحش سقطها! وقديما تحامتها الحكماء، وتبادرتها العقلاء، من ركبها لم ينج - لو أقيل - من عثار، ومن صحبها لم يخل - لو قبل - من اعتذار، والله جل وعلا يعلي قدر عمادي على الأقدار، ويجعل إليه وفي يديه مقاوم الليل والنهار، ويديم ستر إغضائه، على أودائه وأوليائه، ويزيل وحشة أرضه بتأنيس سمائه.
وكتب (٣) إليه أيضًا برقعة ثانية يقول فيها: يا حامل يراعي
_________________
(١) قطف: مشى ببطء.
(٢) عند هذا الحد تنتهي النسخة م.
(٣) تنفرد س بهذه الرسالة، ولرداءة هذه المخطوطة فإن إقامة نص صحيح تماما منها أمر بالغ العسر.
[ ٤ / ٦٧٥ ]
الأعظم، ومعول انقطاعي الأقوم، ومعقل امتناعي الأعصم، ومن لا زال جنابه للأمطار رضيا، وبابه للأوطار شفيعا، ترشح فيه نعم الأيام، وتقسم أرزاق الأنام، سلام الله وروح رحماه، ونفح سقياه، عليك من روضة نجد، وزهرة حسن لا زهرة حزن، ما أغدق صوبها، وأغزر شربها، وأرسخ وهاد مطاويها الشريفة، وأشمخ نجاد مباديها المنيفة، وأشهر بغرر المجد وحجولة بطون مجانيها، وأغمر بدرر الرفد وسيوله ظهور روانيها، وأصفق غيوم كرم تسقيها، وأرق نسيم شيم يجري فيها، وآنق تسبيح لسانها، وأعبق رائح أنفاسها، وأخلص شذاها إلى الأرواح، وأعرض رياها على الأفواح، وأضحك ثغور أقحوانها ووارف نورها، على رقص قدود أغصانها وغناء طيرها، لقد حيا بها نفوسنا فشفاها، وكساها من حر أزاهر الكرم ما كساها، وحلاها من درر نوادر الحكم بما حلاها، وأجرى هوامي الخير والحمد من أصولها وفروعها، وأبدى مطاوي النور من كمونها وبروعها، فهام رعانها محلاة الأكاليل بمحاسن من المفاخر العظام، وأجسام غيظانها موشاة السرابيل بتزايين من المآثر الجسام، وأبقى من أرواحها، في رؤوس أدواحها، ألسنا تثني عليك بالجميل، ودموع أندائها تخلق في وجوه مائها نوالك بالقبول، فلا لحق أزهار خلالك ذبول، ولا طرق أنوار خصالك أفول، ما مشى بالقسيم، بريد النسيم، بيم الأزاهر والخياشيم.
يا مرادي الحفي، ومن أعلى الله أمره السني، وصلني كتاب كريم، طلعت علي منه نجوم، أستغفر الله تعالى بل رجوم، هوت من أساطيري على شياطين فأحرقتها بنور الحق المبين، ومحقتها محق ضياء اليقين، ظلام الشك الظنين، وتلقفتها تلقف عصا موسى حبال الملقين، وقبل نظري إليه وفيه، قبلت يد موشيه ومهديه، وخفت أن أمحو سطوره تقبيلا
[ ٤ / ٦٧٦ ]
فوضعته لرأسي إكليلا، وصرت به على الدهر أميرا، وكيف لا و[قد] ملأ عيني نورا وقلبي سرورا، ويدي مسكا وكافورا، وداخلت نفسي منه قوة لا أعرفها، فكيف أصفها، ولا أدريها، فكيف أحكيها - وهي - أظن - ما يداخل المضل إذا أنشد فوجد، والمقل إذا استعدى على الدهر فأعدي بنغبة الحيا، فقال: يا رفاه، فرحا بسقياه، وأنا أقول ذلك ألفا، وأضع خدا وأرفع كفا، فرحا بما أولى عمادي - أعلى الله قدره - من مسار متناصرة، ومبار متظاهرة، لا ينبري إليها شكر، ولا يحتوي عليها حضر، ولولا رجائي - بلقائه، واعتزائي إلى ولائه، ما حاسنت البقيع المزهر بشجرة، ولا ماتت الربيع المخضر بقطرة، وأرجو أن يسمح بالعفو، ويصفح عن الهفو، ويلقي عليه ستر معروفه، ويغطيه بسجف من سجوفه، والله تعالى يقيه ويبقيه، مشكورا أياديه ومساعيه، قريرة عيون أودائه وأوليائه فيه؛ ومن سلامي على عمادي المعظم، وإمامي المقدم، ما لا يخلف مكانه قطر، ولا ينوب منابه زهر، ولا يقوم مقامه عنبر، ولا يشق قتامه مسك أذفر، يلوح بلغة لكل رامق، ويفوح عبقه لكل ناشق، ما أديل لشارق، وسارب بطارق، والسلام.
فكان من جواب الوزير الفقيه أبي القاسم له على ذلك ما نسخته: تمهدت لك يا عمادي أكناف الهمم، ودرت عليم أخلاف النعم، وألقت إليك مكنون ضمائرها ومصون جواهرها أصداف الحكم، فما أتم فضائلك وشمائلك، وألم (١) بأنوار المحاسن خمائلك، وأسمح بكل جوهرة ثمينة ولؤلؤة نفيسة بحارك، وأنفح الآداب بل بأرواح الشباب أصائلك
_________________
(١) س: وأنم.
[ ٤ / ٦٧٧ ]
وأسحارك! ! وأكرم بخاطبين لك تسابقا إلي وتلاحقا لدي، كما لحق المصلي السابق، وتطلع الضحى غب الشارق، وتدفق الحيا إثر البارق، أو كما شفع المولي الطوق بالسوار، وجمع العروس بين بهجة الحلي ونفح الصوار (١)، وأنجد البطل (٢) المبارز المغوار، فما طويت للمتقدم مطارف، حتى نشرت من المتأخر رفارف، وما انحسرت عن محاسن الأول معاجر، حتى سحرت من براقع الآخر محاجر، وقد كان السابق منهما (٣) ما يملأ بهرا مدارج نفسي، ويملك دهرا أعنة خرسي، ويوسع لساني وجناني إفحاما، ويوجب لدواعي الانقطاع بين يدي ازدحاما، فكم تقلد من درة فكر لفظها بحرك العذب الزلال، ونفث فيها سحرك الحلو الحلال، فلم تقنع لغامر [١٢٧ أ] بحره، وباهر سحره، حتى شددت عرى أواخيه، بقوى أخيه، وأمددت مذانب سربه، بتلاع تربه؛ فلئن كان الأول قد استعار من الجوزاء مرطا، لقد استمنح الآخر من الثريا قرطا، ولئن ورد السابق من موارد النثرة نغبا، لقد شرب اللاحق من ماء المجرة ثغبا، فهلا كففت استنان خيلك، وأمسكت قليلا عنان سيلك، وثنيت من غرب غرائبك، وجريت على سجاحة ضرائبك.
وقد كان من حق الإخاء أن لا تهب من عواصفك على نسيم عليل، وتجهز كتائبك إلى عدد قليل، وحد فليل، وبدون هذا كنت أواليك مبايعا، وأعطيك صفقة يدي بالعجز طائعا، فلست ممن يعارض قوة البرهان بضعف الإقناع، ويشتبه عليه فرق ما بين الإمكان والامتناع، وإني لأعلم
_________________
(١) الصوار: وعاء المسك.
(٢) البطل: سقطت من س.
(٣) في الأصول: منها.
[ ٤ / ٦٧٨ ]
ممر سهمي فأقف وأنصرف، ومنتهى علمي فأنصف وأعترف؛ وأما العذر الذي بسطته في معنى الوهم، فقد كنت غنيا عن مد أوضاحه، وحريا باطراحه لاتضاحه، وهيهات أن يلتبس عليك الغريب، فكيف القريب -! أو يشتبه لديك الخفي، فكيف الجلي -! وما حسبته إلا تميمة في صدر الكتاب، تصرف عنك أعين الكتاب.
وبعد - باعدتك الأسواء - فإن رسمي في صناعة الكتابة قد دثر، ونظمي في ضبط معانيها قد انتثر، ولم يبق عندي إلا أثر خراب، أو لمع سراب، فإذا امتريت خلفها در بعسر، وعلى قسر، وتحلب رسله بضجر، كأنما يتفجر من حجر. وهي خطة مدارها على الإقبال، وفراغ البال، وزمامها في يدي الشباب، مع توكد الأسباب؛ وأنا - أعزك الله - قد عطلت صهوة جوادها، ونزلت عن ذروة أعوادها، فلا ترهقني فيها عسرا، ولا تحملني من مناهضتك إصرا، وتوخ بفضلك معي جانب الترفيه والتخفيف، وتقبل مني عفو اليسير اللطيف، وأقرأ عليك من سلامي ما يربي على القطر، ويزري بعنبر الشجر، ويبقى ميسمه في صفحة البدر.
قال ابن بسام: قول أبي القاسم: " وما حسبته إلا تميمة في صدر الكتاب " احتذى في ذلك حذو أبي المغيرة بن حزم، في فصل خاطب به ابن عمه الفقيه أبا محمد بن حزم في حرف همزه، مما لا يهمز، فقال له (١):
ومن أين نفذ صبرك حتى همزته همز عامر بن الطفي، قرنه في
_________________
(١) انظر القسم الأول من الذخيرة: ١٦٣ - ١٦٤.
[ ٤ / ٦٧٩ ]
سواد الليل، وما أظنك جعلتها إلا تميمة، لتلك القطعة الكريمة، وامتثالا لقول القائل:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى عيب يوقيه من العين فصول من ترسيل أبي محمد
فصل له من رقعة عتاب: سلام على من نظر بقلبه لا بعينه، وحكم بيقينه لا بظنه، ونطق بعقله لا بهواه، وأخذ من دنياه لأخراه، ولم يستفزه قال ولا قيل، ولم تهزه تلك الأباطيل. وبلغني قول من قضى علي بالظنة، وحكم بالشبهة، وللمقولات طرق لا يتعداها متجاوز إلا نسب زيغها إليه، لا سيما في ضربة توجب حدا، وتضرع خدا، وتفل من فاضل حدا، لم يطلع مشيعها مني على ريبة، ولا وقف مذيعها على حقيقة، بل افتراء من مفتر، وادعاء من مدع، في تلك التي لا أسميها، فإني طلقتها قبل الدخول ثلاثا، " ونقضت حبل وصالها أنكاثا "، قبل هذا والزمان مساعد، والسلطان مهاود، فكيف بها الآن، وقد علت الإنسان أبهة [الكبير] (١) ووخطته (٢) واعظة القتير، ورد ما استعار من الشباب إلى المعير، وهجر كل الهجر من ذاقها شميما، ورفض كل الرفض من لم يكن إلا على
_________________
(١) الكبير: زيادة من س.
(٢) كذا في النسخ، ويمكن أن تقرأ أيضًا " ووعظته ".
[ ٤ / ٦٨٠ ]
الحديث نديما (١) . وأقسم وأعرف، بما أقسم، وألتزم من ذلك ما ألتزم، لقد تركتها خوفا للمعاد، لا رياء للعباد، إذ الصيانة أذكى عتاد، فكيف وأنا تحت نعم من الله ضافية، ونوافل متوالية، وفواضل رائحة وغادية -! فلا تظن أن تنصلي لمعذرة أريد [١٢٨ أ] قبولها، وأحب تبليغها وتوصيلها، لا والذي صير العقل لصاحبه خصما، وجعل بعض الظن إثما، ولا قصدت من قصدت إلا تطوعا، ولا زرت من زرت إلا تبرعا، ولقد أذهب بنفسي عن كل طمع، وأرغب بها عن كل حرص وجشع.
وله من أخرى: كتبت والعهد يرف ماؤه، ويشف ضياؤه، وتتألق غرته، وتشرق أسرته، والود كما تدريه، لا مزيد على ما تعلم فيه، وإن كانت القلوب تتناجى على البعاد، بألسن الوداد (٢)، وتتراءى على الفراق، بأعين الوفاق، فربما أحوجت دواعي الأيام، إلى المفاوضة (٣) بالأقلام، لضرورة لا بد من الإفصاح عنها، والخروج شفاها (٤) منها.
وغاب فلان - أعزه الله - وأنت تواليه وتناصره، وتؤاخيه (٥) وتظافره، فلك الفضل في إيصال أحرفي، والعذر على (٦) تخلفي، فكان يجب أن أزوره
_________________
(١) في إشارته إلى ترك الخمر يومئ إلى قول أبي نؤاس: أيها الرائحان باللوم لوما لا أذوق المدام إلا شميما فاصرفاها إلى سواي فإني لست إلا على الحديث نديما (٢) ط د: المداد.
(٢) ط د: المعارضة.
(٣) ط د: سفاها.
(٤) ط د: وتواضيه؛ س: وقواصيه (اقرأ: وتواصيه) .
(٥) س: عن.
[ ٤ / ٦٨١ ]
ولو على قدمي، ولا أخاطبه إلا بفمي لا بقلمي، لكن هي الأيام وعواديها، والأقدار ومجاريها، ولو أعطيت أعنة الاختيار، لطرت إلى جنابه كل مطار، ولكنت في بابه أوثق مسمار، وإن كانت مهلة انحشرت في زمرته، وتشرفت بخدمته.
وله من أخرى: لو أن جهتي غضة على مطاويها، لم تؤثر أيدي الغير فيها، ولا تحيفتها الفتن بحوادثها، ولا نظرت إليها المحن بكوارثها، لوجب علي المبادرة إلى الهجرة، والتحول إلى الحضرة، التي الفقيه الأجل القاضي سيد الأمة فيها، وبيديه أزمة أوامرها ونواهيها، ولحق على مثلي الانحياز إلى فئته، والانحشار في زمرته، والانحياش إلى جنته، ولكان تنقلي لذراه، لتقيل بعض سجاياه، على حسب قدرتي، ومبلغ منتي، ومنتهى قوتي، ولعذت بعلاه من أن أرجع أعرابيا بعد الهجرة، وبدويا بعد لزوم الحضرة، فكيف أنا آخذ من اجتبائه بأوفر قسم، وأضرب في ولائه بأوفر سهم -! وجهتي خاوية على عروشها، خلية من أنيسها، فبينها وبين النصارى، أقصر من إبهام الحبارى، هي مجر عواليهم، ومجرى مذاكيهم، ومورد صاديهم، وموقد صاليهم، ومخفق أعلامهم، ودرية سهامهم (١)، ومسرح جيادهم، ومركز صعادهم: الخروج عنها غنيمة، والسلامة فيها هضيمة، ومن تفرد بالجلالة تفرد عمادنا، وتوحد بالسيادة توحد مصادنا، استجنى مؤمله من الليالي والأيام، ثمرة بسوقه على الأنام، ولم يزل يستثني هبة تلك المخايل الراعدة البارقة، ويقتضي عدة تلك الشمائل الصادقة. وها أنا بين يدي اختباره، فليجد في اختياره (٢)، فإن رأى
_________________
(١) أقصر من سهامهم: اقتبس ابن بسام بعضه: ٣٧٤ س: ٩ - ١١.
(٢) ط: اختاره.
[ ٤ / ٦٨٢ ]
موضعًا لجميل رأيه (١)، وإن ألفاني مضطلعًا بأعباء ولايه صمم، ولا رغبة إلا فيما يزلف لديه ويقرب منه، دافع الله للمجد والسرو عنه:
وما أسفي إلا على فوت رتبةٍ عليها مضى قومي ولم أك تاليا
وأنت على رفعي ووضعي حجة فكن لي على أولاهما بك جاريا وله من أخرى: كاتبي عن عهد طال زمانه، واستطال سلطانه، ووقت لا يحرزه حساب، ولا يحصره كتاب، ولا يحويه ولا يجمعه، ولا يحصيه عد (٢) ولا يسعه، وحالت بيننا في الأكثر أقاليم، لا يقطعها الإيجاف ولا الرسيم، ولا تهتدي في طرقها النجوم، لا أقول: مجاهل ومعالم، بل أقلايم وعوالم، لا يفهم الحداث فيها إلا التراجم (٣)، ولا تقطعها الجياد بشدها، ولا الركاب بوخدها، فهنيئًا للحضرة وجميع أهل الملة حضورك، وفي مقام (٤) المجد مقامك الميمون ومسيرك، ولولا آلام تناوبت، وأسقام تعاقبت، لتلقيت أوبتك السعيدة بقدمي، ألا بمدادي وقلمي، والله يملي الإسلام عمرك، ويحمل عنا - معشر أوليائك - شكرك.
_________________
(١) ط د س: أقام.
(٢) ط: ولا يجمعه عدد.
(٣) من قول المتنبي ديوانه: ٣٧٦): تجمع فيه كل لسن وأمة فما تفهم الحداث إلا التراجم
(٤) س: سبيل.
[ ٤ / ٦٨٣ ]
ما أخرجته من شعره الرائع، الكثير البدائع
له من قصيدة في المتوكل (١): [١٢٨ب]
وافاك من فلق الصباح تبسم وانجاب من غسق الظلام تجهم
والليل (٢) ينعى بالأذان وقد شدا بالفجر طير البانة المترنم
ودموع طل الليل تخق أعينًا يرنو بها من ماء دجلة أرقم
يا صاحبي بين الصراة ودجلة ودعا العلاقة مسعد ومتيم
هل في لحاظك إنما هي عطفة زهر على خضر الربى أو أنجم
بيض كما ضحكت حواشي روضة وشى السماك ملاءها والمرزم ومنها:
خبطت بنا ورق الظلام سوابح ملء النواظر سيرهن توهم
فإذا سرت فالليل منهم أبيض وإذا غدت فالصبح منها (٣) أدهم
بيني وبين الدهر يوم مثله والبيض تشهد والصوارم تحكم
ومن المشاهد كالشهود سوامع ومن الأسنة ألسن تتكلم وهذا من الكلام الذي لا يجهل مناره، ولا يشق غباره.
_________________
(١) منها ثلاثة أبيات في الفوات ٢: ٣٩١.
(٢) ط د: يبغي؛ س: تنفى، والتصويب عن الفوات.
(٣) ط: منهم.
[ ٤ / ٦٨٤ ]
ومنها:
سامت لساني فيك يا ابن محمد مقة إذا كتم الهوى لا تكتم
ومحبة موروثة مكسوبة بدئ الزمان بها وعنها يختم
وإليك من بنت الضمير حديقةً غناء تنجد بالرواة (١) وتتهم
طبقت آفاق الكلام فلم أدع زهرًا يرف ولا جمانًا ينظم
وحدوت من غرر البديع بأينقٍ أنا خلفها بادي العروق محرم
وتركت أرض الغرب وهي كأنما بي عالج أو ضارج أو زمزم
ورحمت في الآداب كل مسفسفٍ يثغو إذا هدر الفنيق المقرم
والفهم قد غارت نجوم سمائه والعلم وحي والطروس تترجم
لله درك هل لمجدك غاية إلا وأنت بها معنى مغرم
وعلاك لي ردء وجودك في يدي ماضٍ كرأيك في الخطوب مصمم
هزتك أرواح السماحة بانةً ومن الرجاحة في حماك يلملم
وتعلمت منك الغمامة شيمةً تهمي وفيها للبروق تبسم قوله: " من كل هفهاف العنان " البيت، أخذه من قول بشار، حيث يقول (٢):
ثم انثنت كالنفس المرتد وقوله: " وإذا سرت فالليل منهم أبيض "، من قول محمد بن هانئ (٣):
_________________
(١) ط: بالدوات؛ د: بالدواه.
(٢) ديوان بشار: ٨٥ (جمع العلوي) .
(٣) ديوان ابن هانئ: ١٩٠.
[ ٤ / ٦٨٥ ]
قد طلعوا بالشهب صبحهم فلو (١) عقدوا نواصبها أعادوا الغيهبا وألم بعض ألمام، بقول أبي تمام (٢):
كظلمة (٣) من دخان في ضحى شحب (٤) ولأبي محمد بن قصيدة أولها:
لمن أينق تأكل الأرض وخدا تريني العوالي إلى الغرب تحدى من قصيدته هذه بيت يستظرف فيما وصف من طعنة غلا في سعتها حتى أدخل عليها الفيل، [١٢٩أ] وأراق من دمها ما يربي على النيل، فقال:
له طعنة يدخل الفيل منها إذا الطعن مزقت الزغف نقدا ومن الإفراط في وصفها قول قيس بن الخطيم (٥):
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ لها نفذ لولا الشعا أضاءها وذكرت بخير هذه الطعنة قول رجل من شيبان (٦):
_________________
(١) الديوان: واستأنفوا بشياتها فجرًا فلو.
(٢) ديوان أبي تمام ١: ٩٥.
(٣) الديوان: وظلمة.
(٤) ط د: سرب.
(٥) ديوانه: ٧ والمعاني الكبير: ٩٧٨ والسمط: ٨٩٤ والمختار: ٩١.
(٦) هو ثعلب (أو ثعلبة) بن عمرو الشيباني، انظر فصل المقال: ١٥٧ والسمط: ٥٣ والحماسة شرح التبريزي ١: ٢٢٠ والمرزوقي: ١٤٦.
[ ٤ / ٦٨٦ ]
فأتبعته طعنةً ثرةً يسيل على النحر منها صبيب
فإن قتلته فلم (١) أرقه وإن ينج منها فجرح رغيب يقول (٢): إن قتلته الطعنة فلم أدع جهدًا، وإن سلم فقد تركت به جرحًا رغيبًا، أي واسعًا.
وقوله: " لم أرقه "، كانوا يزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برئ، كما قال زهير (٣):
عشية عاودت الحليس كأنما على النحر منه لون بردٍ محبر
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت فطعنة لا غس ولا بمغمر وقال حاتم الطائي (٤):
سلاحك مرقي فلا أنت ضائر عدوًا ولكن وجه مولاك تخمش وقال أبو محمد بن عبدون من قصيدة (٥):
مضوا يظلمون الليل لا يلبسونه وإن كان مسكي الجلابيب ضافيا
_________________
(١) السمط: فلم آله.
(٢) متابع للسمط: ٥٤.
(٣) هو زهير بن مسعود كما في السمط: ٥٥ وفصل المقال: ١٥٧ والألفاظ: ١٤٣ والجمهرة ١: ٩٣.
(٤) السمط: ٥٥؛ ويروى: مولاك تقطف (اللسان والتاج: قطف) .
(٥) انظر الفوات ٢: ٣٩١ وقد استخدم ابن عبدون بعض أبيات هذه القصيدة في رسالة، (انظر إحكام صنعة الكلام: ٢٤٧) .
[ ٤ / ٦٨٧ ]
يؤمون بيضًا في الأكنة لم تزل (١) قلوبهم حبًا عليها أداحيا
وأغربة الظلماء تنفض (٢) بينهم قوادمها مبلولةً والخوافيا
إذا مرقوا من بطن ليلٍ رقت بهم (٣) إلى ظهر يوم عزمة هي ما هيا
وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجى إليها كماةً والرياح (٤) مذاكيا
ولو أنها ضلت لكان أمامها سنا عمر في فحمة الليل هاديا
وصلت به الهيجا عليه وسلمت فما ارتضيا حاشاه ساقًا وساقيا
همام أقام الحرب وهي قعيدة وروى القنا فيها وكانت صواديا
شريف المطاوي تحت ختم ضلوعه تميمة تقوى ردت الدهر صاحيا
إذا قرئت لا بالنواظر (٥) طبقت سرى (٦) أختها ذات البروج مساعيا
وهدي لو استشفى المعنى بروحه لما كان بالوجد المبرح صاليا
ورقة طبع لو تحلى بها الهوى لأعدى على عصر الشباب البواكيا
إليه أكلت الأرض بالعيس ثائرًا وقد أكلت منها الذرى والحواميا
حوافي لا ينعلن والبعد آذن على نفسه إلا الوجى (٧) والدياجيا
فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديا (٨) وسله ولم يسمع سوى الشكر حاديا
_________________
(١) ط د: حنا عليها جاحيا؛ س: جناجيا.
(٢) الفوات: فيهم.
(٣) ورد البيت في إحكام صنعة الكلام: ١٤٧ مع تغيير في الرواية.
(٤) ط د: كما تأتي الرياح.
(٥) الفوات: طابقت.
(٦) ط د س: سوى.
(٧) ط د: الدجى.
(٨) رواية البيت في إحكام صنعة الكلام: فجاء ولم يبصر كوجهك هاديا إليه ولم يسمع كشكرك حاديا
[ ٤ / ٦٨٨ ]
هوادٍ على إعجازها قيم الندى فأربح مشري حمدٍ وشاريا [١٢٩ب]
ألكني ألكني والسيادة بيننا إلى مولعٍ بالحمد يشريه غاليا
إلى آمرٍ في الدهر ناهٍ، إذا قضى على كل من فيها أطاعوه قاضيا
وحيوه لا راجين رجع تحية وإن كان جودًا لا يخيب راجيا
إليك ابن سيفي يعربٍ زف خاطري عقائل لا ترضى البروج مغانيا
وإني لأستحيي من المجد أن أرى عليّ لمأمول سواك أياديا
وأني وقد أسلفتني قبل وقته من البر ما حازت (١) خطاه الأمانيا
وأيقظت من قدري وما كان نائمًا وأبعدت من ذكري وما كان دانيا
ولكن نبا من حسن رأيك في يدي (٢) أظن حسامًا لم يجدني تاليا
ولو لم يكن ما خفت لا خفت لم أجد على غير ما أخذ متنيه اللياليا
إلى من إذا لم تشكني أنت والعلا أكون بما ألقى من الدهر شاكيا
وأنت على رفعي ووضعي حجة (٣) فكن بي على أولاهما بك جاريا
وما أسفي إلا على فوت رتبةٍ عهدتك فيها باديًا ومباديا
وكون مكاني من سمائك (٤) عاطلًا ولولا مكاني الدهر ما كان حاليا
وإن كسادي، رأس ألف صناعة ليترك وسمًا (٥) في السيادة باديا قال ابن بسام: أبو محمد بن عبدون لمكانه من صنعة الكلام، وسبقه - زعم - في غايتي النثر والنظام، أقامها مقام ألف صناعة، وكني بها واحدةً
_________________
(١) كذا في الأصول، وربما كان الأصوب " جازت ".
(٢) الفوات: نابيا؛ س: تافيا.
(٣) ورد هذا البيت والذي يليه فيما تقدم ص: ٦٨٣ وقد تغير الشطر الثاني من البيت الثاني.
(٤) ط د: يكون عاطل.
(٥) ط د: رسمًا.
[ ٤ / ٦٨٩ ]
عن جماعة، كما قال الأول:
يا عين بكي خالدا ألفًا ويدعى واحدا وفي هذه القصيدة يقول أبو محمد، وهو من حر النظام، وجزل الكلام:
فرد المنى خضرًا ترف غصونها بمبسوطةٍ تندى ندىً وعواليا
عوال إذا ما الطعن هز جذوعها تساقطت الهيجا عليك معاليا
وعاون على استنجاز طبع طبع بهبة (١) ترقص في ألفاظهن المعانيا
وأجعل أرض الروم تجلو تلاعها (٢) عليك زرودًا والحمى والمطاليا
وقد نشرت من ذي القروح وخاله وعمرو بن كلثوم عظامًا بواليا
وقيل لهم من ذا لها (٣) فتخيروا أخيرًا يبذ القائلين الأواليا
فإن نسقوا على الولاء ولم يكن بذلك فاجعل منه ظلك عاريا
وعز على العلياء أن يلقى العصا مقيمًا بحيث البدر (٤) ألقى المراسيا
ومن قام رأي ابن المظفر بينه وبين الليالي نام (٥) عنهن لاهيا ضجر أبو محمد من سكنى وطنه يابرة، وهو يكرر هذا في شعره، كقوله فيه في قصيدة أخرى:
_________________
(١) د: بهمة.
(٢) هذه مواطن في بلاد العرب، والحمى والمطالي قد جمعها الشاعر في قوله: ألا حي ليلى والحمى والمطاليا (٣) ط د: فتحيروا.
(٣) ط د: البدو.
(٤) س د: قام.
[ ٤ / ٦٩٠ ]
أنا يا (١) ابن سيفي يعرب سيفك الذي إذا شمته لم ينب واخبره تعلم
هجرت إليك الأقربين مهاجرًا ولم أرض أرضًا كل ساكنها عم
فعار على العلياء سكناي بلدةً كبلدة عالمي الأفق من دون أنجم (٢) [١٣٠أ]
فلو أن غيلانًا حوته ديارها (٣) تغنى بمي بينهم غير معجم وقوله: " قوادمها مبلولة والخوافيا "، ينظر إلى قول أبي الحسن (٤) بن حصن في سحابة (٥):
بكرت سحرةً قبيل الذهاب تنفض المسك عن جناح الغراب وقوله: " إليه أكلت الأرض " البيت، نسخة من قول حبيب، ونقض عنه (٦):
من القلاص اللواتي في حقائبها بضاعة غير مزجاةٍ من الكلم وأبو تمام إنما نظر في هذا المعنى إلى قول الأعشى (٧):
فإن عتاق العيس سوف تزوركم ثناء على أعجازهن معلق
_________________
(١) ط د: أنا ابن.
(٢) البلدة: من منازل القمر، يقال إنها لا نجوم فيها البتة.
(٣) غيلان: هو ذو الرمة، وفي البيت إشارة إلى قوله في ميتة: أحب المكان القفر من أجل أنني به أتغنى باسمها غير معجم وفي ط د: وحته في موضع " حوته ".
(٤) ط د: أبي الحصن؛ س: أبي الحسين.
(٥) انظر ما تقدم ص: ١٥٩.
(٦) ديوان أبي تمام ٣: ١٨٦.
(٧) ديوان الأعشى: ١٤٩ واللسان (غرب) وفيه: يزوركم ثنائي.
[ ٤ / ٦٩١ ]
أراد المدح الذي تحدى به من ورائها كما أن الهادي من أمامها، وهذا كقول الآخر (١):
سأرفع قولًا للحصين ومنذرٍ يطير به الغربان شطر المواسم
وتروى به الهيم الظماء وتلتقي (٢) بأمثاله منهن سجع الحمائم ويعني بالغربان أوراك الإبل؛ وقوله: " تروى به الهيم الظماء " يعني أن الماتح يتغنى بهن فينشط ويقوى على سقي إبله.
وقوله: " ولولا مكاني الدهر ما كان حاليًا "، كقول القسطلي (٣):
غريب تحلت بآدابه بلاد تواصت بتعطيله وقوله: " ترقص في ألفاظهن المعانيا " من سرقاته الغريبة، واختلاساته العجيبة، تدق عن أعدادٍ من المباني، وإنها من خفيات المعاني، وأراه أنا من قول إدريس بن اليماني، فإياه أراد، وإن كان ملح وزاد، حيث يقول (٤):
ثقلت رجاجات أتتنا فرغًا حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت تستطير بما حوت وكذا الجسوم تخف بالأرواح وقوله: " وأيقظت من قدري " البيت، هو لفظ أبي نخيلة (٥):
_________________
(١) الأول منهما في اللسان (غرب) والمعاني الكبير: ٢٥٧ وهما في الحيوان ٣: ٤١٨ - ٤١٩ ورواية الأول في المعاني والحيوان: للحصين ومالك.
(٢) روايته في الحيوان: ويطبي، بأمثاله الغازين سجع
(٣) ديوان القسطلي: ٥٤٥ (عن الذخيرة) .
(٤) الذخيرة ٣: ٣٤٤.
(٥) الأغاني ١: ٢٤٤.
[ ٤ / ٦٩٢ ]
ونبهت من ذكري (١) وما كان خاملًا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض وكشف أبو تمام هذا وحسنه، فقال (٢):
لقد زدت أوضاحي امتدادًا ولم أكن بهيمًا ولا أرضي من الأرض مجهلا
ولكن أيادٍ صادفتني جسامها أغر فخلتني (٣) أغر محجلا وقوله: " ولكن نبا من حسن رأيك " البيت، مصراعه الأول من قول أبي فراس (٤):
ولكن نبا منه بكفي صارم وأظلم في عيني منه شهاب أخذ هذا البيت بجملته ابن عمار:
أيظلم في عيني كذا قمر الدجى وتنبو بكفي شفرة الصارم العضب ولأبي محمد من قصيدة أخرى في المتوكل أولها:
هل عمروا الأفق بالآرام والعفر أم كحلوا الشهب بالتفتير والحور
والنقع قد (٥) مد جنح الليل فوقهم أم عينهم لا ترى التضفير في الشعر [١٣٠ب]
يا ليل هل (٦) صاحب في البيد غيرك لي فالنجم معي عن الإدلاج والسهر
_________________
(١) الأغاني: ونوهت لي باسمي.
(٢) ديوان أبي تمام ٣: ٩٩.
(٣) الديوان: فأوفت بي.
(٤) ديوان أبي فراس: ٢٤.
(٥) ط د: صرمد؛ ص: مرمد.
(٦) س: مؤنس.
[ ٤ / ٦٩٣ ]
أسري وأسرب لا مستصحبًا أحدًا والناس عميان لولا الخبر عن خبر
أدور فيهم وعمران يخاطبهم (١) مني وهم في من روح ومن زفر
شادٍ وليس لسان الرعد ذا لسنٍ هادٍ وما ناظر الإيماض ذا نظر
كأنما الليل زار الأرض ذا شغفٍ فأكبرت وصل أحوى اللون ذاعور
كأنها عبلة والليل عنترة في جمع أشتاته لو كان ذا بصر
والأرض قد لبست أدراع أبحرها وجردت فوق أيديها ظبا الغدر
من كل درع نسيم الريح غضنها وصارم بالحباب اعتاض (٢) من أثر
ما كان في هيئة الأرض القيام لنا (٣) بالليل لولا مزيد من سنا عمر
من مجده خص قحطانًا وأنعمه عمت ربيعة والحمراء من مضر
أكسى من الكعبة الزهراء من نشب أعرى على لبسه العليا من الحجر
بسيفه (٤) انتاش سيف جده يمنًا لا سيف وهرزٍ المحدود بالنفر
أنتم عنى مسلم يا آل مسلمةٍ (٥) بالجود إذ لم ينازعه بنو مطر
ولم يرد مطرًا جد اليزيد ول كن من ندى جدكم سماه بالمطر
لولاكم أهلك الناس استواؤهم ولم يكونوا سوى دهمٍ بلا غرر
_________________
(١) يعني عمران بن حطان ويقال إنه نزل في تنقله بروح بن زنباع وزفر بن الحارث، وكان إذا خاف انكشاف أمره ارتحل متنكرًا وادعى لنفسه اسمًا ونسبة غير اسمه ونسبته (انظر شعر الخوارج: ١٦١ - ١٦٥) .
(٢) ط د: اغتاض.
(٣) لم يرد هذا البيت في ط د.
(٤) ط د: لسيفه.
(٥) يريد مسلم بن الوليد في مدحه يزيد بن مزيد الشيباني، ويشير إلى قوله (ديوانه: ٧): سل الخليفة سيفًا من بني مطر أقام قائمه من كان ذا ميل وفي ط د: على مسلم؛ وصوبته بحسب المعنى.
[ ٤ / ٦٩٤ ]
كم في سرادقكم من ماجد عممٍ يعطي الجزيل ومأوى الخائف الحذر (١)
لما رأوا أنه لا عيب يدركه عابوه وهو الكبير القدر بالقصر
والصبح مبدي ربى نجد وإن صغرت والليل يستر لبنانًا على الكبر وقوله: " بسيفه (٢) انتاش سيف جده يمنًا "، يريد سيف بن ذي يزن، حين استنقذ من أيدي الحبشة ملك اليمن، في خبر معروف، خارج عن غرض خذا التصنيف. ووهرز - يقال بالراء والزاي (٣) معًا - وهو الذي أنفذه كسرى أبرويز مع سيف بن ذي يزن، أميرًا على من كان في سجنه، بإشارة مرازبته فكان من أمره ما كان.
وله فيه من اخرى:
ما لي إذا نفس معنى قد ست وسرت في جسم لفظ الخلق من مثل
أنت الذي باهت الأرض السماء به ولا لها بك إن باهتك من قبل
أحوم حول حياض من رضاك وما لي بالورود إذا حلئت من عمل
راعوا قديم ولاء يال مسلمة وما اطردت بكم في المدح من مثل
تفري أديمي الليالي غير مبقيةٍ علي ما لليالي ويلهن ولي
وإنني في مواليكم كملككم بين الممالك، والإسلام في الملل وهذا كقول ابن الرومي (٤):
تلوح في دول الأيام دولتكم كأنها ملة الإسلام في الملل
_________________
(١) وقعت لفظة " ومنها " بعد هذا البيت في س.
(٢) ط د: لسيفه.
(٣) ط د: والزاء.
(٤) الذخيرة ٣: ٣٤٢.
[ ٤ / ٦٩٥ ]
وله من قصيدة اندرج له بعضها في رسالة موشحة، عارض البديع بها في بابه، وصب فيها على قالبه، منها: [١٣١أ]
دوحة فرعها على الشهب موضوع وأصل قد غاص تحت النجوم شهب زينت سماء المعالي وحمتها من بيضه برجوم يردون الظبا ورود القطا والموت قد غض بالقنا المحطوم أوقعوا بالمجوس ما يعلم الله وثنوا من بعدها بالروم سؤدد حار فيه وصفي فما أسطيعه بالمنثور والمنظوم وإذا ما هزوا صدور القنا الصم فما صدر فيلقٍ بسليم زعزعوها فليس تدري سوى عهدهم في حديثها والقديم كلما حكموا اللهى بالندى في المال نادى مالي وللتحكيم مثلما حكموا اللهى بالندى في الأخذ بالاختبار في المحكوم ما على البيض غير أن تدع الهام بهم مثل الهاء في الترخيم صوتها في أسماعهم كالمثاني والمثاليث في سماع النديم ليس إلا الظبا لهم زهر والدم خمر لكن بلا تحريم فثناء مني (١) أرفرف برديه ومنهم إدمان بر عميم قوله: " خمر لكن بلا تحريم " من الاستدراك البديع، والتخلص المطبوع. وقوله: " كلما حكموا اللهى " البيت، يشبه قول أبي محمد بن صارة الشنتريني (٢):
خلق الوزير أبي العلاء خوارج لكنها ليست ترى التحكيما
_________________
(١) ط د: متى.
(٢) ط: الشنتمري؛ وترجمة ابن صارة ترد في ما يلي: ٨٣٤.
[ ٤ / ٦٩٦ ]
وله أيضًا من قصيدة (١):
سقاها الحيا من مغانٍ فساح فكم لي بها من معانٍ فصاح
وحلى أكاليل تلك الربى ووشى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بها وجري فيها ذيول المراح
فكم لي في اللهو من طيرةٍ عليها بأجنحة الارتياح
ويوم على حبرات الرياض تجاذب بردي أيدي (٢) الرياح
بحيث لم أعط النهى طاعةً ولم ألق سمعًا إلى لحي لاح
وليل كرجعة (٣) لحظ المريب لم ادر له شفقًا من صباح
كعمر (٤) عفاتك يوم الندى وعمر عداتك يوم الكفاح
إليك رمى أملي بي ولا (٥) هوي مصفقةٍ بالجناح
أقول لراجي الحيا وهو دان مداه وجدواه من كل راح
إذا عمر هطلت كفه فلا حملت سحب من رياح
من النافذي الطعن تحت العجاج بين الدلاص وبين الرماح
من القوم ينزلهم (٦) خضدهم عن الموت شوك القنا في البراح [١٣١ب]
وعنهم تكون رفع العلا سماءً على عمد من صفاح
وقادوا الزمان إلى اليوم وهو رقيق الحواشي صقيل النواحي
_________________
(١) الفوات ٢: ٣٩٣ والقلائد: ١٤٦ والمغرب ١: ٣٧٥ والنفح ١: ٦٧٤.
(٢) القلائد والنفح والمغرب: مر الرياح.
(٣) في المصادر: طرف، وكذلك خ بهامش ط.
(٤) الفوات: عداتك (جمع عدة) .
(٥) الفوات: بالرياح.
(٦) ط: يزلهم خضرهم؛ د: يزدهم حصدهم؛ س: ينزلهم حصدهم.
[ ٤ / ٦٩٧ ]
وله من أخرى، وهي قصيدة فريدة بها الأوائل، وصرح فيها عن كل طائل، والمرء تحت لسانه، وشرفه بنفسه لا بزمانه، أولها (١):
ساروا ومسك الدياجي غير (٢) منهوب وطرة الشرق غفل دون تذهيب
على ربى لم يزل شادي الذباب بها يلهي بآنق ملفوظ ومضروب
كالغيد في (٣) قبب الأزهار أذرعه بالبرق فوقي درًا غير مثقوب
والغيم تنثر منه راحة (٤) خضبت بالبرق فوقي درًا غير مثقوب
فرحت أستخبر الأنفاس لا الطسم ال أدراس عن موعد في الحي مكذوب
وأشتفي بسؤال الريح مخبرةً (٥) عنهم ولو أنها تهفو بتأنيبي
هيهات لا أبتغي منكم هوىً بهوى حسبي أكون محبًا غير محبوب
فما أراح لذكرى غير (٦) عالية ولا ألذ بحب دون تعذيب
ولا أصالح أيامي على دخنٍ ليس النفاق إلى خلقي بمنسوب
يا دهر إن توسع الأحرار مظلمةً فاستثنني إن غيلي غير مقروب
مهلًا فدرع حويلي غير محتنة عجبًا وسيف عزيمي غير مقروب (٧)
ولا نخل أنني ألقاك منفردًا إن القناعة جيش غير مغلوب
_________________
(١) منها بيتان في الغيث ٢: ٢٣٢ والريحان: ١٥٦ / أوثلاثة في رفع احجب ٢: ٣٦.
(٢) الريحان: موهوب.
(٣) س: كالقيد في قلب.
(٤) س: خضلت.
(٥) ط: بتأنيب.
(٦) س: عالنة.
(٧) سقط البيت من د س.
[ ٤ / ٦٩٨ ]
ما كل من سيم خسفًا عاف مورده إن الإباء لظهر غير مركوب
وكم تأزرت الغيطان لي كرمًا واستشقتني أنفاس الشناخيب
أمشي البراز ولا أعفي به أثري حسب المريب ركوب اقاع ذي اللوب
ورب عاوٍ على إثري بليت به بلاء ليث الشرى في الليل بالذيب
أسكنت عنه ولو لم يزدجر غضبي وشمت صارم تأنيبي وتثريبي
سويت أشباح ألفاظي وقدس أر واح المعاني لها نقدي وتهذيبي
أوانس أذنت لي والنوى قذف على علا (١) كل صعل الإذن حجوب
سما بذكري إلى أسماعهم أدبي مسرى النسين إلى الآناف بالطيب
وطار بي أذنه في أفق حرصهم على قوادم تأهيلي وترحيبي
لا ينظرون إلى شخصي كما نظرت بيض الخدور إلى القترا (٢) من الشيب
من كل مطلق قيد الحرب عن لجبٍ قيد الأسود على طير السراحيب
يمر مر الغمام الجون يتبع من لحمٍ أباريق ترغيب وترهيب مدح بهذه القصيدة المعتمد بن عباد.
قوله: " حسبي أكون محبًا غير محبوب " لفظ أبي الطيب (٣):
أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون محبًا غير محبوب [١٣٢أ] وقوله: " ولا أصالح أيامي على دخنٍ "؛ لفظه أيضًا (٤)، وقوله:
_________________
(١) علا: سقطت من ط.
(٢) ط: الفقرا؛ د: القفرا.
(٣) ديوان المتنبي: ٤٤٩.
(٤) يريد قول أبي الطيب: فلا أحارب مدفوعًا على جدر ولا أصلح مغرورًا على دخن
[ ٤ / ٦٩٩ ]
" إن غيلي غير مقروب "، لفظ [بيت] الجميح (١) .
تسكن غيلًا غير مقروب وقوله: " أمشي البراز " البيت، عكس قول امرئ القيس (٢):
على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل وأخذه ابن المعتز فقال (٣):
فظلت أبسط خدي في التراب له ذلا وأسحب أذيالي على الأثر وقوله: " لا ينظرون إلى شخصي كما نظرت " البيت، كقول محمد بن هانئ الأندلسي (٤):
هم لحظوكم والنبوة فيكم كما لحظت شيب الكبير (٥) الفوارك وأصله من قول امرئ القيس (٦):
أراهن لا يحببن من قل ماله ولا من رأين الشيب فيه وقوسا
_________________
(١) س ط د: الجمحي، والجميح لقب لشاعر اسمه منقذ ب الطماح، وبيته هذا من قصيدة له مفضلية، وهي الرابعة ف الترتيب: (شرح ان الأنباري: ٢٥ - ٢٩): أما إذا حردت حردي فمجرية جرداء تمنع غيلا غير مقروب (٢) ديوان امرئ القيس: ١٤، وصدره: " خرجت بها تمشي تجر واءنا ". (٣) ديوان ابن المعتز ٣: ٥٠.
(٢) ديوان ابن هانئ: ١٠٤.
(٣) الديوان: كما لحظ الشيب النساء.
(٤) ديوان امرئ القيس: ١٠٧.
[ ٤ / ٧٠٠ ]
وللوزير أبي محمد عبد الغفور من أهل وقتنا فصل يتعلق بهذا المعنى من رقعة، قال فيه: كنت (١) قبيل هذا المشيب الذي علا، والشباب الذي تولى، كريما على ذوات الطلى، لا يتعرضن في لمكان القلة (٢) بلولا؛ ولما أطار غراب الشباب باز المشيب، ورحت رث الجلباب بعد كل شخت قشيب، سمعتهن حينا يتبرمن، وحينا يترنمن، إلا أنهن يجمجمن ولا يترجمن، وبفضل حاستي - والله الفضل - ما فهمت الوزن، فلما استقريت لتعرف حروفه السهل والحزن، عثر لهجي في تطلب تلك الضالة بلعل وعسى، بقول الملك الضليل: " ألما على الربع القديم بعسعسا " ولم أزل بعد محدثا موسوسا، حتى سقط بي اليقين على قوله " وقوسا " وفي صدر هذا الروي " أراهن لايحببن من قل ماله "، وإذا قوس ظهر المرء فقد استحال جماله، فإذن قاتلهن الله يحببن القبيح ذا المال، والفقير ذا الجمال.
وصفة ابن عبدون للذباب: أجاد فيه ما أراد، وقد تناول هذا المعنى أبو بكر بن سعيد البطليوسي، فقال من قصيدة (٣):
كأن أهازيج الذباب أساقف لها من أزاهير الرياض محاريب وأخذه ابن عبدون من قول ابن الرومي يصف روضا (٤):
_________________
(١) ط: كتبت.
(٢) ط: القلت.
(٣) بيت البطليوسي في رفع الحجب ٢: ٣٦.
(٤) زهر الآداب: ٧٤٢ وديوان المعاني ١: ٣٦١ والسمط: ٤٨٦ وتشبيهات ابن أبي عون ٣٨٩.
[ ٤ / ٧٠١ ]
وغرد ربعي الذباب خلاله كما حثثت النشوان صنجا مشرعا
وكانت أهازيج الذباب هناكم على شدوات الطير ضربا موقعا وإنما اخترعه أولا عنترة بقوله (١):
فترى الذباب بها يغني وحده هزجا كفعل الشارب المترنم
غردا يحك ذراعه بذراعه فعل المكب على الزناد الأجذم وهذا من التشبيه الذي ما له شبيه، ولم يجسر عليه أحد، غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال (٢):
كأن رجليه رجلا مقطف عجل إذا تجاوب (٣) من برديه ترنيم [١٣٢ ب] والمقطف: راكب الدابة القطوف، فنقل صفة يدي الذباب إلى رجل الجندب فأحسن الأخذ، وكأنه لم يعرض لعنترة معناه.
وقال السلامي في صفة زنبور (٤):
إذا حك أعلى رأسه فكأنما بسالفتيه من يديه جوامع فباعد عنترة في الصفة، وإن قاربه في الموصوف، وتعلق في اللفظ
_________________
(١) زهر الآداب: ٧٤٠ والحيوان ٥: ٥١٣ وتشبيهات ابن أبي عون: ٣٨٩ وديوانه: ١٩٧ - ١٩٨، وابن بسام يتابع في هذه القطعة ابن رشيق في قراضة الذهب: ٦٩ - ٧٠.
(٢) ديوان ذي الرمة ١: ٤١٩ وقراضة الذهب: ٦٩.
(٣) ط د س: تجاذب.
(٤) اليتيمة ٢: ٤٢٠ وقراضة الذهب ٦٩.
[ ٤ / ٧٠٢ ]
بصريع الغواني إذ يقول في النساء (١):
فغطت بأيديها ثمار نحورها كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع وقد قال بعض أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي:
وكأس كريق الإلف شعشعتها به وعيشي من هذا الشراب المشعشع
على روضة قامت لنا بدرانك وقام لنا فيها الذباب بمسمع
إذا ما شربنا كأسنا صب فضلها على روضنا للمسمع المتخلع وقد قال الجاحظ (٢): وجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض إلا قول عنترة في الذباب، وقول أبي يونس في تصاوير الكأس، حيث يقول (٣):
قرارتها كسرى وفي جنباتها مها تدريها بالقسي الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس يريد أن حد الخمر بلغ نحور هذه الصور، وزيد الماء فيه فانتهى الشراب إلى فوق رؤوسها، وفائدة هذا معرفة حدها صرفا، من حدها ممزوجة.
_________________
(١) ديوان مسلم: ٢٧٣ وزهر الآداب: ٩٩٦ وقراضة الذهب: ٧٠.
(٢) ورد هذا القول في زهر الآداب: ٧٣٩ - ٧٤٠ وانظر تعليق الجاحظ على شعر عنترة في وصف الذباب في كتاب الحيوان ٣: ٣١١ - ٣١٢.
(٣) ديوان أبي نؤاس: ٢٩٥ وزهر الآداب: ٧٤٠.
[ ٤ / ٧٠٣ ]
قال ابن بسام: وقد ذكر أن الحسن ولد هذا المعنى من قول امرئ القيس (١):
فلما استطابوا صب في الصحن نصفه وشجت بماء غير طرق ولا كدر فجعل الشراب والماء نصفين (٢)، لقوة الشراب، فتسلق الحسن عليه، وأخفاه بما شغل به الكلام، من ذكر الصورة المنقوشة في الكأس، إلا أنها سرقة مليحة. وكرر أبو نؤاس هذا المعنى عجبا به في مواضع كقوله (٣):
بنينا على كسرى سماء مدامة مكللة حافاتها بنجو
فلورد في كسرى بن ساسان روحه إذن لاصطفاني دون كل نديم وأخذه الناشئ وولد معنى زائدا فقال (٤):
في كأسها صور تظن لحسنها عربا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ذهبا ودرا توأما وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك مجاسدا وجعلن ذا لنحورهن عقودا وقال ابن المعتز (٥):
وكأس (٦) من زجاج فيه أسد فرائسهن ألباب الرجال
_________________
(١) ديوان امرئ القيس: ١١.
(٢) س ط: قسمين.
(٣) زهر الآداب: ٧٤٢.
(٤) زهر الآداب: ٧٤٠.
(٥) زهر الآداب: ٧٣٨ وديوان ابن المعتز ٣: ٩٧ والأوراق: ١٩٩.
(٦) الديوان: بغاب.
[ ٤ / ٧٠٤ ]
وألم بهذا الملتمس بن بطال البطليوسي (١) فقال:
غاب من الأكواس فيها ضراغم من الراح ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سن الهموم فأقلعت وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها [١٣٣أ] وقال بعض أهل عصرنا، وهو أبو تمام بن رباح (٢):
وكأسٍ بدا بها في قرارةٍ غريقًا ولكن في خليج من الخمر
وما صورته فارس عبثًا به ولكنهم جاءوا بأخفى من السحر
أشاروا بما دانوا له في حياته فيومي إليه بالسجود وما يدري ومثل هذه المعاني التي ذكروا مما انفرد به كل واحد من الشعراء، لا يكاد يتناولها حاذق إلا قصر، إلا أن يزيد زيادةً تظهر، ولذلك ما تحامي الناس أشياء كثيرةً من المعاني التي أخذت حقها من اللفظ، ولم يبق فيها فضلة تلتمس، والقرائح تتفاضل، ألا ترى إلى قول جميل في وصف امرأة فاجأها (٣):
غدا لاعب في الحي لم يدر أننا نمر ولا أرض لنا بطريق
فلما (٤) انتحيناه اتقانا بكمه وأعلن من ورعاتنا بشهيق
_________________
(١) هو سليمان بن محمد بن بطال، أبو أيوب: كان فقيهًا مقدمًا وشاعرًا محسنًا قريبًا من الأربعمائة (انظر ترجمته في الجذوة: ٢٠٦ وبغية الملتمس رقم: ٧٦٢ والنفح ٣: ٢٩٢، ٤٥٠ وله مقطعات كثيرة في كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس) .
(٢) ترجمته في القسم الثالث: ٨٢١.
(٣) لم يرد هذا الشعر في ديوان جميل؛ ولكن ابن بسام يتابع هنا ما يقوله ابن رشيق في قراضة الذهب: ٥٧.
(٤) القراضة: افتجيناه (ولا أراه صوابًا) .
[ ٤ / ٧٠٥ ]
كيف وصف حقيقة الحال التي صورها تصويرًا، مع حسن لفظ، وليس مع ذلك ببالغٍ قول النابغة (١):
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد رجع
وقال ابن عبدون من قصيدة:
لولا المؤيد، مد الله مدته، ما كان لي في سوى بغداد من ارب
فلم أكن وسوى (٢) بغداد لي أمل فيها كما كنت في أهلي بمغترب
وإن نبت حمص بي والله يعصمها ركبتها عزمةً تشأى الكواكب بي
وللمؤيد، مد الله مدته رأي يغالط شهب الليل في القطب
لم ينتقب وجهه للسمر مشرعةً وإنه من حياء الوجه في نقب
يشأى المساجل في بأس وفي كرم ويملأ الدلو في العليا إلى الكرب
تراه إن تدعه يومي (٣) ندى ووغى النار في عرفج والماء في صبب
إليك مني، أعز الله نصرك ما أبقته أيدي السرى والبيد والنوب
جاءتك ترقص أردان الكلام به سوابح تأكل الغبراء بالخبب وله في المعتمد من قصيدة:
إن الممالك والسيوف شهود لكم إمام والملوك عبيد
_________________
(١) ديوان النابغة: ٣٤ وقراضة الذهب: ٥٧.
(٢) بغداد: سقطت من ط د.
(٣) ط د س: يومًا.
[ ٤ / ٧٠٦ ]
شامتكم في المكرمات عزائم جارٍ على أحكامها التأييد
وعلًا نشأن مع النجوم وقبلها ولهن من بعد النجوم خلود
من معشرٍ أخذوا بأطراف العلا والأفق غفل والليالي سود
جادوا فبانت في البسيطة أنجم وسطوا فثارت في السماء أسود
يا روضةً وصف النسيم أريجها رفي (١) علي فإنني غريد
ما لي أرفرف حول دوحك ضاحيًا أصف الأوار (٢) وماؤها مورود
لا ذنب للآمال إلا أنها شهب لها من أن تراك سعود [١٣٣ب]
ركبت إليك جناح كل عزيمةٍ قرب الردى من خلفها مزءود
أكلت إليك الأرض وهي بحسبها إن لم تعقها من ثناك قيود قوله: " وعلا نشأن مع النجوم وقبلها "، مأخوذ من قول المعري، وله فيه زيادة، تجاوزت الغاية في الإجادة، وخرقت في الإحسان كل عادة، وهو قوله يصف خيلًا (٣):
نشأن مع النعام بكل دو فقد ألفت نتائجها الرئالا (٤) ولعل هذا توارد من الطباع، وبحسب القريحة يكون الإبداع والاختراع.
وقوله: " يا روضةً وصف النسيم أريجها "، من قول إسحاق
_________________
(١) ط: رقي.
(٢) لعل الصواب: " الأوام ".
(٣) شروح السقط: ٤٥٤.
(٤) نشأن: الضمير يرجع إلى بيت ذكر فيه السوابق، أي وقت الألفة بين المهار والرئال وهي أولاد النعام.
[ ٤ / ٧٠٧ ]
الموصلي (١):
يا سرحة الماء قد سدت موارده أما إليك طريق غير مسدود ولابن عبدون من قصيدة في الرشيد نقلتها من مبيضاته، ولم يعرضها عليه، ولا أوصلها اليه، أولها (٢):
عزيم لا يسد عليه باب وقلب لا يفل له ذباب ومنها:
مضى في نائبات الدهر (٣) صلدًا فلم يثلم وقد طال الضراب
وقد زروا (٤) الضلوع على قلوب لو انتضيت لقط بها الرقاب
وسرت ومن كواكبه حلي علي ومن غياهبه قراب
ولو بسوى الرشيد جعلت هديي لضل الركب فيها والركاب
من النفر الألى طلعوا نجومًا فمن أنوائهم فينا انسكاب
إذا هزتهم نغم العوالي فليس سوى النجيع لهم شراب
وباء فقلت في الغبراء برج وثار فقلت في الخضراء غاب
لقد عقدت حباه على خلالٍ ظباه لا تهاب كما تهاب
وطبق مفصل العليا بنفسٍ مآثرها تراث واكتساب
كأن عداه في الهيجا ذنوب وصارمه دعاء مستجاب
_________________
(١) الأغاني ٥: ٣٥٠ ورفع الحجب ١: ٤١ ونهاية الأرب ١: ٢٧٩ والذخيرة ١: ٨٦٣.
(٢) ومنها ستة أبيات في الريحان ١: ١٥٥ ب.
(٣) الريحان: فردًا.
(٤) الريحان: عطفوا.
[ ٤ / ٧٠٨ ]
وهذا مما أغرب فيه، ولم أسمع له بشبيه، ولعله أمير شعره، ونتيجة فكره؛ وفيها يقول:
إليك أبا الحسين ركبت عزمًا يضيق برحب مسعاه الطلاب
رمت في البحر منك ولم تعرج (١) على أرضٍ بقيعتها سراب
وقد مرقت إليك من الدجى بي أعاريب تخب بها عراب
هفت بي والدجى يهفو حشاه كما كسرت على خززٍ عقاب قول أبي محمد: " وسرت ومن كواكبه حلي " البيت، سلك فيه سبيلًا من البديع لا تسلك، واستولى منه على غاية من الكلام المطبوع قلما تدرك.
وأما قوله: " كما كسرت على خززٍ عقاب " فما أولاه عليه بالعقاب، إذ نسخ لفظ أبي الطيب كما تراه، وقصر أكثر مما شاء عن معناه، وهو (٢):
يهز الجيش حولك جانبيه كما نفضت جناحيها العقاب على أن أبا الطيب إنما تطرف قول طرفة (٣):
بكتائبٍ تردي كما تردى إلى الجيف النسور [١٣٤أ] ولكن المتنبي طار في السماء مع العقاب، وترك طرفة في الأرض على التراب.
_________________
(١) وقع هذا البيت آخرًا في س.
(٢) ديوان المتنبي: ٣٧٠.
(٣) لم يرد في ديوان طرفة.
[ ٤ / ٧٠٩ ]
وكان أبو محمد حين استوحش من المنصور بن المتوكل (١)، ولحق باشبيلية، كتب إلى الوزير الأجل أبي بكر بن زيدون بهذه الأبيات:
لك الخير من مثري اليدين من العلا إذا تربت أيدي النوى والتطول
بما كان بين الماضيين من الذي إليه استنادي (٢) أو عليه معولي
ولم تتمسك بالمؤيد لي يد وقد زهقت (٣) رجلي عن المتوكل وله أيضًا يقول:
قل للوزير أدام الله عزته والجاه يفني وقول الدهر مفهوم
لئن نبت بي حمص وهي قد فعلت فليس تنبو بي السبع الأقاليم
لي في مناكب أرض الله مضطرب إن سامحت بي النوى (٤) لخم ومخزوم ثم انصرف إلى حضرة المتوكل ببطليوس، ودفع إليه قصيدةً أولها:
خصمت الظبا عنكم على أنها لد بقرعٍ له في كل بارقةٍ رعد
بزرقٍ بما خلف الضلوع بصيرةٍ على أنها مما بكت حدق رمد
تركت لمن هز الأسنة رأيه وقلت لغيري الخفض والعيشة الرغد
وطار جناح الليل مني بأجدلٍ إذا ما الظبا فاضت ففيها له ورد
منير أسارير الرئاس إذا سرى وشت بسراه البيد والليل مسود
_________________
(١) كذا في النسخ، والمنصور هو أخو المتوكل لا ابنه، وقد ولي بطليموس بعد وفاة أبيه المظفر (سنة ٤٦٠)؛ وأما ابناه المتوكل فهما الفضل والعباس ولا أعرف إن كان أحدهما لقب بالمنصور، وقد قتلا مع أبيهما (سنة ٤٨٧) .
(٢) س: اجتهادي.
(٣) ط د: زهقت؛ س: زلقت؛ وزهقت: خفت وعجلت.
(٤) س: بالنوى.
[ ٤ / ٧١٠ ]
وفيها من عتابه للمتوكل:
أفالآن لما ملني ومللته طلاب لوى عن نيله الزمن الوغد
وباضت على رأسي السنون وفرخت وما لي حل في الأمور ولا عقد
طمعت بحمص أن تلين لمطلبي ولا عجب قد يرشح الحجر الصلد
ولي. فأسأت، الذنب في ذاك لا لها فمذ توجد الجعلان لم ينفق الورد ما أخرجته من سائر مقطوعاته الإخوانيات
من ذلك ما أنشدنيه لنفسه، مما خاطب به الوزراء الكتاب بني سعيد ابن القبطورنة، حين خرج عن بطليوس مستوحشًا، حسبما وصفته (١):
أخلائي وفي قرب الصدور ظبا تقضي (٢) على قمم الدهور
وقد ضمت (٣) جوانحنا قلوبًا أبت غير القصور أو القبور
إذا الكرماء نامت (٤) فوق ضيمٍ فما فضل الكبير على الصغير
فقبل أبى الدنية قيس عبسٍ (٥) ولم يصغي إلى قول المشير
لئن عثروا وليس لعًا جواب فلا علقت بطون من ظهور
ولا سعوا بها إلا بصم ولا نظروا بها إلا بعور
_________________
(١) منها أربعة في القلائد: ١٤٦.
(٢) القلائد: تمضي.
(٣) س: جوانحها.
(٤) القلائد: باتت تحت.
(٥) القلائد: العشير؛ وقيس عبس هو قيس بن زهير الذي هاجر قومه بعد حرب داحس والغبراء وأوى إلى عمان.
[ ٤ / ٧١١ ]
ومنها: [١٣٤ب]
ودلهني فراق بني سعيد فما أدري قبيلًا من دبير وبات بطريقه هنالك على وادي آنة بقربة لب، فقال:
عذيري إلى المجد من كون مثلي بآنة أو من مبيتي بلب
وبغداد لو هتفت بي هلم هلم لما كنت ممن يلبي وأنشدني أيضًا له مما خاطب به بعض الأعيان:
سأطلب لا بألسنة اليراع سوى ذا الحظ من أيدي الزماع
وأخبط بالسرى ورق الدياجي ووجه الموت محدور القناع
وأمرق من أسارير المواضي كما مرق الهلال من الشعاع
فسلني عن ملوك الأرض تسأل خبيرًا فاقض حق الاستماع
عرضت عليهم نفسي ونفسي لأوضح غبنهم عند البياع
فما اتبعوا دليلًا في اجتنابي ولا سلكوا سبيلًا في اصطناعي
كأضعاء بها ألم فقلت على ضمد (١) ورأس في صداع
ومن عصب إذا سئلت حراكًا شكت بسكونها نحل (٢) النخاع
ويمنى لا تجود على شمال ولا تصغي المودة للذراع
وعين لا تغمض عن قبيح (٣) وأذن لا تألم من قذاع
فما أبقوا ولا هموا ببقيا ونقل الطبع ليس بمستطاع
_________________
(١) الضمد: الحقد.
(٢) النحل بمعنى النحول، وهو من النادر في الاستعمال.
(٣) ط د: قراع.
[ ٤ / ٧١٢ ]
فلو سقت السماء الشري أريًا لما احلولت مراعيه لراع
بدهرٍ ضاعت الأحساب فيه ضياع الرأي في السر المذاع
فبعتهم بتاتًا لا بثنيا ولا شرط ولا درك ارتجاع
ولم أجعل قرابي غير بيتي (١) فحسبي ما تقدم من قراع قوله: " كأعضاء بها ألم " البيت، مع الذي بعده، أراه فيما انتحاه سلك سبيل أبي نصر المعافى (٢)، من أناشيد الثعالبي، حيث يقول:
لما رأيت الزمان نكسًا وفيه للرفعة اتضاع
كل رئيس (٣) به ملال وكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضًا به عن الذلة امتناع
أشرب مما ادخرت راحًا لها على راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامى ومن قراقيرها سماع
وأجتني من ثمار (٤) قوم قد أقفرت منهم البقاع وقول أبي محمد: " كما مرق الهلال من الشعاع "، معنى متداول إلا أن قول أبي محمد أولى بالتقديم، ومنه قول بشر بن أبي خازم (٥):
_________________
(١) س: نزاع.
(٢) هو أبو نصر المعافى بن هزيم الهزيمي من أبيورد، وكان يكثر المقام ببخارى ويخدم رؤساءها (اليتيمة ٤: ١٢٩ - ١٣٣ وأبياته هذه ص: ١٣٢) .
(٣) اليتيمة: له.
(٤) اليتيمة: عقول.
(٥) ط: أبي بشر بن حازم، د: بشر بن حازم؛ س: بشر أبي حازم؛ وليس في البيت ديوان بشر، وقد جاء في اللسان (ودق) منسوبًا لزيد الخيل.
[ ٤ / ٧١٣ ]
ضربن بغمرو فخرجن منها خروج الودق من خلل السحاب وقال المتنبي (١): [١٣٥أ]
وضاقت خطة فخلصت منها خلوص الخمر من نسج الفدام وقال أبو تمام (٢):
فخرجت منها كالشهاب ولم تزل مذ كنت خراجًا من الغماء وقال أبو الحسن الرضي (٣):
وقال ابن مقبل (٤):
خروج من الغمى إذا صك صكة (٥) بد والعيون المستكفة تلمح
إذا امتحنته من معد عصابة غدا ربه قبل المفيضين يقدح والغماء (٦): هاهنا جماعة القداح.
_________________
(١) ديوان المتنبي: ٤٧٧.
(٢) ديوان أبي تمام: ١٩.
(٣) ديوان الرضي ٢: ٤٤٦.
(٤) ديوان ابن مقبل: ٢٩، ٣٠ والعمدة ٢: ٢٨٨ والميسر والقداح: ٦٥ واللسان (غمم) وفي الأصول " الغما " حذفت همزته، وهو عندئذ بفتح الغين؛ وفيه يجوز القصر والمد.
(٥) يصف القدح؛ الغمى: الشدة والضيق؛ العيون المستكفة: المحيطة به.
(٦) كذا ورد أيضًا بالمد، ورواية الديوان بالقصر وضم العين.
[ ٤ / ٧١٤ ]
وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس بقوله (١):
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب فنقله ابن مقبل إلى صفة القدح، وقال: إذا امتحنه ممتحن غدا يقدح نارًا قبل الإفاضة به ثقة بفوزه، ونقله ابن المعتز إلى صفة جارح فقال (٢):
قد وثق القوم له بما طلب فهو إذا جلى لصيد واضطرب عروا سكاكينهم من القرب وأنشدني أيضًا لنفسه مما خاطب به الوزير أبا القاسم ابن الجد (٣):
شجيري (٤) من فهر لا تخمشن وجه الإخاء بظفر العذل
فأقسم. أني أجيب الصبا إذا ما دعتني إليه المقل
وما أنس ليلتنا والعناق قد مزج الكل منا بكل
إلى أن تقوس ظهر الظلام واشمط عارضه واكتهل
ومس رقيق رداء النسيم على عاتق الفجر (٥) بعض البلل
وسبح رعد المثاني بحمد بني يعرب في سماء الجذل
إذ الدهر ميت الخطى واللحاظ عنا وأحداثه في غفل
وللطير في الورق النضر شدو كشدو القيان عليها الكلل
_________________
(١) ديوان امرئ القيس: ٣٨٩ والعمدة ٢: ٢٨٨.
(٢) ديوان ابن المعتز ٤: ٧ والأوراق: ٢٠٩.
(٣) منها ثلاثة أبيات في كل من المغرب ١: ٣٧٥ والخريدة ٢: ١٠٦ والقلائد: ١٤٧.
(٤) د: مجيري، والسجير: الخليل والصفي.
(٥) المغرب: في عاتق الليل؛ الخريدة والقلائد: على عاتق الليل.
[ ٤ / ٧١٥ ]
فأبت وذنبي أمير الذنوب ودولته فوق تلك الدول أشار في هذا البيت الأخير إلى قول أبي الطيب (١):
أميرة (٢) اللحظ في الألحاظ مالكة لمقلتيها عظيم الملك في المقل وقال أبو نواس (٣):
أصبني منك يا أملي بذنب تتيه على الذنوب به ذنوبي وأنشدني أيضًا لنفسه (٤):
هل تذكر العهد الذي لم أنسه ومودتي (٥) مخدومة بصفاء
والأنس قد خلع (٦) العذار فبيننا بر البنين ورقة الآباء
ومبيتنا في نهر حمص والحجى قد حل عقد حباه بالصهباء [١٣٥ب]
ودموع طل الليل تخلق (٧) أعينًا ترنو إلينا من عيون الماء وأنشدني أيضًا لنفسه (٨):
_________________
(١) ديوان المتنبي: ٣٢٩.
(٢) الديوان: مطاعة؛ ط د: أسرة.
(٣) ديوان أبي نواس: ٤٢٨.
(٤) منها ثلاثة أبيات في كل من القلائد: ١٤٧ والمغرب ١: ٣٧٥ والخريدة ٢: ١٠٦.
(٥) س: ومودة.
(٦) س: الوقار.
(٧) تكرر هذا الشطر من قبل: ٦٨٤ س: ٥.
(٨) انظر القلائد والخريدة والفوات والمطرب.
[ ٤ / ٧١٦ ]
وما أنس بين النهر والقصر وقفةً نشدت بها ما ضل من شارد الحب
رميت بلحظي سمحت (١) به فلم أثنه إلا ومحرابها (٢) قلبي وأنشدني أيضًا لنفسه قصيدة أولها:
دعتك ومن سجيتك البدار رؤوس أينعت منها ثمار ومنها في وصف السيوف:
فيوردها ظماءً وهي ماء ويصدرها رواء وهي نار
ويقرضها أعاديه لجينًا وترجع وهي لو سلمت نضار بيته الأوسط منها نقله من قول أبي الشيص، إلا أنه زاد عليه، واستلبه من يديه، وهو (٣):
فأوردها بيضًا ظماءً صدورها وأصدرها بالري ألوانها حمر وهذا المعنى كثير؛ وبيته الثالث نسخ بيت أبي الطيب، ونقله من الوادي إلى السيف، وهو (٤):
ركض الأمير وكاللجين حبابه وثنى الأعنة وهو كالعقيان وقال أيضًا أبو الطيب (٥):
_________________
(١) القلائد: بعيني رمية جمحت به؛ الخريدة: سخت به.
(٢) القلائد والخريدة: ومجروحها.
(٣) لم يرد في ديوان أبي الشيص المجموع.
(٤) ديوان المتنبي: ٤١٤.
(٥) ديوان المتنبي: ٣٩٠.
[ ٤ / ٧١٧ ]
ولا ترد الغدران إلا ماؤها من الدم كالريحان تحت الشقائق وقال محمد بن هانئ (١):
لا يوردون الماء سنبك سابح أو يكتسي بدم الفوارس طحلبا وأشهر موضع نقله منه قول السناط (٢):
فخذ ذهبا ورد لنا لجينا تكن في الناس أربح صيرفي إلا أن قول ابن عبدون قد (٣) سلم من الحشو الذي لا يحسنه إلا من أدمن محاولة مضايق المقال فاقتحمها، واعترى بفجاج السحر الحلال فتسنمها، وما أشبه في لين المهز، وإجادة المحز، بقولب ابن المعتز (٤):
صببنا عليها ظالمين سياطنا فطارت بها أيد سراع وأرجل وأنشدني له من قصيدة (٥):
مررت على الأيام من كل جانب أصعد فيها تارة وأصوب
ينم بي الثغران: صبح وصارم ويكتمني القلبان: نقع وغيهب
وقد لفظتني الأرض إلا تنوفة يحدثني فيها العيان فيكذب
_________________
(١) ديوانه ابن هانئ: ١٨٩.
(٢) هو أبو على الحسن بن حسان، قرطبي عاش في زمان عبد الرحمن الناصر وأصله من وادي الحجارة وقد عرفت به وبمصادر ترجمته في القسم الأول: ٥١٢ وبيته هذا في المغرب ٢: ٣٧ والقسم الأول من الذخيرة: ٣١٢، ٥١٢) .
(٣) ط د: لو.
(٤) زهر الآداب: ٣١٠ ونهاية الأرب ١٠: ٥٩.
(٥) انظر القلائد والمطرب.
[ ٤ / ٧١٨ ]
وهذا كقول المتنبي (١):
وغادر الهجر ما بيني وبينكم يهماء تكذب فيها العين والأذن ومن شعر ابن عبدون في الرثاء والتأبين قوله مما أنشدنيه في أخيه عبد العزيز يرثيه:
رويدك أيها الدهر الخؤون ستأكلنا وإياك المنون
تعللنا الأماني وهي زور وتخدعنا الليالي وهي خون [١٢٦ أ]
وكم غرت بزبرجها قرونا فما أبقت ولا بقت (٢) القرون
فجعت بزاهر من سر فهر كبدر التم هالته عرين
بأروع ملء عين الحسن (٣) قيدا إذا أخذت مجاريها العيون
منير العرض فضفاض المساعي طويل الباع ناديه رزين
سمت فوق السماء به ظهور وما حطته إذ حطت بطون
فأنضبت المنايا منه بحرًا جواريه صفون لا سفين
وأغمضت البسيطة منه نصلا طوابعه قيول لا قيون
مضى من لو سبقت لما تعزى ولولا جفت له بعدي جفون
وأبقتني يد الأيام فردا كما غدرت بيسراها اليمين
وهل يبقى على فير الليالي شفيق أو شقيق أو قرين وقال يرثي ذا الوزارتين أبا محمد بن خلدون (٤)، وكان استشهد يوم الجمعة المشهور:
_________________
(١) ديوان المتنبي: ٤٦٨.
(٢) س: أنت.
(٣) ط د: قيد.
(٤) ذكره في المفح ٣: ٢٤٢ وأنه كان مع أبي الوليد ابن زيدون وابن عمار، وانظر بدائع البدائه: ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٤ / ٧١٩ ]
ملكت فأسجح لا أبا لك يا دهر أفي كل عام في العلا فتكة بكر
(١) رثته فقلنا إنها لتماضر وإن ابن خلدون لمفقودها صخر
مضى لم يرث عنه الرئاسة وارث ولولا المساعي الزهر لانقطع الذكر
وما كان إلا الغيث أقلع جملة فلم يك منه لا غدير ولا زهر
فيا ليتني بين العوالي وبينه وقد ملكتني من أعنتها فهر
لأطبق منه بالعشا حدق القنا ضرابي وإن كانت لها الأعين الخزر فيا لأبي محمد بن عبدون في الحرب الزبون، مجنًا ليس بحصين، ليته كلما شهد وقيعة كان كمجن (٢) ابن أبي ربيعة، حسبه الكتب من الكتائب، وكفاه اعتناق القضب من خرط القواضب، وأرى فهرًا لو ملكته يومئذ أعنتها، وجعلت إليه سيوفها وأسنتها، لمات ميتةً ضاحكية (٣)، أو حي حياةً فهرية قطنية (٤)، ولخر البيت وعموده، وضاع الرعيل ومن يقوده.
وقال من قصيدة له فريدة ضمنها من أباده الحدثان، من أكثر ملوك الزمان (٥):
_________________
(١) تماضر: الخنساء.
(٢) ط: كمجر؛ د: كمجد؛ س: كمحق؛ والإشارة إلى قول عمر بن أبي ربيعة: فبات محني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر وفيل أن يزيد بن معاوية عرض جيش أهل الحرة فمر به رجل من الجند معه ترس خلق، فقال له يزيد: ويحك، ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك (الأغاني ١: ٩١) .
(٣) أي مات كما مات الضحاك بن قيس الفهري.
(٤) أي طالت حياته كما طلت حياة عبد الملك بن قطن الفهري والي الأندلس (ابن عذاري ٢: ٣٢) .
(٥) وردت مشروحة، شرحها ابن بدرون (ونشرها دوزي، ونشرت بمصر ١٣٤٠) وهي في المطرب والمعجب والفوات والنفح ونهاية الأرب ٥: ١٩٠ وبعضها في المغرب والرايات: ٣٢ (غ) والوافي للرندي: ١١٦ وسأقارن نصها في الذخيرة بالفوات.
[ ٤ / ٧٢٠ ]
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك (١) موعظة عن نومة بين ناب الليث والظفر
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة والسود والبيض مثل البيض والسمر
فلا تغرنك من دنياك نومتها فما سجية (٢) عينيها سوى السهر
ما لليالي أقال الله عثرتنا (٣) من الليالي وخانتها يد الغير
تسر بالشيء لكن كي تغر به كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
كم دولة وليت بالنصر خدمتها لم تبق منها وسل ذكراك من خبر
هوت بدارا وفلت غرب قاتله وكان عضبا على الأملاك ذا أثر [١٣٦ ب]
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ولم تدع لبني يونان من أثر
واتبعت أختها طسما وعاد على عاد وجرهم منها ناقض المرر
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزقت سبأ في كل قاصية فما التقى رائح منهم (٤) بمبتكر
وأنفذت في كليب حكمها ورمت مهلهلا بين سمع الأرض والبصر
ودوخت آل ذبيان وجيرتهم لخما وعضت (٥) بني بدر على النهر
وما أعادت على الضليل صحته ولا ثنت أسدا عن ربها حجر
وألحقت بعدي بالعراق على (٦) يد ابنه أحمر العينين والشعر
_________________
(١) د والفوات: معذرة.
(٢) الفوات: صناعة.
(٣) س وأصل ط: القدر.
(٤) د: منها.
(٥) ط: وعضت.
(٦) أحمر العينين والشعر: وصف النعمان بن المنذر؛ وقد سعى في قتله زيد بن عدي بن زيد ثأرا لأبيه (شرح البسامة: ١٢٨ وما بعدها) .
[ ٤ / ٧٢١ ]
وبلغت يزدجرد الصين واختزلت عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر
ولم تكف مواضي رستم وقنا ذي حاجب عنه سعدا في ابنة الغير
ومزقت جعفرا بالبيض واختلست من غيله حمزة الظلام للجزر
وأشرفت بخبيب فوق قارعة وألصقت طلحة الفياض بالعفر
وخضبت شيب عثمان دما وخطت إلى الزبير ولم تستحي من عمر
ولا رعت لأبي (١) اليقظان صحبته ولم تزوده إلا الضيح في الغمر
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة (٢) فدت عليا بمن شاءت من البشر
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن أتت بمعضلة الألباب والفكر
فبعضنا قائل ما اغتاله أحد وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وأردت ابن زياد بالحسين فلم يبر بشسع له قد طاح أو ظفر
وعممت بالظبا فودي أبي أنس ولم يرد الردى عنه قنا زفر
وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة كانت به مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا رعت عياذته بالبيت والحجر
ولم تدع لأبي الذبان (٣) ماضية (٤) ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم تبق الخلافة بين الكأس والوتر
ولم تعد قضب السفاح نابية عن رأس مروان أو أشياعه الفجر
_________________
(١) أبو اليقظان: عمار بن ياسر (شرح البسامة: ١٥٤) .
(٢) ورد في طراز المجالس: ١٣٢.
(٣) شرح البسامة: قاصية؛ د: قائمة، وأبو الذبان هو عبد الملك بن مروان.
(٤) ط د: بمعتجر (اقرأ: بمحتجر)؛ س: بمفتخر؛ واللطيم هو عمرو الأشدق بن سعيد بن العاص.
[ ٤ / ٧٢٢ ]
وأسبلت دمعة الروح الأمين على دم بفخ (١) لآل المصطفى هدر
وأشرقت جعفرا، والفضل ينظره والشيخ يحيى، بريق الصارم الذكر
وأخفرت في الأمين العهد وانتبذت لجعفر في ابنه والأعبد الغدر
وما وفت بعهود المستعين ولا بما تأكد للمعتز من مرر
وأوثقت في عراها كل معتمد وأشرقت بقذاها كل مقتدر [١٣٧ أ]
وروعت كل مأمون ومؤتمن وأسلمت كل منصور ومنتصر
وأعثرت آل عباس لعا لهم بذيل رباء من بيض ومن سمر
بني المظفر والأيام ما برحت (٢) مراحلا والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما ولا حملت بمثله ليلة في مقبل العمر
من للأسرة أو من للأعنة أو من للأسنة يهديها إلى الثغر
من للبراعة أو من لليراعة أو من للسماحة أو للنفع والضرر
أو رفع كارثة أو دفع آزفة أو ردع حادثة تعيا على القدر
ويح السماح وويح الجود لو سلما وحسرة الدين والدنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
ثلاثة ما رقى النسران حيث رقوا وكل ما طار من نسر ولم يطر
[ثلاثة ما رأى العصران مثلهم فضلا ولو عززوا بالشمس والقمر] (٣)
ومر من كل شيء فيه أطيبه حتى التمتع بالآصال والبكر
من للجلال الذي عمت مهابته قلوبنا وعيون الأنجم الزهر
_________________
(١) ط د: يسح؛ والمقتول بفخ هو الحسين بن علي بن حسن بن حسن، واستشكل ابن بدرون هنا على الشاعر لقوله " وأسبلت دمعة الروح الأمين " إذ أن دمعة الروح الأمين لم تسبل على قتيل فخ وإنما على الحسين بن علي نفسه (انظر ص: ٢٢٠ من شرح البسامة) .
(٢) من هنا حتى آخر القصيدة لم يرد إلا في س.
(٣) زيادة لاتصال السياق.
[ ٤ / ٧٢٣ ]
أين الإباء الذي أرسوا قواعده على دعائم من عز ومن ظفر
أين الوفاء الذي أصفوا شرائعه فلم يرد أحد منها على كدر
كانوا رواسي أرض الله منذ نأوا عنها استطارت بمن فيها ولم تقر
من لي - ولا من - بهم إن عطلت سنن وأحفيت ألسن الأيام والبشر
من لي - ولا من - بهم إن طبقت محن ولم يكن وردها يفضي إلى صدر
على الفضائل - إلا الصبر - بعدهم سلام مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها أمل والدهر ذو عقب شتى وذو غير وقد سلك بعض أهل عصرنا هذه السبيل، وهو أبو جعفر الكفيف التطيلي، فقال (١):
خذا حدثاني عن فل وفلان لعلي أرى باق على الحدثان
وعن دول جسن الديار، وأهلها فنين، وصرف الدهر ليس بفان
وعن هرمي مصر الغداة أمتعا بشرح الشباب أم هما هرمان
وعن نخلتي حلوان كيف تناءتا (٢) ولم تطويا كشحا على شنآن
وطال ثواء الفرقدين لغبطة أما علما أن سوف يفترقان
(٣) وزايل بين الشعريين تصرف من الدهر لا وان ولا متوان
فإن تذهب الشعرى العبور لشانها فإن الغميصا في بقية شان
وجن سهيل بالثريا جنونه ولكن سلاه كيف يلتقيان
_________________
(١) ديوان الأعمى التطيلي: ٢٢٤ ومر منها بيتان ص: ٤٨٧.
(٢) نخلتا حلوان اللتان ذكر هما مطيع بن اياس في شعره، وقيل إنه قطع للرشيد جمار إحداهما فماتت، انظر ثلاثة شعراء عباسيون: ٦٩.
(٣) الديوان: مصرف.
[ ٤ / ٧٢٤ ]
وهيهات من عدل القضاء وجوره شآمية ألوت بدين يمان
فأجمع عنها آخر الدهر سلوة (١) على طمع خلاه للدبران
وأعلن صرف الدهر لابني نويرة بيوم تناء غال كل تداني
وكانا كندماني جذيمة حقبة (٢) من الدهر لو لم تنصرم لأوان
فهان دم بين الدكادك (٣) واللوى وما كان في أمثالها بمهان
وضاعت دموع بات يبعثها الأسى يهيجه قبر بكل مكان
ومال على عبس وذبيان ميلة فأودى بمجني عليه وجاني
فعوجا على جفر (٤) الهباءة فأعجبا (٥) لضيعة أعلاق هناك ثمان
دماء جرت منها التلاع بملئها ولا ذحل إلا أن جرى فرسان
وأيام حرب لا ينادى وليدها أهاب بها الحي يوم رهان
فآب الربيع (٦) والبلاد تهره ولا مثل مود من وراء عمان
وأنحى على ابني وائل فتهاصرا غصون الردى من كزة ولدان
تعاطى كليب فاستمر بطعنة أقامت لها الأبطال سوق طعان
_________________
(١) الدبران: نجم يدبر الثريا، بينها وبين الجوزاء.
(٢) إشارة إلى قول متمم بن نويرة في رثاء مالك (المفضلية: ٦٧) . وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وندمانا جذيمة هما عقيل ومالك اللذان يقول فيهما أبو خراش الهذلي: ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا خليلا صفاء مالك وعقيل (٣) إشارة إلى قول متمم: وقالوا أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (٤) جفر الهباءة: مستنقع ببلاد غطفان قتل فيه عدد من بني فزارة، أخذوا على غرة.
(٣) الاعلاق الثماني رهن من بني عبس قتلهم بن بدر في اليعمرية قبل جعفر الهباءة.
(٤) هو الربيع بن زياد العبسي.
[ ٤ / ٧٢٥ ]
وبات عدي بالذنائب يصطلي (١) بنار وغى ليست بذات دخان
فذلت رقاب من رجال أعزة إليهم تناهى عز كل زمان
وهبوا يلاقون الصوارم والقنا بكل جبين واضح ولبان
فلا خد إلا فيه حد مهند ولا صدر إلا فيه صدر سنان
وطال على الجونين بالشعب فانثنى بأسلاب مطلول وربقة عان (٢) [١٣٧ ب]
وأمضى على أبناء (٣) قيلة حكمه على شرس أدلوا به وليان
ولو شاء عدوان الزمان ولم يشا (٤) لكان عذير الحي من عدوان
وأي قبيل لم تصدع جميعهم ببكر من الأرزاء أو بعوان
خليلي أبصرت الردى وسمعته فإن كنتما في مرية فسلاني
خذا من فمي هلا وسوف فإنني أرى بهما غير الذي تريان
ولا تعداني أن أعيش إلى غد لعل المنايا دون ما تعداني وقد تقدم أيضًا إلى هذه الطريقة جماعة من المتقدمين والمتأخرين (٥)،
_________________
(١) عدي: هو مهلهل بن ربيعة أخو كليب، والذئاب: اسم موضع يذكره مهلهل في قوله: فإن يك بالذنائب طال ليلي فقد أبكي من الليل القصير وفي ط: علي.
(٢) الشعب: شعبة جبل، وفيه يوم من أيامهم، والجوانان: عمرو ومعاوية ابنا شراحيل ابن الجون وقد أسرهما بنو عامر يوم الشعب (شرح النقائض: ٤٠٧) .
(٣) ابنا قيلة: الأوس والخزرج.
(٤) عدوان: قوم ذي الأصبع، تفانوا وفيهم يقول ذو الأصبع: عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضا فلم يبقوا على بعض وانظر ما تقدم ص: ١٢.
(٥) والمتأخرين: سقطت من ط.
[ ٤ / ٧٢٦ ]
قال أبو العلاء المعري (١):
أصاب الأخفشين بصير خطب أعاد الأعشيين بلا حوار
وغيل المازني من الليالي بزند من خطوب الدهر واري
وللجرمي ما اجترمت يداه وحسبك من فلاح أو بوار
وأما (٢) فرخه فبلا جناح يطير بحمل أقلام جوار
وما نفع المبرد من حميم وصادت ثعلبا نوب ضوار وقال (٣):
أصاب (٤) أيكة أهلكوا بظهيرة حميت وعاد بالرياح الصرصر
كسرى أصاب الكسر جابر ملكه والقصر كر على تطاول قيصر وقال (٥):
أعيا سوار الدهر كل مساور ورمى الخليل بأسهم الأسوار
فاحذر وإن بعدت غزاتك في العدا (٦) قدرا أغار على أبي المغوار
جرت القضايا في الأنام وأمضيت (٧) صدقا بأسوار ولا أسوار
_________________
(١) اللزوميات: ١٤٢ / أ؛ ١: ٣٢٨.
(٢) فرخ الجرمي: كتابه، كان يسمى فرخ سيبويه.
(٣) اللزوميات ١٤٢ ب؛ ١: ٣٣٠.
(٤) اللزوميات: أصحاب ليكة.
(٥) اللزوميات ١٤٤ / أ؛ ١: ٣٣٤.
(٦) أبو المغوار أخو كعب بن سعد الغنوي، وقد رثاه كعب بقصيدة مشهورة.
(٧) ط د: بأسرار ولا أسرار؛ والأسوار في القضايا المنطقية مثل " كل " و" بعض " فإذا عريت منها فهي بلا أسوار.
[ ٤ / ٧٢٧ ]
في ذكر الأديب أبي جعفر
أحمد بن عبد الله بن هريرة القيسي الأعمى التطيلي (١)
له أدب بارع، ونظر في غامضه واسع، وفهم لا يجارى، وذهن لا يبارى، ونظم كالسحر الحلال، ونثر كالماء الزلال، جاء في ذلك بالنادر المعجز، في الطويل منه والموجز؛ نظم أخبار الأمم في لبة القريض، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض. وكان بالأندلس سر الإحسان، وفردا في الزمان، إلا أنه لم يطل زمانه، ولا امتد أوانه، واعتبط عندما به اغتبط، وأضحت نواظر الآداب لفقده رمدة، ونفوس أهله متفجعة كمدة. وقد أثبت ما يشهد [له] بالإحسان والانطباع، ويثني عليه أعنة السماع.
_________________
(١) ذكر الصفدي (نكت الهميان: ١١٠) أنه توفي سنة ٥٢٥، وترجمته في المغرب ٢: ٤٥١ والمسالك ١١: ٣٨٩ (وفيهما نقل عن الذخيرة) والقلائد: ٢٧٣ والخريدة ٣: ٥١١ (قسم المغرب) وبغية الملتمس رقم: ٤٢٩ والسلفي: ١٦ وله ذكر في الروض المعطار: ١٣٣، ١٩٦ وبدائع البدائه: ٢٤٦، ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٦٤ والنفح (انظر الفهرست تحت: الأعمى التطيلي) وقد ورد اسم أبيه في نسخة حليم من الذيل والتكملة (الورقة: ١٦٧) " عبيد الله " وترد له كنيتان أبو كعفر وأبو العباس؛ وقد كنت نشرت ديوانه اعتمادا على نسختين خطيتين (بيروت ١٩٦٣) وصدرته بمقدمة في دراسة حياته وشعره، وضممت إلى الديوان موشحاته من دار الطراز وجيش التوشيح وغيرهما، ولكن هذه الترجمة التي أوردها ابن بسام (والتي انفردت بها النسخة س) قد احتوت شعرا لم يرد في ديوانه ونثرا لم تورده المصادر الأخرى، إلا أن انفراد " س " يجعل بعض القراءات أحيانا غير دقيقة، بكل أسف.
[ ٤ / ٧٢٨ ]
فمن ذلك رقعة كتب بها إلى بعض إخوانه يعاتب: شاكرك أو شاكيك، من لا يحمد ولا يذم الأيام فيك؛ يا سيدي - كناية عن ذكره، لا توخيا لبره، وإحياء رغبة في إنصافه، لا طمعا في استعطافه - الذي عاطيته كأس الوداد فأمرها، وزفقت إليه بنت الفؤاد فأضر بها وأضرها، ومن أطال الله بقاءه ممتعا بظل السلطان، وإقبال الزمان، فإن الرجل بسلطانه، لا بإخوانه، وبإقبال زمانه، لا بإحسانه، إني - أعزك الله - وإن كان الدهر وضعني ورفعك، وضاق عني ووسعك، بين جنبي نفس عصام، وبين فكي صارم بسطام، إذا ضيم الرجال فلست بالمضروب زيد، وإذا تكلم القول فلست بسعيد بن حميد:
الشجو شجوي والعويل عويلي (١) لا أستعير عينا للبكاء، ولا أبتغي بكبدي كبدا سليمة من الأرزاء.
وإنك أعزك الله - لما تكلمت بلسان سهل بن هارون، وجلست مجلس الفضل من المأمون، وخدمك الدهر، وانثالت في يديك الأنجم الزهر، قلت: أحمد وعلي، وإن لم يكن شبع فري (٢)، أسوأ من أعنق أو نص، وأين من ولي حلب ممن ولي حمص؛ وعلى رسلك: ما كنت أنا الغلط في مثلك، إني أبيت ظمآن، ولا أبيت خزيان، وأحتمل الحرمان، ولا أحتمل الهوان. وليت هذا الأمر وقلبك لي معمور، وأنت بزعمك إلي فقير، وأنا أظن أني سأولي وأعزل، وأحدث في كنفك وأعدل، فما هو إلا
_________________
(١) شطر بيت للرمادي، وقبله: " من حاكم بيني وبين عذولي ".
(٢) يشير إلى شعر لامرئ القيس جاء فيه: فتملأ بيتنا أقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وري
[ ٤ / ٧٢٩ ]
أن نبت قدمك، وخفق علمك، وابتل قرطاسك وقلمك، [حتى] اختصرت شطر السلام، ودفعت في صدر القيام، وعزلت فلانا قبل الولاية، واقتصرت بأبي الأصبغ دون الغاية، هينمة أيا كنت معناها، وكأس لي شعشعت حمياها، وولايتك خطر، وفي عملك نظر، إنما هو ظل غمامة، ومبيض حمامة، ثم تعود إلى استحلاس البيت، وأكل الخبز بالزيت.
وكتب إلى أبي الحسن بن بياع (١) بهذه الرسالة والشعر الذي بعدها: يا عمادي الذي شف قدره على الأقدار، شفوف الضحى على الإبدار، وسرى ذكره بأطيب الأخبار، مسرى النسيم بالأزهار، وامتزج حمده وشكره بالأسماع والأبصار، امتزاج المثاني بالأزيار.
وفي فصل منها: وإن كنت ضيق الباع مزجى البضاعة، في غير ورد ولا صدر من هذه الصناعة، فإني أقول بفضلها، وأعرف الحسن من أهلها، وأعرض بنفسي - فاديتك - للالتفات - في حبلها، والتصرف بين جدها وهزلها؛ ولم أزل منذ تخيل جناني، وتقول لساني، وأدبر ملكي أو شيطاني، ألتمس من أهل هذا الشان إماما أسعى باسمه وأحفد، وأقيس على حكمه وأقلد، وأحل بين تهممه وأعقد، والناس كثير، والناقد بصير، وللأمور أعجاز وصدور، فكيف تراني اتخذتك خليلا،
_________________
(١) ذكره ابن بسام في الذخيرة ١: ٧٦ وأورد له بيتا على وزن قصيدة الأعمى التالية ورويها وجاء عند السلفي ذكره عرضا (ص ١٢٢) واسمه علي بن بياع (كما سيجيء في القصيدة) وهو سبتي النسبة، وقد نقل بعض شعره وشعر غيره من المغاربة أبو عمران السبتي وأنشده للسلفي.
[ ٤ / ٧٣٠ ]
وذخرتك على الأيام عهدا مسؤولا، وبايعتك على الطاعة والسمع، وشايعتك سري الاستطاعة والوسع، فعولت عليك كعبة أولي وجهي شطرها، وأسندت إليك هضبة إن خشي سواي وعرها. لأكون قد قدرت هذه الصناعة قدرها، وأبلغت نفسي في ظلها والتعلق بسببها عذرها.
وفي فصل منها: وكتبتها عن جنان بلقائك صب. ولسان بشكر آلائك رطب، وشاهد سريرة وإعلان على سلامتك، والشكر لأياديك، ومنافسة أهل ذلك القطر فيك، ما لا يسعه نظم ولا نثر، ولا يحيط به عد ولا حصر.
وفي فصل: ولما حجب سناك، ونظرت إليك نظر المنهزم إلى السلم، وتنكب الحادي ذراك، وقربت منك بمكان الدبران من النجم، واستمر الزمان على عادته في إمالة حالي، بإرادته من عكس أراجي وآمالي، خاطبت الحضرة البهية الزدانة بموئلي - دام عزه - بأبيات من ذلك الهذيان، الخالي إلا من البيان، أستغفر الله: بل لهثات من ذلك البرسام، المتولد عن عكس الاحتدام. وهي على حالها ناطقة بلسان شكرها، سافرة عن وجه عذرها. وقد زففتها إليك، واستنبتها عني في المثوى بين يديك، غير - والله - مباه لك، ولا متشبه بك، ولا طمعا في اقتفاء آثارك، فضلا عن ضق غبارك، ولكن تغنما لمسرتك، واعتلاقا بمبرتك، وخدمة للعلية حضرتك، ولترى أين أقع، بما أصنع. ولولا أن أتعدى طوري. وأحور بعد كوري، لقلت: إن تفضل سيدي وإمامي بجواب عزيز ليبسط نفسي، ويرد شارد أنسي، فعل.
[ ٤ / ٧٣١ ]
وأول الشعر (١):
أبا حسن دعاء أو حنينا ولا آلوك إن كانت خبالا
أتأذن في التظلم من زمان عدا تلك الزيارة والوصولا
ولو أن الخيال ينوب عني لأبلغك الكرى قصصا طوال
ولولا أن أدلس في التلاقي لزرتك حيث تعترف الخيالا
فلم تر بيننا وأبيك فرقا سوى أني أحن إذا أحالا
ذكرتك ذكرة جذبتك نحوي فهل أحسنت نقلا أو نقالا
وأعلم أنها كهواك سحر ولكن كيف تستهوي الجبالا
بلى إن يدن طيفك من وسادي فقد سميتها السحر الحلالا
وكيف يحس طيفك أو يراه ولو نصب الحبائل والحبالا
معنى لا يزال سمير شوق عهدت لبرحه ألا يزالا
يؤرقه بعادك كل ليل توهم طول زفرته فطالا
كأن نجومه أقداح شرب إذا زيدت هدى زادت ضلالا
أبا حسن وأين الحسن مما تشير به فعالا أو مقالا
لك الفضل الذي هو فيك طبع إذا احتقبوه غضبا وانتحالا
قتلت حقائق الأشياء علما كفاك البحث عنها والسؤالا
نمتك إلى المكارم والمعالي إذا نجم تكارم أو تعالى
صقور أبو بدور أو بحور وإن لم تلق مثلهم رجالا
إذا شهدوا القتار (٢) فسوف تدري لأية علة شهدوا القتالا
بنو الهيجاء طاروا في وغاها وإن كانت حلومهم ثقالا
_________________
(١) انظر الديوان: ٢٤٣.
(٢) الديوان: القتال.
[ ٤ / ٧٣٢ ]
إذا زبنتهم شنوا عليها جيادا ضمرا طوالا
ونعم النازلون على الروابي إذا ما الشمس أحرقت الظلالا
إذا اكتفت (١) الرياح بحيث تدعو بصوب المزن خالقها ابتهالا
ولو أني أشاء لأبلغتني ذراك، ولو أسيء بها فعالا
قلائص ما رحلناهن إلا رأيت بهن عصما أو رئالا
كأنصاف البرى وتدق عنها (٢) شواها دقة تسع الخلالا
إذا انبعثت رأيت قسي نبع (٣) وتحسبها إذا بركت سخالا
تناسب شدقما أو (٤) أذكرته وصار لها السرى هما وخالا
[تراع من السقاب إذا رأتها (٥) وتشتاق الأزمة والرحالا
وقد ألفت بنات القفر حتى حسبت الغول يحذوها النعالا
إذا لمع السراب تبادرته فأحسبها تريد به اشتمالا
وبين جفونها منه نطاف إذا سمع الغليل بهن خالا
لعلك يا علي لها معاذ فتسقيها بحارا (٦) أو سجالا
وتبسط أو تمد لها يمينا غدا نوء السماك لها شمالا
أبيعك يا ابن بياع فؤادي وغيري من إذا ندم استقالا
وأصفيك الوداد وغير ودي إذا حالت صروف الدهر حالا
إليك هواي تكرمة وبرا إذا كان الهوى قيلا وقالا
_________________
(١) الديوان: التقت.
(٢) ورد البيت في الذخيرة ١: ٧٦.
(٣) الديوان: إذا بلغت محالا.
(٤) الديوان: أنكرته.
(٥) زيادة من الديوان لاستكمال المعنى.
(٦) الديوان: غمارا.
[ ٤ / ٧٣٣ ]
ومعذرة تشير بنات صدري إليك بها اختصارا واحتفالا
عدا بي أن أزورك صرف دهر ألح فما أطيق له احتيالا
وهم من (١) همومي لو توخى طريق الريح كان لها عقالا
إذا أعفيت راع إلي منه (٢) محب لا يمل إذا أطالا
يخضخض مدمعي ويخوض فيه فما يدع المصون ولا المذالا
ودونكها وأنت أجل قدرا ولكن عادة حذيت مثالا
فإن ضاعت لديك فأنت شمس يشب تعسفي فيها الذبالا
وإن حظيت وأرجو أن ستحظى فإن الشمس نورت الهلالا
على خطر أو آن الليل منه لعاد شباب راكبه اكتهالا
وغب تعقب لو كان منه فرند السيف ما قبل الصقالا
_________________
(١) الديوان: هموم.
(٢) هذا البيت والتالي له لم يردا في الديوان.
[ ٤ / ٧٣٤ ]
ومن شعره في النسيب وما يناسبه
قال (١):
هو الهوى وقديمًا كنت أحذره السقم مورده والموت مصدره
يا لوعة أجلًا من نظرة (٢) أمل الآن أعرف رشدًا (٣) كنت أنكره
جد من الشوق كان الهزل أوله أقل شيء إذا فكرت أكثره
(٤) ولي حبيب دنا لولا تمنعه وقد أقول نأى لولا تذكره وله في قينة كانت تسمى لذيذة (٥):
يا قلب ذب من أسى أو لا فلا تذب ما من تحب وإن تحرص بمقترب
ركبت هول الهوى عن غير تجربة وراكب الهول محمول على العطب
قد صاب طعم الهوى من بعدما وضحت منه ضروب منى أحلى من الضرب
لبيت داعيه لما أن دعاك وما دعاك داعي الهوى إلا إلى الشجب
حتى إذا نلت من تلك المنى جعلت تدعو عليك بطول الويل والحرب
أيا لذيذ ولا والله مذ حجبت عني لعيني في اللذات من أرب
_________________
(١) الديوان: ٢٤٠ وانظر بغية الملتمس: ١٧٥ والقلائد: ٢٧٤ والخريدة ٢: ٥١٩ والمسالك ١١: ٣٩٠ والمغرب ٢: ٤٥٢.
(٢) الديوان: يا لوعة هي أحل من جنى أمل؛ المسالك: قربت من نظرة أجلا.
(٣) الديوان: شيئًا.
(٤) الديوان: وإن شط المزار به.
(٥) منها أبيات في الديوان: ٢٤٧.
[ ٤ / ٧٣٥ ]
تركتني يا حياتي للردى غرضًا تفديك أمي من صرف الردى وأبي
يصلى فؤادي سعيرًا من صبابته والعين في لجة من دمعها السرب
يا رب قد سفكت أم الوفاء دمي وقد تخوفت يومًا أن تؤاخذ بي
وقد وهبت لها قلبي، وما خطري حتى يعاقب ذاك الحسن من سبي
نسيت إلا تدانينا وموقفنا على مراقبة من أعين الرقب
لما التقينا وقد قيل المساء دنا وغابت الشمس أو كادت ولم تغب
وأضلعي بين منقذ ومنقصف وأدمعي بين منهل ومنسكب
تأملني أخت المجد قائلةً بمن أراك أسير الوجد والطرب
فقلت قلبي مسبي وإنك لو كتمت سري لم أكتمك كيف سبي
فأعرضت ثم قالت قد أسأت بنا ظنًا، أيجمل هذا من ذوي الأدب
فقلت إني امرؤ لما لقيتكم والمرء وقف على الأرزاء والنوب
سبت فؤادي ذات الخال قادرةً ولا نصيب له منها سوى النصب
أشقى بها وهي عني في بلهنية شتان والله بين الجد واللعب
أصابت القلب لما أن رمته ولو رمته أخرى إذن لاشك لم تصب
فقالت اشك إليها ما لقيت ولا ترهب فلن تبلغ الآمال بالرهب
عسى هواك سيعديها فينصبها وقد يكون الهوى أعدى من الجرب
فقلت أعظمها بل ما أكلمها إلا أشار إليّ الموت من كثب
قالت أنا أتولى ذاك في لطف فقد أؤلف بين الماء واللهب
فقلت مثلك من يرجى لمعضلةٍ لا زلت في غبطة ممتدة الطنب
قالت لها يا لذيذ الحسن صاحبنا يهفو إليك وأضحى جد مكتئب
صليه أو فاقتليه فالحمام له خير من الجهد وفي تعب
فلو تراني قد استسلمت مرتقبًا منها حنان الرضى أو جفوة الغضب
[ ٤ / ٧٣٦ ]
حتى إذا ما ألانت تلك جانبها والقلب مهما أرم تسكينه يجب
طفقت ألثم كفيها وقد جنحت إليّ تضحك بين العجب والعجب
ثم افترقنا وما ساءت حفائظنا إذ اجتمعنا ولم نأثم ولم نحب
لله مثلي ما أدنى سجيته من المعالي وأنآها عن الريب
كم مآثم مستلذ قد هممت به فلم يدعني له ديني ولا حسبي وله فيها أيضًا (١):
يا حب لذة قد أدنفت فاتئد إن كنت اجهد في نقضي فلا تزد
ويا لذيذة لا والله ما خطرت بالقلب ذكراك إلا بت في عضد
أتحسبين فؤادي عنك منصرفًا وقد حللت محل الروح من جسدي
بنتم فخلد عندي وشك بينكم شوقًا نفى جلدي لا بل سبى خلدي
هيهات يسلو فؤادي عنكم أبدًا أنى ووجدي بكم باقٍ على الأبد
أم الوفاء لحيني ما فتئت بكم والناس قد فتنوا بالمال والولد
الله يعلم أني مذ عرفتكم لم يخل قلبي من خبل ومن كبد
ولا اتكال لعيني بعد فرقتكم إلا على مفنييها: الدمع والسهد
ترى جفونك أرضاها الذي صنعت بي أنها نفثت بالسحر في العقد
أتترك الناس صرعى لا حراك بهم ولا سبيل إلى عقل ولا قود
من كان يفظع طعم الموت في فمه فإنه في فمي أحلى من الشهد
فإن سقمي أضحى ما له أمد والموت أروح من سقمٍ بلا أمد
بما بلحظك من غنجٍ ومن حورٍ وما بعطفك من عطف ومن أود
حني على هاتم بالحب مختبلٍ بالشوق مرتهن بالحزن منفرد
_________________
(١) منها أبيات في الديوان: ٢٤٨.
[ ٤ / ٧٣٧ ]
أضحى أسير صدودٍ بل قتيل نوىً رمته منها بسهم عنه لم يحد
يخشى على حبك الحساد تفضحه فما يبوح به يومًا إلى أحد
وإن بكى فبدا لعاذليه فعن غير اختيار ولكن عادة الكمد
أما كفى حزنًا أن قد ظمئت وقد عاينت عذب الحيا يجري على البرد
قد أرهفت دونه سيفان من دعجٍ بلحظ أحوى رهيف القد ذي غيد
ورد شهي حماه الموت منصلتًا فظلت حيران لم أصدر ولم أرد
وما عجوز لها ابن واحد بصرت به يخوض الردى في ملتقى كبد
يومًا بأجزع مني يوم قولهم أصخ لداعي تنائينا غداة غد
أضحت على الأجد الأقواد باكيةً فلم ينل أحد ما نلت في الأحد
لقيت فعلة واللذات قد زهيت بنا وقد مات صرف الدهر من حسد
غنت فلو أن ميتًا كان يسمعها لعاد حيًا كأن لم يرد يوم ردي
فهل يسكن عذالي وإن جهدوا ما حركت حرك الأوتار في كبدي
يا لذ مالك في قتلي بلا سببٍ وأنت سؤلي في قرب وفي بعد
رفقًا بقلبي يا قلبي فإنك قد أسكنت حيث الأسى في اللب والخلد
لم تنطقي قط إلا ظلت أفرق من أن أستطار فلم أبدئ ولم أعد
ولا مددت يدًا للعود عامدةً إلا وضعت عليه أن يذوب يدي وله فيها أيضًا (١):
النوم بعدكم علي محرم من ذا ينام وقلبه يتضرم
ماء الحياة وقد نأيتم آسن رنق ووجه الدهر جهم مظلم
قد بان عني الصبر لما بنتم والوجد ينجد في الفؤاد ويتهم
_________________
(١) منها أربعة أبيات في الديوان: ٢٤٧.
[ ٤ / ٧٣٨ ]
أجريتم دمعي دمًا لفراقكم ظلمًا وقلتم ما له لا يكتم
ما كان أكتمني لسري قبل أن تكف الدموع كأنما هي عندم
فإذا شهدت جماعة واعتادني تذكاركم فاضت دموعي تسجم
فبحقكم من ذا يعاين أدمعي تنهل إلا قال هذا مغرم
حملتموني ثقل بينكم ألم تتبينوا ألم الحنين فترحموا
عاقبتموني في الهوى بذنوبكم لقد استطلتم إذ قدرتم فاعلموا
أتظلمون وتظلمون محبكم ومن العجائب ظالم متظلم
أعتبتم فعتبتم وأطعتم فعصيتم ووصلتم فهجرتم
قد كان لي في هجركم لو أنني أقوى عليه من السلامة سلم
ولقد علمتم أنني قد رمته فضعفت عنه فافعلوا ما شئتم
أنتم مناي وفيتم أو خنتم ولكم هواي دنوتم أو بنتم
يا حبذا أم الوفاء وإن جفت وتغيرت فهي التي لا تسأم
وهي التي انفردت بودي كله ولطالما قد كان وهو مقسم ومن شعره في المديح:
له في محمد بن عيسى الحضرمي (١):
عتاب على الدنيا وقل عتاب رضينا بما ترضى ونحن غضاب
وقالت وأصغينا إلى زور قولها وقد يستفز القول وهو كذاب
وغمت (٢) على أبصارنا وقلوبنا فطال عليها الحوم وهي سراب
_________________
(١) الديوان: ٨.
(٢) الديوان: وغطت.
[ ٤ / ٧٣٩ ]
ودانت لها أفواهنا وعقولنا وهل عندها إلا الفناء ثواب
وتلك لعمر الله أما ركوبها فهلك وأما حكمها فغلاب
نلذ ونلهو والأعزة حولنا رفات ونبني والديار خراب
وتخدعنا عما يراد بنا منىً لبحر المنايا دونهن عباب
ونغتنم الأيام وهي مصائب لهن علينا جيئة وذهاب
بكت هند من ضحك المشيب بمفرقي أما علمت أن الشباب خضاب
وقالت غبار ما أرى وتجاهلت وليس على وجه النهار نقاب
هل الشيب إلا الرشد جلى غوايتي فأصبحت لا يخفى علي الصواب
وأصبح شيطاني يعض بنانه وقد لاح دوني للقتير شهاب
أأغفو لصرف الدهر عن هفواته على حين لا يأبى (١) علي عقاب
وأتركه يمضي على غلوائه وقد عز (٢) إعتاب وطال عتاب
برئت من العلياء إن لم أرده ولي ظفر قد عاث فيه وناب
وإن لم أنهنه من شباه بعزمةٍ تذل لها الأشياء وهي صعاب
وقائلة ما بال حمص نبت به ورب سؤال ليس عنه جواب
نبت بي فكنت العرف في غير أهله يعود على موليه وهو تباب
وتالله ما استوطنتها قانعًا بها ولكنني سيف حواه قراب
أيغضب حسادي قيامي إلى العلا وقد قعدوا عما ظفرت وخابوا
هم حسدوني لا لوفر وفرته (٣) ولكن شهدت المكرمات وغابوا
وأروع لا ينأى على عزماته مرام ولا يخفي سناه حجاب
_________________
(١) الديوان: يأتي.
(٢) الديوان: قل.
(٣) لم يرد هذا البيت في الديوان.
[ ٤ / ٧٤٠ ]
من الحضرميين الأولى أحرزوا العلا بسنوا فأطالوا أو رموا فأصابوا
من المانعين الدهر حوزة جارهم وأشلاؤه بين الخطوب نهاب
هم عرضوا دون المعالي فأصبحت مطالب لا يدنو بهن طلاب
وهم (١) جأجأوا بالمعتفين إلى ندىً هو القطر لا يأتي عليه حساب
مضوا إن تسمهم خطة الضيم يأنفوا (٢) وإن يدعهم داعي السماح أنابوا
سجايا على مر الليالي كأنما هي المزن فيه رحمة وعذاب
تخوفني (٣) ريب الزمان وقد حدت برحلي إلى ابن الحضرمي ركاب
إذا الله سنى لي لقاء محمد تفتح دوني للسماحة باب
فتىً لم تسافر عنه آمال آملٍ وكان لها إلا إليه إياب
ولا ظمئ العلم المضيع أهله فساغ له إلا لديه شراب
له همم في الجود والبأس لم (٤) تزل لها فوق أثباج النجوم قباب
وأقسم لولا ما له من مآثرٍ لأصبح ربع المجد وهو يباب
مآثر هن المجد لا كسب درهمٍ وهن المعالي لا حلى وثياب
يغبط العدا منه أغر حلاحل أشم طوال الساعدين لباب
ولا عيب فيه لامرئ غير أنه تعاب له الدنيا وليس يعاب
هو الأسد الورد الذي طال ذكره وليس له إلا البسالة غاب
تبوأ من دار الخلافة مقعدًا له فيه عن حكم القضاء مناب
وباهت به منذ استقل بأمرها كما تتهادى للجلاء كعاب
_________________
(١) الديوان: جنحوا.
(٢) لم يرد في الديوان.
(٣) الديوان: صرف.
(٤) الديوان: والبأس والندى.
[ ٤ / ٧٤١ ]
سل الدين والدنيا هل ابتهجا به كما انجاب من ضوء النهار ضباب
نضاه أمير (١) المسلمين مهندًا له الحلم متن والمضاء ذباب
له المثل الأعلى معادًا ومبدءًا وللحاسد العاوي حصىً وتراب
ألانت لك الأشياء وهي صليبة عزائم في ذات الإله صلاب
إليك أبياتًا من الشعر (٢) صغتها بودي لو أني بهن كتاب
(٣) فإن تتقبلها فتلك طويتي فيا من رأى خطبًا ثناه خطاب
وهل أنا إلا الروض حياك عرفه وقد باكرته من نداك سحاب
ومن يثن بالصنع الجميل فإنه شكور ولا مثل المزيد ثواب
وهل أنا إلا عبد أنعمك التي هي الشهد إذ كل الموارد صاب
وهل شهد المجد الذي أنت سره (٤) بأنك بحر والكرام شعاب
وها أنا يا رضوان باسمك هاتف فهل لي إلى دار المقامة باب
وهل يدرك الحساد غورك في العلا وإن طال مكر منهم وخلاب
إذا (٥) قايسوك المجد كنت غضنفرًا إذا زار لم تثبت عليه ذئاب
وما احمر إلا من صيالك معرك ولا اخضر إلا من نداك يباب وقال أيضًا يمدح ذا الوزارتين أبا جعفر بن أبي ﵀ (٦):
فؤاد على حكم الهوى لا على حكمي يهيم على إثر البخيلة أو يهمي
_________________
(١) الديوان: المؤمنين.
(٢) الديوان: قلتها.
(٣) الديوان: وتلك مطيتي.
(٤) الديوان: سراب.
(٥) الديوان: نافسوك.
(٦) انظر الديوان: ١٧٥.
[ ٤ / ٧٤٢ ]
متى أشتفي من لوعتي أو أطيقها إذا كان يجنيها فؤادي على جسمي
هنيئًا لسلمى فرط شوقي وأنني ذكرت اسمها يوم النوى ونسيت اسمي
غداة وقفنا نقسم الشوق بيننا على ما اشترطنا وارتضت سنة القسم
وقد طلعت تلك الهوادج أنجمًا تركن جفوني في الكرى أسوة النجم
فأبت بدمعي لؤلؤًا فوق نحرها وآبت بما في مقلتيها من السقم
خليلي هل بعد المشيب تعلة لذي الجهل أو في الحب شغل لذي الحلم
وهل راجع عيش لبسناه آنفًا (١) كيوم يزيد في بيوت بني جرم
وهل لي حظ من مواتاة صاحب له قدرة القاضي وموجدة الخصم
بدت رقة الشكوى على (٢) غضباته ورابتك في أعطافه فسوة الظلم
كما اضطرب الخطي في حومة الوغى وصم المنايا في أنابيبه الصم
رماني على فوت الشباب وإنما تعرض لي لما رآني لا أرمي
ولم يدر أني لو أشاء ختلته على رسله إن الحبالة كالسهم
ووكل عينيه باتلاف مهجتي سيعلم إن لم يستجر بي من الغرم
أبا جعفر هذي المكارم والعلا دعاء بحق وادعاء على علم
أرى الناس قد باعوا المروات فاشتر وقد ضيعوا ما كان من حسب فاحم
وأنت أحق الناس بالحزم فأته وصون العلا بالمال شبه بالحزم
وأنت بعيد الهم مقترب الجدا كريم السجايا ماجد الخال والعم
أبى إذا لم يدافع الضيم دافع بغير الحديث الإفك والحلف الإثم
وأكرم من يرجى لدفع ملمةٍ إذا الطفل لم يسكن إلى لطف الأم
_________________
(١) يعني يزيد بن الطثرية وقد دخل ح بني جرم وانصرف من عند النساء مدهونًا مثقلًا بالهدايا (الأغاني ٨: ١٥٨: ١٦١) .
(٢) الديوان: حركاته.
[ ٤ / ٧٤٣ ]
وأهفى بألباب الرجال من الهوى وأخفى وراء الحادثات من الوهم
وأحمى لحوزات المعالي من الردى واسخى بآمال النفوس من الحلم
وذو عزمات لو تساوى بها الربى لطأطأها بين المذة والرغم
ولم أر أحيا منك وجهًا ولا يدًا إذا استأثر الحر المرمق بالطعم
وأصبر في ظلماء كل كريهةٍ بحيث يكون الصبر أفرج للغم
إذا الخيل عامت في النجيع وألجمت بسمر العوالي وهي تطغى على اللجم
ولم تر إلا عاثرًا بدمائه يحاذر كلمًا أو يدافع عن كلم
ولا حصن إلا السيف في يد ماجد يرى الموت دون المجد غنمًا من الغنم
هنالك حدث عن أبي (١) وأحمد وعبد المليك الشم في الرتب الشم
تسميت بالفضل الذي أنت أهله ومعناه، والمذموم (٢) أجدر بالذم
وألبست من مثنى الوزارة حلةً تقوم لها تلك المآثر بالرقم
وتنميك من سعد العشيرة أسرة هل الفخر إلا ما نمته وما تنمي
بهاليل أبطال جحاجح سادة كأسد الشرى في الحرب كالمزن في السلم
إذا ركبوا الجرد الجياد إلى الوغى رأيت الأسود الضاريات على العصم
سيأتيك شعري ذاهبًا كل مذهب على شيهم من خطةٍ أو على شهم
جزاءً بنعماك الجزيلة إنني تكرمت عن شين الصنيعة بالكتم
فكم لك عندي من يد ملأت يدي ومن نعمة أولى بشعري من نعم
هنيئًا لك العيد الذي أنت عيده وعيد لما حاكوا من النثر والنظم
نأى الحجر الملثوم فيه فأحظني بيمناك واجعل لي سبيلًا إلى اللثم
_________________
(١) الديوان: وجعفر.
(٢) ص: إن الذم.
[ ٤ / ٧٤٤ ]
وقال أيضًا يمدح الوزير أبا العلاء بن زهر (١):
يفديك كل جبانٍ في ثياب جري نازعته الورد واستأثرت بالصدر
لما رأى الخبر شيئًا ليس ينكره أحال بالدين والدنيا على الأثر
ول السهى ما تولى من تكذبه إن المزية عند الناس للقمر
وهي الشفار إذا الإقدام جردها (٢) ألوت بما يدعيه العشي للشفر
والناس كالناس إلا أن تجربهم وللبصيرة حكم ليس للبصر
كالأيك مشتبهات في منابتها وإنما يقع التفضيل الثمر
ولى رجال غضابًا حين سدتهم لا ذنب للخيل إذ لا عذر للحمر
واستشرفوا كلما أحرزت طائلةً وللسنان مجال ليس للابر
طولوا وإلا فكفوا من تطاولكم إن المآثر أعوان على الأثر
مللت حمص وملتني فلو نطقت (٣) كما نطقت تلاحينا على صدر
وسولت لي نفسي أن أفارقها والماء في المزن أصفى منه في الغدر
هيهات بل ربما جنى الرحيل غنىً بالمال أجني به رغدًا (٤) من العمر
كم ساهر يستطيل الليل من دنفٍ لم يدر أن الردى آت مع السحر
أما اشتفت مني الأيام في وطني حتى تضايق في ما عن من وطر
ولا قضب من سواد العين حاجتها حتى تكر على ما ظل (٥) في الشعر
_________________
(١) الديوان: ٤٨ وبعضها في المسالك والنفح والوافي والمغرب والشريشي ١: ١١٠ وطراز المجالس: ١٢٤ ورفع الحجب ١: ١٤٠ والذخيرة ١: ٣١٢.
(٢) الديوان: العين للسهر.
(٣) هذا البيت والذي يليه في الرايات: ٩٠ (غ) .
(٤) الديوان: أحيي به فقرًا.
(٥) الديوان: كان.
[ ٤ / ٧٤٥ ]
كم ليلة جبت مثنى طولها بفتىً شتى المسالك بين النقع والضرر
حتى بدا ذنب السرحان لي وله كأنما هو ند بالصباح يري
في فتية ينهبون الليل عزمهم فليس يطرقهم إلا على حذر
لا يرحضون دجاه كلما اعتكرت إلا بمال ضياع أو دم هدر
لهم هموم تكاد العيس تعرفها وربما اشتملت بالحادث النكر
باتت تخطى النجوم الزهر صاعدةً كأنما تفتليها عن بني زهر
القائلين اقدمي والأرض قد رجفت إلا ربىً من بقايا البيض والسمر
والهام تحت الظبا والبيض قد حميت فما تطاير إلا وهي كالشرر
أثناء كل سنان (١) عد في زرد كأنه جدول أفضى إلى نهر
والخيل شعث النواصي فوقها بهم حمس العزائم والأخلاق والمرر
شابت من النقع وارتاب الشباب بها فغيرت من دم الأبطال بالشقر
والشيب مما أظن الدهر صحفه معنى من النقص عماه عن البشر
لو يعلم الأفق أن الشيب مقتبل نهاية الروض أن يعتم بالزهر
وليس للمرء بعد الشيب مقتبل نهاية الروض أن يعتم بالزهر
أما ترى العرمس الوجناء كيف شكت طول السفار ولم تعجز ولم تخر
تسري ولو أن جون الليل معركة ترى الردى كاشرًا فيها عن الظفر
باتت توجى وقد لانت مواطئها كأنها إنما تخطو على الإبر
تخشى الزمام فتثني جيدها فرقًا (٣) كأنه بين ثني (٢) حيةٍ ذكر
من كل ناجية (٤) الآصال قد فصلت من الردى فحسبناهما من البكر
_________________
(١) الديوان: على.
(٢) الديوان: من تثني.
(٣) مر قبلًا ص: ٦٢٧.
(٤) الديوان: الآمال.
[ ٤ / ٧٤٦ ]
بهيمة لو توفى كنه (١) شرتها لفاتت الخيل في الأحجال والغرر
تجري فللماء ساقًا عائم دربٍ (٢) وللرياح جناحا طائر حذر
قد قسمتها يد التقدير بينهما على السواء فلم تسبح ولم تطر
أما إياد فنالت كل مكرمة لولا مكان رسول الله من مضر
وأوقدوا ونجوم الليل قد خمدت في لج طام من الصنبر معتكر
ألقى المراسي والتجت غياطله على ذكاء فلم تطلع ولم تغر
وأترع الوهد من إزباد لجته بالبرس يلبث بين القوس والوتر
فالأرض ملساء لا أمت ولا عوج كنقطة من سراب القاع لم تمر
أفادني حبك الإبداع مكتهلًا وربما نفع التعليم في الكبر
إذا رميت القوافي في فرائصها (٣) لم أرمها متلجًا كفي في قتر
أين ابن بابك أو مهيار من مدحٍ (٤) نسقتها فيك نسق الأنجم الزهر
أشدو فيلقي ابن حجر بالمقالد لي والدهر يعلم أن الدر للحجر
أبا العلاء وحسبي أن تصيخ لها إقرار جان وإن شئت اعتذار بري
أنا الذي أجتني الحرمان من أدبي إن النواظر قد تؤتى من النظر وله في القاضي ابن حمدين رحمهما الله يستهينه ويستعطفه (٥):
_________________
(١) س: اثرتها.
(٢) الديوان: ذكر.
(٣) إشارة إلى قول امرئ القيس (ديوانه: ١٢٣): رب رام من بني ثعل متلج كفيه في قتره وأتلج الكفين: أدخلهما، والقترة: بيت الصائد الذي يكمن فيه.
(٤) ابن بابك: أبو القاسم عبد الصمد بن منصور من شعراء اليتيمة؛ ومهيار الديلمي تلميذ الشريف الرضي (تاريخ بغداد ١٢: ٢٧٦) .
(٥) الديوان: ٤.
[ ٤ / ٧٤٧ ]
أغمز (١) جفون وانكسار حواجب أم البرق في جنح من الليل راتب
سرى وسرى طيف الخيال كلاهما يود لو أن الليل ضربة لازب
وفي مضجعي أخفى على الليل (٢) منهما وأثقب في أجواز تلك الغياهب
لقى غير نفس حرةٍ نازعت به نجوم الدجى ما بين سار وسارب
معودة ألا تطبق روعة بها مذهبًا، والموت شتى المذاهب
إليك ابن حمدين وإن بعد المدى (٣) وإن عزبت بي عنك إحدى العوازب
صبابة ود لم يكدر جمامه مرور الليالي وازدحام الشوائب
وذكرى عساها أن تكون مهزةً ترد على أعقابه كل شاغب
بآية ما كان الهوى متقاربًا وخطوي فيه ليس بالمتقارب
أمخلفة تلك الرسائل بعدما شددنا قواها بالنجوم الثواقب
وكم غدوةٍ لي في رضاك وروحةٍ على منهج من سنة البر لاحب
ليالي لم تمش الأخابث (٤) بيننا بما كاد يستهوي حلوم الأطايب
ولم يزحفوا في نقض ما كان بيننا بصيابةٍ ينمونها وأشائب
وأياه لم يجن الدلال على الهوى هناتٍ جنت عتبًا على غير عاتب
أفالآن لما كنت أحكم (٥) قادر وسرك أني جئت أصدق تائب
ولم تبق إلا نزعة ترتقي بها شياطين تخشى القذف من كل جانب
أضعت حقوقي أو حقوق مودتي فدونكها أعجوبة في الأعاجب
_________________
(١) الديوان: عيون.
(٢) الديوان: على الليل.
(٣) الديوان: غربت الغوارب.
(٤) الديوان: الأخابيث.
(٥) الديوان: قاصد.
[ ٤ / ٧٤٨ ]
وفجعت بي حيًا نوادب كلما تذكرنني أسعدن غير نوادب
وقال العدا ليل الخمول أجنه على رسلهم إني عياض بن ناشب
واصبحت لا يرتاع من خوف سطوتي عدوي ولا يرجو غنائي صاحبي
ولا تتباهي بي صدور مجالسٍ أسرك فيها أو صدور مواكب
وما (١) تتلاقاني العفاة كأنما أهابوا بمنهل من الغيث ساكب
ولا أمتري أخلاف كل (٢) مشيئةٍ بأيدي صبا من عزمتي وجنائب
أعاتب إدلالًا وأعتب طاعةً وحسبك بي من معتبٍ أو معاتب
أبوء بذنبي ليس شعري بمقتضٍ علاك ولو قفيته بالكواكب
ولكنه ما أستطيع وعوذة لفضلك إلا تمح ذنبي تقارب
ويجحدك الحساد أنك سدتهم على شاهد مما انتحيت وغائب
وقد وقفوا دون المدى غير خلوةٍ بأنفسهم أو بالظنون الكواذب
غضابًا على من ناكر الدهر بينهم وقد عرفوه بين راضٍ وغاضب
سراعًا إلى الدينار حيث بدا لهم ولو أنه بين الظبا والضوارب
إذا المرء لم يكسب سوى المال وحده فألأم مكسوب لألأم كاسب
عجبت لمن لم يقدر الترب قدره وقد تاه في نقد النجوم الثواقب
ومن لم يوطن للنوائب نفسه وقد لج في تعريضها للنوائب
أعد نظرةً فيهم وفي حرماتهم وإن لم يعيدوا نظرةً في العواقب
وكن بهم أدنى إلى الرشد منهم تكن هذه إحدى علاك العجائب
لعلهم والدهر شتى صروفه ومجدك أولى بارتقاء المراتب
قد انصرفت تلك الهموم لواغبًا إلى المقصد الأدنى وغير لواغب
_________________
(١) الديوان: ولا تتلقاني.
(٢) الديوان: مرنة.
[ ٤ / ٧٤٩ ]
وثابت حلوم ربما زال يذبل وزال سهيل وهي غير ثوائب
وأيقن قوم أنها هي ترتمي بهم بين مجنوب إليك وجانب
وألقوا بأيد صاغرين وأخلصوا ضمائر مكذوبي المنى والتجارب
وأهون مغلوبٍ على أمر نفسه من الناس من لا يتقي بأس غالب
إليك ابن حمدين تنصيحة مشفق (١) تنخلها أثناء تلك الغرائب
برغمي ورغم المكرمات تقضبت حبال بأيدي الحادثات القواضب
ورغم رجالٍ علمتهم ذنوبهم حذار الأعادي واحتقار المصائب
قضوا نحبهم إلا أسى غير نافع على ذاهب من أمرهم غير ذاهب
يلوذون منه بالخضوع مرددًا إذا عزهم فيض الدموع السواكب
فإن تنتصف منهم فأعذر آخذٍ وإن تتداركهم فأكرم صاحب ومن شعره، في التأبين، قصيدة له يعزي ابن مرتين، أوله (٢):
على مثله فلتبك إن كنت باكيًا فقد عهد الأحباب ألا تلاقيا
وقد أجمعوها آخر الدهر رحلةً يذم إليها العيس من كان ثاويا
سفار تداعوا من نواهم بطيةٍ تساقوا بكأسيها الفراق تساقيا
أفي كل يوم أودع الأرض صاحبًا أريق به في الترب ماء شبابيا
وأحسب أني لو غدوت مكانه لعز عليه أن أكون مكانيا
ولو أنني أحببته الحب كله لأتبعته نفسي وأهلي وماليا
وقل غناء عنه إسبال عبرة إذا ابتدرت كفكفتها بردائيا
وعدي له الأيام لا أنا واهم (٣) ولا أنا ثان من عنان رجائيا
_________________
(١) الديوان: النوائب.
(٢) لن ترد هذه القصيدة في الديوان.
(٣) قراءة تقديرية غير دقيقة للبيت كله.
[ ٤ / ٧٥٠ ]
وحفظي له بالغيب حتى كأنه بحيث أراه أو بحيث يرانيا
وقولي لا تبعد وقد حال دونه كثيب تهاداه الرياح تهاديا
خليلي قد أفنيت سهدي وأدمعي وعيني فما لي لا أرى الوجد فانيا
خليلي من يطمع بشيء فإني نفضت به لا بل نقضت فؤاديا
وليست حياتي غير شجو مردد عهدت له ألا ألذ حياتيا
صلاة ورضوان وروح ورحمة وكل سحاب لا أخص الغواديا
على الجدث المحبوب خالط تربه سنا البدر تمًا أو شذ المسك ذاكيا
على جدث ما ضر إنسان مقلتي وقد بان عنها لو غدا فيه ثاويا
طوى الحسن والإحسان والدين والحجى وبيض الأيادي يكتنفن الأياديا
وشخصًا لو أن الفضل أعطي حكمه لكان له مما هنالك واقيا
من الخفرات البيض ما انفك دونها مرام تحاماه الخطوب تحاميا
أتت دونها الآمال مختومة فما تحدث عنها الشهب إلا تناجيا
تخطى إلينا يومها كل شائحٍ يكفك غضبانًا ويكفيك راضيا
على كل طاوٍ طالما جشم الورى كفيلًا بأن لا يصبح الموت طاويا
من اللائي يدعون الردى أو لحينه عوادي يحملن الأسود عواديا
إذا قبلوها الروع خلت رقابها عوالي يحملن الأسود عواديا
حصون لو أن الرزق معتصم بها لأعياك إلا أن تمنى الأمانيا
أمصغية حثي تبثك شجوها حوائم لم تعهد كواديه واديا
إذا استشعرت ذكراك أنهبت الأسى عيونًا رواء أو قلوبًا صواديا
وملآن من عطف عليك ورقةٍ غدا منك مأهولا وإن كان خاليا
يراك بعيني شوقه وادكاره فيا دانيًا هلا كما كنت ذانيا
تهيج له ذكراك أنة ضائع فتضنيه مدعوًا وتعنيه داعيا
[ ٤ / ٧٥١ ]
عزاءً بني مرتين ما أحسب الأسى لذي اللب إلا آسيًا أو مؤاسيا
أبت هذه الأيام إلا طباعها وإن هي دارتكم هوىً أو تداهيا
وقد أمكنتكم وهي خون غوادر فإن شئم لم تتركوها كما هيا
إليك عبيد الله والبعد بيننا هوى بات يرمي بي إليك المراميا
ولبيك قد أسمعتني وإن التوت بعزمي هموم لا تجيب المناديا
ولابد من أن أنتحيك بهذه خليلًا صفيًا أو عدوًا مداجيا
أبثك حالي لا لأنك جاهل بحالي ولكن ربما كنت ناسيا
وأدلي بعذري ثم رأيك بعدها أميرًا ومأمورًا وخصمًا وقاضيا
صدقتك عن نفسي على القرب والنوى وقلت لعلي أو لعل اللياليا
وكنت قديمًا [قي] أعرض بالهوى لتدنو فما تزداد إلا تنائيا
وإني لأستحييك من حيث بعتني رخيصًا على أني اشتريتك غاليا
وما كنت أخشى أن أبيت بليلةٍ من الدهر لا أهدي إليك القوافيا
ولكنها لما استحفت مدائحا حذرت عليها أن تضيع مراثيا
وكنت أراني ربما اسود موضعي يسيرًا فما ظني به اليوم قانيا
فإن يرع الأحباب طول تململي فإني سليم لم أجد لي راقيا
وإن يطمع الأعداء فرط تذللي فحاشاك معزولًا وعتباك واليا
ووالله ما بي أن تضيع مودتي لديك ولكن أن يضيع وفائيا
وما لوت الأيام ديني لعلةٍ ولكن لعلي قد أسأت التقاضيا
عزاءك قد أبلغت نفسي عذرها ودهرك غدار فما لك واقيا
أرى هذه تفنى ويفنى متاعها ويأبى عليها الناس إلا تفانيا
[ ٤ / ٧٥٢ ]
ويأبى معز الشيء إلا ارتجاعه فيا أدعياء السرو ردوا العواريا
تساوى الورى قبل الحياة وبعدها فما بال قوم ينكرون التساويا
وقال الفتى أهلي ومالي ضلةً وأين به عن نسبتي (١) وماليا الوزير الكاتب أبو بكر عبد العزيز بن سعيد البطليوسي (٢)
أحد فرسان الكلوم والكلام، وحملة السيوف والأقلام، من أسرة أصالة، وبيت جلالة، أخذوا العلم أولًا عن آخر، ورووه كابرًا عن كابر، ولله دره فإنه، وأخويه أبا محمد طلحة وأبا الحسن محمدًا، منتهى قول
_________________
(١) س: منشي.
(٢) هو أحد ثلاثة أخوة يعرفون ببني القبطرنة (أو القبطورنة أو القبطورنية) والأرجح أن هذه التسمية مركبة من كلمتين هما Caput وتعني رأس وtorno بمعنى مستدير، فيكون معناها: " ذو الرأس المستدير " (انظر وثائق تاريخية جديدة للدكتور محمود مكي، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية ٧: ١١٧ الحاشية رقم: ٣)، وهؤلاء الاخوة الثلاثة هم أبو بكر عبد العزيز وأبو محمد طلحة وأبو الحسن محمد. أما أبو بكر عبد العزيز بن سعيد فقد كان من جلة الأدباء ورؤسائهم، كاتبًا مترسلا، كتب للمتوكل ابن الأفطس ثم لابن تاشفين من بعده وتوفي بعد ٥٢٠ وذكر مؤلف إحكام صنعة الكلام (١٣٧) أن أبا بكر كان من رؤساء العصر في صنعة النظم والنثر، وأنه كانت بينهما مراسلة سنة ٥٠٧ أورد ذكرها في كتابه " ثمرة الأدب ". (وانظر التكملة رقم: ١٧٤٣) ورسالة له في الريحان ١: ٩٢ ب) . وأما أبو محمد طلحة بن سعيد فقد أخذ عن مشيخة بلده، وكان أحد الأدباء الأذكياء وكان صديقًا لأبي بكر بن العربي وتوفي في حياة أخيه أبي بكر (التكملة: ٢٣٧) وكان لأخيهما محمد بن سعيد مكانة مشابهة، إذ كتب أيضًا للمتوكل ابن الأفطس، ولكن المصادر لا تعين شيئًا واضحًا عنه. (انظر تراجم الثلاثة في المغرب ١: ٣٦٤ والإحاطة ١: ٥٢٨ (وفيه نقل عن الذخيرة) والقلائد: ١٤٨ والخريدة ٣: ٤٢٢ والمطرب: ١٨٦.
[ ٤ / ٧٥٣ ]
القائل، وأعجوبة الأواخر والأوائل، ثلاثة كهقعة الجوزاء، وإن أربوا على الشمس في السناء والسناء، امتروا أخلاف الفخر فأمطرتهم شبعًا وريًا، وهزوا بجذوع النظم والنثر فاساقطت عليهم رطبًا جنيا، ولم يحضرني من أشعارهم ومستظرف أخبارهم حين إخراجي هذه النسخة من هذا المجموع إلا ما أثبته لأبي بكر منهم خاصة، وهو علم بردهم، وواسطة عقدهم.
فمن ذلك رقعة خاطب بها الوزير أبا الحسين ابن سراج قال فيها (١):
لولا أن عوائق الزمان - أدام الله عزك - تعوق، وبنائق مساعدته على الأحرار - بعلمك - تضيق، لساعدت إليك نزاعي، وانقدت في حبل تشوقي (٢) واطلاعي، ولطرت بجناحٍ، وامتطيت أعناق الرياح، ولاستبطأت السلاهيب، واستهجنت الجرد اليعابيب، ولم أرض بالتي تنفخ في البرى، واستقصرت بريد السرى، بالليل من خيل بربرا (٣)، ولارتحلت الكوكب، وحملت إليك قلبًا كقلب العقرب، ولاتخذت المجرة سبيلًا، وسهيلًا دليلًا، ولقدت البدر المنير، [١٣٨أ] وركبت الشعرى العبور، وامتطيت الأفلاك، وتترست بالثريا وطعنت بالسماك؛ هذا لو أردت البر، ومقاساة السهل منه والوعر، وإلا اتخذت السمكة سفينة، وأقمت لها النعائم ألواحًا، وعطاردًا ملاحًا، وقيرت بالغيوم، وسمرت بالنجوم،
_________________
(١) ورد بعض هذه الرسالة في إحكام صنعة الكلام: ١٣٦ وقد اعتمدوا ابن عبد الغفور فيها الحذف والإيجاز، كما جاءت قطعة منها في تمام المتون: ٢١٨.
(٢) س والأحكام: شوقي.
(٣) من قول امرئ القيس (ديوانه: ٦٦): على كل مقصوص الذنابي معاود بريد السرى بالليل من خيل بربرا
[ ٤ / ٧٥٤ ]
وجدفت بالفرقدين، وحملت من آمالي فيها من كل زوجين (١) اثنين، واعتصمت بالقوة والحول، وتخلفت (٢) كل من سبق عليه القول، واستعذت من شيطان الكسل وهو رجيم، وقلت ﴿باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم﴾ (هود: ٤١) حتى أحط في واديك، وأعرض نسخة مذاهبي في ناديك، فأرتسم في الجملة، وأصلي إلى تلك القبلة، وأسعد بتلك الغرة، وأقضي من لقائه الحج والعمر، وأطوف بذلك المقام، وأذكر الله عند المشعر الحرام، وعسى ذلك الحين يحين، وجوانب ايام أن تلين، فقد تأسو إثر ما تجرح، والصعب ينقاد (٣) بعدما يجمح، والشوك بالمن يسمح.
وفي فصل منها: ومؤديه حملته من عقوق زماني ما ليس بنكر، ومن عثرات أيامي ما لم يكن ببكر، وعودتني - دام عزك - الأخذ بيدي عند العثار، والنهوض بي على رغم أنف الليل والنهار، فلك الفضل الذي عودت، والطول الذي أسلفت، في التهمم برد (٤) لحظة العناية إلى ما يعين على صلاحي، ويعيد بعض الريش لجناحي، جاريًا على عادتك، وعاملًا على شاكلتك، والله يبقيك للمنن تتقلدها (٥)، والمكارم تشيدها، وأقرأتك (٦) من أثناء تلك الدولة والاشتياق، سلام حبيبٍ على
_________________
(١) ط: من كل زوج.
(٢) تمام المتون: وخالفت.
(٣) س: يمكن، وهو أقرب إلى قول بشار: عسر النساء إلى مياسرة والصعب يمكن بعد ما جمحا (٤) ط د: بود.
(٤) س د: تقلدها.
(٥) س: وأقربك.
[ ٤ / ٧٥٥ ]
الحسن بن وهب والعراق (١)، وإن بكيت عني مع إخواني فطالما كنت أعير الدموع للعشاق (٢) .
وله من أخرى: لا معنى - دام عزك (٣) - لذكر ما أنا عليه من التعظيم والتأمل، ولا لتجميل وجه حالي معك وهو الحسن الجميل، فضعيف هوىً يبغى عليه دليل (٤)، واعتزائي تدريه إليك، وتعويلي تعلمه عليك، وأني لك أنتسب في ودادي، وبك أتحلى في النادي، إن لمحت عيني نظرتك، أو خدرت رجلي ذكرتك، لا أفخر إلا بولائك، ولا أقر إلا لنعمائك، ولا أتمنى إلا كان المنى في لقائك. وهذا الباب لو أفنيت فيه الأيام، والقراطيس والأقلام، لم أبلغ فيه بعضًا، ولا أديت فرضًا، فأنا أقتصر منه على ما في ضميرك، وأقنع منه بتذكيرك، والله تعالى يبقيك لي ويعليك، ويعين (٥) على شكر أياديك.
وموصله ناصح - مملوكك - حركه ما حركه (٦)، وتوجه لأمر أرجو بعزتك دركه، وذلك أن أختًا لي، أمتك، لا باكية لي سواها، كان
_________________
(١) إشارة إلى قول أبي تمام (ديوانه ٢: ٤٢٥): سلام ترجف الأحشاء منه على الحسن بن وهب والعراق على البلد الحبيب إليّ غورًا ونجدًا والفتى الحلو المذاق (٢) من قول الشريف الرضي (ديوانه ٢: ٧٩): وابك عني فطالما كنت من قبل أعير الدموع للعشاق (٣) س: أدام الله عزك.
(٢) من قول المتنبي: ضعيف هوى يبغي عليه ثواب.
(٣) ط د: ويعينك؛ س: ويعينني.
(٤) ما حركه: سقط من ط.
[ ٤ / ٧٥٦ ]
لها ابن من ابن فلان، فرعض له (١) فاختلسه، وقربه إلى الحضرة المزدانة بك، فتمثل ما شئت من كمدها، واحتراق كبدها، وتذكر قوله ﵇: " لا توله والدة على ولدها "، وانظر سوء فعل هذا المعاند، وتدري وجد ثكلى أصيبت بواحد، وهو وإن كان غير واضح فهو عندها عرار (٢)، وفي عينها دينار (٣)، وإن كان كما سترى، فكل شيء يحب ولده حتى الحبارى (٤)، والولد - كما في علمك - فتنة، والخنفساء في عين أمها رامشنة، وستراه - إن شاء الله - وترى أباه، فتعلم الإقراف (٥) من حيث أتاه، وترى تلك المخايل، وتعرف فيه من أبيه شمائل (٦)، وتتحقق به المشابه والمناسب، وتنشد:
وأنا نرى أقدامهم في نعالهم وآنفهم بين اللحى والحواجب وترى فيه من علامات الكرام، لأنه شبيه لأمير المؤمنين هشام، وإنه متخازر، وأن اسمه عبد الله ن طاهر، وهذا هزل كله جد، ومزح تحقيقه عمد، فهو على كل حالٍ ولد، وقطعة من كبد، وأنت [١٣٨ب]
_________________
(١) ط د س: ابن من ابن فلان يعرض عليه.
(٢) من قول عمرو بن شأس (الحماسية رقم: ٨٤): وإن عرارًا إن يكن غير واضح فإني أحب الجون ذا المنكب العمم (٣) إشارة إلى قصة أعرابي كان ينشد ابنًا له ضل فلما سئل أن يصفه قال: كأنه دنينير، وكانت الصفة بعيدة عن الواقع.
(٣) انظر الميداني ٢: ٦٢.
(٤) الاقراف من قبل الفحل أي حين كون الأب هجينًا غير عربي.
(٥) من قول امرئ القيس (ديوانه: ١١٣): وتعرف فيه من أبيه شمائلا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
[ ٤ / ٧٥٧ ]
ولي النعمة في جبره عليها، ورد نومها به إليها (١)، والتطول في تأنيسي بأحرف كريمة تتضمن حالك ومجاريها، ومصانع الله الجميلة عندك فيها، والله يطلعني منك المبهج، ويسمعني عنك الطيب الأرج، وأقرئك سلامًا كودي كريمًا، وكندي (٢) المسك شميمًا، وإن مننت بإبلاغه إخواني بإخائك، وكواكبي في سمائك، أو وسعت فيه نفسك وإياهم، وخصصت به الوزراء مفردهم ومثناهم، وأخبرتهم أني عبد وصاهم، وشاكر عهدهم، والباكي دمًا من بعدهم، أنعمت وتطولت.
وعرضت عليه بعض تلك الرسائل التي تقدمت في صفة الزرزور فكتب في ذلك رقعة: أملك أبا الحسن (٣) الأحرار، وأمك الكبار، وانتجعت قطرك الأقطار، وشكرتك حتى بترجيعها الأطيار. ويصل به - وصل الله سعودك (٤) - من الطير نطاق، من غير ذوات الأطواق، يميس من المسك في حبرة أو طاق، صغروه على جهة التعجب والإشفاق، كما صغر سهيل، وذؤيب وهذيل، وقيل العذيق والجذيل، وكم صغروا العذيب، وقال عمر - ﵁ - أخاف على هذا العريب، وكقولهم يا سميراء، وكقوله ﵇ لعائشة: يا حميراء، مهدته العذارى الحجور، وألحفته الشعور، وربته بين الترائب والنحور، وعللته بالرضاب، وسقته بأفواهها العذاب، فما خلع الشكير، حتى رفض الصفير، وهجر
_________________
(١) ط د: عليها.
(٢) ط: وتندى؛ س: وبندى.
(٣) أعتقد أن صوابه " أبا الحسين " أي ابن سراج، لأنه هو الذي أثار هذه الرسائل الكثيرة حول الزريزير.
(٤) س: سعادتك.
[ ٤ / ٧٥٨ ]
الراء الدائمة التكرير، وتحلى في المنطق بحلية الإنسان، ودخل في من علم البيان، وزايل عمية البلبل والورشان، وأفصح تسبيحًا وتكبيرًا وخرج من جملة من قال تعالى فيه ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليمًا غفورًا﴾ (الإسراء: ٤٤) فإن طلبت - أعزك الله - اسمه مكبرًا، وجدته لفظًا من الزيادة مكررًا؛ أقام عندنا زمانًا، لا يتألف إلا رندًا أو بانًا، ولا يلتقط إلا عنابًا أو سيسبانًا (١)، يتدرج في البساتين، يتطلب العنب المنتقى والتين، فذكرت له يومًا والحديث ذو شجون، منتبتة الزيتون، وأرضك الميثاء ذات الشجر والعيون، وأطيار محامدك فيها السنح الميامين، فصفق جناحًا، واهتز ارتياحًا، وحن إلى ذلك القطر، وانتفض كما (٢) بلله القطر (٣)، ورجع إطرابًا، وسألني إلى مجدك كتابًا، فأنلته ما ابتغى، وقلت: سلمت أخا الببغا، من المنسر الأشغى، وبلغت المدى، وجنبت من حزة (٤) المدى (٥)، وعوفيت من كل حية صفراء، ترنو إلى الطائر في السماء، بمقلة سريعة الأقذاء، ولقيت الوفاء، غير اللفاء، وخولت حتى من التبن والحلفاء (٦)، فإنه يسبد (٧) ريشك، ويبرد عشوشك،
_________________
(١) ط د س: سبستانا.
(٢) س: كأنما.
(٣) من قول مجنون ليلى (ديوانه: ١٣٠): وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر (٤) ط: حدة.
(٤) انظر الذخيرة ٣: ٤٧٥ حيث ورد: فوقيت بقراط الطيور تطببًا إذا عالج البرسام أو أبرأ البرص من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ومن ندق الرامي ومن قصة المقص (٦) س: وحوشيت حتى من الدبق وحلفاء.
(٥) سبد الفرخ: إذا بدا ريشه وشوك.
[ ٤ / ٧٥٩ ]
فانهض فقد لقيت معمرًا (١)، وما شئت منقرًا ومصفرًا (٢)،ورعيت ريفًا، ونزلت بحرًا وريفًا (٣)، فأخذ الكتاب بمنقار، وصفق من ريش الجناحين سرورًا وطار؛ ومن ركب - أعزك الله - الجناح، وامتطر الرياح، طوى البراح، وهو آتيك كالبراق في لمعة، تصفقة الطائر المستحر (٤) سرعة، فإن حل البساط فابن سريجٍ والغريض، وإن احتفل السماط (٥) فأبو جلدة وابن بيض (٦) . وأنت بسيادتك تبسط له في بساتينك، وتفرش له من وردك ويا سمينك، حتى تلبس من أغاريده الحلل المنتشرة، وينشر على منابر أدواحك شبيبًا وابن لسان الحمرة (٦)، وتنبت أرضك مندلًا، وجوك صندلًا، وثراك خزامى وقرنفلًا، وتهب له ريحك جنوبًا، ويحق
_________________
(١) المعمر: المنزل الواسع.
(٢) إشارة إلى رجز ينسب لطرفة أو لكليب (الخزانة ١: ٤١٧ وفصل المقال: ٣٦٤): يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري (٣) ط: ورقا وريقا.
(٣) استحر الطائر: غرد بسحر.
(٤) ط د: السماك.
(٥) ط د: فابن جلدة؛ وأبو جلدة البشكري شاعر من شعراء الدولة الأموية من ساكني الكوفة خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج، وكان معاقرًا للخمر (انظر أخباره في الأغاني ١١: ٢٩١ - ٣١٢) وأما ابن بيض فهو حمزة بن بيض الحنفي، وهو أيضًا شاعر أموي كوفي في سائر القول في المجون، توفي سنة ١٢٠ (انظر معجم الأدباء ١٠: ٢٨٠ والأغاني ١٦: ١٤٣ والفوات ١: ٣٩٥) .
(٦) ط د: فابن جلدة؛ وأبو جلدة البشكري شاعر من شعراء الدولة الأموية من ساكني الكوفة خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج، وكان معاقرًا للخمر (انظر أخباره في الأغاني ١١: ٢٩١ - ٣١٢) وأما ابن بيض فهو حمزة بن بيض الحنفي، وهو أيضًا شاعر أموي كوفي في سائر القول في المجون، توفي سنة ١٢٠ (انظر معجم الأدباء ١٠: ٢٨٠ والأغاني ١٦: ١٤٣ والفوات ١: ٣٩٥) .
[ ٤ / ٧٦٠ ]
لشأس أمله من نداك ذنوبًا (١)، حتى يرجع بتطريب، وينشد في الخفيف الأول لحبيب (٢):
وما يلحظ العافي جداك مؤملًا سوى لحظةٍ حتى يعود مؤملًا وأهديك ودادًا مزج باشتياق، وأقرئك سلامًا ينسي سلام حبيبٍ على الحسن بن وهب والعراق (٣) .
وله فصل من رقعة خاطب بها أبا بكر بن قزمان (٤): [١٣٩] المجد - أعزك الله - سباق، وللفضائل استحقاق، وأنا أرد قولهم فيها بالجدود، وأقول:
لأمر ما يسود من يسود وأعتقد أنه ما رفعت راية لمجدٍ إلا كنت عرابة (٥)، ولا أخذ حمد بثمنٍ بها ربيحٍ إلا كنت ابن الاطنابة (٦) .
_________________
(١) إشارة إلى قول علقمة بن عبدة يشفع في أخيه شأس وكان اسيرًا عند الغساسنة (ديوانه: ٤٨): وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لشأس من نداك ذنوب (٢) ديوان أبي تمام ٣: ٩٩.
(٢) قد مرت الإشارة إلى ذلك ص: ٧٥٦.
(٣) ترد ترجمته في ما يلي من هذا القسم: ٧٤٤.
(٤) إشارة إلى قول الشماخ (ديوانه: ٣٣٦): إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين (٦) يشير إلى قول ابن الاطنابة (الكامل ٤: ٦٨): أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
[ ٤ / ٧٦١ ]
وله من أخرى على لسان من استعفى من ابنه إلى السلطان: معلوم - أيد الله الأمير الأجل - أن العقوق ثكل من لم يثكل، وأن العاق إن عاش نغص، وإن مات نقص، وأن الناس بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم، ولا يشفع في ابن أب، وإن المرء لا يهدي من أحب، ولو كان في يد الإنسان من ابنه شيء أو إليه، لكان أولى الأمة نوح صلى الله عليه، لما أضل ابنه المراشد والمصالح، حتى (١) قال الله تعالى ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (هوند: ٤٦) ولوليك ابن سلك هذه السبيل، وابتع هذا الدليل (٢)، ولما أريته طرق التبصير والتسديد، وقلت له: يا بني من وعظ بغيره فهو السعيد (٣)، ولم يغن الوعد ولا الوعيد، تبرأت منه إليك، وقلت له: لا تجن يا بني عليّ ولا أجني عليك، وإنه للفلذة من كبدي، وآخر ولدي، ولكن لم أجد فيه صنيعًا، و﴿لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا﴾ (الرعد: ٣١) وفي الخبر أن الإمام العادل إذا دعا أجيبت دعوته، ووليك يرغب في دعوةٍ تنفعه، أو زجرة تردعه.
وله من أخرى: والفقيه الأجل الحافظ - زاده الله من التوفيق - يبني وبينه العهد المصون، وليال قطعناها " عند أصل القناة من جيرون " هو يسأل (٤) ثراها، ولا ينساها، ويستنقذني من من أنياب (٥) قد قتلتني بعضها، وعساه
_________________
(١) حتى: سقطت من ط د.
(٢) واتبع هذا الدليل: سقط من ط د.
(٣) من المثل: السعيد من وعظ بغيره، فصل المقال: ٣٢٧ والميداني ١: ٢٣٢.
(٤) ط: يسل؛ س: يفل.
(٥) ط: أينات؛ س: أبيات.
[ ٤ / ٧٦٢ ]
يذبح لي بقرةً من علمه فيضرب نفسي ببعضها (١)، ويردها (٢) وقد بلغت التراقي، ويحييها بياسر (٣) من ذلك العلم الرقيق العراقي، فجرد لي من سيفه القاطع، واغرف لي من بحره الواسع.
وله من أخرى على لسان من فر من موضع اعتقال: الأمير - أيده الله - حرك إلى ظلمي فسكن، وجاءه عني فاسق بنبأ فأخذ بأدب الله تعالى وتبين، وأنا رعت فارتعت، وقرأت قوله تعالى ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ (الشعراء: ٢١) فاتبعت، وبحق نفرت فنفرت، وأوعدني أبو فابوس ففررت:
ولا قرار على زأر من الأسد (٤) وقد قيل: لا تقرب البحر إذ ماج، ولا السلطان إذا هاج، وقديمًا ابتعت السلطان فوعيت (٥)، ورأيت من الديكة في السفافيد ما رأيت، ولم يكن فراري نفاقًا ولا إباقًا، إنما أدرت إظهار براءتي، وتطهير ساحني، فأنزلت قدري بجعالها (٦)، وأطفأت ناري في موضع إشعالها، وطلبت طالبتي، وقرعت باب ظالمتي، ودعوتها إلى الخصام، وأبرزتها إلى الحكام، ورفعتها إلى القاضي
_________________
(١) إشارة إلى ما جاء في سورة البقرة: ٧٣ (قلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى) .
(٢) ويردها: سقطت من س.
(٣) س د: بياس.
(٤) صدر بيت: نبئت أن أبا قابوس أوعدني (ديوان النابغة: ٢٥) .
(٥) ط: فرعيت.
(٦) الجعال: ما تنزل به القدر من خرقة أو غيرها.
[ ٤ / ٧٦٣ ]
محمد بن حمدين (١)، وإلى محمد بن شبرين (٢)، ولو وجدت على القافية غيرهما لدعوتها إليه ولو كان محمد بن سيرين، فأحق الله حقي تحقيقاص، وأزهق باطلها ﴿إن الباطل كان زهوقًا﴾ (الإسراء: ٨١) وها أنا معها في بساط واحد، وبين يدي ملك راشد، أرفل في الأمان، وقديمًا استعيذ من شر النسوان، ومن لم يبيتن قبلي على أسف، وهن عوادي يوسف (٣)، وقد قال ﵇ فيهن ما قال وأنذر وأعذر؛ ولولا أن للنساء أبناء (٤)، ويطول استقصاء الأحاديث والأنباء، لذكرت ما أحدثن من بلوى، وجلبن من شكوى، وسقت من بين دنيا - وهي ظالمتي هذه إلى عصر أمنا حوا، ﵂، ولكن ترك ذلك أولى، وأنا أكفر فيه يميني وأصير مع مولاي إلى فصيلتي التي تؤويني، وأعرض عليه أمري في معرضه، وأتحقق أسوده من أبيضه.
وله من أخرى (٥): لا غرو - أعزك الله - وقد غطاني من إنعامك الرغد ما غطى؛ وتوطأ بي من كنفك الممهد ما توطا - أن سأل شططًا، وأذهب فرطًا، وأتكلم منبسطًا، وأبين غرضي كله مذهبي، وأتحكم
_________________
(١) قد مر التعريف به.
(٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن شبرين، استقضي باشبيلية وحمدت سيرته، وكانت وفاته سنة ٥٠٣ (الصلة: ٥٣٨) .
(٣) من قول أبي تمام (ديوانه ١: ٢٢٣): هن عوادي يوسف وصواحبه فعزمًا فقدمًا أدرك السؤل طالبه (٤) ط: أنباء.
(٤) وردت عبارات قليلة منها في تمام المتون: ٣٢٧.
[ ٤ / ٧٦٤ ]
على مكارمك تحكم الصبي (١)،وأبلغ بك إلى كل أملٍ [١٣٩ب] وأرب، وأملأ دلوي في جاهك إلى عقد الكرب، فإنك سبب لي ذلك، وأرعيتني الروض الأنف من جاهك ومالك، وحررتني ولا حر بوادي عوف (٢)، وأنعمت علي نعمة الله على قريش وأطعمتني من جوع وآمنتني من خوف (٣)، إلا أنه يلزم من ألجم أن يسرج، ومن اعتمر أن يتم الحج، ووعد الكريم مطلوب، وانتزاع العادة ذنب محسوب، فجردني صارمًا في ساعدك، وارم بي سهمًا مسمومًا في كبد حاسدك، وهو الوسع المجهود،
والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٤) وهذه أيضًا قطعة من شعره
كتب إليهم الوزير أبو محمد بن عبدون بأبيات منها (٥):
سيوفي بني عبد العزيز وما أنا بنابٍ إذا التفت عدًا ونوائب
لعًا لسرورٍ لم يقم منكم به محيٍ على طول المدى أو مخاطب
ولم تكتبوا حرفًا إليّ وأنتم ثلاثة كتابٍ وما أنا كاتب
_________________
(١) انظر تفسير قولهم " أعطي حكم الصبي على أهله " في تمام المتون: ٣٢٥ - ٣٢٨ وثمار القلوب: ٦٧٠.
(٢) هذا مثل، انظر فصل المقال: ١٢٩، ٣٣٦ والميداني ٢: ١٢٤ والعسكري ٢: ٢٧٥ والفاخر: ١٧٨.
(٣) انظر السورة: ١٠٦ (وهي سورة قريش) .
(٤) صدر البيت: " يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها " وهو لمسلم بن الوليد في ديوانه: ١٦٤ وجمهرة العسكري ١: ٩٥ (تحقيق أبو الفضل) وانظر التمثيل والمحاضرة: ٣٠٧.
(٥) س: بأبيات قال فيها.
[ ٤ / ٧٦٥ ]
وكان أبو محمدٍ قد خرج من وطنه يابرة مستوحشًا وقت حلول الفاقرة بالرؤساء، فأجابه أبو بكر منهم بأبيات. منها:
تباعد في طول المدى وتقارب وتذنب في باب الجفا وتعاتب
بمجدك (١) أرشدنا إليك ودلنا عليك من الدنيا وخذنا نكاتب
ومن خرق الآفاق يبغي بنفسه مساحة وجه الأرض أين يخاطب
دعيص رملٍ حين يمشي وحارث ضحىً وعدي في الزماع وحاجب
ترى لم تصب في آل بدر فتتقي ترى ثائرٍ أو يلتقي بك طالب
وإن تنتسب يومًا تردك طفاوة لتطفو على الدنيا وتأباك راسب
لك الخير ملت رحلك العيس، حطه قليلًا، وعرس قد شكتك السباسب
على أن للأيام فينا وقائعًا نبا شاعر فيها وأفحم (٢) كاتب
وأما امرؤ القيس السواري فإنه رأى الدرب حقًا فابكه أنت صاحب
يغنيه غريد (٣) الدجى فإذا ونى يغنيه ساقٍ من دم الساق شارب قوله: " امرؤ القيس السواري " يعني أبا بكر بن سوار الأشبوني (٤)، وكان أسر في طريق قورية، وبقي بها إلى أن من الله بإطلاقه، من وثاقه، وأشار بذكر الدرب إلى قول امرئ القيس (٥):
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
_________________
(١) ط: لمجدك.
(٢) س: وأنجح.
(٣) ط د: الوحى.
(٤) تأتي ترجمته ص: ٨١١.
(٥) عجز البيت: وأيقن أنا لاحقان بقيصرا.
[ ٤ / ٧٦٦ ]
وقال الوزير أبو بكر يخاطب جماعةً من إخوانه بحضرة قرطبة (١):
يا سيدي وأبي هدىً وجلالةً ورسول ودي إن طلبت رسولا
عرج بقرطبةٍ إذا بلغتها بأبي الحسين وناده تمويلا
فإذا سعدت بنظرة من وجهه فاهد السلام لكفه تقبيلا
واذكر له شوقي (٢) ووجدي مجملًا ولو استطعت شرحته تفصيلا
بتحيةٍ تهدى إليه كأنما جرت على زهر الرياض ذيولا
وأشم منها المصحفي على النوى نفسًا ينسي السوسن المبلولا [١٤٠أ]
وإلى أبي مروان منها نفحة تجني (٣) له روض الربى مطلولا
وإذا لقيت (٤) الأخطلي فسقه من صفو ودي قرقفًا وشمولا
وأبو علي بل منه ربعه مسكًا بماء غمامة محلولا
واذكر لهم زمنًا يهب نسيمه أصلًا كنفث الراقيات عليلا
بالحير (٥) لا عبست عليه غمامة إلا تضاحك اذخرًا وجليلا
يومًا وليلًا كان ذلك كله سحرًا وهذا بكرةً وأصيلا
مولى ومولي نعمةٍ (٦) ومواليًا وأخا إخاءٍ خالصًا وخليلا
_________________
(١) انظر القلائد والنفح ١: ٦٣٤، ١٥٦، وفي القلائد أنه يخاطب أبا الحسين ابن سراج، وذلك واضح في البيت الثاني من القصيدة، ثم ذكر أسماء عدد من أصدقائه.
(٢) القلائد: وشكري.
(٣) القلائد: تهدي.
(٤) القلائد: الأخطبي.
(٥) س: بالخير: د: بالحي؛ والحير: هو حير الزحالي خارج باب اليهود بقرطبة (انظر التعريف به في القلائد والنفح) .
(٦) القلائد: وكرامة.
[ ٤ / ٧٦٧ ]
لا أدركت تلك الأهلة دهرها (١) نقصًا ولا تلك النجوم أفولا وله يخاطب بعض إخوانه وهو عليل:
كباري وساداتي إليكم تحية تفتح سوسانًا وتجني رياحينا
ومعذرةً مني إليكم بعلةٍ برتني ولا لدنًا من الخط مسنونا
كأني فيما اشتكي ابن محلمٍ سقامًا ولكن لست أشكو الثمانينا (٢) وقال:
إليك وإن كنت قطب الوفا أبا عامرٍ والأريب الأديبا
تكون بحمصٍ ثلاثين يومًا وأصبح منك القصي الجنيبا
نسيت ودادي وحر اعتقادي وجمعي بأفقي عليك القلوبا
وهبك تناسيت حر الوفاء ولم تر لي في ودادٍ نصيبا
فهلا رعيت جزيل الثواب وعدت العليل وزرت الغريبا (٣)
وتدري الحديث وماذا عليه عائد ذي السقم يحتى يؤوبا
ولكنها شيمة للزمان أن لا صديق وأن لا حبيبا وله يصف بقرةً أخذها الريق (٤) الطاغية صاحب قلمرية (٥):
_________________
(١) ط د: دهرنا.
(٢) إشارة إلى قول عوف بن محلم: " إن الثمانين وبلغتها البيت ".
(٣) س: القريبا.
(٤) الريق أو الرنق هو الفونسو هنريكز (Alphonso Henrices) صاحب قلمرية (Coimbra) وكانت حينئذ عاصمة البرتغال.
(٥) انظر الإحاطة ١: ٥٣٠ وهي هناك شديدة التصحيف والتحريف.
[ ٤ / ٧٦٨ ]
وأفقدنيها الريق أمًا حفيةً (١) إذا هي ضفت ألفت بين رفدين
تعنفني أمي على أن رثيتها بشعري وأن أتبعتها الدم من حيني
لها الفضل عندي أرضعتني أربعًا (٢) وبالرغم ما بلغتني رأس عامين وله فيها:
وفجعني ذا الريق لا در دره بأم عيالٍ ما عرفنا بها الجدبا
ترى فخذيها يحملان خزانةً إذا فتحها إصبعًا ملأت وطبا وقال يستهدي المنصور بأزيًا (٣):
يا أيها الملك الذي آباؤه شم الأنوف من الطراز الأول
حليت بالنعم الجسام (٤) سماحةً عنقي فحل يدي كذاك بأجدل
وامنن به ضافي الجناح كأنما حذيت قوادمه بريح شمأل
أغدوا به عجبًا أصرف في يدي ريحًا وآخذ مطلقًا بمكبل [١٤٠ب] وله في دن خمرٍ تخللت له:
أبا حسنٍ إني فجعت بصاحبٍ أنيس ينسي الهم عند احتلاله
غدت بنت بسطام بن قيسٍ بدنها وأمست كجسم الشنفري بعد خاله
_________________
(١) ضفت: حلبت باليد كلها لفخامة الضرع (ط د س: صفت) والرفد: القدح الضخم.
(٢) س والإحاطة: حولين.
(٣) النفح ٤: ٣١٣.
(٤) د: الحسان.
[ ٤ / ٧٦٩ ]
أشار إلى قول الشنفري (١):
إن جسمي بعد خالي لخل وكنى ببنت بسطام عن الخمر لأن بسطامًا كان يكنى أبا الصهباء.
وقال في مثله وعرض بأبي سلمة الخلال:
فإذا الوزير وزير آل محمدٍ شانيكم، لا كان، فيها طافي وهذا كقول الآخر (٢):
ختمتها بنت بسطام لها أرج ثم افتضضت ختامًا عن أبي سلمة وبعث إلى بعض إخوانه بخرشف وكتب معها:
بعثت بها عشرًا بنات شياهم مكللةً هاماتها بمباضع
تراها بها الأعداء فوق جفونهم نهارًا، وليلًا تحتهم في المضاجع
وإن مد مولانا لها يد قابلٍ فإني فيها باسط خد ضارع وكان ابن رشيق قد انزل على أموالهم (٣) وقت حلول الحوالة، فكتب إليه أبو بكر، وأخذتها عنه:
_________________
(١) وقيل هو لابن أخت تأبط شرا يرثي خاله، وصدر البيت: " فاسقينها يا سوادج بن عمرو " انظر الحماسية رقم: ٢٧٣.
(٢) ورد البيت في الشريشي ٢: ٢٩٢ (بولاق) .
(٣) ط د: أحوالهم؛ س: أخوالهم.
[ ٤ / ٧٧٠ ]
بني رشيقٍ أما لي عندكم سعة في منزلي ولقاكم كان مقترحي
أما يشق عليكم شرب صافيتي في مجلسي وأنا منه بمطرح
أرعى الخزامى وأنتم في (١) بلنسية ما بين مغتبقٍ فيها ومصطبح
هلا استحيتم وقلتم إن ذا كدر وإن هذا لتنغيص على الفرح
فتحضروني ولو ملقى نعالكم وتصبحوني ولو من فضلة القدح
وتظفرون بما تهوون من أدب وما تشاؤون من ظرفٍ ومن ملح وأنشدني أيضًا له:
وأحور حيا بنارنجةٍ تضرم نصف اسمها في البدن
مخمشة الوجه مرشومة (٢) كما عصفرت كرة من سفن وأنشدني له قوله:
قريب على عزمي بعيد (٣) خواطري تغالبني فيه وهن غوالبي
أقلل منه مازحًا غير طالب وأكثر فيه فاخرًا غير كاذب وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة، أولها:
لعينك (٤) وعد من فؤادي مكذوب مضى عزمه (٥) إلا سهاد (٦) وتعذيب (٧)
_________________
(١) س: بلهنية.
(٢) س: موشومة؛ ط: موشامة، والمرشومة: التي فيها برش؛ السفن: جلد خشن غليظ.
(٣) س: قريب.
(٤) ط: بعينك.
(٥) س: عهده.
(٦) د: سناد؛ ط: سعاد.
(٧) س: وتكذيب.
[ ٤ / ٧٧١ ]
ومنها:
ومن شق هدب الليل عن شهلة الضحى ببرقٍ على ثوب الدجى (١) منه تكتيب ومنها (٢):
كأن أهازيج الذباب أساقف لها من أزاهير الرياض محاريب وأنشدني لأخيه أبي الحسن وقد رمد، يستهدي المتوكل كحلًا: [١٤١أ]
يا ملكًا آمن ما يخشى ونيرًا أوضح ما أعشى
شاعركم كان زهيرًا وقد أصبح مما ناله الأعشى
يقرأ والشمس على رأسه تنير ﴿والليل إذا يغشى﴾ ولأخيه أبي محمد:
يا سائلي عن علوةٍ وجمالها أغنت محاسنها عن التبيين
هي درهم البخلاء يلقى (٣) دونها قفل وفوق القفل طابع طين
هي روضة الآمال إلا أنها لم تخل من أفعى (٤) ومن تنين وله يرثي الفضل بن المتوكل، ويشير إلى أنه قتل ولم يدفن، من جملة قصيدة:
_________________
(١) ط: الرجا.
(٢) مر هذا البيت ص: ٧٠١ من هذا الجزء.
(٣) ط د: تلقى.
(٤) ط د: يفع.
[ ٤ / ٧٧٢ ]
وواعجبا للأرض حين ملكتها ومت ولم يسترك من عرضها (١) شبر
فليتك من قلبي (٢) وعيني صيانةً تؤوب إلى قبر إذا لم يكن قبر
فيرعاك مني مشفق ذو حفيظةٍ عليك إذا لم يرعك الذئب والنسر وباتوا (٣) ثلاثتهم ببعض المواضع، تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويتعاطون أدبًا كالراح ممزوجةً بماء الوقائع، والمدام لهم نقل، والزمان لولاهم غفل إلى أن غازلت السنة أجفانهم، وأجمت قليلًا أذهانهم؛ فانتبه أبو محمد منهم والصبح قد ومض، والعصفور قد انتفض؛ فقال:
يا شقيقي وافي الصباح بوجه ستر الليل نوره وبهاؤه
فاصطبح واغتنم مسرة يوم لست تدري بما يجئ مساؤه ثم استيقظ أبو بكر فقال:
يا أخي قم تر النسيم عليلا باكر الروض والمدام شمولا
لا تنم واغتنم مسرة يومٍ إن تحت التراب نومًا طويلا ثم هب أبو الحسن من مرقده، بأذكى ذهن وأوقده، فقال:
يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ولنصطبح خمرة من خير ما ذخروا
وبادروا غفلة الأيام واغتنما (٤) فاليوم خمر ويبدو في غد خبر
_________________
(١) س: وبعضها.
(٢) س: عيني وقلبي.
(٣) من هنا حتى آخر الترجمة تنفرد به س؛ وانظر القلائد: ١٥١ والمغرب ١: ٣٦٧ والإحاطة ١: ٥٣٠.
(٤) رغم أنه متصل بقول امرئ القيس " اليوم خمرًا وغدًا أمر " فإنه من صياغة بشار بن برد إذ يقول: اليوم خمر ويبدو في غد خبر والدهر ما بين إنعام وإبآس
[ ٤ / ٧٧٣ ]
في ذكر الوزير الكاتب أبي بكر بن قزمان (١)
وسياقه جملة من نظمه ونثره (٢)
وأبو بكر أيضًا من كتاب الوقت والأوان، ومن أهل البلاغة والبيان (٣)، والمتوكل أول من اتخذه كاتبًا، واقتدح زنده فأورى شهابًا ثاقبًا، وله محتد كريم، ولسلفه تقدم معلوم، ورسائله جلائل، إلا أنه لم يحضرني منها عند نقلي هذه النسخة إلا فصول قلائل، لا تفي بقدره، وفيما كتبت منها أنموذج يعرب عما أجريت من ذكره.
فصول له من رقعة عتاب، خاطب بها بعض الوزراء الكتاب، قال فيها: ما أكثر الأشياء الجامعة لنا: أدب كروض الحزن، وود كصوب المزن، وأولية كرم تاريخها واتصلت أسانيدها، لا ينكر فضلها ولا تذم عهودها، وأسلاف سلفت بينهم صحبة حميدة، وأذمة وكيدة مثلها نهج إخاء، وأورث صفاء، ونظم أهواء وآراء (٤) . وما زلت على تراخي المزار، وتنازح الأقطار، أودك كل الوداد، وأعتقدك اصح
_________________
(١) ترجمته في القلائد: ١٨٧ والخريدة ٣: ٤٦٥ والمغرب ١: ٩٩ والصلة: ٥٤٠ وهذا هو محمد بن عبد الملك بن عيسى بن قزمان (عم ابن قزمان الزجال)، وكانت وفاته سنة ٥٠٨ ودفن بمقبرة أم سلمة، وقد وهم المقري حين نقل ترجمة الوزير وترجمة الزجال ظنًا منه أنهما شخص واحد، في نفح الطيب ٤: ٢٤.
(٢) س: نثره ونظمه.
(٣) والبيان: سقطت من ط د.
(٤) وآراء: سقطت من ط د.
[ ٤ / ٧٧٤ ]
الاعتقاد، وألحظك بعين الإعظام، وأقترح لقاءك على الأيام، معرفةً بسبقك، وتوفيةً لحقك، وتوقًا إلى مطالعة تلك الطباع الرقيقة، ومباشرة تلك الآداب الأنيقة، إلى أن وقع ما وقع، وأتيح من التداني ما لم يتوقع، وهي الأقدار، وليس عليها الخيار.
وقد كنت أعلمت بسؤالك - بفضلك - عني، ونزاعك نحوي، وغرضك إلى لقائي، واعتذارك بخفاء مكان نزولي، وغموض موضع حلولي، ولقيت فلانًا فعرض عليّ من قصدك ما فت (١) إليه حد المسابق، لو (٢) أفرجت لي عنه العوائق، فأريته من اختلال الحال الباعث على الانقباض، وتجنب الاسترسال المخوف من الإعراض، ووقوع الإخلال ما رآه، فأحسبه وكفاه، وتلقاه عذرًا واضحًا يلقيكه فتتلقاه، ثم ما زال يفتل في الذروة والغارب، حتى أجبته التزامًا لما لم يلزمني إلا بحكم جلالتك، وشرط المتعين من استمالتك، فوافينا منزلك ذات يوم بعيد العصر، وعلى بابه غلام، سألناه عنك فقال: هو ينام، فطوينا آثارنا؛ وأعلمني بعد باجتماعكما من الغد، وأنه (٣) عرفك بذلك المقصد، فساءك أن لم تعلم، وعز عليك الالتقاء أن لم يتم، ودعاني إلى المعاودة [١٤١ب] فلم يسعني ولم يسغ لي، ومضت على ذلك أيام إلى أن دخلت على فلان ومعه فلان وأنت حاضرهما، فحين لمحتك عرفتك، بما كان ثبت عندي من صفتك، وتقرر لدي من سمتك، وعند أخذي لمقعدي رأيتك قد وحيت إلى من كان
_________________
(١) ط د س: كنت.
(٢) ط د: ولو.
(٣) س: وأعلمني بعيد اجتماعكما من الغد أنه.
[ ٤ / ٧٧٥ ]
يليك ووحى إليك، فانثنيت وقد زويت ما بين عينيك، وشمرت (١) أنفك، ومعرت وجهك، وضممت إليك من ثيابك، وقاربت بين أجزائك، فقلت: أراه ازدرى طلعتي، وتقذر هيأتي، وخشي أن أعديه بسوء حالتي، وقد قال ﵇: " لا عدوى "، وقال: " فمن أعدى الأول " وإن اعترض علينا بحديثه الآخر: " لا يوردون مجرب على مصح "، ودفعنا من صحيح التأويل، وأوضح الأقاويل، بما لا مدفع فيه، مما أنت أ " لم به وأذكر له. وأما الازدراء والانتخاء، والتقذر والتعذر، مع علمك بالحال وأولها، وتمكنها وتأثلها، وبحال الأيام وتقلبها، وتعاور أقطارها وتناوبها، ومع ذكرك قولهم: " ليست العزة في حسن البزة " وقول من قال: " ليست العباءة تكلمك إنما يكلمك من فيها "، وقوله بعضهم (٢):
ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت بردا
إن الجمال مآثر ومناقب أورثن حمدا وقول غيره:
وفضل الناس في الأنفس ليس الفصل في المال فشيء خرقت به عادة أمثالك، وخالفت فيه سيرة نظرائك وأشكالك، وكفى بالمثل المضروب بفرحة الأديب بالأديب، وقولهم: " الأدب بين أهله نسب "، وقول الطائي الأكبر (٣):
_________________
(١) شمر: قلص؛ ولعل الصواب: وأشممت أنفك، وذلك كناية عن الكبر.
(٢) هو عمرو بن معد يكرب، انظر الحماسية: ٣٤.
(٣) ديوان أبي تمام ١: ٤٠٧.
[ ٤ / ٧٧٦ ]
إن نفترق نسبًا بيننا أدب أقمناه مقام الوالد وقول الأصغر (١):
إن كنت من فارس في بيت سؤددها وكنت في بحتر في البيت والحسب (٢)
فلم بضرنا تنائي المنصبين وقد رحنا نسيبين في علمٍ وفي أدب وإن كنت أكثر الاعتزاء إلى النسب الكريم، وأعتد من أهله في الصميم، وأزاحمهم بمنكب واهن ضعيف، وأمت إليهم بسببٍ سحيل سخيف، ثم أرجع عند الامتحان، وإلي منكم كإل السقب من ولد الأتان، (٣) فقد قال ﵇: " من كثر سواد قومٍ فهو منهم "، وعسى أن يبدو لي ما يستنكر ويستكثر لمثلي، فأكون عباس بن الأحنف ويكون كبشار إذ يقول (٤): " ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها حتى قال:
_________________
(١) ديوان البحتري: ٢٥٤.
(٢) الديوان: إن كان من فارس طيء ذي الحسب.
(٣) خلط هنا بين بيتين أحدهما لحسان (ديوانه: ٣٩٤ والحيوان ٤: ٣٦٠) وهو: لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعام والثاني هو قول الشاعر: وأشهد أن رحمك من زياد كرحم الفيل من ولد الأتان وهذا البيت الثاني يروى لعبد الرحمن بن الحكم (الحيوان ١: ١٤٦، ٧: ٧٣ والخزانة ٢: ٥١٨) كما ينسب لابن مفرغ (الشعر والشعراء: ٢٧٩ ووفيات الأعيان ٦: ٣٥٠) .
(٤) انظر الأغاني ٥: ١٩٣.
[ ٤ / ٧٧٧ ]
نزف البكاء دموع عينك فاستعر عينًا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عينًا للبكاء تعار فتتصل حينئذ رحم لا تخفى، وتحصل قرابة لا تجفى؛ وإن كنت نكرت ما نكرته، ونظرت ما نظرته، من ابتدائك بالتسآل والتكليم، وترفعتي إياك ما لا أدعيه فضلًا عن أن أقتضيه من الترفيع والتقديم، بخمولي ونباهتك، وذلي وعزتك، وبعدي عن بلدي وعددي، وكوني في طينتك ومدينتك، وبين قبيلتك وفصيلتك، وجيرتك وعشيرتك، وحاشيتك وغاشيتك، وصنائعك وتوابعك، فقد قال ابن عباس، ﵁: " إن لكل داخل دهشةً فابدأه بالتحية "، وإذا أطلق الحكم بهذا للبعيد والقريب، فما ظنك بالغريب مثلي (١) المنكوب -!
ونترك ما استعر إلى هلم جرا، وأطول به دهرًا، فربما تلاقينا، وكأنا ما تراءينا، لا كلام ببينت شفة، ولا إيماء بطرف أنملة، واللوم في هذا كله يسقط عني، كما يضيق العذر عنك، بقضية سنة الاسلام في السلام، في أني ألقاك راكبًا وأنا ماشٍ، وأنت بحمد الله طائر، وأنا - ولا كفران بالله - واقع [١٤٢أ] وعلى الطائر أن يغشى أخاه. وإن طمح بك، وحط من قدري عندك، إدبار الأمر عني وإقباله عليكن ففيها ما فيها، وما أرضاها لك طريقة، فالكريم يجل الكرام، وإن قلت: إني أدعو إلى مباعدتي، وأبعث على مقاطعتي، باستبهام خلقي، وإظلام أفقي، وثقل حواسي، وقلة استثنائي، فهذا من لم تغره رقة الحضر اللطيف (٢)، وقد
_________________
(١) ط د: مثل.
(٢) ط: تقده رقة الطيف.
[ ٤ / ٧٧٨ ]
قال ﵇: " من بدا جفا ". على أني أتكبر على المتكبرين، ولا ألين لمن لا يبتغي لين (١)، ولولا أن يدال القرب بالبعاد، دون أن يقع عتب ويشرع وداد، ويكشف يومًا على هذا التهاجر الغريب، والتنافر العجيب، ولا يعرف من الظالم منا من المظلوم، ولا من المحكوم عليه من المحكوم له، لأضربت عنها صفحًا، وطويت دونها كشحًا، ولسددت عليها أذني، وسايرتها ساحبًا رسني، ولقد لقيت بعد فلانًا فذكر بصفاتك، وأثنى باتساع آدابك وكثرة أدواتك، وسألني عن الخلة، وأشار إلى هذه السمة بيننا والوصلة، فقلت: لا خلة ولا خلال، ولا وصلة ولا اتصال، فكأنه أنكر ذلك، وهذا هو الذي أثار من هذا الكتاب، ما لم يكن في الحساب، ودونكه هراء غثًا، وهباء منبثًا، وهاك إليه (٢) ما يوازيه (٣) عن النوازنة والمقاربة لؤمًا ودقة، وركاكة لا رقة:
أبا أيوب والأيام لا تبقى على حال وأصبحت مقلًا رهن إذلالٍ وإقلال لئن رحت رخي البال ذا جاهٍ وذا مال
ومركوب وغاشيةٍ وأكمام وأذيال
فإنك حد أشكالي وأشباهي وأمثالي
بحكم الأدب العالي ال منيف المونق الحالي
ولكني أنا التالي وأنت السابق للعالي
_________________
(١) من قول ذي الأصبع العدواني (شرح ابن الأنباري: ٣٢٥، المفضلية: ٣١): لا يخرج الكره مني غير مأبية ولا ألين لمن لا يبتغي ليني (٢) وهاك إليه: سقطت من ط.
(٢) ط: يوازيه؛ د: يوارثه.
[ ٤ / ٧٧٩ ]
فكم خيمت من قلبي بدار منك محلال
وقد كان التلاقي من أماني وآمالي
فلما أن تلاقينا على ما قد تصدى لي
فلم تبدأ بتسليمٍ ولم تنشط لتسآلي كما يلزم أمثالك تأنيسًا لأمثالي تفاصلنا على الحين وكل ذاهل سالي ولولا طيب نفس قلت كل شانئ قالي
وقد كنا كما أنتم ولا بأس على حال وقد يعقب وادي القوم خصبًا بعد إمحال وكأني بك قد قلت عند تصفح هذه الرقعة: هذان حمارا العبادي كسير وعوير، وكل غير خير (١)، ثم ثنيت بقولهم: " من يسمع يخل " (٢) وثلثت بقول من يسمع:
سبكناه ونحسبه لجينًا فأبدى الكير عن خبث الحديد (٣) فمهلًا: فمن أنبأك أني أتشبع بما لا أملك، فأقول: من عبد الحميد وابن العميد، ومن الوليد وابن الوليد، لاها الله! ! إني لأربع على ظلعي وأعلم قصر باعي، ولا أجهل سقوط بضاعتي، وهل غير ألفاظ لفقتها
_________________
(١) انظر المثل في جمهرة العسكري ٢: ١٥١ (تحقيق أبو الفضل) والفاخر: ١٧٨ واللسان (حور)، وسئل العبادي عن حمارين له أيهما أردأ فقال: هذا ثم هذا.
(٢) المثل في فصل المقال: ٤١٢ والميداني ٢: ١٦٩ والعسكري ٢: ٢٦٣ (تحقيق أبو الفضل) .
(٣) التمثيل والمحاضرة: ٢٨٨ (دون نسبة) .
[ ٤ / ٧٨٠ ]
بمبلغ علمي، عبرت بها عن ذات نفسي؛ وأما إن سمتني في هذا الباب مداك، ورمت مني ما لا يتعاطاه سواك، فمن للسها بتمام القمر، ومن للدآدي بأنوار العشر (١) وأوضاح الغرر -! فأرشدنا، أكرمك الله، وسددنا، يرحمك الله.
وانفح علينا من كلامك نفحةً إن كانت الأخلاق مما توهب وبعد فإني:
أناقشكم ووراء النقاش (٢) أنف العلوق ورئمانه
وأهجركم هجر مستعتبٍ وكم وامق طال هجرانه وكلف مخاطبة عروسٍ فكتب رقعة قال فيها (٣): الكلفة بيننا - أعوزك الله - جد ساقطة، والحال الجامعة لنا في أقصى حد المؤانسة والمباسطة، فلا نكسر أن نتباث السر (٤) المحجب، ولا غرو (٥) أن نتكاشف المغيب، واتصل بي دخولك بعقلية أترابها، وبيضة خدرها وربة محرابها، تشاطرك نسلك،
_________________
(١) الدآدي: ليالي أواخر الشهر، والعشر: ثلاث من ليالي الشهر بعد التسع، وفي ط د س: ومن للوادي.
(٢) أراه أخذه من قول الشاعر (اللسان: رئم، والخزانة ٤: ٤٥٥): أم كيف ينفع ما تعطي به رئمان أنف إذا ما ضن باللبن والعلوق التي لا ترأم ولدها ولا تدر عليه، والرئمان: عطفها ومحبتها، وهذا البيت مثل يرب لكل من يعد بلسانه كل جميل ولا يفعله لأن قلبه منطو على ضده.
(٣) وردت الرسالة في العطاء الجزيل: ١١٢.
(٤) ط د: السحر.
(٥) س والعطاء: ولا عجب.
[ ٤ / ٧٨١ ]
كما شاطرتك أصلك، التي [١٤٢ب] لم تكن تصلح إلا ولم (١) تكن تصلح إلا لك، فخدمتك بالنية، وحضرتك على بعد المشقة وتقاذف الطية، وسألت الله أن يبارك لك ويبارك عليك، ويجمع بينكما في خير وعافية، على أسعد الجد وأيمن الطير إلى آخر القافية؛ ثم ترقبت كتابك مودعًا من وصف حالك، ما ينبئ فحواه عن اجتماع شملك ونعمة بالك، فرابني التواؤه، وقدح في نشاطي توقفه وإبطاؤه، وتسلطت علي الظنون، وخفت ما عسى أن لا يكون، وساءني أن أستمطر من الأمل جهامًا، وأستنصر (٢) لدى ذلك العمل كهامًا، ويحيد صاحبك معردًا (٣) عن المناجزة، [لائذًا بالمحاجزة] (٤) منقطعًا في موضع الحجج (٥)، مبدعًا به (٦) عند مستقبل (٧) مفرق الطريق ولقم المنهج:
تريد جوا ويريد برا كأنما أسعط شيئًا مرا ثم قلت: لعله قد حظي بما جني له، فافتتح الحصن الذي نازله قسرًا، وتخلله كيف شاء مجالًا ومكرا (٨)، وأفضى به انصداع ما صدعه إلى
_________________
(١) ط د: ولا.
(٢) ط: ويستنصر.
(٣) العطاء: مفردًا.
(٤) زيادة من العطاء الجزيل.
(٥) ط د: الحج.
(٦) مبدع به: مخذول منقطع.
(٧) العطاء: عندما استقبل.
(٨) ط: وأكدا؛ د: وكدا، وأثبت ما في س والعطاء.
[ ٤ / ٧٨٢ ]
التئام، وانشعاب ما شعبه إلى انتظام والتحام، ولهي (١) بتوابع هذه الحال التي هي أخت (٢) الامرة، وجامعة أفانين المسرة، عن صديقٍ يصله بكتاب إليه يعلمه، وإن يكن ذلك فهناك، وظفرت يداك، وإن يكن ما عداه، ويكفي الله، فمع اليوم غد، وفي اللمم خلال ذلك متعلل (٣)، ثم لا يشغل عن الكتاب جذل، ولا يحول دونه خجل.
جوابها من إنشائه أيضًا (٤): الكلام مأثور، والإفراط في الانبساط حجر محجور، وقديمًا جر على أهليه، وأثار عليهم التقاطع من مجاثمه وأبرزه من مطاويه، فسبيل ما وردني الآن كتابك المقتحم هذا الباب المتحامى، إلا أن ما عولت عليه، وأسندت إليهن من تمكن الألفة، وارتفاع الكلفة، سوغ بعض المغزى. وقد وقفت على مقطعه، وعجبت من التفرغ لمودعه، فلئن (٥) كنت مندرًا فليخف وقعك (٦)، أو حذرًا على الحقيقة فليفرخ روعك، فالحد بحمد الله ماض، وكلا الفريقين راضٍ، على عنف التقاضي، ثم لا بأس ولا إبلاس لو عرت نبوة، وعرضت (٧) دون المرام كبوة، فربما خان الثقات، في بعض الأوقات:
_________________
(١) س: والتهى.
(٢) أخت: سقطت من س.
(٣) ط د: متقلد.
(٤) وردت في العطاء الجزيل: ١١٣.
(٥) العطاء: فإن.
(٦) ط: فلخف رقعك.
(٧) العطاء: وعدت.
[ ٤ / ٧٨٣ ]
وسيف بني عبسٍ وقد كان صارمًا (١) نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد وأرجع (٢) فأقول بحكم الحال، وعلى شرط الاستنامة والاسترسال: لله أخوك، الذي لا فرق عندكما بين ما يعروه ويعروك، فلقد افتر عن بازل، وجرد عن قاصل (٣)، ورمى بلا أفوق ناصل، ولو لقيت أعداءك بمثل صاحبه مضاءُ وإقدامًا، وتسرعًا واستقدامًا:
طعنتهم سلكى ومخلوجةً (٤) لفتك لامين على نابل قال ابن بسام: وينظر من معنى هذا الخطاب والجواب أبيات خاطب بها بعض أهل عصرنا أحد إخوانه وقد ابتنى بزوجة، قال فيها، وضمن بيت ابن حجاج:
أبا بكر اسمعها وراجع مؤنسًا ولو بقسيم أو بمصراع قافيه
فإنا دخلنا بالفتاة ولم يكن هنالك واشٍ غير مسكٍ وغاليه
وكنا رجونا وصل الاسبوع كله لننعم فيه فابتلينا بداهيه
بحيضٍ تمادى فامتنعت لحرمتي فدمعة أيري فوق خصييه جاريه
" إذا لم يكن للأير بخت تعذرت عليه وجوه النيك من كل ناحيه "
_________________
(١) البيت للفرزدق يقوله معتذرًا عن نبو ضربته حين أمره سليمان بن عبد الملك بقتل أحد الأسرى (انظر شرح النقائض: ٣٨٣ - ٣٨٤) وورقاء هو ابن زهير ابن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر، وخالد مكب على أبيه زهير، فلم يصنع سيف ورقاء شيئًا، وانظر ثمار القلوب: ٢٢٠ - ٢٢٢.
(٢) س: وأنا أرجع.
(٣) ط: فاضل.
(٤) البيت لامرئ القيس (ديوانه: ١٢٠) وروايته: تطعنهم.
[ ٤ / ٧٨٤ ]
قال فأجابه الآخر بهذه الأبيات: [١٤٣أ]
لك الخير لا تعجل فإنك مقمر وفي الليل ما تسريه إن كنت ساريه
طعنت الفتاة البكر طعنة ثائرٍ بمثل ذراع البكر شد بآخيه
حسبت النجيع الفانئ اللون حيضةً وما كان إلا العود في الحين ثانيه
(١) غدوت على شكلٍ تدانت طبوقه فباعدت من أقطاره المتدانيه
ولو كنت من أهل المساحة لم تدع مكسرةً أضلاعه المتساويه
ولكن له قطر يقوم مقامه هو الشكل إلا أنه منه زاويه
وإن لم يكن إلا الذي كان فاتئد فإنك باقٍ عندها وهي باقيه ومن شعر أبي بكر بن قزمان مما أنشدنيه لنفسه، قوله (٢):
ركبوا السيول من الخيول وركبوا فوق العوالي السمر زرق نطاف
واستودعوا الخلل الجداول واصطفوا بيض الرؤوس من الحباب الطافي
وتجللوا الغدران من ماذيهم مرتجةً إلا على الأكتاف وأنشدني أيضًا لنفسه:
قلت للعين حين أذرت على الخد دموعًا لا تستفيق (٣) انهمالا جزعًا من صدود أحور كم حير بالًا وكم جنى بلبالا لا ترومي مثال ما لن تنالي (٤) والمحيه كما رأيت الهلالا
_________________
(١) س: شخوصه.
(٢) منها بيتان في القلائد والخريدة ٣: ٤٦٦ والمغرب والنفح.
(٣) س: ما تستبين.
(٤) ط: أن تنالا.
[ ٤ / ٧٨٥ ]
فأجابت لقد أحلت مثالًا هو أنأى من الهلال منالا إن بدر السماء يطلع للأبصار ممسىً ومصبحًا وزوالا وإذا ما استسر آب وقد ذاب اكتئابًا من أن يغب وصالا
وهو البدر أجد ملالًا واجتنابًا كما أجد كمالا
يتوارى من العيون نهارًا دمع الليل لا يزور خيالا وأنشدني له أيضًا:
لا تطمئن إلى أحد واحذر وشمر واستعد
فالكل كلب مؤسد إلا إذا وجدوا أسد في ذكر الأديب أبي زيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني (١)
من شعراء عربنا المشاهير، وله شعر يعرب عن أدب عزير، تصرف فيه تصرف المطبوعين المجيدين، وفي عنفوان شبابه وابتداء حاله، ثم تراجع طبعه عند اكتهاله.
أخبرني الوزير الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري (٢) المقتول بالأشبونة
_________________
(١) له ترجمة في الجذوة: ٢٦٠ (بغية الملتمس رقم ١٠٤٤) والمغرب ١: ٤١٣ والرايات: ٦٢ (٣٣ غ) وأشار في النفح ١: ٢١٤ إلى مدحه إدريس بن يحيى الحمودي صاحب مقالة، وأورد قصيدته النونية في مدح إدريس ١: ٤٣٣ وذكر في ٣: ٢٦٤ اجتماعه مع ابن الشقاق عند ابن دري بجيان (وانظر أيضًا مسالك الأبصار ١١: ٤٣٨ وبدائع البدائه: ٣٦٥ - ٣٦٦) وابن الشقاق هذا هو المنفتل، وقد مرت ترجمته في القسم الأول ص: ٧٥٤.
(٢) قد مرت الإشارة إلى قتله في هذا القسم ص: ٣٧٨ والقسم الثالث ص: ٧٥٤.
[ ٤ / ٧٨٦ ]
- رفع الله منزلته، وقتل قتلته - قال: كان أبو زيد بن مقانا قد انصرف شيخًا إلى وطنه عندنا. بعد أن جال أقطار الأندلس على رؤساء الجزيرة، قال: فمررت به يومًا بقريته التي تدعى بالقبذاق (١) من ساحل شنترة (٢)، وبيده مزبرة (٣)، فلما رأيته ملت إليه ومال إليّ، وأخذ بيدي [١٤٣ب] وجلسنا ننظر في حراث يحرث بين يديه، فاستنشدته فأنشدني ارتجالًا لوقته:
أيا عامر القبذاق لا تخل من زرع ومن بصلٍ نزرٍ وشيء من القرع
وإن كنت ذا عزم فلابد من رحىً سحابيةٍ لا تستمد من النبع
فما أرض قبذاق وإن جاد عامها بموفية عشرين من حزم الزرع
وإن أنجبت شيئًا وزادت تواترت إليها خنازير المفاوز في جمع
بها (٤) قلة من كل خيرٍ ونفعةٍ كقلة ما تدري لدي من السمع
تركت الملوك الخالعين برودهم علي وسيري في المواكب والنقع
وأصبحت في قبذاق أحصد شوكها بمزبرة رعشاء نابية القطع
فإن قيل تهجوها وأنت تحبها فقل إن حب الخل من شرف الطبع
وحسب أبي بكر المظفر قادني وإحسانه حتى انصرفت إلى ربعي وهذا من الشعر النازل البارد، عندما له من القصائد القلائد. ووصف
_________________
(١) في د: الفيذاق، وفي ط: القيداق، الفنداق، وفي س: القيزان؛ العيران، القيدان، وقد أثبتها محقق المغرب (١: ٤١٣) " القيذاق.
(٢) شنترة (Cintra) من مدن البرتغال (الروض المعطار رقم: ١٠٢) .
(٣) المزبرة: المنجل، أو المنجل الصغير (ملحق دوزي) .
(٤) ط: قلت.
[ ٤ / ٧٨٧ ]
نفسه بقلة السمع، لأنه كان كما زعموا كذلك. وهو القائل من جملة أبيات:
سمعت الكنك (١) يصرخ في الربيع على ما بي من الصمم الطبيعي جملة من شعره في أوصاف شتى
من ذلك من قصيدة في منذر بن يحيى صاحب سرقسطة:
لمن طلل دارس باللوى كحاشية البر أو كالردا
رماد ونؤي ككحل العروس ورسم كجسم براه الهوى
غدا موسمًا لوفود البلى وراح مراحًا لسرب المها
عجبت لطيف خيالٍ سرى من السدر أنى إليّ اهتدى
وكيف تجاوز جوز الحجاز وجوز (٢) الخميس وسدر المنى
ولم يثنه حر نار الضلوع وبحر الدموع وريح النوى
وقولي وصيفي بالمنصفين وقد نقش (٣) الصبح ثوب الدجى
أسرب العذارى يسقط اللوى مشى الخيزلى أم نجوم السما
برزن لنا عاطرات الجيوب ينازعن في الحسن شمس الضحى
_________________
(١) لعله يريد الكنكلة وهي آلة موسيقية (ملحق دوزي)، أو الجنك (وجيمه وكافة عجميتان) ويطلق على الدف الذي يضرب به، ثم عرب بالجيم والكاف العربيتين، وفي س: الكد.
(٢) س: حوز البحار وحوز.
(٣) ط: نفش؛ س: نفس.
[ ٤ / ٧٨٨ ]
خماص البطون مراض الجفون أقمن الشعور مقام الردا
لدان القدود حسان الخدود صغار النهود طوال الطلى
عذاب الثغور لطاف الخصور خفاف الصدور ثقال الخطى
مشين الهوينا ووادي الخزامى يود من البشر أن لو مشى
فما زلن يرفلن حتى إذا عقدن لواء الهوى باللوى وفيها يقول:
وقد أغتدي في سبيل العلا بذي ميعةٍ من نتاج الصبا [١٤٤أ]
يهيم بذي همة نازحٍ (١) براه السرى مثل بري الظبا
كأن فؤادي بوادي الغضا وقلب الدليل جناح القطا
كأن عقائل (٢) برق الدجى خلال الحبي بريق الظبا
ويهدأ طورًا كغمز العيون فليتاع من لوعتي ما هدا
(٣) إذا قلقل الرعد من فوقه تقلقل قلبي له والحشا
كأن السحائب في سيرها بنود المظفر يوم الوغى
نجيب تجيب إذا استصرخت وفارسها البطل المنتقى
فتىً يقرع النبع بالنبع لا جبان الجنان ولا مزدهى
لو الفلك انخر من فوقه عليه بأقطاره ما شكا
حمول لأعباء هذا الزمان ولا يرهب الموت عند اللقا
_________________
(١) سقط البيت من ط د.
(٢) د: بدر.
(٣) س: في برقه.
[ ٤ / ٧٨٩ ]
إذا سار يحيى إلى غارة (١) فويل لأعدائه أينما
بجيشين: جيشٍ يهد الربى وجيش يظلله في الهوا
مطاعمها من شغاف القلوب ومشربها من نجيع الدما
إليك ابن منذرٍ المنتقى قرعت يد الخطب قرع العصا
فقال مناديك لي مرحبًا وقالت أياديك لي حبذا
دعوت فأسمعت بالمرهفات صم الأعادي وصم الصفا
وشمت سيوفك في جلقٍ فشامت خراسان منها الحيا قال ابن بشام: جلق وادٍ بشرق الأندلس، فكذبة أبي زيد في هذا البيت أشنع من كذبة مهلهل في قوله (٢):
فلولا الريح أسمع أهل حجرٍ صليل البيض تقرع بالذكور وخرج أبو زيد يومًا من بلنسية إلى طرطوشة ليلقى صاحبها مقاتلًا (٣) الفتى، فلما ورد عليها، منع الجواز، فكتب إلى مقاتل:
إن كان واديك نيلًا لا يجاز به فما لنا قد حرمنا النيل والنيلا
إن كان ذنبي خروجي من بلنسيةٍ فما كفرت ولا بدلت تبديلا
" هي المقاديرتجري في أعنتها " ليقضي الله أمرًا كان مفعولا
_________________
(١) ط: واينما.
(٢) الأغاني ٥: ٣٥.
(٣) ط د: مقاتل، ومقاتل لبيبًا الفتي في رياسة طرطوشة وتسمى بسيف الملة، وكان عنده من العمال والكتاب ما لم يكن عنده غيره؛ ولما توفي ولي طرطوشة الفتى نبيل، وفي سنة ٤٥٢ خرج عنها وسلمها للمقتدر بن هود (البيان المغرب ٣: ٢٢٤، ٢٥٠) .
[ ٤ / ٧٩٠ ]
وله القصيدة المشهورة في ابن حمود يتداول القوالون أكثر أبياتها، لعذوبة ألفاظها وسلاستها وهي التي أولها (١):
ألبرقٍ لائحٍ من أندرين ذرفت عيناك بالماء (٢) المعين
لعبت أسيافه عاريةً كمخاريق بأيدي اللاعبين
ولصوت الرعد زجر وحنين ولقلبي زفرات وأنين
وأنادي (٣) في الدجى عاذلتي وبك لا أسمع قول العاذلين
عيرتني بسقامٍ وضنىً إن هذين لزين العاشقين ومنها: [١٤٤ب]
قد بدا لي وضح الصبح المبين فاسقنيها قبل تكبير الأذنين
سقينها مزةً صافيةً (٥) عتقت (٤) في دنها بضع سنين
نثر المزج على مفرقها دررًا عامت فعادت كالبرين
مع فتيان كرامٍ نجبٍ يتهادون رياحين المجون
وعليهم زاجر من حلمهم ولديهم قاصرات الطرف عين
شربوا الراح على خد (٦) فتىً نور الورد به والياسمين
_________________
(١) انظر أبياتًا منها في النفح ١: ٤٣٣ والمغرب والمسالك والرايات ومنها بيتان في الوافي للرندي: ١١٠.
(٢) المغرب: بالدمع.
(٣) النفح: وأناجي.
(٤) النفح والمغرب: مشمولة لبثت.
(٥) سقط هذا البيت من س.
(٦) المغرب والنفح والرايات: رشا.
[ ٤ / ٧٩١ ]
رجلت (١) دايته عامدةً سبج الشعر على عاج الجبين
لوت الصدغ على حاجبه ضمة اللام على عطفة نون
فترى غصنًا على دعص نقًا وترى ليلًا (٢) على صبح مبين
ويسقون إذا ما شربوا بأباريق وكأسٍ من معين
ومصابيح الدجى قد أطفئت في بقايا من سواد الليل جون
وكأن الطل مسك في الثرى وكأن النور (٣) در في الغصون
والندى يقطر من نرجسه كدموعٍ أسبلتهن الجفون
والثريا قد علت في (٤) أفقها كقضيب زاهر من ياسمين
وانبرى جنح الدجى عن (٥) أفقه كغراب طار عن بيض كنين
وكأن الشمس لما أشرقت فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي بن حمود أمير المؤمنين
خط بالمسك على أبوابه ادخلوها بسلام آمنين
وينادي الجود في آفاقه يمموا قصر أمير المسلمين
ملك ذو هيبةٍ لكنه خاشع لله رب العالمين
وإذا ما رفعت رايته خفقت بين جناحي جبرئين
وإذا أشكل خطب معضل صدع الشك بمصباح اليقين
وإذا راهن في السبق أتى وبيمناه لواء السابقين
_________________
(١) المغرب: داياته، الرايات: وجلت آياته (وهو خطأ) .
(٢) الرايات: فانثنى وبدا ليل.
(٣) النفح: الطل.
(٤) الرايات: هوت من أفقها.
(٥) الرايات: صبحه.
[ ٤ / ٧٩٢ ]
يا بني أحمد يا خير الورى لأبيكم كان رفد (١) المسلمين
نزل الوحي عليه فاحتبى في الدجى فوقهم الروح الأمين
خلقوا من ماء عدلٍ وتقىً وجميع الناس من ماءٍ وطين
انظرونا نقتبس من نوركم إنه من نور رب العالمين قوله: " والندى يقطر من نرجسه " البيت، أخذه من قول ابن الرومي، ونقص منه وقصر عنه حيث يقول (٢):
كأن تلك الدموع قطر ندىً يقطر من نرجس على ورد وقوله: " وانبرى جنح الدجى " البيت، مأخوذ من قول يزيد ابن الطثرية (٣) حين حلق أخوه لمته فقال (٤): [١٤٥أ]
وغود رأسي كالصخيرة أشرفت عليها عقاب ثم طارت عقابها وقوله: " وإذا ما رفعت رايته " البيت، حسد ابن هانئ في هذيانه، وتقيله حيث يقول في خذلانه (٥):
_________________
(١) النفح: وفد.
(٢) ديوان ابن الرومي ٢: ٧٦٧ والمختار: ٢٤٥ وزهر الآداب: ٥٣٠.
(٣) هو يزيد بن سلمة بن سمرة من عامر بن صعصعة يعرف بابن الطثرية، كان شاعرًا مطبوعًا من شعراء العصر الأموي، وقد جمع شعره أبو الفرج الأصفهاني والطوسي، وقتل مع الوليد بن يزيد سنة ١٢٦ (ابن خلكان ٦: ٣٦٧ والشعر والشعراء ٣٤٠ والأغاني ٨: ١٥٧ والسمط: ١٠٣) .
(٤) الأغاني ٨: ١٨١.
(٥) ديوان ابن هانئ: ١١٩.
[ ٤ / ٧٩٣ ]
أمديرها من حيث دار لطالما زاحمت تحت ركابه جبريلا وقوله في صفة الثريا: " كقضيب زاهر من ياسمين " من أحسن ما سمعته في تشبيه الثريا مجددًا، وإن كان قد تقدم في تقسيم التشبيه وأحسن ما شاء فيه حيث يقول:
في الغرب كأس وفي مطالعها قرط وفي أوسط السما قدم وقد قال الناس في الثريا فأكثروا، وأول من سمع له في ذلك الملك الضليل، حيث يقول (١):
إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح المفصل وقد قيل: إن الثريا لا تتعرض، وإنما تتعرض الجوزاء، ولم تتزن له، أو وهم، وقال ذو الرمة (٢):
قطعت اعتسافًا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق وقال أيضًا (٣):
أقامت به حتى ذوى العود في الثرى وساق الثريا في ملاءته الفجر
_________________
(١) ديوانه: ١٤ ومعاني العسكري ١: ٣٣٤ وتشبيهات ابن أبي عون: ٤ والأزمنة والأمكنة ٢: ٢٣٤.
(٢) ديوانه ١: ٤٩٠ والأنواء: ٤٠ والأزمنة والأمكنة ٢: ٢٣٤ واللسان (عسف - حلق) وتشبيهات ابن أبي عون: ٥.
(٣) ديوان ذي الرمة ١: ٥٦١ وزهر الآداب: ٩٧٨ والأنواء: ٣٠.
[ ٤ / ٧٩٤ ]
وقال التهامي (١):
وللثريا ركود فوق أرحلنا كأنها قطعة من فروة النمر وقال محمد بن هانئ (٢):
وولت نجوم للثريا كأنها خواتم تبدو في بنان يدٍ تخفى وكرر هذا التشبيه في موضع آخر فقال (٣):
وحتى أرى الجوزاء تنثر عقدها وتسقط من كف الثريا الخواتم وقال آخر:
إلى أن تولت والثريا كأنها على حلة زرقاء جيب مدنر وقال ابن المعتز (٤):
وكأن البدر لما لاح من تحت الثريا
ملك أقبل في تا ج يفدى ويحيا وقال المعري (٥):
_________________
(١) ديوان التهامي: ٤٢.
(٢) ديوان ابن هانئ: ٢٣٩.
(٣) ديوان ابن هانئ: ٢٨٨.
(٤) ديوان ابن المعتز ٣: ١٢٣ والأوراق: ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٥) شروح السقط: ٢١٤ - ٢١٥.
[ ٤ / ٧٩٥ ]
وقد بسطت إلى الأرض (١) الثريا يدًا غلقت بأنملها الرهان
كأن (٢) يمينها سرقتك شيئًا ومقطوع على السرق البنان ومما قيل في ذكر الثريا، وإن لم يكن فيه صفة تشبيه، قول الآخر (٣):
خليلي إني للثريا لحاسد وإني على ريب الزمان لواجد
أيجمع منها شملها وهي سبعة وأفقد من أحببته وهو واحد وقال المعري (٤):
والثريا رهينة بافتراق (٥) الشمل حتى تعد في الأفراد ولأبي زيد بن مقانا، مما يتعلق بذكر الثريا من جملة قصيدة في مجاهد العامري، قال فيها (٦):
ولما سقتنا من (٧) إبريقها لثمنا يديها وخلخالها
وبتنا وباتت على ساقها تصفق للشرب جريالها
كأن نجوم الدجى روضة تجر بها السحب أذيالها
كأن الثريا بها راية يقود الموفق أبطالها
_________________
(١) شروح السقط: الغرب.
(٢) شروح السقط: يدًا لها.
(٣) هو لابن طباطبا في اليتيمة ١: ٤٢٩ وانظر سرور النفس: ١٣٩ وشروح السقط: ١٠٠١.
(٤) شروح السقط: ١٠٠١.
(٥) شروح السقط: باجتماع.
(٦) المسالك ١١: ٤٤٠.
(٧) س والمسالك: بإبريقها.
[ ٤ / ٧٩٦ ]
في ذكر الشيخ أبي الحسن علي بن إسماعيل القرشي الأشبوني (١)
قال ابن بسام: وكان يعرف عندنا بالطيطل، ممن نظم الدر المفصل، لا سيما في الزهد، فإن أهل أوانه، كانوا يشبهونه بأبي العتاهية في زمانه.
أنشدني الوزير الفقيه أبو عبد الله بن إبراهيم [١٤٥ب] قال: أنشدني أبو الحسن الطيطل لنفسه يصف نملة (٢):
وذات كشح أهيف شخت كأنما بولغ في النحت
زنجية تحمل أقواتها في مثل حدي طرف الجفت (٣)
كأنما آخرها قطرة صغيرة من قاطر الزفت
أو نقطة جامدة خلفها قد سقطت من قلم المفتي
تسري اعتسافًا ولقد تهتدي (٤) في ظلمة الليل إلى الخرت
تشتد في الأرض على أرجلٍ كشعرة المخدج في النبت
تشهد أن الله خلاقها رازقها في ذلك السمت
_________________
(١) أشبوني شقباني الأصل، قرأ العلم بقرطبة وأخذ عن طائفة من علمائها وأكثر من حفظ الآداب والأشعار حتى ليقال إنه حفظ الشعر عشرين امرأة، وكان مشاركًا في الحديث والفقه، ثم مال إلى النسك والتقشف ونظم أشعارًا في الزهد، واتخذ لنفسه رابطة في رقعة من جنة على بحيرة شقبان عرفت برابطة الطيطل ولزم بها العبادة إلى أن توفي (انظر الذي والتكملة ٥: ١٩٥ والجذوة: ٢٩٤ وفيها " الطيطن " والبغية رقم: ١٢١٢ والمسالك ١١: ٤٤٠) .
(٢) الجذوة والبغية والذيل والتكملة ٥: ١٩٦ والمسالك.
(٣) الجفت: قشرة رقيقة تكون بين اللب والقشر في البلوط (تحفة الأحباب: ١٣ وأمثال الزجالي رقم: ٢١٣٠) .
(٤) الخرت: ثقب الإبرة.
[ ٤ / ٧٩٧ ]
سبحان من يعلم تسبيحها ووزنها من زنة البخت
فنسبتي منها لفرط الضنى (١) نسبتها منه بلا كت
كلًا ولو حاولت من رقةٍ لجلت بين الثوب والتخت
أرق من هذا وأضنى ضنىً رقة ذهني وضنى بختي
لكن نفسي واعتلا همتي نجم لبيذختٍ كبيذخت وهذا من قول المتنبي (٢):
وعزمة بعثتها همة زحل من تحتها بمحل (٣) الترب من زحل وأنشدني أيضًا له في الزهد:
يا غافلًا شأنه الرقاد كأنما غيرك المراد
والموت يرعاك كل حين فكيف لم يجفك المهاد
فهي زادًا وزد مزادًا فقد طوى عمرك النفاذ
إذ سفر الموت في شحط والقرب منه هو البعاد
ما حال سفر بغير زادٍ والأرض قفر ولا مزاد
ضمر جوادًا ليوم سبق لمثله يرفع الجواد
أين فلان وكم فلانٍ قد غيبوا في الثرى فبادروا
لا تبغ دنيا فإن عنها ألمون المتقي يذاد
فابن لها بالتقى بروجًا تأمن إذا روع العباد
_________________
(١) الكت: الإحصاء؛ ط د س: كفت.
(٢) ديوان المتنبي: ٢٦٥.
(٣) الديوان: بمكان.
[ ٤ / ٧٩٨ ]
واعتبر الأرض كيف مدت فهي لهذا الورى مهاد
ثم السماء التي أظلت قد رفعت ما لها عماد
كما بناها يبني سواها كما بدانا كذا نعاد في ذكر الأديب أبي عبد الله محمد بن البين (١)
أحد الشعراء المجيدين - كان - بحضرة بطليوس، مستظرف الألفاظ والمعاني، وكان يميل إلى طريقة محمد بن هاني، على أم أكثر أهل وقتنا وجمهور شعراء عصرنا، إليها يذهبون، وعلى قالبه وجدتهم يضربون؛ ومن أحسن شعر أبي عبد الله قصائده التي على حروف المعجم، في أبي الأصبغ بن المنخر أيام استوزره المنصور يحيى بن المظفر، [١٤٦أ] ووصله عليها بمائة مثقال.
فصل له من نثر جعله مقدم (٢) تصنيفه، وصدر تأليفه
قال فيه: وما اختصصته بالثناء تشيعًا للإخاء، ولكن لما قلت فيه:
تشيعت فيه للحقائق والعلا وما أنا فيه للهى متشيع ولقولي فيه (٣):
_________________
(١) له ترجمة في المغرب ١: ٣٧٠ ورايات المبرزين: ٦٠ (٣١غ) وذكر في النفح ٣: ٤٥٣ وانظر المسالك ١١: ٤٤٠.
(٢) نثر مقدم: سقط من ط د.
(٣) المسالك ١١: ٤٤١.
[ ٤ / ٧٩٩ ]
لم أرض إلا فيه نظم بدائعٍ حسدته في منظومها الأمراء
مالت إليه بها حقائق سؤددٍ لا كالذي مالت به الأهواء
أهل المدائح سالك في منهجٍ سلكت به من قبله (١) الآباء ولما قال أبو الطيب (٢):
أحبك شا شمس الزمان وبدره وإن لامني فيك السها والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك باهر وليس لأن العيش عندك بارد فإيه أبا الأصبغ، وفدت عليك، وصرت إليك، وإن كنت قد أهديت التمر إلى هجر، وحاسنت بقباحتي القمر، فقد تمطر الدأماء (٣)، وللشاكرين على الله ثناء.
ومن تلك القصائد قصيدة مهموزة أولها (٤):
هل من الغمام الغادة الحسناء أسرت عليها الكلة الخضراء يقول فيها:
أسرى بها الغيران في أفق الدجى فتضوعت عن عرفها الأنواء
هل كان يطمع بالسرى في خفيةٍ ما للبدور إذا سرين خفاء
كيف (٥) الخفاء وللشروق مجامر في جانبيك وللنسيم كباء
_________________
(١) ط د: قوله.
(٢) ديوان المتنبي: ٣١٤.
(٣) الدأماء: البحر؛ ط د: السماء.
(٤) منها أبيات في المسالك.
(٥) المسالك: النجاء.
[ ٤ / ٨٠٠ ]
يا ربة الخدر التي أضللتها يوم النوى ومحلها الأحشاء
لم كان والدك الطويل نجاده ليثًا وأنت الظبية العفراء
أشبهته في فتكه يوم الوغى والسمهرية عينك النجلاء
وكما حكيت البأس فاحكيه الندى فيرى لديك كما لديه حباء
أخفى السرى وأذاعه إشراقه فالأرض منه منيرة زهراء
وكأنه عيسى يكتم جوده فيشيعه منا عليه ثناء
نشرت محاسنه قصائد جمة ملئت بها الخضراء الفخار رداء
أمي النجوم فخبري عن مجده فله هنالك في العلا نظراء وله فيه من أخرى أولها:
أفي كلل الإظعان غزلان رملة أم احتملت فيها جآذر وجرة
ولما تولت بالجمال جمالهم تولى جميل الصبر يوم تولت
بوادي الكرى لاقيتها وهي عاطل فأرسلت در العين حين تجلت [١٤٦]
إذا نسمت ريح الصبا في جنابها ستعرف في أنفاسها حر لوعتي
وإن وردت ماء الفرات فإنها ستنكر في سلسالها طعم عبرتي وهذا كقول أبي الطيب (١):
أوما وجدتم في الشراب (٢) ملوحة مما أرقرق في الفرات دموعي
_________________
(١) ديوان المتنبي: ٣٤.
(٢) الديوان: الصراة.
[ ٤ / ٨٠١ ]
وقال مهيار الديلمي (١):
بكيت على الوادي فحرمت ماءه وكيف يحل الماء أكثره دم وقال ابن البين من أخرى (٢):
غصبوا الصباح فقسموه خدودا واسترهفوا (٣) قضب الأرك قدودا
ورأوا حصى الياقوت دون محلهم فاستبدلوا منه النجوم عقودا
واستودعاو حدق المها أجفانهم فسبوا بهن ضراغمًا وأسودا
لم يكف أن (٤) خلفوا الأسنة والظبا حتى استنابوا (٥) أعينًا وخدودا
وتضافروا بضفائرٍ أبدوا لنا ضوء النهار بليلها معقودا ومنها:
صاغوا الثغور من الأقاحة (٦) بينها ماء الحياة لو اغتدى مورودا ومن المدح:
أبني السيوف المشرفية نجدةً وبني (٧) السحاب المستهلة جودا
_________________
(١) تجئ ترجمة مهيار في القسم الرابع من الذخيرة، وانظر ديوانه ٣: ٣٤٤.
(٢) وردت الأبيات في المغرب والنفح والمسالك.
(٣) المغرب والمسالك: واستوهبوا، النفح: واستنهبوا.
(٤) المغرب: أن سلبوا؛ النفح: لم يكفهم حمل، المسالك: أن جلبوا.
(٥) المغرب والمسالك: استعانوا؛ النفح: استعاروا.
(٦) س: الأقاحي.
(٧) ط د: أثنى وثنى.
[ ٤ / ٨٠٢ ]
الدهر عندكم طريف محدث وفخاركم ما زال فيه تليدا
عطرتم نفس الزمان فأصبحت آثاركم في الجيد (١) منه عقودا في ذكر ذي الوزارتين أبي محمد بن هود (٢)
كانت قد أزحته عن حضرة أسرته سرقسطة، أسباب غاب عني شرحها، فتحول على رؤساء أفقنا، واتخذ آخر أمره حضرة بطليوس وطنًا، فرحب به المتوكل فآواه، وأجزل قراه، وولاه مدينة الأشبونة، ثم صرفه عنها، وصدر محمود السيرة منها، وكان ممن تندر له الأبيات، وتستظرف له بعض المقطوعات، كقوله وقد سئل عما اكتسبه في ولايته، فقال (٣):
وسائلٍ لي لما صدرت عما وليت
ما نلت - قلت: ثناءً يبقى معي ما بقيت
وإن أمت كان بعدي مخلدًا لا يموت
عفت الفضول لعلمي أن ليس يعدم قوت
وصنت قدري منها تجملًا فغنيت
_________________
(١) المسالك: للعطف.
(٢) الأمير أبو محمد بن هود واسمه عبد الله (وقال ابن الأبار: لم أقف على اسمه، الحلة: ١٦٥) نفاه ابن عمه المقتدر عن الثغر (سرقسطة) فقصد طليطلة حضرة ابن ذي النون ثم مل الإقامة هنالك، فجعل يضطرب ما بين ملوك الطوائف إلى أن استقر عند المتوكل ابن الأفطس (المغرب ٢: ٤٣٩) ثم ولاه المتوكل الأشبونة (المغرب ١: ٤١١) ثم صرف عنها محمود السيرة (وانظر المسالك ١١: ٤٤١، والحلة ٢: ١٦٥ - ١٦٦) .
(٣) الحلة: ١٦٦.
[ ٤ / ٨٠٣ ]
وهو القائل وقد خرج عن سرقسطة (١):
ضللتم جميعًا يال هودٍ عن الهدى وضيعتم الرأي الموفق أجمعا
وشنتم يمين الملك بي فقطعتم بأيديكم منها وبالغدر إصبعا
وما أنا إلا الشمس (٢) غير غياهبٍ دجت فأبت لي أن أنير وأسطعا
وإن طلعت تلك البدور أهلةً فلم يبق إلا أن أغيب وأطلعا
فلا تقطعوا الأسباب بيني وبينكم (٣) فأنفكم منكم وإن كان أجدعا واحترق له بيت أيام مقامه بطليطلة، فقال (٤): [١٤٧أ]
تركت محلي جنةً (٥) فوجدتها على حكم أيدي الحادثات جهنما
لتصطنع (٦) الأيام ما شئن آخرًا فما صنعت بي أولًا كان أعظما وأنشدت له مما نقش على رئاس سيف للمتوكل، وأخبر عنه (٧):
لا تخش ضيمًا ولا تمس (٨) أخا فرق إذا رئاسي في يمنى يديك بقي
أصبحت أمضى من الحين المتاح فصل على الكماة وبي عند الوغى فثق
لولا فتور بألحاظ الظباء إذن لقلت إني أمضى من ظبا الحدق
_________________
(١) انظر المغرب والمسالك والحلة.
(٢) المغرب: عند.
(٣) هو من المثل: أنفك منك وإن كان أجدع.
(٤) الحلة ٢: ١٦٦.
(٥) الحلة: فوجدته.
(٦) الحلة: لتصنع بي.
(٧) هي في الحلة ومنها بيتان في المسالك.
(٨) الحلة: تصبح.
[ ٤ / ٨٠٤ ]
ويتطرف هذا المعنى قول ابن شرف (١):
لم يبق للظلم في أيامهم أثر إلا الذي في عيون الغيد من حور ولابن هود في المتوكل أيام سلطانه بيابرة (٢):
يا خائف الدهر يمم أرض يابرةٍ تأمن وتكفي الذي تخشى من الحذر
وواصف البحر في شتى عجائبه حدث بلا حرج عنه وعن عمر
وكم سمعنا قديمًا عن مكارمه حتى رأينا فأزرى الخبر بالخبر في ذكر الشيخ الأديب أبي عمر فتح بو برلوصة البطليوسي (٣)
من نبهاء العصر المقلين في الشعر، إلا أن أبياته نوادر سوائر، وهو القائل في ابن برد (٤):
إن ابن بردٍ لفتىً ماجد ونفسه بالجود مفتونه
مددت كفي نحو بلوطةً فقال: دعها وخذ التينه وأنشدت له:
وشادنٍ طلبته مقلتي بدمي فأطلعت لي في خديه منه أثر
_________________
(١) قد مر في ما تقدم ص: ١٥٨.
(٢) منها بيتان في الحلة ٢: ١٦٦ أكثرهما مطموس.
(٣) انظر مسالك الأبصار ١١: ٤٤٢.
(٤) أوردهما في المسالك.
[ ٤ / ٨٠٥ ]
وقام بين يديه الخال يعذرني وقد تعمم بالاظلام (١) فوق قمر
كأنما حل جيش الحسن صفحته وكر لليل فيه فارس فأسر وأخبرني غير واحدٍ من أدباء عصرنا، قال: دخل لمة من الأدباء دار الأديب أبي مروان بن الصقيل اليابري، فرأوا في بيته سيفًا معلقًا، فقالوا له: أي شيء تصنع بهذا السيف - فقال: أعددته للمخانيث العتاة نظرائكم، فاهتبل بعضهم غرته حتى أهذ السيف، ثم قاموا به عليه وقال: والله لنقتلنك أو تكتب لنا كتابًا بخط يدك، يتضمن أنا هتكنا حريمك، وعجمنا ميمك؛ ولما رأى الجد، ولم يجد من بد، كتب لهم بذلك خط اليد، فخاطب أبو عمر هذا بهذه الأبيات بعض (٢) إخوانه:
زرنا أبا مروان شيخ المجون ونحن لا ندري سوى الظرف دين
فقام يدعونا إلى نفسه بدمعٍ (٣) جارٍ وصوت حنين
قلنا (٤) له قد يرفع الدهر من آهٍ وندريك رفيق (٥) اللدين
وممكن أن (٦) تتناسى لنا ذلك أو تلفى من الجاحدين
اكتب لإخوانك رفقًا بهم صكًا بما عندك يستظهرون [١٤٧ب]
فإذ قضانا صكنا وانحنى قمنا على منبره منشدين
سبحان من سخر هذا لنا منه وما كنا له مقرنين
_________________
(١) ط: بالإطلال.
(٢) س: أحد.
(٣) ط: بدمع.
(٤) ط د: فقلنا.
(٥) د: رقيق.
(٦) ط: تتأسى.
[ ٤ / ٨٠٦ ]
فقال أبو مروان بن الصيقل في ذلك:
يا رب مفعولين قالوا أعطنا خط يد في أننا فاعلون
قلت لهم خطي مباح لكم أكتب فيه كل ما ترغبون
فمن رأى الخط الذي هم به قبل اشتهار الأمر مستظهرون
يشهد بأن الخط واللفظ لي وأنهم في قولهم يكذبون وانتهت الأبيات إلى الفقيه أبي عبد الله (١) بن القلاس فكتب إلى ابن الصيقل بأبيات منها:
قل لأبي مروان شيخ المجون شاعر ذا العصر العزيز القرين
قال ابن فتحٍ إنه كان قد ولم يقل أكثر للمخبرين
وقد حكى أن له شاهدي عدلٍ على ذاك من الصالحين
فإن يكن حقًا فلا تكتئب إبليس جان مثل ذا كل حين
فالعزم أن تقصده ضارعًا إليه سرًا فسعاه يلين
واسأله أن يستر ما جاءه فان أبي فاجحد وزده يمين فأجابه ابن الصيقل بأبيات منها:
أهكذا يفعله الصالحون تقبل أيمانًا من الفاسقين -!
لا تعتقد من شاعر لفظةً ولو غدا من أزهد الزاهدين
يريد أن يخفي صبحًا وهل يخفى سنا الصبح على الناظرين
إن كان غرتك يمين له واحدة خذني بألفي يمين
_________________
(١) س: أبي عمر.
[ ٤ / ٨٠٧ ]
في ذكر الأديب أبي عمر يوسف بن كوثر الشنتريني (١)
أنشدت له من كلمة أولها:
ألا لا يفند عاشقًا من له ذهن فوالله لولا العشق ما عرف الحسن ومنها في أحد تلامذ عصره (٢):
مررت به يومًا يغازل مثله وهذا على ذا بالملاحة يمتن
فقلت اجمعا بالوصل رأيكما فما لمثلكما كان التغزل والمجن
عسى الصب يقضي الله بينكما له بخير فقالا لي اشتهر العسل السمن
فجاءهما دب فأحرز ذا وذا وما لامرئ من ريب أيامه أمن وأنشدت له في كلمة أولها:
حل لسيوف الحب دمي (٣) ما مثلي منه بمخترم
وفؤادي فيه (٤) يساعفها ويريها اللذة بالألم [١٤٨أ]
فمتى لحظت (٥) بشرًا حسنًا (٦) تلتذ بصورته تهم
_________________
(١) ذكره في النفح ٣: ٤٥٨ وأورد له ثلاثة أبيات، وفي المسالك ١١: ٤٤٢ وأورد له بيتًا واحدًا.
(٢) منها ثلاثة أبيات في النفح.
(٣) ط د: بمحترم.
(٤) د س: يساعدها.
(٥) د: شيئًا.
(٦) ط د: يلتذ يهم.
[ ٤ / ٨٠٨ ]
يا أملح معشوقٍ نعتًا واسمًا فلنعتك أنت سمي
شعشع بوصالك كأس دلا لك تطف بذلك من ضرمي في ذكر الأديب أبي الوليد المعروف بالنحلي (١)
كان باقعة (٢) دهره، ونادرة عصره، ولم يصد دراهم ملوك عصرنا إلا بحر النادرة والتوقيع، وقد اندرجت له عدة مقطوعات في تضاعيف هذا المجموع، وكان يضحك من حضر، ولا يكاد يبتسم هو إذا ندر، وهو القائل يصف طلوع الشمس ومقابلة القمر لها:
أما ترى الشمس وهي طالعة تمنع عنها إدامة النظر
حمراء صفراء في تلونها كأنها تشتكي من السهر
_________________
(١) يتفق نفح الطيب (٣: ٢٣٣) وبدائع البدائه (١١٤) وتحفة العروس (١١٣) في إيراد قصة المعتمد مع احدى حظاياه وما كان من شعر النحلي فيها، ويورد النفح والبدائع قصة في وصف فرس للمتوكل كان في كفله ست نقط (النفح ٣: ٣٣١ والبدائع: ٢٦٩ وهي عن الذخيرة ٢: ٤٦٥) . وكذلك يوردان قصة شربه عند ابن طوفان (النفح ٣: ٣٣١ والبدائع: ٤٠) وينفرد النفح بايراد نادرة ماجنة له (٣: ٢٣٤) وشعر له في مغنية (٣: ٤٤٥) وتدل قصة (٤: ٩) على أنه كان لدى ابن صمادح ثم سار عنه إلى إشبيلية فمدح المعتمد وغمز من ابن صمادح بقوله: أباد ابن عباد البرابرا وأفنى ابن معن دجاج القرى ثم نسى ما قاله فلما حل بالمرية، أحضره ابن صمادح لمنادمته، وأحضر للعشاء موائد ليس فيها إلا لحم الدجاج، فلما احتج النحلي على ذلك أفهمه ابن صمادح أنه أراد تكذيبه في ما قال، فطار سكره وجعل يعتذر، فعفا عنه ابن صمادح، ولكنه فر عن المرية وندم بعد ذلك.
(٢) س: نابغة.
[ ٤ / ٨٠٩ ]
مثل عروس غداة ليلتها تمسك مرآتها من القمر
أو صورة المجد وهي ماثلة تنظر قدامها إلى عمر ومن أحسن ما سمعت في وصف (١) الشمس قول متوكل بن أبي الحسن (٢):
كأنما الشمس مرآة مجردة وقد غدا المغرب الأقصى لها سفطا ومن نوادر (٣) الآفاق، الحلوة المساق، الغريبة الاتفاق، خبر النحلي مع المعتمد بن عباد، وذلك أنه مشت بين يديه يومًا بعض نسائه، في غلالة لا تكاد تفرق بينها وبين جسمها، ولها ذوائب تخفي إياة الشمس في مدلهما، فسكب عليها إناء ماورد فامتزج الكل لينًا واسترسالًا، وتشابه طيبًا وجمالًا، فأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومالت بعطفيه راح الأدب، فقال:
وهويت سالبة النفوس غريرةً تختال بين أسنةٍ وبواتر ثم تعذر عليه المقال، أو شغلته تلك الحال، فقال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر إلى النحلي وخذه باجازة هذا البيت، ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأضاف النحلي إليه، لأول وقوع الرقعة بين يديه، هذه الأبيات (٤):
_________________
(١) س: صفة.
(٢) س: الحسين.
(٣) وردت هذه النادرة في النفح وبدائع البدائه وتحفه العروس والمسلك السهل: ٤٦٣.
(٤) هي في النفح وبدائع البدائه وانظر الإعلام ٢: ٣٢٦ وفي ط د: " هذين البيتين " في موضع " هذه الأبيات " ولهذا لم يرد منها سوى الأول والثالث، إلا أن سائرها مثبت بهامش ط بغير خط الأصل.
[ ٤ / ٨١٠ ]
راقت محاسنها ورق أديمها فتكاد تبصر باطنًا من ظاهر
وتمايلت كالغصن في دعص النقا تلتف في ورق الشباب الناضر
يندى بماء الورد مسبل شعرها كالطل يسقط من جناح الطائر
تزهى برونقها وعز جمالها زهو المؤيد بالثناء العاطر
ملك تضاءلت الملوك لقدره وعنا له صرف الزمان الجائر
وإذا لمحت جبينه ويمينه أبصرت بدرًا فوق بحر زاجر فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو معنا كنت - فأجابه النحلي بكلام معناه: يا قاتل المحل، أو ما تلوت ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ (١) (النحل: ٦٧)
في ذكر الوزير الكاتب أبي بكر محمد بن سوار الأشبوني (٢)
[١٤٨ب] وأبو بكر في وقتنا واحد عصره، وله عدة قصائد في ملوك قطره، قالها تحببًا لا تكسبا، وعمر مجالسهم بها وفاءً لا استجداء، فلما خلع ملوك الأندلس حالت به الحال، وتقسمه الإدبار والإقبال، ثم أسره العدو بعقب محنةٍ، وبين أطباق فتنة، وقيد بقورية من عمل الطاغية ابن فرذلند، ثم خرج من وثاقه، خروج البدر من محاقه، وتردد في بلاد أفقنا يحمله قرب على بعد، ويكله سعيد إلى سعد، حتى
_________________
(١) زاد في ط بغير خط الأصل: فزاد المعتمد هذا الجواب عجبًا، واهتز له استغرابًا وتعجبًا، وقرب النحلي وأدناه، ووهب له من المال ما أرضاه به وأغناه.
(٢) له ترجمة في المغرب ١: ٤١١ ومسالك الأبصار ١١: ٤٤٣ والمحمدون من الشعراء: ٣٥٩ والوافي ٣: ١٤٣.
[ ٤ / ٨١١ ]
ضاقت عنه الخطوب، ومله السرى والتأويب. واتفق له أن أسمع الله صوته من وراء البحر المحيط الفقيه الأجل قاضي القضاة بالمغرب. وسلالة الأطيب فالأطيب، أبا الحسن علي بن القاسم بن عشرة، فأجابه وأباه (١) وجذب بضبعه واستدناه، فأعاد هلاله بدرًا، وصير خله خمرًا، ولبني القاسم (٢) في الجود خيم كريم، ولهم تقدم مشهور معلوم؛ بلغني أن جدهم الأكبر أحمد بن المدبر، حامل تلك الفضائل، وصاحب الأعمال الجلائل، إذ كان أحد نجوم تلك الآفاق، ببلاد الشام والعراق، واشتهار معرفة قدره، يمنع عن ذكره، لكني ألمع هنا بلمعة من أمره.
قرأت في الكتاب الكبير لليعقوبي في الدولة العباسية قال: كان لأحمد ابن المدير منزلة عند المتوكل جعفر، وكان قد قلد ديوان الضياع لإبراهيم ابن العباس الصولي، قال وهب بن سليمان بن وهب: وكنت أكتب له، وكان رجلًا بليغًا، ولم يكن له في علم الخراج تقدم، وكان بينه وبين أحمد ابن المدبر تباعد، وكان أحمد نسيج وحده، فدخل على المتوكل وقال له: قلدت ديوان الضياع إبراهيم بن العباس فضاع، فقال له المتوكل جعفر: غدًا يحضر، وتتكلم في أمره بما يظهر؛ فبلغ ذلك إبراهيم فاغتم لمعرفته أنه لا يفي بابن المدبر، وحضرا من الغد، فقال له المتوكل (٣): تكلم يا أحمد
_________________
(١) واتفق وأباه: زيادة عن س والمسالك.
(٢) بنو القاسم هم بنو عشرة من أعيان سلا، وقد كانوا مقصد الشعراء في عصرهم، أو كما يقول ابن الأبار " رباب السماح وأرباب الأمداح " (اعتاب الكتاب: ٢٢٤) وللدكتور بنشريفة بحث عن أسرة بني عشرة (مجلة البحث العلمي، السنة الرابعة، العدد العاشر ص: ٦٥ - ١٠٢؛ ١٩٦٧) .
(٣) ط د: المتكلم.
[ ٤ / ٨١٢ ]
فذكر أشياء صدق فيها، وإبراهيم ساكت، فقال له المتوكل: يا إبراهيم ألك جواب على كلامه؛ قال: جوابي يا أمير المؤمنين في بيتي شعر إن أذن لي قلتهما، قال: قل، فأنشد (١):
رد قولي وصدق الأقوالا وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدودٍ وعلى وجهه رأيت الهلالا فقال المتوكل: زاه زاه!! أحسنت والله، إيتوني بمن يلحن هذا، وأحضروا الندمان، ودعونا من أخبار الديوان، وخلع على إبراهيم.
وخلا المتوكل يومه بلهوه، وبقي إبراهيم مغمومًا في منزله، فقيل له: هذا يوم سرورٍ بما جدد عليك من النعمة، وخصصت به من الكفاية بدل النقمة، فقال: الحق بمثلي أولى وأشبه، وما أدفع أحمد بن المدبر، ولا كذب في شيء مما ذكره، ولا أنا ممن يعشره في الخراج، كما لا يعشرني في البلاغة، وإنما ظهرت عليه في يومي هذا بالهزل، فما لي لا أبكي فضلًا عن أن اغتم، من زمان يدفع فيه الحق بالباطل -! وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد.
وقال يومًا يحيى بن أكثم القاضي لابن المدبر بحضرة المتوكل جعفر: أنت كاتب تتفقه وتذكر أنك لا تلزم الناس بالأموال إلا بحجج فقهية: من كتب للنبي ﵇ - قال أحمد: ليس على الكاتب علم ذلك، ولا تعلمه أيضًا على الفقيه، إذ لا يحلل حلالًا ولا يحرم حرامًا، وقد روي أن
_________________
(١) ديوان إبراهيم الصولي (الطرائف الأدبية): ١٤٩ والأغاني ١٠: ٥٩ وفيه طرف من حكاية الصولي مع ابن المدبر.
[ ٤ / ٨١٣ ]
عثمان وعليًا وزيد بن ثابت وحنظلة ومعاوية وغيرهم كتبوا له ﷺ، ولكن من الذي على عهده عملك فأمر بقتله -! يعرض له بما كان ينسب لابن أكثم من اللواط - فخجل، واستفرغ ضحكًا المتوكل، فكان ذلك سبب العداوة بينهما؛ وأخباره كثيرة مأثورة.
جملة من شعر أبي بكر بن سوار في أوصاف شتى
[١٣٩أ] له من قصيدة أولها (١):
إياك من ظبية في ذلك الكنس فإنها أخت ذاك الضيغم الهرس
كم نم (٢) بي جرس قرطيها وساعدني ما في الخلاخل من صمت ومن خرس
ما ظبية المكنس العفراء همت بها (٣) وإنما تيمتني ظبية الأنس ومنها (٤):
ما يعرف العرف المسواك من سببٍ إلا من الشنب المعطار واللعس
يا ربة الخدر حيث النجر من (٥) أسد والموج من زرد والسيف من فرس
رسوم دارك في يبرين دارسة وفي الحشا لك ربع غير مندرس
قس ما تشاء تجد بي مثله عوضًا وبالزمان الذي ولى فلا تقس
_________________
(١) منها أبيات في المحمدون والمسالك.
(٢) ط د: لي.
(٣) سقط هذا البيت من ط د، وهو ثابت في س والمحمدون من الشعراء.
(٤) منها: سقطت من س.
(٥) ط د: البحر (دون إعجام) من أمد، وأثبت ما في والمحمدون.
[ ٤ / ٨١٤ ]
ألست تذكر يومًا حين زرتهم والدهر يخرج من عيدٍ (١) إلى عرس
نزلت في موضع حف الغدير به كما يحف اخضرار الليل بالغلس
(٢) فإن تهادي قليلًا صار كالترس>
ترى بها الحوت حول الماء جثته (٣) [] ما يرمي من النفس
كأن جود (٤) عليٍ جاد لجته فليس يخشى (٥) عليه آفة الدرس
مطهر لم يدنس عرضه بخل وجوهر الشمس معصوم من الدنس وكان أسر على ما ذكرته، وبقي معتقلًا بمدينة قورية، إلى أن خرج من وثاقه، وقال في ذلك قصيدة يصف كيفية القبض عليه، قال فيها (٦):
وليلٍ كهم العاشقين قميصه ركبت دياجيه ومركبها وعر
سريت وأصحابي يميلهم الكرى فهم منه في سكر وما بهم سكر
رميت بجسمي قلبه فنفذته كما نفذ الإصباح إذ فتق الفجر
_________________
(١) المسالك: حزن.
(٢) زيادة من المسالك.
(٣) سقط البيت من ط د، كما سقط البيتان التاليان له من س.
(٤) هو علي بن القاسم بن محمد بن موسى بن عيسى، أبو الحسن ابن عشرة، كان فقيهًا حافظًا سري أهل بلده، وجيهًا فيهم نبيه القدر، رئيسًا جوادًا، دخل الأندلس غازيًا وامتدحه بها طائفة من أدبائها وشرق حينئذ وحج ثم عاد إلى بلاده؛ وتوفي بسلا سنة ٥٠٢ وممن امتدحه من جلة الشعراء ابن حمديس وأبو الوليد اسماعيل بن ولاد وله في مدحه ومدح ابنه العباس مجموع سماه " نزهة الأدب " (الذيل والتكملة - قسم الغرباء، الورقة: ١٠ من مصورة الخزانة العامة بالرباط) ومن مداحه أيضًا الأعمى التطيلي وابن بقي وغيرهما (انظر مقالة الدكتور بنشريفة عن بني عشرة) .
(٥) ط: تخفى.
(٦) منها أبيات في مسالك الأبصار.
[ ٤ / ٨١٥ ]
ولما بدا وجه الصباح تطلعت خيول من الوادي محجلة غر
فقلت لهم: خيل النصارى فشمروا إليها وكروا هاهنا يحسن الكر
وكانت حميًا النوم قد صرعتهم ففلوا ولوا مدبرين وما فروا
وأفردت سهماص واحدًا في كنانة من الحرب لا يخشى على مثله الكسر
وكنت عهدت الحرب مكرًا وخدعةً ولكن من المقدور ما لامرئ مكر
فطاعنتهم حتى تحطمت القنا وضاربتهم حتى تكسرت البتر
أضرج أثوابي دمًا وثيابهم كأن الذي بيني وبينهم عطر
وأحدق بي والموت بكشر نابه ومنظره جهم وناظره شزر
فأعطيتها وهي الدنية صاغرًا وقد كان لي في الموت لو يدني عذر
فطاروا وصاروا بي إلى مستقرهم يصاحبني ذل ويصحبهم فخر
فقال العذارى حرقوه مقارضًا فمن قتله الفتيان عطلت البكر ومنها:
فجاءوا بأنواع الكبول ونظموا سلاسل في جيدي كما ينظم الدر
وساقوا كلابًا كالفحولة أجسمًا لها أعين خضر ملاحظها شزر
فقالوا اعطنا ألفًا فقلت مضاعفًا (١) []
سبحان ربي ما أجل جلاله تخلصني منها له الحمد والشكر [١٤٩ب]
فضاقت علي الأرض حتى كأنها بما رحبت ما كان في طولها فتر
فناديت في حول من الدهر كامل ألا رجل حر ألا رجل حر
وإن وراء البحر أروع ماجدًا بعزته الغراء يستنزل القطر
ألا خبراني ابني أبي هل أتاكما وشيكًا عن القاضي أبي حسن ذكر
_________________
(١) زيادة من س؛ والشطر الثاني بياض، وهذا البيت يرد في القصيدة التالية.
[ ٤ / ٨١٦ ]
سلا عن سلا هل من علي حقيقة فإني في أحشاء قوريةٍ سر
ألا إنما الدنيا علي وقربه وإلا فإن الأرض عامرها قفر
بعدل علي تعمر الأرض كلها وتتسع الدنيا ولو أنها قبر
حنيني إليه موثقًا ومسرحًا كما جن للبر الذي يغرق البحر وله من قصيدة في قاضي الجماعة أبي عبد الله بن حمدين:
من معشر حمدوا فأحمد سعيهم (١) فلذاك ما سموا بني حمدين
مضت القرون ومرت الدنيا ومن فيها وما جاءت لهم بقرين
لله درك أيها القاضي فما حبل الرجاء لديك غير متين
ولقد ذكرتك والعدو يعضني والعلج يلطم صفحتي وجبيني
يوم العذاب وللكلاب تضور حولي ونشاب الردى ترميني
وتوهمني بالغنى وأضر بي ال مال الذي أخذوه إذ أخذوني
قالوا: اعطنا ألفًا فقلت مضاعفًا لما رأيت الموت ملء جفوني
فبقيت عامًا في الإسار مصفدًا بسلاسل ضربًا من التنين
لما يئست ولم تكن لي حيلة أرسلت في ابن أبي فكان ضميني
(٢) وتركته بيد العدو موثقًا في ذل أغلال وضيق سجون
وردت رسائله علي فتارةً يشكو إليّ وتارةً يشكوني
فقلوبهم كالقلب في خفقانه وعيونهم في جريها كعيون
فأتيت نحوك والرجاء يقودني وجميل ذكرك خلفه يحدوني
_________________
(١) شر البيت ص: ٢٢٢.
(٢) س: مثقفًا.
[ ٤ / ٨١٧ ]
وله من أخرى في القاضي أبي الحسن بن القاسم (١):
ساروا وحبل وصالهم مبتوت فسلوا نجوم الليل كيف أبيت
بانوا وروحي عندهم وحشاشتي وتظن أنهم مضوا وبقيت
أسفي على وادي الأراك وإنما يتأسف المحزون وهو يموت
أنحي على الأقراط ناطقةً ولا أنحي على الخلخال وهو صموت
لا تأخذوا في اللوم لست بسامعٍ إن الملامة في الهوى تعنيت ومنها في المدح: [١٥٠أ]
لو أن وفقك في القلوب مركب لم يلتقم في البحر يونس حوت
ولقد حملت من الوقار سكينةً لم يحتملها قبلك التابوت وله فيه من أخرى أولها:
من لظى قلبي اقتدح لا من زناد ودموعي استسق لا صوب الغوادي
اصرفوا نومي ليدني طيفكم وهنيئًا ما غصبتم من فؤادي
أنتم الأحباب في حكم الهوى فارفقوا لا تفعلوا فعل الأعادي
جسدي أنحل من سركم في تناجيكم به يوم البعاد
تكمن الشحناء في أحشائهم ككمون الجمر في جوف الرماد
يحمد النجم الثريا ألفتي ولقد يبكي سهيل لانفرادي
ما مرادي أن أرى منفردًا رب محمول على غير المراد
لا سقى الروض غمام ساكب ليس يسقي معه شوك القتاد
_________________
(١) منها أبيات في مسالك الأبصار.
[ ٤ / ٨١٨ ]
ومن المدح:
إن من بعد بني القاسم لا أحد يملأ عينًا من جواد
نسب مطرد من شرفٍ ككعوب الرمح ذات الإطراد
وقبيل كله من عزةٍ كظبا الهندي في يوم الجلاد
وبنو عشرٍ ذوو العلياء لم يخلقوا إلا لكف وذياد
وعفافٍ واعتكاف وتقىً ووفاءٍ وعطاءٍ وأيادي وله فيه من أخرى (١):
بدت الغزالة والغزالة وجهها وتكلمت فسمعت ظبيًا يبغم
خالستها وتبسمت فظننتها عن مثل ما في نحرها تتبسم
فتشابهت منها الثلاثة أضرب عقد وثغر طيب وتكلم
لو كان مرئيًا جمان حديثها لرأيت من أجل شيء ينظم
ومضت تجر وراءها شعرًا كما أعطاك جانبه الغراب الأسحم
يمحو مواقع إثرها فكأنه يخفيه عن عين الرقيب ويكتم
والمسك فوق الترب من أردانها خط كما رقم الرداء المعلم
ما لي وما لك يا (٢) غيور تسومني خطط الردى وأنا المعني المغرم
هلا اتقينا حيث (٣) تنتثر الظبا والهام تسقط والقنا تتحطم
والجو أدكن بالغبار قميصه والجيش أرعن والخميس عرمرم
وكأن يوم الحشر (٤) يوم جموعنا وكأن غلي الحرب فيه جهنم
_________________
(١) منها أبيات في الوافي والمسالك.
(٢) ط د: عيون، والتصويب عن المسالك.
(٣) ط: ينتثر.
(٤) الوافي: فيه.
[ ٤ / ٨١٩ ]
وكأن كل كمي حربٍ مارد تهوي إليه من الأسنة أنجم
ومدربين على الطعان لقيتهم وكأنهم في الشمس ليل مظلم [١٥١ب]
لبسوا جلود الرقم واعتقلوا القنا فرأيت كيف يجر أرقم أرقم
حتى علوناهم بكل مهندٍ (١) يبكي فتحسبه لهم يترحم
ذو خطبة في الهام يسمع صوتها في كل قطر وهو لا يتكلم
ولقد سلمت من الصوارم والقنا (٢) لو كنت من فتكات رميك أسلم
أعلي يا ابن القاسم بن محمد بيني وبينك عروة لا تفصم
رد التحية مثل ودي غضة إني عليك مع النسيم مسلم
ولقد كتبت وأدمعي منهلة والقلب فيه جذوة تتضرم
أمن السوية أن أكون كما أنا فيفوز غيري بالنعيم وأحرم
والله يرضى عنك من حكمٍ فقد وافيت حكم الله فيما تحكم
إن بنت عنك ولم ترده فإنه بعضي لبعضك في فراقك يخصم
ولقد ندمت على فراق سلا كما ضعف (٣) الندامة حين أهبط آدم وهذا كقول الآخر:
كآدم حين عصى ربه عوض بالدنيا من الآخره قوله: " يجر أرقم أرقم "، كقول ابن اللبانة، وقد تقدم (٤):
_________________
(١) وردت لفظة " ومنها " بعد هذا البيت في س.
(٢) وقعت لفظة " ومنها " بعد هذا البيت أيضًا في س.
(٣) قرأها الأستاذ بنشريفة: " طعم "، وهي قراءة جيدة.
(٤) انظر ما تقدم ص: ٧٨.
[ ٤ / ٨٢٠ ]
فقلت الصل أتبع ضيغما وقوله: " والمسك فوق الترب " البيت، كقول ابن شهيد:
وولت وللمسك من ذيلها على الأرض خط كظهر الشجاع (١) وله فيه من قصيدة أولها:
إلى ضوء ذاك البارق المتعالي حننت وحنت (٢) أينقي وجمالي
تألق يزجي عارضًا مثل أدمعي ويحكي فؤادي خفقه المتوالي
فلولا شمالي في زمام شملة لطارت إليه في صبًا وشمال
إلى مسقط الغرس الذي كان غرسها به لا إلى سدرٍ هناك وضاك
ولم تنسها الأرطى رياض ترودها لدى مورد عذب المياه زلال
وحبب للإنسان أول موطنٍ وإن كان في حاشاه ناعم بال
هم بعثوا طيف الخيال الذي سرى فعانق جسمًا مثل طيف خيال
وأقبل من تلقائهم فكأنه مغلفة أعطافه بغوالي ومنها:
فيا دارهم بالحزن حزني (٣) مجدد عليك، وقلبي ليس عنك بسالي
أرى أعينًا صورًا إليّ كثيرة ومن دون أن ألقاك سور عوالي (٤)
وأبيض هندي كأن بحده مطار ذبابٍ أو مدب نمال
_________________
(١) لم يرد من البيت في ط إلا قوله: " كظهر الشجاع ".
(٢) د: وحثت؛ س: وحمت.
(٣) ط د س: مجرد.
(٤) سقط البيت من س.
[ ٤ / ٨٢١ ]
جرى فوقه ماء الفرند وتحته وجال على متنيه كل مجال
وقد أظهرت فيه المنايا نفوسها كما خوضت لج السراب سعالي ومن المدح (١):
ولم يحكمهم صوب الحيا لكن اغتدى بما فيهم من شيمة وخلال
وجاءوا على جيد الزمان قلائدًا وأفعالهم فيها ضروب لآل [١٥١أ]
أقاموا لواء المكرمات وخيموا من المجد والعلياء تحت ظلال
إذا احتجبوا لم يستر الحجب نورهم وإن طلعوا كانوا بدور جمال
أو انتسبوا في المجد كان انتسابهم لأعظم عم أو لأكرم خال
وإن ورث العلياء عنهم عليها فلا بدع في حال وراثة عال
سكينته من أعفر (٢) ويلملم وبعض رجال في سكون جبال
إليك رمتنا العيس حتى كأنها من الوهن أقواس رمت بنبال وهذا لفظ أبي العرب الصقلي (٣)، وهو معنى قد نبهت عليه في تضاعيف هذا التأليف:
وحط بنا عن ناجياتٍ كأنها قسي رمت منا البلاد بأسهم وكذلك قوله: " جرى فوقه ماء الفرند " لفظ ابن المعتز (٤):
جرى فوق متنيه الفرند كأنما تنفس فيه القين وهو صقيل
_________________
(١) س: ومن مدح هذه القصيدة.
(٢) أعفر: جبل في بلاد الشام (معجم ما استعجم ١: ١٧١) .
(٣) ترجمته في القسم الرابع من الذخيرة، الورقة: ١٠٩ ويرد البيت هنالك.
(٤) زهر الآداب: ٧٧٦.
[ ٤ / ٨٢٢ ]
وفي أشعار أبي بكر تلفيق كثير، على تدفق نحيوته، وقوة غريزته، كقوله في قصيدة، منها:
وفتيةٍ من أعاريبٍ كأنهم أسد على اعةجيات سراحيب
لا يلبسون جلود الرقم سابغةً حتى تخاط بأحدق اليعاسيب
ولا تبيت على قرب محلتهم إلا يبيت حماهم غير مقروب
يا كم مضيت (١) وغول الهول يتبعني وكم سريت وسيل الليل يرمي بي
ملابسًا ما تراه العين ملتبسًا ليلًا مع الليل أو ذئبًا مع الذيب
وأطرق الفتيات البيض لابسةً لبض الجلابيب في سود الجلابيب
والقرط كالقلب من خوفٍ ومن حذر كأنه هو في خوف (٢) وتعذيب
لم آتها قط إلا نم بي وبها واشٍ من الحلي أو واشٍ من الطيب
ولا انتهيت إلى أطناب قبتها إلا على ظهر مطعونٍ ومضروب
بأبيض بدم الأجساد مغتسل وأسمر بدم الأكباد مخضوب
والطبع أكرم في تركيب خلقته من أن أكون محبًا غير محبوب
إن كنت يا دهر لم تحسن معاشرتي فيما مضى فلقد أحسنت تأديبي
أجرب الناس في ضيق وفي سعةٍ والناس صنفان في حدج التجاريب
وما على العود أن يهدي نوافحه إلا على لهبٍِ بالجمر مشبوب
ويطلب الجود من قوم وجود بني عشرٍ يجيئك عفوًا دون مطلوب
محاسن ثقفت منها أوائلهم كما تثقف أنبوب بأنبوب وقال من أخرى، وذكر حمامة:
_________________
(١) ط د: وحول.
(٢) س: خفق.
[ ٤ / ٨٢٣ ]
بكت لم تسل دمعًا ولا هي أعربت ولا أفصحت معنىً بلحن كلام
ولم أر أشجى من بكاءً بعثنه فزدن به في لوعتي وغرامي [١٥١ب]
نوائح ما غاضت دموع جفونها على السكب إلا والضلوع حوام
وما ذلك المحمر فيهن خلقة ولكنها (١) مما بكين دوامي ومنها:
سقى منزلًا بالغرب منسكب الحيا وجاد عليه كل أسحم هامي
بحيث بنو عشرٍ تنير وجوههم كمات طلعت ليلًا بدور تمام
فما أكثر المثني عليهم سجيةً وما أشبه النعمى بطوق حمام
رعى الله فيكم ذمة المجد والعلا فلا خلق أرعى منهم لذمام وله فيه من أخرى (٢):
إذا نزل العافون في عقر داره فقد نزلوا في غبطةٍ وأمان
بحيث حياض (٣) الجود زرق مياهها ومزن العطايا دائم الهطلان
وللغيث أوقات يفاجئ صوبه ونائله ينهل كل أوان
أغر طليق الوجه يهتز للندى كما اهتز مصقول الفرند بماني
فما لعليًّ في البرية مشبه وما لعليّ في الأنام بثاني
فلو أنني في الوصف لم أذكر اسمه دروه وقالوا: ذي صفات فلان
_________________
(١) ط: ولا كنف.
(٢) من أخرى: زيادة من س.
(٣) س: الموت.
[ ٤ / ٨٢٤ ]
وله فيه من أخرى عند صدره من حضرة أمير المسلمين:
مضيت بوجه السعد وهو طليق وأبت بثوب النجح وهو يروق
لقيت أمير المسلمين مقربًا كما يتلاقى شائق ومشوق
رآك وللإسلام نصحك كله وعهدك في ذات الإله وثيق
تلقاك بالبشر الذي أنت أهله فقالوا: أب حانٍ عليه شفيق ومنها:
ولما طغى قوم وفرت لحومهم فعاج فريق واستقام فريق
وضلت حلوم (١) بالجهالة مثلما أضل سواع معشرًا ويعوق
وجاءوك بالمكر الكريه وإنما بصاحبه (٢) المكر الكريه يحيق
أراهم مكان الفضل منك فروعوا كما انشقت ريح الغضنفر نوق
وفروا ولولا حسن رأيك فيهم لما حملتهم بعد ذلك سوق
فلا عدموا منك الذي عهدوا فما بغيرك غفران الذنوب يليق
توسعت فضلًا في ولى وحاسدٍ ولم يك في باع المكارم ضيق
كرمتم فروعًا في المعالي حميدةً وطابت أصول منكم وعروق وله فيه من أخرى، وكتب إليه (٣) بها من تلمسان وأولها (٤):
لعل إياب الظاعنين قريب فترجع أيام الحمى وتؤوب
_________________
(١) ط: نجوم.
(٢) ط: لصاحبه.
(٣) إليه: زيادة من س.
(٤) وردت أبيات منها في الوافي للصفدي وبيتان في المغرب.
[ ٤ / ٨٢٥ ]
مغاني تلاقينا وعهد اجتماعنا وليس علينا للزمان رقيب
وأيامنا بيض الليالي ودهرنا من الحسن ما للشمس فيه غروب
بها كان يدعوني الهوى فأجيبه مطيعًا وأدعو بالهوى فيجيب [١٥٢أ]
وأرمي المها عن ناظري فتصيبها سهامي وترميني المها فتصيب
وفي الخدر مكحول الجفون صفاته من السحر معسول الرضاب شنيب
إذا ما (١) أدار الكأس من مثل ريقه تمايل غصن وارجحن كثيب
فأجفانه سكرى ونحن وقده وكل بما استولى عليه مريب
ويهتز نوار الملاحة حوله فيعبق من أنفاسه ويطيب
على مثل أيام الزمان الذي مضى تشق قلوب لا تشق جيوب ومنها:
أمثل عليّ تطلب العين أن ترى ومثل عليّ في الملوك غريب
فتىً يهب الدنيا ويرتاح للندى كما اهتز غصن البان وهو رطيب
وتأتي عطاياه اطراد خصاله كما اطردت للسمهري كعوب
وإن كنت قد أضربت عن مدح غيره (٢) فليس له في العالمين ضريب
أحب سلا من أجل كونك (٣) في سلا فكل سلاوي إليّ حبيب
لصيرتها مصرًا فنيلك نيلها وكفاك بطحاها وأنت خصيب
_________________
(١) ط د: أراد.
(٢) وقعت لفظة " ومنها " بعد بهذا البيت في س.
(٣) المغرب: من.
[ ٤ / ٨٢٦ ]
وقد كرر هذا المعنى فيه أبو بكر، في مواضع من شعره، منها قوله من قصدية (١):
يقول رجال غير ما يفعلونه وإن عليًا قائل وفعول
فلا تطلبوا في ساحة الأرض مثله فمثل عليّ في الملوك قليل
ولولا ما كانت سلا دار هجرتي ولا كان لي عمن أحب رحيل
فألفيتها مصرًا وأنت خصيبها وكفاك بطحاها ونيلك نيل ولما توفي سنة اثنين وخمسمائة قال فيه يرثي:
العيش بعدك يا عليّ نكال لا شيء منه سوى العناء ينال
يا عثرةً عثر الزمان بأهله ليت الزمان من الزمان يقال
يا عصمة الفقراء بل يا مالهم هيهات ما للناس بعدك مال
أبكيك بالدم لا بدمعي إنه يبكي سواي به وذاك محال
دنيا ظفرت وما متاعك كله إلا سراب يضمحل وآل
قد كنت مشغولًا به متوقعًا ولذي الوفاء بغيره أشغال
فالآن ها أنا لا أبالي عن أسىً وقع التوقع فاستراح البال
قد كنت آمالي التي أنا طالب جهدي ومت فماتت الآمال
لا الظل ظل بعد فقدك يا أبا حسن ولا الماء الزلال زلال ومنها:
كنت (٢) الصفوح عن المسيء ولم يكن إلا الجميل لديك والإجمال
حطوا عن الأكوار قد مات الذي يتحمل الأعباء وهي ثقال
_________________
(١) زاد في س: " تقدمت ".
(٢) ط د: كيف.
[ ٤ / ٨٢٧ ]
مذ ودع القوال والفعال ما في الأرض قوال ولافعال (١) [١٥٢ب]
وتهدم الجبل المنيف فزلزت رتب العلا ومن الرجال رجال
فلأجعلن حجي لقبرك إنه للخير فيه وللتقى أوصال
كلا عيالك لكن [] (٢) فجميعنا لك يا عليّ عيال
أين العزاء فقد أديل بأحمدٍ دول الأفاضل بالبنين تدال ومنها:
طوقتني النعمى فصرت حمامةً تشدو وغصنك ناضر ميال
وإذا الأيادي لم تكن مشكورةً للمنعمين فإنها أغلال ومن مدائحه في الفقيه القاضي أبي العباس ابنه (٣)، له من قصيدة أولها (٤):
بعثت إليك من البراق خيالها فأراك شكلك حاملًا أشكالها
هل ينكر الغيران مني وقفةً وقفت أماني النفوس حيالها
في ليلةٍ عبث المحاق ببدرها غصبًا فقصر عمره وأطالها
سوداء أشرق نجمها فلو أنني أجري على فلك لكنت هلالها
ولقد فتكت بقرطها وبمرطها حتى هتكت حجولها وحجالها
_________________
(١) وقعت لفظة " ومنها " بعد هذا البيت في س.
(٢) زيادة من س.
(٣) أبو العباس أحمد بن علي بن القاسم، ولي قضاء سلا بعد أبيه، ويصفه الفتح بأنه " فخر بني القاسم " وفي مدح التطيلي له يلقبه " قاضي قضاة الغرب "، وعنده نزل ابن تومرت، وكانت وفاته بعد سنة ٥١٥ (انظر بحث بنشريفه: ٧١ - ٧٤، ٨٧) .
(٤) وردت ثلاثة أبيات منها في الوافي ومثلها في المسالك.
[ ٤ / ٨٢٨ ]
ومن المدح:
ما الخطة العلياء زانته، (١) بلى هو زانها حتى أتم كمالها
ويشق ماء العتق صفحة خده شق الفرند من السيوف صقالها
وبأحمد بن علي بن القاسم بن محمد درت المكارم حالها
هو لفظة من منطق الدنيا بها فخر الزمان على بنيه فقالها
من كل مكتهل الوقار وأزهرٍ لبسوا الشبيبة فاكتسوا سربالها
يمشون فوق الأرض تحت حلومهم فتخالهم أوتادها وجبالها
لولاهم لتحركت جنباتها من جرفةٍ ولزلزلت زلزالها وله من أخرى (٢):
أمعاهد (٣) المدح الذي غادرته مغدىً لبارقة المها ورواحها
وادٍ إذا ضرب الهجير رواقه أهدى إلى مهج القلوب رواحا (٤)
إن كانت الأرواح من ماءٍ فمن ذاك المجاج تكونت أرواحا
فأتت تقبلني فقلت لها أمسكي عني فإني لا أقارب راحا
فمضت وقد أخجلتها فتبسمت فرأيت في أرض العقيق أقاحا
حتى إذا ما الروض نبهه الندى فتحت عيونًا كالعيون ملاحا ومن المدح:
_________________
(١) ط د: بل.
(٢) منها أربعة أبيات في المسالك.
(٣) كذا ولعل صوابها: المرح.
(٤) سقط هذا البيت والذي يليه من س، وجاء في موضعهما " ومنها ".
[ ٤ / ٨٢٩ ]
طالبتها أدبًا فسال توقدًا وطلبته كرمًا فذاب سماحا وله فيه من قصيدة كتب بها إليه من تلمسان، أولها:
على طول ما أبكي تعاتبني عتبا فياليت شعري هل يكون لها عتبي
سرى جانب من جانب الغرب خافق خفوق فؤاد الصب قد فارق الحبا
فما قنعت في الحرب بيض صوارم بأيدي كماة يكثرون بها الضربا ومنها:
تكلفني نظم النجوم قلائدًا لعمري لقد كلفتي مرتقىً صعبا [١٥٣أ]
وهبك ملكت الشمس والبدر في يدي وسقت إلى جنبيهما الأنجم الشهبا
إذا لم أعلقها على جيد أحمد فلا جيد في الدنيا يكون لها حسبا
صبا بالغواني من صبا وهو لم يزل ببنت المعالي هائمًا كلفًا صبا
فتىً يهب البيض الكواعب كالدمى وبيض الظبا والسمر والضمر القبا
لقد وهب الله الجمال لأحمدٍ وشرف منه الخلق والخلق العذبا
موفق آراء القضاء كأنما بصيرته في الغيب تخترق الحجبا
إذا اكتسب الناس الدنانير عدةً فأحمد لا يرضى بغير العلا كسبا
كذاك مضت في السالفات جدوده كما مر كعب الرمح مطردًا كعبا وله فيه:
يا راقد الليل التمام جفونه إني بحبك ساهر ما أرقد
إني لأرحم خصره من رقةٍ وأرق للغصن الذي يتأود
وغدا يطمعني الوصال تمنيًا إني سأهلك فيل أن يدنو غد
وليست أثواب الملاحة مثلما لبس السماحة والرجاحة أحمد
[ ٤ / ٨٣٠ ]
لو كان خلد فاضل لفضيلة فيه لكان على الزمان يخلد
المجد والشرف المؤثل والندى والجود والعليا له والسؤدد
وبلاغة لم أدر حين سمعتها أفصاحة أم لؤلؤ متبدد
لا ناطق عجل الكلام بها ولا متوقف فيها ولا متردد
من معشرٍ طابوا مناصب في العلا وإذا يطيب الأصل طاب المولد جملة من مراثيه
له من قصيدة في تأبين أمير المسلمين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى، قال فيها، وأنشدها على قبره:
ملك الملوك وما تركت لعاملٍ عملًا من التقوى يشارك فيه
يا يوسف ما أنت إلا يوسف والكل يعقوب بما يطويه
اسمع أمير المسلمين وناصر ال دين الذي بنفوسنا نفديه
جوزيت خيرًا عن رعيتك التي لم ترض فيها غير ما يرضيه
أما مساعيك الكرام فإنها خرجت عن التحديد والتشبيه
في كل عامٍ غزوة مبرورة تردي عديد الروم أن تفنيه
تصل الجهاد إلى الجهاد موفقًا حتم القضاء بكل ما تقضيه
ونجي ما دبرته كنجيه فكأن كل مغيب تدريه
متواضعًا لله مظهر دينه فكأن كل مغيب تدريه
ولقد ملكت بحقك الدنيا وكم ملك الملوك الأمر بالتمويه
[ ٤ / ٨٣١ ]
لو رامت الأيام أن تحصي الذي (١) فعلت سيوفك لم تكن تحصيه
إنا لمفجوعون منك بواحدٍ جمعت خصال الخلق أجمع فيه
وإذا سمعت حمامةٍ في أيكة تبكي الهديل فإنما (٢) ترثيه
ومضى قد استرعى رعيته ابنه فأقام فيهم حق مسترعيه
وإذا هزير الغاب ضرى شبله في الغاب كان الشبل مثل أبيه
وإذا علي كان وارث ملكه فالسهم ملقى في يدي باريه وله من مرثية:
وناع نعى والقلب كالقلب خافق مروع ومما رابني لم أصدق
بكت رحمةً لي عين كل غمامةٍ وساعدني نوح الحمام المطوق
فيا مزن لا (٣) [تؤذن] بتسكاب أدمعي فإن مدمع من لجة الحزن يستقي
فلولا التهاب النار ما بين أضلعي لأصبحت في بحر من الدمع مغرق
دعوني أشكو الدهر للدهر (٤) معتبًا على أنني أشكو إلى غير مشفق
فما فوق هذا الرزء رزء وإنما رمى كبد العليا بسهمٍ مفوق
مضى بابن عشرٍ كابن عشر وأربع فهلا هلال مثل نون معرق
مضى بفتى تزري أسرة وجهه بضوء الصباح المشرق المتألق وله فيه:
_________________
(١) ط د: التي
(٢) س: فإنها.
(٣) زيادة من س.
(٤) ط: معنيًا.
[ ٤ / ٨٣٢ ]
ما كنت أعلم على الزهر (١) الندي حتى ثوى في القبر جسم محمد
خطب ثنى وجه الصباح كأنه بالحزن من قطع الظلام الأربد
ورزية نزلت بآل محمدٍ خصت وعمت آل دين محمد وله فيه (٢):
الصبر أجمل عند كل ملمةٍ لكن على فقديهما لم يجمل
قمران غيب بالكسوف سناهما لا تخسف الأقمار إن لم (٣) تكمل
من قاضيين موفقين كأنما هذا شريح في القضاء وذا علي
لم يعدوا نهج السبيل وإنما (٤) []
بنقيبةٍ من صحةٍ، وسجيةٍ من روضةٍ، وسكينة من يذبل
وروية من حكمة، وقضيةٍ من فطنةٍ، وبديهة من منصل
_________________
(١) ط د: الدهر.
(٢) منها بيتان في المسالك.
(٣) س: ما لم.
(٤) زيادة من س: والشطر الثاني فيها بياض.
[ ٤ / ٨٣٣ ]
الأديب أبو محمد عبد بن صارة الشنتريني (١)
ناثر وشاعر مفلق، وشهاب متألق، نثر فسحر، ونظم فنمنم، وأولع بالقصار فأرسلها أمثالًا، ورشق بها نبالًا، لا سيما قوارع كدرها على مردة عصره، وسم بها أنوف أحسابهم، وتركها (٢) مثلًا في أعقابهم، وأوصاف أبدع فيها، واخترع كثيرًا من معانيها، وملحٍ في شكوى زمانه، دل بها على علو شانه، حتى لو أن أبا منصور الثعالبي رآه، أو سمع شيئًا مما نحاه، لأضرب عن ذكر كثير ممن به أغرب، كابن سكرة وابن لنكك، ومن سلك ذلك المسلك.
وكان أبو محمد على جودة شعره، وشفوفه على [١٥٤أ] أهل قطره، ضيق المجال، زحلي الانتقال، لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان،
_________________
(١) عبد الله بن محمد بن صارة (أو سارة) البكري الشنتريني الأصل، نزل إشبيلية وسكنها وتعيش فيها بالوراقة، وتجوب في بلاد الأندلس شرقًا وغربًا للتعليم بالعربية، وسكن المرية وغرناطة وامتدح الولاة والرؤساء، وكان حسن الخط جيد النقل قائمًا على جمهرة من اللغة والنحو، وكانت وفاته سنة ٥١٧ (انظر التكملة: ٨١٦ والسلفي: ١٥ والقلائد: ٢٦٠ والخريدة ٢: ٣١٥ وبغية الملتمس رقم: ٨٩٦ والمغرب ١: ٤١٩ والرايات: ٣٥ (غ) والمطرب ٧٨، ١٣٨ والإحاطة: ٢٤٠ (النسخة الكتانية) والمسالك ١١: ٣٨٣ وبغية الوعاة ٢: ٥٧ (نقلا عن الوافي للصفدي) والشذرات ٤: ٥٥ وزاد المسافر: ٦٦ ووفيات الأعيان وشرح المقامات للشريشي، وقد مر ذكره في مواطن من القسم الأول، انظر مثلا ١: ٧٩، ١٤٧، ٣٧٩.
(٢) المسالك: وخلدها.
[ ٤ / ٨٣٤ ]
وكانت قصاراه تتبع المحقرات، وبعد لأيٍ ما ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع الملوك ما كان، أوى إلى إشبيلية أوحش حالًا من الليل، وأكثر انفرادًا من سهيل، وتبلغ بالوراقة وله منها جانب، وبها بصر ثاقب، فانتحلها على كساد سوقها، وخلو طريقها، وفيها يقول (١):
أما الوراقة فهي أيكة حرفةٍ أوراقها (٢) وثمارها الحرمان
شبهت صاحبها بصاحب إبرة تكسو العراة وجسمها عريان ولقد رأيت له عدة مقطوعات في الهجاء، تربي على حصى الدهناء، وهو فيه صائب السهم، نافذ الحكم، طويت عليه كشحًا، وأضربت عن ذكره صفحًا، وربما ألمعت منه بالأقل، لترى فتستدل، ولو استجزت أن أثبت في هذا الكتاب، بعض ما له في هذا الباب، لتحققت أنه بالجملة بائقة محاجاة، وصاعقة مهاجاة، وقد كتبت من ذلك في كتابي المترجم ب - " ذخيرة الذخيرة " جملة موفورة، له ولطوائف كثيرة، وفيما أوردت مع ذلك هنا من شعره، لما أجريت من ذكره، حجة فصل، وشاهد عدل.
_________________
(١) البيتان في القلائد والمسالك وبغية الوعاة وابن خلكان والإحاطة والشذرات والثاني في طراز المجالس: ١٤١.
(٢) س: أغصانها.
[ ٤ / ٨٣٥ ]
جملة من شعره في النسيب وما يناسبه
قال في غلام أزرق (١):
ومهفف أبصرت في أطواقه قمرًا بآفاق المحاسن يشرق
تقضي على المهجات منه صعدة متألق فيها سنان أزرق وهذا كقول السلامي، من أناشيد الثعالبي، حيث يقول (٢):
أعانق من قده صعدةً ترى اللحظ منها مكان السنان وأبو محمد يتسلق على أشعار اليتيمة، تسلق القاضي الغشوم، على مال اليتيم. وفي ذلك يقول عبد الجليل:
قده مهما تثنى صعدة والسنان الذلق فيها طرفه لابن رباح في غلام أزرق:
عيني رأت أغرب شيءٍ يرى منزهًا عن كل تشبيه
غصن من البلور أعطافه تريك لينًا في تثنيه
يسفر للياقوت في حمرةٍ وإن رنا عن زرقةٍ فيه
_________________
(١) انظر القلائد والخريدة وابن خلكان والمسالك والشذرات.
(٢) اليتيمة ٢: ٤٠٣.
[ ٤ / ٨٣٦ ]
وقال أبو محمد أيضًا (١):
أعندك أن البدر كان ضجيعي فقضيت أوطاري بغير شفيع
جعلت ابنة العنقود بيني وبينه فكانت لنا أمًا وكان رضيعي وقال (٢):
ومعذر رقت حواشي حسنه فقلوبنا وجدًا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنما نثرت عليه صباغها الأحداق وقال (٣):
قاست حبك منذ حول كامل وطيور آمالي عليك تحوم
فحرمت منك بلوغ ما أملته أشقى البرية عاشق محروم وقال (٤):
يا من تعرض دونه شحط النوى فاستشرفت لحديثه أسماعي
إني لمن يحظى بقربك حاسد ونواظري يحسدن فيك رقاعي
لم تطوك الأيام عني إنما نقلتك من عيني إلى أضلاعي
_________________
(١) انظر المطرب والمسالك والنفح ٣: ٤٥٨.
(٢) البيتان في القلائد والمطرب والمسالك والرايات وابن خلكان وشذرات الذهب والقسم الأول من الذخيرة: ١٤٧.
(٣) انظر المسالك.
(٤) الأبيات في القلائد والنفح ٤: ٣٠١.
[ ٤ / ٨٣٧ ]
وهذا المعنى كثير ومنه قول المعتمد (١):
أغائبة عني وحاضرة معي كأنك من عيني نقلت إلى كبدي (٢) وقال العباس بن الأحنف (٣):
تالله ما شطت نوى ظاعنٍ صار من العين إلى القلب وقوله: " إني لمن يحظي بقربك حاسد "، كقول محمد بن أبي أمية (٤):
قد رآها الرسول (٥) حين رآها ليت عيني مكان عين الرسول وقال (٦):
ومهفهف يختال في أبراده مبرح القضيب اللدن تحت البارح
عاينت في مرآة وهمي خده فحكيت فعل جفونه بجوانحي
لا غرو إن جرح التوهم خده فالسحر يفعل في البعيد النازح وبيته الثاني من هذه كقول القائل، إلا أن أبا محمد زاد فيه، وهو:
فقتلتني وجرحت خدك ظالمًا ما كان أغناني وما أغناك
_________________
(١) ديوان المعتمد: ٦.
(٢) الديوان: لئن غبت عن عيني فإنك في كبدي.
(٣) لم يرد في ديوان العباس.
(٤) كان محمد بن أبي أمية (أو ابن أمية) كاتبًا شاعرًا ظريفًا من ندماء إبراهيم بن المهدي وهو ممن كان يصاحب مسلم بن الوليد وأبا العتاهية (انظر الأغاني ١٢: ١٣٩ - ١٥٠) والبيت الوارد هنا في الأغاني ١٢: ١٤١.
(٥) الأغاني: وإذا جاءها الرسول.
(٦) الأبيات في القلائد والخريدة والمسالك.
[ ٤ / ٨٣٨ ]
وقال (١):
أي امرئ يعصم من فتنةٍ بشادن إبليس من جنده
جبينه المشرق من وصله وفرعه الخالك من صده
ملكته رقي ولا رقة يحظى بها قلبي من عنده
وسطوة الهندي في لحظه وعطفه (٢) الخطي في قده وقال (٣):
ماء الجمال بخده مترقرق والشمس منه تعوم في ضحضاح
ما خده جرحته عيني إنما صبغت غلالته دماء جراح
رشأ له خد البريء ولحظه أبدًا شريك الموت في الأرواح
ذو طرة سبجية ذو غرةٍ عاجيةٍ كالليل كالإصباح
لله راء زبرجد في عسجد في جوهر في كوثر في راح
أتراه يعلك أن قلبي عنده رهن الهوى يهفو بغير جناح
مازحته ولم ادر ما حد الهوى حتى قدحت زناده بمزاح
لولا العيون لكان من دون الهوى وقلوبنا قفل بلا مفتاح
قامت علي شواهد من حبه فأرى الكناية فيه كالإفصاح
_________________
(١) في هامش ط هنا تعليقات بخط غير خط الأصل، وأكثرها شعر منقول عن القلائد.
(٢) س: وسطوة.
(٣) منها في المسالك أربعة أبيات.
[ ٤ / ٨٣٩ ]
ومن شعره في الأوصاف
قال في النارنج (١):
أجمر على الأغصان زادت (٢) غضارةً به أم خدود أبرزتها الهوادج
وقضب تثنت أم قدود نواعم أعالج من وجدي بها ما أعالج
أرى شجر النارنج أبدى لنا جنىً كقطر دموعٍ ضرجتها اللواعج
جوامد لو ذابت لكانت مدامةً تصوغ البرى فيها الأكف الموازج
كرات عقيقٍ في غصون زبرجد بكف نسيم الريح منها صوالج
نقلبها طورًا وطورًا نشمها فهن خدود بيننا ونوافج وقال:
رخم من النارنج خمسيه وقل نار على الإطلاق ليس تكذب
عجبًا لدوحته ترف غضارةً والجمر في أغصانها يتلهب
كالغيد لا تشقى بنار خدودها وقلوبنا في حره تتقلب وهذا كقول بعض أهل عصرنا (٣):
_________________
(١) انظر القلائد والخريدة والمغرب والرايات، ومنها أربعة أبيات في المسالك واثنان في النفح ٣: ٤١٤.
(٢) القلائد: أبدى.
(٣) هو عمر بن الشهيد كما في الذخيرة ١: ٦٩١.
[ ٤ / ٨٤٠ ]
وتحت البراقع مقلوبها تدب على ورد خد ندي
تسالم من وطئت خده وتلدغ قلب الشجي الأبعد وقال أبو محمد (١):
أهد الثناء إلى زمان مشرقٍ أهدى إليك شقائق النعمان
قامت فرادى فوق سوق زبرجد صيغت عليه جمائم العقيان
يهفو بها مر النسيم كأنها حمر البنود نشرن في الميدان وقال (٢):
وحديقة في نرجس وبهار رفعت لواء الحسن للنظار
فكأنما هذا ضحى متهلل وكأنما هذا أصيل نهار
أخوان أمهما معًا شمس الضحى وأبوهما قمر السماء الساري
شربا سلاف القطر حتى عربدا وتراجما بكواكب الأزهار
واستودعا خبريهما نفس الصبا فأذاع ما كتما من الأسرار
فبكى الندى لهما ضحيا، والندى مذ كان للأزهار أكرم جار ومنها:
نمت زجاجتها بها فحسبتها ماء يحيط بجذوة من نار
رام المدير بأن يسكن فورها فتقاذفت جنباتها بشرار
_________________
(١) ورد في المسالك بيتان منها.
(٢) منها أربعة أبيات في المسالك.
[ ٤ / ٨٤١ ]
حتى إذا ما ابن الغمامة شجها ثار الحباب مطالبًا بالثار
في درع نضناض كأن أيدمه يرنو بأحداق بلا أشفار ألم في هذا بقول المعري وقصر عنه (١):
كأثواب الأراقم مزقتها فخاطتها بأعينها الجراد وكذلك قوله: " أخوان أمهما معًا شمس الضحى "، من قول ابن الرومي (٢):
هذي النجوم هي التي ربتهما بحيا السحاب كما يربي الوالد وقال (٣):
وبستان ورد في مطارف سندسٍ يرف على غيد السوالف ميد
نظرت إليه في الكمام فخلته ذوائب تبرٍ عممت بزبرجد وله يستدعي إلى مجالس الأنس:
أبا تاجًا بهام المعلوات ويا وسطى نظام المكرمات [١٥٥ب]
ومن طلعت مآثره نجومًا بأفلاك السعادة نيرات
أرى ديمًا تحت إلى مدام يشيعها النديم بخذ (٤) وهات
_________________
(١) شروح السقط: ٣٠٥، يصف الدرع ويشبهها بجلد الحية، وقد شبه المسامير فيها بعيون الجراد.
(٢) ديوان ابن الرومي ٢: ٦٤٤ والمختار: ٢٣٧ وأمالي القالي ١: ٢٧٠.
(٣) البيتان في المسالك.
(٤) ط: فخذ.
[ ٤ / ٨٤٢ ]
وعندي من بنات الكرم بكر يخفرها ملاحظة السقاة
يطوف بكأسها ساق نبيل مليح الوصف مقبول الصفات
يكر إليك ألحاظًا مراضًا كأن بها بقايا من سنات وقال:
أيا من جارت العلياء فيه فما تدري له العلياء كنها
بجيد النبل منا عقد أنس أقام بغير واسطة فكنها وقال يصف سحابة:
أعاذك الله من ليلٍ بليت به كأنه بغتة المقدور إذ طرقا
وافاني السحر الأعلى بساريةٍ كادت تعيد صعيدًا منزلي زلقا
هللت منها وقد هبت صواعقها كراكب البحر لما شارف الغرقا
لله من عارض ضاق الفضاء به طولا ً وعرضًا فخلت البر قد غرقا
تلألأ الجو من نيران بارقه حتى حسبنا أديم الأرض محترقا
وقلت إذ قصفت للرعد قاصفة تضعضع الفلك الأعلى أو انطبقا ومن ملح شعره في ذكر الزمان وبنيه، وتعذر آماله فيه (١):
أرى الدينار للدنيا نسيبًا يحيد عن الكرام (٢) كما تحيد
هما سيان إن صحفت حرفًا وجدت الراء تنقض أو تزيد
رأيت هواهما استولى علينا فنحن بحكمه أبدًا عبيد
_________________
(١) ورد في النفح ٣: ٥٦٧ خمسة أبيات منها.
(٢) ط: المكارم.
[ ٤ / ٨٤٣ ]
يؤمل أن يصيدها فؤادي فيرجع عنهما وهو المصيد
فكم أصغي إلى زور الأماني ويغريني بها الحرص الشديد
وألمح من سنا الدينار برقًا غمامته على غيري تجود
يفوز به الخلي فيحتويه ويحرم وصله الصب العميد
بجد فاسع لا تحفل بجد أبت لك صحبةً فيها الجدود
فما حسن التناول فات سمعي ولكن فاته الجد السعيد
إلى كم ينفر الدينار مني ويطلب كف من عنه يحيد
ألم أنشده في وادي هيامي به لو كان يعطفه النشيد
" حبيبي أنت تعلم ما أريد ولكن لا ترق ولا تجود "
وكم غنيت حين تنكبتي منىً شيطانها أبدًا مريد
" يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما يريد " وقال وقد طلق امرأته: [١٥٦أ]
أما الزمان فرق لي من طلةٍ (١) كانت تطل دمي بسيف نفاقها
الذئبة الطلساء عند نفاقها والحية الرقشاء عند عناقها وقال في هر له كان يسمى رشيقًا:
تبنيت الهزبر فبات شبلي وأقصيت الغلامة والغلاما
أوسد ساعدي خدي رشيقٍ وأوسعه اعتناقًا والتزاما
وأطوي طول ليلي ذكر ليلى ولا أقرا على سلمى سلاما
_________________
(١) الطلة: الزوجة.
[ ٤ / ٨٤٤ ]
وقال في أحد الكتاب:
وأغر ينتحل الكتابة خطةً متوقدٍ كالحية النضناض
عشق السواد فأصبحت أسنانه تشري السواد ببيع كل بياض
فإذا شحا فاه رأيت خنافسًا يأوين من فيه إلى مرحاض وقال:
وأبخر قص حديثًا له فقال الحضور فسا ذا الحدث
فقلت لهم بادروا بالقيام فإن الفساء نذير الحدث وهذا كقول عبد المحسن الصوري (١):
حديثه كالحديث يرفث كل الرفث ومن غريب ما قيل في البخر قول الحصري:
أبخر لا يحيك فيه البخور حسد الغائبين فيه الحضور
قلت لما فسا بفيه علينا ما له است فكذبتنا الأيور وقال آخر:
أهدى مغيث هره لقمةً أرسلها من فمه الأبخر
فبادر القط إلى دفنها يحسبها من بعض ما قد خري
_________________
(١) اليتيمة ١: ٣١٨.
[ ٤ / ٨٤٥ ]
أما الثنايا فإني لست منثنيا عن الثناء عليها آخر الأبد
يبدو لطرفك منها حين تبصرها سن كمثل مسن الصيقل الفرد
كأن جن سليمان بنوا فمه بنيان تدمر بالصفاح والعمد
يهدي إلى السمع من ألفاظه نغمًا كأنها نفثات السحر في العقد
له فم كحرٍ في شكل صورته (١) " ترمي غواربه العبرين بالزبد " واستجزت إثبات (٢) هذا إذ لم يصرح بأحد، وقد قلت في غير موضع من كتابي هذا إني نزهته عن الهجاء، ولم أجعله ميدانًا للسفهاء.
وقال من قصيدة:
أرى السيادة مذ صافحت هاجسها في كل وادٍ من التقوى تهيم بكا
فما تلاقيك إلا وهي قائلة قول التي شفها الصديق هيت لكا
إني خطوت إليك الناس كلهم ولم أزر سوقةً منهم ولا ملكا [١٥٦ب]
أشكو إليك ولا عار بذي وصبٍ ألقى التداوي من أوصابه فشكا
الخرج (٣) أخرج رأسي من شبيبته فكلما افتر ثغر الشيب فيه بكى
وفي الشهور إذا وافين لي شهر يظل عني فيه الستر منهتكا
وما الهلال بمبيض لدى مقلي كأنه من قتير الشيب قد سبكا
أو من دراهم مذ باتت منجمةً علي كدت أسب النجم والفلكا
_________________
(١) علق ناسخ ط هنا بقوله: انظر هذا الخنا البشيع، فسبحان من قدر علي بكتبه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(٢) ط د: أبيات.
(٣) ط: الحرج.
[ ٤ / ٨٤٦ ]
وقال أيضًا في مثله (١):
لولا الخراج خرجت عنه ولم تكن نوب الزمان خواطرًا بخواطري
قالوا الخراج فقلت ضموا خاءه فهو الخراج على سواد الناظر وقال من قصيدة (٢):
سافر فإن الفتى من بات مفتتحًا قفل النجاح بمفتاح من السفر
ولا يذودنك عن وجه تصعبه قد ينبع الكوثر السلسال من حجر
(٣) تنمر الدهر لي حتى مرقت له من قسوري الدجى في فروة النمر
لابد أن يقع المطلوب في شركي ولو بنى وكره (٤) في دارة القمر
قاضي الجماعة في دار الإمارة لي قاض على الدهر إن لم يقض لي وطري
فلست أنشد والقاضي بقرطبة يسر بالعدل والأحكام والسير
" جار الزمان علينا في تصرفه وأي دهرٍ على الأحرار لم يجر "
ولا أقول وعندي من تهممه ما يطرد الهم عن نفسي وعن فكري
" عندي من الدهر ما لو أن أيسره يلقى على الفلك الدوار لم يدر "
أصغرت من زمني ما كنت أكبره لما نظرت إلى آياته الكبر وفيها:
وهاك بكرًا تريك الحسن في قحةٍ إذا تجلت وحسن البكر في الخفر
_________________
(١) لم يرد البيتان في س.
(٢) منها أربعة أبيات في كل من القلائد والخريدة.
(٣) الخريدة والقلائد: الدهر حتى ما فرقت له.
(٤) الخريدة والقلائد: داره.
[ ٤ / ٨٤٧ ]
لها بذكرك أنفاس معطرة كما تنفست الأزهار في السحر
طالع بغرتك الميمون طائرها نواظرًا بك في أمن من الطير
ولا تدعني في كف الزمان سدىً كالقوس عطلها الرامي من الوتر
وقد تلين الليالي بعد قسوتها ويسمح الورد بعد الشوك بالزهر
لم ألق في الورد إلا ما أنست به وأنت لي وزر من وحشة الصدر قوله: " ولو بنى في داره القمر " من قول المعري (١):
ولو أنني في هالة البدر قاعد لما هاب يومي رفعتي وجلالي وأظن أبا ذؤيب افتتحه بقوله (٢):
ولو أنني استودعته الشمس لارتقت إليه (٣) المنايا عينها أو رسولها وقال: [١٥٧أ]
جزى الله إخواني (٤) جميلًا فإنني وجدتهم لي عدةٍ في الشدائد
هم وصلوا كفي فكانوا سواعدًا ولا خير في أيد بغير سواعد
أقلدهم حر الثناء فإنهم بجيد المعالي واسطات القلائد
أبا بكر الأولى بحمدي وبالمنى نثرت على الأحرار در المحامد
أهز حسامًا من لسانك إن سطت مضاربه ذات رقاب الشدائد
_________________
(١) شروح السقط: ١٢١٠.
(٢) ديوان الهذليين ١: ١٧٤.
(٣) ط د: استودعتها إليها.
(٤) س: جميعًا.
[ ٤ / ٨٤٨ ]
عسى أملي يحظى بإدراك سؤله فتثمر بالإنجاز أيك المواعد وله:
لم أكسهم مدحي إلا لأكسوهم من سروهم سنة الأحجال والغرر
ولم أزدهم بها فضلًا وهل أحد في وسعه رفع قدر الشمس والقمر
من كل من يده يمضي بها قدمًا باع طويل وباع السيف ذو قصر
بحر وصارمه الدامي براحته نهر على ضفتيه يانع الثمر ومعنى هذا البيت كثير، ومنه قول المعري (١):
روض المنايا على أن الدماء به (٢) وإن تخالفن أبدال من الزهر وقوله: " ولم أزدهم بها فضلًا "، من السرق الواضح، والاهتدام الفاضح، وهو قول أبي الطيب (٣):
من كان فوق محل الشمس موضعه فليس يرفعه شيء ولا يضع وقال أبو محمد من قصيدة:
شاورت في سيري إليه عزيمةً قرنت بسعي لا يخيب نجيح
لم أدر حين علوت متن براقه أعلى البراق نزوت (٤) أم في اللوح (٥)
_________________
(١) شروح السقط: ١٥٨.
(٢) وصف السيف بأنه روض المنايا، والدماء المختلفة فيه أنواع من الزهر.
(٣) ديوان المتنبي: ٣٠٦.
(٤) ط د: تروت.
(٥) سقط البيت من س.
[ ٤ / ٨٤٩ ]
ومنها:
يجتاب أردية العجاج ونحته أشلاء ذمرٍ أو صفيح ضريح
شيحان لم يعرف دريس قميصه عرف الكباء سوى دخان الشيح
وأنا الذي أخفيت جهد خصاصتي من بعد ما ارتشفت بلالة روحي
حتى بدا ماء الندى مترقرقًا في صفحتي طلق اليدين صفوح
وأجلت منه نواظري في غرة تستنطق الأفواه بالتسبيح
قاضي القضاة المجتبى من معشرٍ كسي المديح بهم حلي مديح
ممن ترف له عليك جوانح فيها صحيح مودةٍ وجنوح
كم قلت إذ قالوا زمان قابض منه الكريم على عنان جموح
إن طاف من حدثانه الطوفان بي فمكارم القاضي سفينة نوح وله فيه من أخرى (١):
الله أكبر قد رافيت قرطبةً دار العلوم وكرسي السلاطين (٢) [١٥٧ب]
وقد تهلل بي وجه النجاح بها طلق الأسرة من وجه ابن حمدين
تزهو العلا بمساعيه إذا ذكرت زهو الأنوف بأنفاس الرياحين
لم يرضه عرض الدنيا فجاد به وضن بالأكرمين: العرض والدين
_________________
(١) فيه من أخرى: سقطت من ط د.
(٢) ورد هذا البيت في النفح ٣: ٢٦.
[ ٤ / ٨٥٠ ]
انتهى السفر الثاني من الذخيرة والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد المصطفى الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
وكان الفراغ منه عام خمسة بعد ألف في زوال يوم الأربعاء الرابع والعشرون [كذا] من ذي القعدة، عرفنا الله خيره، ووقانا ضيره، بمنه ويمنه.
[ ٤ / ٨٥١ ]
فراغ
[ ٤ / ٨٥٢ ]
تذييل واستدراكات
[ ٤ / ٨٥٣ ]
فراغ
[ ٤ / ٨٥٤ ]
تذييل
حين كان هذا القسم يكاد يشارف النهاية في المطبعة، وصلتني صورتان عن نسختين منه (١) وإليك وصفًا موجزًا لكل منها:
(١) نسخة الخزانة الملكية بالرباط (رقم: ٧٧٥٣) ورمزها (ك)، وهي تشمل القسم الثاني كله، وتضم ٢١٥ ورقة، وفي كل صفحة من صفحاتها ٢٣ سطرًا، ومعدل الكلمات ١٣ كلمة في السطر الواحد؛ مكتوبة بخط مغربي حديث، وفي بعض سطورها تحشيات بخط أحدث، وفي أوراقها اضطراب، وفيها خرم ضاعت بسببه بضع صفحات.
ويمكن أن تعد هذه النسخة دون تردد من فئة (ط) ولهذا نجدها تطابق (ط د) بوجه عام وربما انفردت بزيادات قليلة (وخاصة في إحدى قصائد ابن عمار وفي بعض أبيات للمعتمد)، وهي لا تشذ عن (ط د) في القراءات حيث تكون هاتان متطابقتين، وتنفرد بعد ذلك بقراءات بعضها مرجح على ما عداه، ولهذا أثبته في الاستدراكات التالية، وبعضها مرجوح ولذلك أرجأته إلى جزء أخصصه للتعليقات العامة على جميع أقسام الذخيرة (وهو فيما أقدر سيكون جزءًا تاسعًا، إذا وقفني الله إلى إنجازه)، وهذا القسم المرجوح هو الذي تنفرد به (ك) عن أختيها (ط د)، فأما ما تتفق فيه معهما فلا أرى داعيًا لإثباته.
(٢) نسخة المكتبة البودليانية باكسفورد (١: ٧٤٩) ورمزها (ل)، وهي أصل
_________________
(١) تلطف الصديق الدكتور عدنان البخيت، الأستاذ بالجامعة الأردنية، فأرسل إليّ ميكروفيلم عن نسخة الخزانة الملكية رقم ٧٧٥٣ كما تلطف الابن العزيز الأستاذ رمزي بعلبكي فأرسل إليّ ميكروفيلم عن نسخة المكتبة البودليانية باكسفورد، فإلى الصديقين، جزيل الشكر وأوفاه.
[ ٤ / ٨٥٥ ]
النسخة (س - الباريسية) ولذلك تقع في فئة النسختين (م س)، إلا أنها أكمل من (م) لأن هذه الأخيرة تقف عند جانب من ترجمة ابن عبدون، وأصح كثيرًا من (س) التي تشاكرها في الأخطاء الأصلية وتضيف كثيرًا من الأخطاء الجديدة. ولما كانت كذلك فإنها تتمتع بما في النسختين من زيادات أشرت إليها في الحواشي؛ وربما كان خطها المغربي الدقيق الجميل يشير إلى أنها من أقدم ما لدينا من نسخ الذخيرة. إلا أنها لا تحمل تاريخًا للنسخ. وتقع في ٢٣٠ ورقة وفي الصفحة الواحدة من صفحاتها ٢٥ سطرًا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وتحفل بعنوانات للفصول والفقرات مكتوبة بخط كبير.
وقد اعتمدت بعض قراءاتها الضرورية لقارئ هذا القسم وأدرجتها في الاستدراكات التالية محتفظًا بالمقارنة الشاملة للجزء الخاص بالتعليقات العامة.
مما تقدم يتضح أن هاتين النسخيتن لوقوعهما في فئتي المخطوطات التي اعتمدتها منذ البداية لم ينتشلا هذا القسم من الذخيرة مما يشكوه من نقص متصل بترجمة البكري وترجمة ابن حجاج (التي لا وجود لها في المخطوطات المتوفرة لدي) - كما وضحت في مقدمة هذا القسم - ولكنهما قدمتا بعض الفائدة في ترجيح بعض القراءات على البعض الآخر.
استدراكات (١)
٧٤ - حاشية رقم: ١ البيتان المشار اليهما لا يردان في هذا القسم، فالقول بورودهما وهم.
٢٧٤: - ٨ - ٩ أن غماءهم لا تنفرج، وظلماءهم لا تنجلي ولا تتبلج (كما قدرت ف الحاشية: ٤)
_________________
(١) ميزت ما اعتمدت فيه على النسخة (ل) بإثبات هذا الحرف إلى جانب القراءة المرجحة، ومعنى ذلك أن كل ما لم يرفق به رمز فإنه مستمد من (ك)، والرقم الأول يشير إلى الصفحة والثاني إلى السطر.
[ ٤ / ٨٥٦ ]
٢٨٦ - ١١ ومجلي دياجير الظلم والظللم
٢٩٠: - ٣ وتعطلت أجياد الأنوار
٣٠١: - ١٥ من مختتم الكتاب
٣٢٩: - ٤ فكيف تزل (لعلها: تنزل) لي عن صهوة الابتداء
٣٣٩: - ٩ أن يشد على علق مضنة منه يده
٣٤٨: - زاد في (ك) بعد السطر: ١٣:
كلام لو أن البقل أدلى بمثله رمى البقل واخضر العضاه المصيف ٣٥٠: ١٢ وابذل لها (احذف كلمة: بها)
٣٥٤: - ٩ وأعرب عن نحيزته وانتسب
٣٧١: - ١٠ - ١١ وبعد انتباذه من منازلة شلب
٣٧٧: - ٢ أما معاني أول هذه القصيدة (كما في النسخة: د)
٤٠٩: - زاد في (ك) بعد السطر: ٦ " وقد رأيت البيت الأول منهما على قافية أخرى:
أسأت إليّ فاستوحشت مني ولو أحسنت أنسك الجميل ٤٥٧: ٥ من حف أظآر العلا في معشر
٤٨٤: - ١٧ يا تربة استبقي سناه ويا بلى
٤٨٩: - ٨ وألفاظ التأبين مبنية على كثرة التفجيع
٦٨٢: - ٢٠ - ٢١ الشمائل الواعدة الصادقة
٧٣٢: - ١٩ إذا شهدوا القتال (ل كما في الديوان)
٧٣٣: - ٣ إذا التقت الرياح (ل كما في الديوان)
٧٤٥: - ٣ أحال بالدين والدنيا على الخير (ل)
[ ٤ / ٨٥٧ ]
٧٤٦ - زاد في (ل) بعد السطر: ١٩ البيت التالي:
أجللتها فاستبانت نصف دائرة لو كلفت شأوها الأفلاك لم تسر ٧٤٨: ٤ غير نفس حرة زاحمت به (ل)
٧٤٩: - ٥ أهلوا بمنهل من الغيث (ل)
٧٥٥: - ١٤ ويعيد بعض الريش إلى جناحي
٧٥٨: - ٩ أملك أبا الحسين (كما قدرت في الحاشية رقم: ٣)
٨٧٣: - ٨ فسبيل ما وردني به الآن
٧٩٤: - ٣ اقرأ: " وإن كان [ابن المعتز] قد تقدم في تقسيم التشبيه " والبيت التالي في غرائب التشبيهات: ٣٦ لابن المعتز، وينسب أيضًا للصنوبري، انظر ديوانه: ٤٨٧.
[ ٤ / ٨٥٨ ]