مقدمة المحقق
جرى تحقيق هذا القسم من الذخيرة على فئتين من المخطوطات، الفئة الأولى تضم مخطوطتين وهما:
(١) مخطوطة الزاوية الحمزية بالخزانة العامة بالرباط (ورمزها: م) وتقع في ٥٦٨ صفحة، ولكن نص الذخيرة ينتهي فيها إلى الصفحة ٥٠٦ (الورقة ٢٠٣/أ) فقد جاء في هذه الصفحة: " ها هنا انتهى ما أثبته ابن بسام ﵀ في القسم الثالث من كتاب الذخيرة " وعلى الحاشية إزاء هذه الخاتمة كتب: " الحمد لله: هذه الأوراق - من أبي بكر بن الدوس إلى ترجمة أبي بكر رحيم من كتاب مطمح الأنفس في ذكر علماء الأندلس للوزير الكاتب أبي النصر الفتح بن خاقان مؤلف قلائد العقيان ". وعند مقارنة هذه الصفحات (٥٠٦ - ٥٦٨) بالمطمح المطبوع تتضح فروق واسعة بينهما، فلعل هذه الورقات هي إحدى صور المطمح في نسخته الكبرى أو الوسطى.
ويحتوي الجزء الخاص بالذخيرة من هذه النسخة كل القسم الثالث دون نقص؛ والنسخة بخط مغربي جيد، وفي كل صفحة ٢٣ سطرا ومتوسط عدد الكلمات في السطر الواحدة ١٢ كلمة، والضبط على وجه العموم حسن، والأوهام قليلة، ولهذا ولكمال النسخة أشرت إلى صفحاتها في هذا التحقيق.
(٢) نسخة (رمزها: ب) كانت في ملك الأستاذ ليفي بروفنسال وهي في ٢٣٤ ورقة، وفيها نقص في أولها وآخرها، وقد لحقت بها آثار
[ ٥ / ١ ]
أرضة وبياض وطمس. وتشمل كل صفحة من صفحاتها على ٣٣ سطرا ومعدل الكلمات في السطر الواحد ٢٠ كلمة، وخطها مغربي دقيق، إلا أن غلبة العيوب التي أشرت إليها تجعل إقامة نص سليم منها أمرا صعبا. غير أنها تشبه النسخة (م) من جميع النواحي، وكلتاهما ترجع - فيما أقدر - إلى أصل واحد.
وتضم الفئة الثانية من مخطوطات هذا الجزء ثلاث نسخ وهي:
(٣) نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم: ١٣٢٤ (ورمزها: ط) وتقع في ١٩١ ورقة ويبدأ النص فيها ناقصا على الصفحة الثانية من الورقة الثانية، وقد تملكها شخص بمدينة فاس لقاء تسع عشرة أوقية سنة ١٢٠٤، وهي بخط مغربي جميل واضح، فرغ ناسخها أحمد بن الحاج علي بن الحاج أبي القاسم بن محمد بن سودة الأندلسي من نسخها سنة ١٠٠٣، وفي كل صفحة من صفحاتها ٢٥ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة؛ وتعد على وجه الإجمال جيدة الضبط.
(٤) نسخة المجمع التاريخي بمدريد - جيانجوس (ورمزها: س) وهي في ١٥٧ ورقة تمثل القسم الثالث من الذخيرة كاملا، وفي كل صفحة ٢٨ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١١ كلمة، مكتوبة بخط مغربي دقيق، قريب الشبه بخط النسخة (ط) .
(٥) النسخة البغدادية (ورمزها: د) وهي في ٢٩١ صفحة، في الصفحة الواحدة ٢٩ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر ١٠ كلمات، وخطها مشرقي نسخي حديث، وقد تم نسخها مساء نهار الاثنين ٢١ ربيع الثاني سنة ١٣٢٥ هـ. على يد عبد اللطيف آل ثنيان عن نسخة قديمة " مغلطة " فيها بياض كثير بخط مغربي " شكس " - كما يقول الناسخ. ولعلها نسخت عن إحدى النسختين السابقتين، أو عن نسخة تلتقي وإياهما
[ ٥ / ٢ ]
في الانتماء إلى أصل مشترك. فهذه النسخ الثلاث لا يقوم بينها من الفروق إلا ما ينشأ عن وهم أحد النساخ دون الآخر، أو عن محاولة ناسخ (د) أن يصحح بعض ما وجده من خطأ بمراجعة النص على الأصول. على أن النسخة الأخيرة أكثر الثلاث أخطاء - رغم وحدة المنتمى - لصعوبة الخط المغربي لدى ناسخها المشرقي.
وبين هاتين الفئتين من المخطوطات فروق هامة أصيلة منها:
(١) أن سياق النص في الفئة الأولى يختلف أحيانا اختلافا جذريا عن سياقه في الفئة الثانية، حتى ليشبه أن يكون تلخيصا واختصارا لما جاء في الأولى.
(٢) كل فئة تتضمن زيادات لا تتوفر في الفئة الأخرى، ولكن الزيادات في الفئة الأولى أكثر وأغرز، ولهذا السبب اعتبرت نص الفئة الأولى أساسا فلم أشر إلى الزيادات إلا في الصفحات الأولى من الكتاب على سبيل التمثيل، أما الزيادات المستمدة من نسخ الفئة الثانية فقد وضعتها دائما بين معقفين.
(٣) في بعض زيادات الفئة الأولى أمر غريب يستوقف النظر، وذلك هو دخول نص قلائد العقيان ضمن نص الذخيرة، وقد نبهت إلى ذلك بأن جعلت ما ينتمي إلى القلائد - على نحو حاسم - مطبوعا بحرف أصغر في المتن، وليس في نسخ الفئة الثانية مثل هذه الزيادات.
هذا ويطيب لي في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الجزيل لصديقي وأخي الدكتور محمود مكي علامة الدراسات الأندلسية فهو الذي أمدني بالنسختين (م) و(س) مكبرتين، وشجعني على هذا العمل، وآثرني على نفسه إذ كان بحاجة إلى نسخة الذخيرة في دراساته وبحوثه، فجزاه الله عني خير الجزاء. وإذا ذكرت أهل الفضل فلن أنسى الصديقين: الدكتور عفيف
[ ٥ / ٣ ]
عبد الرحمن المدرس بمعهد المعلمين بالكويت، والأستاذ محمد رشاد عبد المطلب بمعهد المخطوطات التابع للجامعة العربية فكلاهما لم يضن على هذا العمل بما يكفل إنجازه، أما الأول فقد صور لي المخطوطات المحفوظة بالمكتبة العامة بالرباط من نسخ الذخيرة، أما الثاني فقد تكرم فأ ﴿سل إلي صور " ميكروفيلم " عن كل ما يحتفظ به المعهد من مخطوطات الذخيرة، فلهذين الصديقين أيضا شكري الجزيل.
وإني لأرجو أن يتاح لي تقديم الأقسام الأخرى من الذخيرة محققة، فقد طال العهد والذخيرة تستدعي التحقيق ليفيد منها الدارسون، معتمدا في ذلك كله على عون الله وتوفيقه.
بيروت في حزيران (يونيه) ١٩٧٤ إحسان عباس
[ ٥ / ٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على مولانا محمد وآله وسلم
ذكر الجانب الشرقي من جزيرة الأندلس
وتسمية من نجم في أفقه من كواكب العصر
وبرز في ميادينه من فرسان النظم والنثر من
أول المدة المؤرخة صدر هذا الكتاب إلى وقتها
الذي هو سنة اثنين وخمسمائة حسبما شرطنا،
واجتلاب غرر وسائلهم وأشعارهم، وما
اتصل بذلك من نوادرهم وأخبارهم.
قال أبو الحسن ابن بسام: ولما إدارات تلك الفتنة رحاها، على حضرة قرطبة وما والاها - إذ كانت على ما قدمنا ذكره منتهى الغاية، ومركز الراية - فقلصت أذيالها، وانتسفت جبالها، واشتفت الماء من عودها، وألوت بمعظم طارفها وتليدها، شذ قوم من أهلها على حال لو رآها ابن جبير لقال بالتقية، وبين يدي قتال لو أحاط ببني دبيان ليئسوا من البقية، بأذماء أنفس قد نازعهم الموت أرماقها، وبقايا أحوال قد هتكت النوائب أستارها وأوراقها، فأصبحوا طرائد سيوف، وجلاء حتوف
[ ٥ / ٩ ]
قد خلعتم لين العيش على خشنه، وأسلمتم غفلات الزمان إلى محنه، يلوذون بآفاق هذه المنكوبة، لواذ الماء بأقطار الزجاجة المصبوبة، فكانوا كما وصف الملك الضليل حيث يقول:
فريقان منهم جازع بطن نخلة وآخر منهم قاطع نجد كبكب
لا بل كما قال صاحبهم القسطلي أبو عمر يضجر من حاله، ويحار من أدباره بين تلك الفتنة وإقباله، ويصف ما حل به وانجلى عن أهله وأطفاله، في قصيدة فريدة [١ب] مدح بها خيران الصقلبي فقال:
تقسمهن السيف والحيف والبلى وشطت بنا عنها عصور وأزمان
كما اقتسمت أخذانهن يد النوى فهم للردى والبر والبحر إخوان
إذا شرق الحادي بهم غربت بنا نوى يومها يومان والحين أحيان
وكان القسطلي - حسبما قدمنا هذا الديوان - من فتنة ذلك الزمان بمنشأ ليلها، وعلى مدرج سيلها، فأوثقته في حبالها، وعركته عرك الرحى بثفالها، ولم يزل يتقلب بين أطباقها، ويترشف أسار ثمادها وأزناقها، فكم له من وفادة أخزى من وفادى البرجمي، ووسيلة أضيع من المصحف
[ ٥ / ١٠ ]
في بيت الزنديق الأمي، بقصائد لو مدح بها الزمان لما جار، أو رواها الزبرقان لأمن السرار، ورسائل أعذب من ماء الثغور، وأعجب من الدر بين الترائب والنحور، يتخللها بشكوى أحر من الجمر، وعذر في البكاء أوضح من الفجر، لو وجدت شفرة عتابه محزا، أو صادفت ريح عتابه عطفا مهتزا، لا بل كما قال عمرو بن معديكرب:
لقد ناديت لو أسمعت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
أو كما قال أبو عبادة:
أهز بالشعر أقواما ذوي وسن لو أنهم ضربوا بالسوط ما شعروا
كقوله في مبارك ومظفر، غلامين فدمين، كانا يومئذ ببلنسية أميرين، من قصيدة يقول فيها:
فكم جزت من بحر إلي ومهمه يكاد ينسي المستهام ادكارك
أذوا الحظ من علم الكتاب هداك لي أم الفلك الدوار نحوي أدراك
وكيف رضيت الليل ملبس طارق وما ذر قرن الشمس إلا استنارك
وكم دون رحلي من بروج مشيدة تحرم من قرب المزار، مزارك
[ ٥ / ١١ ]
وأرضي سيول من خيول مظفر وليلي نجوم من رماح مبارك
وممن كان أيضا مدح صاحب دانية يومئذ، الفتح بن أفلح، بقصيدة وصف فيها مشقة رحلته، وتقلقله لمحنته على عادته، فمنها قوله: [٢أ]
غراب مما أغرب الدهر أطلعت عليك هلال العلم من أفق الغرب
طوت فلوات الأرض نحوك وانطوت كبدر إلى محف، وشهر إلى عقب
كؤوسا تساقتها الليالي تنادما فجاءتك كالأقداح ردت على الشرب
تعاورهن البر والبحر مثلما ترد بأيدي الرسل أجوبة الكتب
يكتبن صفحات السعود نواظرا وينفضن من أقلامهن على القلب
ويقضمن أطراف الهشيم تبلغا إلى الروضة الغناء في المشرب العذب
ويفحصن في رضف الحصى بمناسم تهيم إلى حصبا من اللؤلؤ الرطب
فتلقي جميعا في الصخور كلاكلا تنوء لأرض المسك زهوا على الترب
ولاح لها البرق الذي أغدق الثرى فهن إليه موفضات إلى نصب
فأي رجاء قاد رحلي إليكم وقد أضعفتني مثل راغبة السقب
بعيد من الأوطان مستشعر العدا غريب على الأمواه متهم الصحب
أقل من الرئبال في الأرض آلفا وأن كان لحمي للحسود وللخب
[ ٥ / ١٢ ]
وأعظم تأنيسا لدهري من المنى وأوحش فيهم من فتى الجب في الجب
فلله من عزم إليك استقادني فأفرط في بعد وفرط في قرب
حياء من الحال التي أنا عالم بها كيف عاثت في سناها يد الخطب
وتسويف يوم بعد يوم تخوفا لعلي لا ألقاك منشرح القلب
وشحا بباقي ماء وجه بذلته لعلي أقضي قبل إنفاذه نحبي
وتأخير رجل بعد تقديم أختها حذارا لدهر لا يغمض عن حربي
فكان في إهدائه الكلام، إلى أولئك العبيد اللئام، كمن يهدي الهنم إلى الصنم، ويجعل الخمار على وجه الحمار.
ولمبارك ومظفر اللذين ذكرا ونظرائهما من أولئك العبدى أخبار سارت بها الركائب، وأحاديث تحدثت بها المشارق والمغارب، وقد أثبت في هذا المكان، بعض ما وجدت منها لأبي مروان بن حيان، حسبما شرطت، وعلى حكم ما بسطت [٢ب] .
جملة أخبار ونوادر، ممن ثار بهذا القطر يومئذ من فتيان ابن أبي عامر، ممن وصف القسطلي بعض أمره، وتعلق شرط الكتاب بطرف من ذكره.
قال أبو الحسن بن بسام: وأبدأ أنا فأقول: كانوا عبدان محنة
[ ٥ / ١٣ ]
وجنان فتنة، قل الناس فأمروا، وخلا لهم الجو فباضوا وصفروا، وغاظوا الجماعة بقرطبة مدة أيامهم، ودرسوا أحساب الأحرار بأقدامهم، مستمتعين بدنياهم، غافلين عن عادة الله في من جرى مجراهم، فربما سقطت الفتنة عليهم بزعماء الأنام، وزفت إليهم عقائل الكلام، فيعكفون منهم على رسوم ديار، وأصداء قفار، سواء عندهم سجع البلبل ورغاء الإبل، وسيمر في عرض القصص جملة من غرائب ضياع الأدب، في مدة أولئك المجابيب الصقلب، مما فيه عظة لمن اعتبر، وكان له نظر فنظر، وبصيرة فتدبر.
رجع الحديث إلى سياقة نص ابن حيان:
قال أبو مروان: فمن غرائب هذه [الليالي و] الأيام، اللاعبة بالأنام، أن مباركا ومظفرا المذكورين كانا وليا أولا وكالة الساقية ببلد بلنسية، ثم اتفق أن صرفا عنها فدخلا على الوزير عبد الرحمن بن يسار أيام خدمته بها سنة إحدى وأربعمائة، وقد دعيا للحساب، فكلماه ومسحا أعطافه، ولثما أطرافه، فكتب لهما بما نفعهما، وكان سببا لردهما
[ ٥ / ١٤ ]
إلى عملهما، وعند خروجهما بالكتاب يومئذ لابن يسار بهما، كان مدلا عليه، يسألهما بره وجزاءه على ما تهيأ لهما عند مولاه، فخلع لجام مبارك عن رأس فرسه وقد كان ركبه، فخره فضيحة لا يقدر على حركة، ثم بعد لأي ما رده؛ فلم تمض إلا مديدة وضرب الدهر ضربانه، فقضى لمبارك بالإمارة هنالك، ونالت ابن يسار الوزير المذكور محنة قرطبة بعد ذلك، فجال النواحي، وأم مباركا هذا لا يشك في معرفته بمنزلته، وحرصه على مبرته، فحل بلنسية، فو الله ما أنصفه في اللقاء فضلا عن القرى.
ثم بلغ من سياسة هذين العبدين الفدمين، مبارك ومظفر، في مدة إمارتهما إلى أن تقارضا من صحة الألفة فيها طول حياتهما بما فاتا في معناهما أشقاء الأخوة وعشاق [٣أ] الأحبة: فنزلا يومئذ معا في سلطانهما قصر الإمارة مختلطين، يجمعهما في أكثر أوقاتهما مائدة واحدة، ولا يتميز أحدهما عن الآخر في عظيم ما يستعملانه من كسوة وحلية وفراش ومركوب وآلة، ولا ينفردان إلا في الحرم خاصة. على أن جماعة حرمهما كن مختلطات في منازل القصر، ومستويات في سائر الأمر، مع أن لمبارك كان التقدم في المخاطبة هنالك في حقيقة رسوم الإمارة، لفضل صرامة ونكراء كانتا فيه، يقصر فيهما لدماثة خلقه وانحطاطه لصاحبه في سائر أمره، ورضاه بكل فعله، على زيادة مظفر - زعموا - عليه ببعض كتابة ساذجة وفروسية. وبلغت جبايتهما لأول أيامهما إلى مائة وعشرون ألف دينار في الشهر: سبعون ببلنسية وخمسون بشاطبة، فيستخرجونها بأشد العنف من
[ ٥ / ١٥ ]
كل صنف، حتى تساقطت الرعية وجلت أولا فأولا، وخرجت أقاليمهم آخرا، فأقبلت الدنيا يومئذ عليهما وعلى نظرائهما بكثرة الخراج، وتبوءوا البحبوحة بحيث لا يغادرون عدوا، ولا تطرقهم نائبة تضمهم لها نفقة حادثة، فانتعشوا وكثروا، ولحق بهم، لأول أمرهم، من موالي المسلمين ومن أجناس الصقلب والافرنجة والبشكنس عشيرتهم، ودربوا على الركوب، حتى تلاحق ببلنسية [ونواحيها] جماعة من هؤلاء الأصناف، فوارس برزوا في البسالة والثقاف، وانفتح على المسلمين [ببلد الأندلس] باب شديد في إباقة العبيد، إذ نزع إليهم كل شريد طريد، وكل عاق مشاق، وزهدوا في الأحرار وأبنائهم ممن طرأ منهم عليهم، فلم يواسوهم؛ وانتمت جماعة هذه الأخلاط الممتهنة الأصاغر معهم إلى ولاء بني عامر، وانتفت عن نسبها ابتغاء عرض الدنيا، فكثروا وازدادوا؛ وطلبت هذه العبدى المجابيب لما اتسعت لهم الدنيا فاخر الأسلحة والآلات، والخيل المقربات، ونفائس الحلي والحلل، فصارت دولتهم لأول وقتها أسرى الدول، ولحق بهم كل عريف، ورئيس كل صناعة معروف، فنفق سوق المتاع لديهم، وجلبت كل ذخيرة إليهم.
وشرع هذان الرئيسان مظفر ومبارك، لأول سلطانهما هنالك، في بناء بلنسية وتحصينها وسد عورتها بسور أحاط بالمدينة، تحت أبواب
[ ٥ / ١٦ ]
حصينة، فارتفع الطمع عنها وأقبل الناس إليها من كل قطر بالأموال، وطمحت بسكانها الآمال [٣ب] واستوطنها جملة من جالية قرطبة القلقة الاستقرار، فألقوا بها عصا التسيار، وأجمل عشرتهم، فبنوا بها المنازل والقصور، واتخذوا البساتين الزاهرة، والرياضات الناضرة، وأجروا خلالها المياه المتدفقة. وسلك مبارك ومظفر سبيل الملوك الجبارين في إشادة البناء والقصور، والتناهي في عليات الأمور، إلى أبعد الغايات، ومنتهى النهايات، بما أبقيا شأنهما حديثا لمن بعدهما. واشتمل هذا الرأي ايضا على جميع أصحابهما، ومن تعلق بهما من وزرائهما وكتابهما، فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء، فهاموا منه في ترهات مضلة، وتسكعوا في أشغال متصلة، لاهين عما كان يومئذ فيه الأمة، كأنهم من الله على عهد لا يخلفه، واتسع الحدس في عظم ذلك الإنفاق، فمنهم من قدرت نفقته على منزله مائة ألف دينار وأقل منها وفوقها، حسب تناهيهم في سروها: من نضار الخشب ورفيع العمد ونفيس المرمر، مجلوبا من مظانه، وجلب إليهم سني الفرش من سائر الحلي والحلل، فنفق سوق المتاع بعقوتهم، وبعثر عن ذخائر الأملاك لقصرهم، وضرب تجارها أوجه الركاب نحوهم، حتى بلغوا من ذلك البغية وفوق ملء فؤاد الأمنية، فما شئت من طرف رائع، ومركب ثقيل، وملبس رفيع جليل، وخادم
[ ٥ / ١٧ ]
نبيل، وآلات متشاكلة، وأمور متقابلة، تروق الناظرين، وتغيظ الحاسدين، حرسها لهم المقدار إلى مدة.
بلغني أنه دخل دار رجل من أصحابهما يعرف بمؤمل القشالي ووقع البصر بها من سروها واكتمال النعمة فيها على ما لم يشاهد مثله قط في قصر الإمارة بالحضرة العظمى قرطبة، وأخبر المحدث أنه رأى في فرش مجلسه مطارح من صلب الفنك الرفيع مطرزة كما تدور بسقلاطوني بغدادي، وانه كان يقابل ذلك المجلس شكل ناعورة مصوغة من خالص اللجين من أغرب صنعة، يحركها ماء جدول يخترق الدار أبدع حركة، إلى أشياء تطابق هذا السرو: من جودة الآلة والآنية والمائدة وجمال الخدم ورقة الأسمعة وفخامة الهيئة ما لا شيء فوقها.
وكان لمبارك ومظفر جملة ذلك النعيم، وفازا بقبض الخراج، ولم يعرضهما عارض إنفاق بتلك الآفاق، فانغمسا في النعيم إلى قمم رءوسهما [٤أ] وأخلدا إلى الدعة وسارعا في قضاء اللذة، حتى أربيا على من تقدم وتأخر؛ حدثني من رأى ركوب هذين العبدين الزلمتين في بعض أيام الجمع للمسجد ببلنسية بما أنسى مركب المظفر عبد الملك ابن [أبي] عامر مولاهما المتبنك - كان - للنعماء، الوارث لحجابة الخلافة، في فخر
[ ٥ / ١٨ ]
لباسهما ووفور عدد أصحابهما وحسن خدمتهم لهما، وأن كلا منهما كان يظاهر الوشي على الخز، ويستشعر الدبيقي، ويتقلس الوشي، ويتعطف القسي.
قال ابن حيان، قال لي المحدث: وكنت أعرفهما عبدي غية لمولاهما مفرج العامري، فكانا حظي من الاعتبار بالدنيا، إذ كانا على استخدامهما لها من الجهل والأفن واللكنة من حجج الله تعالى في القسم البالغة الدالة على هوانها عنده، إذ أنالها منها بحبوحة أضحت أبصار [أولي] النهى نحوها شاخصة، وقلوبهم مسلمة لمن له الحول والقوة، وهما عن الاعتبار عنها بمنجاة من مندوحة الجهالة، يحسبان أنهما نالا ذلك بالاستحقاق، وأن لهما على الأيام دركا، يحثتن على ذلك سوق الرعية المضطهدة بسلطانهما، ولا يعبآن بما آدها من كلفهما، ولا يرفقان لمجهود ما بلغ من عنفهما، يقلدانهم شرار العمال، ويستزيدان عليهم في الوظائف الثقال، مع الأيام والليال، حتى لغدا كثير منهم يلبسون الجلود والحصر، ويأكلون البقل والحشيش، وربما أبر ذلك على القوم بعد القوم منهم فلا يقاومونه إلا بالجلاء عن مثواهم، والتخلي عن قراهم، فلا يأسف هذان العلجان ومن تلاهما، ولا يخافان من مواقعة مثله لمن أقام بعدهم، بل يتخذان ما جلا أهله من تلك القرى ضياعا مستخلصة، فإذا وقع عليها اسم كبير منهم
[ ٥ / ١٩ ]
راجعها أعلها راضين منه بالاعتمال له بالسهمان، راجين في دفاعه من الحدثان، على هذه السبيل سلك اكثر الثوار المنتزين على أكنافها، الثائرين بأطرافها، بعد افتراق سلطان الجماعة بقرطبة آخر دولة بني عامر.
وكان موت مبارك هذا هنالك أنه ركب يوما من قصر بلنسية يبتغي الخروج للنزهة خارج البلد على فرس ورد مطهم قلق الركاب، وأهل بلنسية قد ضجروا لمال افترضه عليهم، فقال لهم يومئذ هذا العلج مبارك: اللهم أن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعم المسلمين نفعه فلا تؤخر عقوبتي يومي هذا؛ وركب إثر ذلك [٤ب] فلما أتى القنطرة، وكانت يومئذ من خشب، خرجت رجل فرسه من حدها فرمى به أسفلها، واعترضته خشبة نابية من القنطرة شدخت وجهه، وسقط لفيه ويديه، وسقط الفرس عليه، وكسر أعضاءه وفتق بطنه، ففاضت نفسه لوقته، وأمن أهل البلد من مقته، وكفاهم الله أمره، فثاروا يومهم ذلك وانهبوا قصره.
ثم اتفقوا على تأمير لبيب الصقلبي، فأحدث أيضا فيهم أحداثا مقتوه بها، فلاذ بالطاغية ريمنده أمير الفرنجة ببرشلونة يومئذ، واستبلغ في الطافه حتى صير نفسه كبعض عماله، فغاظ المسلمين وعرضهم لملك النصرانية، فوثب أهل طرطوشة على لبيب وقضوا عليه، واستصرخوا ابن هود
[ ٥ / ٢٠ ]
فلحق بهم؛ وأظلم الأفق بينه وبين مجاهد لما فاته من أمر طرطوشة، وجرت بينهما حروب خاف الناس وبال عاقبتها على ثغور مثغورة خلال كلمة مختلفة، وقوى منتكثة، ثم آلت حال تلك الناحية إلى تأثير عبد العزيز ابن أبي عامر، حسبما نذكره في موضعه أن شاء الله.
انتهى ما لخطته من كلام ابن حيان، في أخبار أولئك الفتيان.
قال أبو الحسن: على أن أكثر من لفظته يومئذ تلك الفتنة القرطبية، من الطبقة الأدبية، فأفلت من شركها، ونجا من دركها، قوم لم تكن لهم بيوت مشهورة، ولا حظوظ من الأدب موفورة، ولكنهم وجدوا ملوكا أغمارا، لا يعرفون إلا سرى الليل، ومتون الخيل، أسود شعاب، وأساود لصاب، قد ضروا على الدماء، وترأسوا على الدهماء، خالعين لسليمان، المتقدم ذكره صدر هذا الديوان، معارضة للطاعة، واستعراضا للجماعة، متمسكين من طاعة هشام الخليفة، كان قبله حسبما وصفنا، بحبل قد انتكث طرفاه، بغاء لتتميم آمالهم، وحطبا في حبالهم:
لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه
واحتاجوا في جباية أموالهم، وتدبير رجالهم، إلى ذلك الفل من
[ ٥ / ٢١ ]
الكتاب القرطبيين الذين أصبحوا يومئذ أيدي سبا وتفاريق العصا، فشاركوهم في نعمتهم، وألقوا إليهم بأزمتهم، متمهدين بتدبيرهم لأكنافهم، مؤتمين بهم في شقاقهم وخلافهم.
وقد كان الملك سليمان أسف على جماعة هؤلاء الفتيان لشرودهم عنه، وانتباذهم منه، وراسلهم بجملة رسائل [٥أ] من إنشاء ابن برد وغيره من كتاب دولته، رجاء في كرة الدولة بهم، مقتنعا منهم بالطاعة، حسبما فعله مجاوروهم من أهل الثغور، ليكون من وراء التدبير، ويأمن من الهضيمة، في إنفاذ الصريمة، فصموا عن رقاه وطردوا رسله، وخرسوا عن إجابته على كتبه، وتجردوا لحربه - حسبما قد وصفته في أخبار سليمان وكاتبه ابن برد أول هذا الديوان -.
ومنهم مجاهد المنتري يومئذ على دانية والجزائر الشرقية نذكر أيضا طرفا من خبره النادر، لأنه من غلمان ابن أبي عامر، وأن كان لم يذكره القسطلي أبو عمر، فأخباره تتعلق بأخبار من ذكر، لأنه على قوالبهم صب، ومن ثناياهم أنصب، وفي سبيلهم من الخلاف أوضع وخب. على أن إليه كانت هجرة أولي البقية، وذوي الحرية، من هذه الطبقة الأدبية القرطبية، للين جنابه، وذكاء شهابه.
[ ٥ / ٢٢ ]
نسخت من كتاب أبي مروان ابن حيان، قال: كان مجاهد فتى أمراء دهره، وأديب ملوك عصره، لمشاركته في علم اللسان، ونفوذه في علم القرآن، عني بذلك من صباه وابتداء حاله، إلى حين اكتهاله، ولم يشغله عن التزيد عظيم ما مارسه من الحروب برا وبحرا، حتى صار في المعرفة نسيج وحده، وجمع من دفاتر العلوم خزائن جمة، وكانت دولته أكثر الدول خاصة، وأسرارها صحابة، لانتحاله العلم والفهم، فأمه جملة العلماء، وأنسوا بمكانه، وخيموا في ظل سلطانه، واجتمع عنده من طبقات علماء قرطبة وغيرها جملة وافرة، وحلبة ظاهرة. على أنه كان - فيما بلغني - مع أدبه من أزهد الناس في الشعر وأحرمهم لأهله، وأنكرهم على منشده، لا يزال يتعقبه عليه كلمة كلمة، كاشفا لما زاغ فيه من لفظة وسرقة، فلا تسلم على نقده قافية، ثم لا يفوز المتخلص من مضماره، على الجهد لديه، بطائل، ولا يحظى منه بنائل، فأقصر الشعراء لذلك عن مدحه، وخلا الشعر من ذكره؛ وكان مع ذلك بهمة، وأكثر الناس علما بالثقافة، فلا يضم من الفرسان إلا الأبطال الشجعان، ولم يكن في الجود والكرم ينهمك فيعزى إليه، ولا قصر عنه فيوصف بضده، أعطى وحرم، وجاد وبخل، فكأنه نجا من عهده الذم. ثم اكثر التخليط مجاهد في أمره، فطورا كان ناسكا مخبتا معتكفا متبرئا
[ ٥ / ٢٣ ]
من الباطل كله، يعكف على دفاتر يقرؤها، وتارة يعود خليعا فاتكا لا يساتر بلهو ولا لذة، ولا يستفيق من شرب وبطالة، ولا يأنس بشيء من الجد والحقيقة، له ولغيره من سائر ملوك الطوائف في هذا الباب [٥ب] أخبار مأثورة مشهورة؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وقد أثبت أيضا في هذا القسم من الشعراء والكتاب، ورؤساء أهل الآداب، ممن في ذلك الأوان إلى وقتنا هذا، من عرف مكانه، واشتهر إحسانه، وقدمت من تقدم في حلبة البيان، دون من سبق في الزمان، على ما شرطت في صدر هذا الديوان، والله العاصم من الزلل، والموفق لأحسن القول والعمل، بعزته.
فصل في ذكر ذي الوزارتين الأجل الكاتب الماهر [صاحب المظالم] أبي عبد الرحمن بن طاهر، وسياقة قطعة من رسائله، وإيراد بعض شأنه، والتنبيه على مكانته من الفصل ومكانه، وشرح خلعه عن السلطان، وعلى يدي من جرى ذلك وكان:
قال أبو الحسن: كان أبو عبد الرحمن بن طاهر أحد من جمع الحديث إلى القديم، وارتقى من رياسة الأقلام إلى سياسة الأقاليم، واتفق لبني
[ ٥ / ٢٤ ]
طاهر بالفتنة المطغية، رياسة كورة مرسية، - في خبر أضربت عنه لطوله ولأني قد أوردته في كتابي المترجم ب " سلك الجواهر من ترسيل ابن طاهر " - فكان أبو عبد الرحمن يكتب عن نفسه بهذا الأفق، كالصاحب ابن عباد بالمشرق، وله رسائل تشهد بفضله، وتدل على نبله، لاسيما إذا هزل فإنه يتقدم على الجماعة، ويستولي على ميدان الصناعة. ولما حبط أبو بكر ابن عمار سمرات ملوك الأندلس بعصاه، وتردد بنتجعهم بمكايده ورقاه، وإنما كان يطلب سلطانا ينثر في يديه سلكه، وملكا يخلع على عطفه ملكه، جعل أبا عبد الرحمن بن طاهر موقع همه ووجه أمه، ولما ألقى المعتمد إلى ابن عمار بيده، وقلده - على ما شرحناه في أخباره - تدبير دولته وبلده، بعثه على حرب ابن طاهر بغاء بنفسه، وبناء على أسه، فأقبله وجوه الجياد، وأخذ عليه الثغور والأسداد، حتى فت في عضده، وانتزع سلطانه من يده. ولما قال عزمه وفعل، وقام وزن أمره واعتدل، مد يده وبسطها، وكفر نعمة ابن عباد وغمطها، وانتزى له من حينه على مرسية وقعد بها مقعد الرؤساء، وخاطب سلطانه مخاطبة الأكفاء، مستظهرا على ذلك بجر الأذيال، وإفساد قلوب الرجال، معتقدا أن الرياسة كاس يشربها، وملاءة مجون يسحبها، فقيض له يومئذ من عبد الرحمن بن رشيق، عدو في ثياب صديق: من رجل مدره ختر، وجذيل خديعة ومكر، فلم يزل يطلع عليه من الثنايا والشعاب، حتى أخرجه [٥ب] من مرسية كالشهاب، وأبو عبد الرحمن بن طاهر
[ ٥ / ٢٥ ]
في أثناء تلك الحال، متردد بين النكبة والاعتقال، فبعد لأي ما سعى له الوزير أبو بكر بن عبد العزيز، زعيم بلنسية - كان - في ذلك الأوان، فخلص بعد أبو عبد الرحمن، خلوص الثريا من يد الدبران، والتقى هو وابن عمار ببلنسية بعد ذلك، وقد استوى الغالب والمغلوب، وضعف الطالب والمطلوب، وكان أبن عمار أخفش، فقال له ابن طاهر، وكان كثير النوادر: كذا يا أبا العينا، لا أنت ولا أنا. فصار ابن عمار مع ابن رشيق تحت المثل: " أنفقت مالي وحج الجمل ".
ولابن طاهر عدة نوادر أحر من الجمر، وأدمغ من الصخر: أرسل إليه ابن عمار وقت القبض عليه، وهو معتقل بين يديه، يعرض له خلعة يتسربلها، ويشير إليه بكرامة: هل يقبلها - فقال لرسوله: لا أختار من خلعه - أعزه الله - إلا فروة طويلة، وغفارة صقيلة. فعرفها ابن عمار واعترف بها على رءوس أشهاده، وبحضرة من وجوه قواده وأجناده وقال: نعم إنما يعرض بزيي يوم قصدته، وهيئتي حين أنشدته، فسبحان من يعطي ويمنع، ويرفع من يشاء ويضع.
وحدثني غير واحد من أهل مرسية قال: لما قام البلد على أبن طاهر خرج هو وابن أخيه مخفيين لأنبائهما، هاربين بذمائهما، وكل شيء لهما رصد، وفي كل فج عليهما عين ويد، فلقيا رجلا من أهل مرسية
[ ٥ / ٢٦ ]
يدعى البقيلة، كان عندهم مشهور المنزع، مضروبا به المثل في برد المقطع، وقد حمل قناة فاعتقلها، ولبس فروة فحولها، وفي رأسه قلمون طويل، أبرد من طلعة العذول، فقال ابن طاهر لابن أخيه: يا بني أين المهرب - قد قامت علينا كل قبيلة حتى العرب، ما أرى هذا إلا عمرو بن يكرب أو يزيد بن الصقب.
وحكوا أن ابن أخت لابن رشيق ذا لحية طويلة، وطلعة ثقيلة، وقف عليه يوما وهو معتقل عندهم، فجعل يتوجع له ويتفجع، ويتملق معه ويتصنع، فقال له ابن طاهر: خلاصي بيدك إن شئت، لو أخرجتني في لحيتك لتخلصت وخفيت. إلى نوادر كثيرة، وأوابد عنه مأثورة، إيرادها خارج عن غرض هذا التصنيف، وليست من شرط هذا التأليف.
ولابن طاهر أيضا في الجود نوادر تشهد أن كرمه لم يكن تكرما، وأن مجده لم يكن تكسبا ولا تقحما: مر به ولد ابن عمار بعد مقتل أبيه، في فئته القليلة، وساقته المنكوبة المفلولة، وقد لفظتهم البلاد، وأنكرهم الطريف والتلاد، وتغير لهم الأشكال والأضداد، ورحمهم الأعداء والحساد، فأقبل عليهم ابن طاهر ببقية حال هم جنوا عليه إدبارها، وحكمهم في فضل ثياب هم [٦أ] سلبوه خيارها، وخلى بينهم وبين ماء طالما حلأوه عن برده، ودفعوا في صدره دون ورده، تعالى من لا يذل سلطانه، ولا يجحد إحسانه.
[ ٥ / ٢٧ ]
ما أخرجته من نوادر رسائل ابن طاهر
في أوصاف شتى
فصول من رسائله السلطانيات التي أجراها مجرى الأخوانيات
كتب إليه أبو بكر ابن عمار المذكور، في أثناء ما وقع بينهما، رقعة عتاب وختمها بهذه الأبيات:
عندي حديث إن سمعت قليلا ولدي نصح إن أردت قبولا
يا راكبا ظهر التجني راكضا في حلبتيه أما اعتقدت نزولا
لله درك أو طلبت حقيقتي لوجدتني بدل العدو خليلا
خذ من عنان هواك يوما للنهى وانهج لرأيك في اللجاج سبيلا
وأفق من الأنف الذي تعتده عزا فقد يدع العزيز ذليلا
ومن بعض مخاطبات ابن طاهر له، رقعة حدثت أنه كتبها إليه من موضع معتقله، بقطعة فحم على ظهر آجرة، فيما زعم: قد كنت - أعزك الله - أتيقن من حسن طويتك، وكرم سجيتك، أنك لي أسرع في الملمة من اليمين إلى الشمال، فارتقبت ورودك ارتقاب الصائم للهلال، فلما وافيت تحدثت بملاقاتك، واطلعت إلى مراعاتك، فأبطأ
[ ٥ / ٢٨ ]
ذلك من سنائك، ولزمني أن استعلم السبب الموجب له من تلقائك، وبالله أقسم لو مكنت من رقعة ومداد حاضر، لخاطبك بالمحجر وسواد الناظر، لكن منعت من كل سبب لغير سبب، وألحت علي النوائب بطلب على طلب. وأما الحضرة المكرمة فكنت أعمر إليها مسافة الطريق، وأجد للقول فيه بليل الريق، وستسمع بالمشافهة كيف كان المنع لا التمنع، فلست أجهل ماآتي وما أدع. وأما أمور الفتنة فمهدورة، وعند العاقل مغفورة، وهي كبساط النبيذ، يطوى على ما فيه من المز واللذيذ، ولولا صدع بالفؤاد، وقلب ملي من الخطوب الحداد، لنبذت إليك ما في النفس نبذ النواة، فأنت موضع السر والمناجاة، لا زلت من الحوادث بمعزل، ومن المكارم بمنزل.
قال ابن بسام: وقد حدثت أنه بعد خروج ابن طاهر من البلد، رأى أن يلقي بيده إلى المعتمد، إذ بدأ له من ظاهر ابن عمار ما سكن بعض استيحاشه [٧أ] فأنس، فأصحبه كتبا أدرج له بينها صحيفة المتلمس، ووقف ابن طاهر على مستودعها، بفك طابعها، فكتب إلى ابن عمار رقعة فيها: بالخبر تنجلي الشكوك، ومع الفري تماز المسوك، ورب معمل سلامة، ومرسل استنامة، قد يكشف [له]
[ ٥ / ٢٩ ]
المستور من خل عن صل، بل عن لحم مصل، وهو الأناة ينضح بما فيه، ومرسوم الوعظ ليس بمجديه، ولما بت على مرحلة من جنابك العاطر، مستقيا من سبحانك الماطر، لما أصحبتني من تلك الرقاع، التي خلتها يد الاستدفاع، مثل بين عيني في النوم [شخص] ماثل، يتغنى بقول القائل:
لئن بعثت إلى الحجاج يقتلني إني لأحمق من تخدي به العير
مستصحبا صحفا تدمى طوابعها وفي الصحائف حيات مناكير
فوثبت كالمذعور، وأتيت إلى الطوامير، ففضضت ختامها، واستعربت إعجامها، فصرخت لي بل أقتال؛ فأبن لي - عافاك الله - بأي شيء استحللت دمي، وبعثتني لإراقته على قدمي، لا تبل:
إن الأيادي قروض كما تدين تدان
من استلذ زمانا أرداه ذاك الزمان
وطالب الثار لا ينام، والله ولي الانتقام.
ومن رقعة عتاب له يقول فيها: [أستوهب الله عقلا يعقل عن تكلف ما لا أعلمه، والتسور على ما لا أحسنه ولا أفهمه، وأستعينه على
[ ٥ / ٣٠ ]
عمل يرضيه به عني، وأسأله لك السند الذي يعزى الجود إلى بنانه، ومنطق الفضل إلى لسانه، محزا آهل المعاهد، وحرزا ثابت القواعد، و] قد تصرفت في سهوب الاسهاب، وتعلقت بإطناب الإطناب، وسلكت من البلاغة مسالك لا تجد حيات الأذهان فيها مدبا، وأرواح الأفكار في جوها مهبا، فإن قرعت بابها معك، وقد باشرت بدعك، زادني انغلاقا، وكنت ككون مع عتيق لا يرجو له لحاقا، فالأحجى بذي الحجى سلوك سبيل الاختصار والإيجاز، إذ لا بد من الوقوع تحت الاقتصار والاعجاز، والله يبقيك لإحياء رسم الأدب، وإقامة أود لسان العرب.
وفي فصل منها: وأكرم بخطابك الأثير، المضمن من الدر النثير، ما لم يستخرج مثله غائص من بحر، ولا تقلدت الغواني شكله على نحر، فلله أدبك ما أبرعه، [وحسن لفظك ما أبدعه]، أوضحت به مناهج العلماء، وصدقت نتائج الحكماء، ولم أزل ألمحه، وأجيل طرفي فيه وأتصفحه، متعجبا من غرائب كلمك، وبدائع حكمك، إلى أن انكشفت لي أغراضه المبتدعة، وجمله المخترعة، عن ظن حكمته في اليقين، وشك غلبته على الصبح المبين: أنا أنزه ميزك الثاقب، ونظرك الصائب، ورأيك الواضح الدلائل، وما أوتيت من علم جوامع [٧ب] الفضائل، عن انتساب مثل ذلك إليك، واشتباه ما فيه عليك، وكنت عهدتك تقضي بالخير على طباع الناس، ولا يوضع على بصيرتك فيه غطاء التباس، حتى فجأني منه ما لو أخبرت به عنك لأنكرته، ولا أدري له سببا، ولا أعرف
[ ٥ / ٣١ ]
له موجبا، إلا الاصغاء إلى من يضرب ويسعى بالفساد، ويدب بمقارب الأحقاد، ويشغب لكي يذكي نار الحرد، ويطير شرار الضمد، وأنت أجل من أن تلتفت إلى غاش، وتعرج على ساع بالنميمة واش.
ومنها: وأما ذم الزمان وبنيه، فقد أكثر الناس فيه، وكنت أجلب شيئا [منه] للحاجة إليه والتورك عليه، غير أني اقتصرت مخافة التطويل، وتجنبت آفة التثقيل، فقد قالوا: الاطالة تفضي إلى الملالة. وأما من صرحت في مدرجتك باسمه، وشكواه اليك ما جرى عليه بزعمه، فهو سعر نار غدا حريقها، وفجر أنهارا ظل غريقها، وأمره أحقر من أن أحبر فيه كلما، وأعمل في ذكره قلما. ومن قولك - أعزك الله - أن العهد بك بعيد، والشوق اليك شديد، وتعريضك بقرب النزول علي، والخروج عما تريده من الشكوى إلي، خرج لي أن الذي اتفق لي في زيارتك من الإغباب، سطر أسطر هذا العتاب، فمهلا مهلا، وحلا حلا، ورب سامع بأمري لم يسمع عذري، والله ما اعتمدت ذلك جهلا بحقك، ولا قصدته إهمالا لواجب تقدمك وسبقك، بل دفعت إليه ضرورات مكابدة أحوال هذا الزمان، القاطعة عما يريده الإنسان، ولئن نافس الدهر في الورود عليك، والوصول اليك [وأحوج إلى ترك النهوض اليك] فليس ذلك مما يخل بالود، ولا يحل وثيق العهد، بل أنت كالشمس
[ ٥ / ٣٢ ]
إن عدمنا مدارها، فما حرمنا أنوارها، وقد علمنا أن مكانها علي، وحسنها جوهري، وكان من الحكم أن أراجع على النظم، لكن لا آتي معك إحسانا، ولو كنت حسانا، فابسط العذر، وسهل الأمر، [والله يهنيك صحة تكفلك، وسلامة تشملك، برحمته، والسلام على من أراني عتابه، ليعلم كيف ودي جوابه، ورحمة الله] .
وله رسائل مطبوعة، ومنازع إلى الأدب بديعة.
وكتب أبو عبد الرحمن إلى ابن عبد العزيز من طريقه يومئذ رقعة يقول في فصل منها: كتابي وقد طفل العشي، وسال بنا إليك المطي، ولها من ذكرك حاد، ومن لقياك هاد، وسنوافيك المساء، فنغتفر للزمان ما قد أساء [٨أ] ونرد ساحة الأمن، ونشكر عظيم ذلك المن، فهذه النفس أنت مقيلها، وفي برد ظلك يكون مقيلها، فلله مجدك وما تأتيه، لا زلت للوفاء تحييه وتحويه:
[ ٥ / ٣٣ ]
*فدانت لك الدنيا ودامت بك العليا*
إن شاء الله تعالى، بمنه.
وعند انجلاء تلك الظلماء [عنه] خاطب جماعة من الرؤساء، وذلك في جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين، فمن ذلك رقعة خاطب بها صاحب المرية قال فيها: ولما تخلت مني - أيدك الله - يد الزمان ونوائبه، وتجلت عني غمراته وغياهبه، ابتدرت مطالعك ابتدار الفرض، وهصرت من مجاذبتك بالغصن الغض، فاتقا لكمامة الفضل، وعامرا لشريعة الوصل، وحمد الله تعالى مقدم في السر والجهر، على ما درا من الحوادث النكر:
وإذا جزى الله امرءا حسنا فجزى أخا لي ماجدا سمحا
ناديته في كربتي فكأنما ناديت عن ليا به صبحا
ذلك الوزير [الأجل] أبو بكر مثبت رسم الوفاء، وباني مجده على قمة الجوزاء، نبه لي كرم مسعاه، دائبا ووالاه، لم يكتحل سوق الأرق، حتى استنفذني من لجة الغرق، ووافى بي على المنى، وأحلني من بره المحل الأسنى، فأنام الله عنه عيون الأيام، ولا أنساني له شكر ذلك المقام.
وله من أخرى خاطب بها ابن هود: إن الأيام - أيدك الله - تلون ألوانها، وللمساءة إحسانها، ما تذر شعبا إلا تصدعه، ولا وصلا إلا
[ ٥ / ٣٤ ]
تقطعه، إن أمرت عهدا نقضته، أو بنيت قوضته، على أنها قد تعود، ويكون لها الأثر المحمود، ورمتني - أيدك الله - بسهامها، وجرعتني غصص حمامها، فكان لله ستر وقى، وصنع أبقى، مكن النفس من رجائه، ووطن الصبر على قضائه، طمعا في الحظ من ثوابه، وتبلج الفرج من أبوابه، إلى أن تبدى فجره، وتأتى أمره، والحمد لله بحقه، منقذي من الخطب وربقه، هو المبلو بعواطفه، المدعو بعوارفه، وفي كل حال - أيدك الله - أخطرتني ببالك، ومددت علي من ظلالك، ووصلت من سببي، ونفست من كربي، وأوجدتني من ذراك مفزعا، و[أوردتني] من نعمك مشرعا، لا زال برك شاملا، ولا انفك سعدك كاملا، فانك محيي الهمة ومقيمها، ومولي النعمة ومديمها، وكم أحييت من همم، وأوليت من نعم؛ فكافأ الله الولي السني واحدي الوزير الأجل أبا بكر مكافأة ماجد جد في سعيه، وجرد [٨ب] من رأيه، لدرء مهمي وكشفه، حتى انتضاني في كفه، فخلطني بالعلية نفسه، ومهد لي في جنابه وأنسه، أيده الله على شكره، وفسح في عمره.
وله من أخرى كتب بها إلى الحاجب عماد الدولة: كتبت - أيدك
[ ٥ / ٣٥ ]
الله - عند وصولي بلنسية، متخلصا من يد المحنة، متلبسا لله فيها أعظم المنحة، أن تدارك في غمراتها، وجلى المسود من هفواتها، فلله الحمد كثيرا، والشكر نضيرا؛ وإني بلوت من إجمالك في حالتي شدتي ونجاتي ما عقل اللسان، وقبض البنان، وأخجل الحوادث حتى كفت من اعتدائها، وألوت تعثر في استحيائها، فإن أثنيت فمقصر عنك الثناء، وان دعوت فإلى الله يرفع الدعاء. وتلقاني بطريقي كتابك الرفيع فتملكني بره، وحياني بشره، وعظم عندي قدره، فلله ما تبديه من فضل وما تسره، ولله در الوزير الأجل أبي بكر، جوزي بوفائه، وفسح الله له في ظله وبقائه، فانه ما اكتحل في كربتي بنوم، ولا تمتع بمسرة في يوم، ولقد كانت قذى عينيه، حتى حلني من وثاقها بيديه.
ومن أخرى خاطب بها المظفر صاحب لاردة قال فيها: أن الله تعالى يصرف الأمور كيف يشاء، له النعماء والبأساء، فإن عافى واصل المنن، وأن امتحن أحسن، لأنه يمنح الأجر الذي هو أسنى، ويعود بعوائده الحسنى، وما المرء إلا كالنصل، يشحذ بالصقل، تنفذ عليه الأقدار، ليقع
[ ٥ / ٣٦ ]
الاختبار والاعتبار، ويبدو له الزمان وأهله، وحيث منبت الفضل وأصله؛ وكان لك - أيدك الله - من التهمم بجانبي، والارتماض لنوائبي، ما أطاب ذكرك، وأبان قدرك، وأخبر أن الجميل من سجاياك، وأن محاسن الدهر بعض حلاك. ولما تخلصت من تلك الأشراك، وأذن الله منها - وله الحمد - بالانفكاك، أسرعت إلى قضاء حقك وإنه لأعز الحقوق، وتوفية الشكر لك بباهر مجدك السابق غير المسبوق، والثناء على أنعم الله تعالى قبل كل شيء وبعده التي جلت عن الإحصاء، وجلت من الغماء. وقد أوليت ما أثبت لك في الرقاب رقا، ومت تخب به الركائب غربا وشرقا، وأن المستقل بي والجاذب بضبعي لمحيي ميت الوفاء، ومحرز جزل الثناء، قسيمي في المهم، وظهيري [٩أ] على الملم، الوزير الأجل أبو بكر، فاني تبوأت في ذراه محلا ودارا، ورأيت الخطوب تعتذر اعتذارا.
وله من أخرى إلى القادر بالله ابن ذي النون: حكم الزمان - أيدك الله - تعثر الإنسان، ولولا دفاع الله لهوت قدمه، واستوى عدمه، لا يبالي حيث انتحت نوائبه، ولا من ازور جانبه، يلفى الدهر عابسا، ولثوب العذر لابسا. وكتابي من بلنسية وقد وافيتها موافاة
[ ٥ / ٣٧ ]
الآمن بقراره، خارجا من ليل الحوادث واعتكاره، مستبشرا بنهاره، مستشفيا من آثاره، فالحمد لله بما أولاه، حمدا يبلغ رضاه. وما أنا - أيدك الله - في أمري، وما يسره الله من انجلاء ضري، بأجذل مني لتوقف الأيام عن مكانك، وقد أوضعت في بنيانك، تظن أن ما تتلفه، لا تصرفه، وكم لله من لطف خفي، وكرم حفي، وهو المسئول بأحب أسمائه، أن يعيد عزك إلى بهائه. وأن من تلقى راية المجد ابتدارا، وأخذني من أيدي الخطوب اقتسارا، لعلم الوفاء الذي إليه يشار، وشخص السيادة الذي به يستنار، واحدي الوزير الأجل أبو بكر - أدام الله عزه وأحسن جزاءه، ووصل اعتلاءه -.
وكتب أيضا في ذلك إلى بعض إخوانه: علمي - أعزك الله - بصدق وفائك، ومحض صفائك، وأنك ضارب في حالي بأوفى السهام، أوجب أن أسبق اليك بالمشاركة والإعلام، وكتبت عند الخلاص من العقلة، والتخلص من العطلة، بفضل الله الذي له المشيئة الغالبة واليد العالية، هو المردد حمده بما أولى وسنى، المرجو لطفه بعوائد الحسنى. ورعى الله الوزير الأجل أبا بكر، وقارضه وفي الشكر، فلقد بز الأنام طروا، ووافت فعالته الكريمة غرا، لم يقصر عن أمد السعي، مدة
[ ٥ / ٣٨ ]
ذلك البغي، حتى أخذني من أيدي الخطوب عنوة، وأحلني من جزائه وبره صفوة، فلله وفاؤه وسروه، وغايته في العلاء وشأوه.
قال ابن بسام: وخاطبت جماعة من رؤساء الجزيرة يومئذ الوزير أبا بكر [بن] عبد العزيز [المذكر] شاكرين له على ما كان في ذلك من سعيه الحميد [المشكور]، منها رقعة للمؤتمن بن هود يقول فيها: وقد تتابع عنك - أعزك الله - أحسن الحديث المذيع لخفايا سروك وسرائره، المعرب عن سجايا سنائك ومآثره، منذ انتدبت بشرف منحاك [٩ب] لما يسره الله من حميد مسعاك، فانتضيت من عزمك باترا يفل نصال النوائب، وأيقظت من حزمك ساهرا ينيم عيون الحوادث، وسهل الله الوعد بصدق بصيرتك، وذلل الصعب بيمن نقيبتك، حتى شردت المحنة وعمت المنحة، بتخلص ذي الوزارتين الكاتب الأجل صاحب المظالم أبي عبد الرحمن سندي، والخطير من عددي -[أبقاه الله]- من تلك الغمرة، وانتضائه بالاستقلال من العثرة، واستقرت الحال - أيدك الله - بدءا وعودا، عما قصر أوفر الحمد، ونشر عنك أنضر العهد، فجازاك الله أفضل ما جازى علما من أعلام الوفاء، ووفاك أكرم ما وفى متقدما في أحوال الصفاء، متوحدا بجميل المقام وجليل الغناء، وخاطبتك معلما بحقيقة اعتزازي بما يسر الله على يديك من هذه العائدة، وسناه
[ ٥ / ٣٩ ]
بلطف توصلك إلى هذه الفائدة، فلو خصصت بذلك من يشاركني بالنسبة وهو قسيمي في اللحمة، لم يعدل عندي بما أوليت في جانب من أعزه الله بإتمام النعمة، فقد كان تألمي من إساءة الدهر في هضمه، وتطاول خطوبه النكر إلى ظلمه، بازاء ما يقضيه الاعتداد بفضله، والابتهاج بشرف محله؛ إذ كانت النفس تشفق من حادثة تصيب نبيها من الأخوان، فضلا عن نائبة تحل بساحة جليل من الأعيان، والله تعالى يصرف النوب عن فنائك، ويكف المحاذر دون ألاجائك، بمنه.
قال أبو الحسن: ونأخذ هنا من أخبار الوزير الأجل أبي بكر ابن عبد العزيز المذكور، بهذا الموضع، حسبما اقتضاه سرد الكلام، وأدى إليه شرط النظام.
كان أبو بكر أحد من سبق وادعا، وتجاوز ذروة الشرف متواضعا، كتب أبوه عن الوزير الكاتب أبي عامر بن التاكرني أيام وزارته لعبد العزيز ابن أبي عامر، وأبو عامر أطلع جده، وأرهف حده، وبلغ به الذرى، حتى قيل: " كل الصيد في جوف الفرا ".
[ ٥ / ٤٠ ]
وقد ذكره أبو مروان ابن حيان فقال: وفي العشر الأواخر من [شهر] جمادي الآخرة سنة ست وخمسين نعي إلينا وزير بلنسية، ابن عبد العزيز، وكان - على خمول أصله في الجماعة - من أراجح كبار الكتاب، الطالعين في دمس هذه الفتنة المدلهمة، وذوي [١٠ أ] السداد من وزراء ملوكها، ذا حنكة ومعرفة، وارتياض وتجربة، وهدي وقوام سيرة، إلى ثراء وصيانة؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال أبو الحسن: ووزر أبو بكر بعد أبيه لعبد الملك بن عبد العزيز المتلقب - كان - من الألقاب السلطانية بالمظفر، فقطع ووصل، واضطلع بما حمل، ودارت عليه الرياسة مدارا لم تدره رحى على قطب، واشتملت عليه السياسة اشتمالا لم تشتمله جناجن على قلب: من رجل ركب أعناق خطوبها، صعبها وركوبها، وامترى أخلاف شآبيبها، منهلها وسكوبها، فلما قص يحيى بن ذي النون الملقب بالمأمون آثار آل ابن أبي عامر، واجتث أصلهم من بلنسية آخر الدهر [الداهر]- حسبما سنأتي عليه، إذا انتهينا إن شتء الله إليه - كان ابن عبد العزيز، زعموا، أحد من أقام ميلها، وأوضح لابن ذي النون سبلها، حتى خلصت له وخلص لها، فكافأه ابن ذي النون لأول تملكه إياها بأن ولاه أمورها، وحلاه شذورها، ولاث بحقويه سياستها وتدبيرها، فسامى الفراقد
[ ٥ / ٤١ ]
وتألف الشارد، وفدح الحاسد، وقهر العدو المكايد، وهو ابن ذي النون قريب على البعد، وحاله عنده جديد على قدم العهد. فلما مات يحيى بن ذي النون صفت مساربه، وخلا له جانبه، وضعف عنه طالبه، وكان خليقا بسموه، مهيبا في صدر عدوه، طاول الجبال بالآكام، وفل السيوف بالأقلام، متشبها في مخالصة الإمارة، من خصاصة الوزارة، بأبي الحزم بن جهور، فتم له من ذلك ما نيف على المراد، وأطال غم الأعداء والحساد، واجتمع عنده من سعة المال، وفخامة الحال، ونضرة الإقبال، وآلات الجلال، ما سار في البلاد، وقصر عنه كثير من الأشكال والأضداد.
ومن أعجب ما هيأ له الزمان، وأغرب ما سارت عنه به الركبان، أن ابن هود لما سما إلى دانية فورد صفوتها، واقتعد ذروتها، فيل أهل بلده رأيه، وعجزوا سعيه، في قصوره عن بلنسية، إذ كانت أدنى لمن يريدها، وأجنى على من يستفيدها، لوفور غلاتها، وتمام أدواتها، واعجاز خواصها وذواتها، ولخلوها عندهم من ملك يفي
[ ٥ / ٤٢ ]
بمقدارها، ويذب عن عقر دارها، فجاهروه بتعجيزهم [١٠ب] وشاعت على الألسنة أعجوبة من ترجيزهم، كلمات في أعجمية مزدوجة، معناها: ما أحمق هذا وأهوجه، عجز عن الأيم ونكح المزوجة؛ وحين تلقفها من الألسنة، انتبه لها لا من سنة، وداخل الطاغية أذفونش مفزع آمالهم، وظهير بطالتهم وباطلهم، على عادتهم، معشر الخلفاء، من استنابته في زحوفهم، وإجابته إلى مر حتوفهم، سعيا عمهم بتنكيل، ومكرا أحاقه الله بهم عما قليل؛ فاشترى منه بلنسية يومئذ [زعموا] بمائة ألف دينار، تقرب إليه بحاضرها، وأعطاه رهنا كفافا بسائرها، فغزا بلنسية وقته في جيش تضاءلت ذرى أطوادها عن أعلامه، وتناكرت وجوه نجومها تحت قتامة، فلم يركز لواءه، ولا رفع بناءه، حتى خرج إليه ابن عبد العزيز منسلخا من عديده، في ثياب جمعته وعيده، فكلمه بما أرق قلبه، وكف غربه، وكان مما قال له: هي بلادك فقدم من شئت وأخر، ونحن طاعتك وقوادك فأقلل منا أو أكثر، في شبيه ذلك من لين القول الذي يسل الأحقاد، ويتألف الأضداد، فانصرف عنه وقد ألحفه جناح حمايته، ووطأ له كنفا من عنايته، ورجع ابن هود وقد نفض يديه، وأصبحت نفقته حسرة عليه، وكان الطاغية بعد ذلك، كلما جرى ذكر ابن عبد العزيز
[ ٥ / ٤٣ ]
شايعه وتولاه، واسترجحه وزكاه، حتى كان يقول - لعنة الله -: رجال الأندلس ثلاثة: أبو بكر ابن عبد العزيز و[أبو بكر] ابن عمار وششنند، وسأجري في أخبار ابن ذي النون طرفا من ذكره، وأشير إلى جهة من مآل لأمره.
بقية ما استخرجته من رسائل ابن طاهر السلطانيات
فصل له من رقعة خاطب بها ابن عباد يقول فيها: من وجد سلفه على مذهب من الخير بين، وسنن من الفضل متبين، سره أن يتحلى بتلك الخلق، ويتجلى من تلك الأفق، وإن الزمان اللدن الذي انقضى، وامحت صورته الحسنى، نظم بين ذي الوزارتين القاضي جدك وبين أبي مولاي، كان ﵀، عقد الصلة، وأربم بينهما حبل الخلة، وشق بينهما المصافاة شق الأبلمة، وأطلعهما نجمين في أكابر تلك اللمة، يفترقان عند الاستعمال، ويحملان يومئذ مضلع الأثقال، إلى أن امتزجت بهما الحال امتزاجا، وكان كل واحد منهما لنفس صاحبه غذاء ومزاجا، ولم يقنع من ذلك الالتفاف، بواقعة الكفاف، حتى أتم
[ ٥ / ٤٤ ]
[١١أ] صنائعه، ورقم وشائعه، خلال ما ابتداه، ونهجه وهياه، فضمنا والرئيس الأجل أباك معتمدي - وكان - رشي الله عنه في زمرة الطلبة، والأسرة منهم المنتجبة، ورتعا في رياض الاصطحاب، واستذرينا من أدواحها بأمثال السحاب، نصيب من بردها ودرها، إلى أن أطلعت الأيام شجر مرها، برائع الفراق، ولم نشف الأشواق، وأقبلت الفتن والمحن تنساق؛ فلما اطمأنت بك قدم الرياسة، واستقرت منك في شخص السيادة والنفاسة، جعلت الهمة تتطلع، والارادة مني تنقاد وتتبع، في الإلمام بمداخلتك، والتسبب لمطالعتك، ليلتئم باعتلاقك ذلك الشعب، ويستريح من برحائه القلب، والأيام على شيمها وشومها، في عوارضها ولومها؛ إلا أني مع ذلك لم أخل مشاهدتي من الذكر لك، والفخر بك، حتى وافى رسولك الناحية، فمددت يد المخاطبة لك، وأحببت فتحها معك، لأعلق منك كفي، بماجد يكون ركني وكهفي، واثقا بحسن المقابلة والقبول، عارضا ودي بمهب الصبا والقبول، فإن مننت بالمراجعة فذلك البغية والمراد، وإلا فما أخطأ الاجتهاد، والله ييسر المرتجى منك، ويدفع محذور النائبات عنك، [بقدرته الباهرة ومشيئته العالية] .
وله من أخرى [اليه]: الآن سفرت من الأيام الخدود، واهتز منها
[ ٥ / ٤٥ ]
غصنها الأملود، ووثقت نفوس بالنجاح، ودنا غمامها المطلوب حتى كاد يدرك بالراح، لما أتت البشرى عن مولاي باقترابه، وتعلقت الدنيا بأثوابه، ولاذ به الإسلام، وعز جانبه المستضام، وما زلت أترقب الزمان أن يخطرني بباله، ويعرضني على اهتباله، فإذا به على ازوراره، لا يبالي من صلي بناره، فكيف أذم الزمان ومولاي فيه، وهو تابع أوامره ونواهيه، لا زال جده مقبلا، وسعده متصلا، ما صدع الفجر، وطلع البدر.
وله من جواب على كتاب: ورد كتابه العزيز الذي شفع به المنن الروائح والغوادي، فوريت بمضمنه زنادي، وأخصب من مستودعه مرادي، وتأتى بما التمحته مرادي، وتصفحت الطول وافي الذوائب، متصل السحائب، ولبست ثوب الإجمال، سابغ الأذيال، واسع الأضلال، والله يبقيه للواء الفضل يرفعه، وشتيت المكارم يجمعه.
وفي فصل منها: وأما كتابك فكان جوابا ما أحسب! وبيانا نا أعذب! أنس من وحشة، وألبس منه بعد منة، ووقفت منه على ما ملأ جوانحي مسرة، وبسط من وجهي أسرة، وحمدت الله تعالى [١١ب] بالنعمة علي في ذلك، وبما هيأة الله على يدك هنالك، وما زلتم معشر هذه
[ ٥ / ٤٦ ]
السلمة الكريمة، الزكية الأورمة، تشيدون البناء، وتخلدون الثناء، وتحفظون الأرجاء، وتمدون الرفاء، وأني بمثل سياستكم فيما فتحه الله على المظفر - لقد أخضعتم الرقاب، وأطرتم الألباب.
وفي فصل من أخرى: [ورد لك كتاب كريم وثغور] مجدك مبتسمة منه، وألسنة سروك ناطقة عنه، فطرد العبوس، وأحيا بخيره النفوس، فهنئت هذا الشرف التليد، والمذهب الحميد، وزادك الله جمالا، كما اختار لك جلالا؛ وتناولت المدرجة الكريمة التي خطتها اليد العزيزة، وجعلتها بيني وبين الحوادث شعارا ودثارا، إذ تبينت فيها مخايل وآثارا، بعد أن وضعتها تكرمة على رأسي، وأحييت بها أملي ونفسي، وتوليت من الدعاء المخلص ما الله تعالى سامعه لك، ومحققه فيك. فأما الشكر فلو أني فيه موصول اللسان، بلسان الزمان، لما وقيت بحقك منه، ولما قضيت وطرا به، إلا أني على قصوري عنه سأبرزه في غلائله، كالربيع في أوائله.
وخاطبه ذو الرياستين [حسام الدولة أبو مروان] ابن رزين برقعة يخطب فيها وداده، ويستميل فؤاده، فراجعه ابن طاهر برقعة يقول
[ ٥ / ٤٧ ]
فيها: كل المعالي - أدام الله تأييد الحاجب ذي الرياستين - إليه ابتسامها، وفي يديه انتظامها، وعليه إصفاقها، ولديه إشراقها، وإن كتابه الرفيع وافاني فكان كالزهر الجني، والبشرى أتت بعد النعي، سرى إلى نفسي فأحياها، وسلى عني خطوب الكروب وجلاها، فلتأتينه مني بالثناء الركائب، تحمله أعجازها والغوارب؛ وأما ما وصف به - أيده الله - الأيام من ذميم خبرا، ولقد رددتها على أعقابها نكرا، فلم أخضع لجفوتها، ولم أتضعضع لنبوتها، وعلمت أنها الدنيا قليل بقاؤها، وشيك فناؤها، وفي ذلك أنشدوا:
تفانى الرجال على حبها وما يحصلون على طائل
ومع ذلك ما عدمت من الله سترا كثيفا، ولا صنعا لطيفا، له الحمد ما ذر شارق، وأومض بارق.
ورأيت ما انتدب اليه - أيده الله بسنانه - من الشفاعة عند القائد الأعلى - أعزه الله -، والصدق مواعده، وقد كان بدأني بالإجمال لو عاد عائده، وبيد الله تعالى [١٢أ] الأمور يقضيها، عليه التوكل فيها
[ ٥ / ٤٨ ]
وفهمت ما أومى إليه من التنقل إلى ذراه، والورود على نداه، وأنى لي بذلك وقد قيدتني الهموم فما أستطيع نهضا ولا أتقدم، ولو أطقت ذلك لعدت العمر غضا جديدا، ولقيت الكمال شخصا وحيدا، عند من تقر بسوابقه العجم والعرب، وتؤكل خلائقه [بالضمير] وتشرب.
قال أبو الحسن: وكان ذو الرياستين قد رأى لو انتقل ابن طاهر إلى ذراه، أن يستمد برأيه ونهاه، وهيهات! أبو عبد الرحمن كان أصون لفضله، وأفطن بالزمان وأهله، من أن ينخدع بمنتقل ظله، ويحكمه فيما أبقت الخطوب من جلالته ونبله: من رجل شديد الإعجاب [كان] بأمره، بعيد الذهاب بقدره، زاريا على زعماء أهل عصره، إن ذكرت الخيل فزيدها، أو الدهاة فسعيدها وسعدها، أو الشعراء فجرولها ولبيدها، أو الأمراء فزيادها ويزيدها، أو الكتابة فبديع همذان، أو الخطابة ففي حرام سبحان، أو النقد فقدامة، أو العلم فلست من رجاله ولا كرامة، وليس له من ذلك كله إلا البراءة من الإحسان، والاستطالة بمكانه من السلطان، أبى الله الا انهماكه في الشراب والشطرنج، وكان على ذلك ضيق الفناء، جهم اللقاء/ أحذق الناس بحرمان من قصده، وأشدهم احتمالا لمن لامه في البخل وفنده، وانتحاه بأصناف الذم واعتمده، على ما كان يداخله من كبر، ويعتقده لنفسه من جلالة
[ ٥ / ٤٩ ]
قدر، وكان الشاعر إذا وفد عليه، أو مثل بين يديه، أخذ يناقشه الحساب، ويغلق دونه الأبواب، وينتحيه بضروب نقده، ويصب عليه من شآبيب برده، حتى يخرج بين الحائط والباب، ويرضى من الغنيمة بالاياب، على ذلك حجج أصحها جهله، وأوضحها بخله.
حدثني من شهد ذا الوزارتين ابن عمار - المتقدم الذكر - وهو يقول: إيه عنك يا ذا الوزارتين! بأي شيء عارضت قصيدتي:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى
أبقولك في أول قصيدة:
أشممت نشرك أم شممت العنبرا
ومصصت ريقك أم مصصت السكرا
ومن ذكر هذا وأشباهه من القول، حتى عدل به عن سبيل الطرب، وكاد ينشق عليه جلده من الغضب.
وأخبرني من سمع ابن رزين في ذلك المجلس أو نظيره يقول [١٢ب] لمسلم المغني، وكان بحضرته يومئذ: أنا والله أغنى منك، وأشعر من ذلك يعني ابن عمار، فقال له ابن عمار، بذرب جنانه، وسلاطة لسانه: وأرقص ممن - أعزك الله - فلم يحر جوابا، وعاد نشاطه إطراقا واكتئابا.
وكان أدخل نفسه أيام إناخة الأمير مزدلي على بلنسية، فما أمر
[ ٥ / ٥٠ ]
ولا أحلى، ولا سبق ولا صلى، ومات في أثناء ذلك، ونصب ابنه مكانه هنالك، فضاق مداه، وأسلمه في يد أمير المسلمين ما قدمت يداه، فنسي.
ومن رسائل ابن طاهر الاخوانيات وما يجانسها
نسخة [من] رقعة يقول فيها: المرء إذا تحقق تأميله، وعرفت في المودة سبيله، تناسبت مذاهبه، وتجانست ضرائبه، وإنك - أحسن الله وقامك وظعنك - لما امتطيت ركاب النوى، وتجرد منك ربع الغرب وأقوى، كحل السهاد جفني، وتمكن [الاشفاق مني، وأخذت نفسي في الذهوب، وشمس أنسي في الغروب، حتى طلع] البشير يالقفول، فجعلت حينئذ أقول:
لله نذر واجب ولك البشارة يارسول
وثابت إلي المسرة، كأول مرة، وظلت أمرح في أثوابها، وأنى لي بها، فالحمد لله على صنعه الكريم، ومنه الجسيم، أشكره شكر من استعلى بسلامتك قدحه، وعاد بإيابك صبحه، وأسأله الإطالة في بقائك، والصيانة لحوبائك.
وله من أخرى: الآن ساغ للكلام الالتماس، وساعدت في معالجته الأنفاس، وتبادرت إلى إثباته الأنامل، وخف فيه القلم العامل، حين أعيد إلى الجسم فؤاده، ورد في البصر نوره وسواده، بأوبتك التي
[ ٥ / ٥١ ]
بسطت مني ما انقبض، وهدتني إلى البيان وقد أغمض، فلم أجد في فم الشكوى ريقا، ولا إلى إيضاح ما ألقى طريقا، فلما وافى بأخذك في الصدر البشير، ووقع بلحاقك التقدير، فكأنما أنت انتشطت من عقال، وأمنت من نكس بعد إبلال، فثاب إلي من نافر القول ثائبه، وتراجع لدي غائبه وغاربه.
وله من أخرى: فرط المسرة على الإطالة باعث، وبالكلام عابث، ولا سيما إذا طلعت بعد أفول، وآذنت من خل بقفول، فلا تنكرن من مقالي، ما يميله لسان الشوق من حالي. لما تحققت [خبر] تغيبك، لا عدمت [١٣أ] الأنس بسببك، هاجني من ذكرك هائج، ومسني منه حرق واهج، شرد لي منامي، وردد قعودي وقيامي، وأقرح المآقي، وبلغ بالنفس الترتقي، تأسفا لبعدك، ومحالفة للهموم من بعدك.
وله من أخرى: قد أثقلتني عوارفك - أعزك الله - حتى أبقيت لي يدا تنظم، ولا لسانا يعرب عما في الضمير لك ويفهم، فأنا لك رهين أياد لا تستقل بها الركاب، ولا يقوم بشكرها الإطناب والإسهاب، وإذا كان العجز عن مجازاة برك أملك وأحصر، والعيان في ذلك عن شفوفك وتقدمك أنطق وأخبر، فالاعتراف لك بالتأخر عن مضمارك أجد ما سمعت إليه همة الآمل، وسايرت إلى مدى سبقه يد
[ ٥ / ٥٢ ]
المتطاول، والرب تعالى ينظم لك أشتات المحاسن والأثر، كما أحيا بسنائك كريم الآثار والسير؛ وإن كتابك - لا عدمته من روض ناضر، وأنس محاضر - وردني مفتتحا للفضل والتهمم، وعارضا صدق مشاركتك في حالتي الصحة والسقم، وإن الذي بلغك من الالتياث المطيف بي، والوهن المساور لي، أثار لفكرك - أنعمه الله - شغلا، وحمل خاطرك - أصحه الله - ثقلا، إلى ما وصل ذلك من سؤال ملطف، وإيراد من قليب السحر مغترف، فقمت لهذه الصلة الكريمة على قدم التعظيم، ووفيتها قسط الشكر محلى بالتوفية والتتميم، وقلت: لله فعل كريم، يقثل الرقاب، ويسترق الألباب.
وله من أخرى: لما تراخت المطالعة بيننا، وتصدت الموانع لنا، حركني إليك عهد كريم، وود بين الجوانح مقيم، وعندي من ذكري لك، وشوقي نحوك، ما لا يأتي عليه البيان، ولا يتسع له الزمان، وأما شكري لمشاركتك، وثنائي على مظاهرتك، فبحيث يقنع الربيع حياء، ويفضح الغصون لدونة وانثناء، ويكسب الماء عذوبة، والحجر رطوبة.
وله من أخرى يعاتب بعض الأقارب:
وإذا الفتى صحب التباعد واكتسى كبرا غلي فلست من أصحابه
نعم، أعاذني الله من موجدتك، ولا حرمني جميل رفقك وتؤدتك
[ ٥ / ٥٣ ]
فإني قرأت الكتاب الكريم الذي أطلت من جناحه، وأطنبت ما شئت في إفصاحه، وأكثرت من أناشيده وأهزاجه، وغيرت من عذبه بأجاجه، فجدد أي رسوم إيناسك، وهب بمعلول أنفاسك [١٣ب] وذكر بأيامك المراض، ونشر من ألفاظك العوارض:
كلام لو أن اللحم يصلى بحره غريضا أتى أصحابه وهو منضج
ما البدر يجتلى في أعقاب أسحاره، ولا الربيع يختال في أثواب أنواره وأزهاره، بأوضح من شياته، وأملح من كلماته، صدرت بقول ابن الحسين:
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة لو أن أمركم من أمرنا أمم
وإذا ذكر حكمته ومعجزته:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
وضربت المثل في صحيفة قريش على بني هاشم الأخيار، وأغلفت ما كان من تسلطهم على الجار، وأردفت بقوله ﵇ [في من وصل أو قطع الرحم، وتركت كلامه على تفرده]: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "، فوعيت الكل عنك وعيا، واستوفيته شريا وأريا، وتصرفت بين محظور منه ومباح، واستمعت فيه إلى استعطاف لي واستصلاح، ولعمرك - وقيت الردى، وجنبت الهوى - ما صدر [صدور قال
[ ٥ / ٥٤ ]
ولا فسد لقيل وقال؛ ما تركتك توسد] للجاجك، إلا وقد يئست من علاجك، تمد في غلوائك، وتجد في استعلائك.
وفي فصل منها: وايم الله يا معشر القرابة ما وجدت أبي [﵀] يستكثر بكم من قلة، ولا يفزع إلى رأيكم في ملمة، ولا يمتاركم عند نفقة، ولا يمتاز منكم على ما به من علو مرتبة، يكلؤكم هاجعين، ويقيمكم مائلين، فإنما أنتم عيال مبرة، وأمال درة، وأتلاء عقبة، وأشلاء لولا غمامة سيبه، وأنا أقفو أثرا هاديا، وأقتدح زندا واريا:
لا أحتذي خلق القصي ولا أرى متشبها في سؤدد بغريب
وكذا النجابة لا يكون تمامها بنجيب قوم ليس بابن نجيب
فمن أقبل منكم قبلت وده، ومن تولى تركت رده، لا اترفع ولا أتقلع، كما لا أتخشع ولا أتصنع.
ومن أخرى: التأميل، إذا ثبت فيه الدليل، وعضدته [من] المودة شواهد، يؤيدها الاختيار الناقد، لم يسترب بجانبه، ولا يفزع ماء الملام على مذانبه، فيما تحظر منه موانع الانشغال، وتحجر عنه مخافة الإضجار والإملال، من مطالعة يجتنى بها زهر الكلام، ويروى بها ظمأ الأفهام
[ ٥ / ٥٥ ]
وأنا - أدام الله أيام بهجتك -، وإن قصر بي عن متابعة المداخلة جلالتك، واقتصرت بي على ما تحققته من إخلاصي وتعويلي إحاطتك، فغير مفارق لدعاء صالح أرفعه، ولا لإهمال واجب لك أضيعه، إذ أشخاص آمالي بك استشرافها [١٤أ] وعليك انحطاطها والتفافها، ونحوك تثنى أجيادها، وإليك تبارى جيادها، فمهما وقع تفريط، فالعذر فيه مبسوط، والقلب بودك مغمور، وبالذكر لك معمور، ولما جد بي الشوق جده، وتجاوز بي حده، أعلمت في هذه الأحرف أنملي، وأملى خاطري واللوعة لا تكاد تملي، [لتنعم بمراجعتي شافيا بشرح أحوالك، لا زالت زهاء أملك، ممتنا، إن شاء الله] .
ومن أخرى: أما جنوحي إليك واعتدادي، واقتصاري عليك واعتمادي، فقد وضح نهاره، وتفتح بهاره، ما المسك إلا دونه، وكثير له أن يكونه؛ وقد علمت أني واليت أمير المسلمين وناصر الدين [أبا يعقوب يوسف بن تاشفين] فيما منيت به من الأهوال، وتصرف الأحوال، فأخر أمره المقدار، وليس للمرء الخيار، وناديته الآن نداء مستصرخ قد انقطعت به الانتساب، أعار بياني عنده بسطا، ونص عليه من اختلالي فرطا، ودعاه إلى ما يجده عند الله محضرا يوم القيامة، وما
[ ٥ / ٥٦ ]
يبقى إلا الأحاديث والذكر، ولك بما تأتيه المن والشكر، [ثم] لا يزال له به دعاء مرفوع، وثناء على أعجاز الركائب موضوع، وأنا أستنهض سروك بحسن المناب، إذ أعلقت سبي منك بأشرف الأسباب، ثقة بمجدك، ومعرفة بجدك، ومن مثلك فليكن الصنع، والمحتد الرفيع ينبت حوله الفزع، ومراجعتك الكريمة مؤنسة، وعن النفس منفسة.
وله من أخرى: كثيرا ما كنت أسمع إنشاد هذا البيت:
إذا أيقظتك حروب العدا فنبه لها عمرا ثم نم
فلا أدري من عمر، إلى أن مررت ببالي فقلت: هو هو، أخو الحياء والإنصاف، ومشرب الأدب الصاف، وانك أبا حفص - على ما فيك من عظيم الانقياض، وعليك من سربال الحياء الفضفاض - لقبس بيد المسترشد، وسهم في يد الرامي المسدد، خبأك الله فضيلة لإخوانك، وطرفت دونك عين زمانك.
له من أخرى: وردني من لدنك كتاب وقفت به من مشهدك الحسن. وغيبك المؤتمن، على ما عرفت يقينه، ووجدت قبلي قرينه، ثناء عليك يتأرج، وجدة إخلاص [لك] لا تنهج، والله يديم خلتنا نيرة سرجها، ضخما بسلامتك ثبجها.
[ ٥ / ٥٧ ]
ثم رأيت ما نشرته من الرغبة [١٤ب] في جبر فلان، قبحه الله من إنسان، وعاد فسوق، له في البغي أكثف سوق، وكل شفاعتكم عندي مقبول، فالقلب على مودتكم مجبول، لكنها معوذة من أن يدنس بذلك الساقط طاهرها، وما قتل أرضا جابرها، فليكن عندك نسمة حرب، وقرارة ريب، ليس كما نحلته من الخلال، ولا كما قلته في الأحوال؛ ووصفته بالحج وإنما حجت العير، وبالنفقة وإنما هو منه الخلي الفقير، وبالقراءة وما يحفظ التنزيل، ولا يميز المحرف من الحروف ولا المستطيل.
جملة ما وجدت له من الرسائل، في الشفاعات والوسائل
فصل له من رقعة في صفة الأستاذ أبي القاسم عبد الدائم: نحن لا ننزل بالخلة، منازل الخلة، فنتناولها بأطراف البنان، ونسلك بها شعب أهل الزمان، بل نصونها في مضمر القلب، ونحفظها على النأي والقرب، [وإنك - ما علمت - شيمتك الوفاء، وقرارتك] الصفاء، وبعد: فما زلت مفيدي ضروب الفوائد، ومقلدي عجائب القلائد، حتى كأنك
[ ٥ / ٥٨ ]
إذا رأيت ما بأرضي من الأدب الماحل، والفهم الناحل، أنزلت عليها الماء فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.
وقد طوقتني بالأديب أبي القاسم عبد الدائم - حرسه الله طوق الحمامة، وسقيتني به در الغمامة، فتنفست أنفاس العراق، واجتليت محاسن كالجمع بعد الفراق، فأنا الشاكر صنعك، القائم معك. ولقد لطف فيما ألف، وأوضع فيما وضع، فسرد المعاني أجمل سرد، ونثر الفقر نثر الجمان من عقد، وصرف المتأمل فيه بين جد وهزل، ونقله على أقتاب بين حقاق وبزل، وقد قبلت ما أهداه ووضعه على الرأس إكراما، وجعلت له الحمد لزاما وزماما، فلله أنت ولله هو! لقد شددتما أزر العلم، وأحييتما عافي الرسم، وهنيئا لقطركما لقد تدفق بكما سيله، وتفرى عن صباكما ليله؛ وتصفحت ما قرن بتلك الأسفار، من منتقى الأشعار، يتخللها من الكلم السلسال، والمثل المنثال، ما يستنزل الطير من وكناته، ويفضح عمرو البيان في نزعاته، فشهدت لقد أوتي البسطة والفنون، إن سلم من العيون.
[ ٥ / ٥٩ ]
وكان وصول الكل على يدي فلان، وقد وصفه بصفاته، وصقله بمراعاته، وقد حملته ما أتغطى منه، إن لم يكن بفضلك المعتذر عنه.
وله أيضا من أخرى فيه: [١٥أ] إذا شئت - أعزك الله - أن تجلو البصر، وتحبو الفكر، فقد وافتك الأيام بجلائها، ووفرت لك من حبائها. ويوافيك بكتابي - وافتك الآمال - الأديب الحلو الحلال، أبو القاسم عبد الدائم، قاصدك [وسيدي] أبقاه الله، وستلقى به الأدب الموفى، والذهب المصفى، ونهزة الأصحاب، ونزهة الألباب. وقد كانت استقرت به الدار عندي، وأضاء به أفقي وزندي، حتى أوجدته النفس أدواء، وآثر لمكانك لها شفاء، حيث المحل فسيح، والهواء صحيح، والطبيب موات، غير آب ولا عات؛ وقد دعوت الله أن يبرئه من وصبه، ويرعاه في تقلبه، وأنت بمجدك تؤمن على الدعاء، وتبتدر هذا العلق بالاحتواء، وتلزمه [من] مهرة الاطباء كل [محمود] النقيبة، مأمون الضريبة، وكم بذلك من ثناء ترتديه، وعلاء تحتويه، لا زال
[ ٥ / ٦٠ ]
مثل هذا النجم طالعا في سمائك، وزاد [الله] في مضائك وبهائك، بقدرته الغالبة الباهرة.
ومن أخرى: وفلان ممن يأوي إلى خير وصلاح، ويستضيء من طلب العلم بمصباح، وبحسب ذلك أحب حياطته، وأريد إرادته، ورغبتي حفية لدى مجدك في أن ضعه منك ببال، وتخفف ما يطرأ عليه من أثقال، وتقلده من محافظتك ما يحصل به على مزية حال، حتى يرى عليه أثر الشافع، وتلذ خبره أذن السامع، وثقتي بما خططت لك من سطوري هذه، أغنتني عن الاحتفال، والإلحاف في السؤال، وأنت أرطب عودا، وأخصب نائلا وجودا، من أن يثنيك عن العلا ثان، أو يفتقر المشفوع لك فيه إلى ضمان، فان حاشيته من تلك النوائب والدقائق، سار شكري اليك سير الفيالق، يوافيك بأحشاده، ويضيق جوك بأعداده، بقيت ربعا يحط إليه، وثمالا يعول عليه، وقدرك سام، وزمانك مناضل عنك رام، وإنما أنت ركن الفضل وأسه، وزين الدهر وأنسه، ومركز الكرم وقطبه، وعين الشرف وقلبه.
وله من أخرى: لما استحكم ما بيننا استحكام البنيان ذي القواعد
[ ٥ / ٦١ ]
وصار ذلك مستقرا في علم الصادر والوارد، جعلت إليك شفيعا، وارتجي النجح بي وشيكا سريعا. وتصل أحرفي هذه على يدي فلان من أهل شلب، ممن كانت له حال بذلك الغرب، إلا أن عادة الأيام في مثله مبلوة، ومنازلهم عندها مجفوة، ونبذته عن الوطن والصميم، كما ينبذ الكراع من [١٥ب] الأديم، واعتمد هذا الوفق، يرجو فيه الرفق، وأنت محط أمله، ويد عمله، آثرك لتثير له أمرا يتقلده، فانك منجز به متعهده، ورغبتي مؤكدة إلى مجدك فيه، فله خلال تحظيه، وما يقع عنده من حسن صنيعتك فهو واقع من اعتداده وودادي، موقع الماء من ذي الغلة الصادي، وما خططت له بيدي، إلا تكرمة لأمره، ومبالغة في بره، لمكانه عندي، وتفعل يا معتمدي ما تحصل به على العاطر من شكري وحمدي، إن شاء الله.
وله من أخرى: أكرم يد - أعزك الله - يطوقها المرء جيد مجده، ويزين بها ديوان حمده، ما سد خلة من حسيب، أقعدته يد الدهر المريب، وموصلة - وصل الله حرمتك بالسلامة من نكد الأيام - ابن المستعين بالله - ﵁ وأرضاه - توسل بي إلى مكارمك في ترميق حالته، والرم لحوالته، لما جفت غضارته العيش من رغد النعمة، وحول إلى الضيق بعد السعة، وإلى التجول من الدعة، ومثلك - ولا مثيل لك - رق لما به [-] سرفه ونصابه، واغتنم
[ ٥ / ٦٢ ]
الصنيعة، وحقق ضماني عنده وما يرتجيه، فانك ستجزى بما تسديه، أجمل الذكر، وأحفل الشكر، مع الأجر المغبوط، والذخر المحوط، والله لا يعدمك ارتهان المنن وارتباط الأحرار، ويحرسك من حوادث الليل والنهار.
وله من أخرى: لم تزل - أعزك الله - من الظلم معصرا، وعند عماه مبصرا، وعلى الخير معانا، وللفضل عنوانا؛ وموصل كتابي له طلب قد دثر طلله، بالأفق الذي بك ازديانه وتجمله، وتوجه باذن المظفر لاستخراجه، وتشخيصه على منهاجه، ولا غنى به عن كريم مؤازرتك، ومعلوم سيادتك، برأي حسن يظهر فيه، يكون معه دنو وطره وتأتيه، وأنا أسأل سناك العناية بأمره، وإيثار العدل الذي لست مع غيره، وللرجل إلي أذمة قديمة، وقد استوجب على علاك بذلك، غاية محافظتك واهتبالك، وهو مورد عليك شانه، ومظهر إليك برهانه، وفضلك في الاصابة إليه، والدلالة على ما حزت به الصواب من طرفيه، مرتهنا حمدي، ومعيدا لليد البيضاء عندي.
وفي فصل من أخرى: ومؤدي كتابي هذا لما تناكرت له الأيام، وأعوزه في استصلاحها المرام، آثر جواري [١٦أ] وقصد داري، وما انتقل من ظلك إلا ظلك، ولا تعوض من محلك إلا بمحلك، فسكن سكون المريح من تعبه، البعيد عن نوبه، ينتظر أن تنظر إليه عواطفك، وتستجد عليه عوارفك، حتى إذا كان الآن، ورأى عنان
[ ٥ / ٦٣ ]
زمانه قد لان، نبهني ونام، وذكرني الذمام، فوكلت عزمي برعيه توكيلا، واستقبلت وجه كرامتي لديك تقبيلا، أسألك فضلك المعهود، وشرفك المسود لا المسود، في أن ترفع عنه إساءة الحادثات، وتجمع له شملا من يد الشتات، وتوجده سنن الحاجات إليك سهلا، وتقول لذي العداوة فيه مهلا، وهذا - أعزك الله - يربي لك ما سلف من الأيادي، ويخط سطورها لك في سواد فؤادي، وأشكرك عنه كما شكر الروض صباه، والعمر صباه.
وله من أخرى إلى ابن العطار، وقد ثنيت له الوزارة: في إحاطتك الوافية، ودرايتك الوافرة، أني بك راجح ميزان الذخر، منهل ماء الفخر، ثري أرض الود، عطر رائحة العهد، وأن بشراي تتابعت أن هلالك في الوزارة طلع بدرا، وأن نداءك بها صار شفعا وكان وترا، فقلت: ساقها شغفها، وزانها شرفه لا شرفها، فليهنها حلولك بفرقديها، وجمعك بين نسريها، وأنك مقلدها من خلالك فذا وتوأما، وملبسها من صفاتك طرزا وأعلاما، حسن يقين، ومتانة دين
[ ٥ / ٦٤ ]
وطيب جذم، ورسوخ ورع وعلم، وأدبا كالروض نبهه الصبا، وكرما كالغيث غمر الربى، ولقد قعدت للتهنئة فأقبلت إلي هواديها، وانثالت علي من حواضرها وبواديها [جميعهم يضحك ويسر، ويقول لكل أناس في جميلهم خبر، أوله كلامي، وإليك مقامي] فان تقدمت فبفرط الهبة، وان تأخرت فلعظم الهيبة.
ومن رسائله في الدعابة والهزل
فصل له من جواب على كتاب [عتاب] لابن عبدوس لتقديمه صاحبيه، في عنوان رقعة عليه:
وردني من لدنك كتاب كريم انهلت علي منه سحائب فكاهتك ودقا، فلم يترك لي من فرط الضحك شدقا، مما عذب استماعه، وذهب بالإبداع اختراعه، وان كنت قد تعديت طورك، وغلبت ظنك وحكمت جورك، ولم تحاسب نفسك عند الهجوم، بما تقلع عنه من الإفحام والوجوم، إذا أقيمت عليك الحجة، وسدت دونك مناهجها، وعرضت عليك المحجة، وضاقت عنك مخارجها، وعلمت أنك مذنب فيما فعلت، منتشب [١٦ب] فيما دخلت، ووقعت بين ندامة واعتذار
[ ٥ / ٦٥ ]
وتوبة واستغفار، ولو أنك تمعن نظرك، وتدمن تدبرك، لما طارت بك فتخاء نشاطك، ولما توهمت أنك إن جادلت لم أعاطك، كلا، فان خصمك لا ينكل، على أن لسانك الأطول، فكيف أضعك أبا عامر - كما زعمت - موضع قدح الراكب، وأنت بمنزله ما بين العين والحاجب، وأصول بك على الأباعد والأقارب، ولم أذهب إلى تأخيرك في العنوان، وإن كنت شيخ الأوان، إلا عناية بك وتحقيقا لدعاويك، فيما تنكره من سنيك، وبقولك بملء فيك: إنك أصغر القوم سنا لا جسما، ولقد شهدت بما قلت عدوانا وظلما، لأن ما يبدو من تغضبك يكذبني، وحسبي أن العقوبة منك ما مطلتني، وهذا جزاء الافتراء، وعاقبة المسامحة والإغضاء، فأين عزبت عنك بوادر فطنتك، أم أين غربت شمس فهمك وتثبتك - لقد أوليت اليد كفرانا، وقابلت بالاساءة إحسانا، ولو أني وفقت [لصدرت بك]، إذ تجري هذه المعاني على الأنسان، ولدللت على ما يخفيه المقراض من شيبك ويعانيه من هرم شبابك، وقد ولاك قفاه [إعراضا] وطلقك ثلاثا، فحينئذ كنت تحمد وتقول: فدتك النفس والولد، وإنما من الله لعظة لأهل الزور، وعثرة منك بينة العثور، لا أقيلك فيها، ولا أقول لك: لعا، منها.
[ ٥ / ٦٦ ]
ومن أخرى: وقد نظمت أنسا، وبسطت مني نفسا، كان نأيك قبضها، وفراقك أوحشها وأمرضها، ولله هزلك ما أرقه وأعبقه، وجدك ما أروقه وأعتقه، إنك لفارس زمانهما، وغارس بستانهما، وإن كنت أنحيت في عتابك، وأربيت في غلوائك لسجرائك في كتابك، فانه حلو من الرضى، محمول بصحيح الهوى، ولم أشك في الذي تضمنه من نزاعك [نحوي]، والتياعك لعبدي، وفي تلاحظ القلوب سلوة، [وفي تسارب الكتب راحة ونشوة]، أسأل إدالة الانتزاح بقرب يعجله، على ما نؤمله.
وعرضت عليه رقعة رجل يتزهد، وهو بالضد، أطال فيها اللفظ بالوعظ وردد، فأجابه ابن طاهر برقعة يقول في فصل منها: ورد كتابك فوعظ وذكر، ونصح فبصر، ونبه من سنة الغفلة، واغترار المهلة، [١٧أ] وحذر من يوم الندامة، وبعث يوم القيامة، فيرحمك الله من هاد، وخائف معاد، ومبتغي إرشاد، وداع إلى صلاح وسداد، لقد حركت أنفسا قاسية، وهززت جندلة راسية، قد تحكم فيها ضلالها
[ ٥ / ٦٧ ]
وأفرط في الجهالة إيغالها، فمعولك دونها ناب، لا يؤثر فيها بظفر ولا ناب.
وفي فصل منها: ولا يغرنك ما ترى فيه من سمت الوقار، ولزوم الدار، ومداومة التسبيح والاستغفار، فتحت الرغوة مذق، ودون ذلك الشعار من الرياء فسق:
لا تمدحن امرءا حتى تجربه ولا تذمنه من غير تجريب
استخبر من في أفقك، ولا تطلق من عنان قلمك، إلا بعد اجتلاء اليقين، وتحفظ من عدوى القرين، فقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، وأنا أربأ بك من قال وقيل، ومن ذا ينيب حينئذ لحجتك، ويسفر عن وجه القبول لمعذرتك، كلا، فان الله لا يدنس منك طاهرا، ولا يلبس عليك ظاهرا، بل يكشف إليك ما يصرف القول عنك ويعلمك ما لم تكن تعلم.
وله من أخرى إلى بعض إخوانه وقد حضر محاصرة شاطبة: ورأيت مآل الامر بوقوع الحرب، وشروع النقب، وأنه وضعت الملاطيس:
[ ٥ / ٦٨ ]
فقلت: الآن حمي الوطيس. فأرجو أن يصحب الظفر، ويسعد القدر؛ وحدثت أنه دعيت " نزال " فكنت أول نازل، فقلت لمحدثي: أمجد أنت أم هازل -! سيدي أشد بأسا، وأعز نفسا، من أن يرى يوم جلاد، إلا على ظهر جواد، فان لبس زغفا، هزم ألفا، وان تقلد صمصامة، لم يبق هامة. ولكن أذكره بهذه الشهامة، قول أبي دلامة:
ولو أن برغوثا على ظهر قملة يكر على صفي تميم لولت
إذا صوت العصفور طار فؤاده وليث حديد الناب عند الثرائد وقوله:
ووردت أن أنظر عند الصيحة إلى الحكيم أبي جعفر، فتجلي العين منه أحسن منظر، وقد صفف مراهمه، وجمع دراهمه؛ وأما جارنا أبو الخطار، ففي القنا الخطار، وخصصته بالتقدم للصداقة [والجوار]، وأما الفقيه أبو مروان فرائح في قميصه المدلوك، وعليه نصف لجل من الوشي المحوك، يحذر من الفرقة، ويقص على الفرقة، وإنه لأنس في السفر، وزين في الحضر؛ وأما سائر الإخوان، فأرفعهم لغير هذا
[ ٥ / ٦٩ ]
الرهان [١٧ب] والله يبقيك ذخرا للزمان، وعينا في الأوان.
وله من أخرى: خذ هذه النادرة، من يدي هذه الطالعة الفاترة، وأنجز لها مجدك الموعود، وصل عندها فضلك المعهود، فانها تقوم مقام الجيش في الغناء، وتصل الرواح بالغدو في الثناء، ولولا غنة [فيها]، تلفف فكيها وتلويها، لكانت أحسن الناس وصفا، ولا سيما إذا مسحت أنفا، بسبابتها عند الكلام، وحدثت حديث مصر والشام، فهناك يقطف الزهر، وتغرف الدرر:
*ولكن حديثا ما حديث الرواحل *
فهي لا تقنع بشيء سوى الحاصل العاجل، فأقبل على شانها لا زلت قبلة القاصد والآمل.
وله من أخرى [الشيخ أبو الفضل لما] استبدل الجار، أنكر الدار، فحصل من وساوسه في بيت وبال وسقوط، وخشي أن يظن أنه من بقية قوم لوط، وأنى له ويعطى هذه الدرجة، والسقط يحرق الحرجة، ورغب عن تلك الدار متحولا، وقصد مجدك لا يبغي سواه معولا.
ومن أخرى: هذه - أعزك الله - عربدة من رأس الصباح
[ ٥ / ٧٠ ]
وسورة شديدة من الاقتراح، وقد وردت مستورة تحت الظلام، محفوظة بالختام، فأقسم لقد قطعنا الليل بها ضحكا وتعجبا، فما عندنا إلا من ودعه صباه، وودعته نهاه، وقد كان في الخل ما يكفي فهو نعم الإدام، كما قال ﵇، ولكن أردت أن يكون لك في كل بر مقام، وقلت: هذا الحلو الحلال والحرام، ولولا أن الصبا عني ولى، لرشفناه رشفا، واستزدناك منه ضعفا.
وله من أخرى: هذا الحلبي [أعزك الله] يوافي ذراك وماء الخجل يقطر من وجناته، ويستغفر لذنب لم يكن - علم الله - من جناته، وهو علق كما تراه لا علك، وعند الشميم ند أو مسك، فاشدد يديك به ولك الربح، واسمع له ومن عوائدك السمح، ومن الظلم أن يحلى بغير حلاه، فيقال كذوب والصدق منجاة، أو يقال بذي، والعرض نقي؛ ومثلك رق لغربته، وكشف من كربته، فاجتلى الشكر في غلائله، واعتبق المجد في غدائره، لا برح الحمد من ذخائره.
[ ٥ / ٧١ ]
وفي فصل من أخرى: مر بنا كاتبك السري وأمامه وزراؤه، عصابة كأنها الخطي، وقد حفف من حواجبه، واحفى من شواربه، وهو يتفكه، من قادمتي حمامة أيكة، كمن تصنع وترفع للقافية فلا تواتيه، فسألته عنك فقال بفتور: هو ٠أعزه الله - لي سنان وأنا له مجن، فقلت: قرت بكما عين، لقد تخرج من الحرب [١٨أ] بظهر المحتطب، إن لم يكن لك درع تقيك من القنا السلب، وأستغفر الله مما يجنيه، على أن الصدق لا إثم فيه، ووجب إعلامك بنادرة هذا اللبيب، فانها من الغريب، لا برحت في كل شيء عين المصيب، ومن كل فضل وافر النصيب.
ومن أخرى: لا بد للنفوس أن ترتاح، وللنوادر أن تستباح، وفلان أصابته طارقة، وابنة الكرم له معانقة، فنتفت عنه كل ريشة، [وتركته في أسوأ عيشة]، وإني لأعجب من غفلاته، والحذر في مشتبهاته، حتى لقد يكون حارسته من اللصوص، وأمتنع من البنيان المرصوص
[ ٥ / ٧٢ ]
ومثلك رق له وأولاه. وعطف عليه لما دهاه، وكان حسنا، لو التمس له سكنا، تكون من شرطه، ومن خير رهطه، فيقطع بها الليل الطويل، وينفي معها الهم الدخيل.
وله من أخرى: أذكر سروك بالشيخ ابن القزاز أن تخلطه ببالك، وتجعله من عمالك، فسيحوك لك من الثناء برودا، وينظم عليك من لآلي الحمد عقودا، فإنه قد ترشح للخطة، وتبحبح لحلاوة الضبطة، وشمر عن ساقيه لمركب الغبطة، وأخاف أن يكون من مراكب السلف، التي تحدى بأند خلف، فهي لاصقة بالأرض. مقيمة على شدة الركض، ففضلك بالتعجيل، مستبدا بالشكر الجزيل.
ومن فصل من أخرى: مثلي ومثلك مثل رجل من العرب، استقرى عقيلة ربرب، بل سليلة فصل وحسب، فأجزلت قراه، وأكرمت مثواه، فلما اطمأن المجلس، وانتظم التأنس، سعت إلى بعض أوطارها، فراقه ما تحت إزارها، فجعل ينشد:
[ ٥ / ٧٣ ]
يا أخت خير البدو والحضاره ماذا ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره
وكذلك غيرك المخاطب في شئوني وأنت المراد، وإليه الإيماء، وفيك يبدأ القول ويعاد، ولله أنت ما أعطر خلالك، وأكثر اهتبالك، لا زالت أياديك كالأطواق، ومعاليك معطرة الآفاق.
ومن أخرى: الكريم يلين بالهزة، ولا سيما بجناح الإوزة، وقد وافتك عارية من الريش، خالية من الحشيش، تمت إليك بسالف الذمام، وصالح الأيام، وقوام عيشها أن تهيء لها غديرا، وحمى كثيرا، ففضلك في أن يصحبها رأيك الجميل، بخدمة وإن قلت، وكلا فليس منك قليل، وستجد فيها منافع جمة، منها أنها تكون مروحة عند السموم، ومضحكة لك عند الوجوم، فاذا رأيتها وصواحبها فوق [ظهر] الماء، رأيت أبدع الأشياء [١٨ب] تحسبها سفينا في العيان، وكأنها بعض مرابض الغزلان، ولو جيت أن أعداد أوصافها لطال الكتاب، وامتد الإسهاب، [فاغتنم سماح الزمان بها، وأنزلها] من البر في أسنى مراتبها، وإلى فلان هذا الإيماء وهو التصريح، وعنه الكناية وهو النسب الصريح.
[ ٥ / ٧٤ ]
وفي فصل من أخرى: وكأني أنظر اليك وقد استحر الجلاد، وأدركك الإعجاب، وهان عليك الكتاب، وأنت تقول، من فرط ما تصول:
إني انصرفت وأقلامي قوائل لي المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدأ قبل الكتاب به فانما نحن للأسياف كالخدم لا تعجل، فلها حجاج، كأنها زجاج، تفرى بها أوداج، ولرب جيش هزمته، وملك هدمته، ولله تعالى نعمة عظيمة فيما كان من الفتح، جاءت كفلق الصبح، تبشر دولة الإسلام، بالنصر وارتفاع الأعلام.
ومن رسائله في التعازي وما يجانسها
فصل له من رقعة إلى ابن رزين يعزيه في أبيه: كتبت لهفان وقد أسمع الناعي، فأضرم نار الأسى بين أضلاعي، للرزية العظمى، التي رمى سهمها فأصمى، بوفاة من جمعت فيه المحاسن والخلال، وزال كما تزول الجبال، وقل له المشابه والنظير، ومات بموته البشر الكثير، الحاجب ذي الرياستين أبيك، رب الشرف الصميم، والحسب العد
[ ٥ / ٧٥ ]
الكريم، أوسعه الله رحماه، وجعل الجنة مأواه، فاها لله وإنا إليه راجعون؛ على الرزية فيه، ليتني بالنفس أفديه؛ فأما القلب فمنحل ومنسلب، وأما الدمع فمنهل ومنسكب، سقى الله جدثه سبل القطر، ونفعه بحسن المذهب وجلالة القدر، وجزاه المحسنين، وأنزله دار المقامة في عليين، وهناك الله ميراثه من الرياسة، ومكانه العلي من النفاسة، ومنحك العمر الطويل، وأمتعك العز الظليل، وساعفك بكل ما تهواه الزمان، ولا زال بك يتجمل ويزدان.
وله من أخرى: كتبت وقد وافاني كتابك بما أطال ليلي وأسهر عيني، وحال بين التماسك وبيني، للنازلة الفاجئة، والحادثة الفاجعة، في المتوفاة - نصر الله وجهها وقدس روحها - فلقد رمتني الأيام بثكلها فأصابت مني صميما، وسلبتني علقا كريما، وأنسا عظيما، وأبقت بقلبي ندبا، وتركتني على العزاء مغلوبا، فانا لله وإنا إليه راجعون، تسليما له فيما قضى، وقولا يوجب عنده الزلفى والرضى؛ وهو الحمام، والموت الزؤام، جعلنا [١٩أ] الله منه على حذر، ووفقنا منه لخير عمل ونظر.
وله من أخرى: وتوفي فلان - عفا الله عنه - وكان البقية التي
[ ٥ / ٧٦ ]
يؤنس لبقائها، ويعشى إلى أضوائها، فاختلسته المنية، وفجعت به الدنيا الدنية، فمن شأنها أن تذهب بالأفاضل، وتخيم على الأماثل؛ نقله الله إلى رضوانه، وحفه بغفرانه، وأحسن العزاء عنه، وان عز العوض منه.
وأما عهدنا فقد درس منه العهد، بخطوب يتمنى معها الفقد: بلاد لحقها التغيير، واستولى عليها التدمير، وأكلت الجوعة بنيها، وتعطل الشرع والدين فيها؛ فلا صلاة تجمع، ولا منبر يرفع، والكل ناهل، وفي حوض الردى ناهل، فلينح على الإسلام نائح، وليجبه صدى من جانب القبر صائح.
وهذا محلول من شعر لتوبة بن الحمير، ويتعلق بذيله خبر رواه أبو عبيدة قال: إن ليلى الأخيلية مرت مع زوجها في بعض نجعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة، فقال لها زوجها: لا بد أ، أعرج بك إلى قبره كي تسلمي عليه، وأرى هل يجيبك صداه كما زعم حيث يقول:
ولو أن ليلى الأخليلية سلمت علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح
فقالت له: وما تريد من رمة وأحجار - قال: لا بد من ذلك، فعدل بها عن الطريق، فلما دنت راحتها من القبر ورفعت صوتها بالسلام
[ ٥ / ٧٧ ]
عليه، إذا بطائر قد استظل بحجارة القبر من فيح الهاجرة وطار فنفر راحتها فوقصت بها فماتت. وهذا اتفاق غريب، وحديث في هذه الهامة عجيب، وهي ما زعم الأعراب طائر يخرج في القبر من رأس القتيل فلا يزال يقول: اسقوني، اسقوني، حتى يؤخذ بثاره، وفي ذلك يقول الآخر:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وهذا الخبر في شعوهم أشهر من أن يذكر.
وله من أخرى: الدنيا - صرف الله عنك صرفها - على الفجائع مبنية، [وقصاراها كدر أو منية]، وان الحازم من وطن لأحداثها، وأيقن بانتكاثها، فأوسعها رحيبا، وقلبا صليبا؛ وكتبت والدموع محدور، وقد حم قضاء ونفذ مقدور، بوفاة الولد الطيب المبارك أبي عبد الله ابننا، وقرة أعيننا، كان - نضر الله وجهه ولقاه رحمته ومغفرته، ورفع في دار المقام منزلته - فناهيك بأسفي عليه وتوجعى، وما أوقد [١٩ب] نار الأسى بين أضلعي، فانه كان مرجوا في الأبناء، معدودا في النجباء، للسيادة مرشحا، وبالفضائل موشحا، ينهل الخير من أعطافه، ويعجب الدهر من أوصافه، أكرم به من سليل، كان على أحسن خليقة وأهدى [طريقة وأقوم] سبيل، ولكن يأبى الله إلا ما
[ ٥ / ٧٨ ]
يريد، فأسعد بجواره ونعم السعيد.
ومن أخرى: كتبت مجملا ومختصرا، ومنتحبا مستعبرا، وأعزز علي بأن أعزي مخاطبا، ولا أكون مشاهدا ومواظبا، وان المقدم لحرمته، لفائز من الله بأتم نعمته، فسلموا - أعزكما الله - عن الحادث سلو، ودعاء إلى الخالق مرجوا، في أن يكشف عنكما الغماء، وينير بكما الظلماء، وأبشروا على الصبر الجميل، بالأجر الجزيل، وما حط ما أصبتما به قدر، وإنما حط من وزر.
وله من أخرى:
*عيد بأية حال عدت يا عيد *
عاد والله بفيض الدموع، وفض الضلوع، ومفارقة الأعزة الجلة، ومحالفة الأسى والذلة، فتوهم - أجارك الله من نوبه - ما بقلبي من تلهبه، للحال التي أنتم عليها، وكيف مقامي، وانتحابي واحتدامي، ولكني ضارع إلى الله أن يغفر الذنوب، ويكشف الكروب، وإنا لله وإنا إليه راجعون على هذا المنظر، في هذا اليوم الأكبر، وقد عهدناه أغر وضاحا، يعيد الليل فجرا وصباحا، وهو المرجو لتلافينا، والإقالة من عثراتنا ومهاوينا.
[ ٥ / ٧٩ ]
ناقص
[ ٥ / ٨٠ ]
شاهدا كما انتحبت غائبا، وأؤدي من مفترضات أياديك واجبا.
وله من أخرى: موهوب الدنيا - أيدك الله - إلى استلاب، ومعمورها إلى خراب، ومطمعها كالآل والسراب، تغافص ذا العزة، وتقطع در الدرة، وتخون ذا الثقة المبرة.
وفي فصل منها: فرع [والله] من الفضل ذوى، ونجم في الرياسة خوى، أظلمت بعده الآفاق، وأدرك تمامها المحاق، وإلى الله الشكوى، فهو أضحك وأبكى، والحمد لله على نافذ أقضيته، ومحتوم قدرته، وهو المنهل، لا يعل منه الذي ينهل، فالتماسك عند هجومه ألزم، ووفور الأجر عند ذوي النهى أحزم.
وفي فصل من أخرى: أسرع اليك يا معتمدي الفطام، وأقصدتك للحوادث سهام، وحملت ثقلا لا يطاق، وتغيرت له الآفاق، فقبحا لدنيا عفت بيدها جمالها، وحدت لارتحال بهجتها جمالها.
ومن أخرى: كتابي عند ورود الخبر الصحيح بالتغلب على دانية وتثقيف قصبتها، وتملك معز الدولة -] استنقذه الله]- وهجوم المنية على إقبال الدولة -[﵀]- فاعجب يا سيدي من انقاض الحال بغتة على الفور، وذهاب دولة السؤدد والسرو، على بعد مرامها
[ ٥ / ٨١ ]
وشدة أركانها، وعزة سلطانها، أعاذنا الله من سوء القضاء، وجعلنا في حيز الاحتماء. ولما ورد هذا الخبر الذي يورد المنون، ويسهر العيون، طيرت به إليك على شرط ما بيننا في الأمور، في القليل والكثير، [والله يقي جانبك ويكفيه، ويذب عن قطرك ويحميه، بقدرته] .
وفي فصل: يجب أن تعذرني - أعزك الله - إذا كتبت، فالذهن كليل، والقلب عليل، والقول قليل؛ وبلغني ما أصمتك به الأيام في الصميم، والظل الكريم، بوفاة الوالدة الطاهرة، والجنة الساترة، ألحفها الله رحمته، وألحقها جنته، ومثلك في رجحانه، لم توه المصائب من أركانه، بل سلم لله في حكمه، واسترجع للخطب على عظمه، فغنم الثواب، [وعلم المآب] .
وله من أخرى يعزي بموت المقتدر: أي خطب - أيدك الله - طلعت به النوائب، واسودت له المشارق والمغارب، لقد ترك شمل الإسلام صديعا، وصير عبرة الشؤون نجيعا، بمن كنا نلوذ به: قريع الزمان، ومبير العدا ومولي الإحسان، مولاي المقتدر بالله - نقع الله صداه، وكرم مثواه - فلو درى الحمام بمن فجع، لارعوى أو توجع، ولكن هكذا تزول الجبال، وتنصرم الآمال، وينهال السناء [٢٠ب] وينهدم البناء.
وفي فصل [منها]: وما أعلمت يدا إلا والدمع منسجم، والشجو
[ ٥ / ٨٢ ]
محتدم، وقليل أن تطيش الألباب، وقد حل هذا المصاب، وفي مولاي الرجاء والعزاء، وإليه الانتماء والاعتزاء، لا زال يستقبل دهرا جديدا، وعمرا مديدا، حتى يخلد ذكرا مشيدا، وفخرا تليدا.
وله من أخرى: مالي أرى المجد - أعزك الله - قد سدت معالمه، وانهدت دعائمه، بفقد من كان يغرق البحر فيض نواله، ويكاثر نجوم السماء بعض خلاله، واحد الدنيا، وجامع العليا، ومن كان يطرق الحلم لأناته، ويحار الفهم من آياته، ويعز الدين بمكانه، ويذل الشرك لسلطانه، مولاي المقتدر بالله - قدس الله روحه، ونور ضريحه -.
وفي فصل: وإني لأعلم نيل الخطب منك، وصدر الرزء عنك، وحيث انتهى [بك] البكاء والعويل، وغناء لعمري لدى المصاب قليل، وما أعزيك وأترك نفسي، وقد شردتما سكني وأنسي، ولكن أعرض عليك مكان السلو وقد لاح لي بدره، بالرئيس الشهم المعظم قدره، الحاجب مولاي المؤتمن، فذ العصر، ومقتاد كل كريمة، [ووراد كل كريهة] من يحمي الحمى، ويسدي النعمى، ويزاحم الأفلاك، ويبهر الأملاك.
[ ٥ / ٨٣ ]
وله من أخرى: أنى يستطاع الكلام - أيد الله مولاي - وقد اغبرت الدنيا وأظلمت الآفاق، ونعي الإسلام، وعني به الحمام، وقامت نوادبه، وأوحشت مغانيه وجوانبه، ولكني أقول عن صعدائها، وللعين غصص بمائها، وللنفس تنفس من برحائها: لقد مات منقطع القرين، وكاليء هذا الدين، من كان - والله - ينير إذا دجت الخطوب، ويثير إذا عن الهبوب، ومن يملأ الأفواه طيب ثنائه، ويملك القلوب بشر لقائه، ومن كان يرهب الشرك صولته، ويخاف العدو وطأته، فبرد الله ثراه، وسقاه الحيا ورواه، فلو يعلم الترب ما ضم من كرم ونائل، وحلم إذا خفت الحلوم غير زائل، لطاول السماء، واعتنق الجوزاء، ولقد قلت لما غالتني فيه الغوائل:
فما كان ما بيني لو أني لقيته وبين الغنى إلا ليال قلائل
وله من أخرى: الدنيا - أعزك الله - ليست بدار قرار، والمرء منها على شفا جرف هار، وإنما هي جسر على الطريق، وعدو في ثياب صديق
[ ٥ / ٨٤ ]
ولما بلغني وفاة فلان -[﵀] نضر وجهه وبرد ثراه - علمت أنك الجبل الذي لا يرتقي الجزع ذراه، وإن كان سهم المنايا أصاب حميما، واستلب كريما، فقد أبقى الله بك الصدع مرؤوبا، والجزع مغلوبا.
ومن أخرى: كتبت والدمع واكف، والحزن عاكف، للرزية الشاملة، والقاصمة النازلة، في فلان، فيا عظم ما [٢١أ] دهمت به الأيام، وفجع فيه الإسلام، فانا لله وإنا اليه راجعون، تسليما لنافذ القضاء، ومقدر الفناء؛ ولقد نالني من الكرب لهذا الخطب ما لو شهدته لراعتك المنظر، ولجعلت نفسك الكريمة تفطر؛ وخاطبت الحاجب - أيد الله صبره، وجبر صدعه - مقيما للرسم في تعزيته، ولو استطعت لنهضت بنفسي لقضاء الحق وتوفيته، فنب بفضلك عني منايا [كريما]، وأعلمه - أيده الله - تفجعي وتوجعي، وتأسفي وتشيعي، وفي بقائه ما يسد الخلل، ويمد الرجاء والأمل.
فصول اقتضبتها من كلامه في وصف ثغور البلاد
والاستنفار للجهاد
فصل له من رقعة: استوضحت جميع تلك الأحوال التي وصفتها، والأحداث التي قصصتها، فأكبرت وقوعها، ثم عرفت للأيام صروفها
[ ٥ / ٨٥ ]
وصدوعها، وتألمت لما يجري على المسلمين من نكد فاضح، وتلف فادح، فليت شعري أين البصائر، وحتام تدور هذه الدوائر، على رمق الجزيرة وقد أشفى - أما آن للنصر أن يقع [وللداء] أن يشفى - نظر الله للكل، وأراهم مواضع الرشد، من العقد والحل، بمنه.
وفي فصل: كتابي بعد أن وقفت على كتاب فلان الذي أودعه ما ودع من حيات، ولم يدع مكانا لمسلاة، فانه للقلوب مؤذ، وللعيون مقذ، وللظهور قاصم، ولعرى الحزم فاصم، فليندب الإسلام نادب، وليبك له شاهد وغائب، فقد طغى مصباحه، ووطئ ساحه، وقص جناحه، وهيض عضده، وغيض ثمده، إلى الله نفزع، وإليه نضرع، في طارق الخطب ومنتابه، فلا حول ولا قوة إلا به، فهو كاشف الكروب، وناصر المحروب.
وفي فصل: واتصل بنا أنه أباد الديار، في جميع تلك الأمصار، والمسلمون بينهم سوام ترتع، وأموالهم نهب يوزع، والقتل يأخذ
[ ٥ / ٨٦ ]
منهم فوق ما يدع فأطل الفكرة في هذا الخرم الداخل، والبلاء الشامل، والله المرجو لكشف الغمة، وتلافي الأمة.
وفي فصل من أخرى: ورد كتابك بالخطب الأبقع، والحادث الأشنع، الجاري على المسلمين - نصر الله مقانبهم، وجمع على الائتلاف مذاهبهم - في مدينة بربشتر، وكانت صدرا في القلاع المنيفة، وعينا من عيون المدائن الموصوفة، إلى ما سبق قبل في القلعة القلهرية وغيرها من مهمات القلاع: الدروب والمعاقل، وخطيرات الحصون والمنازل، فأطار الألباب، وطأطأ الرقاب، [وصرم الآمال والهمم، وأسلبهم من الذلة والقلة إلى ما قصم] وانك رأيت الحال في معرض جلاها للنواظر [عيانا]، ووصل [٢١ب] بينها وبين الخواطر أسبابا وأشطانا، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس مترددة بين لهاة وتراق، وأسى قد قرع حصيات القلوب فرضها، وعدل عن المضاجع بالجنوب فأقضها، ومآل تستك من سماعة الأسماع، وتضيق عن إيراد حقيقته الرقاع، فالله [يدرأ] في نحر ما فدح من الخطوب الكبار ويدفع، وإليه نلجأ فيما ألظ من عقيم الدواهي ونفزع، فمنه الغوث والانتصار، وعادة الإقالة إذا جد العثار.
وفي فصل من أخرى: وإن الملأ الكريم - تكفل الله به - ورد وقد امتطى العزم ظهرا، واستشعر النصيحة سرا وجهرا، ووسع نطاق البيان
[ ٥ / ٨٧ ]
وندب إلى ما فيه ثبات الإيمان، وأعرب عما رأيته ورآه، من في طاعتك من جموع المسلمين - وفقهم الله - من الاستنفار لأمر هذا العدو الذي قد سحب في الجزيرة أذياله، وفوق للاستيلاء على حدودها نصاله، لما تحقق له أن العزائم عن مقارعته ناكلة، والبلاد من أعداد تقاومه عاطلة، فبانت أصالتك وتفرد جدك، وتجدد الحفاظ والانقاذ لملة الإسلام بجهدك، وقد تعين البدار على كل رئيس ومرءوس، ولزم الجهاد كل شريف ومشروف، وقبيح على المسلم أن يحل إزارا، ويسوغ من الكرى غرارا، وإخوته المسلمون بين مشدود بالإسار، أو جزر النيوب والأظفار، تالله ما في النصفة أن تسكن الظلال، وأطراق حملة القرآن الأغلال، [والله تعالى يصير الأيدي في الدفاع يدا، ويعيد العدو المستأسد مهتضما مضطهدا] .
ومن أخرى: كتبت - أيد الله أمير المسلمين - وقد وافى الخبر المبهج بأن الجزيرة المهتضمة - حماها الله - حلها إمامها العادل، وسيفها العامل، وليثها الخادر، وقرمها المبادر، فكان عندي كالماء للظمآن، والنجم للحيران، فقلت: خبر والله جلى الشك من اليقين، وشفى صدور قوم مؤمنين، فالحمد لله رب العالمين، إذ يقيم الله به للحق مناره، ويحمي من الإسلام ذماره، فأنف الكبر أجدع راغم، ووجه الظلم أسفع قاتم.
[ ٥ / ٨٨ ]
ووددت أن أسعد بلقائه، وأستظل بلوائه، وألم بجوانبه، وأسير في كتائبه، فأنال حظا جسيما (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) (النساء: ٧٢) . ولولا أن العدو - قصمه الله - بهذه الأقطار، يجوس خلال الديار، فلا تمكن المسالك، ولا تتورد المهالك، لكنت أول وارد مع الوارد، ولقضيت فرض الجهاد، وملأت عيني ممن ملأ البسيطة عدلا، وزاد الفضيلة فضلا، وإن العين لتفيض من الدمع، لما جدت بي الأيام [٢٢أ] في القطع، وعسى الله أن يفسح المهل، ويرفع الوجل، ويبرئ العلل، ويبلغ الأمل.
وفي فصل من أخرى: وفيما ذكرت قرع الظنابيب، وشرع الأنابيب، وهرج يشمل البعيد والقريب، ومحض ودي، وصحيح عقدي، وما لا يشك فيه عندي، يحملني لك على الانتصاح، شحا مني ورغبة في الصلاح، وحسما لأسباب الفتنة، التي تعظم معها المحنة، فإن وافق قولي قبولا، وكان على أحسن التأويل محمولا، فذلك الذي إليه عرضت وله تعرضت، وإذا كان ما سواه، فهي أمور يريدها الله،
وله من رقعة إلى ابن جحاف أيام ثورة ابن عمه ببلنسية: قد ألبستني - أعزك الله - من برك ما لا أخلعه، وحملتني من ثنائك ما لا أضيعه، فأنا أستريح اليك استراحة المستنيم، وأصرف الذنب على
[ ٥ / ٨٩ ]
الزمن المستليم، وإن ابن عمك - مد الله بسطته - لما ثار ثورته التي ظن أنه بلغ بها السماك، وبذ معها الأملاك، نظر إلي متخازرا [متشاوسا]، وتخيلني محاسدا أو منافسا، ولعن الله من حسده جمالها:
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
ثم تورم علي أنف غرته، فرماني بضروب محنته، وفي كل ذا أتجرعه على مضضه، وأتغافل لغرضه، وأطويه على بلله، وما أنتصر بشيء سوى عمله، إلى أن رأى اليوم [سوء رأيه]، ان يزيد في تعسفه وبغيه، فاستقبلت من الأمر غريبا ما كنت أحسبه، ولا بان إلي سببه؛ ولما جاءه رسولي مستفهما، عبس وبسر، وتاه واستكبر، فأمسكت محافظة للجانب، وعملا على الواجب، لا أن هيبة أبي أحمد قبضتني، ولا أن مبرته عندي اعترضتني. وأقسم بالله حلفه بر: لو الأيام قذفت بكم إلي وأنا بمكاني، لأوردتكم العذب من مناهلي، ولجعلت جميعكم على عاتقي وكاهلي، ولكن الله يعمر بكم أوطانكم، ويحمي من النوب
[ ٥ / ٩٠ ]
مكانكم، ويحوط هذه السيادة الطالعة فيكم، النابتة بمعاليكم، فلا يسرك مفظعه، وليسؤك مصرعه، فما مثله يمطل، ولا يلبث حينا ولا يمهل.
قال أبو الحسن: ومد لأبي عبد الرحمن بن طاهر هذا في البقاء، حتى تجاوز [مصارع] الجماعة الرؤساء، وشهد محنة المسلمين ببلنسية على يدي الطاغية الكنبيطور - قصمه الله - وحصل بذلك الثغر، في قبضة الأسر، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ومنها كتب رقعة إلى بعض إخوانه يقول فيها: كتبت منتصف صفر، وقد حصلنا في قبضة الأسر، بخطوب لم تجر في سالف الدهر، فلو رأيت قطر بلنسية - نظر الله [٢٢ب] إليه، وعاد بنوره عليه - وما صنع الزمان به وبأهليه، لكنت تندبه وتبكيه، فلقد عبث البلى برسومه، وعفى على أقماره ونجومه، فلا تسأل عما في نفسي، وعن نكدي ويأسي، وضممت الآن إلى الافتداء، بعد مكابدة أهوال ذهبت بالذماء، وما أرجو غير صنع الله الذي عود، وفضله الذي عهد؛ وساهمتك مساهمة الصفي، لما أعلم من وفائك وتهممك الحفي، مستمطرا من تلقائك دعوة إخلاص، عسى أن تكون سريعة
[ ٥ / ٩١ ]
إلى فرج وخلاص، بإذن الله، فهو - عز وجهه - يقبل الدعاء من داعيه، وما زال مكانك منه ترى البركة فيه.
قال أبو الحسن: وإذ قد انتهى بنا القول إلى ذكر بلنسية فلا بد من الإعلان بمحنتها، والإتيان بنبذ من أخبار فتنتها، التي غرب شأوها في الإسلام، وتجاوز عفوها جهد الكروب العظام، وذكر الأسباب التي جرت جرائرها، وأدارت على المسلمين دوائرها، والإشارة باسم من سلك في طريقها ونهج، ودخل أبواب عقوقها وخرج.
ذكر الخبر عن تغلب العدو عليها وعودة المسلمين إليها
قال أبو الحسن: ونذكر إن شاء الله في القسم الرابع، نكتا وجوامع، تؤدي إلى كيفية تغلب أذفونش طاغية طاغوت الجلالقة - قصمها الله - على مدينة طليلة، واسطة السلك، وأشمخ ذرى الملك، بهذه الجزيرة، ونشرح الأسباب التي ملكته قيادها، ووطأته مهادها، حتى اقتعد صهوتها، وتبحبح ذروتها، وأن يحيى بن ذي النون، المتلقب من الألقاب السلطانية بالقادر بالله، كان الذي هيج أولا نارها، وأجج أوارها
[ ٥ / ٩٢ ]
وكان عندما خلى [بين] أذفونش وطليطلة - جدد الله رسمها، وأعاد إلى ديوان المسلمين اسمها - قد عاهده على أن يعيد له صعب بلنسية ذلولا، وأن يمتعه بنضرتها وتملك حضرتها ولو قليلا، علما منه أنه أسير لديه، وعيال عليه. فصار تهره المعاقل، وتبرأ منه المراحل [بعد المراحل]، حتى استقر بقصبة قونكة، عند أشياعه بني الفرج - حسبما نشرحه في القسم الرابع إن شاء الله تعالى - وهم كانوا ولاة أمره، وواعية عرفه ونكره، بهم أولا صدع، وإليهم آخرا نزع، وطفق يداخل ابن عبد العزيز بمعاذير يلفقها، وأساطير ينفقها، وأعجاز من الباطل وصدور يجمعها ويفرقها، وابن عبد العزيز يومئذ يضحك قليلا [٢٣أ] ويبكي كثيرا، ويظهر أمرا ويخفي أمورا، والفلك يدور، وأمر الله ينجد ويغور. وورد الخبر بموت ابن عبد العزيز أثناء ذلك، واختلاف ابنيه بعده هنالك، فانسل ابن ذي النون إلى بلنسية انسلال القطا إلى الماء، وطلع عليها طلوع الرقيب على خلوات الأحباء، وانتهجت السبيل بين ملوك أفقا وبين أمير المسلمين [وناصر الدين] ﵀ - على ما قدمن ذكره - سنة تسع وسبعين، وصدم أذفونش الطاغية - قصمه الله - تلك الصدمة - المتقدمة الذكر - يوم الجمعة، فرجع - لعنه الله - وقد هيض جناحه، وركدت رياحه، وتنفس خناق يحيى بن ذي النون هذا، فتنسم روح
[ ٥ / ٩٣ ]
البقاء، وتبلغ بما كان بقي له من ذماء، ودخل من معاقدة أمير المسلمين فيما دخل فيه معشر الرؤساء؛ ولم يزل إدبارهم - على ما ذكرنا - يستشري وعقارب بعضهم إلى بعض تدب وتسري، حتى أذن الله لأمير المسلمين [﵀] في إفساد سعيهم، وحسم أدواء بغيهم، والانتصار لكواف المسلمين من فعلهم الذميم ورأيهم، فشرع في ذلك - على ما قدمته - سنة ثلاث وثمانين، فجعلت البلاد عليه تنثال، والمنابر باسمه تزدهي وتختال؛ واستمر ينثر نجومهم، ويطمس رسومهم، باقي سنة ثلاث وسنة أربع بعدها، وفي ذلك يقول الأديب أبو تمام ابن رباح:
كأن بلادهم كانت نساء تطالبها الضرائر بالطلاق
وفي ذلك أيضا يقول أبو الحسين ابن الجد، وأراه عرض بصاحب ميورقة بعد خلع بني عباد:
ألا قل للذي يرجو مناما بعيد بين جنبك والفراش
أبو يعقوب من حدثت عنه فرش سهم العداوة أو فراش
إذا نفش القضاء جبال رضوى فكيف تراه يصنع بالفراش
ولما أحس أحمد بن يوسف بن هود، المنتزي إلى وقتنا هذا على ثغر
[ ٥ / ٩٤ ]
سرقسطة، بعساكر أمير المسلمين تقبل من كل حدب، وتطلع على أطرافه من كل مرقب، أسد كلبا من أكلب الجلالقة يسمى برذريق ويدعى بالكنبيطور، وكان عقالا، وداء عضالا، له في الجزيرة وقائع، وعلى طوائفها بضروب المكروه اطلاعات ومطالع، وكان بنو هود قديما هم الذين أخرجوه من الخمول، مستظهرين بع على بغيهم الطويل، وسعيهم المذموم المخذول، وسلطوه على أقطار الجزيرة يضع قدمه على صفحات أنجادها، ويركز علمه في أفلاذ [٢٣ب] أكبادها، حتى غلظ أمره، وعم أقاصيها وأدانيها شره، ورأى هذا منهم حين خاف وهي ملكه، وأحس بانتثار سلكه، أن يضعه بينه وبين سرعان عساكر أمير المسلمين، فوطأ له أكناف بلنسية وجبى إليه المال، وأوطأ عقبه الرجال، فنزل بساحتها وقد اضطرب حبلها، وتسرب أهلها، وذلك أن الفقيه أبا أحمد بن جحاف متولي القضاء بها يومئذ لما رأى عساكر المرابطين -[أيدها الله]- تترى، وأحس بهذا الطاغية - لعنه الله - من جهة أخرى، امتطى صهوة العقوق، وتمثل: " من فرص اللص ضجة السوق "، وطمع في الرياسة بخدع الفريقين، وذهل عن قصة
[ ٥ / ٩٥ ]
الثعلب بين الوعلين، فاستجاش لأول تلك الوهلة لمة يسيرة من دعاة أمير المسلمين فهجم بهم على ساحة ابن ذي النون الجاء على حين غفلته، وانفضاض من جملته، واستشراء من علته، حيث لم يكن له ناصر إلا الشكوى، ولا هاد صدر العصا، فقتله - زعموا - بيد رجل من بني الحديدي طلبا بذخل عما كان هو قد قتل من سلفه، وهدم من بيوت شرفه - في خبر سيأتي ذكره، ويشرح بمشيئة الله في موضع من هذا الكتاب أمره - وفي قتله لابن ذي النون القادر، يقول أبو عبد الرحمن بن طاهر:
أيها الأخيف مهلا فلقد جئت عويصا
إ
ذ قتلت الملك يحيى وتقمصت القميصا
رب يوم فيه تجزى لم تجد عنه محيصا
ولما تم لأبي أحمد شانه، واستقر به - على زعمه - سلطانه
[ ٥ / ٩٦ ]
وقع في هراش، وتفرقت الظباء على خراش، ودفع إلى النظر في أمور سلطانية لم يتقدم قبل في غوامض حقائقها، وإلى ركوب أساليب سياسية لم يكن له عهد باقتحام مضايقها، ولا بالدخول في ضنك وآزقها، ولم يعلم أن تدبير الأقاليم غير تلقين الخصوم، وان عقد ألوية البنود، غير الترجيح بين العقود، وانتحال الشهود، وشغل بما كان احتجن من بقية ذخائر ابن ذي النون وشيعته عن استجلاب الرجال، والنظر في شيء من الأعمال، وانفضت عنه تلك الجملة اليسيرة [من الخيل] المرابطية التي كان تعلق بسببها، وموه على الناس بها، لضيق المذاهب، وغلظة ذلك العدو المصاقب، وقوي طمع رذريق في ملك بلنسية فلزمها ملازمة الغريم، وتلذذ بها [تلذذ] العشاق بالرسوم، ينتسف أقواتها، ويقتل حماتها، ويسبق إليها كل أمنية، ويطلع عليها من كل ثنية، فرب ذروة [٢٤أ] عز قد طالما تلددت الأماني والنفوس دونها، ويئست الأقمار والشموس من أن تكونها، قد ورد ذلك الطاغية يومئذ معينها، وأذال مصونها؛ ورب وجه كانت تدميه الذر، وتحسده الشمس والبدر، ويتغاير عليه المرجان والدر، قد أصبح درية لزجاجه، ونعلا لأقدام أراذل أعلاجه، وبلغ الجهد بأهلها والامتحان، أن أحلوا محرم الحيوان، وأبو أحمد المذكور في أنشوطة ما سهل وسنى شرقا بعقبى ما جر على نفسه وجنى، يستصرخ أمير المسلمين على بعد
[ ٥ / ٩٧ ]
داره، وتراخي مزاره، فتارة يسمعه ويحركه، وتارة ينقطع دونه ولا يدركه، وقد كان من أمير المسلمين بموضع، ومن رأيه الجميل بمرأى ومسمع، ولكن أبطأ به عن نصره تنائي الدار، ونفوذ المقدار، وإذا قدر الله أمرا فتح أبوابه، ويسر أسبابه، فتم للطاغية رذريق -[قصمه الله]- مراده الذميم من دخول بلنسية سنة ثمان وثمانين على وجه من وجوه غدره، وبعد إذعان من القاضي [ابن جحاف] المذكور ألجأه بسطوة كفره، ودخوله طائعا في أمره، على وسائل اتخذها، وعهود ومواثيق - بزعمه - أخذها، لم يمتد لها أمد، ولا كثر لأيامها عدد، وبقي معه مديدة يضجر من صحبته، ويلتمس السبيل إلى نكبته، حتى أمكنته - زعموا - بسبب ذخيرة نفيسة من ذخائر ابن ذي النون، كان رذريق لأول دخوله قد سأله عنها، واستحلفه بمحضر جماعة من أهل الملتين على البراءة منها، فأقسم بالله جهد أيمانه، غافلا عما في الغيب من بلائه وامتحانه، وجعل رذريق بينه وبين القاضي المذكور عهدا أحضره الطائفتين، وأشهد عليه أعلام الملتين، إن هو انتهى [بعد] إليها، وعثر [عنده] عليها، ليستحلن إخفار ذممه، وسفك دمه، فلم ينشب رذريق أن ظهر على الذخيرة المذكورة لديه، لما كان قد قدر الله من إجراء محنته على يديه، ولعلها كانت منه حيلة أدارها
[ ٥ / ٩٨ ]
وداهية من دواهيه سداها وأنارها، فأنحى على أمواله بالنهاب، وعليه وعلى أهله وولده بالعذاب، حتى بلغ جهده، ويئس مما عنده، فأضرم له نارا أتلفت ذماءه، وحرقت أشلاءه.
حدثني من رآه في ذلك المقام، وقد حفر له حفير إلى رفغيه، وأضرمت النار حواليه، وهو يضم ما بعد من الحطب بيديه، ليكون أسرع لذهابه، وأقصر لمدة عذابه، كتبها الله له في صحيفة حسناته، ومحا عنه بها سالف سيئاته، وكفانا بعد أليم نقماته، ويسرنا [٢٤ب] إلى ما يزلف إلى مرضاته.
وهم [الطاغية] يومئذ - لعنه الله - بتحريق زوجه وبناته، فكلمه فيهن بعض طغاته، فبعد لأي ما لفته عن رائه، وتخلصهن من يدي نكرائه، وأضرم هذا المصاب الجليل يومئذ أقطار الجزيرة نارا، وجلل سائر طبقاتها خزيا وعارا؛ وغلظ أمر ذلك الطاغية حتى فدح التهائم والنجود، وأخاف القريب والبعيد. حدثني من سمعه يقول، وقد قوي طمعه، ولج به جشعه: على رذريق فتحت هذه الجزيرة، ورذريق يستنقذها - كلمة ملأت الصدور، وخيلت وقوع المخوف والمحذور.
وكان هذا البائقة وقته في درب شهامته، واجتماع حزامته، وتناهي
[ ٥ / ٩٩ ]
صرامته، آية من آيات ربه، إلى أن رماه [الله] سريعا بحتفه، وأماته ببلنسية حتف أنفه؛ وكان - لعنه الله - منصور العلم، مظفرا على طوائف العجم، لقي زعماءهم مرارا كغرسية المنبوز بالفم المعوج، ورأس الافرنج، وابن رذمير، ففل حد جنودهم، وقتل بعدده اليسير كثير عديدهم، وكان - زعموا - تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويتعجب.
وفي بلنسية [يومئذ] يقول أبو اسحاق ابن خفاجة:
عاثت بساحتك العدا يا دار ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها وتمخضت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها " لا أنت أنت ولا الديار ديار "
وتجرد أمير المسلمين - ﵀ - لما بلغه هذا النبأ الفظيع، واتصل به هذا الرزء الشنيع، فكانت قذى أجفانه، وجماع شانه، وشغل يده ولسانه، يسرب إليها الرجال والأموال، وينصب عليها الحبائل والحبال، والحرب هنالك سجال، والحال بين العدو وبين عساكر أمير
[ ٥ / ١٠٠ ]
المسلمين في ذلك إدبار وإقبال، حتى رخص عارها، وغسل شنارها، وكان آخر أمراء أجناده، المجهزين إليها في جماهير أعداده، الأمير أبو محمد مزدلي، ظبة حسامه، وسلك نظامه، ففتحها الله عليه، وأذن في تخلصها على يديه، في شهر رمضان سنة خمس وتسعين، كتب الله في عليين، وجزاه عن جده [٢٥أ] وجهاده أفضل جزاء المحسنين.
وفي ذلك كتب أبو عبد الرحمن بن طاهر إلى الوزير أبي عبد الملك ابن عبد العزيز [رقعة] يقول فيها: كتبت منتصف الشهر المبارك، وقد وافى بدخول بلنسية - جبرها الله - الفتح، بعد ما خامرها القبح، فأضرم أكثرها نارا، وتركها آية للسائلين واعتبارا، وتغشاها سوادا، كما لبست عليه حدادا، فهي تنظر من طرف خفي، وتتنفس عن قلب يقلب على جمر ذكي، غير أنه بقي لها جسمها الأنعم، وتربها الأكرم، الذي هو المسك الأذفر، والذهب الأحمر، وحدائقها الغلب، ونهرها العذب، وبسعد أمير المسلمين [وناصر الدين] وإقباله عليها ينجلي
[ ٥ / ١٠١ ]
عنها ظلامها، ويعود عليها حليها ونظامها، وتروح في الحلل، وتبرز كالشمس في بيت الحمل. فالحمد لله مالك الملك، مطهرها من الشرك، وفي عودتها إلى الإسلام عز وعزاء، عما نفذ به قدر وقضاء.
وكتب أيضا إثر ذلك إلى الوزير الفقيه ابن جحاف يعزيه بابن عمه أبي أحمد المحرق المتقدم الذكر: مثلك - وقاك الله المحاذير - في وفور الدين، وصحة اليقين، وسلامة الضمير، وعدم النظير، وقوة الرجحان، ومعرفة الزمان، أعطى الحوادث صبرا، وردها على أعقابها صغرا، فلم يخضع لصولتها، ولم يحفل بسورتها، ودرى أنها الأيام والغير، والحمام والقدر.
ودارت الخطوب - عصمك الله من إلمامها، وحماك من اخترامها - بمصرع الفقيه القاضي أبي أحمد، [ابن] عمك، عفا الله عنه، ومهلكه، وانحطاطه من فلكه، فانقضت لعمري نجوم المجد بانقضاضه، وبكت سماء الفضل على تداعيه وانفضاضه، فانه كان من جمال المذاهب، والغوث عند النوائب، بحيث يكون الغيث في قنط المحل، والحلب عند انقطاع الرسل، بعيدا عن القسوة، صفوحا عن الهفوة، عطوفا على الجيران، عزيزا على الإخوان، يستهوي القلوب ببشره، ويتملك الأحرار ببره، وإن الدنيا بعده لفي حداد، لما قصدته به من داهية نآد، قائما بأعبائها، مبيرا لأعدائها، فهي تبكيه بأربعة سجام، وتندبه في
[ ٥ / ١٠٢ ]
كل مقام، فما أسرع ما سلبته المنون، وقد قرت به منكم العيون، وطوقكم طوق الفخار، وأناف بقدركم على الأقدار؛ فانا لله وإنا إليه راجعون، على أليم المصاب، وعند [٢٥ب] الله نحتسب كريم الأصل والنصاب، وطودا منيعا، وقرما رفيعا، وقد تساوينا في الرزية، فلنعدل إلى التسلية، فذلك أوفر ذخرا، وأعظم أجرا.
قال أبو الحسن: وأبو عبد الرحمن اكثر إحسانا، وأوضح خبرا وعيانا، من أن يحاط بأخباره، أو يعير عن جلاله مقداره، وقد استوفيت معظم كلامه في كتاب مفرد ترجمته ب " سلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر " وهو اليوم ببلنسية سالم ينطق، وحي يرزق، وقد نيف على الثمانين، وما أحوجت سمعه إلى ترجمان، بل هو حتى الآن يهب الطروس من ألفاظه ما يفضح العقود الدرية، وتعسعس معه الليالي البدرية، وفيما أوردناه كفاية، ومن الذي يمكنه النهاية -.
ذو الوزارتين أبو عامر ابن الفرج
من بيته رياسة، وعترة نفاسة، ما منهم إلا من تحدى بالإمارة، وتردى بالوزارة، فأومض في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخول؛ وأبو
[ ٥ / ١٠٣ ]
عامر هذا أحد أنجادهم، ومتقلد مجادهم، فاقهم أدبا ونبلا، وباراهم كرما [تخاله] وبلا، إلا أنه بقي وذهبوا، ولقي من الأيام ما رهبوا، فعاين تنكرها، وشرب عكرها، وجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء قداحا متواليا الاخفاق، فانخمل قدره، وتوالى عليه جور الزمان وغدره، فاندفنت أخباره، وعفت آثاره، وقد أثبت له بعض ما قاله وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه قد انبرت، فمن ذلك:
الشمس أنت وقد أظل طلوعها فاطلع وبين يديك فجر صادق وكان له ابن مكبود قد أعيا علاجه، وتهيأ للفساد بذلك مزاجه، فدل على خمر قديمة فلم يعلم بها إلا عند فتى وسيم، فكتب إليه:
أرسل بها مثل ودك أرق من ماء خدك
شقيقة النفس فانضح بها جوى ابني وعبدك وكتب معتذرا عن تخلفه عمن جاءه منذرا:
ما تخلفت عنك إلا لعذر ودليلي في ذاك حرصي عليكا
هبك أن الفراق عن غير عذر أتراه يكون إلا إليكا [٢٦أ] فصل في ذكر ذي الوزارتين القائد أبي عيسى ابن لبون
أحد وزراء ابن ذي النون المعتزين في دولته، المعدين لباسه وصولته، ولكنه ثار، وخاض الهول المثار، وخلص من الهلك، واقتنص نافر الملك، وكان
[ ٥ / ١٠٤ ]
شهم الفؤاد، معدودا في الأجواد، مفضلا في الوزراء والقواد، حصل بمربيطر واقتطعتها، وحل بها سلك الرياسة ومطلعها، وما خلع اسم الوزارة، ولا تسوغ سواها من أمه وزاره، فغدت به منزع الوافد، وكانت عنده مشاهد، تزف للمنى أبكارها نواهد، يراق بها نجيع الراح، ويساق إليها ترجيع الأقداح، والدنيا تسعده، وتنجز له ما تعده، إلى أن لعب عليه ابن رزين وخدعه، ولم يف له بما أعطاه منها عوضا وأقطعه، فبقي ضاحيا، وغدا جوه من تلك العدة صاحيا.
وله نظم نظم فيه من المحاسن جملا، وأعاد سامعها ثملا، وقد أثبت له ما يدل على نفاسة سبكه، وجودة حبكه، فمن ذلك ما قاله متوجعا لخليط ظعن، وأوغل في شعاب البعد وأمعن:
سقى أرضا ثووها كل مزن وسايرهم سرور وارتياح
فما ألوى بهم ملل ولكن صروف الدهر والقدر المتاح
سأبكي بعدهم حزنا عليهم بدمع في أعنته جماح
وكان بقصر مربيطر في المجلس المشرف منها، والبطحاء قد لبست زخرفها، ودبج الغمام مطرفها، وفيها حدائق ترنو على مقل من جنسها، وتبث طيب نفسها، والجلنار قد لبس أردية الدماء، وراع أفئدة الندماء، فقال:
قم يا نديم أدر علي القرقفا أو ما ترى [زهر] الرياض مفوفا
والجلنار دماء قتلى معرك والياسمين حباب ماء قد طفا
وله:
لحا الله قلبي كم يحن إليكم وقد بعتم حظي وضاع لديكم
[ ٥ / ١٠٥ ]
إذا نحن أنصفناكم من نفوسنا ولم تنصفونا فالسلام عليكم
وله وقد كتب إليه راشد بن سليمان بالتمويل، وكان عهد اليه ألا يخاطبه إلا بالتسويد:
ثقلت روحي أيما تثقيل فيما قصدت له من التمويل [٢٦ب]
هذا على أني عهدتك خفة كرسول برء حل عند عليل
فراجعه:
لا والذي ولاك ألوية الندى وحباك من خطط العلا بجزيل
ما حدث عن سنن الكتابة عامدا ولو اعتمدت فعلت فعل نبيل
لكن بناني أنكرت ما عودت فتبرعت بكتابة التمويل
ولرب سر كامن عند امرئ أبداه بعض مقاله المفعول
لله رقعتك التي ضمنتها معنى النهى من لفظك المعسول
نظم وعيشك او غدا نثرا لما قدرته إلا من التنزيل
وافى به لو أمنت صدوده عني غمرت يديه بالتقبيل
وله يرثي ذا الوزارتين أبا محمد أخاه:
قل لصرف الزمان كم ذا التناهي في تلقيك لي بهذي الدواهي
كان في عامر وأرقم ما يكفي فهلا أبقيت عبد الإله
فيه قد كنت بعد استدفع الخطب وأسطو على العدا وأباهي
أي شمس وافى عليها أفول فل غربي عزائمي ونواهي
وكتب إلى ابن اليسع:
لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزن يسكب أحيانا وينحدر
والأرض مصفرة بالمزن أبصرت تبرا عليه الدر ينتثر
[ ٥ / ١٠٦ ]
وله:
يارب ليل شربنا فيه صافية حمراء في لونها تنفي التباريحا
ترى الفراش على الأكواس طائفة كأنها أبصرت منها مصابيحا
وله بعد زواله عن ملكه، وأخذ سلطانه من سلكه، يحن إلى لياليه السالفة، وظلال أنسه الوارفة:
يا ليت شعري وهل في ليت من أرب هيهات لا تقتضى من ليت آراب
أين الشموس التي كانت تطالعنا والجو من فوقه لليل جلباب
وأين تلك الليالي إذ تلم بنا فيها وقد نام حراس وحجاب
تبدي إلينا لجينا حشوة ذهب أنامل العاج والأطراف عناب [٢٧أ]
وله وقد بات له الأسى ملء الجوانح، وعوض بالبارح من السانح:
خليلي عوجا بي على مسقط الحمى لعل رسوم الدار لم تتغيرا
فاسأل عن ليل تولى بأنسنا وأندب أياما خلت ثم أعصرا
ليال إذ كان الزمان مسالما وإذا كان غصن العيش مياس أخضرا
وإذا كنت أسقى الراح من كف أغيد يناولنيها رائحا أو مبكرا
أعانق منه الغصن يهتز ناعما وألثم منه البدر يطلع مقمرا
وقد ضربت أيدي الأمان قبابها علينا وكف الدهر عنا وأقصرا
فما شئت من لهو وما شئت من دد ومن مبسم يجنيك عذبا مؤشرا
وما شئت من عود يغنيك مفصحا " سما لك شوق بعدما كان أقصرا "
[ ٥ / ١٠٧ ]
ولكنها الدنيا تخادع أهلها تغر بصفو وهي تطوي تكدرا
لقد أوردتني بعد ذلك كله موارد ما ألفيت عنهن مصدرا
وكم كابدت نفسي لها من ملمة وكم بات طرفي من أساها مسهرا
خليلي ما بالي على صدق نيتي أرى من زماني ونية [وتعذرا]
والله ما أدري لأي جريمة تجنى ولا عن أي ذنب تغيرا
ولم أكفي كسب المكارم عاجزا ولا كنت في نيل أنيل مقصرا
لئن ساء تمزيق الزمان لدولتي لقد رد عن جهل كثير وبصرا
وأيقظ من نوم الغرارة نائما وكسب علما بالزمان وبالورى
وله يأنف من المقام على ما رتب له من الإجراء، ويكلف بالإدلاج والإسرار:
ذروني أجب شرق البلاد وغربها لأشفي نفسي أو أموت بدائي
فلست ككلب السوء يرضيه مربض وعظم ولكني عقاب سماء
وكنت إذا [ما] بلدة لي تنكرت شددت إلى أخرى مطي إبائي
وسرت ولا ألوي على متعذر وسممت لا أصغي إلى النصحاء
كشمس تبدت للعيون بمشرق صباحا وفي غرب أصيل مساء [٢٧ب]
وله في ذم الدنيا:
نفضت كفي عن الدنيا وقلت لها إليك عني فما في الحق أغتبن
من كسر بيتي لي روض ومن كتبي جليس صدق على الأسرار مؤتمن
أدري به ما جرى في الدهر من خبر فعنده الحق مسطور ومختزن
وما مصابي سوى موتي ويدفعني قوم وما لهم علم بمن دفنوا
[ ٥ / ١٠٨ ]
فصل في ذكر ذي الرياستين أبي مروان عبد الملك بن رزين المتقلب من الألقاب السلطانية بحسام الدولة؛ والإعلان بأولية أمره، وإثبات قطعة من متخير شعره.
قال أبو الحسن: كان [جد] ابن رزين الأول من كبار الجند، وأعلام الوفد، ومشهور أهل الحل والعقد؛ انطوى عني كيف كان نجومهم، وخفي علي من أين نشأت غيومهم، ولم أظفر من ذلك إلا بما حكاه أبو مروان ابن حيان من خبر جده هذيل بن رزين، وقد أثبته بنصه، وأتيت من حديثهم بفصه:
قال ابن حيان: وأما أبو محمد هذيل بن خلف بن لب بن رزين المعروف بابن الأصلع صاحب السهلة - موسطة ما بين الثغر الأعلى والأدنى بقرطبة - فإنه كان من أكابر برابر الثغر، ورث ذلك عن سلفه، ثم سما لأول الفتنة إلى اقتطاع عمله، والامارة لجماعته، والتقيل لجاره إسماعيل ابن ذي النون في الشرود عن سلطان قرطبة، فاستوى له من ذلك ما أراد هو وغيره من جميع من انتزى في الأطراف، غربا وشرقا وقبلة
[ ٥ / ١٠٩ ]
وجوفا، إلا أن هذيلا هذا مع تعززه على المخلوع هشام لم يخرج عن طاعته، ولا وافق الحاجب منذرا ولا جماعة المتمالئين على هشام في شيء من شأن سليمان عدوه، إلى أن ظفر بهشام، فسلك هذيل مسلكهم، فرضي منه سليمان بذلك [وعقد له ما في يده هنالك، لعجزه عنه، فزاده ذلك بعادا منه] وتمرس به الحاجب منذر بن يحيى مدرجا له في طي من استتبعه واشتمل عليه من أصاغر أمراء الثغر النازلين في ضبنه، فأبت له نفسه البخوع له والانضمام إليه، فرد مره وحاده، وصار ضده، وأجاره منعه معقلة وشجاعة رجاله، وظاهر أعداء منذر حتى حالف الموالي العامريين، واستمر معهم على دعوة هشام المخلوع وقطع دعوة سليمان، وكانت واقعية [٢٨أ] الله عليه كونه بسطة الثغر، فصار ذلك أرد الأشياء للبرابر [عنه]، فسلم من معرة الفتنة أكثر وقته، وتخطته الحوادث لقوة سعده، فتبنك النعمة وصفا عيشه، واقتصر مع ذلك على ضبط بلده الموسوم بولاية والده، وترك التجاوز لحده والامتداد إلى شيء من أعمال غيره، فاستقام أمره، وعمر بلده، وأنظر بعد جمهور الثوار بالأندلس شأوا بحياة. وليس في بلد
[ ٥ / ١١٠ ]
الثغر أخصب بقعة من سهلته هذه المنسوبة إلى بني رزين، سلفه، في اتصال عمارتها، فكثر ماله إذ ناغى جاره وشبهه في جميع المال إسماعيل ابن ذي النون، ونافسه من خلال البخل وفرط القسوة فبذه، وكان مع ذلك شابا جميل الوجه حمي الأنف غليظ العقاب جبارا مستكبرا [صار] إليه أمر والده منبعث الفتنة، وهو فتى كما اجمع وجهه، تبع العشرين من سنه، فأنجده الصبا على الجهالة، وقواه الشباب على المعصية، فبعد في الشرود شأوه، فلم يحالف أحدا من الأمراء على أداة إتاوة، ولا حظي أمراء الفتنة منه بسوى إقامة الدعوة فقط، دون بذل درهم معونة، أو إمداد بفارس نصرة، أو مشاركة للجماعة في حلوة أو مرة، على كثرة ما طرق الحضرة من خطوب دهم استخفت البطاء، وقربت البعداء فضلا عن الأولياء، إلا ما كان من هذه الحية الصماء، فانه لم يزل على تصاممه عن كل نداء، إلى أن مضى بسبيله والذم حبيس عليه، والأخبار شائعة عن جهله وفظاظته، حتى زعموا أنه سطا بوالدته لتهمه لحقتها عنده، فتولى قتلها [زعموا] بيده، وكان أشنع ما كان من كبائره.
قال أبو مروان: وكان هذيل هذا بارع الجمال، حسن الخلق، جميل العشرة، ظاهر المروءة، لم ير في الأمراء أبهى منه منظرا مع طلاقة
[ ٥ / ١١١ ]
لسانه، وحسن توصله إلى حاجته دون معرفة. وكان مع ذلك أرفع الملوك همة في اكتساب الآلات والكسوة، وهو أول من بالغ الثمن بالأندلس في شراء القيتات، اشترى جارية أبي عبد الله المتطبب ابن الكتاني، بعد أن احجمت الملوك عنها لغلاء سومها، فأعطاه غيها ثلاثة آلاف دينار فملكها، وكانت واحدة القيان في وقتها، لا نظير لها في معناها، لم ير أخف منها روحا، ولا أملح [٢٨ب] حركة، ولا ألين إشارة، ولا أطيب غناء، ولا أجود كتابة، ولا أملح خطأ، ولا أبرع أدبا، ولا أحضر شاهدا على سائر ما تحسنه وتدعيه، مع السلامة من اللحن فيما تكتبه وتغنيه، إلى الشروع في علم صالح من الطب ينبسط بها القول في المدخل إلى علم الطبيعة وهيئة تشريح الأعضاء الباطنة وغير ذلك مما يقصر عنه كثير من منحلي الصناعة، إلى حركة بديعة في معالجة صناعة الثقاف والمجاولة بالحجفة واللعب بالسيوف والأسنة والخناجر المرهفة، وغير ذلك من أنواع اللعب المطربة، لم يسمع لها بنظير ولا مثيل ولا عديل. وابتاع إليها كثيرا من المحسنات المشهورات بالتجويد، طلبهن بكل جهة، فكانت ستارته في ذاك أرفع ستائر الملوك بالأندلس. وحدثت عنه أنه اجتمع عنده مائة وخمسون حظية، ومن الصقلب المجابيب ستون وصيفا لم تجمع عند أحد من نظرائه؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وأما ذو الرياستين فكان له طبع يدعوه فيجيبه، ويرمي ثغره الصواب عن قوسه فيصيبه، على ازدراء كان منه بالأمة، وقلة استخذاء لمن عسى ان يأخذ عنه من الأئمة، وربما خالسهم الكلمة بين
[ ٥ / ١١٢ ]
مغالطة وأنفة، وعول في أكثر ما يقرأ على تعاليقه وصحفه، وكثيرا ما رأيت في شعره وشعر غيره ممن سلك هذا المسلك، بيداء مضلة لا تسلك، وأغاليط لا تستدرك. وبالجملة فلو جرى ذو الرياستين على عفوه، وعرف منتهى شأوه، لكان شاعرا مجيدا، وناثرا معدودا؛ وقد أخرجت من نظمه ونثره ما هو الشاهد على أديت من ذكره.
نسخة رقعة له خاطب بها ابن طاهر المذكور قال فيها: من عرف - أعزك الله - الأيام وصروفها، وخلقها وصنوفها،، وخبرها على مناقلها، في وجوه تداولها، وحل محلك من التمييز، والسبق والتبريز، لم تزده شدتها إلا معتبرا، وشكرا لله وتدبرا، وما زلت - أعزك الله - القاك بالود على البعد، فأراك بتقدمك في الأعيان، وإن لم أرك بالعيان، واستخبر الأخبار فأسمع ما يقرع صفاة الكبد منك بانحاء الزمان عليك، وتنكره لك، إلى أن ورد علي فلان صادرا عن ذلك الأفق، فما قدمت على الاستفهام عن ذلك، والاستعلام بحالك، فذكر ما أزعج وكدر ارتماضا لمثلك أن يعوزه مرام، أو ينبو [٢٩أ] به مقام، فجردت عن ساعد الشفاعة عند فلان في صرف ما يمكن من أملاكك، فوقع
[ ٥ / ١١٣ ]
الاعتذار بأنه أمر محظور، تقدم فيه من أمير المسلمين أمر محذور، وأشار إلى إجراء ما يلم بالاكتفاء.
وفي فصل منها: وأنا أعرض عليك - أعزك الله - ما هو الأوفق لي، والأحق بي، عن عزيمة مكينة، ورغبة وكيدة، من التنقل إلى جهتي، والاختلاط بي وبلحمتي، فأستوفي الحظ من مؤانستك، واستنفد الوسع في تكرمتك، وأقاسمك خاص ضياعي، ومعلوم أملاكي [ورباعي]، وإن شق عليك الكون بجهتي - جهتك - لبرد هوائها، وبعد أحائها، فهذه شنتمرية أقف طاعتها عليك، وأصرف أمرها إليك الفضل في مراجعتي بما يستقر عليه رأيك، ويأتي به إيجابك، مكرما مواصلا، إن شاء الله.
فراجعه ابن طاهر برقعة قد كتبناها في رسالته [وبالله التوفيق] .
ومن شعر ذي الرياستين مما نقله من خط ابنه، قال:
أدرها مداما كالغزالة مزة تلين لرائيها وتأبى على اللمس
وتبدو إلى الأبصار دون تجسم على أنها تخفى على الذهن والحس
إذا شعشعت في الكاس خلت حبابها لآلى قد رفعن في لبة الشمس
موكلة بالهم تهزم جيشه بجيش الأماني والمسرة والأنس
فإن شئت قل فيها أرق من الهوا وإن شئت قل فيها أرق من النفس
قال أبو الحسن: البيتان الأولان من هذه القطعة صبح بلا صبوح
[ ٥ / ١١٤ ]
وجسد بلا روح، استأذن بهما على قول الحسن فما وصل، ودندن حول ذلك المقطع المستحسن فما تحصل له ولا حصل، ومنحى الحسن الذي انتحاه، وميدانه الذي رامه بزعمه وتعاطاه، قوله:
أكل الدهر ما تجسم منها وتبقى لبابها المكنونا
فإذا ما لمستها فهباء تمنع الكف ما تبيح العيونا
ولبعضهم في قريب منه:
وخمارة من بنات الملوك ترى الزق في بيتها شائلا [٢٩ب]
مددنا لها ذهبا جامدا فكانت لنا ذهبا سائلا
وبلغني أنه غني المعتمد بن عباد بهما فزاد فيهما هذا البيت:
وقلنا خذي جوهرا ثابتا فقالت: خذوا عرضا زائلا
وقال ابن المعتز:
لك يبق منها البلى [شيئا] سوى شبح بقية الشك بين الصدق والكذب
ولبعض أهل العصر في قريب من هذا الوصف، وإن كان في ذكر السيف:
تدب المنايا الحمر من جنباته على جامد في الكف، في العين ذائب
وقال ابن رزين:
[ ٥ / ١١٥ ]
يا رب ليل أطال الهجر لذته فأيأس العمر عن إدراك منتصفه
ليل تطاول حتى قد تبين لي عند التأمل أن الدهر من سدفه
وله:
أنا ملك تجمعت في خمس كلها للأنام محي مميت
هي ذهن وحكمة ومضاء وكلام في وقته وسكوت
وهذا البيت قلب معناه، فيما أراه، من قول الأول، وأحسن ما شاء:
وإن كلام المرء في غير كنهه لكالنبل يهوي ليس فيه نصاله
ومن غريب شعر ابن رزين قوله:
أخسس بمجلس معشر ما فيه إلا الطنز بر
جلساؤه قوم ثقال كلهم خبث وشر
ما فيهم إلا دنيء أو غبي أو مضر
أسد على ثلب الكرام وإن وزنتهم فذر
هذا يغوث بل أضل وذا يعوق وذاك نسر
ذاك المحل كواد عوف ليس يلقى فيه حر
وهذا من طرق تلك الزيزاء التي تعسفها وحده، وبعض الشؤون التي عول فيها على ما عنده؛ إذ هذا المثل يضرب للسيد المنيع الذي غلب
[ ٥ / ١١٦ ]
الناس على السيادة، أو قسرهم على ما تعين منهم وأراده ولو ألمعت في هذا الكتاب بشيء [٣٠أ] من التفسير لاجتليت كل ما قيل فيه، ولنثرت ما خفي على ذي الرياستين من مطاويه، وقد ذكرت من ذلك جملة موفورة، في كتاب: " سر الذخيرة ".
ما أخرجته من شعر ذي الرياستين في النسيب وما يناسبه
[قال]:
أنحى على جسمي النحول فلم يدع متوهما من رسمه المعلوم
عبثت به أيدي الضنا فكأنه سر خفي في ضمير كتوم
وقال:
أقسمت بالورد الجني ورنتي ناي وعود
لأواصلنك بالرضى أو تأنفن من الصدود
ولأشربنك بالمنى ولألثمنك من بعيد
ولأرضينك ان سخطت بذلة الدنف العميد
ولأعطفنك بالخضوع وبالقنوع وبالسجود
فبحق ما فيك من لعس ومن ثغر برود
أدمي يضيع وشاهدا خديك في عقد الشهود
وقال:
[ ٥ / ١١٧ ]
أترى الزمان يسرنا بتلاق ويضم مشتاقا إلى مشتاق
وتعض تفاح النهود شفاهنا فلطالما شردن بالأحداق
ويعيد أنفسنا إلى أجسادها فلطالما شردت على الآفاق
وقال:
تزهدني في الزهد عين مريضة يمرضني من لحظها ما أعلني
ولم تبق نفسي غير شادن عساي أفديه بها ولعلني
شكوت إلى فيه الذي من الظما فأنهلني عذب الرضاب وعلني
وقال:
إذا زهدتني خيفة الردى جلت لي عن وجد يزهد [في الزهد]
فلا دمع ما لم يجر في إثره دم ولا وجد ما لم يغن عن صفة الوجد
وقال:
برح السقم بي فليس صحيحا من رأت عينه عيونا مراضا
ان للأعين المراض سهاما صيرت أنفس الورى أغراضا
جوهر الحسن منذ أعرض للقلب ثنى الجسم كله أعراضا
وقال:
يا مقلة الظبي الغرير ووجنة القمر المنير
ومصيب حبات القلوب بزاعبيات الفتور
[ ٥ / ١١٨ ]
تالله إن لم تترك عن ذا الجفاء وذا النفور
لأسرحن لواحظي في ذلك الورد النضير
ولآكلنك بالمنى ولأشربنك بالضمير
وقال يفخر:
من كثر الجند رأى سعده يصعد حتى ينتهى حده
ومن أذل المال عزت به أيامه وانصرفت جنده
فاهدم بناء البخل وارفض به من هدم البخل بنى مجده
لا عاش إلا جائعا نائعا من عاش في أمواله وحده
وقال:
شأوت آل رزين غير محتفل وهم على ما علمتم أفضل الأمم
قوم إذا سئلوا أغنوا، وان حربوا أفنوا، وان سوبقوا جازوا مدى الكرم
جادوا فما يتعاطى جود أنملهم مد البحار ولا هطالة الديم
وما ارتقيت إلى العليا بلا سبب هيهات هل أحد يسعى بلا قدم
فمن يرم جاهدا إدراك منزلتي فليحكني في الندى والسيف والقلم
وقال:
وروض كساه الطل وشيا مجددا فأضحى مقيما للنفوس ومقعدا
إذا صافحته الريح خلت غصونه رواقص في خضر من العصب ميدا
إذا ما انسكاب الماء عانيت خلته وقد كسرته راحة الريح مبردا
وان سكنت عنه حسبت صفاءه حساما صقيلا صافي المتن جردا
[ ٥ / ١١٩ ]
وغنت به ورق الحمائم حولنا غناء ينسيك الغريض ومعبدا
فلا تحقرن الدهر ما دام مسعدا ومد إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداما من غزال كأنه إذا ما سعى بدر تحمل فرقدا
وهذا البيت الأخير معناه مشهور وهو كثير في أشعارهم، ومنه قول عنان جارية الناطفي، وقد روي لأبي نواس:
وكأنها والكاس فوق بنانها شمس يمد بها إليك هلال
وقال ابن الرومي:
قمر يقبل عارض الشمس
وقال ذو الرياستين [٣١أ] [من جملة أبيات]:
قد خرجنا من ازدحام القتام كشموس خرجن تحت الغمام
وحصلنا في نزهتين وفي حسنين بين المياه والآكام
بين [روض] مدبج وغصون تتثنى كشاربات المدام
غردت فوقنا البلابل والورق فأرقنني وهجن غرامي
ذلك طير أطار قلبي شوقا وحمام مغرد بحمام
وكتب إليه أبو جعفر سعدون بهذه الأبيات:
[فديناك لا يسطيعك النظم والنثر فأنت مليك الأرض وانفصل الأمر]
[ ٥ / ١٢٠ ]
وقد جلبت ساعاتنا لهو يومنا وساعد سعد منه لو ساعد السكر
وفضلك للجود المتمم ضامن فمن عنده خمر ومن عندنا شكر
فأجابه ذو الرياستين:
رغبتم وأرغبناكم وهي الخمر فما لم يكن سكران فليكن السكر
إليكم فاني في الوغى والندى فتى هو البحر إن أعطى وإن صال فالدهر
أخبر الوزير أبو عامر بن سنون أنه اصطبح يوما والجو سماكي العوارف، لازوردي المطاف، والروض [أنيقة لباته] رفيقة هباته، والنور مبتل، والنسيم معتل، ومعه قومه، وقد راقهم يومه، وصلاته تصافح معتفيهم، ومبراته تشافه موافيهم، والراح تشعشع، و[ماء] الأماني ينشع، فكتب إلى ابن عمار وهو ضيفه:
ضمان على الأيام أن ابلغ المنى إذا كنت في ودي مسرا ومعلنا
فلو تسأل الأيام من هو مفرد بود ابن عمار لقلت لها: أنا
فإن حالت الأيام بيني وبينه فكيف يطيب العيش أو يحسن الغنى
فأجابه:
هصرت لي الأيام طيبة الجنى وسوغتني الأحوال مقبلة المنى
وألبستني النعما أغض من الندى وأجمل من وشي الربيع وأحسنا
وكم ليلة أحظيتني بحضورها فبت سميرا للسناء وللسنا
أعلل نفسي بالمكارم والعلا وأذني وكفي بالغناء وبالغنى
[ ٥ / ١٢١ ]
سأقرن بالتمويل ذكرك كلما تعاورت الأسماء غيرك والكنى [٣١ ب]
لأوسعتني قولا وطولا كلاهما يطوق أعناقا ويخرس ألسنا
وشرفتني من قطعة الروضة التي تناثر فيها الطبع وردا وسوسنا
تروق بجيد الملك عقدا مرصعا وتزهى على عطفيه وشيا معينا
فدم هكذا يا فارس الدست والوغى لتطغن طورا بالكلام وبالقنا
وكتب إليه الوزير أبو جعفر بن سعدون وقد اصطبح يوما بحضرته وللرذاذ رش، وللربيع على [وجه] الأرض فرش، وقد صقل الغمام الأزهار حتى أذهب نمشها، وسقاها فأروى عطشها:
فديناك لا يسطيعك النظم والنثر فأنت مليك الأرض وانفصل الأمر
مرينا نداك الغمر فانهل صيبا كما سكبت وطفاء أو فتق البحر
وجاء الربيع الطلق يندى غضارة فحيتك منه الشمس والروض والنهر
وما منهم إلا إليك انتماؤه جبينك والجود المتمم والبشر
خلا منك دهر قد مضى بعبوسه فلما أتت أيامك ابتسم الزهر
فبشرت آمالي بملك هو الورى ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر "
فراجعه:
إليك فلولا أنت لم ينظم الدر ولا التام في مدح نظام ولا نثر
إذا قلت لم ينطق فصيح مذرب ولا ساغ في سمع غناء ولا زمر
لك السبق كم روضت من عاطل الربى وحللت من سحر وقد عدم السحر
ولما ملكت القول قهرا وعنوة أطاعك جيش النظم وائتمر النثر
[ ٥ / ١٢٢ ]
فلا نقل إلا ما تقول بديهة ولا خمر ما لم تأت من فمك الخمر
ثم وجه فيه إلى روضة قد أرجت نفحاتها، وتدبجت ساحتها، وتجردت جداولها كالبواتر، ورمقت أزهارها بعيون فواتر، فقال ذو الرياستين:
روض كساه الطل -. .. - البيت [٣٢أ]
وللكاتب أبي الحسن ابن سابق عندما وصل مربيطر عند تخلي أبي عيسى بن لبون عنها، وكان في جملة من انحرف عن ابن لبون، وتشوف إلى المستعين، وورد على غير عذب ولا معين، فقال أبو الحسن:
من كل يطلب من اصحابنا صلة على فراق أبي عيسى بن لبون
فليس يقنعني من بعده عوض ولو جعلت على أموال قارون
قد كان كنزي فكف الدهر عنده يدي والدهر يمتع بالنعمى إلى حين
كأن قلبي إذا ذوكرت فرقته مقلب فوق أطراف السكاكين
فلما سمع قوله هذا ابن رزين قال:
هبوا لنا حظكم من آل لبون كم تبخلون علينا بالرياحين
لا تعذلونا فحق أن ننافسكم في أكرم الناس في الدنيا وفي الدين
ذاك الوفي الذي نيطت تمائمه عند الفطام على حلم ابن سيرين
اختارنا فتخيرناه صاحبنا وكلنا في أخيه غير مغبون
إن كان أنشر ذكري في بلادكم لأنشرن له يحيى بن ذي النون
وكل من حوله حاظ بحظوته يغشى الحسود بترفيع وتمكين
[ ٥ / ١٢٣ ]
حتى تقول الليالي وهي صادقة هذا السموأل في هذي السلاطين
وله:
رب صفراء تردت بشحوب العاشقينا
مثل فعل النار فيها تفعل الآجال فينا
وله يتشوق إلى ودعه، وأجرى بعده أدمعه:
دع الدمع يفني العين ليلة ودعوا إذا انقلبوا بالقلب لا كان مدمع
سروا كاغتداء الطير، لا الصبر بعدهم جميل، ولا طول الملامة ينفع
أضيق بحمل الفادحات من النوى وصدري من الأرض البسيطة أوسع
وإن كنت خلاع العذار فإنني لبست من العلياء ما ليس يخلع [٣٢ب]
إذا سلت الألحاظ سيفا خشيته وفي الحرب لا أخشى ولا أتوقع
وأخبر أبو عامر بن سنون، أنه كان معه بمنية العيون، في يوم مطرز الأديم، [ومجلس] معزز النديم، والأنس يغازلهم من كل ثنية، ويواصلهم بكل أمنية، فسكر أحد الحاضرين سكرا مثل له ميدان الحرب، وسهل عليه مستوعر الطعن والضرب، فقال:
نفس الذليل تعز بالجريال فيقاتل الأقران دون قتال
كم من جبان ذي افتخار باطل بالخمر تحسبه من الأبطال
كبش الندي تخمطا وعرامة وإذا تشب الحرب شاه نزال
وله:
برح السقم -[البيت [
[ ٥ / ١٢٤ ]
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي محمد عبد الله ابن الفقيه أبي عمر بن عبد البر النمري وسياقه فصول من ترسيله، تشهد لمن قال بتفضيله.
كان أبو محمد قد حل من كتاب الإقليم، محل القمر من النجوم، وتصرف في التأخير والتقديم، تصرف الشفرة في الأديم، وله ولأبيه قلبه لواء سبق، ولسان صدق، وكفى بأبيه علما لا يخفى، ورحما من العلم لا تجفى، وتواليفه اليوم تيجان رؤوس العظماء، وأسوة العلم والعلماء. ولما شأى أبو محمد بالأندلس الحلبة، وتبحبح صدر الرتبة، تهادته الآفاق، وامتدت اليه الاعناق، ففاز به قدح عباد بعد طول خصام، والتفات زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورط بين حبائله وحباله، وحل البلد النكد، وركب يومئذ الأسد الورد، وعلى ذلك فكان غص أبو الوليد ابن زيدون بمقدمه، وجهد - زعموا - كل جهد في إراقة دمه، ولهما في ذلك خبر سارت به الركبان، وسمر تهادته السفار في جميع البلدان.
ولما رأى أبو محمد أنه قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، وابتغى إلى الخلاص الوسيلة: زعموا
[ ٥ / ١٢٥ ]
أنه مذ دخل يومئذ لم يزل نافر النفس، منقبض الأنس، فلما استشعر الحذر، وأحس بالتغير، ألقى عصا التسيار، وأخذ في اقتناء [٣٣أ] الضياع والديار، حتى ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام اليه برسالة إلى بعض خلفائه من رؤساء الجزيرة وقته، فجعل أبو محمد يتفادى منها، ويتثاقل عنها وهو يقول: لا أبا لك، تمنعي أشهى لك. ولما انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا واسأله كيف، رجع إلى مستقره من الشرق؛ وأدار الحيلة على أبي عمر بن الحذاء الحائن، فعوضه بضياعه وعقاره، وزين له اللحاق بدار بواره، وسوء قراره. وقد كان عباد قبل ذلك يعده ويمنيه، ويستدرجه ويدليه، فلما طلع عليه لم يزد على أن أسره وقصره، وأظهر من الزهد فيه، أضعاف ما كان يعده ويمنيه، وجعل أبو محمد ابن عبد البر بعد ذلك ينتقل في الدول، كالبدر يترك منزلا عن منزل، وقد جمع التالد إلى الطارف، وكتب عندنا عن ملوك الطوائف، وقد أخرجت من شواهده على الإحسان، ما يليق بغرض هذا الديوان. وكانت وفاة أبي محمد سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
[ ٥ / ١٢٦ ]
جملة ما أخرجته من رسائله السلطانيات
فصل له من رقعة عن ابن مجاهد وقد زف ابنته إلى صمادح: قد انتظمنا [أيدك الله] انتظام السلك، وضرحنا عن مشارب الحال الجامعة لنا قذاة كل شك إفك، وظهر الحق المبين من المين، وتبين الصبح لذي عينين، وأنفذت الهدية المقتضاة، محفوفة بالحرم والمحارم، مكنوفة بالكرائم ثم بالاعلام الأكرام، وانا أسأل في متوجهها ومنقلبها الرعاية الموصولة بك، والكفاية المعهودة منك، حتى يفيء عليها ظلك، ويبوئها مثوى الحفاية محلك، ويحميها حوزك ومكانك، ويؤويها عزك وسلطانك، ثم حسبي عليها كرمك وكنفك، وخليفتي عليها برك ولطفك، فهي الآن ملكك وانت الكريم المسجح، وبضاعة متجري منك وأنت المربح المنجح، فانك - والله يبقيك ويعليك، ويشد قبضتك على [رقاب] أمانيك وأراجيك - ذخر الأبد، وعتاد الأهل والإخوان والولد، وعندك ثمرة النفس وفلذة الكبد، فارقتها عن شدة ضنانة، وأسلمتها بعد طول صيانة، وما زفت إلا إلى كريم يحملها محل الأمانة، ويقضي فيها حق الديانة، ويرعى لها انقطاعها
[ ٥ / ١٢٧ ]
عن أهلها، واغترابها عن ملأها ومنشأها، وهو حكم الله [٣٣ب] الواجب، وقدره الغالب، وسنته المشروعة، ومشيئته المتبوعة. ولنا في رسول الله ﵇ أسوة حسنة، وفيما قاله في مثل هذه قدوة يقتدى بها، وسنة يحتذى عليها، إذ تلا قوله تعالى (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) (الفرقان: ٥٤) وقال ﵇: " انما فاطمة بضعة مني، فمن أكرمها فقد أكرمني، ومن أهانها فقد أهانني ". اللهم بارك لها وبارك عليها.
ولأبي محمد بن عبد البر:
لا تكثرن تأملا واحبس عليك عنان طرفك
فلربما أرسلته فرماك في ميدان حتفك
وكتب إلى بعض إخوانه: من صحب الدهر - أعزك الله - وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامه: من صحة وسقم، ووجود وعدم، وفتاء وهرم، وبعاد واقتراب، وانتزاح واغتراب، واتفق لي ما قد علمت من الانزعاج والاضطراب، والتغرب والإياب، لا والله ما جرى من حركاتي شيء على مرادي واعتقادي، وإنما هيأتها الأقدار والآثار، وعند ورودي أعلمت بنا أصابتك [به] صروف الأيام، من
[ ٥ / ١٢٨ ]
الامتهان والائتلام، فيعلم الله لقد ألمت لذلك نفسي، وساء به أثر الزمان عندي، فقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها، وقد اختلفت أنواعها وصنوفها، على أن الذي أصابك أثقل عبئا، وأعظم رزءا، والله يعظم أجرك، ويجزل ذخرك، ويجعل هذه الحوادث آخر حوادثك، وأعظم كوارثك، حتى يستديم ما بعدها من سراء سابغة تنعم بالك وخاطرك، وتقر عينك وناظرك، ولا زلت من خطوب الدهر في جهة من الكفاية مكينة، ودرع من الحماية حصينة.
وكتب مهنئا للمعتضد بأخذ شلب: كتابي - أعزك الله - عن حال قد أطل جناحها، وآمال قد أسفر صباحها، ويد قد أورى زندها، ونفس قد انتخر وعدها؛ أعزز به من صنع الله لك بحصول قاعدة شلب وذواتها في قبضتك، واستظلال ذلك الأفق بظل طاعتك، وخروج صاحبها عنها من غير عقد عاصم، ولا عهد لازم، قد خاب ظنه في التماسك، وأخلفه أمله في الهالك، فأي نعمة ما أجلها وأجزلها! وأي منة ما أتمها وأجملها! على حين تضاعف حسن موقعها، وبان لطف محلها وموضعها، ولاحت عنوانا في [٣٤أ] صحيفة مساعينا، وبرهانا على تأتي أراجينا، فالحمد لله على ما به وأحسن، حمدا يوافي الحق ويقضيه، ويحتوي على المزيد ويقتضيه، وهو المسئول أن يتبعه بأشكاله، ويشفعه بأمثاله، فظهوري منوط بظهورك، وسروري موصول بسرورك، واتصال حالي بأحوالك، وحبلي بجبالك، هنأك الله
[ ٥ / ١٢٩ ]
وإياي ما خولك، وقرن بالزيادة آلاءه قبلك.
وله يرثي بعض حظاياه:
بعظك بل كلك في الرمس لتفدينك النفس بالنفس
يا فجعة ما مثلها فجعة من ناظر صار إلى رمس
غرس نما حتى إذا ما استوى عدت يد الدهر على الغرس
وله:
قل في الحمام وما عساك تقول النفس تجمع والحمام يصول
يا أيها الملهوف كربا لا تفق إن جل صبرك فالمصاب جليل
وله من أخرى: وقد توغلت معك في أسباب الألفة، وهتكت بيني وبينك ستار المراقبة والكلفة، فأنا أستريح اليك بخفيات سري، وأجلو عليك بنيات صدري، خروجا اليك عما عندي، وجريا معك على ما يقتضيه إخلاص ودي، وجلاء لشواغل بالي، واستظهارا بك على حالي، وشفاء لغصص نفسي، واستدعاء لما شرد ونفر من أنسي، كما ينفث المصدور، ويتلقى برد النسيم المحرور، وكما تفيض النفس عند امتلائها، وتجود العين طلبا للراحة بمائها أو دمائها؛ وكنت أشرت في كتابي بتوجه من توجه من قبلي، ممن كان روح أنسي، وريحان خلدي ونفسي، إلى أن قرع ما قرع من لوعة الفراق، ولدغ ما لدغ من روعة الاشتياق، وأنا أظن أن ذلك عاقبة الصبر تغلبه، والجلد
[ ٥ / ١٣٠ ]
يعقبه، وان انصرام الأيام ينسيه ويذهبه، فإذا هو قد أفرط وزاد، وغلب أو كاد، حتى نفى السلو، ومنع الهدو، وتعدى اللذع إلى الإحتراق، وتجاوز الروع إلى الاطباق، والأفق داج مظلم، والنهار عندي ليل مستبهم، وإني لأستخف لما أوجده حلمي، واستضعف مما أكابده عزمي، واستنهض للثبات تأييدي وحزمي، فينتزع [٣٤ب] بي الإشفاق المستولي، ويترجم الزفير المستعلي، ويتصور لي أن قطعة مني، بانت منفصلة عني، وأن جزءا من أجزائي، ذهب بصبري وعزائي، حتى إذا تفكرت في خروجها إليك، وأنت من أنت، تراجعت وتماسكت، وإذا تذكرت تعريسها بك، وحالك حالك، تصبرت وتمالكت؛ والله يطلعني من سلامة الوصول، وكرامة الحلول، ما يقر العين ويسر النفس، بمنه ويمنه.
قال أبو الحسن: كناية أبي محمد عنها ب " الهدية "، كناية سرية، وإنما احتذى في ذلك حذو بلغاء المشرق - ذكر أبو منصور الثعالبي قال: لما زف بختيار بنته إلى أبي تغلب بالموصل كتب عنه الصابي فصلا بمعناها استحسنته البلغاء وتحفظوه، وأقر له كل بليغ بالبلاغة فيه وهو: قد توجه أبو النجم بدر الحرمي، وهو الأمين على ما يلحظه، الوفي بما يحفظه، يحمل الهدية، وإنما نقلت من وطنت إلى وطن، ومن معرس إلى معرس، ومن مأوى بر وانعطاف، إلى مأوى كرم وألطاف، ومن منبت درت له نعماؤه، إلى منشأ تجود عليه سماؤه؛ وهي بضعة
[ ٥ / ١٣١ ]
مني أنفصلت إليك، وثمرة من جنى قلبي حصلت لديك، وما بان عني من وصلت حبله بحبلك، وتخيرت له بارع فضلك.
وإنما ألم الصابي في هذا أيضا بفصل لابن ثوابة كتبه عن المعتضد إلى ابن طولون في ذكر ابنته قطر الندى المنقولة أيضا إليه، يقول فيه: وأما الوديعة فهي بمنزلة من انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها وحياطة لها، ورعاية لمواتك فيها.
فحكي أن الوزير عبيد الله بن خاقان انتقد الفصل على ابن ثوابة وقال له: ما أقبح ما تفاءلت لامرأة زفت إلى الملك بتسمية الوديعة، والوديعة مستردة، وقولك: من يمينك إلى شمالك أقبح، لأنك جعلت أباها ابن طولون اليمين، والشمال أمير المؤمنين، ولو قلت على حال: وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجل خطرها عندنا، وهي وإن بعدت عنك، بمنزلة من قرب منك، لتفقدنا لها وسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه؛ فكتب الكتاب يومئذ على ذلك.
وكان في جملة من تحمل قطر الندى يومئذ إلى المعتضد أبو عبد الله ابن [٣٥أ] الجصاص، وكان آية من آيات خالقه في الجهل والغباوة، مع وفور الجاه وغلظ النعمة، ونوادره في النوكى مأثورة مذكورة، حدث أبو اسحاق الماذراني قال: خرجنا إلى الشماسية مع الوزير عبيد الله بن سليمان نستقبل ابن الجصاص، وقد وافى بغداد بقطر الندى
[ ٥ / ١٣٢ ]
وبالمعتضد يومئذ علة كبرت معها خصيتاه، فلما سألناه عن أبي الجيش خماريه وعن الحرة قطر الندى قال: أما الأمير ففي عافية، وأما العروسة فجئتكم بزبد من ورق، والله لا يضع الأمير فرد خصيتيه عليها إلا قتلها؛ فأضحك من حضر.
ومن نوكه أنه دخل عليه بعض إخوانه فوجده يصلي وقد أطال السجود، فقال له: ما هذه السجدة - فقال: سألت ربي حاجة، أن يمسخني يوم القيامة حوراء ويزوجني عمر بن الخطاب، قال له: فكنت إذن تسأله أن يزوجك بالنبي ﵇، قال: غششتني يا سيدي، أردت أن تجعلني ضرة لعائشة!
ومن نوكه أنه كان عند الوزير ابن الفرات يوما فذكروا هزارا جارية ابن المعتز وأنها تزوجت بغلامه سريعا بعده، فقال ابن الجصاص لابن الفرات: أعز الله الوزير، لا تثقن بقحبة ولو كانت أمك؛ فتبسم الوزير وانقلب المجلس ضحكا.
وأجيب بختيار يومئذ على كتابه برقعة من إنشاء أبي الفرج الببغاء يقول في فصل منها: وأما أبو النجم بدر فقد أدى الأمانة إلى محتملها، وسلم الذخيرة الجليلة إلى متقبلها، فحلت محل العز في وطنها، وأوت من حمى الأسود إلى مستقرها وسكنها، منتقلة عن عطن الفضل والكمال، إلى كنف السعادة والإقبال، وصادرة عن أنبل ولادة ونسب، إلى أشرف اتصال وأنبه سبب، وفي اليسير من لوازم فروضها وواجبات
[ ٥ / ١٣٣ ]
حقوقها ما عاق رغبتي عن الوصاة بها، وكيف يوصى الناظر بنوره، أم [كيف] يحض القلب على حفظ سروره.
[رجع]:
ولابن عبد البر عن المعتضد إلى أبي عمر أبيه [من] رقعة يقول فيها: إن كنا لم نتعارف ترائيا، ولم نتلاق تدانيا، ففضلك في كل قطر كالمشاهد، وشخصك في كل نفس غير متباعد، فأنت واحد عصرك، وقريع دهرك، علما بيدك لواؤه، وفضلا إليك اعتزاؤه، وكنت كذلك والناس موفورون، والشيوخ [٣٥ب] أحياء يرزقون، فكيف وقد درس الأعلام والكدى، وانتزع العلم بقبض العلماء فانقضى، والله يبارك في عمرك، ويعين كلا على برك؛ وإلى ذلك من مشهور حالك، فبيننا من وكيد السالف، وشديد اتصال التالد والطارف، وأنت له جد ذاكر وبه حق عارف، ورعاية مثل هذا منك تقتبس، ولديك تلتمس؛ ولم تزل نفسي إليك جانحة، وعيني نحوك طامحة، انجذابا إلى العلم ورغبة فيه، ومنافسة في قضاء حقوق حامليه، والناس عندنا إلى ما عندك ظماء، ولدينا الداء وأنت الشفاء، فاجعل بفضلك للغرب منك نصيب الشرق، فهو أولى بك وأحق، وعندي لك من الإعظام والأكرام ما يضاهي حالك، ويسامي آمالك، وقد صار عندي جزء منك متحكما فيه على المنصور - أيده الله - وعليك، وإرادتي
[ ٥ / ١٣٤ ]
أن أجمع شملكما، وأصل حبلكما.
وله عنه من أخرى إلى ابن هود: من اعتقدك -[أعزك الله]- عمادا له وظهيرا، ورآك عتادا وذخيرا، طالعك بحاله وأمره، وأطلعك على حلوه ومره، وخرج إليك عن سره وجهره، وناجاك بمختلجات صدره، ومعتلجات فكره، مستريحا إلى النجوى، بالغا عذر نفسه في الشكوى، واثقا بقضائك الفصل فيما يورده، عالما بحكمك العدل في ما يعدده، راضيا بانصافك في ما يقدره لديك ويمهده، والله لا يعدمني الاستظهار برأيك أعشو إليه سراجا، وسعيك أحتذي عليه منهاجا، وقد علمت صورة حالي مع المدبرين لقرطبة وصبري لهم في الخطير والجليل، وانجراري معهم الزمن الطويل، مغضيا لهم على ما يوحش ويريب، مغمضا لهم على بوادر لا تزال تنوب وتثوب، على أنها جنايات قعدة، لا نكايات مردة، وأن وسعهم لا يتعدى هذا الحد، وطوقهم لا يتجاوز هذا الجد.
وفي فصل منها: فلم تزل عقارب سعيهم إلي تدب، وريح جنايات بغيهم علي تهب، وأنا في كل ذلك أقابل تخشينهم بالتلين، وأتلقى غلي مراجلهم بالتسكين، أتغاضى عما يردني منهم مرة، وأغالط
[ ٥ / ١٣٥ ]
نفسي في التأويل تارة، ولا أقارضهم عن شيء مما يطالبونني فيهم مساترة ومجاهرة، مع إمكان المقارضة سرا وعلانية، طاعة مني لعواطف النفس، في الإبقاء على الجنس، ما وجدت إلى الإبقاء سبيلا، وعليه معينا، [٣٦أ] وكنت أرجو مع ذلك أن يثوب ثائب استبصار، ويخطر خاطر إقلاع وإقصار، فلا والله ما يزدادون إلا تماديا في الإضرار؛ والعجب كل العجب أنهم يمالئون علي أعداءهم المنابذين، وواتريهم المطالبين، الذين صيروا ملأهم بددا، وعصاهم قددا، واستباحوا دماءهم وأموالهم، وغيروا آثارهم وأحوالهم، وجاهدوهم جهاد الكفار، وسامهم سوم أهل الذلة والصغار، فكفكفت عنهم غربهم، وشغلت عنهم بنفسي حربهم، ولو أغمضت فيهم، ولنت لواتريهم ومطالبيهم، لما كانت صدور مجالسهم ومجامع أنديتهم، لأفراسهم إلا مرابط، ولا عاد آهل دارهم وعامر أفنيتهم لخليلهم إلا مسارح وبسائط، فما ظنك ببصائر تقلب - في طلب الثار، ومنابذة العدا الفجار - الطبائع، وتغلب - في مهاجرة الخوارح المراق، الروافض الفساق - الشرائع، فاعجب لهذا الاعتزاء بالمخالفة، والانتهاء في المكاشفة.
وله عنه رقعة أقتبضتها تخفيفا للتطويل، شرح فيها قتله لابنه إسماعيل. قال ابن بسام: وكان عباد قد ألحق يومئذ بابنه حاشية وأبلغ في المثلة
[ ٥ / ١٣٦ ]
وتجاوز بها إلى من نشأ الحلية، وما حماها عنده من الظباء ثدي ناهد، ولا شفقة الوالد.أخبرني من لا أرد خبره من وزراء اشبيلية قال: شهدنا مجلسه بعد ثالثة، من هذه الحادثة، ووجهه قد اربد، وود كل واحد [منهم] أنه لم يشهد، ولم يزيدوه على السلام، وأرتج عليهم الكلام، فصوب فيهم وصعد، وزأر كالأسد وقال: يا شامتين مالي أراكم ساكتين، اخرجوا عني. فقام كل يجر ساقيه، ولا يقدم أحد أن يطرف بشفره إليه، فلما صرنا بباب القصر، دعا بنا فانصرفنا، وأذن لنا في الجلوس فجلسنا، ثم خرج أمره بأن يحضر الكاتب ابن عبد البر، فدخل، ومجلسه قد احتفل، وقال له: اكتب إلى ابن أبي عامر، وحلل دم الخائن الغادر، وكلاما هذا معناه. وجاءه الغلام بجلد الرق الدواة، والوزراء والخاصة جلوس بذلك المقام، وقالوا في أنفسهم: ما عسى أن يتجه لابن عبد البر من كلام، على هذه الحال، لاسيما على الارتحال؛ قال المحدث: فسوى الجلد، وجعل يستمد ويكتب، وعين المعتضد فيه تصعد وتصوب، فلما فرغ منه أسمعه ذلك إلى آخره، وخرجوا عنه وهم يرون أن ابن عبد البر من آيات فاطره، وكان [قد] قال في ذلك الرقعة [بعد الصدر]:
[ ٥ / ١٣٧ ]
إذا تقوضي - أيدك الله - حق المشاركة، وتعوطي حق المساهمة بين إخوان الصفاء، في [٣٦ ب] صغار الأبناء، فأخلق بتقاضيه في العجائب العقم، وتعاطيه عند النوائب الدهم، وطرأت علي [يا سيدي وأغلى عددي] من خطوب الأيام طارئة دهياء دهماء، وفجأتني من ضروب الأقدار فاجئة عمياء صماء، ثارت إلي من مكمني، وطلعت علي من مأمني، وشرعت نحوي من قبل الجنة التي كنت أعدها لأشباهها، وأديرها متفيئا بها من تلقائها وتجاهها، إلا أن الله بصنعه الجميل الذي لا أنفك أشكره وأحمده كفاني أولا ثم شفاني آخرا، له الحمد دائبا، والشكر واصبا، وشرح ذلك [أيدك الله] أن الغبي العاق، اللعين المشاق، إسماعيل ابني بالولاد لا بالوداد، ونجلي بالمناسب لا بالمذاهب، كنت قد ملت بهواي إليه، وقدمته على من هو أسن منه، وحبك الشيء يعمي ويصم، والهوى يطمس عين الرأي أو يلم، فآثرته بأرفع الأسماء والأحوال، ووسعت عليه في خطيرات الذخائر والأموال، وأخضعت له رقاب أكابر الجند ووجوه الرجال، ودربته في مباشرة الحروب، وأجأته على مقارعة الخطوب، ولم يكن فيما أحسبه أني
[ ٥ / ١٣٨ ]
إنما أشحذ على نفسي منه شفرة، وأوقد [منه] بالتدريب والتخريج تحت حضني جمرة، وما كنت خصصته بالإيثار، واستعملته في المكافحة والغوار، إلا لجزالة كنت أتوسمها فيه كانت عيني بها قريرة، وشهامة كنت أتوهمها منه كانت نفسي بها مسرورة، فإذا الجزالة جهالة، والشهامة شرة وكهامة، وقد يفتن الآباء بالأبناء، وينطوي عنهم ما ينطوون عليه من الأسواء، مع أن الآراء قد تنشأ وتحدث، والنفوس قد تطيب ثم تخبث، لقرين يصلح أو يفسد، وخليط يغوي أو يرشد، وكما أن داء العر يعدي، كذلك قرين السوء قد يردي، ومن اتخذ الغاوي خدينا، عاد غاويا ظنينا، (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) (النساء: ٣٨) . وقد انطوى عن بعض الأنبياء ﵈ ما آل إليه [أمر] بعض بينهم، هذا والوحي يشافههم ويناجيهم، فكيف بنا وإنما نقضي على نحو ما نسمع، ونقطع على حسب ما نرى ونطلع، وليس علينا ضمان العواقب، ولا إلينا علم حقائق المذاهب، وهي الخواطر، لا يعلمها إلا الفاطر، والبواطن، لا يحيط بها إلا الظاهر الباطن، وقد يخبث طعم الماء مع الصفاء، ويروق منظر الدمنة الخضراء، ويذوي ثمر الدوحة الغناء، في التربة الغضراء.
وفي فصل منها: ولما وثب اللعين [٣٧أ] الغبين، من المهد، إلى سرير المجد، ودرج من الأذرع، إلى المحل الأرفع، ورآه استغنى، وأثرى من زينة الدنيا، أشره ذلك وأبطره، وأطغاه وأكفره، وطلب
[ ٥ / ١٣٩ ]
الازدياء، وأحب الانفراد والاستبداد، وقيض له قرناء سوء أعدوه وأردوه، وأتيح له جلساء مكر أغروه وأغرووه، وأشعروه الاستيحاش والنفار، وزينوا له العقوق والفرار، لينفرد وينفردوا معه بالبلد، ولا تكون على أيديهم [فيه] يد أحد، فخرج ليلا بأهله وولده خروجا [شنيعا] فتق فيه قصري، وخرق به حجاب ستري، يؤم الجزيرة الخضراء وما يليها، ليتملكها ويعيث فيها، وكنت غائبا على مقربة، فورت وطيرت في الحين إلى الجهة من يصده عنها، ويمنعه منها [فسبقه الخبر، وفاته الوطر، وأوى إلى قلعة ذي الوزارتين القائد أبي أيوب ابن أخي حصاد سيدي، وأفضل عددي - سلمه الله - فوجهت إلى اللعين أعرض عليه قبول عذره، وسربت الخيل مع ذلك للاحاطة به وحصره، حتى ألجاه ذلك إلى التنصل والاعتذار، وأجاءه إلى الإقالة والاستغفار، فأقبلته وقبلته] وعفوت عنه، وأغضيت على ما كان منه، وصرفته إلى جميع حالة وماله، ولم أؤدبه إلا بالإعراض والهجران، وإن كنت قد أنسته مع ذلك بمزيد الإنغام والإحسان، فإذا به كالحية لا تغني مداراتها، والعقرب لا تسالم شباتها، وكأنه قد استصغر ما أتى، واحتقر ما جنى، فردى، وسدى، ما صارت به الصغرى التي كانت العظمى، فلم أشعر به إلا وقد ألف أوباشا من خساس صبيان العبيد الممتهنين في أدون وجوه التصريف، إذ لم يطمح اللعين أن يساعده على هذه الفتكة
[ ٥ / ١٤٠ ]
من فيه أدنى رمق وأقل مسكة، ثم سقاهم الخمر وسقى نفسه ليجتري ويجريهم، ويحول بينهم وبين أدنى ميز لو كان فيهم، وسلحهم بضروب من الأسلحة المتصرفة في أماكن الضيق والسعة، وطرق القصر في بضع عشرة منهم، وتعلق معهم الأسوار والحيطان، وتسنم بهم السقوف والجدران، يروم في القضية العظمى، والطامة الكبرى، التي قام دونها دفاع الله تعالى، فشعرت [بالحركة] وخرجت، فلما وقعت [عينه و] أعينهم علي تساقطوا هاربين، وتطارحوا خائفين خائبين، وإنما كان رجاؤهم أن يجدوني في غمرة الكرى، أو على غفلة من أن أسمع وأرى، ففالت بحمد الله أراجيكم، وضلت أعمالهم ومساعيهم، وأعجلتهم عواقب كفرهم وتعديهم، وخرق اللعين سور المدينة فارا بنفسه [وأخرجت الخيل في أثره] فلحق غير بعيد، وسيق إلي في حال الأسير المصفود، وكذلك سائر الجناة، وباقي العصاة، أظفر الله بهم [ومكن منهم، وأعثر على جميعهم، فلم يفلت منهم أحد، ولا فات منهم بشر. ولقد اتفق من صنع الله الجميل من في غدر وختر، أن فر اثنان منهم فتجاوزا وادي شوش من شرقي قرمونة، وكنت قد أخرجت خيلا للضرب على بلد باديس، فخرجا هنالك إلى أيدي تلك الخيل وهي منصوفة بما غنمت ولا علم لهما بما وقع فثقفوهما واستاقوهما؛ وحصل في قبضتي جميع الصبيان من العبيد المذكورين] وأقمت حدود الله تعالى على الجميع منهم، وأنفذت حكمه العدل فيهم [والحمد الله كثيرا] . فاعجب يا سيدي لأبناء الزمن، وأنباء الفتن، وانقلاب عين الابن [٣٧ب] المقرب
[ ٥ / ١٤١ ]
المودود، إلى حال الواتر الحسود، والثائر الحقود، واعتبر في ورود المساءة من موطن المسرة، وطلوع المحنة من أفق المنحة [وانعكاس بعض الهبات خبالا، والأعطيات وبالا] . وقد أربت هذه الحال على كل من جرى له أو عليه من الآباء والبنين، عقوق من السلف المتقدمين، فلم يكن أكثر ما وجدناه من ذلك في الأخبار والآثار إلا استيحاشا وشرودا، ونبوا وندودا، إلا ما شذ لأحد ملوك الفرس وآخر من [ملوك] بني العباس، وجمع هذا اللعين في إرادته ومحاولته بين الشاذ النادر، والمنكر الدائر، وزاد إلى استباحة الدم، التعرض لإباحة الحرم، وإلى ما رام من إتلاف المهجات، التسامح فيما كان يجري على العورات المصونات، [ولولا دفاع الله تعالى لامتدت أيدي السفال فضلا عن أعينهم، واتسع خرق لا قوة على رتقه معهم، وقد قيل:
هو الشيء: مولى المرء قرن مباين له وابنه فيه عدو مقاتل] وهو زمان فتنة، وشمول إحنة ودمنة، والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وأصدق من هذا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) (التغابن: ١٤) .
[وقد استجلبت من الغرب ابني محمدا، ملتزم شكرك، ومعظم قدرك، - وفقه الله - لأقعده مقعده، وأسد به مسده، وأرجو أن يكون أوطأ أكنافا وجوانب، وأجمل آراء ومذاهب، وأحمد أخلاقا وضرائب، والله أسأل الخير في ما آتي وأذر، وأقدم وأؤخر] . نفثت - يا سيدي - نفثة مصدور، وأطلت في الشرح والتفسير، خروجا
[ ٥ / ١٤٢ ]
إليك عن هذا الخطب الخطير، والملم الكبير، وهو خبر فيه معتبر، [وقالت: ما له ظهور وظفر، واله يتم النعمى، ويجمل العقبى، ويوزع الشكر على ما أولاه بمنه، وإياه أسأل أن يجعلك في حيز الكفاية، وجانب الوقاية، حتى لا تساء بقريب مأمون، ولا بعيد مظنون، بمنه وطوله، إن شاء الله] .
إيجاز الخبر عن هذه الأحدوثة بلفظ ابن حيان ١
قال أبو مروان: وفي سنة أربعمائة وخمسين تواتر الإرجاف بقرطبة أن عبادا دبر النزول بزهرائها المعطلة بأسفلها، التي منها أبدا كان يصاب
[ ٥ / ١٤٣ ]
مقتلها، وسبق الخبر بأنه قد أنهض نحوها ولده إسماعيل المتسمي بالمنصور خليفته وولي عهده، وهو النار في احجارها مستكنة، ولا يشك أنه أرسل منه على قرطبة شواظ نار لا يذر منها باقية، فنفس الله مخنق أهلها بما نقض تدبيره وثنى عزمه، فأقصر صاغرا. فجرى من قدر الله الذي لا يغالب أن كره هذا الفتى ما حمله عليه والده من ذلك، وهاج منه حقودا كانت له بنفسه كامنة، جسرته على معصية أبيه، وانصرف من طريقه لأمر اختلف فيه، فقيل إنه استوحش منه لمكروه كان أحل به أبوه بين يدي إخراجه إلى عدوة قرطبة لما قدر الله من حتفه، وقيل بل عظم عليه أمر الهجوم على مثل قرطبة لقلة من معه
[ ٥ / ١٤٤ ]
من جيشه، وحذره لنزوله ما بينهم وبين حليفهم باديس بن حبوس الذي لم يشك في إسراعه إليه فيقع بين لحيين يمتضغانه، وأنه عرض ذلك على أبيه فاستجبنه وأغلظ وعيده، وكاد يسطو به، وألزمه المسير لسبيله، وأوعده القتل على التواني عنه، فأوحشه [٣٨أ] ذلك، ودبر الفرار عنه مع خويصة له أغوته، فمشى من اشبيلية نحو مرحلتين، ثم أظهر لأصحابه أن كتابا سقط عليه من عند والده يستصرفه فيه لأمر أراد مشافهته فيه، فرجع إلى اشبيلية، وأصاب فرصته بما قدر بمغيب والده عن حضرته إلى مكان متنزهه بحصن الزاهر، فاقتحم قصره، وعلق ببعض ذخائره واحتملها، وأخذ أمه وحرمه، واستكثر مما غله من المال والمتاع، يخال أن ينجو، واحتمل كل ذلك على الدواب، وطلبها في الليل ممن يعهدها عنده، ومضى لوقته مدابرا طريق الجزيرة الخضراء، ثغر أعمال والده بالساحل، مقدرا دخولها وارنتزاء بها عليه، فصار ارتباكه في تباطؤه الداعي إلى لحاقه وعوقه عن طريقه، واختلف الحكايات في قصته هذه وسبيل مهربه، وظفر والده به وانصرافه إلى يده، مما يطول القول فيه، بعد أن وقف في طريقه بعض حصون أبيه، فغلقها قواده في وجهه، وخاف اجتماعهم للقبض عليه، فاضطر إلى ابن أبي حصاد بقلعته طرف كورة شذونة، مستجيرا به، فأجاره - زعموا - بأسفل قلعته لم يصعده إليها استظهارا على مكيدة قدرها من أبيه، بعد أن نزل إليه واستقبله برجاله، مشيرا إليه بمراجعة أبيه، ورفع الخرق عليه بالإنابة إلى طاعته، ضامنا له اسجلاب عفوه، فلم يمكنه العدول عنه لقلة من معه، وأجابه، فأنزلهم عنده منزل تكريم، وبادر الكتاب إلى عباد حصوله بيده، ووصف له ندمه، وتشفع له، فسر عباد بذلك، وكان شديد الخوف أن يلحق بأعدائه هنالك، وأجاب هذا الحصادي
[ ٥ / ١٤٥ ]
وشفعه، فأجاب إسماعيل إلى أبيه، ودخل إشبيلية ليلا، ونكب [به] عن قصره إلى بعض دوره بالقرب منه، ومنعه أن يدخل عليه أحد، وصرف الله على عباد جميع ما كان احتمله إسماعيل ابنه من ماله وذخائره لم يحرم منه شيء، حتى إن زامله من زوامله قصرت عنه عند جده في السير وغادرها في الصحراء رازحة، فوقعت إلى بعض فرسان والده الذين سرحهم لاقتفاء أثره، فقبض عليها وصرفت إلى اشبيلية بحملها لم يقطع لها حبل، فزعموا أن وقرها كان مالا صامتا وذخائر تفوق قيمة، وأظفر الله عبادا بولده فيما آتاه من ذلك، فاثر الشفاء على المغفرة، إلا أنهم - زعموا - لحقته [٣٨ ب] لهذا الحادث وفظاعته وطرقه من مأمنه وفساد لأكرم أعضائه عليه، وعمدة ثقاته لديه، خشية فلت عزمه، وحيرت قلبه، فعيت به عما صمد له من أذى قرطبة والجعجاع بأهلها، فتنفس مخنقهم قليلا، وكفت الغارات عنهم وقتا، وسارع سعرهم إلى الانحطاط.
قال أبو مروان: وبلغني أن الذي دبر عليه هربه عن أبيه وتولى كبره، وزيره وصاحبه، أبو عبد الله محمد بن أحمد البزلياني المهاجر إليه عن وطنه مالقة، مختارا له على ملكه باديس، فاعترف له عباد في جهله على نفسه وسوء مورده حجة للعذر في تحكمه عن ذي اللب المقرر لحوطة نفسه، فإن هذا الفتى إسماعيل كان رمى إلى هذا الكهل بمقاليده وفوض إلى رأيه، فلم يبارك له فيه، وشكا إليه بعض ما يناله من فظاظة والده وقسوته ورميه المتالف به، فحسن عنده - زعموا - العقوق له، والذهاب عنه إلى أطراف أعماله العريضة، كيما يقرر عليه، وبنفسه؛ فلما قذف به والده [ما] تعاظمه من حرب قرطبة
[ ٥ / ١٤٦ ]
اعتزم إلى إنقاذ أمره في الفرار عنه من طريقه ذلك، فعمل في النكوص عنه بما قد مناه، وهجم على قصر أبيه وأخذ ذخائره. وخرج مبادرا. ووزيره هذا البزلياني معه قد تولى كبر ما أحدثه، ونفذ في مقدار ثلاثين فارسا من خاصة غلمانه، بعد أن غرق سفن المعابر الراتبة قدام القصر بالنهر، كيما يعتاص وصول الخبر إلى أبيه، بالمتنزه الذي كان فيه بعدوته، إلى أن يبعد في مهربه، فاتفق أن بادر إليه بعض غلمانه النازلين معه بالقصر، وقد أنكر مدخل إسماعيل وخطفه، فقطع النهر سباحة، وسبق إلى مولاه عباد فأيقظه من نومه، وعرفه بالحادثة، فسقط في يده، وبادر بإحراج عدة من فرسانه، وأنذر عليه قواد الحصون، فلجأ إلى قلعة الحصادي - حسبما قدمناه - واستقر بعد في اعتقال والده مدة يقلب الرأي في أمره ظهره لبطنه، ولا يبين من قوة غضبه عليه ما يؤنس من استبقائه له، وقد عجل على أبي عبد الله البزلياني لأول ما اعتقله عنده، لفرط حنقه عليه، فضرب عنقه، وقتل معه نفرا من خواص إسماعيل، فاستوحش من أبيه، ولم يشك أنه لاحق بهم، فدبر من مكانه، موضع اعتقاله، الهجوم على أبيه، والتسور على قصره من قبل عورة عرفها كيف [٣٩أ] يفتك به ويصير مكانه، وساعده الموكلون به على الأمر وقد مناهم ببلوغ الأمل بتمامه، فقاموا معه في ما أراد من ذلك، والقدر يجد بهم به، إلى أن وقع في يد والده كرة أخرى فبطش به ولم يقله، وتفرد بقتله جوف قصره، فلم يقف أحد على مصرعه لطمس آثاره وآثار جميع أصحابه وغلمانه وخواصه، بعد أن جلد بعضهم، وقطع أطرافهم، وتجاوز إلى الضعفاء من حرمه ونسائه فأتى على خلق منهم سرا وجهرا، ومثل بهم أنواع المثلة، حتى طهر أثر ولده هذا وقطع دابره، فكأن لم يكن قط أميرا، ولا أنفذ
[ ٥ / ١٤٧ ]
حكما، ولا قاد جيشا، والله يملي لمن شاء، ويستدرج من يريد، له القوة البالغة.
وما ابن عباد ببدع فيما أتاه في هذا، فقد يضطر الملوك مع ذي أرحامهم السامين إلى نيل مرامهم من مستجرئ عليهم، إلى ما يحملهم على انتهاك أكثر من ذلك حبا للحياة الدنيا الغريرة، ومنجاة بالرغبة من الفرقة المبيرة، على أن العفو أقرب للتقوى لا محالة، مع أن أسباب الملوك الاضطرارية لا تحمل الاستقصاء، ولا تعرض للتمحيص، قرن الله بأعمالهم الصلاح، وجنبهم بمنة الجناح.
قال ابن بسام: وكان خاطب المعتضد يومئذ جماعة [من] حلفائه وقص عليهم نبأة [مع ابنه]، فمن جواب بعضهم له في فصل قال فيه: تقديم الوصف - أيدك الله - للوداد والاعتقاد، من المتعارف المعتاد، فيستفتح به أول المكتوب، كما يستفتح الشعر بالنسيب، لكني - أيدك الله - أربا بحبلها عن شاهد غير الضمير، وواصف غير ما في الصدور، وبرهان غير الناظر المشهور، وأرمي شاكله الغرض، وأصف ما أباتني ليالي على قضض ومضض، ثم ما رد باقي الأنس، وشفى لاعج النفس، فإن الأنباء وردتني عن المنصور أبي الوليد ابنك ابني - أعزه الله - بانزعاجه أولا، وأبطأت الجلية كملا، فأشفقت على يقيني أن الداخلة تصده، والحقيقة ترده، وأن شهامته جمحت به، وصرامته صرمت منه، وأنه حسام دلق من غمده، وسهم نفذ وراء غرضه وحده، وأن ريح الصبا عصفت عليه وهو لدن المعطف، وغرة الشباب اهتبلته وهو سلس المقود
[ ٥ / ١٤٨ ]
لين المصرف، والمرء للخطل والزلل، وكل مخلوق ففيه النقص والخلل.
ومن جواب ابن أبي عامر له: الدنيا رنقة المشارب، جمة النوائب، تسلك بأهلها كل سبيل، وتريهم من خطويها [٣٩ب] كل معلوم ومجهول، تقطع ما اتصل، وتمنع ما تبذل [وتسوء من حيث تسر، وتخون من حيث تفي، لا تمتع بحال، ولا تدوم] على وصال، وهذا أصح دليل على هوانها وصغارها، وأوضح تمثيل في تفاهة شأنها ومقدارها، وان كثر فيها التنافر، وعظم فيها التقاطع والتدابر، فنسأل الله ألا يصرفنا عن التوفيق، ولا يعدل بنا عن سواء الطريق.
وإن كتابك ورد بما لم يقع في تقدير، ولا عن مثله في ضمير، من الداهية الدهياء، والمعضلة الشنعاء، والحال الحادثة مع من رين على قلبه وعقله، وغبن في حظه ورشده، فزاغ عن نهاه، واتخذ إلهه هواه، ولقد وقفت بك، عمادي، على عبرة المعتبرين، وعظة المتدبرين المبصرين، فإن الذي رمتك به الأيام لغريبة الغرائب، تؤذن بانقطاع الخير، وارتفاع البر، أفلا راعى أولا ما أوجب الله تعالى [تقدست أسماؤه] للآباء على الأبناء - فإنه قرن ذكرهم بذكره، وشكرهم بشكره، فقال: (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان: ١٤) وقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) (الاسراء: ٢٣) إلى ما جاء في العقوق، فقد قيل: إن العقوق هلك، والمروق شرك؛ وقيل: عقوق
[ ٥ / ١٤٩ ]
الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد. ثم هلا راعى آخرا ما سوغته من النعم التي غبط بها، وحسد فيها، وما خصصته [به] من العزة التي بذ فيها الأنداد، وشأى فيها الأتراب والحساد -! ولكن الشيطان الغرارة أغواه، وسلطان الجهالة أرداه، مع قرناء سوء [قيضوا له] زينوا له ضلالة، وأفسدوا عليه حاله، وبحق قيل: الوحدة خير من الجليس السوء (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) (الكهف: ١٧) وقد صنع الله لك صنعا جميلا، ودفع عنك جليلا، وأجراك على ما عودك من فضله (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (فاطر: ٤٣) فالحمد لله على نعمة خولها، وولاية أجملها، ومكيدة نقضها، وسعاية دحضها. وفي علمه احتراق نفسي لهذا الحادث الكارث، ومشاركتي في هذه الملمة المدلهمة، التي لم أخلها من حالتي الإشفاق والجزع، وخطتي الارتماض والتفجع، وان الأمر عندك وزنه عندي، ومأخذه منك مأخذه مني.
ومن جواب ابن مجاهد [له] من إنشاء ابن أرقم: وافتني - أيدك الله - مساهمتك الكريمة، ومشاركتك السليمة، الصادرة عن الصدر السليم، المقتضية للحمد والشكر العميم، وقد كان سبق كتاب قبل بما لزمني في الحادثة الأولى، فقلت: حسام [٤٠أ] دلق، وسنان زلق، وشباب عصف، وجواد جمح فأسرف، وعثرة تستقال، وغرارة يرفع بها ذلك الاختلال، ثم بعد نفوذه وردني النبأ على عقبها، بما
[ ٥ / ١٥٠ ]
صغر تلك على عظمها، فترددت شرقا، واضطربت قلقا، حتى استوضحت من قبلك الأمر على آخره، وتلقيت عنك الخطب بموارده ومصادره، منسوقة مراتبه ومناقله، مشروحة أعجازه وأوائله، فما ساهمت إلا من تلقى ما أنهيته بنفسك، وشرب ما عاطيته بكأسك، وشاطرك الحال بنصفين، وكان هو أنت في القضية سيين، فتجرع ما تجرعت [واستفظع ما استفظعت، واستغرب ما استغربت] واعتبر بما اعتبرت، وفي الأيام والليالي معتبر، وإنها - لكما ذكرت ووصفت - عقيمة معجبة، وعنقاء مغربة، وما شهدت لها أخت إلا من أحد الفرس وأخرى من بني العباس، كما ذكرت، وقديما استغوى الشيطان، وكان للمرء سلطان، والزمان بمثلها جواد، ولإطلاع الغرائب معتاد، وقد أوتي صاحب الخضر على علمك من أقرب الولد رحما، وأضعفهم نفسا وجسما، ومن سوق بني أمية وغيرهم الجماء الغفير، والعدد الكثير، وكثيرا ما شهدنا وسمعنا بقاتل نفسه، وهي أكرم النفوس عليه، وآكل جسمه وهو أحب الجسوم إليه، وقد يفيض الداء من الدواء، ويشرق المرء بالماء، ويؤتى الحذر من مأمنه، ويجتنى القبيح من حسنه، والأدواء تثور في الولد، كما تثور في الجسد، وتتولد في القلب والكبد؛ وقرناه السوء يكدرون الأصفياء، كما يكدر المشرب العذب الدلاء، وما ندري يا سيدي [إلا] أنك أردت إقالته والله قد عثره، واعتقدت استعاذته والله قد غيره
[ ٥ / ١٥١ ]
وأيأسك منه بقبيح فعله، وأسلاك عنه بعظيم جرمه، وكنت معه والله مع غيره، وأردته وأراد الله سواء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع:
وليس لأمر حاول الله جمعه مشت ولاما شتت الله جامع
وقال الله تعالى لنوح ﵇ بعد قوله (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) (فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود: ٤٦) وقوله للخضر ﵇ (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما) (الكهف: ٨١):
وكل مصيبات الزمان إذا أتت فهن سوا ما لم يصبن صميمي
وما زادت هذه على أن وقى الله صميمك، وصان حريمك.
قال ابن بسام: ولما [٤٠ ب] أنشأ أبو محمد رسالته المتقدمة الذكر، تناغت لمة من كتاب العصر في معارضتها، وقد ذكرت بعض من أجاب عنها، وأذكر أيضا فصولا لمن انتصف على زعمه بالمعارضة منها، منهم من أفردت فصلا في ذكره، ومنهم من لم يقع إلي شيء من أمره، فلم أجد إلى ذكره سبيلا، ولا على موضعه من الصناعة دليلا، وكنت جديرا بتأخير رسالة من أفردت في ذكره فصلا، حتى أقبسها له لألاء، وأضعها في يده لواء، ولكن أذكر الشيء بما تعلق به، أو كان من سببه، لأقيد ما شرد، وأنسق ما تفرق وتفرد.
وله: أتم الله أيها الأمير، الجليل مجده، الجميل معتقده
[ ٥ / ١٥٢ ]
المشهور فضله وسؤدده، عليك نعمه ظاهرة وباطنة، وأجزل لك به قسمه متوافية زاكية، وآتاك من كل حظ أجزاله، ومن كل صنع أجمله، ومن كل خير أتمه وأكمله، فإن الأيام قد وصلت بيننا إلى التراسل سببا، وجعلت لنا في التواصل أربا، فإذا أمكن سبب قدمته، وإذا تهيأ رسول اغتنمته، توكيدا للحال معك، وتجديدا للعهد بيني وبينك، فمثل الحظ منك لا يهمل، سبب الحق الذي لك لا يغفل، ومكاتبة الصديق عوض من لقائه إذا امتنع اللقاء، واستدعاء لأنبائه إذا انقطعت الأنباء، وفيها أنس تلذ به النفس، وارتياح تلتذ منه الأرواح، وارتباط يتصل به الاغتباط، واعتقاد يتبين به الوداد، ومثل خلتك الكريمة عمرت معاهدها، ومثل عشرتك الجميلة شدت معاقدها، ومثل مكارمتك المبرة حمدت مصادرها ومواردها، فإني متطلع إلى أخبارك أراعيها، وحريص على أوطارك أقضيها، ومستمطر لكتبك الكريمة أجتليها، فمنذ صدر عني فلان لم أتلق عنك خبرا، ولم ألحظ من تلقائك أثرا، وذلك لا محالة لامتناع البحر وارتجاجه، وتعذر المسلك وإرتاجه، وإذ قد ذل صعبه، وهان خطبه، فأنا أعتقد أن كتابك بازاء كتابي هذا مجدد عهدا، ومهد عنه حمدا، فإنه ما دخل إلينا ولا تكرر علينا إلا وذكرك الجميل في فمه يبدئه ويعيده، وثناؤه يلهج به ويشيده، في شكر الأمير الأجل والإشادة بتعظيم أمره، وتفخيم قدره، فإنه لا يعرف عندنا إلا بوسمه، ولا يناضل [إلا] بسهمه، ولا يجاهد إلا عنه، ولا يحتسب إلا فيه. ومن جرى على البعد هذا المجرى، وشكر شكره النعمى، فحقيق بالإنعام [٤١أ] خليق بالإكرام.
[ ٥ / ١٥٣ ]
فصول من جملة رقاع لغير احد في ذلك
فصل من رقعة لبعضهم يقول فيها: ما أبصرك - أيدك الله - بل أذكرك! وكيف يوقظ اليقظان، وينبه النبهان، وحاشا أن تعلم الخمرة العوان، إن الدنيا على الغير موضوعه، وعلى المكاره مطبوعة:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جف جانب
ونقل الطباع لا يستطاع، ولا تبديل لحكم الجليل، والدنيا منكرة لمتعارفيها، مسلطة بنوائبها على بنيها، المتهالكين فيها، لاسيما الأحرار، فإنها تطالبهم بثار:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
ومنها: وماظنك بدنيا قلما تسمح بحبرة، إلا أتبعتها بعبرة، ولا تجود بمنحة، إلا كدرتها بمنحة، ولا تسقي شرابا، إلا شابته صابا، ولا تهب نسيما، إلا قلبته سموما، تكاد تسوء بالساعات، وقلما تسر إلا في الفلتات، ثم تغري بنا الآفات:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع
وفي فصل: والأنام أغراض، لسهام الأعراض، قلما تتخطاها إن فوقت، ولا تخطئها إن رشقت، وقد يمقها من لا يثقها، ويتيامنها
[ ٥ / ١٥٤ ]
من لا يامنها، وأي أمان، من زمان، يدب دبيب العقربان، ويثب وثوب الأفعوان، ما أمكنها إمكان وعن لها مكان، ويسعى بالنميمة، بين الفروع والأرومة، وهيهات أن تصطفى حية رقشاء لين مسها قاتل سمها، يهوي إليها الجاهل، ويحذرها العاقل، وأي ناج من بأسها، ولو كان في سويدائها، هي والله ما علمت وتعلم، قريبة العرس من المأتم، هكذا عرفت، وبهذا وصفت:
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار وفي فصل منها: وإني منيت - أيدك الله - من زمني الخؤون، بشقيقة المنون، وكادت تكون، فيا لها [من] حادثة عظمى، وصدمة صما، كدرت شربي، وروعت سربي، واعجب لسهم رمي به راميه، ونصل دهي به منتضيه، أشد ما كان له استبصارا، وبه انتصارا، [وعليه اقتصارا]، وليس يمكر من الأزمان، عكس الأحوال وقلب الأعيان؛ وتفصيل هذا المجمل، وإيضاح هذا المشكل، الذي رمزت بذكره، وعرضت بأمره، أن العاق المشاق، الجلف السفيه، المتمذهب بغير مذهب أبيه [٤١ب] ومن سلف من منسليه، ابني إسماعيل، الفاعل بي أسوأ الأفاعيل، أحدث حدثا أشنع، مثله يستفظع، بما كان منه، واستذاع عنه، من استهانة عقوقي، واطراحه حقوقي، وشذوذه عن أشكاله، وعدوله عن سنن آله، وإن جمعه بي منسبه، فقد نفاه عني مذهبه، كالذي استواه الشيطان، كأنما اقتاده في أشطان، وإذا قضى القدر، عشي البصر، وما جرأه على قبح فعاله، ومجانبته المعهود من حاله، إلا قرناء سوء قيضوا له، [إذ] جعلوا يضربون له أسداسا
[ ٥ / ١٥٥ ]
لأخماس، ويكيدونه بكيد الوسواس الخناس، حتى أوردوه أنشوطة، لم يكن مثلها أغلوطة، هوى به الهوى هوي الدلو أسلمه الرشاء، ولا غرو فقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، وذلك أني لما أرضعته لبان مقتي، وملكته عنان ثقتي، وأدنيت زلفته، وأبديت رفعته، وأقبلته عين القبول، وأحللته مني محل الصلة من الموصول، وقلدته أعنة السياسة، ووسمته بسمة الرياسة، وأوطأت عقبه الرجال، وتجاوزت به حدود الآمال، نقلا من حال إلى حال، حتى مدت نحوه الأعناق، وسارت بذكره الأفذاذ والرفاق، ونيطت به الآمال، ولاذ به الأمال، وجعلت السيف والقلم من خدمه، ووضعت الوجوه تحت قدمه، يقول فيسمع لمقاله، ويصول فيرتاع لمصاله، حتى لقد كادت الأقدام أن تستوي لولا فضل الأبوة، ونقص البنوة، فلما رأى الدولة قد ألقت إليه بأزمتها، وأقادته بأعنتها، استأسد وتنمر، واستشعر الأشر والبطر، وحاول الشفوف، وربما كان فيه الحتوف، ونزع إلى الاستبداد، منزع الغبي إلى العناد، ورفض الحقوق، وآثر العقوق، وكفر بالنعمة ونام عن شكرها، فطويت عنه بأسرها، والشكر للنعمة نتاج، والكفر بها رتاج.
[وفي فصل منها]: فعلت مرمى قوسه ومنزع سهمه، كأنما كنت نجي سره، وولي أمره، وقد تبصر الظنون بغير عيون، فتتبعت
[ ٥ / ١٥٦ ]
خبره، وقفوت أثره، بخيل كالسيل بالليل، تعجز طالبها، وتدرك هاربها، فلم ينتبه إلا وقد أحيط به، ففزع إلى الاعتراف، وهو يذهب بالاقتراف.
[وفي فصل]: ومداراة الحية كيف تنفع، وهي إذا أمكنها اللسع تلسع؛ ولما أبى إلا الإباء، وأسر الشحناء، وحاول العظيمة، وتناول الجريمة، وكاد - وايم الله - يهدم بنيان الله، لولا دفاع الله، ألف أغمارا من العبدان كانوا عكوفا عليه، ورتبا حواليه [٤٢أ] وأطمعهم في ما صرعهم، وأكثر المطامع، تئول إلى المصارع، ولو أنهم أيقنوا أن أنفسهم نعوا، وإلى دمائهم بأقدامهم سعوا، لتثبطوا، وما تورطوا، لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإذا حان الحين، عميت العين، ورب ساع بقدمه، على دمه، فلما جن عليه الليل، والليل أخفى للويل، تساقوا بينهم المدام، ليقدموا بها أشد ٌقدام [ورب إحجام أنجى من إقدام]، فأخذوا الثبات، وعقدوا النيات، وتسوروا الأسوار، وتخطوا غير ما دار، وداعي الهوى يدعوهم، وحادي الردى يحدوهم، وقد اعتقلوا الردينيات، وتأبطوا الهندوانيات، وشمروا ذيلا، وادرعوا ليلا، واقتحمواالمهالك، في أضيق المسالك، وترقوا الجدران، بأشد تمرد وعصيان، فسقط العشاء بهم على سرحان، فما تمالكت أن سمعت حسيسهم، ولحظت شخوصهم، فملئوا فرقا، وتصيروا فرقا، أيدي سبا، يجدون هربا، ويرومون الخلاص، ولات حين مناص
[ ٥ / ١٥٧ ]
ونفوسهم تودع أجسادها، وتستحث آمادها:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ولم يمتروا الأرض قدرة القدير، تنقض التدبير، ولله عاقبة الأمور. وما كان رجاء القوم، إلا استغراقي في النوم، وأيقظني القدر، وما بي من حذر.
وفي فصل: فلما رأى اللعين أن سهمه قد طاش، وقد راش منه ما راش، وأيقن أنه حريق ناره التي سعر، وغريق تياره الذي فجر، شرد شراد الظليم، على حين لا حليف ولا حميم، وترامى من شرفات القصر، ترامي المذعور بالقسر، وهو ينشد:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجتني عليه اجتهاده
فأعجلت إليه هنالك من عثر وشيكا عليه، واستاقه استياق العاني، فيا وقفة المذنب الجاني، يشكو إلى من يصم عنه، ويتبرأ منه، وسيقت بطانته أسارى، من غير خمر سكارى، فأقروا بما دبروا، فالحمد لله جاعل تدميرهم في تدبيرهم، وإبادتهم في إرادتهم، ومن حفر لأخيه [بئرا] سقط فيها، واستحضرت مشيخة العلماء وجعلت الأمر بينهم شورى، إشارة للعدل في القضا، واتباعا لأمر الله تعالى في الغضب والرضى، فكلهم
[ ٥ / ١٥٨ ]
حد إنفاذ الحد، وتلوا قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في [٤٢ب] الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا) الآية (المائدة: ٣٣) .
فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
فاعتبر ياسيدي من هذه الفتن المضلة لأبناء الزمن، وانظر كيف يستدرجهم الشيطان، في مدارج العصيان، حتى إذا قحمهم الغرر، أسلمهم القدر، وكل ذلك مسطور ومأثور، وفي عقوق هذا من البنين، آية للعالمين، وما كان هذا اللعين، في ما جناه، فاجتناه، وسبه، فألهبه، وكاده، فأباده، إلا كالبقرة تبحث على مديتها بقرنيها، وكالنملة تطلب حتفا بجناحيها، فتبا للأولاد، يتقربون بالولاد، ويتابعون بالوداد، في مصارع الحساد، إن هم إلا فهود، بأهب أسود، يتقلبون بما صغروا، ويستأسدون إذا كبروا.
وفي فصل: ولعل قائلا قد سلب المعقول، يصول يوما فيقول، ويطعن ويغمز، حيث لا مطعن ولا مغمز، وينحلني الفظاظة والقسوة، ويعتدها وصمة علي وهفوة، ورب سامع بخبري لم يسمع عذري، ولست ببدع ممن ظلم فانتصر، وخولف فما اصطبر، ولا بنكير
[ ٥ / ١٥٩ ]
ممن أرضى باريه، باسخاط أهليه، إن لي في من سلف أسوة، وبالنبي ﵇ قدوة، ولو نظر بعين الحقيقة، ولم يعدل عن سنن الطريقة، لكان من أنصاري، في إقامة أعذاري: هذا خليل الرحمن، وكان في الأنبياء من كان، لما تبين أن أباه عدو لله تبرأ منه، وقد تل أيضا ﵇ ابنه الذبيح للجبين، ووضع في حلقه السكين، وهو من أبر النبيين، اتباعا لأمر الله حتى فداه الرب الكريم، بالذبح العظيم، وصبر على ما لو حل بالصخر لفلقه، أو بالحجر لفرقه؛ وهذا عمر بن الخطاب، وكان من كان في الأصحاب، قد قسا قلبه علة أبي شحمة، لم تأخذه فيه [رأفة ولا] رحمة، حين جلده، حتى فقده، وصبر غير مكتئب، صبر المحتسب، إرضاء لباريه، وتقربا إليه بما يرضيه. وكان لبعض بني العباس، وهم أئمة الناس، في ابنه العاق ما قد درس خبره، وطمس أثره، ولولا أن الإطالة، تفضي إلى الملالة، لأوردت من خبره الأشنع، ما فيه مقنع، وأحدثهم عهدا في هذه العصور، عبد الله الأمير وأبو عامر المنصور، فأما عبد الله فقد قتل ابنه محمدا، لما أحس منه تمردا، وكان قرة عينيه، فما عيب ذلك عليه؛ وأما [٤٣أ] المنصور، وحسبك به جزالة وحزامة في الأمور، فقد فعل بابنه عبد الله ما فعل لما عصى، وشق العصا، هذا وما بلغا هذا المبلغ، ولا ولغا في الدم كما كاد هذا اللعين أن يلغ، ولو اقتصصت، فوق ما نصصت، لأطلت وأمللت
[ ٥ / ١٦٠ ]
لكن اجتزيت، بمن سميت، وأي عذر [يقوم] لمن مكنه الله في بلاده، وحكمه في عباده، ألا ينفذ حده الذي حده، ويؤثر فرضه الذي فرضه، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (المائدة: ٤٧) ولولا عقاب المسيء، لقل من لا يسيء:
والظلم في خلق النفوس فان تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
ولا غرو ان أسهبت وأطنبت في خبر المغرور، فانها نفثة مصدور، وما أطقت تجرع الغصص [في كتم هذه القصص] التي فيها عبرة لأولي الألباب، وما كان هذا الذي طرا، حديثا يفترى، ولا هذا الذي طرق، نبأ يختلق.
ومن رقعة أخرى أيضا في ذلك مجهولة [القائل]: المحن على ضروب، والنوائب تجري بمعضلات الخطوب، فتفجأ بالرقم الرقماء، وتطرق بالداهية الدهياء، وتأتي بالغريبة الشنعاء، فلا واقي سواه، ولا مجير من بغتاتها حاشاه، وهب الحازم ارتقب الخطوب معدا لها من سننها، ولقي المكاره بسلاحها وجننها، كيف له بعلم خفيات الضمائر، وخبيئات البواطن والسرائر - إلا أن لطفه الخفي، وصنعه الكافي الحفي، يكلآن من توكل عليه، ويعضدان من اعتضد به [واستند إليه؛ وكنت] قد اختصصت ولدي الخائن الجاني إسماعيل بضروب
[ ٥ / ١٦١ ]
من الإنعام، والإحسان والمبرة والإكرام، وملكته زمام أعنة الجنود، وأظللته بظل خافقة البنود، وأرضعته ثدي الحرب، وجرأته على مقارعة الطعن والضرب، وأنفذت أمره ونهيه، وأجزت فعله ورأيه، فقصرت عليه أقاصي المطامع، وأشير نحوه بالأصابع، ودعي بالرئيس الأمير، ولقب بالمؤيد المنصور، إلا أن ظن المرء يخطئ ويصيب، ولله أستار دون علم الغيوب، وليس على المرء ضمان العواقب، ولا كلف سوى الاجتهاد في المطالب، فإنما هو بشر، يقضي بما ظهر، ولله ما بطن واستتر:
فان كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء، ففي سوء القضاء لي العذر
وكان ينبئ ظاهره من الاجتهاد منتهى الاستطاعة، ويجزي أمره إلى غاية اللازم من حدود الطاعة، إلى أن علق به أغواه من شياطين الإنس فزين له زخرف الغرور [٤٣ب] والفسوق، وقذف به في هوة الخذلان والعقوق، فأحال طينته إلى أخبث الترب، وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، ونقله من الطبع الكريم، إلى الخلق الذميم، وعوضه من طاعة الرب والأب، آفة الكبر والعجب، وحين لبس ثوب الغرة والخيلاء، وقاد الجيوش ملء الفضاء، واستضاف إليه من استضاف من شرار القرناء، طمع في بلد، لا تكون عليه فيه يد أحد، ليستعمل السفه والجهل، ويهلك الحرث والنسل، ويأبى دفاع الله من ذلك
[ ٥ / ١٦٢ ]
فهو أراف بخلقه من إسلامهم للمهالك، وطار النبأ إلي، وسقط الخبر علي، فبلغ ﷿، من الكفاية غاية الأمل، وخاب سعيه، وفال رأيه، وندم ولات حين مندم، فتحركت مني الرحمة التي قطعها، وحنت الرأفة التي نبذها وخلعها، فعفوت [عنه] واعتلق بحبل الإنابة، وأسرع الدخول في باب الإجابة، وهو منطو على شر ضمائره، ومسر لأخبث سرائره:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
وقلبت توبته الظاهرة، وأقلت زلة قدمه العاثرة، ولم أخله فاضل اهتبالي واعتنائي، ولم أمنعه غير قربي ولقائي، فأطغاه ذلك وأبطره، وأطمعه في نيل ما كان أضمره، فرام التي لا شوى لها ولا بقاء معها:
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
* *
سبكناه ونحسبه لجينا فأبدى السبك عن خبث الحديد
ولعمري لئن أجلته آباء سرو وصدق، لقد سرى فيه للخؤولة لئيم
[ ٥ / ١٦٣ ]
طبع وعرق، ولا غرو في هذه الحال، فقد يستحيل الزعاق من الزلال، وينام عرق الأب ويسري عرق الخال:
وأول خبث الماء خبث ترابه وأول خبث المرء خبث المناكح فعاقد سقاطا من خساس صبيان العبيد المتصرفين في أحط المراتب عندي، المنحطين عن الكون في جملة جندي، إذ لم يجد مساعدا على هذه القضية، من فيه أقل مسكة وبقية، فاستهوى ضعف عقولهم، واستنفر قليل تحصيلهم، وسلحهم بسلاحي، وراشهم بفضل جناحي، ودعاهم إلى عصيان ربهم وأمري [٤٤أ] والتعرض لهتك سلطانه وستري، وتسنموا منيف الأسوار تنسم الوعول، بعد أن سقاهم صرف الشمول، التي تذهب بوافر العقول؛ يظنوني نائما ويحسبوني غافلا، والله ليس بغافل عما يعمل الظالمون؛ وكان عدد الفتيان الفجار، كعدد خزنة أهل النار، فأطلعني الله تعالى على حسهم، وأسمعني خفي ركزهم، فثرت من الفراش، رابط الجاش، فولوا على الأعقاب حين رأوا شخصي، متساقطين على الأذقان إذ سمعوا صوتي، وعاد الخائن الحائن إلى سور المدينة بعد أن خرق اليه، ورائد الموت يجول بين عينيه، فغير بعيد ما أسرته الخيل أسرا، وقيد إلي عنوة وقهرا، وكذلك شيعته المارقة، وصحابته الجانية الفاسقة، فلم يفلت منهم بحمد الله أحد
[ ٥ / ١٦٤ ]
ولا أجاره مكان ولا بلد، حتى أخذ الله تعالى بثاره منهم، وأقام حدوده فيهم؛ وأنا متأس في هذه الرزية، بكبار ملوك الإسلام والجاهلية، فقد تعدى عقوق الأبناء، إلى كبار البشر والأنبياء، حتى قال الله تعالى لنوح ﵊: (إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح) (هود: ٤٦) والرب تعالى يخرج الخبيث من الطيب، ويقضي ما شاء في علم الغيب، لكني على العلات، ورعاية الحرمات، أرضي طاعة الله تعالى في من عصاه، وألتزم أمره في من خالف رضاه:
وإن السيف في الباغي جزاء أحق به من النسب القريب
بقية ما استخرجته من رسائله السلطانيات
فصل له من رقعة [عن ابن مجاهد] إلى المنصور بن أبي عامر: من اختار - أيدك الله - لحلته أزكى المعادن، واعتمد لمقته أسنى المواطن، كان جديرا أن يغتبط بجناها، ويرتبط بفوز عقباها، ويعلم أنها على الأيام صقيلة الأرجاء لا يصدئها الإهمال، صدقة المضارب لا يفلها الإعمال، وأنت الذي لا يدانى شرفه، ولا يسامى سلفه، ولا تجارى أعراقه، ولا يبارى إعراقه، فمن ظفر بصفاتك عتادا، فقد أصمى سهمه وقرطس، ونزل ساحة الفضل وعرس، ووثق بأنه
[ ٥ / ١٦٥ ]
ورد وردا لا تكدره الدلاء، واعتقد عقدا لا يغيره الإصباح والإمساء؛ وتلك حالي في ما منحته من صفاتك، ووليته من ولائك، والله يحرس حظي من وفائك، ويرفع المضار عن حوبائك، [بمنه] .
ومن أخرى عنه إلى المظفر بن الأفطس: إذا تشاكلت - أيدك الله - الأحوال والضروب، تقاربت الأهواء والقلوب، وقد قيل [٤٤ب]: الشكول أقارب، والمذاهب مناسب:
ولن تنظم العقد الكعاب لزينة كما تنظم الشمل الشتيت الشمائل
وما تشتت لنا، بحمد الله، شمل، ولا انقطع بنا حبل، ولا غب بيننا وصل، بل نحن على ثلج تواصل يقتضيه التشاكل والتآلف، ونهج تداخل يستدعيه التعاقد والتحالف؛ وإني - علم الله - بمكانك لمباه، وبزمانك لمظاهر مضاه، أعتقد لك العقد الذي لا تجاذب أهدابه، ولا ينازع جلبابه، وقد نظمتنا من الأحوال المشاكلة والأسباب الواشجة ما كلانا له مراع، وإلى قضاء الحق فيه وحفظ الحظ منه ساع، ورب حال جددت تآلفا وودا، وأكدت وشدت على مر الأيام عهدا وعقدا، وبنت ما لا يهدمه الدهر ولو انتحاه من خطوبه بمعول، وأنحى عليه بجران وكلكل، والله يصل ما بيننا بالدوام والثبات، ويحرسه من الانصرام والانبتات.
[ ٥ / ١٦٦ ]
وله من أخرى: لئن ضنت الأيام بالمرغوب، ولوتنا في نيل المطلوب، فلا ضير نعلم أي القسمين أرجح فنتأسف على تركه، وأي الحظين أربح فننتظم في سلكه، وحق لمن نظر بعين الفكر أن لا يبالي بحالة تعترض، أو عزيمة تنتقض، أو حبل يرث، أو شعب ينتكث، فربما كان الاعراض احكاما، وأصبح الانتقاض إبراما، والهجران وصالا، وظل النقصان كمالا، والله ولي السلامة، في الظعن والإقامة.
ووافاني كتابك العزيز، فأول ما سرحت طرفي في مسطوره، وأعلمت فكري في منثوره، استطار الركاب فرحا، وعادت الغمرات مرحا، ثم أنشدت ورددت:
أهم بشيء والليالي كأنها تطاردني عن كونه وأطارد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم فند قوم فوائد
وعسى الله أن يعيد عهدا تجري فيه السوانح، وتسقط به البوارح، فيصفو جمام، وينقطع هيام، ويسل حسام، ويحمد مقام.
وله من أخرى إلى المنصور بن أبي عامر: إني - أيد الله الملك الكريم - لما أضاءت لي أهله مفاخرة في سماء الفخار، وأشرقت شموس مكارمه على مفارق الأحرار، وأبصرت شمائله الزهر تثير من الهمم كامنها، ومحاسنه الغر توقظ من الآمال نائمها، تيقنت أن بحق انقادت له القلوب في أعنتها، وتهادت اليه النفوس بأزمتها، فآليت أن لا ألم إلا بحماه، ولا أحط رحلا [٤٥أ] إلا في ذراه، علما بأنه نثره الفخر، وغرة
[ ٥ / ١٦٧ ]
الدهر، فيممت ساريا في طالع نوره، متيمنا بيمن طائره، بأمل متحقق الربح، موقن [بالفلج و] النجح، حتى حللت بدرجة المجد، وأنخت بذروة السعد، فجعلت أنثر من جواهر الكلام، ما يربي على جواهر النظام، وأنشر من عطر الثناء، ما يزري بالروضة الغناء، وحاش للفضل أن يعطل ليلي من أقمارك، ويخلي أفقي من أنوارك، فأرى منخرطا في غير سلكك، منحطا إلى غير ملكك، لا جرم أنه من استضاء بالهلال، غني عن الذبال، ومن استنار بالصباح، ألغى سنا المصباح؛ تالله ما هزت آمالي ذوائبها إلى سواك، ولا حدث أطماعي ركائبها إلى حاشاك، ليكون لذلك في أثر الوسمي للماحل، وعلي جمال الحلي للعاطل، بسيادتك الأولية، ورياستك الأزلية التي يقصر عن وصفها إفصاحي، ويعيا عن بعضها بياني وإيضاحي، فالقراطيس عند بث مناقبك تفنى، والأقلام في رسم آثارك تحفى.
وفي فصل منها: والسعيد من نشأ في دولتك، وظهر في جملتك، واستضاء بغرتك، لقد فاز بالسبق من لحظته عيون رعايتك، وكنفه
[ ٥ / ١٦٨ ]
حرز حمايتك، فأنت الذي أمنت بعدله نوائب الأيام، وقويت بفضله دعائم الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتخضع لجلالتك أعزة النفوس، بسابقة أشهر من الفجر، وفطنة أنور من البدر، وهمة أبعد من الدهر:
لقد فاز من أضحى بكم متمسكا يمد إلى تأميل عزكم يدا
سلكت سبيل الفضل خلقا مركبا وغيرك لا يأتيه إلا تجلدا
ليهنيكم مجد تليد بنيتم أغار لعمري في البلاد وأنجدا
[وفي فصل]: وإنما أهدي إلى مولاي خدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة عبيده، وأشهر في خدمته وعديده:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مفخر أستجده
وكل نوال كان أو هو كائن فلحظة طرف منك عندي نده
فكن في اصطناعي محسنا كمجرب يبن لك تقريب الجواد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله فاما تنفيه وإما تعده [٤٥ب]
وما الصارم الهندي إلا كغيره إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وله من أخرى عن ابن مجاهد إلى ابن أبي عامر يعلمه بغدر أخيه حسن له، قال فيها بعد الصدر: وان الموفق مولاي - ﵁ - كان رمى إلي بعهده، وقلدني الامر من بعده، وبايعني بذلك من كان في قبضة سلطانه، واشمال ديوانه، ولما اتفقت الآراء، ويئس الأعداء
[ ٥ / ١٦٩ ]
مد أخي حسن بيعتي يدا، وأظهر في طاعتي معتقدا، فما آن لمداد عهده أن يجف، ولا حان ليد عاقده أن تنحرف، حتى داخل صاحب اشبيلية في الغدر والخلاف، فأنفذ إليه رجلا يدعى سلمة من جنده ليتصرف على إرادته، فأجمعوا أيديهم والقضاء أملك، وأزمعوا كيدهم والقدر يضحك، وتوخوا صدري من صلاة الجمعة، فوافوني قد انسربت في كلة الأمن، ونمت في حجر حسن الظن، فما استيقظت إلا لصفح صفائحهم تصلت علي، ولا انتهبت إلا لضوء رماحهم تشرع إلي، إلا أن الله كان بازائي ظهيرا، وتلقاني نصيرا، وبين يدي رفدا، ومن ورائي مددا وردءا. فما كان إلا أن تساقط فراشهم في مصابيح الفرج، وأتسعت شبههم في موارد الثلج، وفزت وقد انجلت الكرة عليهم. فأما سلمة المذكور فانه رمى عن قوسه إلى نفسه، وسطا بسهمه على جسمه، فانثنى في بطاحه، مقتولا بسلاحه؛ وأما حسن فمر مستمرئا لما استمراه، مستمرا لما استحلاه، قد عارض النعمة بجحدها فسلبت عنه، وقارض الحسنة بضدها فانتزعت منه، على أنه كان بين الجفن والناظر نازلا، وبين الضمير والخاطر جائلا، قد قاسمته العيش نصفين، والحياة شطرين، له النوم ولي السهر، وله الأمن ولي الحذر، وله الصفو ولي الكدر، أشقى لينعم، [وأمتهن ليكرم]، إلى أن واصلته
[ ٥ / ١٧٠ ]
الرفاهية فمل، ونادمته النعمة فاعتل، ومسه الخير فمنع، وغرته الأماني فانخدع، حتى ذاق وبال أمره (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (فاطر: ٤٣) .
وله من أخرى [عنه] إلى المظفر بن الأفطس: وما أشك في ما ذكرت من أخذك معي بالنصيب الأوفر، والقسط الأكبر، من المصاب بفقد الموفق مولاي ومعظك، كان، - لقاء الله رضوانه، وألحفه عفوه وغفرانه - فقد كان إذا عد الأفاضل لا يثني خنصره إلا عليك، وإذا ذكر الرؤساء لم يشر بتصحيح الوفاء إلا اليك، فنحن لا نستوحش بفقد فاضل وذاته موجودة، ولا نرتاع لموت جليل [٤٦أ] وحياته ممدودة، فانك إذا قال قائل منا: كسدت لوفاة الموفق سوق الأدب، وبارت بضاعة الطلب، وهوى نجم العلم، وكبا زند الفهم، وعفا رسم الحلم، وطفئ سراج الرأي، استثنى بك المجيب، وعزي بمكانك المصيب، وأطبق الإجماع أنك جماع الفضائل ونظامها، وفي يديك لواؤها وزمامها.
وله [فصل] من أخرى: أأظمأ إلى ماء نهر قد تغلغلت في حياضة، وأذاد عن لألاء زهر قد توغلت في رياضه، وأتعطل من حليك وقد فاض فض البحور، وأتعرى من حلك وقد ضفت ملابسها على
[ ٥ / ١٧١ ]
الجمهور -! كلا والله، إني لعاجز مع تمكينها وإعراضها، وقلة عللها وأعراضها، ولقد رفع الله من هذا الأدب الذي جددت رسومه بعد دثورها، وأطلعت نجومه بعد غؤورها، ونهجت سبلة بعد انشعابها وطموسها، وبصرت أعلامه بعد ذهابها ودروسها، حتى مالت إليه الأعناق، وانثالت عليه الرفاق، وطمحت نحوه الأحداق، وحق لشيء نفقته أن يعز وينفق، ولنجم أطلعته أن ينير ويشرق، ولغصن سقيته أن يسبق ويورق، وجددته عن قدم، وأوجدته من عدم، ونشرته من كفن، وبعثته من جنن، فهو يثني بآلائك ثناء الأزهار للأمطار، ويعبق بشيمك عبق الأنوار بالأسحار، ويشير إليك إشارة المصنوع إلى الصانع، ويدل عليك دلالة الليل على النجوم الطوالع.
وفي فصل من أخرى: ان سبقت إلى الفضل فالمعهود منك السبق، وان أوجبت [لك] علي حقا فقديما كان لك الحق، وقد أبى الله أن يرتدي برداء الحمد، ويتقعد ذروة المجد، إلا من قرع أنف الأنفة، بيد النصفة، وعصى سلطان الحمية الجاهلية، بالانقياد لأحكام الملة الحننيفية، وما أربحه متجرا، وأرجحه مفخرا، لمن أهداه إليه توفيق، وهداه عليه تحقيق، وأنت - أيدك الله - ذلك الناظر بعين اليقين، الساهر
[ ٥ / ١٧٢ ]
في مصالح الدنيا والدين، وبحق علا قدرك، وسما ذكرك، وأصبحت في رؤساء الأندلس المشار إليه، والكبير المعتمد عليه.
ومن رسائله في ذكر الجهاد واستنفار كواف البلاد
فصل له من رقعة: ورد كتابك يحض على ما أمر الله به من الألفة، واتفاق الكلمة، وإطفاء نار الفتنة، وجمع شمل الأمة، في هذه الجزيرة المنقطعة عن الجماعة، فلله [٤٦ب] رأيك الأصيل، وسعيك الجميل، ومذهبك الكريم، وغيبك السليم!! ما أصدق قيلك، وأهدى دليلك، وأوضح في سبيل البر سبيلك!! وقد كنت - علم الله - جانحا إلى ما جنحت إليه، ويلوح لي ما يلوح إليك: من أنا على طرف إلا ما كفى الله، وعلى قلة إلا ما وقى الله.
وله فصول [اقتضبتها] من رسالة فيها طول، كتبها على ألسنة أهل بربشتر، عنوانها: من الثغور القاصية، والأطراف النائية، المعتقدين للتوحيد، المعترفين بالوعد والوعيد، المستمسكين بعروة الدن، المستهلكين في حماية المسلمين، المعتصمين بعصمة الإسلام، المتآلفين على الصلاة والصيام، المؤمنين بالتنزيل، المقيمين على سنة الرسول، محمد نبي الرحمة
[ ٥ / ١٧٣ ]
وشفيع الأمة، إلى من بالأمصار الجامعة، والأقطار الشاسعة، بجزيرة الأندلس من ولاة المؤمنين، وحماة المسلمين، ورعاة الدين، من الرؤساء والمرءوسين، سلام عليكم، فانا نحمد الله اليكم، حمد من أيقن به ربا، وجعله حسبا، ولي المؤمنين، وغياث المستغيثين، مجري الفلك في البحر بأمره (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) (الحج: ٦٥) ونصلي على المصطفى من أصفيائه، محمد خاتم أنبيائه، المبتعث بأنواره الساطعة، وحجاجه القاطعة، على حين عفت رسوم الدين، وخوت نجوم اليقين، فجلا الشك، وأدحض الإفك، فعليه من السلام أفضل سلام، ما وحد الرحمن، وثني الفرقدان.
أما بعد: حرسكم الله بعينه التي لا تنام، فانا خاطبناكم مستنفرين، وكاتبناكم مستغيثين، وأجفاننا قرحى، وأكبادنا حرى، ونفوسنا منطبقة، وقلوبنا محترقة، على حين نشر الكفر جناحيه، وأبدى الشرك ناجذيه، واستطار شرر الشر، ومسنا وأهلنا الضر، أحسن ما كنا بالأيام ظنا، وملتنا ظاهرة، وفئتنا متناصرة، لا تشل لنا يد، ولا يفل لنا حد، حتى انقلبت العين، وبان الصبح لذي عينين.
[وفي فصل منها]: وأي أمان من زمان قلما يخضر منه جانب إلا جف جانب، ولا تبرق منه بارقة إلا اتبعتها صاعقة، إلا ما وقى الله. وننبئكم
[ ٥ / ١٧٤ ]
- معشر المسلمين - بعض ما نابنا في ثغورنا، عسى أن تكونوا سببا لنصرتنا، فالمؤمنون إخوة، والمسلمون لحمة، والمرء كثير بأخيه، وإلى أمه يلجأ اللهفان، وإلى الصوارم تفزع الأقران، والسعيد من وعظ بغيره والشقي من عميت عيناه، وصمت عن الموعظة أذناه. ونقص عليكم من نبأنا، وما انتهت إليه حال ملأنا، ما والله يوجع [٤٧أ] القلوب سماعه، كما قصم الضهور وأسخن العيون اطلاعه.
وفي فصل منها: فأحاطت بنا كإحاطة القلادة بالعنق. يسوموننا سوء العذاب، بضروب من الحرب والحرب، أناء ليلها ونهارها، تصب علينا صواعقها، وترمي إلينا بوائقها، فانا لله وإنا إليه راجعون، على ما رأت منا العيون، من انتهاك تلك النعم المدخرات، وهتك ستر الحرم المحجبات، والبنات والمخدرات، وما تكشف من تلك العورات المسترات، فلو رأيتم - معشر المسلمين - إخوانكم في الدين، وقد غلبوا على الأموال والأهلين، واستحكمت فيهم السيوف، واستولت عليهم الحتوف، وأتخنتهم الجراح، وعبثت بهم زرق الرماح، وقد كثر الضجيد والعويل والنياح، ودماؤهم على أقدامهم تسيل، سيل المطر بكل سبيل، ورءوسهم قد أمهم تطير، وقلوبهم في أجسادهم تسيطر، ولا مغيث ولا مجير، وقد صمت الآذان، بصرخ الصبيان، ونياح النسوان
[ ٥ / ١٧٥ ]
وبكاء الولدان، وعلت الأصوات وفشت المنكرات، وتمرد الشيطان، واشتهر الطغيان، وظهرت الصلبان، وأفصحت النواقيس، وجلحت الأباليس، وسعرت طغاة الخنازير، وصارت الدور كالتنانير، دماء تسفك، وستور تهتك، وحرم تنتهك، ونعم تستهلك، وأقفاء تصفع، وأعضاء تقطع، وأعياث ترتكب، وأثاث ينتهب، ومصاحف تمزق، ومساجد تحترق، فلا الأخ يغي أخاه، ولا الابن يدعو أباه، ولا الأب يدني بنيه. (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) (عبس: ٣٧) ولا المرضعة تلوي على رضيعها، ولا الضحجيعة ترثي لضجيعها، كأنهم في مثل اليوم الذي ذكره الجليل، في محكم التنزيل، (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وتر الناس سكارى وما هم بسكارى) (الحج: ٢)؛فما ظنكم - معشر المسلمين - وقد سيقت النساء والولدان، وما بين عارية وعريان، قودا بالنواصي إلى كل مكان، طورا على المتون، وطورا على البطون، ومشيخة الرجال، مقرنين في الحبال، مصفدين في السلاسل والأغلال، مقتادين بشعور السبال، ان استرحموا لم يرحموا، وان استطعموا لم يطعموا، وان استسقوا لم يسقوا، وقد طاشت أحلامهم، وذهلت أوهامهم، وسخنت أعيانهم، وتغيرت ألوانهم.
[ ٥ / ١٧٦ ]
وفي فصل منها: وما ظنكم - معشر المسلمين - وقد رأيتم، [٤٧ب] الجوامع والصوامع بعد تلاوة القرآن، وحلاوة الأذان، مطبقة بالشرك والبهتان، مشحونة بالنواقيس والصلبان، عوضا من شيعة الرحمن، [والأئمة والمتدينون]، والقومة والمؤذنون، يجرهم الأعلاج كما تجر الذبائح إلى الذابح، يكبون على وجوههم في المساجد صاغرين، ثم أضرمت عليهم نارا حتى صاروا رمادا، والكفر يضحك وينكي، والدين ينوح ويبكي، فيا ويلاه، ويا ذلاه، ويا كرباه، ويا قرآناه، ويا محمداه، ألا ترى ما حل بحملة القرآن، وحفظة الايمان، وصوام شهر رمضان، وحجاج بيت الله الحرام، والعاكفين على الصلاة والصيام، والعاملين بالحلال والحرام، فلو شهدتم - معشر المسلمين - ذلك لطارت أكبادكم جزعا، وتقطعت قلوبهم قطعا، واستعذبتهم طعم المنايا، لموضع تلك الرزايا، ولهجرت أسيافكم أغمادها، وجفت أجفانهم رقادها، امتعاضا لعبدة الرحمن، وحفظة القرآن، وضعفة النساء والولدان، وانتقاما من عبدة الطغيان، وحملة الصلبان.
وفي فصل منها: وقد ندب الله مسلمي عباده إلى الجهاد في غير ما آية من الكتاب، يضيق عن نصها الخطاب، ترغيبا وترهيبا، فوعد المطيعين جزيل ثوابه، والعاصين أليم عقابه، والرواية عنه ﵇ في فصل الجهاد، وما يجازي فيه رب العباد، أشهر من أن تذكر، وأكثر
[ ٥ / ١٧٧ ]
من أن تحصر، فالله الله في إجابة داعينا، وتلبية منادينا، قبل أن تصدع صفاتنا كصدع الزجاج، فهناك لا ينفع العلاج.
وفي فصل منها: ولا بد للحق من دولة، وللباطل من جولة، والحرب سجال، والدهر دول، و(لكل أمة أجل) (يونس: ٤٩)؛ ولولا فرط الذنوب، لما كان لريحهم علينا [من] هبوب، ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح في الجسد اشتباكا، وكالأنامل في اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا سقط لنا نجم، ولا ذل لنا حزب، ولا فل لنا غرب، ولا روع لنا سرب، ولا كدر لنا شرب، ولكنا عليهم ظاهرين، إلى يوم الدين، فالحذر الحذر! فإنه رأس النظر، من بركان تطاير منه شرر ملهب، وطوفان تساقط منه قطر مرهب، قلما يؤمن من هذا إحراق، ومن ذلك إغراق، فتنبهوا قبل أن تنبهوا، وقاتلوهم في أطرافهم قبل أن يقاتلوكم في أكنافكم، وجاهدوهم في ثغورهم، قبل أن يجاهدوكم في دوركم، ففينا [٤٨أ] متعظ لمن اتعظ، وعبرة لمن اعتبر، فانظروا إلى ثغورنا كيف تهتضم، وإلى أطرافنا كيف تخترم، وفيئنا كيف يقتسم، وأموالنا كيف تصطلم، ودماؤنا مطلولة، وحدودنا مفلولة، وأنتم عنا لاهون، في غمرة ساهون
[ ٥ / ١٧٨ ]
وكأنا لسنا منكم، ولا نحن سداد دونكم مضروبة، وجنن نحوكم منصوبة.
وفي فصل منها: وأنه إن استلبت الأطراف، لم تتعذر الأصناف، والبعض للبعض سبب، والرأس من الذنب، غير أنا دنونا وبعدتم، وشقينا وسعدتم، ورأينا وسمعتم، وليس الخبر كالعيان، ولا الظن كالعرفان، ولقد آن أن يبصر الأعمى وينشط الكسلان، ويستيقظ النومان، ويشجع الجبان.
إيجاز الخبر بحادثة بربشتر التي ذكر
ورجع المسلمين إليها
قال أبو مروان [ابن حيان]: وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة تغلب العدو على مدينة بربشر قصبة بلد برطانية. الواسط لما بين بلدتي لاردة وسرقسطة، ركني الثغور العلا، وهي الأم البرزة، التليد حلول الإسلام فيها لأول فتوح موسى بن نصير، التي لم تزل من أقادم معمورات من تناسخ عمارة الأندلس من القرون الحالية، اتخذت بأكرم البقاع وأوثق البناء، راكبة لنهر ماردة سورا مضروبا لأهل الثغور القصى، [والدفع] في وجوه
[ ٥ / ١٧٩ ]
العدى، تناسخها قرون المسلمن منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة، منذ أول عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان، وتدورس بها القرآن، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا فجأة، صدر شهر رمضان من العام، فصك الأسماع وأطار الأفئدة وزلزل الأرض الأندلسية قاطبة، وصير للكل شغلا تسكع الناس في التحدث به والتسآل عنه والتصور لحلول مثله أياما لم يفارقوا فيها عادتهم من استبعاد الوجل، والاغترار بالأمل، والإسناد إلى أمراء الفرقة الهمل، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل، يصدونهم عن سواء السبيل، ويلبسون عليهم وضوح الدليل.
ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء، قلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلون، وبفسادهم يردون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين، بما لا كفاية له مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق، ذيادا [٤٨ب] عن الجماعة، وحوشا إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكد الله عليهم في التبين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، خائض في
[ ٥ / ١٨٠ ]
أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ بالتقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها، وان أصبحت بصدد من خبالها: هل هي إلا مشفية على بوارها واستئصالها -! ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء، أن لم يكن عندهم لهذه الحادثة الغراء في بربشتر إلا الفزع إلى حفر الخنادق وتعلية الأسوار، وشد الأركان، وتوثيق البنيان، كاشفين لعدوهم عن السوءة السوءاء من إلقائهم [يومئذ] بأيديهم اليهم: أمور قبيحات الصور، مؤذنات الصدور بأعجاز تحل الغير:
أمور لو تدبرها حكيم إذن لنهى وهيب ما استطاعا
ولكن ما الحيلة في أديم تفرى تعبنا، فغلب الصناع، يخالها العاجز سحيلات محلولة، وهي في حكمة القدير مبرمة مفتولة، ضل فيها الحكماء قبلنا، فلنا في الإقصار عن كشفها مندوحة؛ فلنأخذ فيما افتتحنا القول فيه من حديث المصيبة الفادحة في بربشتر:
وهو أن جيش الأردمانيين طنبوا عليها، ووالوا حصرها، وجدوا في قتالها طامعين فيها، وقد أسلمهم أميرهم يوسف بن سليمان بن هود لخطبهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وقعد عن النفير نحوهم، فأقام عليها
[ ٥ / ١٨١ ]
العدو منازلا أربعين يوما؛ ووقع بين أهلها تنازع على القوت لقلته، ولما علم العدو بذلك جد في القتال، فدخل الكفرة المدينة البرانية في نحو خمسة آلاف دارع، فبهت الناس وتحصنوا بمدينتهم الداخلة، ودارت بينهم حرب شديدة قتل فيها من النصارى خمسمائة؛ ثم اتفق من قدر الله تعالى أفضت إلى شط النهر، فانهارت في نفس ذلك السرب بأسره، فعدموا الماء وأيسوا من الحياة، ودعوا إلى تأمينهم على النزول بأنفسهم خاصة دون مال وعيال؛ فأعطاهم أعداء الله ذلك، فلما خرجوا نكثوا بهم وقتلوا معا، ولم يطلقوا منهم غير قائدهم ابن الطويل وقاضيهم ابن عيسى [٤٩أ] في نفر من الوجوه قليل عددهم، فحصلوا من غنائم بربشتر على ما لا يقدر [حصره] كثرة؛ زعموا أنه صار لأكبر رؤسائهم، قائد خيل رومة، في حصته نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا كلهن، ومن أوقار الأمتعة من الحلي والكسوة والوطاء خمسمائة حمل. وتحدث أيضا أنه أصيب في هذا القتل والسبي مائة ألف نسمة، وشد الكفار أيديهم بمدينة بربشتر واستوطنوها، وهلك من نساء بربشتر جملة يكثر عدها عند إفلاتهن من عطش القصبة لتطارحهن على الماء
[ ٥ / ١٨٢ ]
يكرعن فيه بغير مهل، فكبهن للأذقان موتى. وكان الخطب في هذه النازلة أعظم من أن يوصف أو يتقصى.
قال أبو مروان: وبلغني أنه كانت المرأة تطلع من فوق سور المدينة، فتنادي من يدنو اليها من الكفرة عن جرعة ماء لنفسها أو لطفلها، فيقول لها: هاتي ما معك، ألقي إلي ما يرضيني أسقك، فتلقي اليه ما عندها من كسوة أو حلية أو مال، وتدلي نحوه ما حضرها من قربة أو آنية في رشاء، فتغيث به نفسها أو طفلها. وعرف الطاغية ذلك، فنهى رجاله [عنه] وقال: اصبروا وقتا ويؤخذون جملة. وآل بجماعتهم آخرا أن ألقوا إلى المشركين بأيديهم فارين من الظمأ مع أمان، فلما رأى الطاغية كثرتهم وانتشارهم، هاله ذلك وخاف أن تدركهم حمية في استنقاذ أنفسهم، فأمر أصحابه ببذل السيف فيهم ليخفف من أعدادهم، فقتل منهم يومئذ خلق عظيم تحدث أنهم نيفوا على ستة آلاف قتيل. ثم نادى ملكهم برفع السيف عنهم، وأمر جميعهم بالخروج عن المدينة بالأهل والذرية فابتدروا الخروج عنها مزدحمين على أبوابها، فمات منهم في ازدحامهم [ذلك، من الشيوخ والعجائز والأطفال] جماعة، وجعل كثير منهم يتدلون بالحبال من ذرى السور فرارا من ضغط الازدحام على الأبواب، وبدارا إلى شرب الماء، واستمسك في القصبة من وجوه الناس وجلداء فتيانهم نحو سبعمائة رجل، تحصنوا فيها ولاذوا من موت السيف بموت الغلة. ولما برز جميع من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء
[ ٥ / ١٨٣ ]
بابها بعد من خفف منهم بالقتل، وهلك في الزحمة، ظلوا قياما ذاهلين منتظرين لنزول القضاء بهم، نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار منهم إلى داره ووطنه بأهله وولده، وأزعجوا لذلك، فنالهم من الازدحام قريبا مما نالهم في خروجهم عنها فلما استقروا فيها [مع عيالهم وذرياتهم] اقتسمهم المشركون بأمر سلطانهم قسمة قرروها بينهم، فكل من صارت في حصته دار حازها، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال، يحكم كل علج منهم في من [٤٩ب] سلط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه الله به [منهم]، يأخذ كل ما أظهره عليه من نشب، ويقرره على ما أخفاه عنه، يعذبه أنواعا من العذاب حتى يبلغ نفسه عذرها منه، فربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من ذلك، فإن عداة الله كانوا يومئذ يتولعون بهتك حرم أسراهم وبناتهم بحضرتهم وعلى أعينهم، إبلاغا في تعذيب قلوبهم، يغشون الثيب ويفتضون البكر، وزوج تلك وأبو هذه موثق بقيد إساره، ناظر إلى سخنة عينه، فعينه تدمع، ونفسه تقطع، ومن لم يرض ذلك منهم
[ ٥ / ١٨٤ ]
أن يفعله في خادم أو ماهنة أو وخش أعطاهن خوله وغلمانه يعبثون بهن عبثه، فبلغ فيهم [يومئذ] ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة.
ولما كان ثلاثة أيام من استيلاء الكفرة عليهم، نهدوا لمن كان بقي من المتحصنين بذروة القصبة، وأحاطوا بهم، فنزلوا على أمان وقد سهمت وجوههم، وتغيرت خلقهم، من عبث العطش، فتجافى الكفرة عنهم، وخرجوا يريدون مدينة منتشون - أقرب مدن الإسلام إليهم - فقضي أن لقوا سرية من خيل النصارى، لم يشهدوا فتح بربشتر ولا علموا خبر هؤلاء المسرحين المكروبين، فقتلوهم جملة، إلا من نجا به أجله منهم، وقليل ما هم، فمضوا على هذه السبيل على ما حكم الله فيهم.
ولما عزم ملك الروم على القفول [يومئذ] من بربشتر إلى بلده، تخير من بنات لمسلمين الجواري الأبكار، والثيبات ذوات الجمال، ومن صبيانهم الأيفاع والحزاور الحسان ألوفا عدة، حملهم معه ليهديهم
[ ٥ / ١٨٥ ]
إلى من فوقه، وترك بربشتر من رابطة خيله ألفا وخمسمائة، ومن الرجالة ألفين.
قال أبو مروان [ابن حيان]: وأختم هذه الأخبار البربشترية، الموقظة لقلوب أولي الألباب، بنادرة منها يكتفى باعتبارها عما سواها، وتمثل لذوي النهى صورة البلوى التي تتوقع شرواها، وهي ما حكاه لي بعض من أكاتبه بالثغور عن رجل من تجار اليهود، أتى بربشتر البائسة بعد الحادثة [عليها]، ملتمسا فدية بنات لبعض وجوه من نجا من أهلها حصلن في سهم قومس من وجوه الرابطة فيما كان يعرفه، قال: فهديت إلى منزله الذي كان نزله فيها، واستأذنت عليه، فأجده جالسا مكان رب الدار مستوليا على فراشه، رافلا في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما تخلفهما ربهما يوم محنته، لم يتغير شيء من رياشهما وزينتهما، ووصائف على [٥٠أ] رأسه روقة مضمونات الشعور قائمات على رأسه سماعيات لخدمته؛ فرحب بي وسألني عن قصدي، فعرفته وجهه، وأشرت له إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه، وفيهن كانت حاجتي، فابتسم وقال بلسانه: لسريع ما طمعت من قرب فيما أبرزناه لك، فأعرض عمن هاهنا، وتعرض لمن شئت ممن صيرته بحصني من سبيي وأسراي أقاربك في من شئت منهن؛ فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي
[ ٥ / ١٨٦ ]
لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت، فسمي ببعض من هاهنا فإني أصير إلى رغبتك؛ فقال: وما الذي عندك مما تشوقني إليه - قلت له: العين الكثير الطيب، والبز الرفيع الغريب، قال: كأنك تشهيني ما ليس عندي: يا بجة - ينادي بعض أولئك الوصائف: يريد يا " بهجة " [فيغيره] بعجمته - قومي فاعرضي على هذا اليهودي الخداع مما في ذلك الصندوق؛ فقامت اليه، وأقبلت ببدر الدنانير وأجناس الدراهم وأسفاط الحلي، فكشف وجعل بين يدي العلج حتى كادت تواري شخصه؛ ثم قال لها: ادني إليها من تلك التخوت، فأدنت منها عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر بما حار له ناظري وبهت، واسترذلت ما عندي. ثم قال [لي]: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه وآبائه: لو لم يكن عندي شيء من هذا ثن بذل لي بأجمعه في ثمن مدنيته إليك ما سخت نفسي بها فيه، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها له مع جمالها لولادتي، حسبما كان قومها يصنعونه بنسائنا نحن أيام دولتهم، وقد رد لنا الكرة عليهم، فصرنا الآن فيما ترته؛ وأزيدك بأن تلك الخود الناعمة - وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية - لمغنية السخين العين والدها التي كانت تشدو
[ ٥ / ١٨٧ ]
له على نشواته، إلى أن أيقظناه من نوماته؛ يا فلانة - يناديها بلكنته - خذي عودك فغني زائرنا بشجوك؛ قال: فأخذت العود وقعدت تسويه، وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العلج مسحه، واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا، فضلا عن العلج، فصار من الغريب أن حث شربه هو عليه، وأظهر الطرب منه. فلما قطعت ويئست مما عنده، قمت منطلقا عته، واردت لتجارتي سواه، فاطلعت من كثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم [على] ما طال عجبي منه. فهذا فيه مقنع لمن تدبره، وتذكره لمن تذكره.
قال أبو مروان [ابن حيان]: وقد أفشينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر عليها أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن [٥٠ب] قبلهم من أثارة، ولأشد مما أفشينا عند أولي الألباب ما أخفيناه مما دهانا من داء التقاطع وقد أخذنا بالتواصل والألفة، وأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة، إذ قدر الله زمانها، هذا بالإضافة إلى ما عهدناه في القرن الذي سلخناه من آخر أمد الجماعة على إدراك من لحق الذي قبله، فمثل دهرنا هذا فرس بهيم الشية ما إن يباهي بقرحة فضلا عن شدوخ غرة، قد غربل أهليه أشد غربلة فسفسف أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفه أحلامهم
[ ٥ / ١٨٨ ]
وخبث ضمائرهم، فاحتوى عليهم الجهل، واقتطعهم الزيف، وأركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغي بأقوياء، شاء من الناس هامل، يعللون نفوسهم بالباطل، من أدل الدلائل على فرط جهلهم بشانهم، اغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية رسوله نبيهم ﵇، وذهولهم عن النظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم، حتى لظل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يتبحبح عراص ديارهم، ويستقرئ بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفا منهم ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهاة عن بثهم، ما إن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا ومحفل من محافلنا مذكر بهم أو داع لهم، فضلا عن نافر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منا، أو كأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء، بخلنا بالغناء، عجائب مغربة فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، فلله عاقبة الأمور، وإليه المصير.
قال أبو مروان [ابن حيان]: فلما كان عقب جمادي الأولى من سنة سبع وخمسين [بعدها] شاع الخبر بقرطبة بارتجاع المسلمين لبربشتر، وذلك أن أحمد ابن هود الملقب بالمقتدر، المفرط فيها، والمتهم على أهليها لانحرافهم إلى أخيه، صمد لها مع مدد عباد حليفه، وسعى لإصمات سوء القالة عنه، وقد كتب
[ ٥ / ١٨٩ ]
الله عليه منها ما لا يمحوه إلا عفوه، فتأهب لقصد بربشتر، فسار نحوها، ورجال ابن عباد نحو من خمسمائة فارس، مقدمته من شداد البرابرة وغيرهم من أبطال الأندلس، فنزل عليها بجمعه، فجالدوا المسلمين بباب المدينة جلادا ارتاب منه كل جبان، وأغوى الله أهل [٥١أ] الحفيظة والشجعان، وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر أوليائه، وزلزل أعداءه، وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة، فاقتحم المسلمون عليهم وملوكهم أجمعين، إلا من فر من مكان الوقعة ولم يأت المدينة، فأجيل [السيف] في الكافرين، واستوصلوا أجمعين، إلا من استرق من أصغارهم، وابتغوا الفداء من أعاظمهم، وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبنائهم، وتملكوا المدينة بقدرة الخالق الباري، وأصيب على منحة النصر المتاح طائفة من حماة المسلمين، الجادين في نصر الدين، نحو الخمسين، كتب الله شهادتهم؛ وقتل فيها من أعداء الله الكافرين نحو ألف فارس وخمسمائة راجل، فاستولى المسلمون بحمد الله عليها، وغسلوها من رجس الشرك، وجلوها من صدا الإفك، ثبت الله فيها قدم الإسلام، وجبر صدع من تولى من إخوانهم، بمنه.
[ ٥ / ١٩٠ ]
ومن رسائله الإخوانيات
فصل له من رقعة في استفتاح خلطة: قد يتراسل الناس وإن لم تتقدم مباسطة، ولا سلف مخالطة، لأسباب تصل أهواءهم، وأحوال تجمع آراءهم، فتأتلف قلوبهم، وتعود ذات بينهم كأن لم تزل ملتئمة، وتلوح قواعد مؤاخاتهم كأن لم تبرح مستقرة مستحكمة، وقد دعاني إلى الأخذ بحظ من إخائك، والاكتئاب في ديوان أودائك وأصفيائك، سببان: أحدهما ما أرج إلي من طيب أخبارك، وجلي علي من محاسن آثارك، وقدر لدي من فضائلك التي تقاد اليك النفوس بأزمة ودادها، وتقف عليك خالص اعتقادها، فالفضائل حيث كانت مرغوبة محبوبة، والهمم نحوها جانحة طامحة، والأهواء بها كلفة، ولها مكتنفة؛ والسبب الآخر: مكانك من سيدنا الملك [الأعظم]- أدام الله رفعته، وثبت وطأته، ومكن سلطانه ودولته - وحظك الرفيع من أثرته، وحالك المشكورة في خدمته، فإن كل من اتصل به واعتصم بسببه، وفاء عليه ظله الظليل، وأحاط به فضله الجزيل، فقد جمعني وإياه ذمام كبير وسبب موصول، إذ أنا متمسك من حبله بأوثق عروة، ومستضيء من نوره بأنور جذوة.
وله [فصل] من أخرى [في مثله]: قديما تواصل الناس على البعد، وتهادوا ثمر الإخلاص والود، وإن لم يتقدم سبب موجب للتواصل، ولم
[ ٥ / ١٩١ ]
يرد رائد مقتض للتراسل، وما أقول إن مخالطة تمكنت [٥١ب] لا سبب لها، ولا مواسطة تمهدت لا باعث عليها، فإن توق النفس إلى استصفاء الفضلاء، واقتناء مودات الأوفياء، أقوى أسباب الارتباط، وأدعى أبواب الاختلاط، ومحال أن تنجذب نفس، إلى من ليس لها به أنس، أو يكلف ضمير، بمن ليس له منه حظ موفور، وقد تخلت مخاطبتي لك من الأسباب إلا من سبب المحبة فيك، والمعرفة بجميل مذاهبك ومساعيك، والرغبة في اقتناء خلتك، وادخار صداقتك، لما شهر من أحوالك الجميلة، وظهر من خلالك النبيلة، ومن كان على ما أنت عليه، فمر غوب فيه منجذب إليه، مطلوب إخاؤه، مخطوب صفاؤه، محبوب على البعاد، مفدى حتى من الأضداد.
وفي فصل من أخرى [في مثله]: إن كانت المعرفة لم تحق، فكم أثر أهدى من عين، وكم خبر أغنى عن خبر، لئن كانت الألفة لم تسبق، فرب طارف حديث أكرم من تالد موروث، ورب مستفاد مكتسب، أغبط من عتاد معتقب؛ ووردني لك كتاب [كريم] نطق بلسان تفضلك فأصغى هوى النفس إليه، واستطفى مودات القلوب لديه، وقضى أنك عين الأعيان، وفاضل الزمان، والخاص بنوع الإنسان.
[ ٥ / ١٩٢ ]
وفي فصل من أخرى: منابت الفضل باسقة الفروع، حميدة الجميع، طيبة الجنى، جميلة المخبر والمرأى، لا تطلع إلا ما يبهج، ولا تلقح إلا ما ينتج، ولا تروق إلا بما يرف، ولا تثمر إلا ما يشف، وأنت في أطيبها معدنا، وأكرمها موطنا، ومن أزكاها منبتا، وأسراها مغرسا، ولا يرد منك إلا ما يعبق نسيمه، ويلذ شميمه، ويروق منظره، ويفوق مخبره، وما زلت أعرف لك الحق الوكيد، والسبق البعيد، والسعي السديد، فأقول إنك غرة في وجه الدهر البهيم، ومعذرة من إساءة هذا الزمن المليم، فما أخطأت عنك الفراسة، ولا اختلفت فيك الرياسة، بل أوفيت على المقدار المظنون، وأتيت من وراء المتيقن المضمون.
وله من أخرى: ورد كتابك الكريم يعرب عن ود لا تكذب فيك صفاته، وعهد لا تقرع صفاته، وقد كنت أتأمل فيك شواهد التحقيق، وأعلم أنك الواقع عليه معنى الصديق، على أنه في هذا الزمن كالعدم، إلا في الكتب والكلم.
وفي فصل من أخرى: ان عوائد المتكاتبين على أي حال كانوا من اتفاق المعاقد، واختلاف المقاصد، قد جرت على سنن من ذكر [٥٢أ]
[ ٥ / ١٩٣ ]
الود وانتحاله، وحسن العهد وجماله، تمتريه كل فرقة، وتتعاطاه كل طائفة، حتى قد كاد يقع الالتباس بين المحق والمبطل، وتختلج الظنون والظنن في عيان المتأمل، بكثرة الدعاوى في الناس والنفاق، وعدم التصافي في الأغلب والوفاق، فالكلام منهل مورود، وحبل ممدود، وباب غير مسدود، فما عسى الموالي المحق أن يكتب به، معربا عن صحة ضميره ومذهبه، ولعل الظنين المستراب به قد سبق من القول في هذا الباب إلى كل ثنية، وأتى من الإسهاب والإغراب بكل قضية سنية، قبل إعمال الروية، فهي ألفاظ مشتركة غير متميزة، وكلمات مختلطة غير متحيزة.
وفي فصل من أخرى [له]: وكنت أضرب صفحا عن ذكر حالي معك والاتباطها، وانجذاب نفسي إليك وانبساطها، وامتزاج ذاتي بك واختلاطها، إلا أني قلت: لا بد للنفوس من أن تظهر ألإعالها، وللحقائق ان تعطي أحوالها، فإن وراء كل دعوى، ستارا من النجوى، يعلم به هل تغلغلت في الضمير ذاهبة، أو أخذت في بعض الجوانب وازبة؛ وعلمت أنه لا بد من شواهد اللسان، مع معاقد الجنان، والله المطلع على الضمائر لم يقبل عقد الإيمان، حتى يصحبه عقد اللسان، ولهذا السبب لا بد
[ ٥ / ١٩٤ ]
للمرء أن يقول، وللسان أن يجول، إلا أنه يكتفى بالقليل من الكثير، ويحال على خواطر الضمير.
وله من أخرى: إن أخذت في ذكر فضائلك، أو عطرت كلامي بطيب شمائلك، فلسان الأيام بها أفصح، ولها أشرح، وان عدلت إلى وصف ما أعتقده فيك وأضمره، وأطويه من ودادي لك وأنشره، فشاهد ضميرك به أنطق، وعنه أصدق، فليس إلا الاتفاق والاصطلاح، على ما تتناخى به النفوس والأرواح.
وفي فصل من أخرى: وردني لك كتاب أراني كيف يكون الكلام درا، والبيان سحرا، وبطون المهارق حدائق، وما بين مدب الأقلام بوارق، فلله يد نمنمت وشيه، ونظمت حلية، وقريحة أطلعت أزاهره، ما أطول باعها! وأكثر في فنون الأدب اتساعها! ولله زمان أصحب بعد الامتناع، ووصل بعد الانقطاع، ورفع أعلام السعادة، وبلغ أقصى الآمال والارادة، بورود الكتاب الأثير من شاطبة، وقد تبوأ منها بسطة ذراه، وذكرت أنه وصل اليها على تناه من البهجة، فاتت الظنون، وراقت العيون، وتجاوزت حد [٥٢ب] الجمال، واستوفت غاية الكمال، بالمنظر المعجب، والمرأى المستغرب، الذي لم تفتق الأسماع بمثله، ولا نهضت الأفكار بشكله، والحال مغنية بذاتها، عن صفاتها، فقد رفعها الله عن أن تحيط بها الأوصاف، ومحلها أجل عن أن تصفها الوصاف؛ فإنها نادرة الأيام، وفائدة الزمان، يسير بها الركب، وتحلى بها الكتب، وتدون في صحائف الفخر، وتعمر على مر الدهر، ويبلى العصر، وهي جديدة الذكر.
[ ٥ / ١٩٥ ]
وله من أخرى: وحين انتظم أمل، وتناهى جذل، لما أشرفت عليه من صدر الكتاب الكريم، أوقفتني منه على حفزة عتب، وخزت وخز الأشافي، ولدغت الأفاعي، فأمرت الحلو، وكدرت الصفو، وحزنت النفس، وشردت الأنس، فناهيك بكسلي بعد نشاطي، وانقباضي غب انبساطي، وهذه عادة الأيام يجيء كدرها جملا، وصفوها لمعا، والله المستعان على ما يجيئني منك وأنا ذاهل، ويطرقني وأنا غافل.
وفي فصل له: وربما تهيأت الصداقة، وتمكنت العلاقة، على تنائي الديار، وبعد الأقطار، وبالأخبار السائرة، والأنباء المتواترة، ببارع مناقبهم، وباهر مذاهبهم، وجليل فضائلهم، وسامي منازلهم، فتتعارف القلوب، ويجمعهم عقد الوداد، وإن تناءوا في البلاد، وينظمهم سلك الصفاء، وإن لم يكن سبيل إلى اللقاء، فإذا خطب بعضهم وصل بعض ألفاه موطأ الكنف، مهيأ اللطف، سهلا مرامه، سلسا زمامه.
وقد خص الله الوزير الأجل بضروب من المفاخر، وصنوف من المآثر، تتأملها أعين النظار، وتتحملها ألسن الأخبار، ويخطها سواد الليل على بياض النهار، ويحدو بها حادي الرفاق، على أقاصي البلاد والآفاق، ويسري بها سراه الركبان، إلى نائي البلدان، حتى لقد
[ ٥ / ١٩٦ ]
أسمعوها كل أذن صماء، وأروها كل عين عمياء، وعمروا بها طل قطر وإن شط وبعد، وأنطقوا بها كل لسان وإن عيي وجمد، فألوية الحمد عليه خافقة، وألسنة المجد بفضله ناطقة، وكل أفق بكواكبه منير، وكل قلب بصفاء مودته معمور، والله يبقيه للمكارم نظاما، والأفاضل إماما، ولمحاسن الدنيا تماما.
وفي فصل من رقعة وجدتها له منسوبة، وفي ديوان رسائله [٥٣أ] مكتوبة، وهي فيما أراه لسواه: أما البلاغة فأنت مقيم بردتها، ولا غرو، فمن زاحم في العلم بالمنكب الأشد، وخطا في عرضه الأدب بالباع الأمد، واستولى في مضمار الركاب على الأمد، أتى من الإبداع بالعجب العجيب [واجتنى قطف الاختراع من المكان القريب]، وتقنص شارده بالسهم المصيب. وما زلت أفض كتبك عن بدائع دونها السحر، ولآلئ يزهى بها النحر، وغرائب يعذب بها لو مازجته البحر، فأعترف بالتقصير؛ ومن ركب في الكتابة عصا قصير، أنى له بمطاولة من ركب عصا فقير - وما كفاك - أبقاك الله - حين قابلتني بما لو قوبل به النجوم لانحطت إليه من سمائها، أو الغيوم لترقرقت عليه من أرجائها، أو السموم لسمحت بنسيمها وأندائها، وذلك ما أبديته، مما أديته، بل
[ ٥ / ١٩٧ ]
أهديته، من تلك الرسالة المستبينة الإعجاز، المنتظمة الهوادي بالإعجاز، الآخذة بحاشيتي المجاز، التي رب قلائدها، وأبو فرائدها، وولي خرائدها، واحد أقرانه جلالة، وقريع دهره جزالة، ونسيج وحده أصالة، الكاتب الماهر، وبدر الصناعة الباهر، أبو فلان [ابقاه الله]، فإنك جلوت [علي] من أبكاره كرائم، [وسقت إلي من نتائج أفكاره تمائم، وفتقت عن زاهر افتراره كمائم]، وعرضت علي من توليد تفكيره، وبديع منثوره، وأنيق تحبيره، ما هو أحلى من لذة الكرى، وأشهى من درك الغنى، وأعبق من نفحات الأنوار، غب القطار، عند تبلج الأسحار.
وفي فصل من أخرى: ولما تعين علي وظيف المراجعة، بعد طول الممانعة، وشدة المدافعة، نثرت [له] كنائن اعتزازي، وشحذت أسنة أقلامي، وامتريت درة كلامي، فبعد لأي ما انقادت صعابه، وذللت ركابه، وتفتحت شعابه، وكتابي [أعزك الله] طورا يبسط يدي وطورا يقبضها، وتارة يرسلها وأخرى يعترضها، ومرة يقعدها وأخرى ينهضها، حياء من مقابلة بحرك بنطفي، ومحاسن ضيائك بسدفي، ومناطحة طبعك بكلفي، فأما الود، فمنتظم العقد، وأما العهد
[ ٥ / ١٩٨ ]
فمستحكم الشد، وأما الجد، فكرياض الورد.
وله من أخرى: وإذا كانت الأعلاق [النفيسة] الثمينة، والجواهر الرفيعة المصونة، يرغب في اقتنائها، ويتنافس في ادخارها واصطفائها، وهي أحجار جوامد، ومتملكات صوامت، فأخلق بأعلاق الشرف المجيد، وجواهر السؤدد التليد، أن تمتد اليها الأيدي والأعناق، وتستهديها الأقطار والآفاق، وتخالس اليها الأيام والليالي [٥٣ب] ولا يعتمد منها إلا الرفيع العالي؛ وعلق صفائك - أعزك الله - أرفع الأعلاق، كما أن عرق سنائك أكرم الأعراق، فقد انجذبت اليك انجذاب الراغب فيك، والحريص عليك، واستشعرت لك ودا قدمته، وعهدا أحكمته، وصفاء أخلصته، وإخاء أمحضته، علما أني أغرسه من تربك في ثرى ثري، وأطلعه من جوهرك في أفق صاح مضى، وإن كانت المواصلة قبل لم يمتد لها سبب، ولا انعقد لها مذهب، والمداخلة لم يفتح لها باب، ولا نازع إليها انجذاب، فقد تعاقبت عليك الأيام من نوائبها ومواهبها، ومساءاتها ومسراتها، وما وجبت مشاركتك فيه، وقد قدمت الرزية، فارتفعت التعزية، وأعقبت العطية، فلزمت التهنية، وأنا أسأل الله أن يهنيك كل سرور، ويجزي بمحابك المقدور.
وله من أخرى: لتتمثل - أعزك الله - منصفا مقامي، وتتخيل مسعفا خجلي واحتشامي، من لدن افتتحت كتابك [إلى] أن اختتمته، وابتدأته إلى أن أتممته، وقد رأيت في مباديه وانتهاءاته، واقتضيت
[ ٥ / ١٩٩ ]
من فصوله وغاياته، ما غمر وبهر، ورق وراق، وشق وشاق، من تواضع شريف، وتدان رفيع منيف، ووسمني بسماته، ووصفني بصفاته، وحلاني بحلاه، وأقحمني في علاه، وأثبت في ديوان الكتابة اسمي، وإن كانت الحقيقة لم تثبت فيه رسمي، ومن لي بالعصا في ميدانها، ولست من فرسانها، وكيف لي بتلك الصناعة، وأنا مزجى البضاعة -! كلا، فقد سبق ارتجاجي رهوك، وشأى اجتهادي عفوك، أيام كنت رخي البال، ناظرا إلى الدهر بعين استصغار، وان كنت أنت تخترع فأتبع، وتهيب فأجيب، فالآن إذ أخمدت الخطوب نار رويتي، وارتشفت النوائب ماء بداهتي، فما غادرت فيه شفاعة ولا علالة، ولا أسأرت فيه صبابة ولا بلالة، أرتخي أن أطيل فلا أمل، وأختصر فلا أقل -! هيهات! يأبى ذلك جفن أرق، وقلب محترق، وفكر ناب، وذكر كاب، ولو كنت ممن يبدئ ويعيد، ويحسن ويجيد، لما اغترفت إلا من بحرك، ولا نفثت إلا من سحرك، ولا أغرت إلا على نظمك ونثرك، فأنت قدرتي، وبك أسوتي، وإليك منهى روايتي، ومنك معظم درايتي.
ومن أخرى: إن استدللت - أعزك الله - أو أدللت أو انبسطت، فإخلاذ إلى جنب المقة، واعتمتد على ركن الوفاء والثقة، وانقياد لما تقدم من الذمام السالف، وتأكد من تالد الإخاء [٥٤أ] والطارف، والله يبقيك عينا للزمان، وعنوانا في صحيفة الإخوان.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
ومن أخرى خاطب بها أبا القاسم بن خيرون: وقفت على ما حددته من مقابلة السفرين المشتملين على فنون الآداب، وصناعة الكتاب، وطرق الخطاب، الجامعة لفصاحة الأعراب، ولباب اللباب، وبادرت إلى ذلك بدار من علم أنها نعمة سابغة منجتها، ووصلة وصلتها، لما في تأملها من الإشراف على طرق البلاغة والكتابة، وصناعة الترسيل والخطابة، مع ما يلزمني من حقك أقضية، وواجبك أتصرف فيه وأوفيه، إذ أنت صنو أبي مولاي - مد الله علي ظلكما، وكبت الباغي عليكما، والحاسد لكما - فكم يقرع سمعي من قول الحاسدين من خص أبي مولاي بمعاداة أهل الجهل، وحباه بمولاه أهل الفضل، ولا غرو فغير غريب ذلك من فعلهم بالعلماء، ولا ببديع من صنيع الدهماء، وقد قال الأول:
بيني وبين لئام الناس معتبة لا تنقضي وكرام الناس خلاني
إذا لقيت الأصل أبغضني وإن لقيت كريم الأصل حياني وقال آخر:
لقد زادني لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وأني شقي بالئام ولن ترى شقيا بهم إلا كريم الشمائل
[ ٥ / ٢٠١ ]
وهو في فصل منها: ومن العجائب العجيبة، والنوادر الغريبة، تحكك من ليس من شانه، ولا يجري في ميدانه، إلى مطالبته، ونصبه لمحاربته، بالإبراق وللإرعاد، والتهديد والايعاد، لا جرم أن يده أقصر، وخطبه أيسر، وهو أصغر وأحقر، فما ريع بذلك الوعيد، ولا رأسه لذلك التهديد، ولا أصبح سربه خائفا، ولا أمسى طائره واقعا، ولا طرفه خاشعا، ولا اضطرب به مستقر، ولا قال أين المفر، بل عد ذلك من دلائل سموه الواضحة، ومخايل علوة اللائحة، وتضاحك منه لاهيا، وأنشد:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع
ومن أطرف ما جاءت به الأيام، وتحدثت به الأنام، مناواة جاهل خسيس، لإمام عادل رئيس، لقد استنت الفصال حتى القرعى، ولا تعجبن لجاهل علا، إن البغاث بأرضنا يستنسر، وما لتيس جبان، والجري مع العلماء في ميدان -! أوهمه نفسه إذ لقب [٥٤ب] بالفقيه، وذلك أقصى أمانيه، وهو من العلم، أبعد من النجم، ومن الجهل الشديد، أقرب من حبل الوريد، وكيف يجاري العلماء، ويسامي الكبراء، ويزاحم أهل العلم بالفروع والأصول، والعلة والمعلول -! وماذا
[ ٥ / ٢٠٢ ]
عليه من العلم [المدار]، بوثائق ابن العطار، وبعقد وثيقة وهو لا يعرف معانيها وفصولها، [ويطول وهو لا يميز حشوها وفصولها]، إلى الله الشكوى في دثور العلم وتألب الجهلاء والغوغاء، وتألفهم على من بان فضله عليهم، حتى صاروا على الشر أعوانا، وإن لم يكونوا قبل إخوانا، خوفا على جهلهم أن يظهر، وينتشر من غباوتهم ما استتر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
وذو الجهل في الدنيا بذي الفضل مولع*
إن المقدم في حذق بصنعته أنى توجه منها فهو محسود
وليت لو كانوا من الأكفاء والأنداد، وموضعا لوداد، ومكانا للأقتصاد:
ولو إني بليت بهاشمي خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
اخرج يا دجال، فقد غلب المحال:
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وفي فصل منها: وإني ليبلغني ما يأتي به من هذيانه في النثور والموزون، وتخطيه إلى العرض المصون، والنيل من ذوي الفصل والدين، فأهم
[ ٥ / ٢٠٣ ]
بمعارضته، ثم أمسك عنه لتفاهته ودناءته، وأذكر قول القائل:
نجا بك لؤمك منجى الذباب حمته مقاذيره أن ينالا
[وقوله]:
* ومن يعض الكلب إن عضا *
لو كنت من أحد يهجي هجوتهم يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
وله من أخرى خاطب بها [الوزير] أبا المطرف بن الدباغ: مطالعتك - أعزك الله - منتظره، وصلتك مستمطرة، فلا تعتذر إلا من الإغباب، ولا تستكثر قليل ما تصل به من الكتاب، فأنا إلى أخبارك متطلع، ولآثار الصديق المخلص من النفس موقع، وقد علم علام الغيوب شغل بالي بك، واقتضائي الأيام لك، ما تقتضيه لنفسك وذاتك، من آمالك وإرادتك، وإنه ليعتريني حصر عند مجاوبتك، وخجل حين [٥٥!] مكاتبتك، من خلو كتابي إليك، من معنى تشد عليه يديك، وفائدة تعود بمسرة عليك، ولكن الأحوال لا تغرب ولا تغيب، وليس على الأيام عتب ولا تأنيب.
وفي فصل منها: وردني كتابك مشاركا لي بفضلك، في ما أظلم من
[ ٥ / ٢٠٤ ]
بالك، واغتم من حالك، وتعذر من أمرك، وتأخر من إسعاد دهرك، كأنه نفثة المصدور، وسلوة الموتور، وتعلة الشاكس إلى أخيه، وراحة الباكي مع من يباكيه، وقد علم تعالى أن مساهمي لك في ذلك مساهمة من يخصه ما يخصك، ويمسه ما يمسك، ولكن ما يصنع مع الأيام إذا صمت عن الشكوى، وأبت من العتبى، والأقدار إذا لم ينته لها أمد ولا مدى -! وإن عذرك لواضح أن يضيق صدرك، ويعاصيك [في] بعض الأحيان صبرك، فقد ترى حظوظا أنت بها أحق، وغيرك اليها أسبق، وأحوالا أنت الجاري إلى غاياتها، وغيرك الجاني لثمراتها، إلا أنها الجدود لا تعجل عن آنائها، ولا تحفز في أناتها، وعندك من معرفة الأيام ما يسليك وينفعك، ومن الأدوات ما لا يهملك ولا يضيعك، وأنت في اقتبال سنك، وعنفوان أمرك، وحالك واعدة لك بأكثر مما نفسك، فلا تضجر [بفضلك] فالزمن بين يديك، وعدم الأمائل محوج إليك.
ومن أخرى إليه: إذا اتفق للمرء وفي يصادقه، وسرى يوافقه، وأديب يجاذبه أهداب الآداب، وأريب يناهيه لباب الألباب، فقد ظفر بالأخ الأسنى، وأفاض بالقدح المعلى، وراد من الأنس مرادا خصيبا، وفوق في أهداب المنى سهما مصيبا، فهي الضالة التي تنشد ولا توجد، والغريبة التي توصف ولا تعرف، وهو الاسم الواقع على غير مسمى، كعنقاء مغرب، وأرى أن قد ظفرت منك بذلك المطلوب الذي هو في
[ ٥ / ٢٠٥ ]
حيز العدم، وتنسمت منك السجايا والشميم، واعتقدتك من الذخائر والعدد، واعتددتك لليوم والغد؛ ووصل كتابك الكريم وبحر القول فيه يزبد، وإنسان البيان منه يسجد، وطرف الاهتبال به يسهر، وطويل باع الشكر عنه يقصر.
وفي فصل من أخرى: قد يجزئ التميم عند عدم الماء، ويكفي التعلل من كمال الشفاء، وتلك حال كتابك الكريم الوارد، وجوابك الأثير الوافد، فإنه سد من الأنس مسدا وإن لم يكف، ونال من جلد الوجد منالا وان لم يشف، أما إنه ماء وان لم يبلغ أن يكون صداء، ومرعى وإن لم ينته أن يكون سعدانا، ورأيتك رحلت على أن المقام ثلاثا فطابت لك حتى [٥٥ب] أتممت عشرا، بل ما لأقمت إلا دهرا، فقد زدت على المثل، وتمليت مسافة الجذل، فهنيئا لك غير منغص، ومزيدا غير منتقص.
ومن أخرى: ورد كتابك فلحظت منه فجر البيان، وشجر الإحسان
[ ٥ / ٢٠٦ ]
وثمار البديع المزرية، واستخفني باعجابه، واستفزني بإطرابه، فأشهد لو كان خلقا لكان إنسا، أو نورا لكان شمسا، أو روضا لكان حزنا، أو ماء لكان مزنا، وكلما سرحت فيه ناظري، وأجلت في أرجائه خاطري، رأيت الطبع البعيد كيف مواقع إبداعه، ومنتهى اختراعه.
ومن أخرى: قد سقط القول بيننا في الاعتقاد، وتعريفا من سنن التزيين فيه والاحشاد، فلا يحط من ورائه، ولا يريق بالإعادة من مائة، وجعلنا الضمائر - وكفى بها بيانا وتبيينا - لا تنفك محوطة، وبالكفاية منوطة، فلو استطعت لوضعت الذنب والجناح، وسقطت سقوط الندى قبيل الصباح، لا سيما وقد اتصل بي اعتلال طاف بك، أرق عيني، وقرب حيي، فما عرفته إلا بطارئ من أفقك، استوضحته عن خبرك، إلا أنه أنس بتصرفك واستقلالك، ثم تتابعت البشرى بطلوع الكريم خطابك، معلما بابلالك، فمضى الغمة، وقوى الهمة، وسكن القلب، وأزاح الكرب، وأشفقت أن لم تشاركني لوقت العارض، حتى من الله بالشفاء الفائض.
[ ٥ / ٢٠٧ ]
فصول من كلامه في رسائل الشفاعات والوسائل
فصل من رقعة كتبها شافعا بابن حماد، أحد أفراد القواد: وقد سمت بي همتي التي هو بفضله اسماها، وأطال مداها، أن أقرع باب كرمه شافعا، وأستمطر سحاب نعمة راغبا، في إقالة عثرة عبد من عبيد الدولة، باخع بحق الطاعة، خاضع لعز القدرة، مات بسبب القرابة واللحمة، قد اتخذني سببا إلى علائه، وسلما إلى سمائه، إذ علم أني لدولته - خلدها الله - ولي، وبدر نعمته غذي، وفي كنفها ربي، ووثق أن مثلي من دعاته في القطر الشاسع، وأشياعه في البلد النازح، لا يرد إذا رغب، ولا يصد إذا طلب، ولا يحرم إذا شفع، ولا يحجب إذا قرع، لا سيما وهو طالب عفو مذنب، ورضى عن معتب، والعفو أقرب للتقوى، والصفح أدنى إلى الزلفى، ولمقيل العثرات عند الله جزاء الحسنى.
وفي فصل منها: وقد كنت قدمت في شانه من الرغبة ما يقتضيه، [٥٦أ] فأعلمت أن شدة الموجدة عليه سدت عنه باب رغبتي فيه
[ ٥ / ٢٠٨ ]
فسلمت بسياسة الدولة التي منها يستملي الدهر إذا أملى حكما، وعنها يقتبس الزمان إذا ارتأى عزما، وعلمت أن لكل أجل كتابا، ولكل أمد حسابا، ثم لم أيأس من عطفات الملك الأجل إذ كان كرمه اكرم شافع إليه، وانجح وسيلة لديه، يناجيه بلسان الشفاعة، ويلم بين يديه بساط الضراعة.
وقد علم أن فلانا المذكور سهم من سهام تلك الدولة على أعدائها، وسيف مسلول دون من يليها من نواحيها وأرجائها، ويقارع من ضادها، ويعاند من حادها، وفي الإبقاء على جمهور من المسلمين كثير، وإحياء من الأرضين كبير، وتأمين سبل مخوفة مقطوعة، ورعية ضعيفة مروعة، وتحقن الدماء في أهبها، وتمنع الدهماء، من كلبها، ويرد على العيون كراها، ويزجى إلى النفوس مناها، [وفلان المذكور عند سيدنا يد قد دميت بسوارها، وصليت من شمس علائها بأوارها، فهو فرع من دولته المنيفة، وواحد من جملته الشريفة وعسى أن يكون العذاب قد انتهى، والملك الأجل قد استبقى]؛ ولو أمكنني أن أخوض البحر إليه، وأمثل راغبا بين يديه، لفعلت، وكان ضمانا على كرمه ألا أرجع [عنه] صفر اليدين، ولا أنقلب بخفي حنين، فليمثلني - خلد الله ملكه - واطمئا للبساط، سائلا في السماط، قد أطلقت
[ ٥ / ٢٠٩ ]
لسان الرغبة، وأدللت بذمام الولاية والمحبة، وإن كنت لم أسع في ذلك، إلى هناك، بقدمي، فقد سعت آمالي وهممي، وعرف الجميع، أني الراغب الشفيع، فالعيون ناظرة، والآذان مصيخة، والأعناق متطلعة، والنفوس متشوقة، إلى ما يكون من الملك الجليل، من الفعل الجميل، من مقابلة شفاعتي - إن شاء الله - بالقبول.
وفي فصل من أخرى: من حكم شيمك - أيدك الله - الحالية، وديدن هممك العالية، أن توجب للراغب، وتنعم قبل عزيمة الطالب، واسعف من غير شفاعة ولا مسألة، وتلتزم الحق من غير ذمام ولا صلة، فكيف بك إذا توسل بذمة محبة متوسل، وتوصل بحرمة قرابة متوصل، وضرع من عبيد اصطناعك ضارع، وشفع من صدور أودائك شافع، هنالك لا محالة يوري زاده من غير قدح، ويفضي جده إلى نجح، وينتهي سراه المحمود إلى أبين صبح، ويحوز الشافع جمال القبول، ويفوز المستشفع بثمرة المأمول؛ وفلان من أصحابي [الأخصين] الأخلصين، ومن أشياعك الأودين الأجدين، وكما نحن في أحوالنا كلها مشتركان، كذلك نشترك فيه شرك عنان، فلي شخصه وقربه، ولك
[ ٥ / ٢١٠ ]
ضميره وقلبه، وإن لزوتني رعايته من وجه [٥٦ب] فهي لك من وجوه ألزم، إذ حالك معه أقدم، وأنت أرعى وأكرم.
وذكر أنه يخاصم بعض بني عمه -[كثره الله]- وكان الضلع في خصومته عليه، وإن كان الحق في يديه، لأسباب دنياوية، لا لتوجه حكم [ولا] قضية، ورغبته الموصلة برغبتي، المؤيدة بشفاعتي، أن يكون له منك جانب يرقى منه إلى مستعصب مطالبه، ويدرأ منه في نحر مطالبه، ويعيد الشهود عليه شهودا له، والمتألبين عليه إلبا معه، وإذا شد زنده حسن رأيك في يده، ضرب بنصل يقطع الهام في غمده، وسرى بسراج يضيء له مبهم قصده، فإن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن.
وفي فصل من أخرى: عبد سيدنا - أدام الله عزه - قد تحيفت الأيام قواه، وتخونت الحادثات عراه، وقربت الثمانون خطاه، فاختلج بنانه حتى كأنه لم يتعلق من الكتابة بأطناب الإطناب، ولا تصرف من البلاغة في سهوب الإسهاب، ولا عد في الدواوين من صدور الكتاب؛ والحضرة الجليلة تنعم باستماع بثه، واغتفار رثه، جريا على الكرم
[ ٥ / ٢١١ ]
المعروف، وسعيا إلى الفضل المألوف؛ وعبده يخدم البساط بالتقبيل، ويسأل أن ينزله منزلة القبول، مهتبلا، مجملا، إن شاء الله.
[وله من أخرى: كيف لا أتحكم - أيدك الله، وأوصلك إلى ما ترضاه - على سيادتك تحكم المدل، وأتقدم في ذلك تقدم المنبسط المسترسل، وقد مهدت لي جانب الإفضال، وأمنت سربي قديما وحديثا من الإملال والاخجال، فإن انسطت فبحق، وإن شفعت فبضمان صدق] .
[ومن أخرى: إذا استحكمت المقة، وتمكنت الثقة، وخلص الصفاء من كل شوب، وسلم الإخاء من كل عيب، ارتفعت أسباب التحفظ والترقب، وعصيت دواعي الانقباض والتهيب، واسترسل المرء راغبا في كل ما عن له، وانبسط شافعا لكل من اتصل به، وذلك عندي - أبقاك الله - رسمي في تواتر من كتبي، في من له به لديك عناية وإكرام، وله إلي وصلة وذمام] .
[ومن أخرى: تلزمني - أيد الله مولاي - علائق لو وقف منها على السر، لتجلى له وجه العذر، من هز فضله في شأن فلان مملوكه وحبيسه بره، ليعطف عليه عطفه الماجد، ويحنو عليه حنو الوالد، على فراخ كزغب القطا، وعيال ليس منهن إلا المفجعة الحرى، دموعها تنهل كالسحاب، وضلوعها تلتهب بنار الاكتئاب، قد شملهم الفرار، ونبا بهم القرار، وعوضوا بالبؤس من النعيم، وأديلوا بالحزن من السرور المقيم، كأتما يتكحلون بالسهاد، وينامون على شوك القتاد] .
[ ٥ / ٢١٢ ]
[وأنا أمد إلى مولاي يد الضراعة، وأسأله إن لم يستوجب المذكور الرعاية لنفسه، فليرعه لأصله ومغرسه، وان لم يرق لذاته، فليرق لبنيه وبناته، وأهله وعوراته، وأذكره كلمة المأمون: لو علم الناس حرصنا على العفو لتوصلوا إلينا بالذنوب؛ وقوله: إني لأتلذ بالعفو حتى أخشى أن لا أؤجر عليه. وكان الحجاج قد استأصل بالقتل أسرى ابن الأشعث حتى انتهى إلى فتى منهم فقال: أيها الأمير: لئن أسأنا في الذنوب ما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا -! وأمسك عن القتل مع قساوته، وحقنت عنده هذه الكلمة الدم، وتغمدت الاساءة والجرم. ومولاي بصحة فطرته، وتوقد فكرته، وذكاء فهمه، واتساع حلمه، أحد من اتبع كريم الآثار، وشيد مباني الفخار، ولم أذكره على طريق الحجة، لكن على وجه الذكرى التي هي في الأكرمين ناجعة، وفي المؤمنين نافعة، كما قال الجليل، في التنزيل، (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (الذاريات ٥٥)] .
ومن كلامه في ذكر التهنئة وإقامة رسم الهدية.
فصل له من جواب: ورد كتابك ففضضت ختمه عن رياض تفتحت عن أزاهر كلمك، ونشرت طيه عن جواهر حكمك، ولحظته
[ ٥ / ٢١٣ ]
بعين التدبر لمعانيه، وجميع ما ضمنته فيه، فوجدته قد أخذ بطرفي الآداب، واكتست عليه حلة الإيجاز والاسهاب، فاطردت مياه البراعة من فروع منثوره، وعبق نسيم البلاغة من مسكه وكافوره، وقابلتني منه أوجه من البر جميلة، فأردت ترك مفارضتك، نكولا عن مبارزتك، وذهبت إلى العدول عنها كلالا عن مناجزتك، وأنى بمناضلتك وقدحك الفائز، وكيف بمجاراتك وشأوي العاجز، تالله لولا مخافة العقوق، وترك واجبات الحقوق، لأضربت عن مجاوبتك تقصيرا، ولو شمرت عن ساعد ذهني تشميرا.
ووصل معه الغزال الأهيف، وكأن عينيه عينا وسنان مالت به نشوة الراح، وثنى عطفه هزة الارتياح، كأنما كحلا سحرا، وأشربا خمرا، ينظر بهما نظر المريب، ويعرض إعراض الحبيب، بجيد أتلع، [٥٧أ] ومنظر أروع، وكأن قرنيه قلمان، وكأن أذنيه جلمان، ينصبهما إذا أوجس، ويثنيهما إذا أنس، وكأنما كسي أيطلاه حلة الشفق، وطرزت بسواد الغسق، يتوحش في الإنس، ويأنس في الكنس، عدوانه رياح، ومثواه قراح، تخاله سهما إذا انصاع، ومعشوقا أشعر برقيب فارتاع، يزداد جماله إذا نفر، وتروق محاسنه إذا ذعر:
كاد يحكي غزالة الإنس لولا رقة في الشوى وقرن علاه
[ ٥ / ٢١٤ ]
أنا أهواه لا لشيء ولكن كلفا بالفتى الذي أهداه
وقرنت إلى هذه الهدية الرائقة، والمنحة الفائقة، شطرنجا صغيرا كأن اقليدس قسم أجزاءه، ورقق أشكاله وأنحاءه، يحار في لطيف صنعه الوهم، ويضل في كيفيته الفهم، قد قسم قسمين: قسم أحمر، وقسم كأنه من ناصع الجوهر، تتقابل خيله بلا فرسان، وتنقاد بلا عنان، في أرض مربعة الأقطار، تثير سنابكها العثار، وكأن الرخ إذا برز للمصاع، وأشهر العرصة للقراع، بطل تتقى حملته، ولا تؤمن جولته، يهوي هوي الصقر في الجو، ويصول صولة الأسد في الو، إذا حمل على صف قسمه، وإذا ضرب قرنا قصمه، يكمن فيله كمون الكمي، ويبرز بروز القسور الجري، يرتصد الفرصة، وينتهز الغرة، وكأنما الفرزن إذا جال متبخترا، أو مشى متكبرا، ثمل يترنح، أو سكران يتزحزح، فإذا شد عقده بالبيذق، فإنه مركز دائرة الفيلق، وكأنما الشاه كسرى حفت به مرازبه، أو بدر أحاطت بفلكه كواكبه، هي به قطب كواكب الجوزاء وعليها تدور الدوائر، وقلب الكتيبة وعليها تقتتل العساكر، وكأن الرجل رجل جراد تريش
[ ٥ / ٢١٥ ]
سهام الحرب، وتقدح نار الطعن والضرب، تبرز إلى المقاتلة بلا سلاح، ويصرع بعضها بعضا بلا جراح، قد اكتفت عن الصوارم بصرامتها، وعن السابغات بصلابتها:
جيشان يقتتلان لا لعداوة أبدا ويصطلحان لا لوداد
أهداه سعد الدولة الندب الذي جمعت محبته عرى الأكباد وله من أخرى جمع فيها بين التهنية والتعزية: أحوال الدنيا - أعزك الله - مبنية على التداول والتعاقب، ومساءاتها ومسراتها جارية مجرى التبادل والتقارب، فمن عبرة تفضي إلى عبرة، ومن مساءة تعقب بمسرة، ومن محنة تفتر عن منحة، ومن ترحة تقلع عن فرحة، ولله تعالى في جميع الأحوال المختلفة، والأقدار المتصرفة، حقوق من الصبر على السراء [٥٧ ب] والضراء، وعلى الأولياء المختصين فروض من المشاركة والمظاهرة في كل ما ناب من حزن، وثاب من حسن، قد جرت بها العوائد، واستوى فيها الغائب والشاهد، فتلك ترعى بالدعاء والتهنية، وهذه تتلقى باطراء والتعزية. والله يجعل أيام مسراتك الأكثر إسعادا، وأوقات تهنئاتك الأوفر أعدادا.
وأنهي إلي من تقليدك العهد، وامضائك العقد، للناصر [سيدي] وأسنى عددي أبقاه الله]- على بلنسية - عمرها الله بدوام عزك، وحماها باتصال نصرك - مكان المعتصم - ﵀ - فقلت: ملك تردد في عنصر، وخاتم تنقل من خنصر إلى خنصر، وقد سددت - أيدك
[ ٥ / ٢١٦ ]
الله - ثلما، وشفيت كلما، وسمعت الخطوب رغما، وأوسعتها هما.
ومن أخرى: أطال الله بقاء الوزير الأوحد، الخطير الأمجد، مسرورا بسمو الأحوال والرتب، معصوما من طوارق الأحداث والنوب. إذا تقادمت الذرائع والوسائل، وتناصرت الطبائع والشمائل، كان للود مع ذلك وفور ونماء، ولكرم العهد ظهور وبهاء.
وفي فصل منها: وكيف لا أدخل إلى رضاه من كل باب، ولا أفترس من عداة بكل ظفر وناب، وأطير من السرو، لما تهيأ له من الظهور، بكل جناح، وأتقدم إلى الفخار، بما يبلغه من الأوطار، بغير جناح، وهو ركني الذي يقيم ظهري، ويرد عني صرف دهري، ومعه هواي، الذي يعضد ديني ودنياي، ويدني إلي أملي ومناي؛ أسأل الله تعالى أن يبقيه للوزارة زينا وفخرا، وللرياسة ركنا وذخرا، وللدين عزا وجلالا، وللملك زينا وجمالا.
ولما طلع البشير علي بتصيير الوزارة اليه، ودور رحى الخلافة عليه، جددت لله تعالى حمدا وشكرا، ولنعمه الجزيلة ذكرا ونشرا، وأخذتني هزة الجذل والارتياح، وأسفر لي وجه الأمل والاقتراح، فانتشيت من فرح وطرب، ونيل مراد وأرب، ودعوت الله أن يجعلها ولاية، تبلغ من السعد نهاية، وتضاعفت للدين حماية؛ وقد تعين علي أن أهنئ بالوزارة بل هي المهناة بمصيرها اليه، وظهور رسمها عليه، فهو المعدل لحدودها وسيرها، المحسن لوجودها وصورها، المبين لحجرها وغررها
[ ٥ / ٢١٧ ]
لا زال سيدنا زينا للدول والممالك، ونورا في المواطن والمسالك، وفخرا لأهل المشارق والمغرب، وقبلة لذوي الحاجات [٥٨أ] والمآرب.
ومن رسائله في التعازي
فصل له من رقعة: يا سيدي، ومن لا زال جأشه ساكنا، وحرمه آمنا، وباله ناعما، وأنف من عاداه راغما، بودي [أعزك الله] لو خاطبتك بالتهنية لا بالتعزية، وشاركتك بالعطية لا بالرزية، ولكنها الأيام تحلي وتمر، والأقدار تسوء وتسر، والرزايا تتطرف وتتحيف، والمنايا تستدرج وتتخطف؛ واتصل بي وفاة الوالدة [المرجو لك دعوتها، المبلوة بركتها] فساءني يعلم الله أن يطرق خطب حماك، ويطأ رزء ذراك، مشاركة لك في المهم، ووقوعا معك تحت الحادث الملم، إلا أني أرجو أن تشد له عزائم عزائك، وتحمله على كبد احتمالك، وتقلب إليه مجن اصطبارك، وتذكي علبه قبس اعتبارك، فتعلم كثرته وجموحه، وتذكر شموله وعمومه، وتستشعر أنه عرف لا نكر، وعوان لا بكر، فتتأسى بكثرة الباكين، على الهالكين، وتتعزى بسرعة اللاحقين، على السابقين. والنساء كيف كانت مراتبهن، والحرم وإن جلت منزلتهن
[ ٥ / ٢١٨ ]
لم يغلق عليهن كأبواب التراب، ولم يسدل دونهن كستور القبور، ورب أم مبرورة، وأخت كبيرة، قد نزعت منزعا من الصيانة، وذهبت مذهبا من مباح الديانة، ود ابنتها وأخوها قبل ذلك لو طواها كفن، وواراها جنن، فتقدمهن أصون لهن، وأولى بهن.
وفي فصل من أخرى: كتبت عن قلب يقشعر، ونفس بين ضلوعها لا تستقر، لخبر الرزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم، بوفاة [الحاجب عز الدولة سيدي]، كان، لقاه الله الرضوان، وألحفه العفو والغفران، محتضرا في أول الكمال، مخترطا عند الاقبال، مبادرا قبل الإبدار، معاجلا بالسرار، في عنفوان الإقمار، فيا لها حسرة ما أنكاها للنفوس، وجمرة ما أذكاها في القلوب، وروعة ما أفتها في الأعضاء، ولوعة ما أحرها على الأكباد، لكنه أمر يعم ولا يخص، كل نفس لها جارع، وفيها كارع، فمن مبتدر يعاجل، ومنظر يناول:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا أقمنا قليلا بعدهم وتقدموا وأنت أعلم بالأيام وصروفها، والأرزاء وصنوفها، والأنفس ومآلها، والأجسام واضمحلالها، والعواري وارتجاعها، والمنائح ومقادير إمتناعها، من أن يغلبك الجزع والتهالك، وينزع بك الجلد والتماسك، فأنت بالأزمان خبير، وبالأحوال بصير، وباستعمال ما في ذكرك من أمثال التأسي [٥٨ ب] ومواعظ التعزي جدير، ومثلك أعد للأمور أقرانها
[ ٥ / ٢١٩ ]
وحمل على النفوس أحزانها، ولم يغرب الدهر عليه ببدع من نوائبه، ولم يفجعه بما لم يحسبه من مصائبه، ولم يتجاوز دمع العين حزن القلب، إلى إحباط الأجر وإسخاط الرب؛ وإن كان الله قد سلب بعدله، فقد وهب بفضله، وإن كان أخذ فقد أعطى، وإن كان اخترم فقد أبقى، وبهذا صدع عروة بن الزبير ﵁ عندما مني به في أحد أبنائه، وبعض أعضائه، والله يمتعك بالباقي الراهن، وينفعك بالثاوي الظاعن، ويجعل هذه الرزية منهى بلواك، وآخر رزاياك، وييسرك للتسليم والاحتساب، ويحفظ عليك ما عرضك به من مذخور الثواب، وإن كان قد جرى هذا الأمر، على خلاف حكم الدهر، في تقدم الأسلاف على الأخلاف، فصنع الله لك أجمل، وصنعه في بقائك أعدل، لغنائك عن المسلمين، ومكانك للدنيا والدين، فالملم ببقائك مغتفر، والمهم وإن جل محتقر.
وذكرت أنه خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فقد وقع أجره على الله، وفاز بكرامة الله، وإذا فاز بالسعادة والشهادة وهو فرطك وشافعك، فهو لا محالة مغتبطك ونافعك؛ وقد أخذت بحظى من هذه الحادثة الشنعاء، والداهية الدهياء، في من تستقبل له أحوال، وتناط به آمال ويعد في أكابر العدد، وفي دخله الصديق والولد، والآخر (-) إشفاقا عليك من مضطر فقده، وتصور شديد اكتئابك من بعده، فمثل هذا في مثله لم يكد للمصاب به صدر، ولا يثبت للصدمة الاجاجية صبر، فإن جزع الجازع فالعذر واضح، وإن صبر المصاب فالأجر راجح
[ ٥ / ٢٢٠ ]
ومشاركتك لي فيما طرقتك به الأيام، وفجعك فيه الحمام، مما أشكره من فعلك، وأنشره من فضلك، أوزعني الله شكرك، ومد في عمرك، وأعقبك زيادة العدد، وجمع لك بين سعادة اليوم والغد،
وفي فصل منها: وأنت الطود الموفي على كل هضبة، المعلى على كل فرحة وكربة، وما بقيت وعوفيت فكل خطب وإن جل جلل، وكل صعب وإن أعضل فمحتمل، فالله يا سيدي في نفسك العزيزة أن يكون فيها كامن رزء يقدح، أو أن يوهن منها باطن أسى يكدح [٥٩ أ] أو يفدح، فأنت سداد كل ملم، وسنا كل مظلم، وأنا أضرب لك الأمثال، وأعلم مع ذلك علم الحقيقة أن مصابك كبير، ورزءك أليم خطير، لا يكاد يتعلق بالجازع منه ملام، ولا يستمر على الصبر فيه اعتزام، فمن كرم الكريم، الجزع على الحميم، ومن خواص القلوب، الأسف على المحبوب، وإذا كان الحيوان غير ناطق يحن ويرأم، فنحن بذلك أحق، إذ نحن أرق قلوبا وأرحم، إلا أن مثلك ممن عظم قدره، وتقدم بالأيام خبره، أرجح علما من أن يسلمه العزاء إلى التهالك، أو تغلبه الأرزاء على التماسك.
وفي فصل من أخرى عن ابن مهاجر إلى ابن أبي عامر: لو استغنى - وأيدك بالنصر - أحد عن التعزية، واكتفى مصاب
[ ٥ / ٢٢١ ]
عن التسلية لأصالة رأي وسعة علم، وجلالة قدر وجزالة نفس وشدة كظم، ولكنت أنت الغني عن ذلك، لإحاطة علمك بتقلب الأيام وتصرف الأحوال، وارتفاع قدرك عن أن يملأ الزمان صدرك، وتبلغ المحن صبرك، فأنت أصلب عودا من أن تروعك المصائب، وأشد ركنا من أن تضعضعك النوائب، لكن الذكرى باب مندوب إليه، وسنن معمول عليه، ولئن جل الخطب، وعظم الكرب، فالثواب بقدر المصاب، والعطية بحسب الرزية، وإنما الأجر بالصبر، والجزاء مع العزاء، وإن كان الله قد أخذ ابنا فقد ترك أبناء، وإن كان [قد] سلب نعمة فقد وهب نعماء، وإن كان الأعم والأكثر أن تمضي الآباء، وتخلف الأبناء، فالملك يدعو الله أن يخرجك من هذا العموم، ويورثك أعمار الجميع ويجعلك الباقي بعد قريب وحميم، فكل خطب ما عداك يسير، وكل رزء إذا تخطاك حقير.
وفي فصل من أخرى: لقد طرقت نائبة من الموت وفاجعة من الكرب في قطب الآمال ومدارها، وسناء الهمم ومنارها، وتاج الرياسة وسوارها، [الحاجب حسام الدولة، كان، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مأواه] فوالهفا عليه مرددا، ويا أسفا له مؤبدا، ماذا خطفت [يد الحمام] وأصمت به سهام الأيام -! أي سماء للعلا فطرت، وأي
[ ٥ / ٢٢٢ ]
نجم للمنى كدرت، وأي بحر من الأسى سجرت، وأي عين للبكاء فجرت، ما يقاس به مثيل، ولا يضاف إليه عديل؛ وقد كان لي أن أصرف المقال، وأضرب الأمثال، وأجتلب من التعزي ما جاءت به الآثار، ووردت به الأخبار، غير أنه - أيده الله - أعلى في الفضل [يدا] وأثبت في العلم قدما، وأرجح حلما إذا طاشت العقول، وأشد كظما إذا اضطرمت في الصدور النيران، من أن أورد عليه ما لم [٥٩ ب] يحط علما، ولم يتوصل إليه فهما.
وله من رقعة إلى المظفر بن الأفطس يعزيه بالمنصور أبيه: وصل كتابه - أيده الله - بما شرد غمضي، ونعى بمعضي إلى بعضي، وأطبق سمائي على أرضي، وأقض مضجعي، وأسأل مدمعي، وعظم ثكلي وجزعي، من فظيع الخطب الوارد، وشنيع الرزء الوافد، بوفاة [المنصور سيدي وموئلي، كان، أوسعه الله جنته ورضوانه، ولقاه رحمته وغفرانه] فيا لها مصيبة قصمت ظهري، وذهلت فكري، وفللت حدي، وأرغمت خدي، ودفعتني إلى الجزع وحدي:
فلو كنت في الباكين حولك كنت قد تأسيت فاستشفيت والعين تدمع
ولكني أبكي فريدا وأشتكي وحيدا فما ينفك عنى التروع
هو الرزء أفضى بي إلى كل غاية من البث لا أسلو ولا أتورع
[ ٥ / ٢٢٣ ]
لئن حسن السلوان والصبر بامرئ فأحس حالاتي سلو ممنع
وفي فصل منها: ومثل مولاي الرئيس [الأجل] تلقى هذا الخطب الذي يهد الجبال، ويقطع الآمال، ويخلع الفؤاد، ويصدع الأكباد، بما حض الله تعالى عليه من الصبر، وندب إليه من استجزال الذخر، فهو القائل تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: ١٠) وأنت في منافذ فهمك وثاقب علمك لا تبصر بل تذكر، وكان من الحق الأوجب والفرض الألزم أن أقيم قدمي مقام قلمي] وأكتفي بالركاب عن الكتاب، وقل ذلك مني في هذه النائبة [الهادمة]، والنازلة القاصمة، إلا أني على علمك عن الارادة مردود، وفي عقالات الآلام والأعراض مصفود، جعل الله هذا المصاب الخطير آخر ما يقرع لك بابا، ويخرق اليك عن كره حجابا.
وله من أخرى: كتابي والدمع ينشئ لعيني سحائبه، والحزن يجهز إلى نفسي كتائبه، والصبر قد فلت شباته، وصوح نباته، والقلب قد أظلمت آفاقه، واشتد بنار الرزية احتراقه، بما فجأ من وفاة الوزير الفقيه أبي فلان، عمدة الإسلام، ومبين الحلال والحرام
[ ٥ / ٢٢٤ ]
وهاتك حجب الضلالة والجهالة، فالديانة عليه لابسة الحداد، مفجوعة الفؤاد، وهي لفقده باكية الأجفان، عاطلة البنان، مخلقة الجلباب، منقطعة الأسباب، منكوسة اللواء، مهجورة الفناء، قد ذهب ناظرها، وزمت للركاب أباعرها، [وسدت على الطالعين أبوابها] فمن لتحقيق معانيها، وتعمير مغانيها، أم من لاختيار أقوالها، وتوشيه سربالها، وإظهار ما خفي من مسائلها، وجلاء ما صدى من مناصلها، أم من ينصر ملة الإسلام، بلسان [٦٠ أ] كالصمصام، أم من يرد على أهل التناسخ، بالحجيج الرواسخ، الثابتة كالجبال الشوامخ؛ فالدنيا تحلو لتمر، وتصفو لتكدر، وتنظم لتنثر، وتجمع فتفرق، تسقي لتشرق، فهي كالشمس تضيء فتعشي، وكالطعام يغذي فيؤذي، فالأولى الزهد عن زخرفها وزبرجها، والترك لما يحلو من رضابها، ويخدع من سرابها، والإعراض عن وصالها، ونضرتها وجمالها، فليست تبقي على السيد ولا المسود، ولا على القريب والبعيد، ولا على الملوك والعبيد، ولا على العالم والجاهل، ولا [على] النبيه والخامل.
ومن أخرى: إذا رمت - أعزك الله - تعزيتك عن المصاب الحادث، والخطب الكارث، ذكرت تماسكك فأمسكت، واستقبلني فاجع الرزية فسكت:
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
والليالي جارية في أخذ ما تلد، وإعدام ما توجد:
لا بد من فقد ومن فاقد هيهات ما الدهر من خالد
[ ٥ / ٢٢٥ ]
كن المعزى لا المعزى به إن كان لا بد من السواحد
برد الله مضجعه ومثواه، وأكرم منقلبه ومأواه، ولقاء من برد النعيم، كالذي كان عليه من الخلق الكريم، وسقاه من السلسبيل، مثل ما كان يأوي إليه من الذهب الجميل.
وكلام أبي محمد كله رائق بديع، لا يتسع لاستيفاء محاسنه هذا المجموع.
فصل في ذكر الوزير الكاتب الماهر أبي عامر بن التاكرني واجتلاب جملة من نثره ونظمه، تشهد بنبله وفهمه.
وأبو عامر كاتب مجيد، ومحسن معدود، نشأ أبوه في الدولة العامرية يفرع مراتبها، ويتدرع جلاببها، إلى أن ولي في أيام المظفر بن المنصور زمام التعقب على أهل الأندلس، فلما انقرضت الدولة العامرية وانشقت عصاها، وأدرات الفتنة المبيرة رحاها، كان أحد من مرق من ظلمائها، وآوى إلى جبل عصمه من مائها، فاستقر ببلنسية وأميراها مطفر ومبارك - المذكوران في أول هذا القسم - فانتظم أبو عامر في سلكهما، وشاركهما في مراتب ملكهما، إلى أن أجابا صوت المنادي، وخلا منهما
[ ٥ / ٢٢٦ ]
النادي، فخرا حسبما شرحته لفم واليدين، وفرق بينهما [٦٠ ب] من أعفى الفرقدين، وأفضى ملكهما وملك من كان بهذا الأفق الشرقي من هؤلاء العبدى المجابيب إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن المتقلب بالمنصور، فنهل أبو عامر في دولته وعل، ونهض بأعباء مملكته واستقل، وكان بينه وبين أحمد بن عباس، كاتب زهير الفتى - المتقدمي الذكر - مكاتبات تنازعا فيها فضل البلاغة والبراعة، وتسابقا منها إلى غايات هذه الصناعة، وقد أثبت منها ومن سائر كلام أبي عامر في هذا الديوان، ما يقضى له بالإحسان، ويشهد بتبريزه على أهل الزمان.
فصول من رسائله السلطانيات
فصل له من رقعة عن المنصور إلى مجاهد الموفق، وقد أظلم بينهما الأفق: إن أولى الناس بالاصطلاح نفوس جبلت على صفو ودادها، وأحق الذنوب بالاطراح ذنوب جنيت على غير اعتقادها، وإن رسولك الكريم وردني فلم يتردد عندي إلا ريثما يقدح زند الوداد في نفسك النفيسة، فيوري سراجا من الصلة أسري به في ظلماء القطيعة.
قال أبو الحسن [بسام]: وكان مجاهد الملقب بالموفق قد انتزى على دانية والجزائر الشرقية بغدره لعبد الرحمن بن أبي عامر مولاه - حسبما ذكرناه - وحظوته بذلك عند محمد بن هشام بن عبد الجبار الناصري عدوه
[ ٥ / ٢٢٧ ]
ناقص الدولة العامرية، فشرد على أصحابه الموالي العامريين؛ وكان مجاهد لا يستظهر بشيء من الحزم، بل عمله في الأغلب من تدبيره بالغلبة والمناواة، وتعويله على المساماة، واستراحته إلى الغدر، فلا يزال أمره ينتقض مع لازم الحرمان الموكل به، حتى يرده على عقبه، فكم فض من جيش، وأذل من عزيز، وأباح من حمى، ووجه من فتح، يقال له ما بعده، حتى إذا هم أو كرب لم يلبث أن ينحسر عنه، ويعود في أكثر الأمر غمة عليه، ثم يلبد فيثب كاليث؛ له في هذا الباب كله أخبار مأثورة مشهورة، وقد قدمنا القول فيه أنه كان أديب ملوك ذلك الزمان؛ كتب يوما إلى المنصور حفيد ابن أبي عامر رقعة لم يضمنها غير بيت الحطيئة حيث يقول:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي [٦١ أ]
فلما وردت الرقعة على المنصور أقامته وأقعدته، وكاد يمرق من إهابه، فضلا عن ثيابه، واستحضر أبا عامر [بن] التكرني فقال له: تطأطأ لها تخطئتك، واسمع المراجعة عنه، وعنون وبسمل، وكتب هذا البيت خاصة:
شتمت مواليها عبيد نزار شيم العبيد شتيمة الأحرار
فسلا المنصور عما كان فيه.
ولما نهض العبيد من شاطبة إلى طرطوشة واقتضت الحرب هنالك قتل
[ ٥ / ٢٢٨ ]
مقاتل الصقلبي، وسيق رأسه إلى بلنسية، كتب منذر إلى المنصور يرعد ويبرق، فراجعه أبو عامر المذكور عن المنصور ببيتي أبي الطيب:
فان كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى حمص في القابل
فان الحسام الخصيب الذي قتلتهم به في يد القاتل
وله من رقعة خاطب بها أبا جعفر بن عباس يقول في فصل منها: كتبت عن نفس تفيض بمائها، وتجيش بدمائها، وتشكو إلى الله عظيم أدوائها، غيظا على تقلب الزمان، وعجبا من تنكر الإخوان، لا يلفظني عجب إلا إلى مثله، ولا أنتقل من مستغرب إلا إلى شكله، إن إبرمت حبلا من الإخاء، نقض المفسدون مريرته، أو ملأت يدي بمن أعتد به للشدة والرخاء، أفسد الواشون سريرته، [وبحق قيل]:
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته وقرت به العينان بدلت آخرا
كذلك جدي ما أصاحب صاحبا من الناس إلا خانني وتغيرا
ولا عتب على الدهر فان العتب على بنيه، والذم لازم لأهليه، والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
وفي فصل منها: ولو لمست العيوق، وأدركت بيض الأنوق
[ ٥ / ٢٢٩ ]
وجئت بالأبلق العقوق، وسمح الدهر لي بعجائبه، وخصني بغرائبه، ما غير مني فتيلا، ولا رأيت بمن عاشرته بديلا. وأعلمني فلان بما فل من الحد، ولففت له رأسي حياء من المجد، والله ما يصلح السباب، بين الأراذل والكلاب [فضلا عن الأفاضل]، وانك لتعلم علم يقين، وانك في على سنن مستبين، أني ما عودت قط لساني، سب من نافرني وعاداني، ولا صرفت عنان كلمي، ولا صرفت شباه قلمي، إلا في ما يطيب على الأفواه [عرفه]، ويحسن مع الأيام وصفه [٦١ ب] وإني لمقبوض القول، ساكن الطائر، سالم الجانب، مستعين بالله على العدو والمطالب، وما انطويت عمري قط على حقد، ولا رضيت بنقص عهد، ولا خست في حل ولا عقد:
ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه وأن نتفانى
[ ٥ / ٢٣٠ ]
والدنيا عندي أحقر، وجميع ما فيها في عيني أصغر وأنزر، من أن أزاحم في حطامها، وأنافس على تكسب آثامها.
وفي فصل منها: وقد كان يلزمك أن تعرض على نفسك، ان كنت ثلبت عدوا قط بحضرتك، أو تنقصت مخلوقا بمشهدك، على طول المجاورة، وكثرة المعاشرة، فتجعل ذلك عيارا لك، وقياسا مطردا قبلك؛ اللهم إلا إن كنت عددت ما كنا نتفاكه [به] جماما للنفوس، ونتعاطاه عند معاطاة الكؤوس، [من] توقيع نادر، وهزل حاضر، فما أشد ما غيرك الأيام والليال، وقلبتك الأقوال، أين يذهب بك الكاشحون، وكيف يوخرفك المزخرفون -! والله لو كنا من الأغمار، وممن لم يحنكه الليل والنهار، ما وجب علينا مع الذمام المؤكد، والعقد المشدد، أن تحملنا الأيام وخطوبها، ولا أن تعصف بنا الرياح وهبوبها، فكيف وقد حلبنا شطور الدهر، وعرفنا أحوال العسر واليسر، واعروينا ظهور العرف والنكر، وركبنا متون البر والبحر، وجمعتنا الشدة والليان، وحالت علينا حالات الأزمان، وأرضعتنا بلبانها الكؤوس، وتصرفنا مع الرئيس والمرءوس، فلم يكن في خلال ذلك كله إلا نظام متسق، وأمر متفق، وشعب ملتئم، وسلك منتظم.
وفي فصل منها: ولقد شهدت فلانا ينحني عليك، وينسب كل مكروه إليك، بغاية السب، ونهاية الثلب، فقلت له: بفيك الحجر
[ ٥ / ٢٣١ ]
والأثلب، فخرج وهو يجمجم، كالمتهم لي بزعمه، ولم يختلج قط في صدري تلك الحماقات، ولا شغلت سري تلك الهنات، يعلم ذلك من عنده مغيبات الأمور، ولديه خفيات الصدور. ولقد كنت أشفق عليه وأحرص على خيره، وكانت ظنونه على حسب سريرته، وتوهمه بمقدار معتقده، وبحق يقول أبو الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم [٦٢ أ]
وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
فسلط لسانه، وصدق ظنونه، وبلغتني قوارضه فلم أقارضه رغبة في فيئته، وحرصا على رجعته، وأما أنت فعذرك يضيق، وأنت الحميم الصديق؛ وقد كان انتهى الي ما عمرت به مجالس فيها الرئيس والمرءوس، وأنت بها المنادم والجليس، فقلت لمبلغ ذاك: هيهات! أبت الأعراق الزكية، والأخلاق السنية، أن أتنقص بحضرتها، أو ينسب إلي الكذب بمشهدها، فلما انتهى إلي تصديقك ما نقله الواشون، وأفكه الحاسدون، والله المستعان على ما يصفون، وستكتب شهادتهم ويسألون، قلت: صفرت وطاب المروة، ودرست آثار الأخوة، وطمست أعلام الرعاية، ونفقت سوق السعاية.
[ ٥ / ٢٣٢ ]
وفي فصل منها: ومن أعجب العجائب ما يتصل بنا عنكم على ألسنة العامة وكثير من الخاصة، لا أصل له، ولا شبهة تصح منه، فالأنفس سلم، والألسن حرب، ولو اتصلت المداخلة لارتفعت الشبهة، ولم تبق لنتخلق حيلة، ولا صار الكذب قربة ووسيلة؛ وقد كنت بفضلك حضضت على فتح باب الصلة، والتعهد بالرسل لاستحكام المقة، فامتثلنا ذلك حسبما حضضت، وصرنا إلى ما إليه ندبت، رغبة في تأكيد الخلة، وحرصا على حسم كل علة، ووافقنا من المنصور - أيده الله - نفسا جانحة إليكم، وسريرة حريصة عليكم، فعميد الدولة - أعزه الله - عمه الحاني، وأهله الداني، فلم تتقبل الرسل عندكم بواجب القبول، ولا تؤول أمرهم على أجمل تأويل، فمالك أنت أبا جعفر لا تجدد ذلك الوصل، ولم لا تصل ذلك الحبل، وتقطع ألسنة أهل الزور، وتحقق ما تنسقه الأباطيل - حتى يلوح الحق، في معرض الصدق، ويشمل السداد، ولا ينفق سوق الكساد؛ وأنت قطب عليه يدار، ورأيك سراج به يستنار، وما خاطبتك إلا مشفقا من حبل وصله الله أن ينقطع بالباطل، وود أخلصه الله أن يتغير بقول ناقل، فان هذا إن تمادى بحسبه، وبقي التنافر والاستيحاش على شخصه، تعظم الدائرة، وتتفاقم النائرة، وتزل القدم، ولا ينفع الندم، وما أخص بقولي هذا فريقا، ولا أورد إلا تحقيقا، والله يكشف الغطاء عن قلوب قد رين عليها، وزين الشيطان أسباب الفساد إليها:
[ ٥ / ٢٣٣ ]
فأجابه أبو جعفر [ابن عباس] برقعة يقول فيها: وقفت على ما أومأت اليه وصرحت في طي التعريض، وبه ما ترجف العامة بإخطار [٦٢ ب] ذكره، وتهتف بعض الخاصة بالتحرز من كونه، وفي مثله يقول القائل:
إني أرى شجرا تورد غصنه أخلق به متوردا أن يثمرا
وإذا السماء تمخضت ببروقها ورعودها فجديرة أن تمطرا
كلا أبا عامر، فرب صلف تحت الراعدة، وما كل بيضاء شحمة وإن كانت ناصعة، ولا وعمرك أبا عامر، أطاله الله على حكمك، ما ينثي علينا في هذه الجملة خنصر، ولا يؤثر عنا فيها حديث مسند، ولا نحن إلا في حيز السماع المستفيض، وأغلب ظنوننا فيه التكذيب، وإن كان الظن أكذب الحديث، وعنوان أحوالنا عندكم، وسيرنا مقدود من أيمكم، فلا تسأل عما لدينا غيركم، ولا تقس علينا إلا بما قبلكم، والمرجفون كثير، والناس إلى الشر سراع، ورياح أهوائهم تنشئ سحاب التكذيب، وتستدر أخلاف التضريب، وحق هؤلاء أن تنتف سبالهم، وتخلع على أقفائهم نعالهم، وهذا رأيي فيهم، فاحكم بفتواي عليهم، وضعهم على يدي عدل فيهم، وأصغ إلى من
[ ٥ / ٢٣٤ ]
يعرض عليك ذات نفسه، ويطلعك على بنات صدره، ودعني من التعريج على قوم ينفقون سوقهم (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) (النساء: ١٠٧) وجملة الحال وتفصيلها: ذلك العقير البرشلوني مستراب، والتداوي به داء عياء، ولو صرفت عنايتك إلى سد ذلك الثغر والبراءة منه، لأخرست ألسنة المرجفين، وابطلت زخارف المخرقين، فهذه عين الخبر، ومكان النظر فما بالنا نجعل العتاب بدا نطيف به، وننسج بيننا وبين الصدق حجابا نتناجى من خلفه!!
والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستر
وأني لك بتكذيب ما شاع، وتزوير ما استذاع -! وقد سددت علي ثنايا الجبل، وصككت سمعي بهذا المثل:
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وليس يخفى عليك نصحي بصدق مقالي وأخوك من صدقك، فإن كنت في ما ندبتي إليه محقا، وأردت به رحمه الله تعالى، فما أخلقك
[ ٥ / ٢٣٥ ]
بهاتين الصفتين، فاقدح لي أضىء لك، وكن مثلك؛ ولا تحتج معي أن تقول: تزل القدم، ولا ينفع الندم، فإني أذكرك [٦٣ أ] قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (الانفال: ٢٥) ولا تكلفني دفع العيان، وتلزمني إقامة البرهان على كل محال، فكل شيء يجوز تكليفه الإنسان إلا ما لا يستطاع، وعند الله أحتسب موعظتي، وهو المجازي على نيتي.
فراجعه أبو عامر ثانية برقعة [أخرى] يقول فيما: ورد كتاب كريم لك قد ضمن من الآداب عيونا، واستودع من الإغراب فنونا، فوقفت منه على ترجيم الظنون، وفي حيرة بين الشك واليقين، وقلت: هذه بدع المتطرفين، ونكت المتفلسفين، طورا إيماء وتلويح، وطورا لإفصاح وتصريح، وكلما نظرت فيه، وفكرت في معانيه، استنكر مع العرفان، واستجم على نهاية البيان، فقلت: لا غرو قد ينكر الليث في قراره، ويعرف الهلال في سراره، ولا بد مع البحث أن أصيب غرضا، أو أن دونه حرضا، فلما غصت في بحارك، وأمضيت فكرتي في مضمارك، وقع السهم في غرضه، ولاح الحق في معرضه، وبدا لي أن ما خاطبتك به لم يوافق قبولا، ولا كان على الصدق محمولا، وليس الكذب من شيمي، ولا المذق - بحمد الله - من كلمي، وبالله ما خاطبتك إلا شحا، ولا أسمعك إلا نصحا، فمنيت من قبولك
[ ٥ / ٢٣٦ ]
بسوق كاسدة، ومن قبلك ب " رب صلف تحت الراعدة "، وكلا والله ما رعدت لنا سماء، ولا تكدر لنا ماء، ولا قصدت بخطابي مقصد التهديد، فالصدق ينبي عنك لا الوعيد، بل خاطبتك بقلب سليم، وثبت لك على عهد كريم.
وفي فصل منها: ومن العجب قولك: اقدح لي أضئ لك، ولقد قدحنا لكم فأظلمتم، وحفظنا ذمامكم فضيعتم، ووصلنا فهجرتم، وقربنا منكم فبعدتم، ورب رسالة أنشأناها رغبة فرغبتم عنها، ورسول ملطف قصد جهتكم طار بجناح الخزي منها، بعد الترقيب عليه، وإظهار التثاقل إليه، ونحن على ذلك نفتل في الغارب والروة، ونزداد وصلا على الجفوة، ونلين على القسوة، ونصبر للأذى، ونغمض على القذى، إن عاتبناكم لم تقلعوا، وإن استعتبناكم لم ترجعوا، بل تركبون الهياج، وتلزمون اللجاج.
ومن أغرب ما به احتججتم، وأعجب ما به لهجتم، تكرر فلان علينا، وتردده لدينا، كأنكم جهلتم القوم وأطماعهم، ولم تعلموا تطرقهم وانتجاعهم، وأنهم يتعللون بأدنى سبب في المراسلة، امتراء لأخلاف العطاء، وذريعة لاستجزال الحباء، وقد شهر هذا من فعلهم، في كل جهة تكون من سلمهم؛ فما [٦٣ ب] بالنا نخص بهذه اللائمة وجنايتها عليكم - والإنصاف يقلب مذمتها عليكم، ألم تسلموا من
[ ٥ / ٢٣٧ ]
كان بكم مشتدا بعد العهود المؤكدة، والمواثيق المشددة - فاحتل العدو - قصمة الله - جهة لم تخطر بباله، واستصرختم فلم تصرخوا، واستنجدتم فلم تنجدوا، والنعم تنتسف، والستور تنكشف، والدماء تسفك، والحرم تنتهك، والإسلام يعلز علز المحتضر، وأهله للشرك كالهشيم المحتظر، فلا حرمة الإسلام رعيتم، ولا ذمام المشاركة قضيتم؛ فلم تعدون ذلك من ذنوبنا، وتبثون بذلك رسلكم في البلاد، وتنادون هلم إلى الجهاد، تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم والله بعلم ما تكتمون، بل تدبون الضراء، وتسرون حسوا في ارتغاء كل ذلك بمرأى ومسمع منا، وغير غائب عنا، ولا نزداد مع حركتكم إلا سكونا، ومع تخشنكم إلا لينا، فأبقوا على الود ما دام بوفائه، وصونوا جمال الحال ما بقي بمائه:
ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى فان الذي بيني وبينكم مثري
والعدو الذي حذرتهم نحن أشد حذرا منه، وأعظم نفارا عنه، فقد صح عندنا من أمره، ما يضيق الصدر بحمله، فيا للمسلمين! تعالوا إلى التعاون، واتفقوا ولا تفرقوا، واتقوا عاقبة الخذلان. وقد ناديت إن اسمعت، ونصحت بقدر ما استطعت، فان وافقت قبولا، ولقيت تأويلا جميلا، فان الخير عتيد، والتناول غير بعيد، وإن كان للهوى سلطان، وللتعسف
[ ٥ / ٢٣٨ ]
عدوان، فأخلق بلأمة العزم لأن يتدرعها مدرك لا يضام، ومحرب لا ينام، يقتحم النار، ولا يخشى العار، في يوم لا تطلع شمسه، ولا يذكر أمسه:
تبدو كواكبه والشمس طالعة لا النور نور ولا الإظلام إظلام
وحينئذ تستغرب ما إليه أشرت، وتستهل ما منه حذرت، من استعمال العقير البرشلوني على ما نهجت الحكماء عند إعضال الداء، من استعمال السموم في أثناء الدواء، ليتفق مزاجها، وينفذ علاجها، فان كان ما يحاولونه من التدبير، سببا لذلك العقير، فهو قريب عتيد، وإن كنتم على ما عهدنا فهو من جهتنا نازح بعيد، وهذه جملة مفصلة، وحقيقة محصلة، فإما ألفة وانتظام، واتفاق يحيي رمق الإسلام، وإما داعية تلف، وراعدة صلف، وهنالك تزل القدم، ولا ينفع الندم.
فراجعه ابن عباس أيضا [٦٤ أ] برقعة يقول فيها: التصدير - أعزك الله - ب " كتابي " و" كتبت "، وتوشحهما ب " كان " و" كنت " بشر يرف على صفحة التملق زبرجة، وسراب يحسبه الظمآن ماء فيستدرجه:
[ ٥ / ٢٣٩ ]
ولا يغررك ذو ملق وبشر يقول وليس يعدو أن يقالا فتحت رغوة التصنع لبن صريح، وعلى أديم التحقيق شعار سليم، وبين أثناء المناقلة جد كالقدر ينزل بكرة وأصيلا، وفي تضاعيف المساجلة هزل كالنسيم الخصر يهدي الشفاء قليلا قليلا، وفي استرسال الصديق سلوة بالغة، وجنات عتابه حلوة سائغة، وان أنحيت فيه على خشن مبرد، وأرجحت شمائلك التي هي جامد البرد، ودب بشرك منه بنفس متدارك، وأثرت عنه بغير الكلم وهو بارك، وساورتني ضئيلة بيانك، وألقيت السلم إلى سلاطة لسانك، وبرئت إليك من عهدة قصري عن ساحة طولك وعرضك، وشهدت لك تطامن سمائي عن قرارة أرضك:
فما حسن أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقا تذم وتمدح وكل ذلك لأشق كمامة صبري لك عن زهرة كلفي بك، وأتدرع مفاضة الاحتمال منك جنة بيني وبين الشماتة فيك، هذا - أعزك الله - حكم الصداقة التي وضعت يدك على رمتها، وخلعت نجاد هواك على قمتها - فان أسمح قيادك، وأنس شرادك، وأجريت في روح الإخاء نفسا، وجررت على أديم الوفاء يدا ملسا، فبجميل ذكرك أبدأ وأختم، وفي حيز رضاك أطير وأجثم. وأما قعقعتك أبا عامر
[ ٥ / ٢٤٠ ]
بشنان الشرك، واعتصامك بغير حبل الله، وإزعاجك بكتائب الروم، وإبراقك بالإجلاب على ملة التوحيد، وإيعادك بمدرك لا يضام يدرع لأمة العزم، ومحرب لا ينام يقتحم النار، ولا يجتنب العار، فاتق الله يحميك، أليس الله بالمرصاد، أم اتخذت على الغيب حميلا، وأتيت على الحجج ظهيرا - وكفاك بهذا البيان سحرا في باب الجدل، وحسبك به فخرا على من تقدم وتأخر، وأما التخويف من اقتراب الساعة بزلزلة الافرنج دفعة، ونتق الجبل فوق رءوسنا كأنه ظلة، فنازلة تحرك لها حوار الإيمان [فيحن]، وطامة كبرى يعج لها الإسلام ويضج، فبعضهم أولى ببعض (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (المائدة: ٥١) بحكم النص؛ فدع ضرب مثل السوء [٦٤ ب] لنا، وعد إلى ما هو أليق بكم وبنا، فعلى الانصاف من نفسه أدلة واضحة، وعلى الحق بين المنصفين سبيل لائحة، واذكر شئون أحوالنا الأول، ورفرف بخوافي الرجاء وقوادمه على أيامنا القدم:
وقل لخيال الحنظلية ينصرف إليها واصل حبل من وصل
فلا أعرفني إن نشدتك ذمتي كداعي هديل لا يجاب ولا يمل
[ ٥ / ٢٤١ ]
فأما أبا عامر وقد نحت أثلة الشك لتستيقن، وقرعت مروة الحديث لتستثبت، فلأصدقنك سن بكري، استنامة إلى صدقك، ولأطلعنك على مثل ما أطلعت من غيبك، وأقول لك قول من زف اليك وده براحة ثقته، وأنبأك ما عنده بلسان صداقته، وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، ويغفر الله ظنوننا فبعضها إثم؛ وفي هذين المثلين كيفية بدء الحال وعودها، وجماع ما يعبر به عن حورها وكورها، وتحت جملتها تفصيل طويل، وتفسير كثير، بعيد مرامه عليك قريب:
فنجي الفؤاد يعلمه العاقل قبل السماع بالإيماء ولهذا اكتفى البليغ من الإسهاب فيما يريد بالايحاء غير أن الكتائف ترفض عند المحفظات، والعجلة تترك تبركا بالأناة، وإذا استكففت حاجب أفقنا بيد رفقك، وأومأت إلى جونا برجع طرفك، أدرت دراري الوداد في مناطق أفلاكها، وتركت أعلام الوفاء ثابتة على آساسها، وجلوت أعراس الإخاء في أحسن معارضها، فما لنا لا نقر الطير على وكناتها، وننكب عن الأفاعي العزم فلا نطؤها في مراصدها، ونجانب عن بنت الطريق إلى أمها، ونسري سرى النجوم على سمتها، ونعود إلى التي هي أعدل سننا، قبل أن يسبق السيف العذل سفها:
[ ٥ / ٢٤٢ ]
فان النار بالعودين تذكى وان الحرب مبدأها الكلام
فلنحم ثغر اليقين بجهاد الشك فيه، ونسد ثنايا النفاق على منفقيه، حتى ييأس أهل هذه البضاعة عن مساعي نمائمهم، ولا يجدوا محزا لشفارهم، وكل ذنب دون الذم لمم، والسهم لنا ما لم ينبض الوتر، وان حلبنا لم نرد في الضرع اللبن، ولولا هنات سل العتاب بيننا سخائمها، وألان تعاطينا النصفة شكائمها، لاختالت المنافرة ببهجتها وازينت، ودارت رحى الفتنة في قطبها على ما خيلت، وإني وإن تقلدت بك الخطاب عن نفسي، فتحتها كناية إليها أشير برمزي، ومركز [٦٥ أ] حواليه أدير معاني لفظي، ولم أتيمم صعيد هذه الغيظان فنمسحت بتربه، ولا انخرطت في سلك الانطباع ففضلت بين دره بشذره، إلا وقد وليت فصل الخطاب والحكومة باجماع، ورضينا بما لنا و[ما] علينا في القضية دون ثان، ووضعت واسطة القلادة لتعدل، ويكفي منها ما أحاط بالعنق، فاذكر المثل فهو لفظ يجمع بين معنيين، وجنس يشتمل على نوعين، أشير لك إليهما بقول الأول:
[ ٥ / ٢٤٣ ]
خليلي إنسانان ديني علهما مليان لو شاء لقد قضياني
خليلي أما عمرو علمتها وأما عن الأخرى فلا تسلاني
وحق هذه النكت الكامنة في ضمير القوة أن تخرج إلى حد الفعل بمرة، ولا تلوى فتتراخى كأول وهلة، فيحتاج في المستأنف إلى عمل، ويعيد القضية جذعة من ذي قبل، والله تعالى يمسك رمق الإسلام في هذه البقعة، ويقيل عثرته بإلهام أهله إلى ما هم عنه في غمرة.
قال أبو الحسن [ابن بسام]: وذكر بعض الرواة من نقلة الأخبار أن الواثق لما رأى أحمد بن الخصيب الكاتب يوما يمشي بين يديه تمثل بالبيتين المتقدمين، فبلغ ذلك سليمان بن وهب فقال: أنا والله تلك الأخرى، إنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: فنكبهما بعد ذلك بأيام.
وله فصل من رقعة عنه إلى [ابن] مجاهد: [واتصل بي الحادث] على القاضي أبي العباس - ﵀ - فقصم ظهري، وجل مصابه عندي، وعلمت موضع فقده من نفسك العزيزة - حرسها الله - وأشفقت من ذلك أشد الإشفاق، واحترقت نفسي [له] أبلغ الاحتراق، وعلمت أنه لا بد في مفارقة الإخوان وثقات الخدمة والأتباع، مع طول الصحبة وموافقة الطباع، من لوعة تلذع الكبد، وتفت العضد؛ لكن من كان
[ ٥ / ٢٤٤ ]
في قوى نفسه على خليقتك، وجرى في اعتبار الدنيا على طريقتك، فهو يلقى خطوب الدهر، بمجن من الصبر، إذ قد ذاق حلوها ومرها، وخبر صفوها وكدرها، فليس حدث الزمان عنده بنكر، ولا خطبه لديه بمنكر، وهو كما قيل:
وفارقت حتى ما أراع من النوى وإن بان جيران علي كرام
ومما زاد علي في الإشفاق، ما كان لديه من الأعلاق - أوشك الله خلفها عليك، ولا غير نعمه لديك - وما قد فات من المال، فهو ليوم الحاجة ذخيرة إلى صالح الأعمال، وكل جليل [٦٥ ب] يصغر عند الدفاع عن حوبائك، وكل خطير محتقر مع سلامتك وطول بقائك.
وله من رقعة عن إقبال الدولة إلى المعز بن باديس: أطال الله بقاء سيدنا الأجل رافع أعلام الهدى، ومحيي كلمة التقوى، وقوام أمر الدين، ونظام شمل المسلمين، وشعار حزب المؤمنين، وناظر عين الزمان، وروح جسم الأوان، وحسام عاتق الإسلام، وحلي جيد الأنام، مخلدة دولته، مؤيدة حيث يمم بطشته.
وفي فصل منها: وإني وإن قعدت عن مناسك فرضها، وتأخرت في مضمار قرضها، فإني معيرها ضميرا كما انبلج النهار، وشكرا كما أرج النوار، وهل أنا إلا أحد أبنائها، وشهب سمائها، وشيعة علائها
[ ٥ / ٢٤٥ ]
وان جذم نأي الدار، كف الخيار، ففي البعد اعتذار، وفي الجهد إعذار، وإن مع التجاوز ليعلم العيان، ومع التحاور ليطمئن البرهان، ومع التزاور لتزول الأحوال، ومع التقارب ليقع الإخلال، والقوى [المخلوقات] قريبة الانحلال، سريعة الانفعال، والنيرات على وفور ضيائها، وظهور سنائها، فيما لا تقابل كليلة، وعندما لا تسامت عليلة، وفيما لا تناول ضئيلة، وما قنية ورثتها، ونعمة طوقتها، ورفعة ألبستها، بمكفورة آثارها، ولا مسودة أنوارها، ولا مواتي إلى الدولة العلية بطارفة، ولا شوافعي لديها بمستانفة.
وله من أخرى عن المنصور إلى أهل قرطبة: إن كنت منكم بنبوة، وعنكم بنجوة، فإني شهيدكم بنفسي، وقسيمكم بحالي، أراكم بعين المشاهدة، واكلأكم بعين الإحاطة، أعد كبيركم كالعم، وصغيركم كابن الأم، فأنتم الأهل والجيران، والذخائر للزمان، في الدار التي منها خرجت، والبيضة التي فيها نشأت، أفضل دار تكنفني عيابها، وأول أرض مس جلدي ترابها، فلو أمكن أن تصير إليكم أمدادي مع الرياح، وتطير نحوكم أجنادي بألف جناح، ملبيا لدعوتكم
[ ٥ / ٢٤٦ ]
ومسارعا إلى نصرتكم، لما تأخر ذلك عنكم طرفة، ولا تلبث خطفة، لكن عوادي الفتن، وعوائق الزمن، منعت من العجلة قبل إحكامي لما حاولته من تأليف الكلمة، فرب عجلة تهب ريثا، ومن أعد للأمور عدتها، وأخذ لها شكتها، كان قيمنا أن يكون نظره نافعا، ودواؤه ناجعا. ولم أزل أحسم العلل، وأقطع [٦٦ أ] بالفتنة دون الأمل، حتى لانت الأيام بالسماح، وسكنت بعد الجماح، وصار المسلمون إخوة، وفي جميل المعاشرة أسوة، وقبل الرمي تراش السهام، ويحسن التناول بقرب المرام، ورأيت ان استئلاف القلوب المتنافرة، وتواصل الأهواء المتدابرة، أقوى أسباب النجاح، وأشد الأعوان على الفلاح، فتأخرت عنكم متقدما إليكم، وتبقيت دونكم وافدا عليكم، ولم أقنع من الأمور بغير التحقيق، ولم أرض من المركب بالتعليق، وقد نفذت ثقاتي إلى الجهات لتخير الأجناد [وانتحال الأنجاد]، ليكون جميعهم صفوة، ولا يشوبهم أحد من الحشوة، وشرطت أن يتوجه
[ ٥ / ٢٤٧ ]
من قبلي إليكم، ويفد منهم عليكم، من له المزية والظهور، والغناء المشهور، أولو البأس والنجدة، والثبات والشدة، والقلوب الأبية، والأنوف الحمية، يسمحون عنكم ببذل النفوس، ويقوم الواحد منهم مقام الخميس، تملئ العيون منهم قرة، والنفوس مسرة، وفي الثالث من [يوم] كتابي هذا ينفذ إليكم من الوزراء من تكون حركة الخيل معهم في زمان معروف، [واجتماعها] في مكان موصوف، إن شاء الله، ليصح عند العدو - قصمة الله - أن الأيدي قد ارتبطت عليهم، وأن الأعنة قد صرفت اليهم، وأن الوقت قد أزف، والغطاء قد كشف، فيا ليت شعري أين المفر، أم يقولون نحن جميع صبر، (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (القمر: ٤٥) .
انتهى ما لخصته من كلام أبي عامر، موجز الموارد والمصادر، ويتلوه مما يفي بشرط الكتاب من أخبار هذا الأمير عبد العزيز بن أبي عامر المذكور، وعبد الملك ابنه، صيابة دولتهم، اللذين جاءا في آخر الرعيل، وردا هذا الاسم على الخمول.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
ايجاز القول عن امارة عبد العزيز بن أبي عامر
وابنه ببلنسية وأعمالها
قال أبو مروان [ابن حيان]: هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور محمد بن أبي عامر. كان الموالي العامريون عند ذهاب مجاهد عنهم قد أسندوا أمرهم إلى نفر من مشيختهم، فتشاوروا في ارتياد أمير من أنفسهم يعترفون له، فاتفقوا على ابن مولاهم عبد العزيز هذا إيثارا له على ابن عمه، محمد بن عبد الملك، وكان مقيما بقرطبة، وعبد العزيز بسرقسطة في كنف منذر بن يحيى [منذ التجأ إليه غب الحادثة بقرطبة، فدسوا إليه سرا من منذر بن يحيى] فأحكم له التدبير، وخرج سرا من سرقسطة، فلحق ببلنسية، فاستقبله الموالي العامريين أفواجا، وقلدوه رياستهم. وكان عبد [٦٦ ب] العزيز هذا من أوصل الناس لرحمه، وأحفظهم بقرابته، ابتعثه الله رحمة للممتحنين من أهل بيته فآواهم، وجبر الكسير، واكتنف الطريد، ونعش الفقير، طول مدته، إلى أن بلغ من ذلك مبلغا أعيا ملوك زمانه. وخاطب لأول حينه الخليفة القاسم بقرطبة مع هدية حسنة وذكره بأيام سلفه، فقبل القاسم هديته، واعترف بوسيلته
[ ٥ / ٢٤٩ ]
وعقد من أعماله، وسماه المؤتمن ذا السابقتين، فتوطد سلطانه، واشتمل على خدمته أربعة من الكتاب حتى سماهم الناس الطبائع الأربع، وهم: ابن طالوت وابن عباس [وابن عبد العزيز] وابن التاكرني المذكور، كاتب رسائله ومكانه من الأدب والعلم والذكاء مكين، فانتشر كلامه، واعتلى ذكره، ولم تزل حاله تسمو حتى اتصل بوزارته فنال جسيما من دنياه.
فلما كان سنة اثنتين وخمسين اعتل علة أعيا علاجها، واختلفت نوبها، تطمعه تارة وتؤيسه أخرى، والإرتجاف لا يفتر عنه، إلى أن قضت عليه في ذي الحجة من العام، فاجتمع أصحابه على تأمير ولده عبد الملك، وقام له بأمره كاتب والده المدبر لدولته ابن عبد العزيز، [المشهور مع معرفته بابن روبش القرطبي، وكان موصوفا بالرجاحة، فأحسن هذا الكاتب معونته على شانه، وتولى تمهيد سلطانه، واستقر أمره على ضعف ركنه، لعدم المال، وقلة الرجال، وفساد أكثر الأعمال. وراعى هذا الكاتب] الشهم مدبر هذه الدولة في هذا المؤمر عبد الملك مكان صهره وظهيره المأمون يحيى بن ذي النون، إذ كان صهر عبد الملك أبا امرأته، المساهم له في مصاب أبيه، المعين له على سد ثلمه، الذائد عنه كل من طمع فيه، عند نزول الحادثة، من حضرته طليطلة إلى قلعة قونكه من طرف أعماله، للدنو من صهره عبد الملك، وبادر بإنفاذ قائد من خاصته وبالكاتب ابن مثنى إلى بلنسية في جيش كثيف، أمرهم بالمقام مع عبد الملك وشد ركنه، فسكنت الدهماء عليه. ومضى
[ ٥ / ٢٥٠ ]
عبد العزيز أبوه لسبيله غير فقيد المكان، ولا عزيز الشان، ولا مبك لسمائه ولا أرضه، ما فجع به إلا [ذوو] رحمه [من] آل [أبي] عامر لتناهيه في صلتهم، حتى صار إسرافه في ذلك من أضر الأشياء لجنده، وأجلبها لذمه؛ له في ذلك أخبار مأثورة، فتوفي وهو أطول أمراء الأندلس مدة إمارة، تملاها أربعين حجة، إذ كانت إمارته ببلنسية صدر سنة اثني عشرة وأربعمائة، فسبحان المنفرد بالبقاء، الأول قبل الأشياء.
فصل في ذكر الوزير [٦٧أ] الكاتب أبي المطرف عبد الرحمن بن فاخر المعروف بابن الدباغ وإثبات جملة من نثره ونظمه.
وكان أبو المطرف هذا من خلي بينه وبين بيانه، وجرى السحر الحلال بين قلمه ولسانه، وكان استوحش من أمير بلده، ومقيم أوده، ابن هود المقتدر، فخرج عنه وفر، وفارق عز ذلك المقام، " ونجا برأس طمرة ولجام " فأجزل المعتمد بن عباد قراه، ووسع له ذراه
[ ٥ / ٢٥١ ]
وأفرده بحظ من دنياه، وخصه بمكان سره ونجواه، وسفر بينه وبين المتوكل بن الأفطس أيام كونه بيابرة، حين أخذ أخوه [يحيى] بكظمه، وهم بالنزول على حكم المعتمد أو حكمه، وقد كان ابن عباد فغر فاه على المتوكل، وقدر أن ينيخ عليه [بكلكل - حسبما قدمته] في أخباره - فوعده بالغرور وزخرف له شهادات زور، على لسان [هذا] الوزير أبي المطرف المذكور، [فلما حاوره وناظره، خصه] بنصيحة أثره، ومثل له ذلة المعزولين، وذكره بفعل معاوية يوم صفين، فأوجده سبيلا، ودرجه قليلا، ومات أخوه المنصور يحيى بعقب ذلك، فورثه الله ملكه، ونظم سلكه، فرحل اليه أبو المطرف ملبيا بحج وعمرة، متوسلا بسابقي أنصارية وهجرة، فصادف وجها خصيبا، ومكانا من العز رحيبا.
وكان سبب خروجه من اشبيلية - فيما حدثي بعض وزرائها - أنه تشاد مع ابن عمار، فأشار المعتمد إلى حسم ذلك بين يديه، فأبى أبو المطرف عليه، ثم اجتمعا بعد في مجلس أنس دون رأيه، فأمر المعتمد بنفيه؛ وقد كان أيضا بلغ أبا المطرف أنه قدح فيه بمجلس المعتمد وقرف بشيء أقلقه، وذلك أنه كان يعاني الخضاب ويثابر عليه، فقال بعضهم فيه:
خضاب لعمرك لا للنساء ولكنه لفحول الرجال
[ ٥ / ٢٥٢ ]
فخاطبه بشعر قال فيه:
يهان بحمص عزيز الرجال ويعزى إليهم قبيح الفعال
ويغرى ذوو النقص من أهلها بتلطيخ أعراض أهل الكمال
فوقع المعتمد على ظهر رقعته بهذين البيتين:
شعرت فجئت بعين المحال وما زلت ذا خطل في المقال
متى عز في حمص غير العزيز أو ذل غير الذميم الفعال
فلما قرع سمعه البيتان أخذه الأفكل، وخرج من حينه وكان يحدث نفسه بالتحول، [٦٧ ب] إلى أن نفاه، فلحق بالمتوكل فآواه، وأجزل قراه، وخاطب المعتمد في معناه، ورحب به في بطليموس مثواه، إلى أن اشتعلت بينه وبين الوزير أبي عبد الله ابن أيمن نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بأعنان السماء ارتفاعها، فكر راجعا إلى سرقسطة، فقتل ببستان من بساتينها، بعد مديدة من لحاقه بها، ورثاه الوزير أبو محمد بن عبدون بأبيات أعربت عن وده، ودلت على كرم عهده، وقد أثبتها من هذا التصنيف بحيث أجريت من ذكره، فيما انتخبته من نظمه ونثره؛ وأثبت من كلام أبي المطرف هاهنا، ما يشهد بفضله، ويدل على نبله.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
جملة من رسائله في أوصاف شى
من ذلك فصول له في ذم الزمان [وبينه]، وتعذر آماله فيه *
فصل له من رقعة: أوحش بأيام أقطعها وأفنيها، وأثواب عيش أخلقها وأبليها، بحيث لا أراك عيانا، ولا أملك من أنديتك مكانا، حتى أعتز بك من هون أغضي فيه على القذى، وأصبر منه على حز المدى، وأتميز من طبقة الاتضاع والاستخذا، وأعظم تلهفي بماض من الدهر بغير مستفاد، وذاهب من العمر ليس بمستعاد، وليت شعري أتنجز الأيام موعودا، أو تدني من الأمل بعيدا، فترضي بما أستخطت، وتعتذر بما أذنبت، وتنسي مضض شدتها بليان، وتمحوأثر إساءتها بإحسان -! ما تحدثني بذلك نفسي، ولا إخال أن زماني يذعن بإسماح، ولا يزال مستمر الجماح، وما الحيلة إن أبى سوى التعلل بالمنى، والاستراحة بلعل وعسى - وبودي لو ملكت عن هذه الشكوى لساني، وأمسكت في البوح بها من عناني، وأخذت نفسي بأناتها، وأنظرت الأقدار إلى أوقاتها، حتى لا أسوء ولا أنكد، بما أورد منها وأردد، ولكني والله مغلوب بالاضطرار، معدول عن وجه الاختيار، ومن العجب أني
[ ٥ / ٢٥٤ ]
أنوي في كتبي أن تكون من الشكوى خالية، وبزينة التجمل حالية، ولسان الحال تأبى إلا أن تبوح بمضمر السر، وتكشف عن حقيقة الأمر؛ وقد كان لي عنه معزل إلى وصف ما للبين بقلبي من جرح وآثار، وللشوق بين جوانحي من وقود وأوار، فإنه مذهب يجول فيه القول كل مجال، وينثال عليه الكلام أي انثيال، وتتأتى به الألفاظ لازدواجها، وتتراءى المعاني في معرض انتاجها، ولئن لم أبدأ به فإليه قصدت، وإياه أردت، وقد اكتفيت منه بما أتيت، ووقفت حيث انتهيت [٦٨ أ] .
وله في مثله من أخرى: قد كنت أؤمل هذا التلاقي، لأشكو فيه إليك دواهي بلغت بالنفوس التراقي، وصيرت المنايا أماني،فمن لي ألان به وبوصولي اليك حيث أنت، ودونك ما لا يخفى عليك، وقد عرض الماء لعيني فكيف أرد، ومن أين أقصد الله حسبي في سوء جدي، وأنت ولي عذري، في الحضور بالمكاتبة إذ لم أجد سبيلا إلى المشافهة، ولا أكذبك، ضاقت بي الأرض كلها، وانسدت علي سبلها، وضللت عن كل عزاء وتماسك، وأسلمت إلى كل يأس وتهالك، فتداركني ممزقا، ونجني غرقا، وأخطربي ببالك، واعرض حالي على اهتبالك، عسى أن يتجه للفرج وجه، أو يلوح منه فجر.
وله من أخرى: كل يوم تظهر من فضلك عجائب، وتطلع من ألطاف برك غرائب، وتنسى لها محاسن من تقدم، وتستبعد معها مآثر من تهمم، حتى كأن الجميل لم تعرف قبل طرائقه، واللطف
[ ٥ / ٢٥٥ ]
لم تفهم بعد دقائقه، إلى أن أتيت فاخترعت من ذلك سننا وبدائع، لا يزال مثلها لأولي الفصل شرائع، وأنوارها في فلك الفصل سواطع، فما أسعد من تمسك بعصمتك، واعتزى إلى جملتك!!
وفي فصل منها: وكتابي [هذا] وانا كما تدريه، غرض للأيام ترميه، ولكني غير شاك من آلامها، لأن قلبي في أغشية من سهامها، فالنصل على مثله يقع، والتألم مع هذه الحال يرتفع، وكذلك التقريع إذا تتابع هان، والخطب إذا أفرط في الشدة لان، والحوادث تنعكس إلى أضداد، إذا تناهت في الاشتداد، وتزايدت على الآماد.
وبعض ألفاظ هذا الفصل محلول من قول المتنبي حيث يقول:
رمانى الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال
وله من أخرى: لا تستغرب - أعزك الله - ما صادفت [لي] هنالك من تعذر وحرمان، كما لا استغرب ما ألاقيه عندنا من تسليط وعدوان
[ ٥ / ٢٥٦ ]
فالنحوس كلها مجتمعة لي في قران، ولا تعجب إلا لثبوتي لما لا يثبت عليه الحلق السرد، وبقائي على ما لا يبقى عليه الحجر الصلد، وبالجملة لا تسأل عن الحال فقد صار في عيني معمور الكرة، أضيق من خرت الإبرة، واستبهمت لي المطالب، وانسدت علي المذاهب، فما أدري أي وجه أيمم، ولا [٦٨ ب] على أي أمر أعزم، ويا ليت شعري أين الفرج فهذا التناهي، وقد بلغت القلوب الحناجر ومتى التلاقي - نستغفر الله من هذا الضجر، ونعوذ به من السخط على القدر، ونساله صبرا يشتد لشدائد النوب حتى تجوز وتعبر، وتوفيقا يهدي في غياهب الكرب حتى تنجلي وتسفر.
وله في فصل من أخرى: كتابي وعندي من الدهر ما يهد أيسره الرواسي، ويفتت الحجر القاسي، فرسا رهان:
*يجد نوائبا وأجيد صبرا*
ومن أجلها قلب محاسني مساوي، وأوليائي أعادي، وقصدي بالبغضة من جهة المقة، واعتمادي بالخيانة من حيث الثقة، فقس بهذا على ما سواه، وعارض به ما عداه، ولا أطول عليك فقد غير علي حتى شرابي، وأوحشني حتى ثيابي، فها أنا أتهم عياني، واستريب من بناني، وأجني الإساءة من غرس إحساني، وقاتل الله الحطيئة في
[ ٥ / ٢٥٧ ]
قبره، فلشد ما غر بقوله:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
من يزرع الخير يحصد ما يسر به وزارع الشر منكوس على الراس أنا والله اغتررت به وفعلت خيرا فعدمت جوازيه، وأذممت عوائده ومباديه، وزرعته فلم أحصد إلا شرا، ولا اجتنيت معه إلا ضرا، وهكذا جدي، فما أصنع وقد أبى القضاء إلا أن أقضي عمري في بوس، ولا أنفك من نحوس، ويا ليت باقية قد انصرم، وغائب الحمام قد قدم، فعسى أن تكون بعد الممات راحة من هذا النصب، وسلوة عن هذه الخطوب والكرب؛ ودع بنا هذا التشكي فالدهر ليس بمعتب من يجزع، ولا بمشفق على من توجع، واطرح بنا هذا القول في الرياح، واعدل بنا عن الجد إلى المزاح.
وله من أخرى: كتابي والحال على ما أسأل الله لها تبديلا وإدالة، ولعثرة الجد فيها استقلالا وإقالة، ولست أشكو إلا زماني وقعوده
[ ٥ / ٢٥٨ ]
بجدي، وقبيح آثاره عندي، وإن كان على الكل عاديا، وللجميع بكأس مكروهه ساقيا، فيخصني بمزية حرمان، ويتوخاني بفضله عدوان، ويجعلني نصب سعيه، وغرض رميه، ومكان أذابته وبغيه، حتى كأني أبديت له معاير، وأدرت عليه دواير، ودللت العالم [٦٩ أ] على جوره في الحكم، وتطبعه في الظلم، وحسبي الله تعالى فيما أسخط وأرضى. ومع ما ذكرته فلي من الصبر جانب، وإن حميت منه جوانب، ومعي من التجمل بقية وإن سلبته السوالب.
وفي فصل من أخرى: ربما كتبت تارة واستوقفت أخرى، وليس ذاك لتلون وانقلاب، وأفن في الرأي واضطراب، ولكني بحسب الحال أكتب، وعلى قدر تقلب الخطوب علي أتقلب، وما زلت أثبت لتوالي الرمي، وأستمسك على قوة الرزء، إشفاقا من أن أكون كلا، وأزيد في مؤنتك ثقلا، حتى قدم الغائب وقد تملأ من المرة الصفراء، واستفرغ من خلطي البلغم والسوداء، وتلقى الساعي هراشة بالاغراء، وناريته بالحلفاء، فاندفع يهيج ويتهوج، ويستشيط ويتأجج، ولا حلم يردع، ولا استبصار ينفع، فيا لك من مكاشفة تركت الألباب حيارى، والناس سكارى، فما أجد إلا من يثلب، ولا أمر إلا بمن يتهجم ويقطب، حتى كأني وترت الجميع، وجنيت عليهم الخطب الشنيع، ولله سمعني ماذا يسمع، وقلبي كيف لا يتصدع!! ولو نال مني ذو حرمة
[ ٥ / ٢٥٩ ]
تعزيت، أو أخذ مني من فيه إنسانية ما باليت، ولكن المحنة بأوغاد تدق عن المجازاة مقاديرها، والبلية بذباب يحميها من أن تنال مقاذيرها.
حل هذا من قول القائل، وهو إبراهيم بن العباس في محمد بن عبد الملك الزيات:
نجا بك لؤمك منجى الذباب حمته مقاذيره أن ينالا
وله من أخرى: قد آلى الدهر ألا يصيبني بنوائب، حتى تكون غرائب، فهو يخترع كل يوم فنا، ويطرقني بما لم يطرق قط أذنا،
وفي فصل من أخرى: تحيل في استلطاف فلان فعساه يلين بعد قساوته، ويسكن غضبه بعد اشتداده، وكيف أوصيك وأنت ساحر البلد، وأحد النفاثات في العقد - ومن العجب أن أدرك إلى ذلك وأنت الذي جنيت علي فيه، وأذقتني مرارة تجنبه، فكيف تصلح وأنت المفسد، وكيف تستدنيه وأنت المبعد، وكيف تنصف وأنت الظالم، أو تبني وأنت الهادم -! هذا مرام بعيد، واسترضاء حاسد مثلك صعب شديد، ولكني واثق بأن يحيق بك سيء مكرك، فتذوق وبال أمرك، وتحصد زوائع شرك، وتصلى بنار بغيك، وتجني ثمار سعيك، والله مقرب ذلك فيك ومدنيه منك.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
وله من أخرى: كتابي عما عهدته من قعود الأيام بجانبي [٦٩ ب]، واعتراضها علي في وجوه قصدي، ومقابلتها بالخيبة والحرمان سعيي وجهدي، بل ما تنفك تتلاعب بي تلاعب العابث، وتستطيل علي استطالة العائث، وتريني من أحداثها عجائب تسجم الدموع، وتطلع علي من خطوبها غرائب تحطم الضلوع، فيا لنفس تستطيع حمل هذه الكلف، وتبقى على ما في أيسره وشيك التلف، وقد كان شديدها عندي هينا، وضعبها علي لينا، حتى جد الجد برحلتك، وجرت لي الأشائم بفرقتك، فسدت علي من الراحة الأبواب، وقطعت بيني وبين الفرج الأسباب، ولم يبق لي معلل من دائها، ولا فارج علي اشتباك غمائمها، ولعل الذي لم يزل يمتحنني ليعلم كيف أصبر، وينظر أأشكر أم أكفر، أن يجعل لحالي إدالة، ولعثرة جدي إقالة، وأن يقيض لجمع الشمل، ووصل الحبل، سببا، ويقضي من عودة المجالسة، وتجديد المؤانسة، أربا، بمنه.
ومن أخرى في مثله: كتابي والحال في الخمول كما علمت، والجد
[ ٥ / ٢٦١ ]
في الشقاوة كما عهدت، وكلما أرجو لباب الفرج انفراجا، يستبهم ويزداد إرتاجا، وكلما أطمع بمطالبة الأيام أن تلين تشتد اعتزاء، ولسهام النوائب أن تنثني تتتابع ولاء، والحمد لله الذي يبتلي ليرى كيف الصبر، ثم ينعم ليرى كيف الشكر، حمد متوكل عليه، مفوض أمره في كل حالة إليه.
وله من أخرى في مثله: لكل زمان طاغية يشقى به ويعبأ له، وربما خص بتسلطه، وانقبض في تبسطه، ولم يصل بضرامه، إلا من ضايق في خطامه، فهذا المعهود، ولا كمن جمعنا به عصر، وضمنا معه مصر، فانه جاهر الكل بالقلى، ودعا إلى مكروهه الجفلى، وامتحنت أنا منه وممن معه بأشد محنة، وأسلمت لأسنتهم وسهامهم بلا جنة، فمن أيد تستبيح الحمى، وألسنة تنطق بالخنا، ومن سطوات تملأ عراص القلب رعبا، وترسل أدمع العين سكبا، ولو استطعت أن أطوي عنك أحوالي، ولا أشغل بالك بأوجالي، لرفهتك عن سماع ما يجلب إليك ارتماضا، ولا تملك لي فيه امتعاضا، ولكن أعوز الصبر، وأعجز احتمال الضر، فاسترحت استراحة واجد كاظم، وتعللت بالشكوى إلى متوجع واجم، على ما قيل:
[ ٥ / ٢٦٢ ]
ولا بد من شكوى إلى ذي حفيظة يواسيك أو يسليك أو يتوجع
واشتمل كتابك الكريم على ما استحييت منه، وغضضت طرفي عنه، وأوهمني أن [٧٠ أ] شكواي أثارته، وربما انحفزت فيما الحال بذاتها معربة عن التعذر، فأنظر الأمر إناة، وأجره على مجراه، وليس إلا التفويض إليك، والتوكل عليك، وما عندي أكثر من أن نفسي في يديك، فلا تكلني إلى رأيي فأحار، ولا تخيرني فلست أحسن أن أختار.
ومن أخرى: أنا في هذا الوقت بحكم الزمان، نعم مستودع الهوان، أضحك لمن شتم، وأعتذر إلى من ظلم، وأغضي لمن همز ولمز، وأتعامى على من أشار وغمز، وأتلقى المكروه والأذى، بطلاقة التقبل والرضى، فمثلي إن أوذي شكر، أو أسخطته الأقدار تجمل، أو حمل ما لا يستطاع تحمل، فعل من يلبس للأحوال لبوسها، ولا يحفل بنعيم الأيام وبوسها.
ووقفت على كتابك فلم أستغرب تجنبك، ولا أنكرت تعديك، وما عسى أن تكون في جملة من يعبر ويكلم، ويسخط ويذم، وأنت إذا خلصت من هذا الباب لم تتخلص للحجى، وكنت كجزء لا يتجزا.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
هات يا سيدي عتبك وعتابك، واشحذ للملام شفارك وحرابك، تجدني لاحتمالك عودا بجنبه جلب، وعليه من قراع الدهر ندب؛ على أني خلت أن الخطوب تبلغ بي رتبة من تعتد أنت عليه ذنبا، ويسمع من مثلك عتبا، ولكنها الأيام تأتي بغرائب، وتلد ما لا يحتسب من العجائب؛ وقد - وحياتك - جاشت هنا خواطري بالذم، وهمت نفسي بأن تفارق عادتها عن الكظم، لولا بقية بقيت من الخجل ذكرتني بالتمالك، وعرفتني مذهبي في التماسك، فأمسكت عليك احتسابا، ورجوت على حمل جفاء مثلك ثوابا، وأضربت عن أن أتكلف لك في شيء مما ذكرته [جوابا]، إكراما لنفسي عن مجاوبتك، وتنزيها لها عن مساواتك ومماثلتك.
وله فصل من أخرى: كيف أكتب أو أعبر، وبأي ذهن أخبر وأستخبر، ومالي والله يد تجري بقلم، ولا خاطر يهتدي إلى كلم، وإن نفسي من التبلد والكهامة والأين، بحيث لا تخلص معنى ولا تجمع بين حرفين، وما حال من كلما هم بشيء باعده الدهر منه، وطردته الليالي عنه، وكلما قرع باب مطلب عارضه من الحرمان رد، أو ذهب
[ ٥ / ٢٦٤ ]
به مذهب سعي قطع به من النحوس سد، حتى لو عرض له عند الظما شرب، لغيض وحمته من الخطوب خطب، فاليأس قاطع أسباب الطلاب، ومغلق من النجح جميع الأبواب، ولكنها النفس ما بقيت لها حشاشة فهي تشف إلى طمع، وتنهض على ظلع، وتجهد ألا تقصر [٧٠ ب] إلى أن تموت فتعذر.
وفي فصل من أخرى: ليت شعري متى أفتتح بالرضى، وهل أكتب وقتا من الدهر ولا أتشكى، فإني أحمد الله على حياة أقطعها في شدائد لا تنثني، وسكرات غم لا تنجلي، ونكد أخلاق لا يشوبه ابتهاج، وضيق أحوال لا يتخللها انفراج، ولئن كان باقي العمر كماضيه، وعوائد العيش كبواديه، فالحمام أعذب موردا، والوفاة أحسن مشهدا، فليس [بعد] هذا العذاب ما هو أشد، فلكل شيء مدى ينتهي إليه وحد؛ فسبحان من جعل الدنيا دار كرب ومحنة، لكل ذي لب وفطنة، ومقام تنعم وترف، لكل ذي خسة ونطف، وسبحان من ابتلى فيها ذوي الفضل والنهى بكل قعط بنفسه ويستشرف من سماء المجد، ويلتف في جعسه ويستقذر عنبر الهند.
وفي فصل من أخرى: كتابي وقد لقيت من التعذر في الدنيا ما صحح منها اليأس، وأراح من وسواس الترجي للنفس، وأغراني برفض المطالب، بما أفادني من التجارب، وقد خلعت عني ذل الطمع، ولبست عز التوكل
[ ٥ / ٢٦٥ ]
وسلمت إلى له الأمر، وبيده النفع والضر، وإليه العطاء والمنع، وأنا في هذا الوقت منشرح الصدر، خلو من الفكر، وسبب ذلك كل خير من قبل فلان، فإنه لما علم كربتي، لم يزل يتلطف في صلتي، فلله هو إذا بهرج نقد، وقلل تحصيلهم في الفضل عد، ما أميزه بالدنيا، وأسراه في طرق العليا!! وما أعرفه من أين يؤتي [المجد]، وكيف يقتنى الثناء والحمد! ومما أنفذت اليك من مخاطباتي تقف على انفراده بالفضل، وارتفاعه عن المثل.
ووردني كتابك فضاعف سروري أضعافا، ورد شوارد أنسي ألافا، وأمد ابتهاجي بأمداد، وأرادني من الجذل في أخصب مراد، ووقفت على جملة ما تجشمته، ولست أعارض بشكر إجمالك، ولا أطاول بثناء أفعالك، لأن العجز لاحق لي، والتقصير معصوب بي، غير أن مبدأ ما أنت بسبيله يقتضي أن تقف على منتهاه، وأول الأمر [فيه] يحفزك أن تنتهي إلى أخراه.
وله فصل في مثل: ما أظن أن لدجى حالي انبلاجا، ولا لكربة نفسي انفراجا، ولا إخال غمرات الهم تنجلي، ولا مدد النحوس تنقضي. ومن كانت له من الدنيا حظوة يصطفيها، ومكانه يستقر فيها، فليس
[ ٥ / ٢٦٦ ]
لي منها إلا أن أرى كيف تنقسم رتبها وتتناوب، وتتنازع نعمها وتتجاذب، وتغنم فوائدها وتتناهب، حتى كأني جئت على العدد [٧١أ] زائدا، ولم أكن عند القسمة شاهدا، فنبذت بالعراء، ولم يثبت اسمي في جملة الأسماء، وما أقول هذا قول ساخط، ولا أيأس من رحمة الله يأس قانط، ولكن ربما استراح العليل في أنة، واستغاث المتوجع إلى رنة، وخفف عن المصدور نفث، ونفس من وجد المكروب بث.
ووصل كتابك مؤنسا إيحاش النوب، ومسليا عن حوادث الكرب، على عادة ما يرد من تلقائك، ويتجدد لدي من أنبائك، ووقفت على ما أزمعت عليه من لقاء الوزير الأجل فهيجت لي بذكراه، صبابة لقياه، واستطرت من أشواقي إليه وقعا، وأيقظت من آمالي فيه هجعا، وجعلت المنى تذهب بي كل مذهب، وتجري من بروقها بين صادق وخلب، وتخيل لي أن المثول بحضرته قد دنا، والفوز برؤيته قد أنى، وتناولتني الهواجس بذلك حتى كأن ناظري مستنير بمرآه، وسمعي مصغ إلى نجواه، فما لبث أن أنشدت:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
[ ٥ / ٢٦٧ ]
وفي فصل منها: ما عسى أن أكتب وقد أطلعت في القول حتى أمللت، وأكثرت من التشكي حتى أضجرت، ولو شئت أن أقول لما أسعدت نفس قد هدمتها الهموم فما تقدر، وأحسب [أن] لو أقبل علي من الدنيا موليها، وأمكنتني الآمال من نواصيها، لما اهتززت لها اهتزاز نشاط، ولا وليتها ولاية اغتباط، فبؤسا للدهر ما أعنفه من مالك وأصوله، فانظر على أي نفس قدر، وفي أي همم أثر، وأي خطر أخمل، وأي إباء استنزل، وأي حد كل وفلل.
ومن أخرى: في حالي - أعزك الله - عجب للمتعجب، كلما رمت وجهة فأتيتها من أقصد مذهب، وتناولتها بألطف مرعب، حتى تخيل لي أن أبيها قد أسمح، وحميد السعي فيها قد أنجح، رجعت عنها صفر الوطاب، وحصلت على رقراق السراب، وكان المستعجل منها أبطأ وأعصى، والمستقرب أبعد وأنأى، ويا ليت شعري إلى متى، وكم أتعذب وأشقى، وهل لهذا التحير أمد، زماني كله نكد -!
وفي فصل من أخرى: وأما حالي التي تطلعت اليها فحال من لا يزال يستنجز الأيام عدات كواذب، ويستسقيها فتمطر صواعق ومصايب. وله من أخرى يخبر ما جرى عليه بدولة المقتدر: كتابي وأنا أساير
[ ٥ / ٢٦٨ ]
من هذه النكبة غمرة يتطاول مداها ويمتد، وأصبر منها محنة تزيد مع الأيام وتشتد، وزادني قلقا ما حكاه لي فلان من [٧١ ب] خبر المقتدر في السبب الذي له جفيت، من أجله أقصيت، وذكر ذنوبا كانت مني، وأقوالا بلغه عني، منها تحصيل حركاته وأخباره، وتحريف ما كنت أشاهده في مجلسه الكريم من آثاره، وأراه، يذهب في تعديد ذلك ذهابا دل على حرد، وأنبأ عن سوء معتقد، فأزعجني الأمر إزعاجا يقتضيه تغير رأي مثله من الأملاك، الذين هم كالليل في الإدراك، وكالقضاء إذا شاءوا في الهلاك، ولم أجد لنفسي قرارا على تغيره، ولا هدوءا مع تنكره، وقد يجوز أن يكون للمبلغين في السعاية بلاغات محرفة، واختلاقات مزخرفة، تثير بسعيها حرجا، وتهيج أنفا، فمالي حرمت منه ما هو معلوم دون ملوك العصر، من سعة الحلم وكثرة الصبر - ولم عدمت عنده ما هو موصوف به من كظم الغيظ إذا أحفظ، وذكر الرضى إذا أغضب - بل كيف حتى خصصت وحدي من بين العالم، بأن يصغي في جهتي إلى النائم -! ولو رزقت من تأمله - أيده الله - ما أصغى إلى ذلك الناقل وما أنهاه، إذ الإفك ما حكاه، فلم يك من ذوي الأديان فيوثق في نقله، ولا من ذوي النصائح فيقبل من مثله، ثم من أعظم الخطوب ما أدرجه في أثنائه، من تعديد أياديه وآلائه؛ ونعم، أولى - أيده الله - وشرف ووجه، ونبه من خمول ونوه، ولست لكل ذلك بكاند، ولا لجميع ما أولاه بحاحد، ولو جحدت
[ ٥ / ٢٦٩ ]
لأقرت علي المذاهب، ولو سكت لأثنت لآلائه الحقائب، واحمد الله تعالى على ما اتفق لي عنده من هذا الاعتقاد في، والنظر بمثل هذه العين إلي، [هذا] مع فرط تحرزي وانقباضي، وتناهي تذللي وانخفاضي، وما جبلت عليه من سكون الطائر، وغص الناظر، وخزن اللسان، ومهابة السلطان، في السر والإعلان. وإذا فكرت في ذلك لم أستغربه، لما علمت من شقائي في جدي، وسوء أثر الزمان عندي، ففي مولدي أن تقسو على قلوب أستلينها وأستلطفها، وتعرض عني جوانب أستميلها وأستعطفها، وما زلت مذ كنت أعتذر مظلوما واسترضي متسخطا، وأداري متشططا، واضطر إلى الاقرار بأجرام لا أجنيها، والاستعفاء عن ذنوب لا أدريها، وكيفما دار الأمر، وتصرف بي الدهر، فإني لا أفارق عصمة ولائه، ولا أنحرف عن تأميله ورجائه، حتى يهب الله لي منه تأملا يستوضح به براءة ساحتي مما نمي اليه، وسلامة جهتي [٧٢ أ] مما زور لديه، فيعود بي إلى المعهود من رأيه الجميل، ويوسعني ما أوسع الكل من طوله الجزيل، فلم يكن قدر ما نمي إليه لو قام عليه دليل يقنع، وظهر بصحته أمر لا يدفع، مما قدح في رياسته، وغص من نفاسته، فيؤيس من كريم عطفه، أو يضيق عن تغمده وعظيم صفحه. وأنا أرغب أن تلخص معاني كتابي هذا بفضلك وتعرضها عليه، وتأخذ جملته
[ ٥ / ٢٧٠ ]
وتفصلها لديه، وتحلي ما خشن منها بلطف إشارتك، وتتم ما نقص منه بحسن عبارتك، وتتوخى لذلك وقت نشاطه، وساعة انبساطه، فعسى أن تصادف به إصغاء يثني عن النبوة، ويلين جانبا من القسوة، ويذهب بعض ما يجده، ويصرفه عن هذا الاعتقاد الذي يعتقده.
وله من أخرى يشرح أيضا ويذكر خبره مع المقتدر: تطلع عليكم مع هذا الكتاب طوام معضلة، وعجائب مذهلة، ينسيك بعضها بعضا، وتفني وأنت لا تدري أناملك عضا، وكأني بك كلما نشرت منه سطرا، وطالعت فيه أمرا، تتصبب عرقا، وتذوب فرقا، وتغشاك سكرة على سكرة، ولا تخرج من غمرة إلا غمرة، أولها: أنه يخاطبك فيه من كان ميتا ولم يكد يبعث حيا، ومن هلك علك عاد، وليس على ثقة من معاد، فيجب أن تقنع بما يتفق من وصف، وتعذر الخاطر إن لم يسمح لك بحرف، وخذ الآن إليك، فافتح مسمعيك: فارقتنا عند نهوض المقتدر بالله بجيوشه واتفق أن كنت أحد القاعدين، ولم ألف في عداد الغازين، ولا في من لقي من لفيف الكتاب، وأعيان الوزراء والأصحاب، فاشتد حنقه على الخوالف، وعم سخطه جميع الطوائف، ونذر إذا قفل، أن يصنع بهم ويفعل، وقدر الله أن غنم، وفتح على يديه وسلم، ولعلك تطلب شرح هذه النكتة، وتسأل كيف كانت القصة، ولئن عجزت عن التفصيل فاسمع الجملة:
[ ٥ / ٢٧١ ]
جلس بعد أيام من صدره في مجلس الذهب، وعليه سيما الغضب والرهب، والناس يستعيذون بالله من بوسه، لما رأوا من فرط عبوسه، ثم قال: أين فلان - فكنت للشقوة غائبا عن المكان، فقيل ليس بحاضر، فاندفع من فوره وأقسم بالغموس أن أعزل عن خدمته، ولا أبقى في بلدته، فاستحوذ على الكل البهت، وملك جميعهم السكت، وحضرت أحد الوزراء بديهة تراجع بها شيء من ذهنه، فتجاسر بعض التجاسر عليه وذكره بالكظم، واسترجعه إلى سجيته من الحلم، فضجر أشنع من الأولى، وشد اليمين [٧٢ ب] بأخرى، فانقطعت أسباب الرجاء، ولم تكن حيلة في القضاء، وسبق إلي النبأ الفظيع، ثم تلاه الأمر الشنيع، - جعلني الله [فداك]- صورتي إن صح لك توهم، وتخيل حالتي إن بقي لك تخيل؛ وأذكر لك ما بقي في ذكري وثبت في ذهني، وسقطت مغشيا علي، وعانيت الموت جادا إلي، وشاهدت نفسي وهي تخرج، ورأيت روحي وهي تعرج، وبقيت لا أقلقل ولا أزعج، كالمستضعف أحاطت به غلبة، ولم تسمع له طلبة، ويا لك من مقتدر شمخت العزة بأنفه، ولم يثن الجبروت من عطفه، وقد فارقت الرأفة، وتمكنت منه القسوة، واللجاج يغريه بازعاجي، ولا يشفيه شيء غير إخراجي، لعلمه أن ليس له عندي إنعام، يمكنني معه خروج أو مقام، ثم خرجت مع هذا كله على رغمي إلى شنتمرية، وهي القبر إلا أنها من قبور الرحمة، وأنا الآن فيه
[ ٥ / ٢٧٢ ]
أتعذب بغمته، وأتقلب في ظلمته، وتعرض علي أعمالي، ولا أدري إلى حيث يكون مالي.
هذا يا سيدي بعض ما تحصل في هذه الأحوال، بما جرى علي من الشدائد والأهوال، فرق الآن لأخيك رقة راحم، وابك عليه بدمع هام وساجم، وتقطع إشفاقا، واستشعر انطباقا، والبس عليه أغبر إن لم تلبس حدادا، وألق للعزاء عنه وسادا، واعجب لطول يلاعب الأيام بي، وتلونها [وتلويها] في تركي مطرحا بمنزلة ضياع، ووضعي غرضا لتحكم جهال ورعاع، أجرع، من الهون ما أجرعه، وأقابل من الضيم ما لا أدفعه، دهري كله وأكرب، وأجر كل حين بأيدي الاهتضام وأحسب، ولا أعدم في كل مكان من يتجنى، ويعدد ذنوبا لا تدرى، ولا ذنب لي إلا كف الأذى من لساني، ومسالمة الورى في سري وإعلاني، وإذا كانت هذه المحاسن التي تعجز عنها ذنوبي التي أجفى لها، فكيف أستغفر منها، وقل لي كيف أعتذر عنها - وما زلت أجهد - على علمك - أن يكون هذا الانفصال عنه اختيارا، فأبى الله إلا أن يكون اضطرارا، وطمعت أن أستفيد في تلك الصحبة ما يعينني على نيتي، ويريش جناحي للنهوض إلى طيتي، فما حصلت منها إلا على قبيح عزائمي.
قال ابن بسام: وهذا الفصل محلول من قول البحتري حيث يقول: [٧٣ أ] .
[ ٥ / ٢٧٣ ]
إذا محاسني اللائي أدل بها كانت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر
ومجلس الذهب الذي وصف أبو المطرف مجلس في دار السرور، أحد قصور المقتدر بن هود بسرقسطة، وفيه يقول ذو الوزارتين ابن غندشلب يهجو الوزير ابن أحمد، وكان ينبز بتحتون:
ضج من تحتون بيت الذهب ودعا مما به واحربي
رب طهرني فقد دنسني عار تحتون المئوف الذنب
وله من أخرى يصف ضيق المكان الذي أخرج إليه: فرق ما بين المكان الذي وردت عليه، وبين القبر الذي مآل الإنسان إليه، [أن] المقيم به والساكن فيه يدفن حيا، ولا يعلم من نور الدنيا شيئا، وأنا منذ احتلاله أفرغ من حجام ساباط، أركل وأضرب الآباط، وتارة ألعب بشطرنج ونرد، وتارة أطالع أخبار بشر وهند، وأخرى أيضا: أظل ردائي فوق رأسي قاعدا، أعد الحصى جاهدا، وأرمي بها صادرا وواردا؛ وكانت راحتي في مخاطبة صديق أجاذبه الكلام، وأقطع بمناجاته الأيام، ولكن من محن الدنيا ألا أجد من يتحمل لي كتابا؛ ولقد ظفرت بمن توجه إلى تلك الناحية فكتبت مخففا عن صدري
[ ٥ / ٢٧٤ ]
وطالعتك أنت والإخوان ببعض أمري، وانتظرت صدر ذلك الإنسان، بأجوبة تفيد بعض السلوان، فلم يكن منهم إلا كل جاف جلف، لم ير في دينه المراجعة بحرف، فساء بذلك ظني، وقرعت على ما فعلته بالندم سني، وتصرف فكري في أن ذلك الرجل كان من معارف الرجس، فاتهمت أن الداخلة دخلت علي منه، ولولا ذلك لفجأك من التعب ما يرهق شمسك، ويصلح من روح الله يأسك، فعجل مراجعتي بجلية ما عنك من وصول الكتب أو غير ذلك، ولا تزد على ما في جوابك، فإني زاهد في قراءة كتابك، غير نشط لما يرد منك ومن سواك، ولو راجعتم عما أكتب بالضعف، عن كل سطر بألف.
وله من جواب على كتاب ورد عليه من بعض إخوانه بالعفو عنه: ورد جوابك الكريم فنفس من كربتي، وأنس من وحشتي، وروح عن قلبي الأسى، ووصل [بين] طرفي والكرى، بما أطلعته علي من الفرحة المستمطرة، والبشرى المنتظرة، في سكون ضجر المقتدر [بالله] وغضبته، ونزوله عن أكثر عتبه وموجدته [٧٣ ب] وامتناعه بالقبول لإنابتي، والإصغاء إلى استلطافي واستلانتي، وما كان ليقطع عصمة من انقطع إلى علاه، ولا يؤوب بحسرة الخائب من أمله ورجاه، ورأيت ما لوحت به من الأشياء الموجبة للجفاء، على ذلك الإقصاء، وانها تواكدت على مر الأيام بأقوال مستبشعة، وبلاغات مستشنعة
[ ٥ / ٢٧٥ ]
وقد آلم وساء، وبلغ الباغي في النكاية ما شاء، ولكن أترى أن الحاكي لها ممن يتحلى بفضل، أو يرجح إلى دين وعقل - وهل يجوز أن يتسوق بمثلها إلا أوضاع الدنيا، وسقاط أتباع أولاد الزنا - وقصاراهم أن يتعرضوا للطخ الأعراض الطاهرة، ويتمرسوا بطعن على الفضائل الباهرة، بكذوب تلفق، ومحاولات تختلق وتنمق، فما أبعد جوازها على العقول، وأقل نفاقها عند ذوي التحصيل، وأخلق بها من شبهة أن تنجلي، ومن ضرم إحنة أن تنطفي.
ومن أخرى يصف خبر نكبته: ورأيت ما تعلق ببالك من معرفة حالي ومجراها، في حدها ومنهاها، وفي شرح ذلك خطب ثقيل، وشغب طويل، جملته: أن الذي كتب على لساني أوسعه ثلبا في قول تقوله علي، واستخفاف نسبة إلي، وعلم الله تعالى براءة ساحتي من ذلك، ونزاهة نفسي عنه، لكن الطبائع الخبيثة تقبل سريعا من أجناسها، ولم تزل تتزيد وتكثر حتى الاناء بما فيه، وأبرز ما كان ينطوي عليه ويحفيه، وليس عندي في ذلك أكثر من أن الأقدار تعمل أعمالها، وتظهر في البشر عللها وأفعالها، والذي يغمني من ذلك ويهمني جد لا ينفك من عثار، وحال لا تزال في خمول وإخمال، وقطع عمري في كد وذلة، وجهد وقلة، وتصرف لا ترضى به آلاتي، واتضاع ترفعني
[ ٥ / ٢٧٦ ]
عنه أدواتي، بحيث يتقدم الجهل على النبل، ويستطيل ما شاء على الفضل، وتنال الرتب بالمخارق، وتعطى الكوادن حظوظ السوابق، ولم أزل أصبر من ذلك كله على يشيب رأس الوليد، ويذيب الحديد، ويهد الرواسي هدا، ويحدث للجماد غيظا ووجدا، لئلا يقال مضطرب يقلق، وعجول لا يتأتى ولا يرفق، حتى آلت الحال إلى هذا المآل، وبلغ الكتاب أجله في الانفصال، فاعجب يا سيدي مما يدفع الإنسان إليه من شقاء يقاسيه، وعناء يعانيه، ومحن يغشاها [٧٤ أ] ألوانا، ونوب تفترق عليه أقرانا، ومغايظ تطرف الناظر بقذاها، ويعرض في مجاري الأنفاس شجاها، وتقطع النفس أنفسا، وتحيل العيش أبؤسا، ويأبى الروح مع ذلك لشقاوته إلا أن يكون حافظا لحياته، حتى يتعذب بكل ما عددته، ويتألم من جميع ما سردته؛ فليت شعري: لم هذا - وعلام الرغبة في الازدياد، وهذا الحرص على التماد - ولو أن الأيام كلها في نعيم محتفل، وسرور متصل، لما كان ذلك إلا بمنزلة ظل زائل، ولم يحل منه بطائل، إن هذا لطموس أضل الألباب فلا تدري الرشاد، وأفسد الأفكار فلا تعلم ما المراد.
وله من أخرى إلى الوزير أبي الفتوح: ما زلت - فسح الله لك أيها الوزير الأجل غاية الأمل - منذ سمعت فضائلك تذكر، ومناقبك تنشر، وسور سروك تتلى، ومحاسن فعالك تجلى، أحن إليك حنين كلف، وأتشوق نحوك تشوق شغف، وأستمنح الأيام خلتك
[ ٥ / ٢٧٧ ]
وأود لو أفادتني صلتك، حتى فتحت لذلك غلقا، ونهجت له طرقا، ومكنت من المعارض بالود، وسبب التناجي على البعد، فكان ما أتيته من ذلك بحسب البغية، وواقعا موقع الأمنية، وهكذا فعل من حوبي بالسعادة، وأنشى على السيادة، حتى فرع من المجد ذراه، واستولى من كل فضل على مداه؛ هنأني الله ما منحني من صفائك، وبارك فيما وهبني من إخائك.
وإن كتابك الكريم ورد، وعلمت ما وراء افتتاحك المكاتبة من ود صريح، وميل صحيح، وانجذاب جذبه لا محالة تجانس في الخلائق، وتشابه بين الطبائع، ولله ما أفادتني الأيام بك، وأكسبتنيه منك، ورأيت ما أشرت إليه من إجرائك إلى الصلة بيني وبين الملك الأجل المنصور - أطال الله بقاءه، ووصل اعتلاءه - ولا بد أن تسبب للمواصلة أسباب، وتنفتح للمداخلة أبواب، فيتسنى بذلك من تآلف النفوس كامن، ويكون الامتزاج ظاهرا كما هو باطن، وأنا أرغب أن تتناول ما بدأت من ذلك فتتممه، ولا تحل من عقد الوصلة يدك أو تحكمه.
وقد لقيت فلانا فرأيت لعمري فضلا رائعا، ونبلا بارعا، وحلاوة تستهوي، ولطافة من ذلك السرو تستملي.
ومن رسائله الإخوانيات
فصل له من رقعة: إذا صح الود ارتفع التصنع فيه، ولم تستخدم الأقلام في شيء من معانيه، ولهذا أضربت [٧٤ ب] عن وصف الاعتقاد
[ ٥ / ٢٧٨ ]
ولم أجر فيه على المألوف المعتاد.
ووصل فلان، فلا والله ما رأيت أبنى منه لمجد، ولا أنطق منه بحمد، كلما اطمأن به مجلس لا يزال يثني، والأسماع إليه تصغي، حتى يجعل المحبة فريضة دين، ويمكن للقول من الأنفس أي تمكين، ثم تفرد في خلال ذلك من رشد الطرائق، وشرف الخلائق، وعلو الهمم، والتطبع بالكرم، بما يقضي أن للسيادة فيه أسرارا ستظهرها الأقدار، وينطق بها الليل والنهار، والرب تعالى يتم عليه يتم عليه مواد نعمه، ويوفي به على مطالع هممه.
وله من أخرى: وردني كتابك على حين كانت الأشواق تتوكفه، والأماني تتشوفه، فأيبهجني مطلعه، ولطف مني موقعه، وأجلت فيه ناظري فاجتليت لسان الود يبوح بسريرة الصفاء، ويعرب بحقيقة الوفاء، وعانيت نجي المقة كيف يساقي كأس المحبة صرفا، ويهز بألطاف الصلة عطفا، لله هو من كتاب أحضر وفد الأنس عندي، وجدد الجذل كعهدي، ورفع للأطراب ألويتي، وعطر بطيب الشمائل أنديتي، وبنفسي مهديه، وخاطر تلطف في معانيه، وراع برائعة أغراضه ومباديه، وإذ لا تسعف الليالي بتلاق يشفي، فالتناجي بمثله يتعلل ويكفي؛ لا زالت أسباب مواصلتك لي مؤكدة، ورسوم ملاطفتك عندي مجددة.
ورأيت من ذلك الفاضل سيرا تنتظر درج العلا أن يرتقيها
[ ٥ / ٢٧٩ ]
وتتشوف اليه رتب المجد أن يعتليها، وكأني به قد أجنته الأماني ثمارها، وزفت إليه السيادة أبكارها، وقاه الله العيون، وحقق فيه الظنون، فما أنبل قدره، وأكمل سروه!!
وله من أخرى: إذا نجم الفضل -[أعزك الله]- من المعادن الشريفة، في المناصب المنيفة، ثم تحلى بحلية الآداب، ولم يتكل في العلا على بنية الأحساب، فلا غرو أن يكثر خطابه، لأن تعلق أسبابه، ويتنافس في عرفانه، ليحصل من معارفه وخلانه؛ وأنت - يبقيك الله - ذلك الضارب في الشرف بأرسخ عرق، الفائت في الفضل كل ذي سبق، تعرب عن ذلك الأخبار السائرة، وتنم عليك به الأنباء العاطرة، لا سيما بأوصاف فلان، لعلمه بحرصي على ذلك الأفق لا يزال يهدي إلي أخباره فيخصك بينهم من الخلال والمناقب، وحسن السير والمذاهب، ما قد شوق نفسي إليك، وملأ جوانحي حرصا عليك، وتمنيت لو حزت أسباب [٧٥ أ] القدرة، بتنقلي إلى تلك الحضرة، ولم أتمالك أن خاطبتك خاطبا صلتك، ولست من الأكتفاء، وراغبا في خلتك، وإن لم أكن من النضراء؛ لا زالت تستخلص الأنفس شمائلك، وتقف عليك المودات فضائلك.
وفي فصل من أخرى: قد كنت - أعزك الله - متمنيا لهذه الأيام، كما يتمنى في المحل صوب الغمام، ومنتظرا لظهورك فيها، كانتظار النفس أعذب أمانيها، ولما أطلعت طلائعها السعود، واستمر بك الارتقاء
[ ٥ / ٢٨٠ ]
والصعود، قلت لنفسي: بشراك، أسعفك الدهر بمناك، وسرك في بعض أعزتك وأرضاك، الآن آن للنحوس أن تدبر عنك إدبار المنهزم، وللنوائب أن تحذر منك سطوة المنتقم؛ وأذني في الاصغاء، إلى ما يطرأ من الأنباء، فلا تنفك مبهجة الأخبار تترى، ومثلجة المسار تتناصر وتتوالى، وكلما قيل قرع من الجاه ذروة، واستجد من العز كسوة، سرت العزة في خلدي، وطالت على النوب يدي، وحين صح تمكنك عندي، انبسطت إلى مخاطبتك نفسي، مذكرة لك في تنويهي وغرسي، إن صادفت من الزمان إسعادا، وملكت من إحدى الممالك قيادا؛ على أنك ممن لا تنسيه المعارف حال، ولا يلهيه عن الجميل إقبال، ولو استقل بك السرير، ودان لك الخورنق والسدير؛ ليأمن مسألتي الدهر المحيل فقد حسبتني أحاوله، أم أي حظ أجزل من إقبالك علي أتناوله - كلا والله، ما أسأل وقد نلت الرضى، ولا أجري بعد أن بلغت المدى، حسب يدي وما علقت، ولتقتنع نفسي بما رزقت، فلكل طلاب غاية، وللظفر بالمنى راية.
ومن أخرى: أي حمد يفي بمنن لك تسلفها ابتداء، وتتابعها ولاء، بلا وجوب يقتضيها، ودون سبب يستدعيها - بعيد علي أن تقوم لذلك قدرتي، أو تبلغه استطاعتي، وليس عندي إلا بذل المهجة فيما وصل بك، وضم إليك، وإرخاص النفس فيما أدنى إليك، وأحظى لديك. ووجدتك قد أشرت إلى عذر أعجلك في الكتاب، عن التعمل والإسهاب
[ ٥ / ٢٨١ ]
ووصلت ذلك بأن حسنت مذهب الاسترسال، واعتفيت من مؤنة الاحتفال، حسبما يوجبه تمكن الاتصال.
وله فصل: ووصلت الأبيات الرائقة تعبق في أنف المتنسم، وتشير لعين الناظر المتوسم، وتأملتها فرأيت نور الحكمة منها يتألق، وماء الطبع عليها يتدفق، وما أنا إلا غفل وسمته وسما باقيا، وعاطل طوقته [٧٥ ب] طوقا باهيا، وبودي لو أغربت في الشكر، إغرابك في الشعر، واقتدرت على الجزاء، اقتدارك على الإطراء، حتى أصل إلى سبقك، وأقضي بعض حقك، وإذا كنت أقصر، ولا أقدر، فأنت بفضلك تتجاوز وتعذر.
وله من رقعة خاطب بها جماعة من إخوانه: كتابي هذا من وادي الزيتون، ونحن فيه محتلون، ببقعة اكتست من السندس الأخضر، وتحلت بأنواع الزهر، وتخايلت بأنهار تتخللها، وأشجار تظللها، تحجب أدواحها الشمس لالتفافها، وتأذن للنسيم فيميل من أعطافها، وما شئتم من محاسن تروق وتعجب، وأطيار تتجاوب بألحان تلهي وتطرب، في مثله يعود الزمان كله صبا، وتجري الحياة على الأمل والمنى، وأنا - أبقاكم الله - فيها بحال من طاب غذاؤه، وحسن استمراؤه، وصحا من جنون العقار، واستراح من مضض الخمار، وزايلته وساوسه، وخاصت من الخباط هواجسه، لا أبيت بليلة
[ ٥ / ٢٨٢ ]
الشئس، ولا أقوم كالذي يتخبطه الشيطان من المس، بل أنام ملء جفوني نوم مسرور، وأنتبه إذا انتبهت غير مذعور، فلتبعد بعدها الخمر، ما بقى الدهر، فقد طلقتها ثلاثا، وتركت الأسباب بيني وبينها رثاثا، ولله الحمد على أن خلص من حبائلها، ونجى من غوائلها، وسلى من حيث كان يتوقع الكرب، ولقى المحبوب من حيث كان يخشى المكروه والخطب. وأنتم سادتي أخلاء النبيذ، برئت منكم كما برئ المسيح من اليهود، فهنيئا لكم تنفس أنفاسها، وتعاطي أكواسها، فلست أزاحمكم عليها بمنكب، ولا أوافقكم فيها على مذهب، فاطلبوا لحثها الألحان، واخلعوا فيها العذر والأرسان، وتعروا من ثياب الوقار، واركبوا رءوسكم في هتك الأستار، وموتوا سكرا، ولا تعصوا لشاربها أمرا، واتخذوا الحسن في دينها نبيا، واعتقدوه إماما مرضيا، وقولوا عيش الخلاعة عيش رقيق، ولذة النفوس صبوح وغبوق، فليس لقولكم رد، ولا في غير رأيكم رشد، ولا أقصى الله إلا من تعسف، ولا أبعد إلا من لام وعنف.
وكأني بكم -[أبقاكم الله]- إذا قرأتم أحرفي هذه تستذكرون عليها عهدي، وتشربون منها كاسا في ودي، وتقولون: سنفث في العقد، ونصرفه عن ذلك المعتقد، فلا تعتقدوا ذلك ولا تتوهموا أن تكيدوني بكيد، ولو تأيدتم عليه بأشد أيد، فقد استدفعت برب الناس
[ ٥ / ٢٨٣ ]
غامض شركم، وتعوذت برب الفلق من [٧٦ أ] نافث عقدكم، والله ولي الكفاية بفضله.
شاركتكم يا سادتي -[أعزكم الله]- نعمة الله المتجددة قبلي، وأعلمكم بمبلغ سروري وجذلي، فإن كنتم قد خصكم منه - جل وعز - بمثلها عرفتموني [بها] لنتساوى في الشكر، وإن كنتم على الحال التي تركتكم عليها من البطالة، والتمادي في الضلالة، فأعفوني من جواب بصفتها، فلست أتطلع إلى معرفتها، [وأنتم أولياؤنا إن شاء الله] .
فراجعه أبو الفضل بن حسداي برقعة قال في صدرها: يا سيدنا الذي ألزمنا بامتنانه الشكر، وكبيرنا الذي علمنا ببيانه السحر، وعميدنا الذي عقدنا بجرمه وانحل، ورمانا بدائه وانسل، أبقاك الله لتوبة نصوح تمرها، ويمين غموس تبرها؛ وردنا - أبقاك الله - كتابك الذي أنفذته من معرسك بوادي الزيتون، ووقفنا على ما لقيت في أوصافه من حجة المفتون، وإعجابك بالتفات شجره ودوحاته، واهتزازك لطيب بواكره ورحاته، ومرورك به وهو حو تلاعه، موردة صفاته
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وأجزاعه، وكل المشارب ما خلاه ذميم، وماؤه الدهر خصر والمياه حميم، وتلك عادة تلونك، وسجية تخصرمك، وشاكلة ملالك وسأمك، وأشعر الناس عندك من أنت في شعره، وأحب البلاد اليك ما أنت في عقره، فأين منك بساتين جلق وجنانه، ورياضه المونقة وخلجانه، وقبابه البيض في حدائقه الخضر، وجوه العطر في جنابه النضر، وما تضمه حيطانه، وتمجه نجاده وغيطانه، من أمهات الراح التي هجرتها بزعمك، ومواد الشمول التي طلقتها برغمك. وهيهات! فوالله ما فارقتك تلك الأجازع والمحاني، ولا شاقتك تلك المنازل والمغاني، إلا تذكرا لما لدينا من طيب المعاهد، وحنينا إلى ما عندنا من جميل المشاهد، وأين من المشتاق عنقاء مغرب.
وأما ما وصفته من صحة استمرارك، ونفوذ غذائك، وإفاقتك من جنون العقار، واستراحتك من سقم الخمار، وخلوص تلك الهواجس [من اختلاط الراس، فاعلم أن الغي ما أنت فيه منذ اليوم، والوسواس ما سمعت به أسماع القوم، وقد أدانا صادق القياس، إلى علم سبب ذلك الوسواس] فإنك تعرضت للسموم غير ملثم، وبرزت
[ ٥ / ٢٨٥ ]
إلى الهجير غير معمم، فأنت عملس أسفار، وجريت مهامه وقفار، فتخلل الخام اللجج، وتقطع البلغم اللزج، وتصاعدت أبخرة البدن إلى أعلاه، فقذف بذلك المحال الذي أملاه.
وقد بلغنا نفضت مكامن الثغر الأعلى، وسربت إلى بلاد العدو في من سرى، وشهدت الخيل يوم طرادها، وباشرت الحرب غداة جلادها، مختالا بين الصفين على شقراء تردي منك بنسيج وحده، وتجيء [٧٦ ب] بك معتجزا في برده، فقد كتب عليك حكم القتل والقتال، وعلينا توسيع الجيوب وجر الأذيال، فهذا هو الرأي الذي سول لك أن تدعي التوبة ولا تستدعي الكاس، وتستدعي النوبة وتستعدي الناس، وتري أنك تنسك وتتقرأ، وتنخلع من المجون وتتبرأ، فالسلام عليك يا أيها الناسك المتصوف، والمتبل المتقشف، الذي أقصر لما أبصر، وفضل نور الحقيقة، على نور الحديقة، فقطع العلائق، وهجر الخلائق؛ فأنت ممن تقول، ما لا تدركه الألباب والعقول: أخذ مني أنا، فبقيت
[ ٥ / ٢٨٦ ]
بلا أنا، فبوجهك يستقى الغمام، وببركة دعائك تستشفى الآلام، فإنك الرجل الزاهد، والمرابط المجاهد، وما تخفى عليك لطائف الزهد ورقائقه، ووجوه النسك وطرائقه.
ولكن هات حدثنا حين لم ترض بالراح إلفا، وطلقتها ألفا، ما سببك في سبك لها، وهي صافية طاهرة، وغضك منها وهي طيبة عاطرة، وكلوحك في وجهها وهي طلقة ناضرة -! وما لك جواب غير قول أبي نواس:
لا تسم المدام إن لمت فيها فتشين اسمها المليح بفكيا
وأما إشارتك في أن نشربها على ودك، ونتذكر عليها طيب عهدك، فلا ولا كرامة ولا نعمى عين، فهي أجل وأكرم من أن نبذلها في ود من جفاها وقلاها، ونديرها على حمد من ذمها وهجاها، وأما قولك: " لا يسري فيك غامض شرنا، ولا يحل عقدك لطيف سحرنا " فإنك ترقق عن صبوح، وتشيع السرى وأنت مصبح، وتسر الحسو وأنت
[ ٥ / ٢٨٧ ]
مرتغ، وترى الزهد وأنت طالب مبتغ، فاعلم أنا سنجمع شرنا المبين، ونتظاهر عليك أجمعين، ونجلب من الجن كتائب وجرائد، ونصرف من المكر غدعا ومكايد، في بقائك على نسكك مستمرا، ودوامك على توبتك مصرا، فعسى أتنعم وتقر عينا بنضوح كبدك، والتياع حشاك، وتشاهد مشارع الراح ولا ترد، وتباشر مناهل المدام وتنشد:
أرى بعد ورد الماء للقلب لوعة اليك على أني من الماء ناقع
وإنا لنوقن أن هذا الأمل بعيد لا نبلغه، ونعيم لذيذ لو نسوغه، فما تزال يحل أيمانك من نفسك حنث، لا يقاومه سحر ولا نفث، ونعم، سنأدبك إلى مآدب أنسنا، [ونندبك] إلى محاضر لهونا، فما نتم إلا بك، ولا نلذ إلا باقترابك، وأي شيء ألذ وأمتع من أن نتعاطى [٧٧ أ] الكرات والنخب، ونبعث من مكانه الارتياح والطرب، ونصد الكاس عنك وأنت في مجراها، ونحلق بها عليك وأنت لا تراها، ولا تعلل منها بنسيم، ولا تنفح لك من رياها بشميم، حتى إذا دبت فينا حميا الخمر، وقهوتنا سورة السكر، تمايلنا عليك معربدين، وتمسحنا بأثوابك راكعين ساجدين،
كما شبرق الولدان ثوب المقدس *
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وأما [صفة] حالتنا التي سألت عليها، فسنزيدك جنونا بالحديث عنها: اعلم أننا قيد التهاء وارتياح، ورهن اغتباق واصطباح، تصرعنا القهوة، فنتداوى منها بها، ونتدرع النشوة، فلا نعرى من إهابها، فنخرج من سكرة إلى سكرة، ونعبر من غمرة في غمرة:
[سدى عده لا يعرف اليوم باسمه ونعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا]
وكتبنا إليك -[أصلحك الله]- بأنامل يمتطيها القلم فترعش، وتحتويها الكاس فتستقل وتنتعش؛ أطلعنا عليك من حالنا غائظا فتلقه بالكظم، وأوصلنا إليك من خفض عيشنا منكرا فادفعه بالصبر والحلم، وسترد فتعلم، وتلقى خلاف ما تظن وتتوهم، والله يمتعنا بمقدمك، ويؤنسنا بلقائك، وينفعنا بصلاحك وبركة دعائك.
وذكرت ببعض فصول هذه الرسالة أبياتا كتب بها ذو الوزارتين أبو محمد بن هود إلى الوزير أبي محمد بن عبدون في ترك الشراب، أولها:
الخمر يا سادتي حرام *
فراجعه الوزير أبو محمد بهذه الأبيات:
يا سيدا في حباه رضوى أستغفر الله بل شمام
[ ٥ / ٢٨٩ ]
في زمن الورد يا أخاه تجفى ولم تذنب المدام
إذا ألمت ذوبا وجمدا تنفر عنها ولا النعام
ودار دنيا الورى عروس معشوقة ريقها المدام
إني لأدرى الورى بقوم أنت لهم سيدي إمام
شامت يد النسك منك سيفا لكنه مثلها كهام
فعد إلى الضرب يا حساما عن مثله يعجز الحسام
وله من أخرى: وصلت رقعتك - أعزك الله - تستدعي المؤانسة من توالي هذا المطر الموحش للأنفس اللبيبة، المضيق للصدور الرحيبة، فاستغرقت فضلك في تذكر من ينسى، وصلة من يجفى، واستدناء من يقصى، ويحق أن يستغرب وفاء الصديق، في زمان الغدر والمذوق، غير أن رغبتك صادفتني ولي من الكتب جلساء تؤنس في الوحدة، وتسلي من الكربة، وتجلو صدأ الخواطر، وتفتح عيون البصائر، وتحلو للمجتني ثمارها، ويتمتع ناظر المتأمل نوارها، ثم إن من أغرب فوائدها أنها تستدنيك إن نأيت، وتستعطفك إن وليت، وأغرب من ذلك [٧٧ ب] أنك تحمد عقباها، ولا تتوقع أذاها، وقد رضيت
[ ٥ / ٢٩٠ ]
اليوم بها قسما، وإن أفاتتني من السرور برؤيتك غنما، ولك أنت أحفل الشكر، فيما تلطفت به من البر، فختر إخوانا يجاوروني في الذم والمديح، ويساعدوني على الحسن والقبيح، وحسبي أنا منها ما تتذاكرون من عهدي، وتتعاطون من ألاكواس والنخب في ودي.
وله من أخرى: من الأعاجيب - أعزك الله - مكاتبة مجهول لا يعرف له أسم، ومراسلة غفل لم يصح له وسم، ولكنك أصبحت غريب العليا، وزعيم بني الدنيا، فحسن لنا أن نذهب مذهب الإغراب، في ما نبغيه لديك من الطلاب، ونبدأ بعرض الآمال، من غير أن نتدرج في مدارج الاتصال، ذهابا في ذلك عن العادة، مع من خرقها في السيادة، حتى جل في المجد والعلاء، عن الأشباه والقرناء، فينشد فيه وفي:
غربت خلائقه وأغرب آمل فيه فأبدع مغرب في مغرب
وله من أخرى: لولا أن التعمل في بعض الأحوال، ضرب من الإزراء والإخلال، لاحتفلت، إلا أنه قد يكون في بعض السر إعلان، وينبي عن في الصحيفة عنوان، وبذلك أكتفي وأحيلك
[ ٥ / ٢٩١ ]
على نفسك النفيسة فهي تتصوره وتتخيله، ثم تصوره ببالك وتمثله. ووصل كتابك مشتملا من لطيف صلتك، وصافي برك وتكرمتك، على ما أشعر النفس اعتزازا، وكسا الأعطاف اهتزازا، وتلا ذلك من ودادك واعتدادك، وجميل مذهبك واعتقادك، ما استغرق المنى، وزاد على الأمل فأوفى.
ومن أخرى: لم أزل مذ سمعت سور فضلك تتلى، ومحاسن شمائلك تجلى، وجميل فضلك يعاد ويبدا، وغريب مجدك يكرر وينشا، أهم بمكاتبتك، وأتشوق إلى مخاطبتك، وأتمنى أن لو فتح الله للصلة بابا، ومكن من الخلة أسبابا، وعوارض الاستحياء، تحول بيني وبين الابتداء، حتى جدد لي فلان من أوصافك ما لسان الزمان به أنطلق، وشواهد الفصل عليه أصدق، فلم أتمالك أن حللت عرى الانقباض عني، وتراميت إلى مفاتحتك بنفسي، وها أنا ذا قد أتيت إلى مودتك خاطبا، وفي صلتك راغبا، على ثقة بأنك - بما يجمعنا من التشاكل والتناسب، في جميع الأمور والمذاهب - تراني كفؤا لمل خطبت، وأهلا لما لرغبت. ولا غرو أن أقول بهذا استنهاضك إلى مشاركتي في الخطب [٧٨أ] الأخطر، والمهم الأكبر، دون أن أصل للاخاء حبالا، وأتدرج في تهذيب الصفاء حالا، حتى يتمكن الارتباط، ويتمهد الاغتباط، ويحسن السؤال والانبساط، ففضلك يقتضي أن ابتدئ
[ ٥ / ٢٩٢ ]
بالإدلال، وأتخطى تلك الرتب إلى الاسترسال، ليتم ما بيننا في الابتداء، ما لم يتم لغيرنا في الانتهاء.
وقد علمت ما دخل الشرق من الاختلال، واضطرب الأحول، وأن الحزم داع إلى التحول عنه والانتقال، وقد تأملت أي الجهات أنجى وأعضد، وعلى أي الملوك أعول وأعتمد، فلم تطب إلا على تلك الحضرة الرفيعة نفسي، إذ كان يجمع الدولتين نظام، ويضم الحالتين التئام، وكان المنتقل بينها إنما يتقلب في ظلال، ويتحول من يمين إلى شمال.
وله من أخرى بعد انتقاله: كتابي من قرطبة، وقد وردتها بحمد الله على رحب وسعة، وأخلدت منها سكون ودعة، وذهبت بحمد الله تلك الحيرة، وانجلت تلك الغمرة، واستقال الجد من عثاره، ولاح قمر السعد بعد سراره، وأعاذ الله من تلك الأحوال العائدة بمساءة الأولياء، الجالبة لشماتة الأعداء، لجمعها بين القلة والذلة، وخطة الخسف والعطلة، وأغنى حل جلاله عن تلك الدولة التي حملتنا على حال خمول، وصرفتنا على غير جميل، حصلت بالحضرة التي لا ينفق فيها بالمخارق، ولا تعطى الكوادن فيها حظوظ السوابق، وهذا هو المعهود منه تعالى في أن يديل من الضراء بالسراء، وينقل من الشدة إلى الرخاء، ومن اعتقد الخير غير دائم، ولم يحسب الشر ضربة لازم، فقد أراح نفسه من تعب الساخط على القضاء، والقانط من الفرج عند الانتهاء.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وأنت يا سيدي ممن يسر بما ذكرته، لأنك الولي الذي ل مرض بوده، ولا استحالة لعهده، ولا يوحشك ما سلف من عتب عليك، ومنفرة لك، وانقباض عنك، فمن ضن بالخلة نافس في الصلة، وقد عفا الله عما مضى، إن حققت الآن ما ادعيت، ووفيت بما منيت، فإنك عاهدت أن تستدرك من صلة المكاتبة على تنائي الأقطار، ما ضيعت منها مع تجاور الديار، وقد آن لك أن تزور كعبة الكرم، وتهاجر إلى مطمح الآمال [والهمم]، وأن تلقى ملكا ليس كالملوك التي لقيت، ولا أحسبك ترى مثله ما بقيت، فبادر تغم، ولا تتأخر تندم.
[وله] من أخرى [في مثله]: كتبت وقد أدال الله من تلك الديار الموحشة بضدها، وأراح من [٧٨ ب] مواطن الهون بفقدها، ونقل بفضله إلى حيث البر الباهر، والانعام غامر، والفضل في النقص آمر، والنبل على الجهل ظاهر، نعم: وحيث المجد شامخ البناء، والشرف عادي الانتماء، والسلطان رائع الرواء، والملك متناه في البهاء، وحيث [بحور] الكرم زاخرة، وسماء المجد ماطرة، إلى غير ذلك يطول عدة، ويعجز البيان حده.
وله من أخرى: أتراك ممن تغير، وفي جملة من تنكر، فنحتاج إلى استئلافك، ونأخذ في استلطافك -! أنا أكفيك مؤنة الجواب، في هذا الباب، وأخصم نفسي عنك، وأقيم الحجة عليها لك، فأجعل عذرك في الأشغال، ولا أنسبك إلى التغافل والإهمال، وأقول: بعيد
[ ٥ / ٢٩٤ ]
على الدهر أن يؤثر في ودك، أو يحل رباطا من عقدك، ولكني أقول مع هذا: واصل فقد أغببت، واعتذر بما أذنبت، وهات يا سيدي أخبارك التي هي أشهى إلى نفسي من عصر الصبا، وأندى على كبدي من نسيم الصبا، وجدد بك وبها عهدي فقد عفا منه رسم، ولاح عليه للقدم وسم.
وفي فصل: وعرفني بم تقطع دهرك، وعلى أي شيء تنفق عمرك، ونص على ما تجده عندك من العجائب، واستفدته بعدي من الغرائب، ولا تكتمني شيئا وابسطه المسهب، واشرح جميعه شرح المستوعب، تمح بذلك إساءة الإغباب، وتزل عني دواعي الاكتئاب.
وله من أخرى: وقفت على كتاب من لدنك قد اشتمل على كل بر وحفاية، وإشفاق [ورثاية]، وتسلية تذهل عن سوء الحال، وتعد على الأيام بضمان إقبال، فذهب مستودعه بغمة النفس، وأدال من الوحشة بالأنس، وغلب الرجال على اليأس، وظلت حشاشة الهمة تتراجع، وخفضة الأمل تترافع، حتى كاد هذا يستقيل من عثار، وتلك تنثر بعد إقبار، وليس هذا بأول انطباق أعتم فطلعت له من تأنيسك مصابيح، ولا بأول غلق استبهم فتداركته من ألطافك مفاتيح، بل هي لبيض أياديك شوافع، ولسوالف مشاركتك توال وتوابع.
وله من أخرى: ولو رأيت فلانا وادعاءه، وزعمه أن الله اتخذه
[ ٥ / ٢٩٥ ]
صفيا، وآتاه الحكم صبيا، فأفرده بجوامع الكلم، وجمع له ما افترق في الأمم، أن حصل في مجلس ملك أعلاه، وعقد بالجهل حباه، ثم قال قول علي ﵁ [٧٩ أ] وأرضاه: سلوني قبل أن تفقدوني، ولن تعدم مع هذا مطريا بالصواب، وقائلا: هذه الحكمة وفصل الخطاب، فاعجب يا سيدي لأمم، ضحكت من جهلها الأمم، وغلطت في ما لا تغلط فيه النعم، إلى أن نفقت عندها المحالات والأهذار، وبطلت بسببها القيم والأقدار، ولكن إن وقع الأمل سقط التعجب لأنه للقوم مثل، وللحال وفق وشكل:
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
وفي فصل من أخرى: ورد كتابك فنور ما كان بالإغباب داجيا، [وحسن عنك مشافعا ومناجيا]، واسترد إلى الخلة بهاءها، وأجرى في صفحة الصلة ماءها، وعند شدة الظماء، يعذب الماء، وبعد مشقة السهر يطيب الاعفاء؛ ولا تعد [بعد] إلى هذا فيكفي ما يجنيه علينا حادث البين، حتى يزيده بقطع الأثر بعد العين. ورأيت ما وعدت به من الزيارة فسرني سرورا بعث من أطرابي، وحسن لي دين التصابي، فلم أتمالك أن استرسلت إلى المزاج، وتجليت في يد الارتياح، حتى كأنما أدار علي المدام مديرها، وجاوب المثاني والمثالث زيرها، ولعل الأيام تفعل
[ ٥ / ٢٩٦ ]
ذلك فقد تحسن في بعض الأوقات الصنيع، وتشعب الشمل الصديع، ولا تسأل عن حال استطلعتها فهي شر ما عهدت: من صبح لاح من خلال ذؤابتي، وتنفس في ليل لمتي، فأراني مصارع [آمالي]، وكشف لي عن اسوداد المطالب، وأيأسني من قضاء المآرب، وعرفتني من مبادي العيش ما زهد في العواقب.
وله من أخرى: آيات مجدك ظاهرة، وأقمار سؤددك باهرة، والعيون إليها ناظرة، والهمم منها غائرة، وخطا الأيام عن نيلها قاصرة، وأقدام المساعي في مداها عاثرة، ولله عصر سبب فتح باب مخاطبتك، وزمن خلع علي حلة مواصلتك، ووهبي جميل العارفة بك.
وفي فصل [له] من أخرى: ورد كتابك فرفع مغضوض نواظري، وحرك سكون خواطري، وأقام عاثر همتي، وأعاد علي ذاهب منتي، ولما فضضته وجدته قد تضمن من تفضلك وتكرمك، وعرض من اهتبالك وتهممك، ما ينقطع جري القلم في مدى شكره، ويضيق ذرع البيان عن توفية نشره. وما ذكرته من صفاء الود، والوفاء بالعهد، فكل ذلك مصور في نفسي قبل أن تشير إليه، ومحيط به علمي
[ ٥ / ٢٩٧ ]
من غير أن تنبه عليه، لأنا كل في جزءين، وجوهر تظاهر في شخصين، فشملنا جميع وإن تصدع، وشعبنا واحد وإن تنوع.
وفي فصل من أخرى: رأيت ما ذكرته من استقرارك في ذلك المحل الرفيع، واغتباطك بذلك الجناب [٧٩ ب] المريع، عند صاحب المظالم، ونظام أشتات المكارم، الذي أعاد آثار الفضل معالم مشهورة، وأخبار الكرم مشاهد محضورة، أعاذ الله مجده من أعين العلوية، لا من أعين البشرية، وجعل له خاتمة إنعامه، التراخي في مدة أيامه، فحسبك إلى ما أجريت، ولا مزيد حيث انتهيت، فاشدد على التعلق به يدا، فلست تلقى بعده أحدا.
حل تلك الفقرة المتقدمة من قول المعري حيث يقول:
أعاذ مجدك عبد الله خالقه من أعين الشهب لا من أعين البشر
وله من أخرى: إذا أسيت لفراقك فإن في الباكين حولي تسليا، أو جزعت من رحلتك فإن في المصابين معي تعزيا، فما ارتحلت إلا عن من ودع بوادعك دينه ودنياه، وفارق بفراقك سروه ومحياه، لإحاطة العلم أن قد استوت بعدك الأقدام، وطمست من العلوم الأعلام، ثم تقضي لي مزية الاصطفاء والتقريب، بوفور الحظ منك والنصيب، فقد كان لي من أخلاقك الكريمة في الاختصاص، ومذاهبك الحميدة في
[ ٥ / ٢٩٨ ]
الاستخلاص، ما يحول الآن بيني وبين التماسك، ويحمل نفسي على التهالك.
ومن أخرى: وظننت أني أول مخصوص بالمكاتبة، ومعتمد بالمخاطبة، فإذا أنا المنسي، وسواي المرعي، وغيري يعطاها ولا يسأل، وأنا أطلبها فأصرف بالخيبة وأخجل، وكلما رأيتها تفرق يمنة ويسرة، تقطعت نفسي عليها حسرة، فلولا العنوانات لادعيت فيها، واختطفتها من أكف آخذيها، لخجلي بين من كان يتوهم أني مختص بك وأثير عنك.
وأراني فلان كتابك إليه، فوقفت عليه، وفي صدره وصف خبرك، ولعله ما استهداه، ولا سألك إياه، وفي عجزه حثك له ولأشباهه على الرحيل، فيا ليتني كنت في جملة ذلك الرعيل، وقد تواتر النبأ من بر من أيده الله لك بأشياء تنكر إلا من مثله، وتستغرب إلا من فعله، والله يبقيك جمالا للدنيا، ونورا في فلك العليا، ولولاه ما رجت الهمم بشرا، ولا عرف الكرم إلا خبرا.
وفي فصل من أخرى: يا ليت شعري كيف أتغير على بعضي وأمنحه قطيعتي وبغضي، وما أظن إلا أنك داخل في جملة ومن يحب فيتجنى
[ ٥ / ٢٩٩ ]
ويعشق فيتجافى، بدليل أني كلما بسطتك تنقبض، أو أبرمت منك حبلا ينتقض.
وله من أخرى:
ترحلت عنكم لي أمامي نظرة وعشر وعشر نحوكم من ورائيا [٨٠ أ]
ولكنها نظرة من خلال عبرة، والتفاته إثر زفرة، والصبابة تفعل بالنفس أفعالها، وتشرب من المدامع أوشالها، والقلب من جزع يضطرب ويخفق، ويطفو في أشواقه ويغرق، وكلما خطت المطي باعا، خفت على كبدي انصداعا، وما كنت ممن يكلف ويشفق، ولكن من أبصر ما أبصرت فبالضرورة يعشق فبالضرورة يعشق؛ ويا شوقاه! ويا حر قلباه! من لي بالشعب أن يلتئم، وبذلك الشمل أن ينتظم، كانتظامه في مشاهد جمعت أشتات الأنس، واحتفلت من منى النفس، وتناولت الراح من يد القمر والشمس، بين بساتين نشرت عليها تستر ألويتها، وأهدت إليها صنعاء أوشيتها، وذوب اللجين يطرد من خلالها، وأدواح الزبرجد تغشاه بظلالها، وقيان الطير راقية في أغصانها، متجاوبة بضروب ألحانها، ونحن نوفي كل مكان منها طيبا، ونشاهد منظرا عجيبا، ولا ندع أن نعرس في كل مغنى، وندير الكاس على كل معنى، ولا مثل يوم
[ ٥ / ٣٠٠ ]
الدير وصبوح وصلناه، والنواقيس حولنا تضرب، ونحن نطوف بالصليب ونلعب، وذلك المزنر يسقي ونشرب، ومغنينا يغني ونطرب،
وقد عقدوه بزناره فديت الغزال ومن زنره
وعسى الأيام أن تجدد بتلك المعاهد عهدي، فأشفي بنسيمها وجدي، وأضع في برد ثراها خدي، فقد تلين في الأحيان منها معاطف، ويكون لها في الندرة عوارف. وكان غرضي أن أسكن بالمكاتبة من لوعتي، وأتعلل باستهداء الأخبار في وحشتي، لولا ما كنت بسبيله من سقم، لم تتمكن يدي معه من إمساك قلم، وهاهنا سر تصيخ إليه، وتطلع عليه، وعيشك ما كان جل ما بي إلا من أجل العين والباء، فبرح إن شئت بالخفاء، واستر إن شئت على مثلي من الأولياء؛ لكني لما آنست راحة من شكاتي، تطلعت إلى تناول الحميا على علاتي، وحضرت بين يدي سلاف ذكرتني برشف ذلك اللعس، ونرجس عارضني بطيب ذلك النفس، فنشطت للكتاب قليلا، وسامح الدهر وإن كان كليلا، فهات - جعلت فداك - جدد مننك عندي، بوصف صور الأحوال بعدي، وأخبرني عن القمرين إذا اعتما بذلك السبج، ولحظا من ذلك الدعج، وعارضا في العوارض
[ ٥ / ٣٠١ ]
تلك الصوالج [المنمنة]، وأبدينا من المباسم تلك اللآلي المنظمة، ومال بغصنيهما الدلال، وألبسهما حلاهما الجمال، كيف يروعان النفوس إذا طلعا، وكيف يفعلان بالقلوب [٨٠ ب] إذا افترقا واجتمعا، واذهب في الوصف مع الاسترسال، ولا تجر إلى التعمل والاحتفال، وزدني من حديثك يا سعد، وإن زدتني جنونا بعد، ولا تقل أنا مقسم البال مشغول، وفيما استفهمت عنه كلام طويل.
وله من أخرى خاطب بها الوزير أبا محمد بن عبدون من سرقسطة، ونقلتها من خط يده: نعم قد حم ما توقعنا من بين، وصار أمرنا أثرا بعد عين، وصرنا عنكم في الطرف الأقصى، وشطت بنا غربة النوى، وتساوينا على عارض الفرقة والأسى، " فمتى تقول الدار تجمعنا " - وقد نثرتنا الأيام فكيف تنظمنا - هذا بعيد والذي بيده كل شيء يدنيه، ومتعذر وهو ﷻ ييسره ويسنيه، وعلى ذلك فأنا الآن بحال من بلغ أملا، واستساغ جذلا، ورضي بعض الرضى عن دهر صار للشمل جامعا، وقد كان اليأس منه واقعا، والحمد لله على نعمة جددها، ومنة أكدها، وهذه جملة موصولة منك يفصلها
[ ٥ / ٣٠٢ ]
ويشرحها، ويجلوها ويوضحها، فاني كتبت على عجل، وعلى غير مهل، وفي وقت لم أتمكن من بسط المقال، والجري فيه على عادة الاسترسال، فلا تجر بهذا ولا تقارض عنه، وتفرغ للجواب، وأطل في الخطاب، واشرح كل ما جرى بعدي من خبر، وتجدد من أثر، وحدث من عجب، ووقع من نادر ومستغرب.
وفي فصل من أخرى: وصلت التحفة المرغوبة، والملاطفة المحبوبة، فكانت أحلى موقعا، وأسنى موضعا، من التحف ذات القيم، و[الملاطفات] المعدودة أحلى القسم، وارتاحت إليها النفس، وحضر بها قبل وقته الأنس، وكادت تتمشى نحوها الكأس، وسأجدد لك بها ذكرى، وأشرب بها على ودك ملأى، وأديرها على الصحب، وأتساوى في قسمتها مع الشرب، فهذا من حق فضلها، وبعض ما لك في إهداء مثلها، لا زلت الملاطف المكرم، والمواصل المتهمم.
وله من أخرى: أوصافك لعطرة، ومكارمك المنتشرة، تنشط سامعها من غير توطئة، في اقتضاء ما عرض من أمنية، وللراح - جعلت فداك - من قلبي محل لا تصل إليه سلوة، ولا تعترض عليه
[ ٥ / ٣٠٣ ]
جفوة، إلا أن معينها قد جف [وقطينها قد خف]، فلا توجد للسباء، ولو بحشاشة الحوباء، فصلني منها بما يوازي قدري، ويقوم له شكري، فإن قدرك أرفع من أن تقضي حقه زاخرات البحار، ولو [٨١ أ] سالت بذوب النضار، لا بصافية العقار.
وله من أخرى في الاستدعاء: يا سيدي ومن أبقاه الله قشيبة أثواب عزه، محمية ساحات حرزه، يومنا يوم تجهم محياه، ودمعت عيناه، وبرقعت شمسه الغيوم، ونثرت صباه لؤلؤها المنظزم، وملأ الخافقين دخان دجنة، وطبق بساط الأرض هملان جفنه، فأعرضنا عنه إلى مجلس وجهه كالصباح المسفر، وجلبابه كالرداء المحبر، وحليه يشرق في ترائبه، ونده يتضوع من جوانبه، وطلائع أنواره تتمرمر، وكواكب أكواسه تزهر، وأبارقه تركع وتسجد، وأوتاره تنشد وتغرد، وبدوره تستحث أنجمها محيية، وتقبل أنملها مفدية، وسائر نغماتها، خذ وهاتها، وأقصى أملنا، ومنتهى جذلنا، أن تحث خطاك، حتى يلوح سناك، ونشتفي بمرآك.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وله من أخرى في مثله: طلع علينا هذا اليوم فكاد يمطر من الغضارة صحوه، ويعشى من الإنارة جوه، ويحيي الرميم اعتداله، ويصبي الحليم حسنه وجماله، فلفتنا زهرته، ونظمتنا بهجته، في روضة خلعت عليها السماء سبائبها، ونثرت علينا كواكبها، ووفد عليه النعمان بشقيقه، واحتل فيه الهند بخلوقه، وبكر إليه بابل برحيقه، فالجمال يشخص لحسنه طرفه، والنسيم يهز لأنفاسه عطفه، وتمنينا - أعزك الله - أن يتبلج صبحك من خلال فروجه، وتحل شمسك في منازل بروجه، فإن رأيت أن تطلع علينا الأنس بطلوعك، وتهدي الفرح بوقوعك، فلن تعدم نورا يحكي شمالك طيبا وبهجة، وراحا تخال خلالك صفاء ورقة، وألحانا تثير أشجان الصب، وتبعث أطراب القلب، وندامى ترتاح لهم الشمول، وتتعطر بأرجهم القبول، ويحسد الضحى عليهم الأصيل، ويقصر بمجالستهم الليل الطويل.
وله من رقعة: ورد كتابك مشتملا على أنفس كلام راق في نظامه، وأحسن زهر تطلع من كمامه، فأبتهج النفس برائع البيان، وملك الطرف بباهر الحسن والإحسان، لا عدمتك تهدي نوادر وفوائد، ومعجزا في مصادر وموارد، ويعلم الله استيحائي من بعدك، وإشفاقي من فقدك، ولكن هذه الأيام لا تسمح بمرغوب، ولا تجري إلى إثبات
[ ٥ / ٣٠٥ ]
ناقص
[ ٥ / ٣٠٦ ]
ناقص
[ ٥ / ٣٠٧ ]
مخاطبة، ومن أين تجد سبيلا إلى ذلك وزمانك كله مقسم في أشغال، ومرتب على أحوال، تنام بالضحى مثقلا من السكر، وتتململ على فراشك إلى الظهر، حتى يتكرر رسول فلان [٨٢أ] فيوقظك من المنام، ويحركك إلى القيام، ثم تركب وتجد المائدة موضوعة، والأيدي لإبطائك مرفوعة، فتدنو من الطعام بكسل، وأنت شاك من بقايا خمار أو ثمل، وتخدش من الخبز بظفرك، وتأكل شيئا لطيفا على قدرك، ثم تستلقي وتتمدد، وتتثاءب وتتوسد، وتستحضر جنانك فتسأله عن الجنة منى سقاها، والروضة إن كان رواها، والأزهار هل تحفظ بها وجناها، وبينا أنت في ذلك يستأذن عليك وكيلك في ضياع الانزال، فتأذن له في الخول، ثم تستفهمه متى أقبل، وأي شيء عمل، وكم جمع، وما زرع، وتعلل بهذه العلل والأخبار، حتى تنقضي بقية النهار، ثم تتنشط لتستدفع شرب الماء، في ود أحد الرؤساء، وتقيم من بعد دست الأنس، حتى تعود في مثل ذلك الأمس، فمتى تتفرغ مع هذا للصديق، وكيف تتمكن من قضاء حقوق -! وأيضا فإن السياسة تقتضي أن تعرض عن ذكر مثلي، وتلعن وقتا وصلت به حبلي، لاسيما وقد دهيت من جهتي، وكاد السلطان يجفوك من أجل خلطتي، أنت لعمري في أوسع العذر، فاجر مع الدهر.
وله من أخرى: ولئن كانت الأيام تنسيك، فالأماني تدنيك، ولئن
[ ٥ / ٣٠٨ ]
كنت محجوبا عن الناظر، فإنك مصور في الخواطر، أناجيك بلسان الضمير، وأعاطيك سلاف السرور، وأداعبك مداعبة الحضور، وأجاذبك فضول اللعب، وأبلغ معك إلى حد الطرب، حتى أسكن شوقي إليك، وأقضي وطري منك، وأنت في كل حال لا تشعر، وذاهل لا تذكر، ولا تقطع زمانك إلا بحظيرة حولك تصنعها، وخيمة ترفعها، فإذا تم لك هذا اللهو، تداخلك الزهو، وشمخ بأنفك البأو، وخلت أنك متوج على سرير، أو رب خورنق وسدير، فمتى نلتقي على حال، ويتفق مذهبنا في وصال -! هذا لعمري بعيد، اللهم ان كان من الدهر حلم، واكتهال السن نوم، ونجوم الشيب قد طلعت من الغدائر، وعمايات الصبا قد انجلت عن البصائر، فتذكر من الود ما أذكر، وتفكر في النأي كما أفكر، وتحن إلى تلاق، وتبرد غليل اشتياق.
وله فصول من رسائل، في العنايات والوسائل
فصل من رقعة: معرفتك بتقلب الأيام بذوي الفضل، وحكمها [فيهم] بغير السوية والعدل، تغني عن عرض ذلك عليك، وتقريره لديك. وفلان ممن عرفت حاله في الثروة والمنعة، ورتبته في الجاه والرفعة، لكن أساءت إليه بعد الإحسان، وامتحنته [٨٢ ب] بأنواع من الامتحان، حتى ذهبت بجميع وفره، واضطرته إلى بني دهره؛ وقصدك مستجيرا من عثرته، ومثلك إلى مشاركته، وحض على إسلاف البر إليه، ورغب في وضع الصنائع لديه.
[ ٥ / ٣٠٩ ]
وفي فصل من أخرى: للصنائع - أعزك الله - عوائد من الحمد، تطيل بناء المجد، ومثلك انتهى في إسلافها منتهى الجاهد، ونافس فيها بالطارف والتالد؛ والأديب أبو فلان ممن تزكو لديه، ويتظاهر جمالها عليه، بما له من المحاسن التي تؤلف منثور المفاخر، وتنظم أشتات المآثر، ثم بالأدب الذي يمتع بالاجتناء زهره، والفهم الذي يتطاير عند الاقتداح شرره، إلى ما يرجع إليه من عفة طعمته، وعلو همته، وتحل بأجمل المذاهب، وتتنزه عن دني المكاسب، وأنت بسروك ترى صلة مثله ذماما، ووضع العارفة عنده اغتناما.
وفي فصل من أخرى في مثله: مكاتبتك - أعزك الله - في البر بمن يرد، والمكارمة لمن يطرأ عليك ويفد، كمن يستمطر السحاب وقد أخضلته، ويستعجل الرياح وقد استقبلته، ولكنها سنن وعوائد، تفعل وإن لم تستجلب بها زوائد وفوائد؛ وفلان ممن علمت فضله وأصالته، ويقظته وجزالته، ولطفه وحلاوته، وما الظفر بقربه إلا فرصة تغتنم، ولا المشاركة لأمثاله إلا فضيلة تلتزم، لأنه بالشكر رحب الذراع، وفي بسط الثناء طويل الباع، وحسبي أن أشير وأنت تكتفي بالإيماء، فتوفي في مكارمته على الأمل والرجاء.
وفي فصل من أخرى: حيث الكلأ يرتع، وأمكنة الخصب تنتجع
[ ٥ / ٣١٠ ]
والنفس إلى من أحسن اليها أنزع، والأمل في من وصل أطمع؛ وقد كان فلان قصد تلك الحضرة - دام جمالها بك - فأوسعت مطالبه قضاء، وكنت له قليبا ورشاء، حتى انصرف بفوائد وفرها اهتبالك، وأثمرها جاهك ومالك. وكما انتجع بعدها مراعي أذكرته السعدان، أو ورد موارد أصدرته غير ريان، ولما أضل الكرم رجع إلى حيث ينشد، وعاود من يعتقد، والعود أحمد، وأنا أرغب أن يكون له في فضلك معاد، ومن طولك ازدياد.
وفي فصل من أخرى: أعاذ الله عمادي من المحن والنوائب، ولا أعدمه إسداء المنن والمواهب، فقد عقد الله على الخير سريرتك، وصحح في ابتغاء الأجر بصيرتك، فما تدعى إلى حسنة إلا وأنت سابق اليها، وموف [٨٣ أ] بسعدك عليها. وموصل كتابي رجل من الثغر ووجوه الأطراف، امتحنته الأيام في النعم، أوان الشيخ والهرم، وابتلته بذل الأسر، وطول الشقاء في دار الكفر، وبحسب حاله في الثروة، ومكانه من النجدة، اشتط عليه، وأخذ منه في الفداء جميع ما في يديه، وارتهن أولاده في بقايا بقيت عليه، وأنت بفضلك تحملها في مالك، ولا يضيق عنها حالك، حتى تفوز وحدك بأجرها، ولا يسهم لغيرك في ذخرها، وتنفرد بجمال الذكر في خبره، وتتلافى ما اختل من أمره
[ ٥ / ٣١١ ]
فهو ممن يقوم الأعداد، في مواطن الجهاد، ومواقف الجلاد، والله على ذلك مؤيدك، وهو بمنه مسددك.
وله فصل من أخرى: توهم الشيخ - أبي، شاكرك - أن الأدب شيء يشرف حامله، ويكسب الجاه ناقله، فأراد أن يستعين على ما رغب، وليس عنده أنه مع الخطوب خطب، ومع الزمان على منتحليه ألب، ولا في عمله أن الأيام لا تمكنني من دفع مضرة عن ذراي، فكيف عن جلب منفعة لسواي، ولا في حسابه أن من كانت سعوده موليه، ونحوسه مستعلية، فبعض خاذليه في النصرة اليد، وأول مسلميه عند الحاجة العضد، وقد سمع - أعزك الله - أن لي نصيبا من ودك، فألح علي في قصدك، لأرغب له وأسأل، وقد عزمت أن أفعل، لكن رأيت الرقعة بالسؤال أسمح، والقلم في الرغبة أفصح وأنجح، فلذلك جعلت الخطاب عوضا، وتركت من القصد مفترضا.
وله من أخرى: غير ذاهب عنك - أيدك الله - ما في جبلة الإنسان، من الحنين إلى الأوطان، وأنه لا يفارقها في أكثر الأحيان، إلا باضطرار، ولا يخرج عنها إلا غير مختار، ومهما طال اغترابه، وكثر في البلاد اضطرابه، ولها عنه باسعاد من الزمان، وتسلى بضروب من السلوان، فلا بد للنفوس من اشتياق إليها وتولع، ونزوع نحوها وتطلع، وقد أشار إلى العلة في ذلك المتقدمون والمحدثون، وأوضحها بعد المولدون، وعبروا عنها بغير ما عبارة حتى اتضح وضوح النهار معناها، وانتهت منها الأقوال
[ ٥ / ٣١٢ ]
منتهاها، واستوي في معرفة سرها وخبرها، واستغني باستهارها عن ذكرها؛ وإحاطة علمك بحال الوزير الكاتب أبي فلان من بدئها إلى انتهائها، يغني لك عن ذكرها وإجرائها، ولما دخل إلى بيضته التي منها خرج، ووكنه [٨٣ ب] الذي منه درج، تذكر حال أولاده فجذبته إليه جواذبها، وغلبته على رأيه غوالبها، ولم يتماسك أن حن إلى العودة لمغناه، فحسنت له ما اعتزمه ورآه، ولم أر بأسا في تحوله من ناحيتك إلى ناحيتي، فليس بمفارق حضرتك من ينتقل إلى جهتي، ولا ينفصل من جملتك من يحصل في جملتي، لأنه لا فرق بين الحالتين، ولا تباين بين الجهتين.
وفي فصل من أخرى: لئن كان مولاي أعلى الملوك مكانا، وأعظمهم شانا، وأكثرهم إنعاما وامتناعا، وأعلمهم ببواطن السرائر، وأفطنهم لهواجس الخواطر، وأسبقهم إلى العطاء دون أن يسأل، وأسمعهم بالمأمول قبل أن يؤمل، فإن عادة العبيد من الموالي أن يستزيدوا وإن غمر إحسان، وأن يذكروا وإن لم يكن نسيان، ليقف موقفه المؤمل، ويزداد رغبة في تطوله المتطول؛ فإن كنت قد وصلت من عزته الرفيعة إلى داري؛ وحصلت منها في موضع استقراري، ونلت من تقريبه فوق قدري ومقداري، فأنا الآن بمنزلة ضيف وبودي ألا أكونه، بل كنت أشتهي أن أرى نفسي بمنزلة من ألقى العصا، وأمن روعة النوى، وخيم مستوطنا، واتخذ سكنى وسكنا، وصار من دنياه في أمل، وقلب الطرف بين خيل وخول، ولا والله ما يختلج ببالي غير ذلك كله، ولا
[ ٥ / ٣١٣ ]
استبطأت من طول مولاي وفضله، ولكن ليس للمرء من عمل، في قوله ﷿ ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ (الأنبياء: ٣٧) ولئن تسرعت وعجلت، فعلى فضل أتاه مولاي عجلت، وعليه عولت واتكلت، ولولا ثقتي بالرأي الجميل، والمعتقد الكريم النبيل، لوقفت عند قدري، وما تعديت طوري، حتى يكون هو - أيده الله - السابق إلى ما يغني عن إنشاده:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب * *
ومثلك من كان الوسيط فؤاده فكلمه عني ولم أتكلم ومن رسائله في التعازي
فصل له من رقعة: من أي الثنايا - أيدك الله - طلعت علي النوائب، وأي حمى رتعت فيه المصائب، فواها لحشاشة الفضل أرصدها الردى غوائله، وبقية الكرم جر عليها الدهر كلاكله، وواحسرتا للجة المواهب كيف سجرت، ولشمس المعالي كيف كورت، ويا لهفا على هضبة الحلم كيف زلزلت، وحدة الذكاء والفهم كيف [٨٤ أ] فللت، فإنا لله [وإنا إليه راجعون] أخذا بوصاياه، وتسليما لأقداره وقضاياه.
[ ٥ / ٣١٤ ]
ومدحه ابن خيرون بشعر قال فيه:
لا تكثري لوم المحب وما به يكفيه من مضض الهوى وعذابه
يقول فيه:
بأبي المطرف روضة الأدب الذي أضحى به فردا بغير مشابه
إن قلت قس فهو أفصح منطقا أو قلت سحبان فقد أزرى به
أو قلت صابئ دهره أو دغفل أخطأت، ما جاءا بمثل خطابه
يا غرة الزمن البهيم وماجدا ما إن يوازى في علو نصابه
لو أنصف الزمن الخؤون ذوي العلا كنت الوحيد الفرد من كتابه
لكنه يحبو اللئيم بأريه ويجود للحر الكريم بصابه
يرد الوضيع من البرية ماءه صفوا، ويخدع ذا النهى بسرابه
خذه إليك أبا المطرف واغتفر زللي فديت فلست من أترابه
فأجابه أبو المطرف بشعر قال فيه:
يا معربا في كل معنى سؤدد نظم العلا فأجاد في إعرابه
نفسي فداؤك من خليل واصل أهدى إلينا الدر من آدابه
لله ذاك الطبع هم بمنطق فغدا الشرود مذللا لخطابه
صواغ أنواع البديع فما الرضي ومن الوليد ومن أبو خطابه
علقت يميني منك علق مضنة شدت أناملها على أسبابه
وسللت منك على الزمان مهندا يفري فرى الخطمي حد ذبابه
[ ٥ / ٣١٥ ]
وكسوتني من حر شعرك ملبسا قد كان غير عواتقي أولى به
فأجبت عنه على الروي وربما كنت المقصر في اعتراض جوابه
أسدل علي بستر فضلك واصلا فالشعر مما لا أطوف ببابه
وأبو المطرف القائل في غلام وسيم رأى بيده عصفورا:
يا حامل الطائر الغريد يعشقه تهنا العصافير ان فازت بقرباكا
تمسي وتصبح مشغوفا بعجمتها في غفلة عن دم أجرته عيناكا
إذا رأتك تغنت كلها طربا حتى كأن طيور الجو تهواكا
يا ليتني الطير في كفيك مطمعه وشربه حين يظما من ثناياكا
وله من رقعة خاطب بها الوزير الكاتب أبا محمد بن عبد البر: لما أصبحت - أعزك الله - في صناعة البلاغة إماما، ولأشتات الفضائل نظاما، لم تتهمم في وداد تدعيه، واعتلاق تبتغيه، من سمت به إليك همم، أو تقدمت له فيها قدم، لأنك المنتهى الذي إليه يجرى، وتبتغى لديه الزلفى، ويتوصل به إلى العليا، وأنا ممن يتشيع فيك تشرعا، ويحبك طبعا لا تطبعا، واستنزل في الجمع بك الأقدار، وأستخدم في التعلق بأسنانك الليل والنهار، لتلحقه بالعتاق السوابق، وتلقي عليه شعاعك فيشرق في المغارب والمشارق. ولما سنى الأمل لالقاء، واتصلت النفس بذلك الفضل والعلاء، جاشت بالحمد الخواطر، وهاجت بأسرارها الضمائر، لتستكشف من الثناء، تحقق النفس بالولاء، وتكون على ثقة
[ ٥ / ٣١٦ ]
بالمسامحة والاغضاء، فلست بالشعر آنسا، ولا بمعاناة النظم والنثر متلابسا، وإنما أنطقتني بما قلته الود، وأملى علي ما كتبته المجد.
ثم ختم رقعته هذه بأبيات يقول فيها:
قد كنت ذا حنق على الدهر الذي ما زال يسخطني صباح مسائي
حتى لقيت أبا محمد الرضى فأدال ذاك السخط بالارضاء
طلق الجبين وفيه فضل مهابة يغضي لها ذو المقلة الشوساء
حلم لو أن الدهر حمل بعضه لشكت عواتقه من الإعياء
وإذا تناولت الرقاع بنانه أنستك طرز الوشي في صنعاء
وزرت على ورد الخدود وفوقها لام العذار على انعطاف الراء
تقضي بأن سنا البلاغة لم يلح من قبلهن لأعين البلغاء
وله إذا شاء النظام غرائب لا تدعيها فطنة الشعراء
برئت من التعقيد في تأليفها فأتتك أملس من زلال الماء
أفراد حمد حازما متفرد وهي في الورى مقسومة الأجزاء
ما كنت بالمداح غيرك واصلا لو كانت الشعرى عليه جزائي [٨٥ أ]
ولأنت أوصل من رعى أسبابها فبنى لمهديها سماء علاء
فصل في ذكر الأديب أبي الربيع سليمان بن مهران السرقسطي
من شعراء الثغر، كان، في ذلك العصر، وله شعر كثير، وإحسان
[ ٥ / ٣١٧ ]
مشهور، وعلى لفظه ديباجة رائقة، غير أنه لم يمر بي من شعره عند نقلي هذا المجموع إلا أبيات سمعت القوالين يتداولونها لعذوبتها وسلاستها، وتتعلق بذيلها حكاية وجدتها في بعض تعاليق الفقيه أبي محمد علي بن حزم الشافعي بخطه عن محمد بن الحسن المذحجي المعروف بتبن الكتاني المتطبب؛ قال ابن الكتاني: شهدت يوما مجلس العلجة بنت شانجه ملك البشكنس، زوج الطاغية شانجه بن غرسيه بن فرذلند - بدد الله شيعتهم - لبعض ترددنا عن ثغرها إليه في الفتنة، وفي المجلس عدة قينات مسلمات من اللواتي وهبهن له سليمان بن الحكم - المتقدم ذكره صدر هذا الديوان - أيام إمارته بقرطبة، فأومأت العلجة إلى جارية منهن فأخذت العود وغنت بهذه الأبيات:
خليلي ما للريح تأتي كأنما يخالطها عند الهبوب خلوق
أم الريح جاءت من بلاد أحبتي فأحسبها ريح الحبيب تسوق
سقى الله أرضا حلها الاغيد الذي لتذكاره بين الضلوع حريق
أصار فؤادي فرقتين فعنده فريق وعندي للسياق فريق
فأحسنت وجودت، وعلى رأس العلجة جاريات من القوامات أسيرات كأنهن فلقات قمر، فما هو إلا أن سمعت إحداهن الشعر فأرسلت عينيها [كأنهما] مزادتان، فرققت لها وقلت: ما أبكلك - قالت: هذا الشعر لأبي، وسمعته فهيج شجوي، فقلت لها: يا أمة الله، ومن أبوك - قالت:
[ ٥ / ٣١٨ ]
سليمان بن مهران السرقسطي، ولي في هذا الإسار مدة، ولم أسمع لأهلي بعد خبرا.
قال ابن الكتاني: فما جزعت على شيء جزعي عليها يومئذ.
قال أبو الحسن [ابن بسام]: هكذا وجدت خبر هذه الأبيات بخط الفقيه أبي محمد المذكور، ولم يخبر [ابن الكتاني] انه امتعض لفك أسر تلك الجارية هنالك، ولا وفقه الله لشيء من ذلك، وكان [٨٥ ب] تركه لها في الأسر، مع ما أطلعته عليه من الأمر، مما يوقد الضلوع، ويسكب الدموع.
وأخبرني أيضا بهذه الأبيات الفقيه أبو بكر بن العربي قال: أخبرني الحميدي عن الفقيه أبي محمد بن حزم، قال: أنشدني محمد بن الحسن المذحجي قال: أنشدني الأديب سليمان بن مهران في مجلس الوزير أبي الأصبغ عيسى ابن سعيد وزير المظفر بن أبي عامر، وأنشد الاربع الأبيات المتقدمة.
وكان محمد بن الكتاني المتطبب فرد أوانه، وباقعة زمانه، منفقا لسوق قيانه، يعلمهن الكتاب والإعراب، وغير ذلك من فنون الآداب
[ ٥ / ٣١٩ ]
وكان متحيلا كثير الترقيح والاستعمال، لضروب من الكذوب [وزور المقال]، فربما أنشأ عدة رسائل فينحلها القيان، ويبيعهن بأغلى الأثمان، وقد ذكرنا في أخبار ابن رزين أنه باع منه قينة بثلاثة آلاف دينار، حسبما حكاه أبو مروان [ابن حيان] .
ولابن الكتاني فصل من رقعة يصف فيها تعليمه القيان، يقول فيه: فأنا منبه الحجارة، فضلا عن أهل الفدامة والجهالة، واعتبر ذلك بأن في ملكي الآن أربع روميات كن بالأمس جاهلات، وهن الآن عالمات حكيمات منطقيات فلسفيات هندسيات موسيقاويات أسطرلابيات معدلات نجوميات نحويات عروضيات أديبات خطاطيات، تدل على ذلك لمن جهلهن الدواوين الكبار التي ظهرت بخطوطهن في معاني القرآن وغريبه وغير ذلك من فنونه، وعلوم العرب من الأنواء والأعاريض والأنحاء، وكتب المنطق والهندسة وسائر أنواع الفلسفة، وهن يتعاطين إعراب كل ما ينسخنه ويضبطنه فهما لمعانيه ولكثرة تكرارهن فيه، وفي هذا أعظم الشهود أني واحد عصري ونسيج وحدي، وأني أفنيت الزمان تجربة، والدهر تبصره، فاعرف - أعزك الله - قدري، ووفني قسطي، ولا تطمع أن تظفر بعالم مثلي، أو متفرغ فضولي شبهي، ولو طفت الآفاق، وساءت الرفاق، ومشيتا العراق، من زقاق إلى زقاق.
وأنشدت لابن مهران من شعر كتب به إلى بعض كتاب الثغر من جملة أبيات:
[ ٥ / ٣٢٠ ]
لا تنسني من سحتك المكسوب واجعل نصيبك منه مثل نصيبي
واذا اغترى بك في القيامة أهله فبمثل ما أوليتني تغيري بي [٨٦أ]
وهي الذنوب، وبالغ في لؤمه أقصى النهاية باخل بذنوب
قال أبو الحسن [ابن بسام]: وحدثني من أثقه عن الفقيه أبي الحسين عبيد الله بن منينه الشنتمري قال: دخل بعض شعراء العصر على ابن ست الجيش، وكان جد ابن منبه لأمه - وقد تقدم ذكره والخبر عن مقتله في أخبار القاضي ابن عباد - فأنشده هذه الأبيات.
وإخبار ابن منبه بهذه الحكاية عن جده [مادحا له]، على ما فيها من قبح الاحدوثة وشناعة الذكر، ليثبت أن ذلك الخائن البائر، المتعسف الجائر، كان جده، ويعرب عن شرفه، ويدل على نباهة سلفه. وشبيه بهذا [الخبر] ما حكي عن أبي العباس المبرد أنه صنع هذه الأبيات ليثبت نسبه في ثمالة، [وهي]:
سألنا عن ثمالة كل حي فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم فقالوا زدتنا بهم جهاله
وقال لي المبرد خل عني فقومي معشر فيهم نذاله
[ ٥ / ٣٢١ ]
فصل في ذكر الأديب الأستاذ النحوي أبي عبد الله بن خلصة الضرير
وكان أحد العلماء بالكلام، وله حظ من النثر والنظام، ولكنه بالأئمة العلماء، أشبه منه بالكتاب والشعراء، وقد مرت بي له أشعار يشير بها إلى البديع، ويذهب إلى التصنيع، وقد أوردت منها جملة تليق بالديوان، وتنبه على موضع قائلها من الاحسان.
فصول من كلامه في أوصاف شتى
فصل له من رقعة عن إقبال الدولة إلى المعتصم: كتبت - أدام الله إعزازك، وصان ارتياحك للمحامد واهتزازك - بعد قفول من قفل عنك، وحلول من صدر بما شرح الصدور من لدنك، والحال شاملة الصلاح، فائزة القداح، جارية على الاختيار والاقتراح، ومما ضرح القذاة من شربي، واستنزح الأذاة عن سربي، وزورى روعة روعي، وروى بماء الثقة عودي، حتى رسخت في أرضها أصولي ورفت فروعي، ما حلاك به من عميم الفضائل، وكريم الشمائل، فأقر صحة ما بلاه منك في فؤادي، وأشربه ذاتي. فوحياتك التي بها حياة الكرم، لقد أسمعوا
[ ٥ / ٣٢٢ ]
من لطائف البر، وأودعوا من غرائب الثناء [٨٦ ب] الحر، ونشروا من كرم الخلال، مع ركانة الوقار ومهابة الحال، وإعظام الجليس، والتزام التواضع والتأنيس، بعد توفية الرياسة حقها، وتقضية السيادة أجل واجباتها وأدقها، جعل الله الآمال طاعتها والأيام رقها، ثم استوصفتهم التذاذا بطيب أنبائك، صورة مجلسك مع وزرائك وأحبائك، فأوردوا من ذلك ما هو أشهى من السعادة، وأحلى من الحياة المعادة، وأسبى للنفوس من مراض الحدق، وأجلى للشكوك من غرة الفلق، فطارت بي هزة الشوق كل مطير، وأصارتني غرة الفرح بين روضة غناء ووداد مطير، وقلت: الحمد لله، قد وفقت أمري، وقام عند العواذل عذري، وسطع شهاب حجتي بأن خلعت عليه نفسي، وأودعت يديه مهجتي.
وفي فصل منها:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده فكلمه عني ولم أتكلم
* *
والحق أبلج قد هديت إلى الصراط المستقيم
ووثقت أني لم أبوئ حرمتي إلا حريمي
[ ٥ / ٣٢٣ ]
ما ضاع حق كريمة هديت إلى كفؤ كريم
يا كاسب الحمد الحديث ووارث المجد القديم
قاسمتك النفس [النفيسة] واختصصتك بالصميم
أي بر - أعزك الله - يعارض به برك، وقد عرض في المكارم برك وبحرك، أم أي فعال توازي فعالك، وقد ودت النيرات أن تكون نعالك، أم أي شكر يكون كفاء أياديك، وقد تمنت الأيام أن لها ألسنا تطريك، و[أن لها] أنفسا تفاديك، أم أي عرف يكون جزاء عرفك، وقد فغم الخافقين ريا عرفك. لهنك الخير الذي لا يضاهى ولا يباهى، والحر الذي لا يبارى، والجواد الذي لا يجارى، والمصيب الذي لا يناضل، والحسيب الذي لا يكارم ولا يفاضل، والملك الذي لا تجانس صفاته، ولا تجاذب أواخي أسبابه، ولا تحاذى أواذي عبابه:
مليك إذا الهى الملوك على اللهى خمار وخمر هاجر الدل والدنا
ولم تنسه الأوتار أوتار قينة إذا ما دعاه السيف لم يثنه المثنى
وهوب ولكن لا تعد هباته بموحد إن عد الهبات ولا مثنى
أشم إذا وازنت يوما بحلمه شماما ورضوى لم تجد لهما وزنا
ولا للمنى إلا بساحة جنى ولا للغنى إلا براحته معنى
ولو جاد بالدنيا وعاد بمثلها لظن من استصغارها أنه ضنا [٨٧ أ]
[ ٥ / ٣٢٤ ]
ولا عيب في إنعامه غير أنه إذا من لم يتبع مواهبه منا
وأنى تساميه الملوك وإنما وجدنا الورى لفظا ومعناهم معنا
تقيل من آبائه الغر سادة قيولا فبذ البحر واحتقر المزنا
وفي فصل من أخرى: كتابي عن ود لا يكدر صفو موارده، وعهد لا يفنى بحكم معاقده، ونفس ترتاح لذكراك، وتتمثل مع الساعات مرآك، وحق لمن أرعيته الخصب من روض إخائك، وسقيته العذب من مشرع وفائك، أن يفصح في بث محاسنك لسانه، وينفسح في نشر فضائلك ميدانه، ويفوز في وصف فضائلك بيانه، وينظم لفخرك على أجياد شكرك عقودا، ويحوك لمجدك وسنائك [من تقريظك وثنائك] برودا، يوشيها بذكرك الخطير، ويطرزها بالترفيع لك والتوقير، والله تعالى يحرس بحراستك فواصل الخلال، ويبقي ببقائك محاسن الآثار والأفعال، بعزته.
وله من أخرى: كتابي كتاب مبتدي الحمد، مستهدي الود، ضابط على ذؤابة الإخاء، رابط بافتتاح مكاتبتك أسباب التكرم منك والوفاء، لا طالبا فضل الابتداء عليك، ولا مستزيدا على التوسل بمباراتك إليك، إلا هوادة طبيعة، وودادة شريعة، يبعثها في ذات الله مراد، لها من الفؤاد مراد، وسرائر، أحكمت عقد الإخلاص منها مرائر، صان الله بإدامة حياتك، وحسن الدفاع عن ذاتك، الفضل الذي إليك منزعه ومفزعه، ولديك مستقره ومستودعه.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وإلى ذلك - أطال الله بقائك - فموصله فلان، وافاني هذا العام راغبا في مذكراتي بما أشاركه فيه، ومحاضرتي في المجلس الذي ألتزمه وأنتديه، وعلمت ان قد ثقلت في حركته مؤونته، فلزمتني معونته، وأن قد هاجر إلي وطنه، فأجررته فيما شاء مني رسنه، وأرحبت عطنه، وهو مع ذلك لا ينساك ولا يتناساك، ماء وده عذب، ولسانه بالثناء عليك رطب، وعلم الله أني ما أخبرت إلا بما اخترت، ولا شهدت إلا بما عهدت، ولو إلى سوى ذلك أشار، لما أعطيته مني القول والايثار، فان أحب واش أن يغير الحال، فأقام مقام المستقيم المحال، فالموثوق به منك الاخذ بالفضل الذي ضفا عليك رداؤه، ونجم عليك سناه وسناؤه، وأنا الكفيل برده إلى المجلس الذي [٨٧ ب] أنشأه وأنماه، وكشف غيابه غماه، وأخلق بسبب رجائي ألا يهن، ويجفن أملي منك ألا يسن.
وهذه أيضا جملة من شعره في أوصاف شتى
له من قصيدة أولها:
فض لي بجودك فالغمام ضنين وف بالأمانة فالزمان خؤون
بردت ظلالك والظلال سمائم وصفت مياهك والمياه أجون
[ ٥ / ٣٢٦ ]
شيم إذا دعت المديح أجابها سلس العنان وانه لحرون
ونقيبة تسرو النقاب عن الهوى وترد ركن الكفر وهو ركون
نشر النجاح بها الجناح ونفر الطير الأشائم طائر ميمون
وقف الرجاء بذي الرجاء عليكم وبدا لكم سر العلا المكنون
فعلام أهزل والكثيب مروض وعلام أظما والقليب معين
تلوى لباناتي وتحرم حرمتي وهوى بدر هواكم ملبون
ويعز أمر عصابة منسية عرفت بفضلة جاهنا ونهون
يا مالكا حسدت عليه زمانه أمم خلت من قبله وقرون
ماريت صرف الدهر وهو ألندد ومريت خلف الحرب وهي زبون
مالي أرى الآمال بيضا وضحا ووجوده آمال حوالك جون
والعدل خيم منك إلا أنه جدي العثور وحظي المغبون
أنا آمن فرق وراج يائس ورو صد ومسرح مسجون
ومراقب وعدا وجدت جداه أن أغذى بما يغذى به الكمون
لا تعدني أنواء يمنك لا عداك النصر والتأييد والتمكين
وله [من أخرى أيضا]:
أبى، فأقصر عنان اللوم أو أطل ياما ألحك من ذي منطق خطل
ألقى عذاب الهوى عذبا فآلفه فما أصيخ إلى عذل ولا عذل
كلمني لشوقي أصلى حر لوعته وإن بليت بما ألقى فلا تبل
[ ٥ / ٣٢٧ ]
ول الملاحة من أحببت أول أدل لا ناقتي في الهوى جمل ولا جملي
واقن الحياء فقلبي آنفا أنف من أن يجاور حب فيه حب علي [٨٨ أ]
لم تدر من قبله عين ولا بصرت بالبدر والبحر والرئبال في رجل
[ومنها]:
خدمتكم ليكون الدهر من خدمي فما أحالته عن حالاته حيلي
إن لم تكن بكم حالي مبدلة فما انتفاعي بعلم الحال والبدل
وله من قصيدة في الوزير الكاتب أبي محمد بن عبد البر، أولها:
أطع أمر من تهواه من عز قد بزا كفى بالهوى ذلا وبالحسن معتزا
تعبدني حبا وتيمني هوى فياما أذل العاشقين وما أخزى
إلى كم أمني النفس وهي نفيسة أماني لا وجها تريني ولا عجزا
بأرض بها الالف الموازي بزعمه إذا غبت عن عينيه يلمزني لمزا
يرى عين تبجيلي ووجه تحيتي ملاحظتي غمزا وتكلمتي رمزا
كما اجتلبت في البدء للوصل همزة فإن وجدوا عنها غنى أسقطوا الهمزا
وفي النفس هم ما يزال يؤزني إلى الكاتب الميمون طائره أزا
فمن مبلغ الأحباب أن ركائبي قطعن الفلا وخدا وجبن الملا جمزا
وهاجرت الروض الانيق نباته لروض علاء ينبت المجد والعزا
فصيح متى ينطق تدع كل لفظة فؤادك متبولا ولبك مبتزا
ولما لحاني الدهر لحو العصا ولم أجد من بينه غير من زادني وخزا
جعلت لي حصنا ونبهت مقولا جرازا حدادا لا كهاما ولا كزا
[ ٥ / ٣٢٨ ]
ولم تقتصد منك القصيدة نائلا كثير لها أن تستجاز ولا تجزى
ليمتع بك الله الأماني والمنى ولا تفجع الآداب فيك ولا ترزا
وله من قصيدة في أبيه يرثيه:
يا ضريحا حوى عظاما عظاما لخيل أمسيت منه خليلا
أعياء دواليت داء عياء ومحالا سألت رسما محيلا
إن عهدي وإن بليت جديد كلما طال زاد شوقي طولا
كدت أقضي عليك نحبي نحيبا وأرى ذاك في رضاك قليلا [٨٨ ب]
وأحل الثرى حلولك فيه بدلا منك لو أكون بديلا
ومن أخرى في [أم] معز الدولة:
بم، والرزء بالخليل جليل يتأسى ويوسى العليل
جلل دق فيه كل جليل وتساوى التكثير والتقليل
أي عرش للمجد ثل، وغرب فل، والدهر من شباه فليل
أيها اللحد هل علمت بما استو دعت، كلا إن الجماد جهول
ووريت فيك رحمة وغياث وحجى نابل وقدر نبيل
أنس الشيمة الكريمة إن الدار وحش والمكث طويل
إن تلقاك روح ربك والرضوان والله بالجميل كفيل
فبما طبت والزمان خبيث وبما جدت والغمام بخيل
وتسلست والمياه أجون وتروضت والبلاد محول
يا أبا عامر عزاء جميلا فاليكم يعزى العزاء الجميل
[ ٥ / ٣٢٩ ]
كلنا صائر إلى الله حتما واستراح العذول والمعذول
وقصارى بين القصور قبور ويهب الصبا بها والقبول
سنة الله في العباد وما في سنة الله للورى تبديل
حكمه الفصل ليس عنه انفصال وهو العدل ليس عنه عدول
عدم ذا الورى وانتم وجود وهراء وأنتم المعقول
وإذا كشف الحقائق فكر شهدت لي بما أقول العقول
وخاطبه الحصري بأبيات منها:
وفينا لهم وخانوا كذا الناس والزمان
لحوني على غرامي وقالوا الهوى هوان
وما ضر ان يقولوا صبا في الهوى فلان
لحا الله كل خل لحا في هوى يصان
وأبقى الأديب فردا لملك به يزان
فديناك من أديب عليهم له امتنان [٨٩ أ]
أسيف بفيك يقضي على الدهر أم لسان
كذا تنتج المعالي كذا يسحر البيان
وفي كل حاجة لي على جاهك الضمان
فأجابه ابن خلصة:
أفق فالهوى هوان لعهد الصبا أوان
إذا ما انطوى شباب طوت ودك الحسان
لعمري وإن عمري لما ليس يستهان
أيا صادقا هواه إذا المدعون مانوا
[ ٥ / ٣٣٠ ]
فلم يحو ما حواه زمان ولا مكان
ولم يفر ما فراه حسام ولا سنان
إذا سل مرهفات من المنطق البيان
تبينت أن أمضى من الصارم اللسان
فعش للورى مليا ففي عيشك ازديان
ولا زال لليالي بابقائك امتنان
فصل في ذكر الأديب أبي مروان بن غصن الحجاري وإيراد طرف من خبره، وحميد أثره.
وكان اقتبس من أنواع العلوم [والآداب] ما صار به في عالم عصره علما، وفي الكمال عالما، وكان كما قرأته في فصل وصفه به أبو محمد ابن عبد البر في رقعة خاطب بها المعتضد، قال فيها: أياديك - أيدك الله - قد طبقت، ومساعيك قد أنارت وأشرقت، فكل أفق بها بهج، وكل قطر منها متضرع أرج، وكل همة بها موكلة، وكل نفس اليها منجذبة مسترسلة، فان أحس امرؤ من نفسه قوة جنان، وفضل بيان، وتصرف لسان، فأقصى غرضه أن يحلي بيانه بمآثرك، ويفتق لسانه بمفاخرك، ويطرز ملاءة نظمه ونثره باسمك الأعذب، ويشرف مطرف قريضه
[ ٥ / ٣٣١ ]
بذكرك العطر الاطيب، ويتشرف بالدخول إليك، ويتمجد بالمثول بين يديك، ليحظى منك بالتتجويز، ويصح له دعوى السبق والتبريز، وإن ممن استولى على الامد الذي وصفته، وحوى فصب السبق فيما ذكرته، الأديب الكامل أبو مروان بن غصن الحجازي، وهو كما علمت ممن لا يجارى في ميدان، ولا يطاول بعنان، إن نظم فبيان مرصوص، وإن نثر فلآلئ وفصوص؛ انتهى كلام ابن عبد البر.
قال أبو الحسن [ابن بسام]: ونكبه المأمون بن ذي النون وله فيه " رسالة السجن والمسجون، والحزن والمحزون " أودعها قصائد مطولات، ومقطوعات أبيات، ورسالة أخرى سماها ب " العشر كلمات ". وهو القائل في سجنه، وكتب بها إلى أخيه: [٨٩ ب]
أأروى وبين ضلوعي حريق وأشجى وإنسان عيني غريق
وفي كل يوم وفي كل حين يحملني الدهر ما لا أطيق
تهيم الخطوب بوصلي فما لهن إلى غير قلبي طريق
أيا واحدي وشقيقي ويا فريقا يبكيه مني فريق
أخوك أخو نكبات لها يرق العدو فكيف الصديق
[ ٥ / ٣٣٢ ]
كسدت ونظمي در نفيس وضعت ونثري مسك فتيق
ورأيي شهاب أجلى العمى به وحديثي روض أنيق
وما أظلم الجهل في معشر وفي أفقهم من علومي شريق
ولو جاثليق تخولته بموعظة آمن الجاثليق
ومنها:
وطيف صديق كريم له بنفسي وإن بان عني لصوق
سرى واهتدى لي ومن دونه جدار معلى وباب وثيق
فشيعه من دموعي انسكاب وودعه من فؤادي خفوق
وفارق ذا سقم لا يبين لولا الزفير ولولا الشهيق
ومن شعره فيه:
يحيى المليك الذي به حييت نفسي وفازت بكل ما اشتهت
لو حسبت في الورى مواهبه لم يخل حسابها من الغلت
[ومنها]:
قد استرد الشباب خلعته ونبهتني الخطوب من سنة
لولا أنيني على فراشي لم يبد خيالي لعين ملتفت
ولو أتتني المنون تطلبني ما علمت موضعي ولا رأت
وأودع رسالته تلك ألف بيت، فقال فيها:
وألف بيت من القريض إذا مات جميع الأنام لم تمت
لو أن شعر الورى ينظم في عقد لكانت بموضع السطة
[ ٥ / ٣٣٣ ]
سائرة حيث لم يسر قمر ولا سرت أنجم ولا جرت
وللمتنبي في هذا المعنى:
ولي فيك ما لم يقل قائل وما لم يسر قمر حيث سارا [٩٠ أ]
وعندي لك الشرد السائرات لا يختصصن من الأرض دارا
فإني إذا سرن من مقولي وثبن الجبال وخضن البحارا
وهذا أحسن ما قيل في سيرورة الشعر، وأبلغ منه قول علي بن الجهم:
فسار مسير الشمس في كل بلدة وهب هبوب الريح في البر والبحر
ولابن شماخ الغافقي في جملة قصيدة في المعتمد بن عباد:
ان لم تسر هذه الغراء سائرة منيرة بين أنجاد وأغوار
فليست الريح في الدنيا بسائرة وليست الشمس فيها ذات أنوار
وقال ابن غصن الحجازي:
قد ألحف الغيم بانسكابه والتحف الجو في سحابه
وقام داعي السرور يدعو حي على الدن وانتهابه
وتاه فيه النديم مما يزدحم الناس عند بابه
وقال أيضا:
يا فتية حرة فدتهم من حادثات الزمان نفسي
شربهم الخمر في سكون ونطقهم عندها بهمس
أما ترون الشتاء يلقي في الأرض بسطا من الدمقس
[ ٥ / ٣٣٤ ]
مقطب عابس ينادي: يوم سرور ويوم أنس
وقال:
يوم تبدى لنا بصحو والجو صافي الهوا جلي
طاب رحيلي به إلى ان كدر من صفوه العشي
كأنما حالتاه ود جاراك فيه طليطلي
وقال:
يا صوب غادية الربيع الممطر بارد بسببك رسم دار مقفر
ميدان أفراس الصبا والملاعب ال آرام والروض الأنيق الأزهار
واقذف بسلك الغيث في ساحاته واكسب أليه عليه وانثر
حتى ترى الغيطان زاهرة الربى تنبيك عن عهد الزمان الأزهر
وترى الأقاح كأنه فم شادن غنج تبسم عن لقيط الجوهر
وشقائق النعمان مثل الغيد وال طل الندي كدمعة في محجر
لولا خفارتها وحالك شعرها قلنا سبايا من بنات الأصفر
وقال:
والفي فيك النجوم لرعيها فدريها خلي وبدر الدجى إلفي
كأن سماء الله نطع زبرجد وقد نثرت فيه الدنانير للصرف [٩٠ ب]
وهو القائل [أيضا]:
فديتك لا تخف مني سلوا إذا ما غير الشعر الصغارا
[ ٥ / ٣٣٥ ]
أهيم بدن خمر صار خلا واهوى لحية كانت عذارا صل في ذكر الأديب أبي علي ادريس بن اليماني العبدري اليابسي
ويابسة من الجزائر الشرقية على سمت مدينة دانية من الأندلس. وأخبرت أن أصله من قسطلة الغرب، من عمل شنت مرية ابن هارون، وبدانية قرأ، وبها نشأ، ومنها انبعث انبعاث السيل، وأدرك إدراك الليل، حتى تضاءلت له الهضاب عن قدره وصار [شعره] سمر النادي، وتعلة الحادي، وتمثل الحاضر والبادي؛ وطفق يتردد على ملوك الطوائف بالأندلس تردد الكاس على الشراب، ويجرب في أهوائهم جري الماء في الغصن الرطب، وكان كلما قال قصيدة لم يضرب عليها حجابا، ولا ضمانها كتابا، حتى يأخذ بها مائة دينار، وقد سأله عباد في بعض رحله إليه، على كثرة بوائقه، وشكاسة خلائقه، [أن] يمدحه بقصيدة يعارض بها قصيدته السينية التي مدح بها ال حمود فقال له: إشارتي مفهومة، وبنات صدري كريمة
[ ٥ / ٣٣٦ ]
فمن أراد أن ينكح بكرها، فقد عرف مهرها.
وقد أخرجت من أشعاره، ما يشهد بسمو مقداره، ويعرب عن غرائب أخباره.
جملة من شعره في أوصاف شتى مختلفة
في النسيب وما يناسبه
[قال]:
قبلة كانت على دهش أذهبت ما بي من العطش
ولها في القلب منزلة لو عدتها النفس لم تعش
طرقتي والدجى لبست خلعا من جلدة الحنش
وكأن النجم حين بدا درهم في كف مرتعش
وحدث ميمون بن يوسف بن دري قال: اعتمدني أبو علي ادريس ابن اليماني، فجاذبته في ذكر البديع من القول، فأنشدني هذه القطعة في صفة الثريا، فعمدت بعد إلى سبعة مثاقيل صحاحا فطبعت عليها، وكتبت معها:
وجه الثريا أن شيت تعرفه فاسلك من القول نحو موعبه [٩١أ]
نجمك في البعد ظل مشبهها وشبهها شبه ما بعثت به
[ ٥ / ٣٣٧ ]
ونظر إدريس إلى غلام [وسيم] بالحمام عليه أسمال فقال:
توشح بالظلماء وهو صباح فأمرضت الألباب وهي صحاح
وظل فؤادي طائرا عن جوانحي وليس له إلا الغرام جناح
قضيب صباح في وشاح دجنة ألا ليتني تحت الوشاح وشاح
ولا عجب أن أفسدتني جفونه فكل فساد في هواه صلاح
وقال:
علقته شادنا صغيرا وكنت لا أعشق الصغار
أعارني سقم ناظريه فاستشعرت نفسه حذارا
يسفر عن وجه مستنير يرد جنح الدجى نهارا
لم أر من ذاك ماء أضرم فيه الحياء نادرا
وذكرت بقوله " لا أعشق الصغار " شعرا لبعض أهل العصر استطرد فيه لهجوم السميسر استطرادا ظريفا فقال:
ان كنت تهوى مليحا فلا تقل بمعذر
واهو الصغار ففيهم على الحقيقة تعذر
دع الكبار لقوم دانوا بدين السميسر
ونصيب الاكبر القائل:
ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار
[ ٥ / ٣٣٨ ]
وما أعذب ما ذهب ابن غصن الحجازي بقوله:
فديتك لا تخف مني سلوا إذا ما غير الشعر الصغارا
أدين بدن خل كان خمرا وأهوى لحية كانت عذارا
وقال ادريس:
أقبلت تهتز كالغصن وتمشي كالحمامه
ظبية تحسد عينيها وخديها المدامه
وقال:
علق الهوى قبل الهواء علاقة ما زال في نزع بها ونزع
فكأنما سكن الهوى في قلبه من قبل سكنى القلب في الأضلاع
ومنها في صفة الخيل:
خيل يميد الدهر عند هبوبها ميد القضيب بعاصف زعزاع
فكأن خطفا من نتائج أعوج تنقض من فرسانها بسباع
وقال:
صفراء تهديها بنان صورت كهواك من غم ومن عناب
وغزال ستر بل غزالة كلة تثني عنان التعب بالاعتاب [٩١ ب]
أحبني مراشفها العذاب وفي الحشا حرق فأمزج رحمة بعذاب
[ ٥ / ٣٣٩ ]
ودخل إدريس بن اليماني على الموقف أبي الجيش فانشده:
ولرب ليل قد طرقت وهمتي أسري بها إذ ليس يسري كوكب
في معشر شحم الأنوف كأنهم سيدان رمل أو أسود درب
لبسوا دياجير الدجى إذ أسأدوا وتقنعوا بسنا الضحى إذ أوبوا
وسروا فمغرب كل أرض مشرق لهم ومشرق كل أرض مغرب
والفجر ملوي النقاب مبرقع والليل مسدول الرواق مطنب
وكأن باهرة الكواكب معشر قام الهلال بهم خطيبا يخطب
وكأن نور الصبح راية فارس حمراء يتبعها خميس أشهب
وكأن قرن الشمس وجه مجاهد لما أنار سناه كادت تغرب
وهو في كل ذلك يعبث في قليل شعر عارضته، استثقالا للعارفة، ونجلا بالجائزة، فلما أملقه الأمر، وأعوزه الصبر غمز حاجبه، فاختطف القرطاس من يده، وقال وقد سد خياشيمه: إن رائحة الشبين على شعرك، تعرضا له بيابسة، جزيرة في البحر كان منها، أكثر ثمرها الشبين، فخجل لمقامه، وتعثر في ذيل كلامه، فلما وثبت إليه نفسه، وراجعه حسه قال: أيها الأمير إن كنت أسأت في مدحك، فأحسن في منحك، أو قصرت في وصفك، فأطل في عرفك.
[ ٥ / ٣٤٠ ]
قال ابن بسام: وما أقبح هذا المنحى، وأبعد هذا المرمى، ولكن السجايا تجري على ما تيسرت له من المعتاد، وأين هو - قبح - من قول ابن عباد، وقد كتب إلي:
لكفي أهدى في نداها من القطا إلى مورد عذب على [ظمأ] برح
إذا أبطت الملاك غيري للثنا فاني وضاح الجبين إلى المدح
وكل امرئ يجني علي جريمة فاني أجازيه على الذنب بالصفح
ومن شعره في المديح وما يتشبث به من الأوصاف
له في المأمون بن ذي النون من قصيدة أولها:
تبين من سره ما اكتتم فلاح كنار بأعلى علم
يقول فيها: [٩٢ أ]
أما والهوى وهو أحلى قسم وإن بنت عنه بنفسي قسم
وما يجتلى من أقاح ضحوك يشب بماء الشباب الشبم
لقد شربت شرب نومي فلو شربت سلاف الهوى لم أنم
خدود غلائلها من شقيق وأيد أناملها من عنم
ظلمن قلوب الهوى مذ عدون يطرفن فوق شموس الظلم
ولما أقمن رماح القدود فدانت لهن رماح البهم
رفعن الهوى علما خافقا فكان فؤادي جناح العلم
يحم أبو كل شبلين بي ويلعب بي كل طرف أحم
لقيت الليالي في شوكها فبرح نحوي بصم الصمم
[ ٥ / ٣٤١ ]
ونبهت سوق الردى في العدا فقامت ولولا يدي لم تقم
فما راعني رائع غير لحظ سقيم يصح اذا ما سقم
ظننت الشباب يفي حين وافى فلم يك إلا خيالا ألم
تولى وشيكا ولم أجن منه سوى حلم أو شبيه الحلم
وما العيش إلا فواق اغتنام فمهما تفوقته فاغتنم
وفي شيم الناس ما في العيون ومن ذلك الناس شتى الشيم
وما زال يقفو زمان زمانا فإما بحمد وإما بذم
فقد سكنت عين دهمائه كما سكن الفعل جزما بلم
رعايا الملوك قطا البيد لكن رعية يحيى حمام الحرم
ملوك ولكنهم في الملوك كأمة أحمد بين الأمم
وطيب حتى رضاب الثغور فلا فم إلا وفيه شبم
وهذا البيت كقول محمد بن هانئ: [٩٢ ب]
قد طيب الأفواه طيب ثنائه فمن أجل ذا نجد الثغور عذابا
والبيت الذي قبله كقول ابن الرومي:
تلوح في دول الأيام دولتكم كأنها ملة الإسلام في الملل
وفيها يقول ادريس:
[ ٥ / ٣٤٢ ]
أرى العالم اعتدلت حاله فلا ما يعاب ولا ما يذم
وكان بحال انتقاص فتم ولكنه بابن ذي النون تم
همام له شيمة كالشمول تميت الهموم وتحيي الهمم
أبا الحسن الحسن المكتني بما هو نعت له لا جرم
تنست نعمته بالثناء ونشر الثناء نسيم النعم
يد تقع الهام تحت الحسام بها والأقاليم تحت القلم
كأن العيون ازدحاما عليه عطاش إلى مورد تزحم
وخذها تجر إلى حسنها " أتجر غانية أم تلم "
لو اعترضت بحبيب بن أوس طوى كل ما حاك في المعتصم
فيا كعبة الحسن وافاك عبد لطاعة سيده ملتزم
حججت وطفت أسابيع لكن تمام طوافي أن أستلم
وله من أخرى في إقبال الدولة بن مجاهد بدانية:
قد كنت لا أضحى إذا جئت الضحى حتى دفعت إلى القتير الضاحي
فانجاب عن أوضاحه ذاك الدجى ووردت بعد الغمر في الضحضاح
وصدرت عن حب الشباب وطالما غمست جناحي في غدير جناح
صاح الصباح بجانبي ليلي فلم آسف لليلي إذا محاه صباحي
لكن أسفت على طلى وترائب صفرت يدي من حليها الصياح
من كل ناعمة يجول وشاحها هيمان بين مهفهف ورداح [٩٣ أ]
[ ٥ / ٣٤٣ ]
ومنها:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغا حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت [أن] تطير بما حوت وكذا الجسوم تطير بالأرواح
ومنها:
بعلي بن مجاهد أوردته روض المديح وموسم المداح
ثهلان في عقد الحبا ولدى الوغى غصن يراح إلى نسيم رياح
فالبر بحر من مدائحه التي تربي على الطيار والسباح
بسياسة يقف الزمان إزاءها خضل الحياء ملازم الإسجاح
محفوفة بمكارم وصوارم تثني وتصرف غرب كل جماح
يا من يلحن كل خلق مدحه حتى الحمام على ذرى الأدواح
هشت لتسمعها بفضلك فاستمع سياحة بثنائك السياح
غررا كطالعة الكواكب موهنا طمحت إلى لقياك كل طماح
فأتتك جانحة إليك وإنما جنحت إلى مغنيطس الاجناح
فلكفك القدح المعلى في العلا وعلاك تحكم لي بفوز قداحي
ولئن بك استغنيت عن كل ففي ضوء الصباح غنى عن المصباح
وله من أخرى في ابن واجب:
وادي الأراك أطلت شكوى الشاكي بشيم كل بشامة وأراك
[ ٥ / ٣٤٤ ]
ويقول فيها في وصف الحمامة، وأجاد ما أراد وزاد:
ورقا مطوقة السواليف سندسا لم يحك صنعتها حكاية حاك
تشدو على خضر الغصون بألسن صبغت ملاثمها بلا مسواك
وكأن أرجلها القواني ألبست نعلا من المرجان دون شراك
وكأنها كحلت بنار جوانحي فترى لأعينها لهيب حشاك
وهذا كقول ابن هانئ:
وما راغني إلا ابن ورقاء هاتف بعينيه جمر من ضلوعي مشبوب
قال ابن بسام: وسلك أبو البيع القضاعي سبيل إدريس في صفة الحمامة، فضل عنها، في قصيدة [٩٣ ب] مدح بها ابن واجب أيضا، أولها:
زعم العبير بأنه حاكاك كذب العبير وما حكى رياك
هذا شميمك فليهب نسيمه حتى تبين مقالة الأفاك
وإن ادعى ريم الفلاة بأن في عينيه لمحة عينك السفك
فليلتمحك بمقلتيه مغازلا حتى تفند قوله عيناك
ثم خرج إلى ذكر الحمامة بوصف غير رائق استبرد فيه، ورأيت ألا أكون ممن يرويه. وقد افتضح في صفة الحمامة في هذه العروض والقافية بأفقنا
[ ٥ / ٣٤٥ ]
يوسف بن هارون الرمادي مع يحيى بن هذيل، وأنا أسوق الحكاية بنص ما حكاه الرمادي عن نفسه، قال: بكرت إلى أبي المطرف ابن مثنى فألفيت قد بكر قبلي يحيى بن هذيل، فقال لي: ما عندك - فقلت: ليس عندي كبير معنى، ولكن ما عندك أنت - فأخرج من كمه قصيدته التي يقول فيها في صفة الحمامة:
ومرنة والدجن ينسج فوقها بردين من طل ونوء
مالت علي طي الجناح وإنما جعلت أريكتها قضيب أراك
وترنمت لحنين قد حلتهما بغناء مسمعة وأنه شاك
ففقدت من نفسي لفرط تلهفي نفس الحياة وقلت من أبكاك
فأنشدنيها، وأنا أعد محاسنه فيها، فلما أكملها قال لي: انصرف إلى المكتب وتأدب حتى تحكم مثل هذا فكأنه [حركني؛ واتفق أنه] لم يخرج إلينا
[ ٥ / ٣٤٦ ]
أبو المطرف ذلك اليوم، فبكرت من الغد إليه وأنشدته قصيدتي التي أقول فيها في وصف الحمامة:
أحمامة فوق الأراكة تنثني بحياة من أبكاك ما أبكاك
أما أنا فبكيت من حرق الهوى وفراق من أهوى، أأنت كذاك -
قال: فلما سمعها ابن هذيل قال: عارضتني!! قلت: لا والله إلا ناقصتك، فقال: اذهب فقد أخرجتك من المكتب.
وأنا أقول: وإن كان كلام الرمادي من الحلو المطبوع، فلا نسبة بينه وبين كلام ابن هذيل، وقد انفرد في صفتها انفراد سهيل.
وحكي أن أبا الطيب المتنبي على قلة رضاه عن شعر أحد فإنه على ما ذكر عنه أنشد لجملة من شعراء الأندلس حتى أنشد قول ابن هذيل [٩٤ أ]:
إذا حبست على قلبي يدي بيدي وصحت في الليلة الظلماء واكبدي
ضجت كواكب ليلي في مطالعها وذابت الصخرة الصماء من كبد
فقال أبو الطيب: هذا أشعر أهل المغرب.
وعارض أيضا هذه العروض والقافية في ذلك الأوان الأديب أبو مروان المعروف بالبلينه، فقال من قصيدة أولها:
[ ٥ / ٣٤٧ ]
يوم العقيق غدوت من قتلاك لما رمت بسهامها عيناك
ثم خرج إلى صفة الحمامة فقال:
أحمامة بكت الهديل وإنما طربت فغنت فوق غصن أراك
معشوقة التفويف ذات قلائد غنيت جواهرها عن الأسلاك
ناحت على غصن وكل شج بكى يوما بلا دمع فليس بباك
لو كنت صادقة وكنت شجية جادت دموعك حين جد بكاك
والرمادي وابن هذيل وأبو مروان ليسوا من طبقة هذا الديوان، إذ تقدم بهم الزمان، ولا من شرطنا، إذ لم يلحقهم أحد من أهل عصرنا.
ومن حر الكلام، وسري النظام، مما يتعلق بوصف الحمام، قول أبي العلاء المعري، وأنا أثبته هنا زيادة بعد إجادة جلة نثر ونظام، في صفة الحمام، أخذ فيه بثوب الحسن من طرفيه، واشتمل على رداء البديع من حاشيتيه، ولولا تأخر زمانه، وتقدم يحيى بن هذيل وطبقته لقلت: إن كلام المعري نقلوا، وعليه عولوا، وهو قوله: ما حاملة طوق من الليل، وبرد من الربيع مكفوف الذيل، أوفت الأشاء، فقال للكئيب ما شاء، تسمعه غير مفهوم، لا بالرمل ولا بالمزموم، كأن
[ ٥ / ٣٤٨ ]
سجعها قريض، ومراسلها الغريض، فقد ماد بشجوها العود، وفقيدها لا يعود، تندب شوقا هديلا فات، وأتيح له بعض الآفات، وليس الأشواق، لذوات الأطواق، ولا عند الساجعة، عبرة متراجعة، إنما رأت الشرطين قبل البطين، والرشاء، قبل العشاء، فحكت صوت الماء في الخرير، ورنت براء دائمة التكرير، فقال جاهل: فقدت حميما، وثكلت ولدا قديما، وهيهات يا باكية، أصبحت فصدحت، وأمسيت فتناسيت، لا همام لا همام، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام، سلم فناح، وصمت وهو مكسور الجناح.
ومن أخرى له: ما حمامة ذات طوق، يضرب بها المثل في الشوق، كانت في وكر مصون، بين الشجر والغصون [٩٤ ب]، تألف من أبناء جنسها ريدا، يتراسلان تغريدا، مسكنها نعمان الأراك، تأمن به غوائل الأشراك، وتمر في بكرتها بالبيت الحرام، لا تفرق لمكان صائد ولا رام، صادها وليد في حل، ما حفظ لها من إل، فأودعها سجنا للطير، ومنعها من كل مير، فاذا رأت بواكر الحمام، تمارس جرع الحمام، تسأل بطرفها أخاها، ما فعل بعدها فرخاها
[ ٥ / ٣٤٩ ]
فيقول: أصبحنا ضائعين، يسترهما الورق عن العين، بأشوق مني إلى حضرة سيدي.
ومن شعره في صفتها قوله من قصيدة:
وغنت لنا في دار سابور قينة من الورق مطراب الأصائل ميهال
رأت زهرا غضا فهاجت بمزهر مثانيه أحشاء لطفن وأوصال
فقلت تغني كيف شئت فانما غناؤك عندي يا حمامة إعوال
وتحسدك البيض الغواني قلادة بجيدك فيها من شذا المسك تمثال
فأقسمت ما تدري الحمائم بالضحى أأطواق حسن هن أم هن أغلال
وقال:
غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد
أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها المياد
أبنات الهديل أسعدن أو عدن قليل العزاء بالاسعاد
إيه لله دركن فأنتن اللواتي يحسن حفظ الوداد
ما نسيتن هالكا في الأوان الخال أودى من قبل هلك إياد
بيد أني لا أرتضى ما فعلتن وأطواقكن في الأجياد
وله من أخرى في أبيه يرثيه
سأبكي اذا غنى ابن ورقاء هاتفا وإن كان ما يعنيه ضد الذي أعني
[ ٥ / ٣٥٠ ]
وما ندبت في مسمعي كل قينة تغرد باللحن البري من اللحن
وله من أخرى في أمه:
وأمتني إلى الأجداث أم يعز علي أن صارت أمامي
وأكبر أن يرثيها لساني بلفظ سالك طريق الطعام [٩٥أ]
ومن لي أن أصوغ الشهب شعرا فألبس قبرها سمطي نظام
مضت وقد اكتهلت فخلت أني رضيع ما بلغت مدى الفطام
فيا ركب المنون أما رسول يبلغ روحها أرج السلام
ذكيا يحسب الكافور منه بمثل المسك مفضوض الختام
ألا نبهتني قينات بث بشمن غضا فلن إلى بشام
وحماء العلاط يضيق فوها بما في الصدر من صفة الغرام
تداعى مصعدا في الجيد وجدا فقال الطريق منها بانفصام
أشاعت قيلها وبكت أخاها فأضحت وهي خنساء الحمام
شجتك بظاهر كقريض ليلى وباطنه عويص أبي حزام
سألت متى اللقاء فقيل حتى يقوم الهامدون من الرجام
وقال بعض أهل عصري من قصيد خرج فيه إلى وصف الحمام:
وان هتف الحمام فلست أدري وإن بارته أيهما انتكالا
تعلقت الحمام بساق حر فسل هاتيك من أنكى الجمالا
[ ٥ / ٣٥١ ]
وقال محمد بن هانئ الأندلسي:
وما راعني إلا ابن ورقاء هاتف بعينيه جمر من ضلوعي مشبوب
وقد أنكر الدوح الذي يستظله وصحت له الأغصان وهي أهاضيب
وحث جناحيه ليخطف قلبه عشاء شذانيق الدجى وهو غربيب
ألا أيها الباكي على غير أيكه كلانا فريد بالسماوة مغلوب
فؤادك خفاق ووكنك نازح وروضك مطلول وبانك مهضوب
هلم على أني أقيك يأضلعي وأملك دمعي عنك وهو شآبيب
تكنك لي موشية عبقرية كريشك إلا أنهن جلابيب
فلا شدو إلا من رنينك شائق ولا دمع إلا [من] جفوني مسكوب
ولا مدح إلا للمعز حقيقة يفصل درا والمديح أساليب [٩٥ ب]
نجار على البيت الامامي معتل وعدل إلى الحكم الربوبي منسوب
رجح بنا الكلام إلى إدريس
وقال من قصيدة في ابن مقنة وزير يحيى بن حمود أولها:
دعاه الهوى من ذي الأراك فلباه وغناه أيكي الحمام فأبكاه
وصدق دعوى الشوق برهان جسمه وما كل ذي دعوى تصدق دعواه
وظل جناح القلب منه كأنما قدامى جناح البرق منه قداماه
بذي لعس للاقحوان ثناياه وللورد خداه وللآس صدغاه
[ ٥ / ٣٥٢ ]
وللسوسن الريان صفحة خده وللبدر مجلاه وللمسك رياه
يريني إذا رد السلام مخالسا بنانا دماء العاشقين يرناه
كأن فؤادي كلما قام قرطه فيا علو مرقاه ويا بعد مهواه
فريد جمال تم لي توأم الهوى به ولكل العاشقين فراداه
تكامل فيه السول حتى كأنه ندى ابن أبي موسى إذا الشعر ناجاه
لقد كان معنى الجود عمي فانبرى له ابن أبي موسى ففك معماه
هصرت به الدنيا فمالت رطيبة علي ميودا تحت أوراق نعماه
فمن ضحك النوار من شق جيبه ولكن أياديه التي أضحكت فاه
وما فتحت أيدي الحيا زهرة الربى كما فتحت روض القريض عطاياه
تأمله وانظر الباري الأسنة سناه مضافا إلى السيف الطويل نجاداه
وقال ادريس من قصيدة أخرى أولها:
لبيك لبيك داعي اللهو من كثب إلى معاطفة الأغصان في الكثب
إلى السوالف كالسوسان في صعد إلى الغدائر كالخلجان في صبب
إلى خدود بنات الروم قد برزت من حجبها وأدارت أعين العرب
[ ٥ / ٣٥٣ ]
من كل سافرة عن مشرب خجلا فيه طرزان من ماء ومن لهب [٩٦ أ]
واستضحكت عن لآل أو حصى برد يكاد يقطر من مائيه الشنب
ومنها:
يحدو بها فتية صيغت وجوههم من الرضى وعواليهم من الغضب
قد قارعوا دونها كل ابن قارعة يهب منغمسا في الحرب والحرب
من كل أشنب قد أفنت شبيبته شبيبة البان في ظل القنا السلب
ومنها:
ماذا أقول لدينا لو ظفرت بها أدبتها غضبا للظرف والأدب
تجلو الرياسة في تاج البهاء على من لا يفرق بين الرأس والذنب
شجى من اقذية الأيام برح بي بل بالعوالي وبالهندية القضب
لكنني علوائي الهوى مرس حلبت أشطر دهري أيما حلب
ألقى الأحبة مخفوض الجناح وقد أختال تحت الرداء العضب ذي الشطب
لا يستثير وشاح الخود لي شغفا ما لم يجب كفؤاد العاشق الوجب
ولا أهيم بجيد غير ذي جيد ولا أهش لقرط غير مضطرب
ولا أروح لروض غير ذي زهر ولا أهش إلى كاس بلا طرب
وحسب وشي ثنائي أن أزرره على أبي الحسن المغموس في الحسب
شمائل طيبات كلما انتشقت إن الرياض متى [ما] تنتشق تطب
ذو همة في العلا دأبا مسافرة لو سافرت لمداها الشمس لم تؤب
أعراق طيب أتت من أصبغ بفتى حاز السناء تراثا عن أب فأب
إن قام أو التف العفاة به كأنه منهم في عسكر لجب
[ ٥ / ٣٥٤ ]
لم يمش قط إلى قرب ولا يبعد إلا على قدم موطوءة العقب
وله من أخرى في باديس:
سقيا لواديك الأغن مريعة إن الشباب به مريع ممرع
إن كان خدك فيه ورد يانع فهواك في عيني وقلبي أينع
ومنها
القائد الجرد العتاق كأنها لجج زواخر أو عوارض لمع
متوقد في الحادثات إذا دجت فكأنه فيها شهاب يسطع [٩٦ ب]
علم هو القمر المباهي طالعا صنهاجة وهم النجوم الطلع
متسربلين لكل حرب مرة بأسا يقرع كل من لا يقرع
فلو أنهم رفضوا الأسنة والقنا قامت قلوبهم بها والأذرع
وهذا المعنى كثير، ومنه قول الأول:
قوم إذا اشتجر القنا جعلوا الدروع لها مسالك
اللابسين قلوبهم فوق الدروع لدفع ذلك
وقال أبو محمد بن عبدون من جملة أبيات تقدم إنشادها:
وقد زروا الدروع على قلوب لو انتضيت لقط بها الرقاب
وكرر في موضع آخر فقال:
[ ٥ / ٣٥٥ ]
أخلائي وفي قرب الصدور ظبا تقتضي على قمم الدهور
وللتهامي:
لو أشرعوا أيمانهم من طولها طعنوا بها عوض القنا الخطار
وقال قيس بن الخطيم:
اذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقال الآخر:
اذا الكماة تنحت أن يصيبهم حد الظباة وصلناها بأيدينا
وقال ادريس:
أكحيلة الأجفان بالسحر الذي لولاه ما زوت البلابل بابل
قد كان قلبي غافلا عما به أودى وقلب [أخي] السلامة غافل
حتى دهاني منك صدر رامح ذرب سناناه وطرف نابل
ما عقدك الممهى بجيدك درة لكن فرند في حسام جائل
كملت سيوف الهند فوق جفونها وطوال أهداب الجفون حمائل
ومنها:
سار وغاد بالجياد كأنها لجج وأكباد العداة سواحل
وكأنما الآجال فوق رماحه ورق على شجر الآراك هوادل
الخاطفات أسافلا وأعاليا فكأنهن ضراغم وأجادل
[ ٥ / ٣٥٦ ]
يلوي القنا في نحر كل مدجج ليا كما فتل السوار الفاتل
بأسا كما نزل القضاء، يديره رأي كما صقل الحسام الصاقل
وأذا شراب القوم كان منية لم يدن من تلك المدامة واغل [٩٧ أ]
نغم السيوف ألذ ما هو سامع ومنى النفوس أقل ما هو باذل
هذا ابن خاصب ذي الفقار بجانبي وادي حنين والصفوف حوافل
وبخيبر والحرب بارق عارض وبنات أعوج ما شحته زائل
دفع الرسول إليه رايته وقد طمحت عيون نحوه وأنامل
أربت على الغابات غاية مجدهم فالوهم عن إدراكها متضائل
تزدان أقلام بهم ومحابر وتطول أرماح بهم ومناصل
فكأنما المريخ من أنصاره وكأنما البرجيس فيه مجادل
تصبو إليك مشارق ومغارب وتهيم فيك منابر ومحافل
وتود سابحة الكواكب أنها لك سابحات والدجون قساطل
تجري بما منها تشاء كأنما حركاتها فعل وأنت الفاعل
لولا اضطرام البأس فيك لدى الوغى لاخضر في يدك الوشيج الذابل
وهذا البيت من قول المعري:
يتهللون طلاقة وكاومهم ينهل منهن النجيع الأحمر
لا يعرفون سوى التقدم آسيا فجراحهم بالسمهرية تسبر
من كل من لولا تسعر بأسه لاخضر في يمنى يديه الأسمر
وله من أخرى:
[ ٥ / ٣٥٧ ]
يلقى الوغى بأديم وجه ضاحك صافي الأسرة في العجاج الأكدر
بطل ترى الأبطال منه كالقطا أشفقن من زجل الجناح مصرصر
في سرجه زحل وبهرام معا وببردتيه عطارد والمشتري
بأسا يخلي الخيل حين يخوضها كالأيكة انقصفت بريح صرصر
وذكاء فهم كلما استخبرته ألفيت أذكى مندل في مجمر
في كل كف منه خمس أصابع لكنها في الجود خمسة أبحر
ولادريس من قصيد فريد: [٩٧ []
سرت في قميص الصبح وهو جسيد فأبلت قميص الليل وهو جديد
ولما استمد الأفق من نور وجهها تقاصر باع الليل وهو مديد
بشمس يكاد الوهم يدمي أديمها لها الليل تاج والنجوم عقود
فلو يتأتى وردها أو مرادها تسلسل مورود وطاب مرود
وأين من المرتاد أعفر مقمر نفور كنوم العاشقين شرود
غزال كناس بل غزالة كله تزين الحلى منها سوالف غيد
كأن جفوني فوق عيني من اجلها ثياب دوام تحتهن شهيد
أوحشية الإعراض عنا ومالها من الوحش إلا مقلتان وجيد
من الهيف تستجفي النسيم إذا جرى غليلا على أعطافها فتميد
وتحتمل الياقوت يرسو ثقيله فيجفو على صدر زهاه نهود
أيعطى مناه من ترائبك الحصى ويحرم مشغوف الفؤاد عميد
من الصيد حران أطلت عويله وثغرك سلسال الرضاب برود
فإن لم أرد ذاك اللمى العذب إنني على مهج الأسد الوراد ورود
[ ٥ / ٣٥٨ ]
وان صديت شوقا إليك جوانحي فصد به من عارضيك صدود
فحسبي من شهديه ماء صارم فلول ظباه لي بذاك شهود
إذا سل في الهيجاء وهي دجنة تألق فيها للصباح عمود
وكأس كرقراق السراب كأنما لها رعدة عند المزاج عقود
هي العين عين الشمس تأبى عن القذى فتنفي القذى عن نفسها وتذود
فبت نديما لابن عشر وأربع يدير رحيقا عتقته ثمود
وما اصفر وجه الشمس إلا لأنه لوجه الأمير الأريحي حسود
أياديهم فوق العفاة عقود وأحلامهم الجناة برود
مضوا ونحور النبل من صبغ طعنهم كما أشربت ماء الحياة خدود
بساحة فاس منه مطرد الندى وليس بناج من يديه طريد [٩٨ أ]
ومنها:
بحيث البحار الخضر وهي كتائب عليها السحاب الحمر وهي بنود
خيول كعقبان الدجون وكلها لكل صيود في العجاج صيود
لها من ذؤابات الحسان مقاود ومن لبد الأسد الوراد لبود
تجرر عن [] المفر فما تني يروقك منها قائد ومقود
حباب ولكن ليس يثنيه ذائد عباب ولكن ليس منه سدود
فتى يخرق الأغيال وهي أسنة ويقتنص الأبطال وهي أسود
فليس لمختال لديه مخيلة وليس لمريد عليه مرود
بعيد المدى ماض يريك جلادة إذا لم يطق حر الجلاد جليد
يحيد عن القول الكريه سماعه وليس عن القرن الكريه يحيد
فأنت إذا اشتدت يد القهر لين وأنت إذا لان الكماة شديد
وفي ابنه:
[ ٥ / ٣٥٩ ]
إذا اعتد ذو مال به لزمانه فمالك كنز للعفاة عتيد
لعمري لقد أنجبته لك مشبها فداناك منه متلطف ومفيد
فغرته تعدي سناك على الدجى وراحته تبدي الندى وتعيد
قريب تراه [منك] لا متباعد وكم من قريب منك وهو بعيد
فنوه به حتى يساميك في العلا فقد يتساوى والد ووليد
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي الأصبغ ابن أرقم
أحد كتاب الجزيرة المهرة، والنقدة الشعرة، ممن نهض في الصناعة بالباع الأسد، وأخذ فيها بالساعد الأشد، وجد في معاناتها، واقصر على كسب آلاتها، وجمع أدواتها، وارتاض في طرقها معيدا ومبديا، ورمى إلى أغراضها مصيبا ومخطيا، حتى تدرج في مدارجها، وخرج على جميع مناهجها، واطلع من ثناياها، وأشرف على خباياها، وجرت بينه وبين طائفة من أهل هذا الشان، في ذلك الزمان هنات، في ما انتقدوا عليه من ألفاظ وكلمات، وتقعير واستعارات بعيدة، وكانت تلك الطائفة قد أسندت في ذلك إلى ابن سيده، وقد أوردت من ذلك ما يليق بالديوان، ويستوفي جملة الإحسان.
[ ٥ / ٣٦٠ ]
فصول من رسائله السلطانيات [٩٨ ب]
فصل له من رقعة عن علي بن مجاهد إلى المعز بن باديس صاحب افريقية: اطال الله بقاء الملك الأجل ناظر عين الزمان، وروح جسم الأمان، وحسام عاتق الإسلام، وحلي جيد الأنام، ومهدي طوال الآمال، ومأوى شارد الإنعام والإفضال، مخلدة في الأنام دولته، مؤيدة مع الأيام مدته.
أنا - أيده الله - أمت إلى دولته - خلدها الله وأيدها، كما وطدها ومهدها - بما أبأى به على الأقران، وأكافح كل زمان، وأفاوح كل بستان، وأحرز كل ميدان، [إلى] أن ارتقيت إلى سمائها، وصعدت في سوائها، مستهلا وعر المرتقى، لسهل الملتقى، ومستعذبا مر المجتلى، لحلو المجتنى، فشافهت بدرها، وتبوأ حجرها، وارتضعت درها، على حين أجفان الفضل كليلة، وأقدام المجد معقولة، وأيدي النصر مغلولة، وان قعدت عن مناسكك فرضها، فإني معيرها ضميرا كما انبلج النهار، وشكرا كما أرج النوار، وهل أنا إلا أحد أبنائها، وشهب سمائها، وشيعة علائها، وحماة أرجائها، وان جذم نأي الدار كف الخيار، ففي البعد
[ ٥ / ٣٦١ ]
اعتذار، وفي الجهد إعذار، وان مع التجاوز ليعم العيان، ومع التحاور ليطمئن البرهان، ومع التزاور لترود الأحوال، ومع التقارب ليقع الإخلال، والقوى المخلوقات قريبة الانحلال، سريعة الانفعال، والنيرات على وفور ضيائها، وظهور سناها وسنائها، فيما لا يقابل كليلة وعندما لا يسامت عليلة، وفيما لا ينال ظليلة.
وفي فصل منها: وقد علم مبتلي السرائر، وحافظ البواطن والظواهر، أنها بصيرتي التي أستشعر، وسريرتي التي أضمر، وحقيقي التي أخفي وأظهر، وشريعتي [التي] بها وأجهر، وأن كفيل فعالي في موالاة سيدنا - خلد الله ملكه - على طول المدى، وشط المنتأى، وبعد المرمى؛ ولما وقف الأمر على الحد الذي قدمته، والقصد ذكرته، والرسم الذي أثبته، لم أستبد من إعلامه واستئماره، ولم أقعد عن استئذانه وإشعاره، ولم أنفذ إلا بعد استخباره.
وفي فصل من أخرى: إذا كانت نعم الله عند الحضرة الإسلامية مشرقة المطالع، رحيبة الأرجاء والمراتع، وكان أنصارها وعبيدها
[ ٥ / ٣٦٢ ]
وكتائبها المنصورة، وجنودها المرهوبة، في اجتماع من كلمتهم على طاعتها، واتفاق من أهوائهم في مناصحتها، وتظافر من جميعهم على خدمتها، فقد علت يد الإسلام، واحتمى غره أن يضام، وجانبه أن يرام، وشملت نعماها الأقطار، وأمدت أقاصي [٩٩أ] الديار، وأبرت على نأي المزار، فهي جماع الدين، وردء المؤمنين، ومحفل المسلمين. وفي فصل منها: ومما وجب التعريف به ما عم أقطار ثغرنا، وغشي مجامع أفقنا، من تمالؤ النصارى وتضافرهم من كل أوب إلينا، بجمع لا عهد بمثله، ملأ الفضاء، وطبق الأرجاء، وشغلنا بالفتنة بيننا عن تخفيف وطأتهم، وتضعيف سورتهم، فطمسوا الآثار، وجاسوا خلال الديار، موفورين لا مانع منهم، ولا دافع لهم إلا التفاتة الله تعالى لأهل دينه بأن أقل فائدتهم، وخيب مرامهم، وأطاش سهامهم، والحمد لله على منحته ومحنته.
وله عنه من أخرى إلى مقاتل العامري: ولما اعترفت السعادة بارتباط ودك، والاغتباط بوثيق عقدك، رأيت أن أسلك بابني السبيل المثلى، والمنهج الأهدى، ويعلم أني نظرت له بأحسن ما نظر والد لولده، وحبا به أحد لفلذة كبده، حتى يكون إن أدركتني قبلك وفاة، وكانت له بعدي إناة، قد ظفر بأمل ينعه، وأوى إلى جبل يعصمه، أو تمادت لي معك حياة، وتطاولت لي ليلات، لم يضرره أن يعلق بيدين
[ ٥ / ٣٦٣ ]
[ويعتمد على ركنين]، ويسند إلى أبوين، فأنت الوالد وهو الولد، والساعد وهو اليد، بل قد اتصل الحلب بالكبد، وحل منك محل البنان من الكف والعضد، ومن حل في ذراك، ولاح في يمناك، فهو الشهاب الثاقب، والحسام القاضب، كما أن من عد في ذويك، واعتد في بنيك، فلن يقصر إن شاء الله عن معادلة الكهول وإن صغرت سنه، ولا يتأخر عن مقارعة النصول وان لان غصنه، فإنما يزاحم منك بعود، ويطاول بطود، ويقاتل بجمع، وينازل بنبع، ويقضي على الأيام بظهير، ويصول على الدهر بأمر كبير.
ولما أذم اليك بهذه الحال، ودبت به نشوة الإدلال، تمنى أن توطئه الريح جناحا، وتعيره من البرق التياحا، وترفع له نحو السماء طماحا، بما يرجوه من حملك إياه على المهر المذهب، والورد الأغر المحبب، الذي استعيرت سرعته من إسراعك الى المكارم، وأخذ سبقه من سبقك إلى ندى حاتم، وعلم لين قيادك للصاحب، واسترقت جودته من سماع جودك على الطالب، وان يكن لا تؤثر به غير جنابك، ولا تختاره إلا لركابك، فمن لم يوق شح نفسه [فيه معذور]، ومن ارتبطه بالضنانة به جدير
[ ٥ / ٣٦٤ ]
وقاد المهر المستهدى لوالده، فأجابه بوصوله برقعة يقول في فصل منها: وصل - أيدك الله - البر المولي على الأرب، وأتى الورد المحلى [٩٩ ب] بالذهب، يسبح في حلية، ويمرح في محاسن زيه، فقمت أمسح بردائي على وجهه وأطرافه، وآخذ ناظرا في نعومة وأوصافه، فإذا بالقمر قد أعطاه غرته، والصباح قد حباه بلجته، والغلس قد كساه دلجته، فجمع بين دهمة الليل وشقرة الشفق، ووضع فبقة القمر على صهوة الغسق، ومد جلال الزلفة إلى حجلة الفلق، وأردت إنعاله فإذا الرياح قد أنعلته أجنحة، وتفقدت جلاله فإذا الفراهة قد ألحفه أوشحة، فلو عزي الى الأعوج لأنف، أو نمي إلى العصا لوجف، ولو كان سليمان لما عدل بالصافات العتاق، ولا طفق لها مسحا بالسوق والأعناق؛ ولما راق منظره، وفاق مخبره، جعلت ودي معرضه، ونفسي مربطه، وخاطري مرتعه، وناظري مشرعه، وقلت: لله دره، فما أحكم الصنعة فيه، وما أصح جود مهديه!!
وله عنه [من أخرى] إلى رزين: قد يكون - أعزك الله - الأجل
[ ٥ / ٣٦٥ ]
في الأمل، وربما صحت الأجسام بالعلل فكم من امرئ نشر من كفنه، أخر أوتي من مأمنه، من نعم الله على البد أن يقاتل عنه من ناواه بحسامه، ويناضل دونه من عاداه بسهامه، [حتى يكون قتيل سهم رماه بيده، ومصاب أمر أجراه على معتقده]، والسعيد من نام والأقدار تحرسه، وأقام والأيام تخدمه، واتكل والله يكفله، فحق له ألايجزع إذا دهى خطب، فإن الرج معه، وإلا يهلع إن عدا كرب، فإن الله قد رآه وسمعه، ولا سيما إن قصد بظلم واعتمد ببغي، ففي التنزيل: (ثم بغي عليه لينصرنه الله) (الحج: ٦٠) .
[وفي فصل منها]: ولما دعاه إلى السلم، وناداه باسم الصلح الاثم، غره بأيمانه، واستدناه من مكانه، فقبض عليه، وخاس بما ألقاه من العهد إليه، ثم أراد أن يتبع الإساءة ضعفا، والإبالة ضغثا، باعتزامه الغدر بأخيه الأقرب، ومحل أبيه الحدب، فصرف الله كيده في نحره، وأذاقه وبال أمره، ووضح ما كان من سره وضوح النهار، وتطلعت بنات صدره تعلو على الأستار، وهو لا يشعر أنه شعر به، ولا بأنه قد أبه له، بل خال عمايته نهار الأديب فانكشف سره، وظن غباوته غفلة الرقيب فانهتك ستره، وكان قد فكر وقدر، ﴿فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر﴾ (المدثر: ١٩ - ٢٠) وليته قبل تدبيره لو نقح ما دبر، وحين حفره لو وسع إذ حفر، وسمع قول القائل:
[ ٥ / ٣٦٦ ]
يا حافر الحفرة وسع فقد يسقط في الحفرة حفارها
وقول الآخر:
من ير يوما به والدهر لا يغتر به
وما كان إلا أن قبض الله ظله، وفضح غله، وفاز بحظ الحرمان، وحلي بطائل الخسران، وفزع اللهفان، لا يجد أما، وخبط الحيران، لا يهتدي أما، على [حين] ما كان مستحكم الأمل، داني الرجاء، متمكن الطمع [١٠٠ أ] في ختر أخيه والأخذ بكظمه، والاقتدار على ظلمه، فإذا به نشر من قبره، وشقي بضره، حين راماه بسهمه، وأخذه بحكمه، وأتاه بعلمه، ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ (هود: ١٠٢) وجزاؤه إذا جازى القلوب وهي آثمة ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف: ٤٩) ﴿فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ (الجن: ٢٧) .
فالحمد لله الذي صيره نهبا، وكفاك منه حربا، فقد كان فيما بلغ ناهدا إليك، وعلى ما أتصل وافدا عليك، ولعل الصنع له كان من حيث لم يعلم، والعناية خصت به من أين لم يفهم، فربما كانت وفادته برجمية السائر، وسعايته مشئمية الطائر، وبدايته مندمية الآخر.
وله فصول من رقعة طويلة خاطب بها الفقيه أبا بكر بن صاحب الأحباس
[ ٥ / ٣٦٧ ]
وشرح فيها الكلمات التي انتقد عليه ابن سيدة في رسالته [إلى مصر]، واحتاج فيها لنفسه، قال في صدرها: لما كنت - أعزك الله - في أكف الآداب علما، وعلى لسان العرب وغيره حفيظا وقيما، لاقتباسك العلم من كتب ووراثتك إياه عن كلالة أب، ولم تزل تتلقاه كابرا عن كابر، وتترقاه باهرا عن باهر، لست ابن سمعك، ولا عبد طبعك، تقلد كاتبا ساذجا، وتعتقد قارئا هازجا، وتقبل البصر بلا بصيرة، وتقفو الأثر على غير وتيرة، تراعي الحروف، ولا تبالي عن التحريف، وتتلو الصحف، ولم تقتصر على حفظ سطور من كتاب سيبويه، و" شرح الفصيح " لابن درستويه، واستظهار أوراق من الغريب، والتحفظ مع الشروق ما تنساه مع الغروب، ولم تشد إلى المخرقة بفرفوريوس، ولا الغطرسة بأرسطاليس، والفرقعة بقافات أرثماطيقا وأنولوطيقا، والصفير بسينات قاطاغورياس وباري أرمينياس وضيعت علوم القران والتفنين في حديثه ﵇ وصحابته، وتفهم أعراضه ولغاته، واجتناء زهره وثمراته وأغفلت " الكامل " و" البيان "، وتواريخ الأزمان، ونوادر البلغاء أهل اللسن والبيان، وأهملت أشعار العرب والمحدثين، إلا طلبك أثرا بعد عين، وقد أربيت على الستين، ولم تتمعدد
[ ٥ / ٣٦٨ ]
أعجميا، ولم تتبغدد بدويا، ولم تكن مرة شبيبيا، ومرة قطريا، وتارة طبيعيا، وتارة فلكيا، ولم تتزبب حصرما، ولم تتشحم ورما، ولم تدعدع في الأمن، ولم تجعجع بلا طحن، ولم تقعقع بلجمك، ولم تجلب بخيلك، ولم تحمل بأسنتك، ولم ترهب بصوارمك، ولم تكر بجيادك، ولم تستظهر بأجنادك، ولم تحارب جالسك، ولم تقاتل ناعما، ولم تجر بالخلاء، ولم تشجع على الأولياء، وأنت الذي أدر لي غمائم الأدب، وأطلع لي من كمائمه كل معجب، وما كاد الشباب يحل تمائمي، ولا الزمان يطلعني من كمائمي.
وفي فصل منها: فاندب العلم وأهليه، وارثه وحامليه، وابك رسومه وحي طلوله، [١٠٠ ب] وسلم عليه تسليم وداع، واشفق لعلقه المضاع، واعلم أن صدعه كصدع الزجاجة أعيا الصناع، فيا له مغنما هجر على برد موقعه، ونفلا زهد فيه على شرف موضعه وموردا ترك على درور أخلافه، ووطأة أكنافه، وقد تولى الفهماء ولم يبق إلا من قدمت نعوته وحلاه، ووصفت حذوه وحذياه، وأغناني ما صدرت به عن إعادة ذكراه، (واقترب الوعد الحق)، (الأنبياء: ٩٧) وبر الله تعالى وصدق في قوله L أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) (الرعد: ٤١) وقال ﵇:
[ ٥ / ٣٦٩ ]
" إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا " - الحديث، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا؛ ومن الأمر المعجب، والخطب المغرب أنهم يدعون - على جهلهم، وما بينت من وصفهم - الترؤس في الأدب من غير رياسة، والمنافسة لأهليه من غير نفاسة، ومناهضة ذوي العلم باللسان بالهذيان، حين انسوا عدم المنتقد، وفقدان المفتقد:
وإني وإياهم كمن نبه القطا ولو لم ينبه باتت الطير لا تسري
وليس كل سواد أسود البصر، وما كل فائح ريحان، ولا كل ملتو خيزران، ولو عقلوا لاعتقلوا، ولو تبصروا لأبصروا.
وفي فصل منها: وتفسير ما أجملته، وتفصيل ما أبهمته، أورده عليك محلول العقدة، منضو البردة، وذلك أن إقبال الدولة - أيده الله - أمرني بانشاء رسالتين إلى مصر، فلما علت شرفاتهما، وروضت عرصاتهما، ورد عليهم منهما المقيم المقعد، وكاد يهلكهم الحس، وبهت العدو وكمد، وقال الولي: لا قبل لأحد بمثلها ولا يد، فطول ما حضرت انطلق لسان الموالي، وخفق جنان المناوي؛ وعرضت
[ ٥ / ٣٧٠ ]
وجهتي إلى المعتصم [بالله] فأنشد منشدهم:
يا لك من قبرة بمعمر خلالك الجو فبيضي واصفري
ونقري ماشيت أن تنقرى
وقالوا: هذا حين يرى الرئيس، أن هذا العلق الذي نفس به ليس بنفيس، وطاروا طيران الفراش حول النار، وجالوا جوالان الذباب بين الأزهار، مرة يستفتون الفقهاء، ومرة يستشهدون السفهاء، ومرة يقولون: هذا يسأل عنه إن كان يقال، وربما كان له في مضمار اللغة مجال، ويتسورون، حديث النساء بعد البعول، وهريف الإماء دون الكفل:
وقلت لها عيثي جعار وجرري بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره
فاتفق رأيهم، واستمر هديهم، إلى سؤال أبي الحسن بن سيده، فلم يفكر أبو الحسن في العواقب، ولم ينظر نظر أهل التجارب، فسلم لهم واغتر بمثل وشي الحيات، وانقاد في زمام الزخارف والترهات:
وكان بما يأتي به ويجيزه مجرب سوء يشرب السم للخبر
والأدب ينشدهم:
تنق بلا شيء شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبري
[ ٥ / ٣٧١ ]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صورتها حية البحر
فرد مواضع أنا واصفها وجوابها على سرد، وذاكرها وما يجل ارتيابها على حرد.
قال ابن بسام: وطول أبو الأصبغ في جوابه المفسر، وسماه ب " عقاب المتسور "، ولم يمكن اثبات الجميع في هذا المجموع، فالطول مملول، وجئت منه بفصول، تخفيفا للتثقيل، وهربا من التطويل.
قال أبو الأصبغ: كان أول التحميد: " الحمد لله تيمنا بحمده، وتحديا لحده، الهادي من ارتضاه سبل رضاه، الحدي من انتقاه، إلى علم تقاه "، فأنكر " تحديا " ووضع مكانه " تصديا "، ويكفي في هذا [قول] بشار في سيبويه:
أسيبويه يا ابن الفارسية ما الذي تحديت من شتمي وما كنت تنبذ
أطلت تغني سادرا بمساءتي وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ
وقال صاحب " العين ": حدا بمعنى تبع، فإذا بنيت منه تفعلت قلت: تتبعت. وذكر أبو علي الفسوي في كتاب " الحجة " أن الفعل تحمل أمثلته على أمثلة نظيره وما كان في معناه، وباب التفعل سائغ شائع، لم يمنعه مانع، ولا قطع به قاطع، إما أن يأتي مركبا على ثلاثي ماض، وإما أن
[ ٥ / ٣٧٢ ]
يأتي بذاته ليكون في معنى الثلاثي البسيط، أو يكون للخروج من أمر إلى غيره، فالمركب مثل: تقفيته وتأبيته، ومن السلم تتبعته؛ والذي يأتي بذاته غير مركب مثل تحفيته وتوفيته، وما يراد به الخروج من أمر إلى غيره فمباح غبر محظور، ومستباح غير محجوب مثل: تكوف وتمصر؛ وقال أبو تمام:
نبطت قلائد عزمه بمقيد متكوف متدمشق متبغدد
على أنه لم يسمع: تدمشق، ولكنه مقول؛ وقال عمر ﵁:
تمعددوا واخشوشنوا.
وقال: " الحادي ليس من صفات الله، ولا يجوز أن يوصف إلا بما وصف به نفس تعالى، أو بما وصفه رسوله " " وبدل " الحادي " ب " المرشد ".
الجواب انظر ما أعظم هذا السهو، وما أضيق هذا الشأو، وما أقبح هذا البهت، وما أخشن هذا النحت، وماذا على من قال: الحمد لله منقذنا من الغمرات، ومبرئنا من العلل الفادحات، ومرشدنا إلى سبل الهدى، وسائقنا لما يحب ويرضى، والله مسددنا وعصمتنا
[ ٥ / ٣٧٣ ]
وملاذنا وملجأنا [وشبهه]، وليس شيء من هذا في القرآن، ولا حديثه ﵇؛ واسم الفاعل في ما بعده كالفعل يجري مجراه، وينحو منحاه، وأفعالها كلها لله تعالى، هو الفاعل، هذا مذهب [أهل] السنة وغيره مذهب البدع والمعتزلة. قال أبو بكر الباقلاني: يوصف الله تعالى بما لا يقع إجماع المسلمين على منعه؛ وخطب عبد الله بن الزبير فقال: الحمد الله [١٠١ ب] الهادي الفاتن؛ ولو شهد أبو الحسن الجمعة لسمع على النبر من صفات الله تعالى ما ليس في القران وفي حديثه ﵇، وقد أجازوا " السيد " من أسمائه [تعالى] وليس في القران ولا في الحديث، واختلف فيه عن مالك، وقال أبو عبد الله محمد بن عمر المرزبان أول كتابه في " الرياض ": الحمد لله الهادي إلى حمده برحمته، والموجب من برأفته؛ و" الموجب " ليس في القران، ولكنه أجراه مجرى الفعل كما فعلنا نحن. وللباقلاني وابن فورك من الاستفتاحات بمثلها ما لا يحاط بكنهه، ويطول الكتاب بجمعه، وأين هذا من قول الراجز المروي المستشهد به:
لا هم لا أدري وأنت الداري
وقول العجاج
فارتاح ربي وأراد رحمتي
نعم، وأسماء الله تعالى يشركه فيها المخلوق إلا الله والرحمن؛ قال أصحاب أهل اللغة: الحادي بمعنى السائق، وحدا بمعنى ساق، قال القطامي:
وإذا يريبك والحوادث جمة حدث حداك إلى أخيك الأوثق
[ ٥ / ٣٧٤ ]
وقال الآخر:
إن لها لسائقا خدلجا لا يدلج الليلة في من أدلجا
ويروى: لحاديا خدلجا؛ وحدا بمعنى ساق أغزر من النمل، واكثر من الرمل؛ فأما إبداله إياه بالمرشد أو الداعي فلهو المقيم ولهو المدلج الساري، وهم يتسببون إلى إنكار " الحادي " لأنه ليس من كتاب الله ويهذون بذلك، والمرشد والداعي ليس في القرآن، فأتوا بما أنكروه، وأثبتوا ما ردوه، ولو اقتصرت على بدلهم لكانت فيه فضيحتهم وخزيهم، وبداية وهنهم ووهيهم، وأين هذا الذي معناه في القرآن وفحواه، وفي حديث الرسول الكريم ﵇ وما يعضده البرهان، وأجمع على قبوله الثقلان، من قول أبي الحسن في خطبته التي توصل بها إلى شرح صدر من كتاب سيبويه، وهو يصف الله تعالى: " مزمع إحداثنا، لانبعاثنا من أجداثنا، يوم لا حكومة إلا بيد الصفاح العليم " والإزماع: العزم بعد التدبير، والاجماع بعد التفكير، والنشاط بعد الكسل، هذه صفة بعيدة من القديم سبحانه، والصفاح أيضا ليس في كتاب الله ولا في حديث رسوله. وأبو الحسن تخيل القذاة في عين أخيه ولم ير الجذع في عينه ﴿ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ الآية (الأنعام: ١٢٥) .
ورد قولنا " فألفت عقيلة نفسه في ذرى الحضرة كفئا من الرضى كفيلا، وظلا من [١٠٢ أ] المنى ظليلا " فأمكر " عقيلة نفسه " وبدله
[ ٥ / ٣٧٥ ]
" فألفى وارد نفسه " ولم يدر ما قدمت، ولا على ما أعدت، ورأى من علمه بالبلاغة وتحققه بالفصاحة أن " كفئا " و" كفيلا " بوارد نفسه أليق منه بعقيلة نفسه، وأنكر استعارة " العقيلة " للنفس، ولا شك أنه ينفي المجاز، وينكر ما فيه من الابداع والاعجاز، قال عمارة بن عقيل:
[تبحثتم سخطي] فغير بحثكم نخيلة نفس كان نصحا ضميرها
ولن يلبث التخشين نفسا كريمة عريكتها أن يستمر مريرها
وما النفس إلا نطفة في قرارة إذا لم تكدر كان صفوا غديرها
فاستعار للنفس: النخيلة والعريكة والغدير والنطفة، وبديع كلام العرب الاستعارة حتى خرق بهم الاتساع، إلى غير ما شهر وذاع، وسوى ما غلب وشاع؛ قال الراجز:
ولم تذق من البقول الفستقا
وقال الآخر:
إلى ملك أظلافه لم تشقق
ولولا الإطالة لجلبنا على ذلك دواوين، واستظهرنا بعدد الحصى براهين،
ورد قولنا: " فان مولى الحضرة اعتمد قضاء حقها، وإتيان
[ ٥ / ٣٧٦ ]
وفقها، وأداء فرضها " فأنكر " أداء فرضها " وبدله " تأدية "
الجواب: عذره في ذلك لائح، وأمره واضح، لأنه لن يقرأ قوله تعالى ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ (البقرة: ١٧٨) ولا قرأ شعر زهير:
بأي الجيرتين أجرتموه فلم ينجيكم إلا الأداء
ولا قرأ في كل كتاب " وأداء الخراج " مهزوز، اللهم إلا إن كان أراد وزن الكلام، وتعديل الأقسام، فوازن " قضاء " الذي هو أول الفقرتين ب " تأديه " التي جعلها أول الفقرتين الأخريين ولم بر موازنة " قضاء " ب " أداء "، فله عذر يليق به، ووجه هو خليق له؛ وقد قال هو في خطبته المذكورة " وإذا لا أستطيع قضاء حقه وأداءه، فأخذني الله من كل مكروه بدله وفداءه "، وأنا أقول: " قبل الله دعاءه، وأجاب نداءه ".
ورد قولنا: " فتنسم مولى الحضرة رياها عطرا " وأنكر الجواز في تذكير " رياها " وبدله " أرجها ".
الجواب: لم يعلم أن الريا يذكر إذا أريد به النسيم ومثله، وانه تأنيث غير حقيقي، وأني عدلت إليها لعذوبتها ولدونتها، وهم قد فالوا [١٠٢ب] في التأنيث الحقيقي: " حضر القاضي اليوم امرأة، وامرأة اليوم، والحمل على المعنى فصاحة، وقد قال تعالى (قد جاءكم بصائر من ربكم) (الأنعام: ١٠٤) (ومن بعدما جاءهم البينات) (آل عمران: ١٠٥) وكثير من هذا، قال الشاعر:
[ ٥ / ٣٧٧ ]
وإن كليبا هذه عشر أبطن وأنت بري من قبائلها العشر
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
والعالم بالصناعة لا يظاهر بما ظاهر به أبو الحسن، ولا يجاهر بما جاهر؛ ومن مضحكاته وضعه " أرجها " مكان " رياها " والأرج طيب الرائحة وعطرها، قال كثير:
تأرج الحي إذ مرت بظعنهم ليلى ونم عليه العنبر العبق
[وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم] .
ورد قولنا: " وقضى حق ما أولاه، وتوشح به [وارتداه] " وقال: التوشح حلية النساء، وبدله ب " تأزر "
الجواب: يا لهذه المنازع الطريفة والمقاطع الفظيعة، لو تركناه بغره، وطويناه على عره، لكفانا البيان عنه والفضيحة له، فجمع ضروبا من الجهل باللفظ والمعنى، وصنوفا من العثار في سهل [ذلك] المدى؛ [عنده] أن الإزار ليس من لبس النساء، والازار لهن أخلق، وبهن أليق، قال ﵇ لعائشة [﵂]: " اشددي عليك إزارك "، وقال
[ ٥ / ٣٧٨ ]
للمستفي: " اشدد عليه إزارها، وشأنك بأعلاها ".
وقال الشاعر:
فدى لك من أخي ثقة إزاري
يريد أهله، فكنى به المرأة، حكاه أبو علي الفسوي في كتاب " الحجة " والازار اكثر ما يكنى بع عن الفرج، كما قال الفرزدق:
مازال مذ عقدت يداه إزارة
وقال آخر:
والطيبون معاقد الأزر
فتجنب " الازار " إلى " الوشاح " آدب وأوجه، والوشاح من استعمال الرجال بعيد عن موضع الفرج وعن الكناية عنه، وقد لبسه الجلة في سلمهم وجعلوه نظير السلاح في حربهم، قال جرير:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة عليه وشاحا كرج وجلاجله
فعابه في الحرب بالوشاح لا في السلم، لأن الوشاح ليس من لبس الحرب، كما أن السلاح ليس من لبس السلم؛ والعرب تمدح وتتمدح في السلم بالنعمة والخفض واللباس الجميل، والرياش النبيل، قالت الخنساء:
[ ٥ / ٣٧٩ ]
وفي السلم يلهو ويرخي الإزارا [١٠٣ أ]
وقال عبد الملك بن مروان للأحنف: ما أحسن ما مدحت به، قال: قول القائل من جملة أبيات:
جلا المسك والحمام والبيض كالدمى وفرق المدارى رأسه فهو أنزع
وقال الآخر:
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرق عنه القميص تخاله وسط الندي من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما
وقال بدر أخو المرار:
مخدمون ثقال في مجالسهم وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم
ومثل هذا كثير لا يحصى، ومثل لا يقصى.
وليس مرادنا أنه لبس وشاحا بعينه، ولا مراد غيرنا لبس إزارا بعينه، وانما المعنى الجلي عند صبيان المكاتب أنه لبس الخطية كالوشاح، في التزين بها والتجمل بموضعها، كما أراد بقوله الذي ألقى أبا الحسن في هذا الجهل، فحمله على غير وجه الحمل:
[ ٥ / ٣٨٠ ]
إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
إنما هو تخذ شعارا ولباسا كالإزار، ولو أن القافية تسوغه لقال:
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتوشحا
كما قال أبو ذؤيب:
وكلاهما متوشح ذا رونق عضبا إذا مس الكريهة يقطع
وقال أقدم من أبي ذؤيب:
تركت النهاب وأهل النهاب وأكرهت نفسي على ابن الصعق
جعلت يدي وشاحا له وبعض الفوارس لا تعتنق
وقال أبو الحسن في خطبته المتقدمة الذكر: " لم يزل الأدب يوشح ذاتي بحليه، ويرشح نباتي لجنيه " فأتى بما صرفه، واختار ما زيفه. على أن توشيح الذات بالحلي من الكلام النقي والمعنى القصي، فتأمل هذه الغرائب، وتبين هذه العجائب:
على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقد ذكر أيضا أبو الحسن الإزار في خطبته فقال يصف جارية له [١٠٣ ب]:
[ ٥ / ٣٨١ ]
" أما ما تشد اليه إزارها فسقط، وأما ما تعقد عليه زنارها فمسمط " ومن أضل الله فلا هادي له.
ورد قولنا: " وسلفت السير، واستمررت المرر، بإطراف الموالي سادتهم، وإلطاف الخدام قادتهم، وإتحاف الأولياء ذادتهم " وقال: الذادة مشترك يقال في الرفيع والوضيع.
الجواب: لقد كنت أبؤو به أن أقول: ما أقبح هذا المنزع، وأوقع هذا المقطع!! وهب أن ذلك مشترك - وليس بمشترك - فقد حف بالفضل من جنبيه، وكنفه من حواليه ما يرفع الإشكال، ويجلو وجه المقال، وكثير من الكلام مشترك المعنى، مشتبه المنحى، إلا أن فرشه ومقدمته تبين مشكله وتوضح مبهمه، وتبيح ممتنعه، وتحسن موضعه؛ وللبلغاء [من] تقفية " السادة " ب " الذادة " و" القادة " ما لا يحصى، والجاحظ أفصح أهل وقته في كتاب " البيان والتبين " قال: " الذادة " و" القادة " الذين هم ملح الأرض ونور الدنيا، وحكي عن العرب مثله في هذا الكثير، وقال زيد الخيل يصف رؤساء طيء: أما بنو حية فملوكنا وملوك غيرنا، هم القداميس القادة، والحماة الذادة
[ ٥ / ٣٨٢ ]
والأنحاء السادة، أعظمنا خميسا، وأكرمنا رئيسا، وأحملنا مجالس، وأنجدنا فوارس. وهذا المتسور على نقد الكلام معذور لأنه لم يقرأ قط هذا المعنى، ولا سمع بهذا المغزى.
ورد قولنا: " وما النفوس وحاملوها، ولا الدنيا وأهلوها، [ولا الأرض وعامروها، بكفاء لبعض واجبات الحضرة] " [فضرب على الفقرة التي هي " ولا الدنيا وأهلوها "] وقال: هو بمعنى قوله: " ولا الأرض وعامروها " فلا يجوز تكراره.
الجواب: حوى في هذا التسور ضروبا من الغباوة، واجتنى صنوفا من الخزاية، منها جعل الدنيا هي الأرض، والأرض هي الدنيا، على تحليه بعلم المنطق الذي لو علمه لم ننفس عليه علمه، ولم نغبطه حمله، ولم [يعلم] أنه يقال: الدنيا محيطة بالأرض، وليست الارض محيطة بالدنيا، والدنيا جنس، والأرض تحتها نوع؛ وفي الحديث الصحيح: " سماء الدنيا " وفي الدنيا الخلق الروحاني ممن ليس في الأرض؛ ومنها: أنه لم يعلم أن من رسم العرب وفصاحتها تكرير المعنى إذا اختلفت الألفاظ، قال تعالى ﴿وغرابيب سود﴾ (فاطر: ٢٧) وقال ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعين﴾ (الحجر: ٣٠، ص: ٧٣) [ومشبهه في كلام العرب كثير] ولا فرق بين من لم يعلم هذا والعدم ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج: ٤٦) .
ورد قولنا. " ولا أظلم أفق كان شمسه "، أنكر " أظلم " ورده " دجا ".
[ ٥ / ٣٨٣ ]
الجواب: هذه الداهية الشنعاء، والقضية الشوهاء، يدعي علم الكلام، من لا يعرف الإصباح والإظلام، لقد كان ملففا فانكشف، ومنكورا [١٠٤ أ] فاعترف:
وكان كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها
ثم ختم رقعته يقول:
أتيت بمنطق العرب الأصيل وكان بقدر ما عانيت قيلي
فعارضه كلام كان فيه بمنزلة النساء من البعول
وليس يصح في الأوهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
قال أبو الأصبغ: وما أنكر علي إلا كل لفظة جاءت مع أختها كما اقترن الكوكب والسعد، والتقى الجيد الأغيد والعقد، وشانوا ببعرهم الدرر، وبحممهم الغرر، وكان كلامهم كالبرص في أديمه، والكسوف في نجومه، وعلم الله أنهم لو ردوا مردا، وتحدوا متحدى، وذهبوا صددا، لما أنفت ولا قلقت، ولا حرجت ولا ضجرت، ولأنصت وأنصفت وانقدت، فقد قال السلف الصالح: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا؛ وقالوا: الفاضل من عدت سقطاته؛ وقال ﵇: ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه. والمرء في سعة من عقله ما لم يقل شعرا وينشئ كلاما، وما أبرئ نفسي، ولا أعجب بأمري ولا أفخر، ولا أذب ذب المزدهي بما حبر، فما أحد أنشأ نثرا، ولا قال شعرا
[ ٥ / ٣٨٤ ]
إلا استدرك عليه، وفوقت سهام القول إليه، وما أكثر أحد إلا أهجر، ولا أطال جواد المدى إلا عثر، ولا سبر معين إلا تغير، وقد لحن النحويون عبد الله بن عامر في قراءته ﴿ولا يحق المكر الشيء إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣) وقال أبو عمرو بن العلاء: ما قالت العرب قط: برق البصر، بفتح الراء؛ ولحنوا يعقوب في فراءته ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ (هود: ٧٨) وقال بلال بن أبي بردة ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (الزمر: ٥٣) - بكسر النون - فقال أبو عمرو: لحن الأمير، فسأل عيسى بن عمر فقال: اللغتان مقولتان؛ وروي عن الحسن أنه قال: على من تنزل الشياطون، وقال عثمان ﵁: إني أرى في المصحف لحنا ستصلحه العرب بألسنتها. وقال عمران بن حطان: لقد خطبت فحسبت أني بدرت، فسمعت فتية من تميم تقول: أي خطيب لولا أنه عطل خطبته من القرآن؛ وسموا خطبة زياد " البتراء "، وفسر العتبي قوله تعالى ﴿شديد المحال﴾ بفلان إذا كاده؛ وقال الرماني في كتابه " في المذكر والمؤنث ": العصر
[ ٥ / ٣٨٥ ]
يجمع أعصر في القليل وعصر في الكثير، ويجمع الجمع فيقال أعاصير كما قال الشاعر:
وبينما المرء في الأحياء مغتبط إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير [١٠٤ ب]
فالأعاصير جمع أعصر، والياء في الأعاصير زائدة؛ ووهم الرماني، إنما الأعاصير جمع إعصار وهي الريح الشديدة، قال تعالى ﴿فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت﴾ (البقرة: ٢٦٦) وقال الشاعر:
الناس بعدك قد خفت حلومهم كأنما نفخت فيها الأعاصير
وذكر أبو حاتم في " التذكير والتأنيث " عن عمارة بن عقيل، وأنشد الصولي في كتابه " في الشبان " لبعض قريش يوم فتح مكة:
خزرجي لو يستطيع من البغض رمانا بالنسر والعواء
وأخذ على جميع المؤلفين بحق وباطل، ولولا الاشتهار في الأمر ومذهب الاختصار لأوردت منه الجزيل الطويل، والموصوف المعروف، والكثير الغزير، والموجود المعدود؛ ولكن هذا الرجل أبدى عواره، ورفع شناره، وكان مستورا موفورا، يقلد فيه، وينصب لدعاويه، ويحتمل على المعرفة سرائره ومفاديه، فأساء أدبه، وهتك حجبه، وفضح مذهبه:
لم تكن عن جناية لزمتني لا يميني ولا شمالي رمتني
بل جناها أخ علي كريم وعلى أهلها براقش تجني
ويشهد الله لقد كنت أيام محاولته لاطفاء نوري، ومبادرته تقبيح الحسن
[ ٥ / ٣٨٦ ]
من أموري، أذكي أنواره، وأطلع أقماره، وأرفع للساري مناره، وهو يدب الضراء، ويسر حسوا في ارتغاء، ويمالئ الحسدة والأعداء، ويحارب معهم الأولياء، فجاهر بكتم ذكاء، وخسف نجوم السماء، ولم ينظر حتى يكون التقديم مع المشاهدة والضور، فيعذر في تقصير لو كان أو تعذير، على أن الخلة، وشرط الأخوة والمروة، أن يناضل بظهور الغيب ويحامل، ويناصب دون الباطل ويجادل، بحكم الأدب، الذي هو أمس رحم وأوكد نسب، فكيف بتزييف المنتقد، وتضعيف القوي، وطمس الشمس، ورد العيان، والمجاهرة بالإفك والبهتان، وصد ما تقدم به الحجة بما لا تقوم له حجة ولا برهان، وما زلنا نشاهد الشيوخ يحسنون التأويل، ويسرون الخلل الجليل، فلم يجر أبو الحسن على سننهم، ولا تأدب بأدبهم، وكم أعرضت عن تصانيفه، وربأت بتواليفه، كرده على يعقوب في " إصلاح المنطق " بما هو المردود المحدود، والمكروه المنجوه، وكخرافاته المضحكات في " شرح الحماسة: وك " المحكم " الذي ليس له معلم، و" المخصص " [١٠٥ أ] الذي لو كتب بالسين لكان أشبه بصفته، وأليق بحليته، وأكثر هذا الكتاب " المخصص " مصحف محرف، وكنت شرعت في استخراج ما ضمه من الكلم المصحفات والحروف المحالات، ولما أحس بالمكوى:
والعير يضرط والمكواة في النار
[ ٥ / ٣٨٧ ]
لاذ بأنه كان إذ ألفه محجورا، فيا له عذرا يسمى تعذيرا، وقد أتت عليه الدهور، وأخذ عنه الفرض المشهور، والجزاء المذكور، كما أعطي القصب غير السابق، وخلق غير الخليق اللاحق، وما أعظم منتشبه، وأشام عليه نسبه!!
ولم آت أكثر مما لمحت له هذه الخطبة، كما خطفت البرق، ورجع الطرف، وكجلوة العروس، وقعدة الخطيب، فوقعت عيني منها على منكر مستشنع، ومكروه مستشنع، ومقطع مستضعف، ومنزع مستخلف، كلها زيوف فلا تنقد، وهراء فلا تحدد، رداءة أقسام، ودناءة كلام، وقعقعة زخاريف، وجعجعة أراجيف، وإجلاب بعساكر، وركوب في مواكب وجماهير، ومديح لنفسه، وثناء على ذاته، وتعظيم لشانه، وتكبير لسلطانه، وذكر لشرح جاليوس، ووصف فرفوريوس، وخطأ وضع، وتحريف شعر، ومردود لفظة، وادعاء باطل وهجر، واسجاع كأنها قعقعة القراع، ووعوعة المصاع، مؤدبية المنزع، قلقة الموضع، خشنة الموقع، ملأها خمسين ورقة بهذيانات وترهات، وتزويرات وسخافات، [من عراب ارتبطها، وسيوف اخترطها، وجارية وصفها، وريقة رشفها] وفرية قرطها وشنفها، وعظيمة من
[ ٥ / ٣٨٨ ]
المنكر تسمنها واعتسفها، وموبقات زيف بها حديث رسول الله ﷺ وصحابته، وصنفها، وآثر عليها آراء الفلاسفة وشرفها، ولم يأت فيها بكلمة من كتاب الله تعالى، ولا من حديث رسول الله ﷺ وصحابته، ونعوذ بالله من الخذلان، ونزعات الشيطان.
فصول من خطبة ابن سيده مما نقد ابن أرقم عليه
ذكر الخضاب فعابه، وذكر من خضب فسفهه وجانبه، وقال: هذا خطيب اليونانية غليانش، وهو الذي يوثق بكلامه ويستانس، قد قال: إن التسويد من الزينة الآنيثة، فلا يستعمله من الأنام إلا أهل الطينة الخبيثة.
الرد: تأملوا واعتبروا يا أولي الأبصار، قد علم الكبير والصغير، والخطير والحقير، أن الشيب معيب، وأن السواد مرغوب، وأن آدم ﵇ لما رأى شيبة بلحيته فزع منها، وأن رسول الله ﷺ روي عنه الخضاب، وأما صحابته الأكرمون، وعترته الطيبون، فكلهم خضب شيبه وغيره وستره، ولما جيء [١٠٥ ب] يأبي قحافة إلى رسول الله ﷺ ورأسه كالثغامة قال ﵇: " هلا غيرتموه "؛ وكان معاوية حيث كان من الجلالة والأصالة، له خاضبة تخضبه بالسواد، ولما فرغت مرة من خضابه أنشدته:
هل عندك اليوم شكر للتي جعلت ما ابيض من قادمات الرأس كالحميم
[ ٥ / ٣٨٩ ]
وفي السواد إغلاظ على العدو، وتجمل للأهل، وتسكين للروعة من الشيب، وتأنيس للنفس، وتعليل للقلب، وهل هذه النكتة من أبي الحسن تخفى، او هذه الزرعة يكتم منها فحوى، أو يستر لها مغزى -!
وقال في فصل منها: " والحساد في كل ذلك تكسر علي أرعاظها ولا تفتر من النظر إلي ألحاظها، وأنا أنشدهم ما أنشدته عن أبي العلاء صاعد بن الحسن الربعي عن أبي رجاء الضبعي:
حسود كئيب القلب يخفي أنينه ويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن ظلت للعلم طالبا أجمع من عند الرواة فنونه
وأكتب أبكار الكلام وعونه وأحفظ مما أستفيد عيونه
فيا حاسدي دعني أغال بقيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه
الرد: في هذا البرسام غريبتان، إحداهما مقالة الحاسد الذي يكسر عليه أرعاظه، قوله " دعني أغال بقيمتي "، هذا جواب الأولياء، لا جواب الحسدة والأعداء، والأخرى تحريفه الشعر عن وجهه، وصرفه عن كنهه، ولو تبين وقرأ طرائق الشعراء، ومذهب الفصحاء والخطاب، لما استجازه، ولأجاد نقده وإحرازه، فهذا الشعر لأحمد بن المعذل مشهور مأثور:
غزال سقيم اللحظ يخفي أنينه ويضحي كئيب القلب عندي حزينه
ونسي نفسه أبو الحسن في تأمل البيت الأول: وكيف يجمع فيه " كئيب
[ ٥ / ٣٩٠ ]
القلب " " كئيب البال " وكيف يكون حزين البال، والشاعر منزه عن هذا السقط، مبرا من مثل هذا الغلط، ولم ينظر بالعين الجلية، فيرى فساد القضية، وأن الحسود ليس من رسمه، ولا من رسم العرب في وصفه أن يلوم على طلب العلم، ولا يرجع بمثل هذا الرفق، وإنما أراد أحمد ابن المعذل أن من إلفه وأنسه، فتغرب عنه إلى طلب العلم نفسه، يلومه على تشاغله عنه وتباعده منه، وأومأ إلى صبره وجده في طلب العلم وبحثه قول أحمد ينظر إلى قول كثير: [١٠٦ أ]
إذ ما أرد الغزو لم تثن همه حصان عليها نظم در يزينها
وقال الحسن:
تقول التي من بيتها خف مركبي عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت وعزتها سوابق أدمع جرت فجرى في جريهن عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلة إلى بلدة فيها الخصيب أمير
وقال:
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع
وقال أبو الحسن في فصل آخر منها: " يرهب ألا ترجح أعماله يوم القيامة قسطاسه، وألا تنجح آماله فيؤتى غير ذات اليمين قرساسه "
[ ٥ / ٣٩١ ]
الرد: ضم قاف قرطاس كما ضم قاف قسطاس للمشاركة، على دناءة اللغة، ووحاشة التقفية، وفساد المقابلة، وجور القسمة، ولم يرد أن القسطاس - بكسر القاف - لغة شائعة قرأتها بها القراء، ونطقت بها الفصحاء، ولو علمنا لما احتاج إلى هذا المرمى البعيد، والمنحى الزهيد، والوجه الشتيم، والغرض الذميم.
وفي فصل منها: " وكذلك أنضيت عراب الخيل، فرميت بها حمامة النهار وغراب الليل ".
قال ابن أرقم: وليس من شأن العراب أن يرمى بها الحمامة، النهار وغراب الليل ".
قال ابن أرقم: وليس من شأن العراب أن يرمى بها الحمامة، والعراب هذه استعارة غير متصلة، وقلادة غير منتظمة، وفقرة غير مرتبطة، ومن يقول رميت الحمامة بالعراب، يلزمه أن يقول: جاريت الصبا بالسهام.
وقال في فصل آخر: " حين استقدمت سنابكها سبائك العقيان ".
قال ابن أرقم: يقال له مع تكرر سيناتك أرنا استقدحت، وأرنا السبائك من نتاج الاستقداح، فإن تلك استعارة لا تحسن ولا تتصل، وقضية لا تتمعنى ولا تتحصل؛ ومثل تكرر هذه السنات ما يحمل عن بعض المؤدبين بشرق الأندلس، وكان يصفر في الصاد والسين صفيرا منكرا، أنه قال: يا سادة، يا جيران المسجد، سقط الطاووس من سقف موسى ابن أبي الغصن، فكسر ساق صبيتنا؛ انتهى ما اقصصته من رده على ابن سيدة.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
جعل له من الانشاءات السلطانيات
فصل له من رقعة عن ابن مجاهد إلى صاحب مصر: وبعدها لزم الاستفتاح به وهي الإصباح شهبه، فإن مولى الحضرة الطاهرة - صلوات الله عليها - اعتمد قضاء حقها [١٠٦ ب] وإتيان وفقها، وعليه من حلل النعمة أضفاها، ومن حلل السعادة أبهاها، ومن جنن السلامة أوقاها، ومن قبله من أولياء الحضرة وحذاها، وعبيد دولتها، وسهام كناتها، وشهب سمائها، ورقيق ملكها، وشيع ملكها، المستنجحين بطائرها السانح، المتبركين بفضلها اللائح، في كنف الله وعصمته، وخفارة سعد أمير المؤمنين وذمته، وما ولاه الله من البلاد، وخوله من العتاد، وأولاه من تالد ومستفاد، على ما يرضي أمير المؤمنين وفور عدد، وظهور يد، وانه سلف لمولى حضرته الطاهرة الاستئمار في تفيؤه لبرود ظلالها، والاستئذان في ادراعه لبرود أفضالها، وارتضاعه لحلمات قبولها وإقبالها، وقدم عقيلة نفسه ورائد قلبه، ووصف مبادي نزاعه وطلائع انجذابه، ودواعي مهاجرته، وجواري مفاتحته، وأعلم أنه ذخرها ليومه وغده، واعتدها لنفسه وولده، فإنها الشمس بعد جرمها وكثر ضوءها، ونأى محلها ودنا ظلها، فصدرت المراجعة الباهرة بما أضاء جوانحه، وزجر سوانحه
[ ٥ / ٣٩٣ ]
وأمرع مواطنه ومسارحه، وتبين السعد معانقه ومصافحه، وصادف رائد قلبه مرادا خصيبا، وريحا جنوبا، وتقبل المولى منها مراحا مروحا ومقيلا، وتتوج رسم الخلافة المستنصرية إكليلا؛ وإن بعدت أقطاره، فعلى مقدار بعد الهجرة إيثاره، وما تتأتى السبل، ومتون الرياح الحوامل والرسل، فإن لم تكن سليمانية النصبة، فإنها علوية النسبة، فالآن استمر المرير، واستقر الضمير، واطرد الأمر على بصير، فتنسم مولى الحضرة وياها عطرا، وراد روضها زهرا، وشام برقها ممطرا، واستوضح هلالها مبدرا، وارتشف ماءها خصرا، فما الشكر وإن جزل، يرقى ثنايا ذلك الإنفصال والإنعام، ولا اللسان وإن جعل يتعاطى ذلك الثناء ولا الأقلام، ولا الجهد يقدر قدر ذلك الإكبار والإعظام، ولا الوجد يفي بتلك العوارف الجسام، ولا الطوق يقوم بأعبائها حق القيام، وأي وسع يباري البحر وهو طام، وأي طوق يطيق ركني شمام -! ولو كانت للمولى بالقدر يدان، وساعده إمكان، وساعفه زمان، لأم شخصه كعبة الآمال، واستقبل بقصده قبلة السعد والإقبال، واستلم بيده ركن الإنعام والإسبال، فإذا لم ينسك محرما، ولم يقرب مستلما، ولم ينقل إليها قدما، فحسبه النية التي هي أس البنية والطوية، على نائي الطية، وما تيسر من هدي يهديه، وعمرة عنه تجزيه، وإن شط المحل.
وسلفت السير، واستمرت المرر، بإطراف الموالي [١٠٧ أ] سادهم وإتحاف الأولياء ذادتهم، وإلطاف الخدام قادتهم، على سمح الأوان
[ ٥ / ٣٩٤ ]
لا على الخطر والشان، وعلى حكم التخدم والاهتبال، لا على حكم الهمم والأحوال، فما النفوس: فكيف النفائس وحاملوها، ولا الدنيا وأهلوها، ولا الأرض وعامروها، بكفاء لبعض واجبات الحضرة، ولا بجزء من أجزاء فرضها، ولا لنبذة من جمل قرضها، ما عدا أن الله سبحانه قبل منا اليسير، وصفح عن التقصير، وتجاوز عن الحقير، فألف المولى أشتاتا، ونظم أفرادا، وجمع أصنافا، وهيأ ألطافا، من تحف أفقه، وخواص أرضه، وغرائب مغربه، وطوائف ثغره، شرح أنواعها، وأفراد جماعها، ونثر نظامها، وفصل تؤامها، في ملطف طي مكاتبته هذه، وأودع ما نوعه، وضمن ما جمعه، حربيا من أشد نمطه حصانة، وأوفره أمانة، وأكثره عدة وعدة، وأفضله جدة وجدة، وأبهجه حلية وبردة، وتفاءل المولى في اسمه ووسمه، فخرق أديم البحر على اليمن والطائر السعد، والفأل الصدق، كأنه هلال سائر، أو عقاب كاسر، أو باز مهابذ، أو شهاب قاقب، أو سهم نافذ، ولحضرته الطاهرة - صلوات الله عليها - تأكيد العارفة، وتأييد الصنيعة، وتشفيع الكرامة في حسن القبول، والتجاوز عن خلل المعقول والمقول، وتأول أمر مولاها أحسن التأويل.
وله من أخرى مثل ذلك إلى الوزير هنالك: أطال الله البقاء، وأدام العزة والعلاء، والسعادة والنماء، ورحب الفناء، ونضارة الأرجاء
[ ٥ / ٣٩٥ ]
لحضرة سيدنا الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين، ولا برحت القلوب حوائم على شرعته، كما زين نحرها بقلائد الخلافة، وحلي جيدها بنظام الأمامة، والشمس محل السعد:
* وفي عنق الحسناء يستحسن العقد*
فما أظلم ليل كان سيدنا صبحه، ولا أبهم معنى كان شرحه، ولا أساء زمان كان حسنته، ولا بخل وقت كان موهبته، ولا أذنب عصر كان عذره، ولا ذوى روض كان زهره، ولا أوحش أمر كان أنسه، ولا أظلم أفق كان شمسه، ولا عطل نحر كان حلية، ولا ضل ملك كان هديه.
وإني أطال بقاء حضرة سيدنا، وإن لم أحل بمكاتبته تقليدا، ولم أحظ بمداخلته مستفيدا، فبه أثمر غرسي، وله انتظم غدي وأمسي، وعليه تهدل جنى نفسي، فمحاسنه التي ملأت الملوين، ثنتني فانثنيت، وأنواره التي طبقت الخافقين، هددتني فاهتديت، فسرت إليه مسير السيل إلى قراره، وانجذبت نحوه انجذاب النجم إلى مداره، وجريت على نهج أبي ﵀ -[١٠٧ ب] الحضرة والمكاتبة لها والمهاجرة إليها، وما ندي لي من ثراها، وتمهد لي من رضاها، وأحظاني من سني جوابها، وبهي تحيلها، والإقبال علي بقبولها، فذلك الفخر تاج على مفرقي، وذلك الفضل طوق في عنقي، فحق أن تتأكد بصيرتي، وتستمر مريرتي، وأطرد على وتيرتي، فلا أزال مطالعا وخادما لها.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
وسبقت السير، واستمرت المرر بأن يطرف المولى سيده، ويلطف الولي معتمده، وقلت الدنيا وصمتها، والأرض ووفرها، لمستمسك بحبل الحضرة؛ ولا جرم أنها خدمة تخبر عن همة، وسيرة تنبئ عن سريرة، وقربة يتقبل [فيها] الوتج الحقير، ويتجاوز عن القصور والتقصير، علما بأنها على الاختفاء لا على الاحتفال، وعن الإخبار عن الضمير لا على الأخطار، فهيا شيعة سيدنا وصفوته، سمح الأوان، وعجالة الإمكان، على النوى القذوف والنتأى الغروف، أندادا من ألطاف حوزته، وأفرادا من خواص عمله، وأعدادا من تحف جهته، يشرف بعضها بحضرة الخلافة، وبعضها بحضرة الوزارة؛ وضمنها من بياض خاصته: [حربيا] حصين البنية، أمين الطوية، رائق البردة، وافر العدة، تقلده الأستاذ أبو الحسن كوثر نعمته، وعهده الحضرة، فنفذ في حفظ الله وصحبته، وفي كفالة سعد أمير المؤمنين؛ وسلك البحر كأنه في أديمه شامة، بل في سمائه غمامة، وحضرة الوزير - أعزه الله - تسد في الجهتين الخلل، فتحمل وتجمل، وتقبل وتتقبل، وتغتفر خطل ما نقول ونفعل، وتتأوله إن شاء الله أحسن التأول، وتكسوه المعرض الأجمل، فهي الهادية لضوال الآمال، المحلية لعواطل الأعمال.
[ ٥ / ٣٩٧ ]
وله من أخرى: وقد علمت الحضرة - صلوات الله عليها - أني مستمد التعلق بحبها من كثب، ووارث التحقق بفضلها عن كلالة أدب، على هذا المهاد نشأت، وبهذا القرار ثويت، ومن هذا الثمر اغتذيت، وبهذه البصيرة تتوجت وارتديت، وقد كان للموفق أبي، مولى الحضرة، منزع علق بسببه، وأرب وسم أجمل وسم به، أن يثبت في ديوان مكاتبتها اسمه، ويلحق في رسوم خدمتها رسمه، ويحرز الخصل في ميدانه، ويبرز في افقه وزمانه، ويحلي مغربنا بما لم يكن حاليا به، ويفض عذرة أمر لم يهتد لجانبه، فوافاه حمامه - أكرم الله نزله - وهو في ذمائه يمهد أكناف نيته، ويقيم شرفات بنيته، فقضى ولم يسعده القضا، ومضى ولم يكن الأمضى؛ ثم دفع مولى الحضرة - أنا - إلى فتن جذبته عن تلك الفرائض؛ وقبضته من تلك المعارض. ثم إن الله تعالى أيد مولى الحضرة فمهدت له هنيئا من الظفر، ونتجت [١٠٨ أ] له سنيا من الوطر، فلما فرغ لنيته التي كانت أمام ذكره، وملء صدره، أزمع الإيراد لآماله الحائمات، والسفور عن هممه المتقنعات، والإنزال لعزائمه المرفقات، فها نحن واردوا تلك الحياض، وخارقو ذلك الوفاض، ومنبضون إلى تلك الأغراض، فلسنا في تلك القوافي إقواء
[ ٥ / ٣٩٨ ]
ولا في ذلك المضمار بطاء، ولا سهمنا غلاء. ومولى الحضرة مملأ من كرمه مؤيده بجنوده: من كتائب تملأ الفضاء، وتغشي الدأماء، فتصدعها بجبال كالرياح، ورياح كالجبال، ثانية الأقدار، وثالثة الليل والنهار، تحمل من قد قامت من آساد هي خدورها، وصوارم هي غمودها، وسهام هي كنائنها، وأفئدة هي جوانحها، فلو لقوا المنايا لصرعوها، أو ضربوا الجبال لصدعوها، أو رموا الأوهام لقرعوها، أو راموا النجوم لفزعوها.
وفي فصل منها: ولم يكن ليقدم إليها غير الإستئمار، ولا ليقصد نحوها غير الإشعار، لتكون بضائعه خوالص الإضمار والإظهار، وطلائعه سوابق الإسناد والاستظهار، فهي أعز جنابا، وأعظم مهابا، من أن يقرع إليها بابا إلا بإباحتها، ويصل منها حجابا إلا بسماحتها؛ ولما جرد مولى الحضرة هذا المذهب من البأو بمكاتبتها، ولخص هذا الأرب من التشرف بمراسلتها، رأى من توقيرها وتكبيرها، تقليدها من يكون كفيلا بها أو طيقا لتحملها، فندب لها من أبناء الوزراء، وصفوة الظهراء، من له السابقة المذكورة، والعين المشهورة، والأحوال الخطيرة، والخلال المشكورة، ودماثة الجانب وسكون الطائر، مضمنا مركبا
[ ٥ / ٣٩٩ ]
من مراكبه، يدل به مدل الليل بالصباح، وينم عليه كما نمت على الزهر الرياح، خلا أن من سكن المغرب الأقصى، وجاور الثغر الأعلى، وجاذب اللسان الأجفى، وارتضع الجعجعة الخشناء، والعجرفة الصماء، ثم حاول حرمة الخلافة العظمى، والحضرة العليا، وغشي مصر الإسلام ونخبة الأنام، ومحفل الجماهير العظام، فمعذور أن تعشيه أنوارها، ويغشيه إكبارها، وتحضره مهابتها، وتخرسه جلالتها؛ ومن فواضل الحضرة وسرعان إنعامها، وبواكر إكرامها، إرقاؤه إلى البساط المعظم ليلثمه، وإدناؤه [من] الحرم المكرم ليستلمه. ولو أن مولى الحضرة يستعير الروض نشره، والمسك عطره، والبحر دره، والسحات قطره، والزمان عمره، وعطارد نظمه ونثره، فيسد بها الأفقين، ويملأ ما بين الخافقين، ليوصل معقده، ويؤدي تعظيمه وحمده، وينهي كنه ما عنده، لما استوفت عده، ولا سبرت عده. [١٠٨ ب] .
وله من أخرى إلى الوزير هنالك: فالحضرة العلية معنى هو شرحها، وشمس وهو صبحها، وأذن وهو قرطها، وجيد وهو عقدها، ومعصم
[ ٥ / ٤٠٠ ]
وهو سوارها، وعين وهو نورها، ورأس وهو عينها، ومبسم وهو ثغرها، وكف وهو بنانها، ورمح وهو سنانها، وحسام وهو غرارها، وسماء وهو بدرها، وروض وهو زهرها، وساق وهو قدمها، ذلل لها المستصعبات، وفتح لها المبهمات، وأوضح لها المشكلات، وأضاء لها الظلمات، وأن انتظامها به، وكمال بهجتها بخدمته، وتمام سعادتها بولايته، وأرج نشرها بمظاهرته، وبروز سبقها بمؤازرته.
وكان للموفق أبي نهج لمداخلتها، ومفتتح لمراسلتها، لم يفارقه - روض الله مثواه - إلى أن فارق دنياه، فكنت أبا عذرتها، وفاتق أكمتها، وفاتح مرتتجها، وسالك منهجها، فبرزت بين أبناء مغربي في مداخلتها وعرض صاغيتي وخدمتي عليها، وتوفيد مكاتبتي ومراسلتي إليها، في مركبي الذي أعلمته خالا في صفحة البحر، وسويداء في مقلة العصر، ووصلت بمكاتبتي من هو لها كفؤ، ولي ظهير ونشأ، من أبناء أهل الخطر، وذوي الشرف والقدر، ومن له الشيم الهادية، والريح الساكنة، والمناصحة البالغة، فلان، [أحد أبناء الحضرة، وذوي السرو والقدرة]؛ إلا أن أهل مغربنا مرتضعون العجمة، مدرعون الحشمة، بمصاقبة الثغور الخشنة، ومجاذبة الألسن الثقيلة، وممازجة الأمزجة الكليلة، فمن
[ ٥ / ٤٠١ ]
دفع منهم بعد إلى خدمة الخلافة العلية، وجاور الألسنة العضبة، وشافه النفوس الرطبة، وداخل الأمزجة العذبة، وارتقى إلى سماء تلك العزة، فعذره مقبول، وأمره على الاجتهاد الأصيل والاعتقاد النبيل محمول، وما الأقلام وإن مدحت، ولا الأقوال وإن جمحت، ولا الأوصاف وإن سمحت، بمعبرات عما عنده من حسن الصاغية، وخلوص الناحية، والممالأة الصافية، والمناصحة الزاكية، والخدمة الوافية؛ وإن بعد مثواه فلم يبعد من كانت الضمائر وسائله، والرياح رسائله، ولا تكتم النيرات عن حدقه، ولا تنحرف أفلاكها عن أفقه، ولا تتجافى [في] مسالكها عن طريقه.
وله من أخرى في مثله: وإن مولى الحضرة العلية لما حمل من تأميلها ما أضاء جوانحه، وارتسم من خدمتها ما أراه سوانحه، فتعرف اليمين باكره ورائحه، وتبين السعد معانقه ومصافحه، تفيأ برود ظلالها، ليدرع برود تشريفها وإيفضالها، ولرتضع حلمات جنابها، ليستدر أخلاف طلابها، واستأمر بخطابها، ليحظى بسني جوابها [١٠٩ أ]، ووجه من صفوة نظرائه أبا مروان بن نجية، معلما باستئماره، مستظهرا باشعاره، بعد أن صفت نطف سرائره، وتبلجت أزاهر ضمائره، وثريت أرض صلغيته، ونديت
[ ٥ / ٤٠٢ ]
روض طاعته، وكادت تورق صفاة طرقه، وتعشب حصى أفقه، وتطلع من عزيمته الشمس، وتثمر آماله قبل الغرس، وكاد الجسم يسبق النفس، والناظر يقدم الحس، بصريمة تخلج خلاج المنتوى، وتحتز وداج النوى، عودها نضار لا عرار، وسرها محض لا سمار.
وفي فصل من أخرى: حضرة سيدنا - أيده الله - قلائد يروق على نحر الخلافة نظامها، وتخفق على عاتق الثريا أعلامها، تبرئ الأسماع من صممها، وتشفي الصدور من وحرها، وتصح الجسوم من وصبها، وتريح النفوس من نصبها، كما تصك أسماع العدا، وتخلع قلوب من ناوا، وتقض جسم من عصى، وتقطع وريد من اعتدى، فهي حياة وردى، وشهب وقضب، ونجوم ورجوم، لا برحت تمطر الولي ربيعا، والعدو نجيعا، ولا زال سيدنا حسام عاتق الملك، وواسطة ذلك السلك، وخالصة ذلك السبك، فإنه سرى إلي من مآثر حضرته ما أخجل المسك رياه، وكسف الشمس محياه.
ولم يحضرني من شعر أبي الأصبغ حين تحرير هذه النسخة إلا هذان البيتان من مرثية في ابنته:
انكسفي ويحك يا شمس واره بما ضمنت يا رمس
في سر أجفانك لي مقلة وبين أضلاعك لي نفس
وابنة أبو عامر: بوادي آش من عمل المرية، ناظم ناثر، ولم يقع
[ ٥ / ٤٠٣ ]
إلي من شعره ما أجعله سببا إلى ذكره، إلا نتف يسيرة تدل على انطباعه، كدلالة الفجر على انصداعه؛ له:
سريت والليل من مسراك في وهل مبرأ العزم من أين ومن كسل
وسرت في جحفل يهدي فوارسه سناك تحت الدجى والعارض الهطل
هوت أعاديك من سار يؤرقه ركض الجواد وحمل الأمة الفضل
إذا الملوك نيام في مضاجعهم مستحسنون بهاء الحلي والحلل
لله صومك من أيام فطرهم وما توخيت من وجه ومن عمل
نحرت فيه الكماة الصيد محتسبا وحسب غيرك نحر الشاء والابل
إذا صرير المدارى هزهم طربا ألهاك عنه صرير البيض والأسل
وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة مضيت قدما ولم تأذن إلى العذل
كم ضم ذا العيد من ولاه به غزل وأنت تنشد أهل اللهو والغزل:
" في الخيل والخافقات البض لي شغل ليس الصبابة والصهباء من شغلي "
ظللت يومك لم تنفع به ظمأ وظل رمحك في عل وفي نهل
وكلما رامت الروم الفرار أتت من كل أوب وضمتها يد الأجل
فصار مقبلهم نهبا ومدبرهم وعاد غانمهم من جملة النفل
فكم فككت من الأغلال عن عنق وكم سددت بهذا الفتح من خلل
أنت الأمير الذي للمجد همته وللممالك يحميها وللدول
وللمواهب أو للخط أنمله ما لم تحن إلى الخطية الذبل
[ ٥ / ٤٠٤ ]
لمزدلي لواء كان يرفعه مناسب كالضحى والشمس في الحمل
الجابرين صدوع المعتفي كرما والكاسرين الظبا في هامة البطل
والعادلين عن الدنيا ونضرتها والسالكين على الأهدى من السبل
خير التبابغ والأذواء من يمن الغالبين على الآفاق والملل
يسود في آخر الأعصار آخرهم وساد أولهم في الأعصر الأول
يا أيها المالك المرهوب صولته والمرتجى غوثه في الحادث الجلل
من كابد العدم لم يكمل له أمل والعدم من أقطع الأشياء بالأمل
فاصفح لعبدك يا مولاه مغتفرا ما كان من خطأ أو منطق خطل
وكتبت شافعا: سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وسراجي الأجلى، ومن أبقاه الله والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصلة - وصل الله جذلك - حيوان، يصفر كل أوان، ويسفر بين الإخوان، رقيق الحاشية، يعتمد على كرواء، ويستمع بخذواء، وينظر من عين كأنها عين، ويلفظ بمنقار كأنه من قار، يسلي المحزون، بالمقطع والموزون، وينفس عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع الفلاة، وعمرو بن السعلاة، قطع من منابت الربيع، إلى منازل الصقيع، ومن مطالع الزيتون، إلى
[ ٥ / ٤٠٥ ]
مواقع [١١٠ أ] السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يذهب قوى الجليد، ومن البرد، ما لا يدفعه الريش والبرد، والحدائق قد غمضت أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفور، بحبال الكافور، وأوقعت الصرد، في حبائل الصرد، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزور من لم يشهده. ولما فال رأيه، [وأخفق] أو كاد سعيه، التفت إلى عطفه أشمط، وإلى أديمة أرقط، فناح، ثم سوى الجناح، وقد أنكر مزاجه، ونسي ألحانه وأهزاجه، ولا شك أنه واقع بفنائك، راشف من إنائك، آمل حسن غنائك واعتنائك، وأنت بارق ذلك العارض، ورائد ذلك الأنف البارص، تهيئ له حبا، يجزيك عليه ثناء وحبا، وقد تحفظ يا سيدي رسائل، جعلت له وسائل، فسام بها أهل الآداب، سوء العذاب، ودعا البطيء منهم إلى الإهذاب:
*وابن اللبون إذا ما لز في قرن *
لا زلت منافسا في العلوم، آسيا للأحوال والكلوم، إن شاء الله ﷿.
وله في أبي محمد الزبير بن عمر، مكن الله سعده، وقد قدم
[ ٥ / ٤٠٦ ]
مرض وأراد الغزو:
صحت بصحة جسمك الأحوال واسترجعت أرواحنا الآمال
ووقى الإمارة من وقاك بمنه فسرى إليها السعد والإقبال
والتاج بدر للعلا متألق واهتز غصن للندى ميال
واعتاد [من] لعد الذبول نضارة واعتاد بعد النقص ذاك كمال
لم يثن عزمتك الضنى عن وجهة فيها نكال للعدا وقتال
فأخذت بالأثر الصحيح وإنما بيد الإله البرء والاعلال
لله أخلاق الزبير فانها للمعتفين الروضة المحلال
ومحاسن منه تروق، ببعضها سادت على مر الزمان رجال
فمناسب ومفاخر ومعارف وديانة وبسالة ونوال
أرجو مساعيه وأما ماله فعليه إن مال الزمان يمال
لكتبتها مستعجلا إذ ما تني لا يقتضى بنسيئها استعجال
سيكون منه وإن بعدت تخدم يدني المراد، وإن سكت مقال
لا زلتما في عزة وسعادة تغشاكما من أجلها الآمال [١١٠ ب]
وله في الأمير تاشفين:
[ ٥ / ٤٠٧ ]
أيا أيها الملك الأعظم أضاء بك الزمن المظلم
وزينة منك تلك العلا كما ازدان بالغرة الأدهم
أدال الشقاء لنا بالنعيم فينعم من كان لا ينعم
وأقبل مستعتبا مثلما تنصل من جرمه المجرم
فنشكر نعمى أتانا بها ولا بد أن يشكر المنعم
نهضت وحولك لمتونة كما حف بالقمر الأنجم
بكل أغر طويل النجاد له المجد والشرف الأقدم
يلوذ به البائس المعتفي ويرهبه الفارس المعلم
إذا سفروا فهم كالبدر وهم كالأهلة إن لثموا
فيا حسنهم إن تجلوا ضحى وقد ركبوا الخيل واستلأموا
ومدهم الله من عنده بجند من النصر لا يهزم
فحكمهم في الذي أملوا وأظفرهم في الذي يمموا
وحلوا بارض العدا فانبرت على كل ناحية صيلم
فكل رجالهم قتلوا وكل معاقلهم هدموا
كأن الجماجم بذر لهم وسقي الذي بذروه الدم
فقل لرئيسهم أين ما حكمت لقد ساء ما تحكم
تعاطى الثبوت على زعمه فلم يغن عنه الذي يزعم
ورام الفرار فلا مجهل يفر إليه ولا معلم
وأضحى ومركوبه أبلق فأمسى ومركوبه أدهم
أتى والبنود على رأسه مهانا وتحسبه يكرم
[ ٥ / ٤٠٨ ]
يصرصر عقبانها فوقه ويصفر من بينها الأرقم
لتهنأ هذي الفتوح التي تناسق كالدر إذ ينظم [١١١ أ]
على الشرق والغرب من عزها حفيظ ومن حسنها ميسم
ولولاه كان السرور الذي أقر العيون بها مأتم
رجوت الأمير لعلمي به وما جاهل مثل من يعلم
وقلت عسى المحل أن ينجلي ويعقبنا الوابل المثجم
فقد يقرب النازح المنتأي وينفتح المغلق المبهم
بني تاشفين سلمتم لنا فمهما بنا نسلم
وأنت لدين الهدى عصمة بها يحتمي وبها يعصم
خلافتكم غير مجهولة وسر إمامتكم تعلم
فلو ينطق الله فينا الجماد لناجتك - أعظم بها - زمزم
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي المطرف بن مثنى
وهو عبد الرحمن بن أحمد بن صبغون، استوزره المأمون يحيى ابن ذي النون عدة سنين، ورمى إليه بيده، في تدبير بلده، فاستقل بأعباء ما تقلد، وعار ذكره وأنجد.
[ ٥ / ٤٠٩ ]
قال أبو مروان بن حيان: وكان أبوه أحمد من أبناء أكابر الفقهاء بحضرة قرطبة بعهد الجماعة؛ وكان أبو المطرف عفيفا دمثا طاهرا الأثواب، حلو الشمائل مطلق البشر، متحققا بصناعة الكتابة، بذ أهل وقته في البيان والبلاغة، وكان مع ذلك يحمل قطعة وافرة من علم الحديث وأنواع الفنون، وتوفي ﵀ سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
فصل من رقعة فيها طول لأبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي إليه منها: أكال الله بقاء سيدي، وجعل درج المعالي مستقرة تحت قدمه، وسرج مسفرة عن بوارق هممه، وظامئات الأماني روية من لعاب سن قلمه، وعذبات الإقبال منوطة بألوية عزائمه وآرائه، وسطوات الأقدار مربوطة بأروية مآربه وأنحائه، وصب نوب الزمان على حسدته وأعدائه.
وفي فصل منها: وقد كانت -[أيدك الله]- رياض أخباره تزهر عندي بنوار الزكية التي هي أشهر من فلق الصباح، وتعبق بمحاسنه الرضية هي أسير في الآفاق من هبوب الرياح [١١١ ب] فتلطف بنوافر الأرواح، حتى كأنها المصافاة بين الماء والراح، فترتع الأسماع
[ ٥ / ٤١٠ ]
من نضارتها في مرتع خصيب، وترفل من غضارتها في ثوب من الأنس قشيب، فلله هذه المناقب التي جعلت العين حاسدة للأذن، والفضائل التي حاجزت بين القلب والبدن، فكلما ازدادت بالأخبار بضائعها أرباحا، ازدادت النفوس إلى تبضعها طربا وارتياحا، وكلما ركضت دهمها في ميادين الفضائل مراحا، استفادت بالإحماد غرارا وأوضاحا.
ومنها: وكنت مررت ببلاد شموس الفضائل في آفاقها مكسوفة، وعيون العلم والآداب في عرصاتها مطروقة، وستائر الأحرار بين أهلها مهتوكة مكشوفة، وجنباتها بأنواع البلاء محفوفة، وقد نضبت في رباعها مياه الأمانة والأمان، ونبعت بين أهلها عيون الخيانة والبهتان، وضعف حبل الديانة فيهم والإيمان، فجنحوا إلى جحود النعم والكفران، وتوسعوا في مطاوعة الظلم والعدوان، فأبدلهم الله من النور في أحوالهم ظلاما، وبالحلال في مكاسبهم حراما، وخص أسعارهم بالغلاء، وجمعهم بالفناء، ولفيهم بالتشتت والجلاء، وللخراب ما يعمرون، وللقتل ما يلدون، وللنهب ما يجمعون، ولغيرهم ما يكسبون، ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ (الزمر: ٤٨) ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ (هود: ١٠٢) .
[ ٥ / ٤١١ ]
ركبت جوادا من العزم قلما امتطاه راكب إلا فاز بمبتغاه، وشكر دأب سيره وسراه، ونثلت درعا سابغة من الحزم لم يندم على ادراعها لابس، ولا استثقل حملها من الرجال أخو نجدة ممارس، فكت عني حلق الخدع من الأعداء والمكايد، وحلت دوني عقد الحبائل منهم والمراصد، فخلصت من دواعي احتفالهم خلوص الخمر من نسج الفدام، والشمس من تحت الغمام، ولم أزل أقطع المفاوز مسجورة، وأجزع الطرق مشحونة باللصوص والدعار، أخفي نفسي إخفاء القنفذ رأسه، واكتم حسي كتمان الغراب سفاده.
وفي فصل: وأكبرت أن أفارق بلد الأندلس وقد أظهر الله فيه إحدى آياته، الدالة على عظم معجزاته، الناطقة بصحة براهينه وبيناته، بسيدنا المأمون بن ذي النون - أطال الله بقاء سلطانه، وقوى دعائم ملكه وأركانه - الذي أيده الله بعناية بسطت قدرته، وأعلت كلمته، فأضرمت شهاب هيبته فملأت القلوب رعبا، وأذكت بوارق سطوته فاختطفت النفوس شرقا وغربا، ومدت بحار سحائبه [١١٢ أ] فاستملك الرقاب
[ ٥ / ٤١٢ ]
عجما وعربا، لأجلوا قذى ناظري ببهي طلعته، وأزين أصغري بتحبير بدائع مدحته؛ وقد كاتبت الحضرة العالية تلويحا بما ذكرته، راغبا في ما اقترحته، من تحسين عرضه بالموقف الأشرف زاده الله شرافة، وتجديد المأثرة في النيابة عني به، وستر عورة إن مرت، وإقالة عثرة إن خطرت.
فأجابه ابن مثنى برقعة أيضا فيها طول يقول فيها: وافى كتابك، فحين لحظته تلقيته بيد المقدم، والتزمته التزام المحب المكرم، وقلت عندما استوعبت أنواعه وفنونه، واستوضحت محاسنه وعيونه، وقيد نور لحظي عيانه، وجلا صدأ فؤادي بيانه: هذا السحر الحلال، والعذب الزلال، والدر راق في نظامه، والنور تفتح عن أكمامه، والقطر انهل من غمامه، وهكذا تكون جزالة الأفاضل، وصفاء الموارد والمناهل، وصحة الالتئام والاتفاق، والاطراد والاتساق:
فكائن فيه من معنى خطير وكائن فيه من لفظ بهي
فنضوت عن منكبي رداء الوقار، واهتززت اهتزاز [المهند بيد] البطل المغوار، ولما استقريت ما حواه، واستوعبت ما طواه، قلت: هذه مكارم الأخلاق، وبدائع أنفاس العراق، وأنحاء ذوي الأفهام والألباب
[ ٥ / ٤١٣ ]
ومآخذ أهل الفضل والاحتساء، وقد كان أدهشني ما اخترعت، وعمر فكري ما شرعت، فناديت نفسي وقد استشرفت أؤنبها، ونازعتها وقد شرقت أؤدبها: حذار من زلة القدم، ومأثور الكلم، يا نفس قفي عند مقدارك، وكفي من غلوائك، واعلمي منتهى خطوك، ومدى شأوك، فقد رمت بغداد بأفلاذ كبدها إلينا، وأطلعت نسيج وحده علينا، فأنى لك بمعارضته وقد باهى به على أبنائه الزمن، وخرست في أوصافه وخلاله الألسن، فلا تتمرسي لهذا الألمعي، النقاب، داهية الغبر، وعلم البشر، فما أبعد ما بين العلو والخفض، والسماء والأرض، وأين النور من الظلمة، والإفصاح من العجمة، ورقة الطبع من جفائه، وكدر الجو من صفائه، وكيف مجاراة الكودن للعتيق، ومقارنة التشبيه بالتحقيق -! وكيف نجاريهم، وإنما نحكيهم، وهل نحن - أهل هذه الجزيرة النائية عن خيار الأمم، المجاورة لجماهير العجم - إلا أجدر البرية باللكن، وأولاها بعدم الفطن، وأخلقها بالخرس، وأحقها بغلط الحس -! فلم يقرع سمع ابن من أبناء خاصتنا عند ميلاده، ولا خامر طبع الرضيع منهم في مهده، إلا كلام أمة وكعاء، أعجمية خرقاء، ولا
[ ٥ / ٤١٤ ]
ارتضع إلا ثديها، ولا اكتسب إلا عيها، ولا سكن [١١٢ ب] إلا في حجرها، ولا مرن إلا بتدبيرها، حتى إذا صار في عديد الرجال، وانتهى إلى حدود الكمال، باشر طوائف النصرانية فخاطبهم بألسنتهم، وجد في حفظ لغتهم، وعانى طباقهم، وحابد أخلاقهم، أفليس الذكاء مع هذا أبعد من ذكاء عنه - وأما العامة منا فقد انقطع فيها المقال، وصحت المخيلة والخال، فلما قرعتها هذا التقريع، وروعتها، هذا الترويع، عادت إلى الخمود، بعد الوقود، وآلت إلى الفتور والخمول، وعاذت بالنكوس والنزول، قد انفل حدها، وآل سكونا تحريكها وجدها؛ ثم لم أستبد أن أجري في ميدان الرأي جواد نظري، وأرسل في أرض الاختبار رائد فكري، وأرفع عن النفس غطاء الترك، وأخلص الصواب عن الإبريز من السبك، ورأيت ما في التوقف عن مطالعك، من الإخلال بمكارمتك، فرشح جبيني عرقا، وانزعج قلبي تحرقا، فراجعت مخاطبة النفس، ممسكا من وحشتها بطرف من الأنس: إن أبا الفضل سيدي - دامت حياته -، قد ناداني بلسان وداده، وأومأ إلي ببنان اعتقاده، وأطار نحوي طائر الارتياد، فلم يقع مني إلا على ثمرة الفؤاد، وحن إلي حنين الألوف الأليف، وواصلني مواصلة الحليم الحليف، وأهدى إلي نزاعه، وألقى علي بعاعه
[ ٥ / ٤١٥ ]
فكيف لي أن أعدل عمن إلي أقبل، وأصدف عمن بي كلف - فعارضتني أشد المعارضة، وناقضتني أبلغ المناقضة، هيهات! لا يبلغ الخصم بالقضم، ولا ينتهي منال الكف إلى مباراة النجم، فاسلك النهج القويم، فمنك من أعتبك، وأخوك من صدقك، فوجدتني بين حالي اضطرار، ليس فيهما لمختار، فإما أن أعتمد المخاطبة، وألتزم المكاتبة، على علاتي، ونبو شباتي، بطبع كليل، وذهن غير صقيل، وإما أن أرفض المراجعة رفض المليم، فأكون عين الجافي الذميم؛ فأنفذت كتابي مبتغيا وجه موافقتك وإرضائك، ومتوخيا مضمون تغمدك وإغضائك، وأنك إن ألفيت حسنا تناهيت في نشره، أو عاينت قبيحا طويته على عره، وبودي أن معتمدي لا يسلط عليه حقيقة نقده، ولا يصرف إليه مرهف حده، وأن يلمحه بأقل لمح، ويسمح فيه أفضل سمح.
وأما ما ارجع إليه وينطق لساني به من الإشادة بالشكر، الذي أبغيه سمة في وجه الدهر، والكناية عن العهد الذي هو أثبت من ثبير، وأطيب من الماء النمير، فلو أمكنني أن أوصله إليك على متون الرياح لأوصلت، ولو أتيح لي أن أمثله لك حتى تراه لمثلث، وقد استوفيت ما جال به بيانك الذي عذب منهله ومشربه، وشف جوهره ورف ذهبه، [١١٣ أ] واصفا وصف المستكمل، وموضحا إيضاح المحتفل، وفهمت ما نصصته
[ ٥ / ٤١٦ ]
فيما سنت لك عوائد الأيام، من الانتباذ عن الطوائف اللئام، الذين ألبسهم ملابس الملام، وحليتهم بحلى المذام، حتى لشغلت بوصفهم الأفكار، فأوجبت الاستعاذة والاعتبار، وأتيت بأغرب الشنع، في ما أوردت من تلك اللمع، وسردت القول الرفيع سردا، فكأنما نظمت به في جيد الدهر عقدا.
وإنك - أعزك الله - لما نمي إليك ما تحملته الركائب، وأثنت به الحقائب، وغمر المسامع، وعمر المشاهد والمجامع، وامتلأت منه الآفاق، ووقع عليه الإصفاق، من محاسن المأمون ذي المجدين التي هي كالنجوم اعتلاء، الصباح انجلاء، والروض بهاء، وأنك شمت من كرم شيمته برق النجاح، وأملت أن تضرب في خدمته بمعلى القداح، أحببت أن ترمي إليه بعزمتك، وتقذف نحوه بهمتك، فتجلو ناظرك، وترهف خاطرك، بمجاورة بحر المنن، وفخر الزمن، وزعيم الأنام، وكريم الأخوال والأعمام، وبديع الأوصاف، وموطأ الأكناف، وأحلم من فرخ الطائر، وأمضى من الحسام الباتر، ومن سجيته الفضل، وسيرته العدل، وقوله الفصل، وحباؤه الجزل، تلوح على وجهه تباشيره، وتتملى الإمامة أساريره، ملاه الله أطول الأعمار، كما حاز له أعظم الفخار، فأرجو أن قد أصبت ثمرة الغراب، وارتدت أزهر الجناب، واجتنيت
[ ٥ / ٤١٧ ]
خيار الجنى، ومهدت في موطن العلا، فما أغبطني باختيارك، وأبهجني بدنو مزارك، فما كان سهمك ليمضي إلا بعيدا، وليقع إلا سديدا، وما كان ميزك ليختل، ولا سعيك ليضل، فالمرء مستدل عليه بفعله، واختياره قطعة من عقله، وقد ناديته فأجاب، واستمطرت سحاب بره فاصاب، وتلقاك باليمين، ولأقرك بالمكان المكين، واستطال نحوك الزمان، بل استكثر الساعات والأحيان، وانتظرك غدوا ورواحا، وترقبك مساء وصباحا، وأما الفؤاد فإليك منجذب، وبودك مشرب، ولو استطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتى أراك، شرها إلى لحاقك، وتهالكا على نفيس أخلاقك.
قال ابن بسام: ولأبي المطرف، غير ما فصل مستطرف، وقلما يتعطل من حلي البديع، وانحفزت في تحرير هذه النسخة من هذا المجموع، وفاتت [دركي]، ولم يعلق منه إلا ما كتبت [بشركي] .
[فصل] في ذكر الوزير الكاتب أبي عمر القلاس
من عليه كتاب الثغر الأعلى - كان -، في ذلك الأوان، [وهو على
[ ٥ / ٤١٨ ]
الجملة] ناثر مجيد، ومحسن معدود، في كتاب بني [١١٣ ب] هود، وله ترسيل كثير، معرب عن أدب غزير، وإنشاء ذهب فيه إلى التطويل اقتضبت منه بعض الفصول، تخفيفا للتثقيل، تليق بالكتاب، وتشره إلى مطالعتها أنفس الكتاب.
جملة من رسائله في أوصاف شتى
فصل له من رقعة عن ابن هود إلى مجاهد أبي الجيش الموفق: نحن وإن قصرنا بالمخاطبة، وأغببنا بالمكاتبة، محافظون على العهد القديم، معترفون بالحق الكريم، معتقدون للفضل العميم، شاكرون لله تعالى على الهبة السنية فيك، والنعمة بك، إلا أنه كدر نعمتنا وصفو المعيشة عندنا، وأقلق دعة النفوس، وشرد وسن العيون، ما ترد به الأنباء من الوحشة الواقعة بينك وبين المنصور - أيدكما الله - مما لو يستطيع الفداء له بكل علق غال، ومعالجة التياثه بكل نفيس عال، لما تأخر عن ذلك أحد، ولا قر على غيره خلد، رغبة في الألفة بينكما، وحرصا على تمام النعمة للمسلمين فيكما، فأنتما فئة الإسلام، وعمدة الأنام، ومتى اضطرب لكما حبل، وانصرم منكما وصل، فشمل الكل شتيت، ووصل الجميع مبتوت، فالله الله في الدين أن يألم بكما، والحرمة أن تذهب بينكما، فالعيون في الصلاح إنما كان سموها إليكما، فما ظنكما
[ ٥ / ٤١٩ ]
بالمسلمين وقد أصيبوا في مستقر آمالهم، وجدت الاستحالة حيث كان الرجاء في صلاح أحوالهم -!
[وله] من أخرى [عنه إليه]: من استضاء بسراح رأيك المسدد، واستنجح بيمن سعدك المؤيد، واستظهر بنافذ عزمك، وتكثر ببالغ حزمك، واعتضد بخالص إخائك، وأسند إلى صدق وفائك، كان قمينا أن تنجاب عنه ظلم المشكلات، وتنفرج له قحم المعضلات، وتستقل به مراكب النجاح، وتتطلع إليه عواقب الصلاح، ويذل له الصعب الجامح، ويسهل عليه الخطب الفادح، فإنك - والله يبقيك - الميمون النقيبة، الكريم الضريبة، السعيد الجد، المحمود العهد، الذي إن اقتدح زندا أورى، وان اعتمد حدا فرى، وان ود صدق وحقق.
وقد فصل: واني منذ استنجحت فيما كنت أحاوله من ذلك الأمر، ببركة سفارتك، واستظهرت عليه بسعادة وساطتك، وضربت مستعصبه بحد مؤازرتك، واقتدت ممتنعه بقوة مظاهرتك، لم أزل أشيم تباشير النجح لائحة، وأتبين مخايل الفلج واضحة، وأجد شدة قيادة تلين، وعز إباية يهون، إلى أن تأتى - بحول الله - الأمل، وأنجح العمل، وأصحب ما كان أبيا، وقرب ما كان قصيا؛ وكان للوزير الكاتب أبي [١١٤ أ] فلان في ذلك المناب الحميد، والسعي الوكيد، الذي سهل به الحزن وقرب البعيد، وكذا يكون [من] ثقفه تأديبك، وأقام
[ ٥ / ٤٢٠ ]
أود تهذيبك، إذا سفر أصلح، وإذا سعى أنجح، وهذه الحال [لك] أولها وآخرها، وباطنها وظاهرها، فبك اتضح منهاجها، وأضاء سراجها، وبسعيك انفسحت سبلها، وتأتى مؤملها، وارتفعت أعلامها، وتهيأ تمامها، وأنت المسدي لها والملحم، والعاقد لأسبابها المبرم.
وله من أخرى: إن أحق الأخبار، بالتحدث عنها والإخبار، وأولاها بأن تثيرها ألسنة التهادي والتناقل، وتنشرها أيدي التكاتب والتراسل، خبر أعرب عن نعمة تعم المسلمين، ومنة ينظم نفعها الدنيا والدين، وأبان عن مسرة وقعت والآمال دون نيلها واقعة، وبشرى طلعت والأحوال عن مثلها دافعة، وكان له من ذاته شاهد يصدقه، وبرهان يحققه، ووضوح يحميه عن أن تعترض عليه شبهة الظنون، وجمال يغنيه عن تكلف التحلية والتزيين، وتلك صفة ما أقصد محادثتك بنعم الله علينا فيه، وأعتمد إهداءه اليك مشروحة جملته موفاة معانيه.
وفي فصل: ان أولى النعم بأن يتحدث عنها حديث اعتماد لشكرها، وينبه عليها تنبيه إشادة بقدرها، نعمة خصت الدين، وعمت المسلمين، وأعلت للإسلام يدا، وفتت من الشرك عضدا، وشدت من الإيمان سننا، وأوهت من الكفار ركنا، فإنها موقع العموم
[ ٥ / ٤٢١ ]
واقعة، والقريب والبعيد في نفعها جامعة.
وله: انه لما كان من شرط من ابتدأ أن يتمم، وسنة من سدى أن يلحم، وحكم من نهج عملا أن يفضي به إلى غايته، وسبيل من أخذ في سعي أن لا يرجع دون نهايته، وجب على فلان - أبقاه الله - أن يتلوم على الحال التي انفرد بفخر تأسيسها وتشييدها، وفرز بحسن منابه في تقريرها وتمهيدها، حتى يستوفي فيها حقائق العمل، ويبرئ منها [جمع] العلل، ويسد من جوانبها دقائق الخلل، إذ كان هو الذي شرع مباديها، وبه انتظم متناثرها، وبلطفه سكن متنافرها، وما زال يسعى أفضل سعي، ويصدع بأجمل رأي، حتى قرر الأمور على أثبت قواعدها، وشد رباط معاقدها، فلما صححها أمن التياثه، وأبرمها إبراما لم يحذر انتكائه، وجب عند أن يقع صدره، ويحين منصرفه، فصدر محتقبا اليك من حقيقة ودي، وطيب ثنائي وحمدي، ما إذا جلاه في معرضه راقك مجتلاه، وإذا أجناه على حسبه عذب عندك جناه، وبه اكتفيت عن مد أطناب [١١٤ ب] القول في الإخبار عن هذا وسواه، فهو بتفضيل جملته لديك جدير، وبها خبير.
[ ٥ / ٤٢٢ ]
الخبر ببادرة أحمد بن سليمان بن هود
فيما كان رامه من الفتك باخيه
أبو مروان: وفي رمضان من سنة خمسين وأربعمائة سقط الخبر إلينا بذلك، وكانا اتفقا على الالتقاء طلبا للسلم والكف عن الفتنة، فلما خرجا للمكان المتفق عليه، تكارما في اللقاء وتدانيا دون أحد من أصحابهما، وكلاهما حاسر أعزل، على ما تشارطاه، تمكينا لطمأنينتهما، فتنازعا الكلام فيما جاءوا إليه، فلم يرع يوسف إلا إطلال فارس عليه من ناحية موقف معسكر أخيه أحمد، شاكي السلاح، يبرق سنان رمحه، وإذا بطريق من مستأمنة النصارى الحربيين معه قد واطأه أحمد على الفتك بأخيه، فانقض على يوسف وهو يكلم أخاه، وأحمد يصيح، حتى خالط يوسف وطعنه ثلاث طعنات، وتحت ثوب يوسف درع حصينة كان قد استظهر بلباسها خلال أثوابه أبدا بالحزم، فردت سنان المح عنه، وصاح يوسف نحو أصحابه: " غدرت "!! فابتدروه ونجوا به وقيذا بجراحه، وقد ابتدر أحمد رجاله، واختلط الفريقان اختلاطا قبيحا، كادت تقع بينهم ملحمة، أطفأها أحمد بالبرؤ من العلج لوقته والبدار إلى قتله، ورفع رأسه والنداء عليه، فسكن شغب الفريقين، وانكفأ
[ ٥ / ٤٢٣ ]
كل إلى وطنه، فعادت حال ابني هود كالذي كانت من التفرق.
ورد كتاب يوسف على ابن جهور بقرطبة من إنشاء أبي عمر، يقول فيه بعد الصدر: وبعد، باعدتك الأسواء، فإن حوادث الدهر وصروفه آيات للنبصرين، وفي أحوال ذوي الشرة والفسوق عبرة للمعتبرين، واذا تصفحت منها القريب والبعيد، والمنقضي والجديد، لم أجد في جميعها حالا توازي حال الحب الخبيث، والغدور النكوث، علم دهره فجورا وخترا، ونسيج وحده نفاقا وعذرا، القاطع مني بلؤم أفعاله وشيمه، أسباب قرباه ورحمه، والمتقدم بذميم بغيه وتعديه، إلى صميم أسرته وأدانيه، وهذه صفة لا يخفى مكان الموصوف بها وأنه صاحب سرقسطة - قارضه الله هو أهله، وأبعد مثله وأين لا أين مثله -! -. وقد كانت الأيام أبدت منه أفاعيل مستنشقة شرق ذكرها وغرب، كما [١١٥ أ] أبدع وأغرب، وكادت تكون سمرا للسامرين، وقصصا تتلى في الغابرين، وحاول أمورا مستفظعة مقته فيها الرشيد والغوي، وتبرأ منه الداني والقصي، لم تفده إلا الخزي الذي لا يزال ناظرا من بقائه، ولم تكسه إلا العار الذي لا يراه مباينا باحتفائه، وأبى على ذلك إلا تماديا فيها وإلحافا، وأبت الأقدار غليه إلا إعراضا وإخلافا، فكلما مد بالبغي يدا، أوهن الله بطشها وأيدها، وكلما نصب للمكر جباله هون ختلها وكيدها، فضلا من الله ونعمة، وكفاية لمن توكل عليه وعصمة، وجزاء للباغي بمكره، وقرضا للمتصدي
[ ٥ / ٤٢٤ ]
بغدره، والله لا يهدي كيد الخائنين، ولا يصلح عمل المفسدين.
وكنت قد أبرمت معه بعد ذلك الهنات التي جرت، والشدائد التي انقضت عقدة السلم، فاعتزم صاحب برشلونة على حربه، واستنهضني للدخول في حزبه، ففلت بعد جهد مني حد غربه، واستمرت الحال على أعدل مناهجها، ولم يتعذر مني قط عليه بغية، ولا أبطأت معونة، ولم يزل يقسم لي بإيمانه التي تضج إلى الله من فجوره فيها مشافهة ومكاتبة، بعدها أقسم من قبل به وأشهد أعلام المسلمين عليها، بأنه لا يضمر لي بقية الأيام غائلة، ولا يدخل علي داخلة، وطالت مصانعته لي بزبرج من نفاقه وخداعه، يرف على بهرج من أخلاقه وطباعه، وأنا على ذلك عالم بدخائله وسرائره، مستعيذ بالله من الانطواء على ضمائره، فلما أراد الله أن يفضحه الفضيحة العظمى، ويقنعه بالخزية الكبرى، تقدمت بيننا مقدمات اقتضت لنا الاجتماع، فحركني إلى طرف عمله، وقد كنت آنست منه شرا بنى عليه مع بعض علوج البشاكنة في الفتك بي، فأوصيت إليه ألا يحضرنا أحد منهم، فقلق قلقا صرح به، وأقام مترددا بالثغر يزمع تلك البغية، إلى أن التقينا، وكنت قد استشعرت من سوء الظن بمن هو كصرف الدهر لا أمان منه ولا أغترار به، فأوصيت إلى أصحابي باحتضار سيوفهم، واطراح ما عداها من سلاحهم، ولبست أنا [أيضا] تحت ثيابي درعا حصينة، والتقينا، ثم تجارينا في فنون القول، فإذا
[ ٥ / ٤٢٥ ]
بفارسين من عبيده قد جمعا رمحيهما في، وثالث قد سبق إلي، يمسك عنان فرسي، إلا [أني] ركضته، فخرج بعتقه، واستل أصحابي عند ذلك سيوفهم، وأدركتهم حفائظهم، فحملوا إلي وفر أولئك عني، واكتفني أصحابي، فانصرفت وبي طعنات قد واقعتني على الذراع لم يعظم بحمد الله كلمها، وانصرف الغادر قد أدحض الله سعيه، وأبطل بغيه، يعض بنانه [١١٥ ب] أسفا، ويقرع سنه ندما، ولا صفقة كصفقته الخاسرة، ولا سوءى كفعلته الفاجرة، فلما وصل إلى بلده أراد ستر الحال بزعمه، وتوهيمها على ما جرى في وهمه، فأشاع أن النصارى الذين كانوا معه أرادوا غدري وغدره، وخرق في ثيابه خرقا زعم أنه أثر رمح أشرع إليه، فكان اعتذاره بهذا العذر زائدا في ذنبه، وإتيانه بهذا البهت الظاهرة مادة لجرمه، وهيهات أن يخفى ما شهر، أو يجوز ما زور، وما حليمة بسر، ولا على وجه النهار من ستر.
فرأيت مساهمة الأولياء والحلفاء بصفة الحال، وعرضها من المبدأ لتعرض ما وصفته على حسن نظرك، وتعبيره بصدق تدبرك، فتزن مؤثر هذه الحال بوزنه، وتقدر محتقب شرها بقدره، والله قبل وبعد أعدل من قضى وحكم، وأحق من أثاب وانتقم، وهو تبارك اسمه المستعدى على من اعتدى وظلم.
[ ٥ / ٤٢٦ ]
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عبد الله محمد بن مسلم
آية الزمن، ونهاية الفطنة واللسن، نفث بالسحر، واغترف من البحر، ونظم الدرر بلألاء من الدر. ولم أظفر عند وضعي هذا الديوان، بشيء مما له من الاحسان، إلا بفصول من رسائل، سماها " طي المراحل " سبق في ميدانها عفوا، وتصرف بين حسنها وإحسانها تصرفا حاوا، وقد اقتبضت من فصولها ما يشهد بتفصيلها، وحذفت سائرها لطولها، دللت بها على فضل منشيها، دلالة الشمس على ما يليها.
فصول له من تلك الرسائل خاطب بها أغلب
صاحب ميورقة
فصل منها: إن أغببت على بعد الديار مكاتبتك، وأقللت مع شحط المزار مخاطبتك، فإني أخاطبك بلسان وداد، وأناجيك فؤادا
[ ٥ / ٤٢٧ ]
لفؤاد، وإنما يتخاطب أهل بعد المكان، ويتكاتب ذوو النأي عن العيان، وأنت في الضمير جائل، فما تزيد الرسائل - وبين الجفون ماثل، فما تفيد الوسائل - لكن العين لا تبرأ من الأرق، حتى تطبق مستقرها على الحدق، والنفس لا تهدأ من القلق، حتى تجمع شطريها إلى أفق، فلهذا يجب على الصديق تأكيد العهد، ولو باهداء السلام، إذا لم يستطع على الإلمام، وتجديد الود بالكتاب، إذا لم يطق المفاوضة على الخطاب، لكن قد يأتي من عوائق الزمان، وعوارض الحدثان، ما يحول [١١٦ أ] بين المرء وقلبه، حتى يسهو في مثوله للصلاة بين يدي ربه، فلا يدري أثنتين صلى الضحى أم ثماني، وأياما شهد التشريق أم ليالي.
وفي فصل: وليت زمانا فرغ للقائك، وأوانا بلغ إلى تلقائك، حتى أبرد نفسي بمحاضرتك، وأجدد أنسي بمذاكرتك، ولكني بين حل وترحال، ورجوع وإقبال، لا يجعلان إلى أمنية سبيلا، ولا يوجدان إلى مأربه وصولا؛ ولعلك - أيها الفاضل - ممن يظن هذه الأسفار فرجة، ويخال لها بهجة، وكيف والسفر قطعة من العذاب، والمسافر ومتاعه على فلت الذهاب، وان اتفقت مع ذلك فترة تستدمن، وبدرة تستحسن، فإنما هي كراحة المحتضر، ودرة المستبحر، ولا بد مع الخواطي من سهم صائب، وعند جفوف جانب من خضرة جانب، ولي منذ أجول
[ ٥ / ٤٢٨ ]
البلاد، وأجوب الصخر بالود، ما يزيد على عشر حجج نصفها، وعلى سبعة أعوام ضعفها، لم ألق إلا يوما يجعل الولدان شيبا، والجبال كثيبا مهيلا، وإن شئت أن أقصص عليك من نبأي قصصا، وأضرب لك من بعض أسفاري مثلا، ففزغ لي ذهنك، وأصغ إلي أذنك، حتى تسمع من أحوال صديقك ما يفلح ويثلج، ويغم ثم يبهج، فقد أودعت كتابي هذا نبذا مما لقيته في سفري، كان من خبري:
لما صفا الحصن الفلاني إلى من أيده الله أجلب عليه المقتدر بخيله ورجله، وأحدق حوله بضبطه ومنعه، حتى صار كالسماء ملئت حرسا شديدا وشهبا ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾ (الجن: ٩) فدعا إقبال الدولة إخوانه لإنجاده، ونادى حلفاءه لإمداده، فاستغشوا بأردانهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، وعوضوا من عونه في إصلاح ذات البين، والحصن في أثناء ذلك قد اشتد وثاقه، وضاق خناقه، حتى أيقن أهله بالهلكة، وكادوا يلقون بأيديهم إلى التهلكة، فلما رأى انه ربما أودى العليل قبل أن يؤتى الشفاء، ويهلك المريض قبل أن يركب الدواء، وعلم أن الليث لا يقتبس إلا زنده، ولا يفترس إلا وحده، وفي كفه أنصاره، وفي شدقه شفرته وناره، أقام للزحف أعلامه، وجعل أمامه، فنصر بالرعب، وفر عدوه قبل الحرب.
[ ٥ / ٤٢٩ ]
وفي فصل منها: وحسبنا أن يكون من أصحاب المشئمة، فتواصينا بالصبر والمرحمة، وتذكرنا قوله تعالى ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسرم لك من أصحاب اليمين﴾ (الواقعة: ٩٠، ٩١) فأخذنا يمنة الطريق، وتيممنا أويولة على الفج العميق، فإذا بصماء منه قد انكدرت فأمطرت علينا حجارة من سجيل، كادت تجعلنا [١١٦ ب] كعصف مأكول، فقوم شدخت رؤوسهم، وقوم ضمت عليهم رموسهم، كأنهم كانوا بقية من ًاصحاب الفيل، أو نفاية من قوم لوط.
فجئنا فلانة، وقد سد بابها، ونام بوابها، والسيل قد طمى، يحمل غثاء أحوى، فلم تشك القلوب أن نفوسنا ذائقة الموت، حتى إذا بلغت النفوس التراق، والتفت الساق بالساق، وقيل من راق وأشعر صاحب الحصن بمكاني، وقص عليه شاني، فأمر بفتح باب المدينة، وآواني إلى دار حصينة، وتقدم بالضرام فأجج، وبالطعام فروج، وبالمدام فشب وأسرج، وقلنا ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴿(فاطر: ٣٤) وكفانا المحن.
وفي فصل منها: ثم نفذت لطيتي، وقرنت بالعمل نيتي، في هواء سجسج، وأفق متبلج، حتى جئت المرية، وكان عهدي بها
[ ٥ / ٤٣٠ ]
عهد طيف الكرى، بما بين العقيق إلى الحمى، إن سرى أصبح دونه بمراحل، أو هفا قطع المدى المتطاول، فكأني كنت ماء، وافق نفوسا ظماء، فكل فرج لي عن فلبه، وعانقني بكبده وخلبه، ولما لقيت المعتصم بالله - فتح الله له في البلاد، كما شرح بوده قلوب العباد - قال: مرحبا بالولي الحميم، والصديق الحديث القديم، أعنت لك عندنا أسباب أوجبت إقبالا، أو نحت بك نحونا ركاب طلبت فصالا - حل عن ذاتك، وأرح يعملاتك، فقلت: أيد الله مولاي، ما أجاءني حب الراحة، ولا طلب الإراحة، وإنما أنا في حكم شرع، وأداء فرض، فهو كالحج لا يحل فيه الصيد لا بالنص ولا بالقياس، والصلاة لا يصلح فيها شيء من أعمال الناس، وأنا أتمثل في ذلك قول الله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (المائدة: ٢) ﴿فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (الجمعة: ١٠) ولا بد أن آخذ فيما فيه شخصت، وله قصدت، وإنما هي كلمات مكدودة، وألفاظ معدومة، لا تورث الناطق كلالا، ولا السامع ملالا.
وفي فصل منها: حتى وصلنا إلى دار منفرجة الأقطار، مستوفزة الأنوار، [متدفقة الانهار]، عواؤها جلاء للغم، وزيادة في العمر، ضياؤها شفاء للكظم، وانشراح للصدر؛ وكأن مياهها تنبعث من بنان
[ ٥ / ٤٣١ ]
سيدها، فصارت عينا سلسبيلا، وكان مزاجها زنجبيلا، أو كأنما مست عينا حيوانا، فأنبتت من الزبرجد ريحانا، ومن الزمرد شجرا فينانا، وجعلت من النارنج عقيانا، ومن زهر الآس لؤلؤا ومرجانا. وميل بنا إلى " التاج " وهو مصنع على مفرق القصر، من جانب البحر، مرد من قوارير، وألبس الصبح المستنير، وقلد قلادة الطاووس، ونقط نقط العروس، فممن يقول هو قبة الفلك، وممن يقول هو السماء ذات الحبك، وانهم ﴿لفي قول مختلف، يؤفك عنه من أفك﴾ (الذاريات: ٨، ٩) [١١٧ أ] ونظرنا في صدره من الملك الهمام، كالشمس تجلت من الغمام، فقضينا فرض السلام، وأخذنا مراتب القعود إلى الطعام، يطاف علينا بصحاف من فضة وذهب، وجفان كالجواب أترعت من كل أرب، فلما أتينا على الري قمنا إلى الوضوء، فجيء، بطساس من التبر، وأباريق رصعت بالدر، ووضئنا بماء قوامه بلور، ومزاجه كافور، ثم قمنا إلى المصنع " الزاهر "، وهو نظير " تاج " من الجانب الآخر، لما أعد فيه للشراب، ما بهر الألباب، فألفينا موردا عذبا، ومحلا رحبا، كأن أطباقه مقل الجفون، ملئت من قرة العيون، وأكواسه مراشف الحور، تعل بنطف الثغور، طلعت منها شجرة مباركة النوى ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ (ابراهيم: ٢٤) صيغ عودها من الحلي المنيل، وقام عمودها كأنبوب السقي المذلل، والتفت بأغصانها
[ ٥ / ٤٣٢ ]
التفات الذوائب الجعدة، والتقت أفنانها التقاء الصعدة بالصعدة، فبينا نحن نعجب من شانها، ونستغرب مناظر زهرها وأفنانها، إذ سطع من جرثومتها دخان المجمر، وارتفع من خلال لبسها غبار العرف المعطر، من دون أن يبدو إلى العيان نارها، ويعلم أين يوقد هنديها وغارها، فقلنا: تبارك الله كيف تحرق نار تخالها هامدة، وتورق أشجار تحسبها جامدة، إن الذي أنطق الجذع والحصى، وخلق الحية من العصا، والنار بعد أن كانت ضراما، وقال: كوني على إبراهيم بردا وسلاما، لقادر على أن يورق الصلاد، كما أنطق الجماد، وعلى أن يعمل النار في الخمود، كما أبطلها عند الوقود، وقام بالجريال ساق جعل المنديل، مكان حمائل السيف الطويل، وأدار نجوما بروجها أيدينا، وشموسا تطلع منه وتغرب فينا، ولما [كنت] لا أشرب إلا مشتبه الشراب، كالمزر والد وشاب، قدم إلي قعب من نبيذ الأزاذ، ومصري الداذ، فرفع نديمي شهابا، وأبرزت أنا غرابا:
[لو تراني وفي يدي قدح الدشاب أبصرت بازيار غراب]
[ ٥ / ٤٣٣ ]
وفي فصل: وأوحي إلى المزمار أن ينطق، وإلى الأوتار أن تخفق، وإلى الغناء أن يذوب القلوب، ويشق الجيوب، ويحث الشمول، ويكفي الساقي أن يقول، وقد أسبلت على بهو السماع وقبة الغناء قطعة من الخسروان اللازوردية، قد ألهب بالذهب نحورها وحواشيها، وقرنت بالعسجد أسافلها وأعاليها، وكحلت بأسلاك الجوهر خطوطها ورسومها، ووصلت بالياقوت الأحمر دوائرها ورقومها، فجاءت كطرة نقطت [بالنجوم]، ولبة الفجر رصعت بغير كواكب الرجوم، فاندفعت منها بلابل المداري تغرد، وحمائم الأوتار تصوب وتصعد، وأطيار المعازف تتجاوب، وأصناف [١١٧ ب] الملاهي تتناوب، وأقبلت نجوم الطاس تنكدر في الصدور، وقلوب الناس تنتثر في الحجور، وما بقي عقل لم يقع في شرك، ولا جيب كان في سقه من درك.
وفي فصل: ثم خرجت بعد إلى المظفر [الرئيس] أبي مناد، فكأن أيام طريقي إليه، كانت كفارة لما أصررت في المرية عليه، وتمحيصا لذنب شرب المزر، وتضييع حق الخمر، ولم أر في التناقص علي عارا
[ ٥ / ٤٣٤ ]
ولا قنعت بابهام السر حتى يكون جهازا، فعوضني من وقود الراح ببرد الرياح، ومن دبيب العقار بسكوب الأمطار، ومن هدير الكيزان بنعيب الغربان، ومن أنس الخيمات بوحش الفلاة، حتى أتيت حضرة الرئيس الأجل فألفيته غائبا، فكتبت إلى الوزير أبي عثمان رقعة أقول فيها: إذا كانت بأساء إثر نعماء، ومست ضراء بعد سراء، وافقت كاهلا لدنا فأثقلته، وخاطرا رطبا فأوحلته، وإني فصلت عن تلك الحضرة بعد أيام الشباب، وليال كذوائب الكعاب، سكنا منها في السواد من القلوب، وسلكنا بين المخانق والجيوب، أنقل من يد إلى يد، وأحمل بين جفن وخلد، إن ظمئت سقيت برد السرور على الأكباد، أو طربت أطمعت حلاوة الوداد في الاخلاد؛ ولله يوم " التاج " و" الزاهر "، عند الملك الماجد الباهر، فيا له من أنس وطيب، بين الخورنق والكثيب، في مجلس كأنما ألفت قواريره من خدود وثغور، وثماره من نهود ونحور، صعدنا فيه إلى العلياء، وصرنا كأننا من أهل السماء، نشرب النجوم بالأقداح، ونحيي الجسوم بالأرواح، فبتنا فاكهين فرحين، نزمر بالكؤوس، ونرقص بالرءوس، ونثاقف الاخوان، ونواقف الندمان، مواقفه الكرام، بشرب المدام، لا بحد الحسام، نسقي ود الصديق للصديق، ونطلب الصبوح بثار الغبوق، حتى أخجلنا الشمس بضياء الراح، وقمنا نقد
[ ٥ / ٤٣٥ ]
السراج من ضوء الصباح، وقلنا: دين المسيح، يعبده كل مليح، فطفنا حول الدنان، بمصابيح الرهبان، وما زلنا نسمع باقتراح، ونشرب على ارتياح، ونصل اغتباقا باصطباح، حتى شبت مصابيحنا لقفال، وحان أوان ظعن وارتحال، فخرجت كالمقلة استلت من الأشفار، والنفس انتزعت من فلوذ أعشار، ثم ارتحلت من الغد عن مقام كريم، إلى عذاب أليم، لا أملك فيه أدمعي، ولا أجد نفسي معي، وسرنا بين جبال وحشة، ومياه دهشة، فصاردتنا من ريح عاد، ذات صر وأبراد، أضرمت نار البرحاء، وكظمت أنفاس الصعداء، ومن أخذ بكظمه كيف يرجو الحياة، ومن أطبق بغمه أين يجد النجاة -! وما شك غمام الثلج المنثور، أني من أصحاب [١١٨ أ] القبور، فجعل يهدي إلي حنوطا وذرورا، ويندف علي قطنا ينثر كافورا، فلما تمت الأكفان، وصح الاندفان، طلعت إلي غرة الحاجب سيف الدولة أبي الفتوح، فقمت وقد انجلت عني المحن، وانتفضت فطار القبر والكفن، ومد إلي يد الرضوان، وغمسني في نهر الحيوان، فجعلت أطرف كما يطرف الفجر في سدفه الليل، وأنبت الحبة في حميل السيل
[ ٥ / ٤٣٦ ]
ورأيت ملكا تقرأ النفاسة بين عينيه، وتبصر الرياسة طلوع يديه، حلي السيف باسمه فرقت مضاربه، وتوج الملك مفرقه فعزت جوانبه، جواد يندى في كفه الجماد، وتقدح بنبله الزناد، ويقتبس من وجهه الكوكب الوقاد، وعلى أعراقها تجري الجياد؛ كيف يعجب للسيف أن يقطع، ومن حديد الهند طبع، وللبدر أن يشرق، ومن نور الشمس استرق، وللبحر أن يزخر، وعن الريح المرسلة أخبر.
وفي فصل: فلما كمل المراد، ووقفت حيث وقف الاجتهاد، كتبت إلى ذي الوزارتين الكاتب أبي محمد بن عبد البر أستريح إليه بأنبائي، وأصف ارتجاج الجو من برحائي، رقعة أقول فيها: سيدي وسندي، وسهمة يدي، ونعمة أبدي، ومن أبقاه الله معافى من النوب، موقى من وعثاء السفر وسوء المنقلب، كم لله من منن جزيلة، وأياد جميلة، وعوارف وكيدة، وعواطف حميدة، وإن أولى نعمة بالشكر، وأحجى قسمة بالذكر، نعمة صرفت بأساء، ومسرة دفعت غماء، وإني كتبت بعد حال متى حوسبت بها فهي النوتة الأولى، أو جوزيت عليها فلي النجاة الطولى، لأن الله أكرم من أن يميت أكثر من ميتتين، أو يعذب أحدا عذابي مرتين، مع ما منيت به من تطاول الأسفار، ومقاساة الضرار، ولو أن هذا يكون مع صدق وأمل، ونجح وعمل، لبرد غليلا، وكان تعليلا، فكيف وما هو إلا رجاء سراب، ووجدان حساب.
وإني فصلت من ألش والشمس مجلوة الناظر، والجو كمقلة الساهر، فما
[ ٥ / ٤٣٧ ]
كان إلا ك " ما " حتى التقت أجفان الغمام، ثم هلت إليه هل الدموع السجام، وصرنا بين صعيد زلق، وسماء طبق، ينثر قطره نبالا ويمطر وبله وبالا، وما زال الرعد يقصف، والمزن يكف، حتى خلت البحر صار سقفا، والسماء قد اسقطت علي كسفا، واستنجز القضاء، والتقى الماء والماء، فكلما أوينا إلى جدار كاد ينقض، أو لجأنا إلى قرار خسفت به الأرض، وقلنا: سنأوي إلى جبل يعصمنا من الماء. ويقينا معرة هذه البأساء، فما كان إلا أن لذنا بجانب الطور الغربي، وأستدنا إلى هضبة [١١٨ ب] الفسطاط الشرقي، وهناك [من] يشرح لك سره، ويوضح عندك أمره، فكأن الله قد تجلى للجبل فجعله دكا، أو كاد موسى ينتقه علينا نتقا، فانحدر هضابا، وتقطع آرابا، وأهوى إلى الوهدة التي كنا في طباقها، والعقدة التي حصلنا بين أطباقها، فلم نشك في أننا من أهل القبور، قد صبت علينا أرازب منكر ونكير، ولولا أن الله لقننا الحجة، ولأوضح لنا المحجة، وأعاننا على الخصمين، وعلمنا التخلص من النكيرين، لضغطنا ضغطة القبر، ونالتنا معرة الفقر؛ ثم إننا أخذنا في الهرب، وأخذت السيول والأمطار في الطلب، فتارة نقع من
[ ٥ / ٤٣٨ ]
الوعر في شرك، وأخرى نهفو من الوحل في درك، حتى وصلنا أوريولة، ولا نراها من تراكم الظلم، واختلاط العشايا بالعتم، إلى أن ضربت في أسوارها جباهنا، فامتلأت من غبارها أفواهنا، والدجى يكفننا بظلمائه، والثرى يدفننا في طينه ومائه.
وفي فصل: ومرت لنا الأيام لا نستطيع براحا، ولا نلذ غدوا ولا رواحا، فلما انقطعت ليال خمس، التفتنا الشمس التفات البكر، من خلال الستر، وصمت الماء من خريره، والهواء من صريره، فقلنا: قد يكون الرضى صماتا، والإذن التفاتا، وأخذنا في التفويض، وأسرعنا بالنهوض، وما زلنا في مسلكنا نموت ونحيا، ونتقلب بين الآخرة والأولى، حتى اصطلينا بنار الحباحب سيف الدولة أبي الفتوح، فقابل بوجه طلق وخلق سمح، فلما صرنا في ذراه، وكنفتنا نعماه، أنشدنا:
فقل للسماء ارعدي وابرقي فانا رجعنا إلى المنزل وفي فصل: ثم اما حان إيابي، وزمت ركابي، إذا بكتاب المعتصم بالله إلى المظفر يذكر وفاة خاله المنصور بن أبي عامر، فلزمني الكتاب إليه، فكتبت ورجلي في غرز الواثب، وهنا قبل سقط الراكب، فإن كانت سقطة في كلامي، أو عثرة من أقلامي، فإنما أوجبتها حقحقة السير ومسابقة السيل؛ وكان كتابي:
يا مولاي وسيدي المنعم، ومن لا زالت وجوه الكوارث عنه مصدودة، وأيدي الحوادث دونه مسدودة، بقاء المرء - أيدك الله - لفناء أسلافه
[ ٥ / ٤٣٩ ]
ونماء أخلافه، كرامة للأدب، وسعادة للعقب، فما للإنسان يكون هلوعا، إذا مسه الخير منوعا، واذا مسه الشر جزوعا وإن كان المنصور مات فقيدا، فقد عاش حميدا، أو أمسى ملحودا، فطالما أصبح معمودا، لبث في أهله سنينا، وأقام في سلطانه مكينا، بين شفاء نفس، واستيفاء أنس، [١١٩أ] وتوطيد دولة، وإقامة سنة، وحماية أمة، حتى كمل جده، وأتاه بالموت وعده، فذوى دوحه وقد أثمر غرسك، وأفل بدره وقد بزغت شمسك، فقال المجد: هذا ربي هذا أكبر، وصاح الملك: هذا ردئي، هذا أكثر، فهل هذه - أيدك الله - نعمة صغرى، أم هي قسمة ضيزى، وهل طفئ سراج ناب عنه صباح، أو خفي منهاج دل عليه مصباح، أو هلك هالك، عقبه مالك.
وفي فصل: ثم توجهت تلقاء مدين الأصعد، وموطن السؤدد، حضرة المعتضد بالله، وكان طريقي إليها على قرطبة، وكثيرا ما كنت اقترح بإتيانها، وإن كانت على هرم، وأتمنى وقفة فيها ولو على قدم، وأرغب زيارتها ولو اماما، وأود رؤيتها ولو مناما، لألمح دار الخلافة، وأرى بيت الرياسة، فخرج إلي أبو الحسن بن يحيى الوزير الجوهري، فأراني بحسن سمته وكلامه، ورجاحة عقله وتمامه
[ ٥ / ٤٤٠ ]
مراتب الوزراء المتقدمين، ومناصب الفضلاء السابقين، فلما أديت الرسالة جعلت أسلك في منازة المدينة، وأنظر من تلك المشابه المبينة، فاذا برسومها قائمة الأعلام، ورموزها مفهومة الكلام، ونصبها ماثلة الشكل والقيام، إلا أنها كرداح مستها زمانه، وربحلة أدركتها من السن مهانة، لم يبق فيها إلا رسوم من الحسن كانتشاء الطرف، وإن مالت أجفان، وخطوط من الجمال كاعتدال الأنف، وإن سقطت أسنان، لكنها لم تفارق عطرها، وإن كانت بعد عروس، ولا تركت بزها وإن لم تطمع بمسيس، ولا دنست ثيابها، وإن كانت أسمالا، ولا عقت شبابها، وإن تجاوزت اكتهالا، فوقع بين قلبي ورونقها سفاح، لم يصدقه نكاح، وأمتع شمسي بمعتقها لصوق، لم يلحقه رفث ولا فسوق، ووقفت بالقصر المرواني، وطفت على المصنع القحطاني، وانتبذت إلى المنزه العبدي الرحماني، فاذا الثلاث الأثافي والديار البلاقع، فأخذت بالسنة في ديار ثمود، أسكب الدموع وأمجد المعبود، فقال قريبنا: هنا كانت قصورهم، وهنالك هي قبورهم، قد صارت مفاصلهم ترابا، ومساكنهم يبابا، وقد عادوا يسكنون القبور، وكانوا يستهجنون القصور، وظلوا يعتنقون الجلمود، وكانوا يسترهفون النهود، وصاروا يلزمون
[ ٥ / ٤٤١ ]
الطين، وكانوا يملون حشايا اللين، فقلت: أين من كان هنا من القيول الأبية، والملوك الأموية، ذوي التيجان المنظومة بالمرجان، والملابس المرقومة بالعقيان، والفرش المرفوعة إلى السكاك، والعرش الموضوعة على السماك، وقد نضدت بالنمارق، ومهدت على الأرائك، وحفت بالجنود [١١٩ ب] عند القعود للسلام والأحكام، وأين أسراب تلك الجواري الكنس، في هروط السندس، كأنما ما استعارت من الكثبان أكفالا، ولا من الأغصان اعتدالا، ولا من الروض أردانا، ولا من الظباء أجفانا، ولا رنت إحداهن عن جفن هم بالتهويم، فنبه النديم، ونظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، والآن: قد كحلت تلك العيون بالتراب، وكان كحلها كحلا، ولصقت تلك الخدود بالكثبان وكان تقبيلها أملا، وانهالت تلك الأدعاص في الصعيد، وكان التفاتها جذلا؛ فوقعت معتبرا، وما أبقيت عبرة إلا أرسلتها، ولا دمعة إلا أسبلتها، بكاء على المآل، لا على الأطلال، وعلى المصار، لا على تلك الديار، وعلى فقد الأحباب، لا على ذلك الخراب.
وفي فصل منها: ثم جئنا إلى المسجد الجامع، ونظرت من تلك المصانع، فرأيت بنيانا بديعا، وإيوانا رفيعا، شاده ذو عزم وتأييد، وبناه أولو قوة وأولو بأس شديد، فكأنما أرسته عاد، أو بنته ملائكة غلاظ شداد. مشينا من رتبة إلى رتبة، ومن قبة إلى قبة، حتى انتهينا إلى المقصورة فألفينا
[ ٥ / ٤٤٢ ]
سقفا من فضة ومعارج إلى الجنة قد قرط سمكها بالذهب الأحمر، والفلز الأخضر، وبلط سطحها بماء الجوهر، وكافور المرمر، فكأن قبابها [قد] عقدت بالجفون الدعج، والحواجب البلج، وكأن درجات منبرها تكاسير الشعور، مالت على متون الحور، أو مناطق الأعكان، ضمت على الخصور اللدان، ألف من عاج كالمباسم، نقش نقش الدراهم، وأبنوس كالغدائر، طبع الدنانير، وصندل كأطراف البنان، كتبت بهدب الأجفان؛ ثم اعتمدنا إلى المحراب، فكل خر راكعا وأناب، وجيء بمصحف عثمان ذي النورين، يحمل على المفرق واليدين، فلما خلعت مطارفه، وفتحت صحائفه، اذا بمدرج من فردوس الجنات أنبت نباتا أخضر، وطرز كخدود الولدان كما أطلعت الشعر، وكأنما خطت بمجارس النحل، ونضدت من روادف النمل، فاستمد مدادها من قلوب الكافرين، وخلق خلوقها من عيون الشهداء والصديقين، فلذلك لم يحتج بيانه إلى ضبط ونقط، ولا افتقر قرآنه إلى أكثر من ورق وخط، جرى فيه كاتبه على سجية لسانه فأمن اللحن، وأخذ بسنة أهل زمانه فترك العجم والشكل، وأمر بقول رب العالمين ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩) فألصقته بكدي ليبرد ذلك الأوار، وأمرغت فيه خدي عسى ألا تمسه النار، ولمحت
[ ٥ / ٤٤٣ ]
أثر دم الشهيد، فجئت [١٢٠ أ] من دمعي بأربعة شهود، وقلت: ألا فض فم الحسام كيف قصف لحمة، وأرغم أنف السنان كيف استرعت دمه، وتبا لعبيد الدار كيف أغمدوا شفارهم، وعجبا من بقية الأنصار كيف ضيعوا انتصارهم، و﴿لا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ (الواقعة: ٧٥) لو شاهدت [يوم] ذلك البرح، لصار القلم في يدي كصدر الرمح، وأضحى المقط في يدي أبيض مثل السيف، ولكانت سكيني هنالك حساما، ويميني عمرا وصمصاما، وقلبي على لينه جمادا، وسعيي على ضعف حويله جهادا، حتى أرمي من رمى في المقتل، وأقتل دونه قتلة المكب المقبل.
ثم خرجنا وقد صدئت نفوسنا، ووجلت قلوبنا، وخلت من الدمع عيوننا، ولم يتسع يوم الإقامة، لأكثر من هذه المقامة. باكرت الرحيل، ويممت في الغد الملك الجليل، الذي ضارع به المشرق المغرب، وسادت لحم سائر العرب. فلما فصلت عنها ورأيت من حسنها وجمالها، واتصال مساكنها وظلالها، ما حبس عليه ناظري، وجذب إليه خاطري، فقلت:
سقى جديدا من الأيام قرطبة ماء الشباب وريق البارد الخصر
وقفا يمد الندى في روضه شرقا من الغمام مع الآصال والبكر
كأنه فيه والإمساء يبسطه رداء إلفين قد صاروا إلى وطر
حتى إذا شيب كافور الصباح به أضحت تصعده نار من الزهر
وبين هذين من لين ومن لطف روح يقيم سجود النجم والشجر
[ ٥ / ٤٤٤ ]
لليل فيه سواد يستهام به كأنه في سواد العين والشعر
وللنهار سنا يحكي تبلجه نور البصيرة مقرونا مع البصر
كأنما شمسها تحت الغمام سنا وجه تنفس في مرآته نضر
والطل فيها غداة القطر تحسبه حليا سقى زهر اللبات بالدرر
وصفحة النهر الفضي مبسمه في روضها مثل خيط الفجر في السحر
ثم نفذت لطيتي، وأخذت في وجهتي، وكان لا عهد لي بلقاء المعتضد بالله - تخول الله الدين والدنيا ببقاه، وأدام به على الزمان بهاه - وله من بعد الصيت ورفعه الشان، وفخاخة الذكر وعزة السلطان، ما تهاب النفوس سماعه، كما تألف الجفون اطلاعه، وتجل القلوب [١٢٠ ب] مكانه، كما تستلذ العيون عيانه، فأدركني من توهم لقياه، وتخيل سناه، ما يدرك راكب البحر قبل نشر الرياح، وشارب الخمر قبل امتزاج الراح بالراح.
وفي فصل: ثم لقيته من الغد فقابلت من وجهه بدرا تأخذ منه البدور، وقبلت من كفه بحرا تغرف منه البحور، ولا غرو أن تغترف من بحر بحار، وتستمد من نور أنوار، فإن مادة البحور، من البحر المسجور، وعلة الأنوار، شمس النهار، وشاهدت منه منظرا استمال عيني حتى عقد به أطرافها، ومخبرا استهوى نفسي حتى كره إلي انصرافها، وظل ينفث من نبله سحرا أضبطه بذهني، وينثر من لفظه درا ألقطه بأذني، حتى صارت لي الثريا قرطا، والمجرة مرطا
[ ٥ / ٤٤٥ ]
وأخذت في الرسالة، فلما سامح الأدب، وساعد المذهب، قلت: أيدك الله، إن من أرسل رسولا في مهم تطلع، ومن رجا صديقا لدفع ملم توقع، لا سيما إن رجاه شفاء من الخطب، واستهداء هناء لموضع النقب، فقد تعلم كيف نظر السقيم إلى العائد، وناهيك إن كان طبيبا، والتفات المقيم إلى الوارد، ويكفيك إن أورد محبوبا، وإن رئيسي - معظمك - أرسلني إليك وانتظر، وأوفدني عليك ثم استمطر، وقد رأى أن إسعادك مراده، وإنجادك مراده، فلوى عنك ما بطأ السباق، وعاق دونك ما أخر اللحاق، حتى تطاول الزمان، وحالت الأحيان، وفي ذلك من تعذيب نفسه، وإرجاء أنسه، ما يدعو إلى إشفاقك من شغل باله، وارتماضك من نكد حاله، إذ لا يلذ بحال يدري ما له عندك، في حلوه ومره، ولا ينعم ببال حتى يجتلي ما تنهيه إليه من جدك، في يسره وعسره، فلك الفضل في إيشاك إيابي، وإراحة مآبي، حتى أسرع بسرائه، وأقطع بما يزيد في مضائه. فخاطبت بما اقتضيته من إيجابي، وألفيته من سريع اطلابي، وكتبت إلى الوزير أبي الوليد بن زيدون برقعة أقول فيها: لم أزل منذ فارقت الشرق، وتخلفت ذلك الأفق، أتقلب بين ثلج يكفن، ووحل يدفن، وريح تبعث من في القبور، ورعد ينفح في صور النشور، وبرق يرمق أصحاب الجحيم، ويريهم صورة العذاب الأليم، إلى أن وصلت محل العليا، ومنتهى سدرة الدنيا، حضرة
[ ٥ / ٤٤٦ ]
المعتضد بالله وقلت: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ (الرعد: ٢٤) ما ينكر لأهل الجنة السلوك على متن النار، وكنت أسمع أنباءه فأستغرب، وأنزع تلقاءه [١٢١ أ] فأستدني واستقرب، حتى رأيت عيانا، واستوضحت بيانا، فاذا الخبر أزرى بالخبر، [والعيان أربى على الأثر]، وقلت: بحق سأل الكليم رؤية الرب، وقال ابراهيم ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (البقرة: ٢٦٠] وإني رأيت ملكا لا يصعد الطرف إليه إجلالا، ولا تطيق النفوس عنه انفصالا، قد جمع مهابة العدل، إلى ودادة الفضل، وجلالة المنصب، إلى لطافة الأدب، وركانة القعدد، إلى بشاشة التودد، وبرق الحسام، إلى ودق الأيادي الجسام، إن رمق الأعداء فأجفان نصاله طارفة الشفار، أو وصل الأوداء فأنداد بناته آلفة الأوطار، ضالته الحكمة، وشريعته الحجة، وإن رأى حقيقة أنصف، وإن رمى بحجة أهدف، يصيب بذهنه حدق الغيوب، ويعلم بظنه خائنة الأعين والقلوب:
الأ لمعي الذي يظن لك الظن كأن قد رأى وقد سمعا
وفي فصل [منها]: والمعتضد بالله لا يدع في ذلك تأنيسي بكل تحفة يهديها مع الأحيان، وطرفة يوليها مع كل دقيقة من الزمان، ولقد
[ ٥ / ٤٤٧ ]
تاحفني يوما عندما طرأت الأشابيل في النهر، وانسربت من البحر، بعدة أسماك منثنية الذوائب متمكنة الحياة، لدنة النقل والحركات، فظلت في مائها تطير سابحة، وتسبح طائرة، وأقبلت تأخذ مرة جائية وأخرى سائرة، وقد تخمنت بالعقيان في جفونها، وتتوجت بالجمان في عرانينها، وتطوثت بالمرجان في عثانينها، وعذرت بالريحان فوق متونها، وشابت قبل الإسنان بطونها، وأربت على النشوان في اضطرابها ولينها، فأعلمت فكري في شذوذ هذه الصفات، وغرابة هذه الآيات، حتى عرفت تعليلها، وفككت تأويلها، فإذا بها قد شربت ماء نداه فلم يعدم حيوانها، ورأت محياه فخصت بالحلية أجفانها، وقبلت بساط مثواه فطوقت بالدر مراشفها.
[فصل] في ذكر الوزير الكاتب أبي جعفر بن جرج والإتيان بقطعة من محاسن نظمه ونثره
قال ابن بسام: وكان أبو جعفر وقته أحد الأعلام، وفرسان الكلام، وحل آخر أيام ملوك الطوائف بأفقنا من الدول، محل الشمس من
[ ٥ / ٤٤٨ ]
الحمل، فحملها على كاهله، وصرف أعنتها بين أنامله، حسن شارة، وكرم إشارة، وعلو همة، وظهور نعمة، وله رسائل مطبوعة، ومنازع إلى الأدب بعيدة، وقد كتبت في هذا الفصل من نظمه ونثره، ما يعرب عن كنه قدره.
جملة من نثره [١٢١ ب]
لما حل ابن طاهر أبو عبد الرحمن من وثاقه، وخرج خروج الزبرقان من محاقه، خاطبه برقعة قال فيها: ما أعجب الأيام - أعقبت منها السلامة والسلام - فيما تقضي، وكيف تمضي، تتعاقب بتلوين، وتتراءى بين تقبيح وتحسين، وهي تعتب وتعتب، وتعتذر كما تذنب، وتصدع وتشعب، كما تجد وتلعب، وإن صنيعها عندنا فيك وإن كان ألام فقد أحمد، إذ أخمد ما أوقد، فعاد غيث على ما أفسد، وإن يكن - حمى
[ ٥ / ٤٤٩ ]
الله دارك، وأدنى أوطارك - كشفت إليك صفحة اعتزاء، وتخطت حماك بقدم اعتداء، فقد تراجعت تمشي على استحياء، متنصلة مما اجترمت، متأسفة على ما اخترمت، وعند مثلك للقدر التسليم، فأنت الخبير العليم، أنه ما اختلف الليل والنهار، إلا بنقض وإمرار، ولا دار الفلك المدار، إلا بطوالع ومغار، وكنت في الأرض من أسنى مطالعها الباهرة الأنوار، فلا غرو أن أدركك ما يدركها من الأفول حينا والسرار. فقد تكسف البدور، ثم تعاودها الاضاءة والنور، والحمد لله أخرجك من ظلمات تلك الغماء، خروج السيف من الجلاء، والبدر بعد الانجلاء، تقي الثياب من تلك الطيخاء، وستر الله تعالى دونك ضاف منسدل، وقدحك في كل حال من بلاء وإعفاء فائز معتدل، ولا تأس على أعراض الدنيا فهي رهينة بزوال وذهاب، " وكل الذي فوق التراب "، هنأك الله وهنأ أهل الفضل فيك طرا هذا الصنع الأجمل، وجزى الله الوزير الأجل [الأكمل] عماد الكل جزاء السادة الذادة الأحرار، ذوي الأنفة والانتصار، فيا لها منقبة [تنقب] في البلاد، ومكرمة غراء ترد بهيما كل أغر جواد، سرى لها
[ ٥ / ٤٥٠ ]
وقد نامت عيون، وتغاضت جفون، فأحمدت به السرى، حين نضا الصبح ثوب الدجى، وانحسمت تلك الخطوب عن حياته دون حسامه، كما انصدع عن الصديع ممزق ظلامه، ولقد رمى [فأصابت صوائب سهامه، " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى "] (الانفال: ١٧) وهكذا يكون الرأي الأصيل، والسعي الجليل، والرعي الجميل، والوفاء الذي قصر عنه قصير، أبقاه الله بقاء هذا الأثر، الذي يبقى بعد فناء البشر.
ومن جواب أبي عبد الرحمن له على هذا الخطاب: وافى كتابك الكريم رائدا في جناب التسلية، ومنيرا من أفق المشاركة والتهنية، وأي أنس لم أجتن منه وكل فصل فيه أنا الشاكر عنه، والأيام - كما قلت - تلون بين الإسادة والاحسان معلوم، وتقلب [١٢٢ أ] بالإنسان قديم، تنقص غب ما تبرم، وتعترض على إثر ما تسلم، فالتفويض إلى الله في خطبها أهدى، والرغبة في ثوابه جل وتعالى أحرى، وكان لها بحكمه [إيغال] في جانبي، وإطلال على نوائبي، عبس لها الزمان إلي وكان مبتسما، وتشعب وما زال منتظما، إلا أنه تعالى بلطفه الحفي، وصنعه الحفي، ألهم إلى الصبر، ودل على ما يعود بالأجر، فسايرت الغمرة كما سايرتني، وتجلدت لها كما نالت مني، وأتاح الله خلالها ذخرا كريما انتضى لي حساما من رأيه صقيلا، وبذل دوني مذهبا في سعيه جميلا
[ ٥ / ٤٥١ ]
فابتزني من يد الدهر، وخلطني بنفسه في الحلو والمر، واحدي الوزير الأجل أبا بكر بن عبد العزيز - أحسن الله ذكره، وأدى عني شكره -.
وبعد، فحق مساهمتك جليل، وثنائي على مبرئك موصول، ولا ارتياب عندي بانزعاجك أولا وابتهاجك آخرا، وصحة مودتك باطنا وظاهرا.
ولأبي جعفر بن جرج من أخرى: ورد كتابك [الكريم] حلو المناسمة جزل الضريم، كما عصفت الريح وهب النسيم، ومعلوم - أعزك الله، والعذر في ذلك قد قدمناه - أن الجذاع لها نشاط، وأن القرح من الإعياء على سقاط، فكيف نذارعك هذا البساط، وأنت تفتن من الكلام بين المطبوع والمصنوع، وتأخذ بطرفي الموصول والمقطوع، فطورا في سهول الوهاد، وطورا على حزون النجاد، فمن لي وكيف لي، بمن سيله يحط الجندل من عل:
هو السيل إن واجهته انقدت طوعه
وتقاده من جانبيه فيتبع
ومن شعره، قال في النسيب:
وخذ تأنق صباغه قد اختلفت فيه أصباغه
فللدر والورد أبشاره وللمسك والآس أصداغه
بديع المحاسن قد صاغه فأبدع ما شاء صواغه
[ ٥ / ٤٥٢ ]
نتيج من الشمس في قالب من الصبح أحكم إفراغه
جبيب له مقلة، طرفها عدو فؤادي لداغه
وقال:
يا أملح الناس بل [يا] فتنة الناس يا غصن آس لأدواء الهوى آسي
يا من أشبهها حسنا إذا طلعت بدرا على غصن يهتز مياس
ما لي وما لك تجزيني قلى بهوى كفى بهذا فدتك النفس من باس [١٢٢ ب]
وقال:
كم بالمواكب من زور على رقب خطرا على الهول في غاب القنا الأشب
أسمو إلى نير الأفلاك مرتقيا حتى خلوت بشمس الخدر في الحجب
وأنجم الجو تبدو في حدائقها كالنور أزهر في أحوى من العشب
ثم انثنيت وقد رويت من غلل هميم ولم أنس بقيا الدين والحسب
وقال:
هم صيروني خيالا غير منتعش لا أستبين من الأسقام في فرش
ان الهوى كتب الآجال في مقل ال آجال من أنس عن وصلنا وحش
بيض مناظرها سود غدائرها كما تلاقى جيوش الروم والحبش
كيف النجاة لقلب بات منتهشا ما بين عقرب ذاك الصدغ والحنش
[ ٥ / ٤٥٣ ]
أهله في ليال السعد مطلعها أفلن من كلل هلهلن في غبش
جناب روح أرى ورد النعيم به ولا ورود وقد أشفيت من عطش
يا عيشة النفس يا روح الحياة لها رحماك لولا رجاك النفس لم تعش
وقال:
ومذهب الخد لم يذهب بابريز مطرز الصدغ لم يرقم بتطريز
قد راق بالنور حتى ما نحدده بأنه بشر إلا بتمييز
بدائع بكمال الله شاهدة معجزات سواه أي تعجيز
وقال:
ساروا فودعهم طرفي وأودعهم قلبي فقد بعدوا عني ولا قرب
هم الشموس ففي عيني إذا طلعوا في القادمين وفي قلبي إذا غربوا
وله يندب أطلال الزهراء:
سقى الله زهراء القصور وإن بدت لعينيك غبراء الدثور حيا المزن
فلا جو كالجو الصقيل بأفقنا وذاك الهواء الغض كالملمس اللدن
على قدر ما أعطى العيون من الحسن سناها غدت تعطي النفوس من الحزن
وكم قد جنت تلك المنى أهلها المنى فأضحت وما غير الأسى رائد اللحن
[ ٥ / ٤٥٤ ]
عفا حسنها إلا أزاهر دمنة وعرفا كأن المسك فيها من الدمن [١٢٣ أ]
تذكرنا تلك المباني بعرفها وبالزهر تلك الأوجه الزهر [في] الحسن
إذ الملك فيها والملوك أعزة وفيها الغنى لو كان ذاك الغنى يغني
ووقف أبو جعفر بن جرح على قبر أبي عامر بن شهيد فرأى شعره المنقوش الذي يخاطب فيه صاحبه الزجالي:
يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجود
- الأبيات؛ فقال أبو جعفر:
ماذا طوت ويبها اللحود من كرم فرعه حصيد
هذا الشهيدي رهن قبر وشعره ناطق شهيد
بادرني في الصفيح منه محاور صحبه مثيد
وأفصح القبر باعتبار وامتع القول والنشيد
كيف يحير الجواب قوم كالتراب في تربهم هجود
قد عفيت منهم جنوب وعفرت منهم خدود
ونخرت بالبلى عظام وانتثرت في الثرى الجلود
كم شيدوا في الدنا قصورا وقصرهم ملحد مشيد
كم نعموا لذة وكم قد غادتهم بالكؤوس غيد
ما منهم ان دعا سئول مبدئ قول ولا معيد
[ومنها]:
[ ٥ / ٤٥٥ ]
أعزز أبا عامر علينا أنك من دوننا الفقيد
لو كنت تفدى فدتك نفسي وطارف المال والتليد
كم لك من منطق صؤول فصل كما تزأر الأسود
أين غماماتك الغوادي يروى بها الوهد والنجود
أين وزاراتك الهوادي أين إماراتك الصعود
ولت كما أقشعت سحاب فلا بروق ولا رعود
أودى عميد الورى فكل ال ورى لفرط الأسى عميد
ان تحتصدك المنون حصدا فكل زرع غدا حصيد
ولو تنيل العلا خلودا كان لتلك العلا خلود
إيه أبا عامر وأنت ال جواد بالقول لا تجود
إنا أزرنا الركاب قصدا قبرك حق له القصود
كالبيت تهوي إليه شعث ومشعرات الهدي قود
جاد بذاك الثرى ربيع كمثل ما جاد منك جود
ليزهر النور في ذراه كأنه لفظك البرود
يقول من جاءه أوشي أم ذلك المنطق السديد
وقال أيضا يرثي أبا بكر بن عمار من قصيد أوله:
قد طال ما عمر المرء ابن عمار مستدرجا بأماني وأخطار
يملي له وتملى كل ما وطر وللمقادير فيه أي اوطار [١٢٣ ب]
استدرجته لما قد أدرجته به حتى أتى لمناياه بمقدار
[ ٥ / ٤٥٦ ]
موارد خفيت عنه كصادرها والحين ما بين إبراد وإصدار
وهل معمر قوم خالد أبدا ولو غدا العمر موصولا بأعمار
وهل ممتع حال دائم أبدا والدهر رهن باقبال وإدبار
مستوزر لم يئل منها إلى وزر كم قد تحمل من أعباء أوزار
والمرء محتقب شرا وتحسبه خيرا [لاشكال] إبطان وإظهار
تأتي الأمور إذا أقبلن مشكلة لكن تفاسيرها تغري بادبار
وليس مقتبل أمرا كمدبر ما خابط الليل كالساري بأنوار
ومن يقده الهوى أشفى به عمها على شفا جرف يهوي به هار
وان مضى فلقد جد الردى فمضى للمبطلين ببطال ونظار
ومحاسن أبي جعفر أشهر مما أثبت، ولا يفي شرط الكتاب بأكثر مما كتبت.
فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي الفضل بن حسداي الإسلامي وإيراد جلة من نثره ونظمه
كان أبوه يوسف بن حسداي بالأندلس من بيت شرف اليهود، فنجم
[ ٥ / ٤٥٧ ]
بأفق سرقسطة في ذرا دولة ابن هود، وكان له في الأدب باع، وبما حمل من أعباء تلك الدولة استقلال واضطلاع، وقد رأيت له شعرا لم أروه فأجتلبه، ولا استجدته فأبحث عنه وأطلبه. ونشأ أبو الفضل ابنه هذا صفة احتملها، وكناية اختزلها، هضبة علاء، وجذوة ذكاء. وذهبوا أن جارية ذهبت بلبه، وغلبته على قلبه، فجن بها جنونه، وخلع اليها دينه، وعلم بذلك صاحبها فزفها إليه، ووضع زمامها بين يديه، فتجافى عن موضعه من وصلها، أضيع ما كان بين دلالها ودلها، أنفة من أن يظن الناس أن إسلامه كان من أجلها، فحسن ذكره، وخفي على كثير من الناس أمره.
وهو أحد من عني في هذا الاقليم، بالنظر في أنواع التعاليم، على مراتبها، وتناول الفنون من طرقها، وأحكم علم لسان العرب، وبلغ الرتبة العليا من البلاغة في الشعر والأدب، فطارت الكتابة باسمه، وخلت بينه وبين حكمه، ولم يكن له بالشعر [١٢٤ أ] فضل عناية، فلم يجر منه إلى بعيد غاية، وقد أثبت من كلامه ما تعلق بحفظي، ووقع في شرط صدري؛ وكان بالجملة كما وصفه أبو عبد الرحمن بن طاهر في فصل من خطاب خاطب به المقتدر بن هود يقول فيه: " والوزير
[ ٥ / ٤٥٨ ]
الكاتب أبو الفضل، وحيد الفضل وينبوع النبل، وما عدا قول القائل:
إن أبا الفضل له فضله وأين في الناس فتى مثله
جمع الخلال الزكية فاحتواها، ورأى تلك الجلالة فاحتذاها، وحق لمن ربي في حجرها، وارتضع بدرها، أن يتبين فيه رجحانها، ويتنسم عليه ريحانها، وأن يكون له الشفوف والتبريز، ويتحلى به الجانب العزيز ".
جملة ما انتخبته له من ترسيله
فصل له من رقعة إلى ابن رزين: كنت أرتاح إذا ومض من أفقه البسام بارق، أوذر من سمته الوضاح شارق، فأقتصر من تلقائه على استنشاق نسيم، وأنى لي من عرار نجد بشميم، حتى ورد ما أمتع بوابل بعد طل، وسقى نهلا ووالى بعل، واستوهب بمعجزي سحر حرام وحل، قد قصر الله عليه الإبداع: [طورا] في الندى ببراعة خطيب وبلاغة كاتب، وطورا في الوغى ببديهة طاعن وروية ضارب، والرب يديم إمتاع أشياعه ببارع جلاله، ويصون عيون الحوادث عن كماله، بمنه.
واستوضحت ما أومأ إليه من نشد العبد الآبق، على النهد السابق
[ ٥ / ٤٥٩ ]
وقد أعلمت في بقائه المكايد، وبثثت في اقتناصه الحبائل والمراصد، فكأن الرياح تخطفته، والبحار فمرته، والبلاد أخفته وأضمرته، وكيف يظفر بعبد حوش الفؤاد، شكيس القياد، رغب عن خضوع المماليك، ولحق بذ ؤبان الصعاليك، يعتسف شتى المسالك، ويعروري ظهور المهالك، فاتح كاسمه سائح، على أجرد سابح:
كأن على أعطافه ثوب ماتح
وعسى أن يعود هذا الذاهب وشيكا إلى ملكه، وينتظم المتبدد من سلكه، وإن ند هذا الشارد، فما يأسى له الفاقد، فلا حظ في ارتباط غادر، ولو أربى في البأس على أسد خادر. وما أولاه - أيده الله - أن يرتاد لصنيعه طريق المصنع، ويودعها خير المستودع، وأن يرتاب بالثقات، ويسيء ظنا بالخدم تفرسا في السمات، وقد عري عن الخير من جمع تلك [١٢٤ ب] الصفات: من زرقة مقلة، وصفرة بشرة، وحمرة شعرة، لا جرم أنه نزع بدناءة الأروم، إلى أشباهه الروم، فليبعد مثله، فسيناله ما هو أهله، ويوبقه غيه وجهله.
[ ٥ / ٤٦٠ ]
وله من أخرى إلى المستعين يتعذر من خروجه عنه: الدهر - أيده الله مولاي - منتقل متقلب، والدنيا دول وعقب، ومقام القطان في الأوطان، كمقام الأرواح في الأبدان، تصحبها إلى آجال موفاة، عند آماد مستوفاة، فمدد الأحوال مناسبة للأعمار:
وإنما الناس نفوس الديار
وقد عمرت ذلك الأفق ما امتد المهل، فلما نبا أجد الظعن والتحول، وليس للمملوك على مولاه حق يدعيه، ولا مطلب يقتضيه، وإنما هو إحسان يوثق ويقيد، أو تسريح يطلق فيشرد، قال تعالى ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران: ١٥٩) وقال الحكيم: " من لان تألف، ومن شد نفر "؛ ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال، وفي كل مضيق مجال، وقلما اطردت الحظوة في الدول، لمن اختص بالأسلاف الأول، ومن خدم الآباء لم يخدم الأولاد، فضلا عن من خدم الأجداد، وأنا أية تصرفت، وحيث تقلبت، العبد القن، فليحسن بي الظن، فإني لا ألم بنقص ولا ثلم، ولا أهم ببغض ولا وصم. ومن أملي أن ألقى مولاي يوما من الدهر، بوجه يسفر عن أساريره الزهر، صافي الفرند من صدأ [يعيب]، نقي الأديم من خجل يريب، وله علي من كرم العهد كالئ ورقيب
[ ٥ / ٤٦١ ]
وإن أضمرتني من جوانح البلاد حجب وغيوب:
فلو كنت بالنقاء أربا سومها لخلتك إلا أن تصد تراني
وقد خاطبت من ثقت بوده، وأنست إلى جده، فإن جاد مولاي بالصفح، وعاد بالخلق السمح، فهو الذي يضطره إليه عالي منصبه، وسامي رتبه، وإن صرم الحبل، وجذم الأصل، فهو حكم الزمان الفاسد، ولا نعمى للشامت الحاسد، فليس بالباقي ولا الخالد، فكل عرض ذاهب مع جسمه الفاني، و" ذكر الفتى عمره الثاني " وان استحل حرام، من دار أورثها كرام، فالعفاء على الجفن إذا سلم الحسام، وقد صانه وأغمده، من زانه إذا تقلده، وإن تعدى إلى تغيير الرسوم، فربما لبس على الإقواء ثوب النعيم، وقد قال سقراط: اذا انكسر الحب لم ينكسر المكان، ولا يتسع في تغييره الامكان، ولك في ما تراه المثل الأعلى، وفي ما تتوخاه الشرف الأزكى.
قوله: " وانما الناس نفوس الديار " لفظ بيت علي بن محمد الإيادي، حيث [١٢٥ أ] يقول:
ماتوا فماتت أسفا دارهم وإنما الناس نفوس الديار
[ ٥ / ٤٦٢ ]
وقوله: " فالعفاة على الجفن إذا سلم الحسام " من قول المعري في مرثية في أبيه، ومن جملة شعر يقول فيه:
وإجلال مغناك اجتهاد مقصر إذا النصل أودى فالعفاة على الجفن
وقوله: " فربما لبس مع الإقواء ثوب النعيم " من قول أبي نواس:
لمن دمن تزداد طيب نسيم على طول ما أقوت وحسن رسوم
تجافى البلى عنهن حتى كأنما لبسن على الإقواء ثوب نعيم
وإنما أخذه أبو نواس من قول أحد الأعراب:
شطت بهم عنك نية قذف غادرت الشعب غير ملتئم
واستودعت سرها الرياض فما تزداد طيبا إلا مع القدم
أو من قول الآخر:
ما غير الدار بعد ساكنها ريح ولا ديمة ولا مطر
كأنها ترعة يمانية قد نشرت في عراصها الحبر
وقال الأخطل:
لأسماء محتل بناظرة البشر قديم ولما يعفه سالف الدهر
يكاد من العرفان يضحك رسمه وكم من ليال للديار ومن شهر
[ ٥ / ٤٦٣ ]
وقال أبو صخر الهذلي:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنما م الآن لم يتغيرا وقد مر للدارين من بعدنا عصر
وقال مزاحم العقيلي:
تراها على طول القواء جديدة وعهد المغاني بالحلول قديم
وله من أخرى: الناس - أيد الله مولاي - أطوار، وللبصائر ظلم وأنوار، وأكثرهم ساع لأمر لا يدركه، مراع لرأي لا يملكه، والحق مستبهم على من يتعسف المجهل فيما يسلكه، ومن أبصر رشده، واستوضح قصده، أمضى عزمه مجدا في سعيه، ولم يستشر غير نفسه [١٢٥ ب] في رأيه، وقد سدد الله تعالى وأنجح المسعى، وقذفتنا غربة النوى، حين هوت بي حيث الإلف والهوى، وله الطول في الإذن والقبول، والتوطئة للحلول، بتمهيد منزل يتبوأ، وبمديد ظل يتفيأ، لا زال فناؤه للقصاد مألفا آهلا، وحرما آمنا.
وله من أخرى عن المؤتمن إلى ابن طاهر: محلك - أعزك الله - في طي الجوانح دان وإن شط المزار، وعيانك في أحناء الضلوع باد وإن نزحت الديار، فالنفس فائزة منك بتمثيل الخاطر بأوفر الحظ، والعين
[ ٥ / ٤٦٤ ]
نازعة إلى تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالخفوف واصلا مسعدا، إلى مأنس يتم بمشاهدتك التئامه، وشمل يتصل بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، في الامتناع [من ذلك] بأعظم الآمال، والإعداء على الأيام بقضاء دين ممطول، وإنجاز موعود لم أحل منه بغير تسويف وتعليل، وأنا على شرف سؤددك حاكم، وعلى مشرع سنائك حائم، وأنت - وصل الله سعدك - بسماح شيمك، وسجاحة خلائقك وهممك، تنشي للمؤانسة وعدا، وتوري بالمكارمة زندا، وتقتضي بالمشاركة شكرا حافلا وحمدا.
وله من أخرى عنه أيضا: وردني كتابك، أحسن ما أملاه خاطر، واجتلاه ناظر، من ألفاظ ومعان، اطردت في سلك إبداع وبيان، فحيت بالروضة الأنف، وعادت بعذاب النطف، وهو المقال الصادر عن كرم الطبع، الدال على شرف الأصل والفرع، الذي تفتر عن واضح الود مباسمه، وتنشق عن ناضر العهد كمائمه، وتنهل بواكف البر غمائمه، وقد وعيت منه ما توفر به الحظ، وتسوغه السمع واللحظ
[ ٥ / ٤٦٥ ]
وإن كانت لك مزية السبق بفضل البيان [الذي] يبذ الجاهدين عفوة، ويفوت المجتهدين شأوه، فالتكافؤ واقع بالتساوي، والتوازي نازل بمحض التجازي، اكتفاء بما تضمره القلوب، وتستشفه الغيوب، وهو اليقين الذي تجد النفوس برده، وتقف المعارف عنده.
وله عنه من أخرى: أنا على رسمي في الحظ الموفور منك منافس، وإلى عهدك الكريم النضير آنس، ولما انتظم بيننا من مواثيق الوفاء كالئ حارس، وان سدت دون اللقاء المطالع، فما صدت عن الصفاء المشارع، وإني لأدخرك للجلى، وأجيل في الاعتداد بسنائك القدح المعلى، [١٢٦ أ] والله يديم للعصر التحلي بمحاسنك، ويوضح سروه بسمات فضائلك:
وله من أخرى: إذا انتظمت القلوب - أعزك الله - بالوداد المكين، ووردت بصفائه في المشرع المعين، تساوى البعاد والاقراب، ولم يوحش التوقف والإغباب، ولا مزيد على ما تحققه من جنوحي إلى فضلك، وتصريحي بأحسن الثناء على جلال محلك، واعلم أن عهدك الناضر لا يذوى، وبرك المستجد لا يبلى.
وله من أخرى: المقدمات توطئ في الكلام لإيضاح النتائج، وإمرار الكلام على اطراد المناهج، وأما إذا كان المطلوب جليا متبينا، والوداد المرتاد في النفوس زكيا متمكنا، فتكلف ما يستغنى عنه عي
[ ٥ / ٤٦٦ ]
لا سيما إذا خوطب ذكي ألمعي، ومثلك الحميم الكريم الذي يتيقن صفاؤه، ويدخر وفاؤه؛ وكنت قد خاطبتك مشعرا نيتي في التحول، سوعزمي في التجول، حتى تلقى العصا، وتستقر النوى، حيث الصغو والهوى، وأومئ في ذلك إلى البيت الذي يعرف ويروى:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ولم تدر أني للمقام أطوف
وقد تفسح المسلك بما يسره الله من تملك تلك القاعدة، وأنا بحول الله مزمع للرحيل، إذا انفرجت السبيل، فطولك في إعلامي بحال المسالك من مرسية إلى المغارب المتياسرة والمتباينة، وكيف مكان التشييع حتى يوصل إلى مأمن بذمام لا يخفى وعرف لا ينكر، فأمجدني من ذلك بيانا، كأني قد شاهدته عيانا، فالحازم الذي يسدد إلى الغرض قبل إرسال سهمه.
وله [من أخرى] إلى ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار عناية بابن الحداد: المحاسن التي تؤثر عنك بالسرو والسناء، والمحامد التي تتلاقى عليك بها ألسنة الثناء، تميل إليك أحناء القلوب، وتقف عليك نخائل
[ ٥ / ٤٦٧ ]
الصدور، وقد أصبت بفضل الله حلية الزمان، ومفخر الأوان، ومسمى عيون الأفاضل والأعيان، بما نزعت به من كرم الخلائق، وسمو الهمم السوابق؛ وما زلت - أدام الله عزك - تجلو على المتوسلين إليك صفحات البشر، وتنزلهم في ذراك عرصات الإجمال والبر، فتجني ثمرات المجد، وتتنشق نفحات الشكر [والحمد] .
ومن أولئك الأعيان الأكابر، [بل] المبر عليهم بخصائص المآثر، فلان، فاني ما أفاوضك في وصف مناقبه، وأعلمك بكريم ضرائبه، واعتلائه [١٢٦ ب] في مراقي العلم وتسنمه، وشفوفه بالبراعة في الإبداع وتقدمه، مفاوضة من يسم لديك غفلا، وينبه خاملا، ويذكر ناسيا، فإنك أعلى ملحظا، وأزكى تيقظا، من أن يغيب عليك مكان مثله، ولا يقرر لديك سمو محله، في إحسانه وفضله، وحسبك به جملة تغني عن التفصيل، مع عالي نظرك الجليل، أني ما عاشرت أكبر منه في البر والصلة، ولا أقوم بحقيقة الود والخلة، ولا ناسمت أطيب منه نفسا، ولا أمتع أنسا، نفاسة خيم، صادرة عن شرف أروم، وأنت خليق بالاستكثار من جانبه، والاجمال في معونة مطالبه.
وكتب عن المقتدر إلى أخيه صاحب لاردة: وصلت الهدية التي
[ ٥ / ٤٦٨ ]
أصدرتها ساحة الفضل، وتضمنتها راحة النبل، وزقها المجد زفاف الهدي ترفل في الحلي والحلل، وتقدم سفير الآس، فأذاع ما حمل من طيب الأنفاس، وتلقيته بما يتقلى مثله من كرام الزوار، إذ كان بحكم الإجماع سيد الزهر والنوار، بدوام عهدته، وبقاء جدته، وتمادي نضرته، وتناولت الظرف الظريف الواصل معه ففضضت ختامه، وترشف مستودعه، وتسوغت منه شمولا معتقة، لذة عبقة، قد تناهت رقة وصفاء، ولم تبق الأيام منها إلا هباء ولألاء، فهي تمنع الكف، ما تبيح الطرف، وأدرتها بالقدح الذي أجلت به معلى القداح، قائما على قدم الإعظام أهز عطف الارتياح، وتخيلت أني في ذلك المألف العزيز حاصل، وفي ذلك المأنس الجليل ماثل، فنحن متلاقيان بعيان الإمحاض، وان تناءينا بالذوات والأشخاص؛ ووصل مبكر البهار الجني، ممتعا بمنظره البهي، وعرفه الذكي، قد شخصت أحداقه، وراقت أوراقه، يمد بنان لهب، ويرنو بحدق حمر [تلتهب]، كأنه إكليل تبر، مرصع بيواقيت صفر، وهو شبيه الراح لونا ومشما، قد تكافأ بينهما الانتساب، يحكيه منها الجامد، ويحكيها منه المذاب
[ ٥ / ٤٦٩ ]
وأسفر غض الاسفرج، عما خص به ذلك الأفق من التراب الدمث والهواء السجسج، فسقاه الله صوب السحاب، ولا زال مخضر الربى خضل الجناب، واقتضى حكم الأدب المتعارف في السلام والمباداة، رد التحية على سبيل المناولة والمعاطاة، لا على سبيل المعارضة والمباراة، وقد أنفذت ريحانا مشموما، ورحيقا مختوما، ولك الفضل في تسوغ ما سقيت، وتنشق ما أهديت [١٢٧ أ] .
وله من أخرى إلى المقتدر على لسان النرجس: أنا - وصل الله بهجة سلطانك، ونضرة أوطانك - إذا لحظتي بعين الاعتبار، قائد النور، ووافد الأزهار، وأنا لها جالب وهي طاردة ومبشر بورودها وهي مؤيسة متباعدة، فاني غلبت بما طبعي من التيقظ والذكاء، خلد التراب وصرد الهواء، فقمت عن إساءة الفصل عذرا، ونحلت الشتاء على الربيع فخرا، وفضلت الورد سيد الأزهار طرا، وتورده شاهد خجله، وتسترده من الحياء في أكمته وكلله، فلي عليه فضل العيون
[ ٥ / ٤٧٠ ]
على الخدود، وشرف على المسود، فبينا أنا سقيم الجفون من غير سقم، مائل الجيد من دون ألم، حتى أتيح لي ظريف من خواصك يقصدني، ونبيل من عبيدك يعتمدني، فأوجست حذرا وتشوقا، حتى أنسني بالكلام تألقا، وقطفني بغير إيلام تلطفا، وحاورني بلفظ يلقنه النوار عيانا، وإن لم يحسن عنه بيانا: يا أيها الزهر الفارد، والنور الشارد، الساحر بحدقه وأجفانه، الناظر بورقه وأغصانه، الباهر بورقه وعقيانه، ما لي أرى قضبك غبرا ذابلة، ومنابتك شعثا ناحلة، وعهدي بك تمج الأنوار ريقتها في ثغورك فتصبح حافلة، وترضع الأنداد أفنانك فتغدو حاملة، فتنوء بجيدك منثنيا، كأنك أصبحت منتشيا، وقد ساءني ما عاينت من ضناك ونحولك، فبادرت جناك لإشفاقا من ذبولك، لأنقلك من جناب النبات الهشيم، إلى جناب السرور المقيم، وتسعد بالفوز العظيم، باستلام راحة الملك الكريم،
وفي فصل منها: فليت الرياض تعلم بمكاني فتذبل كمدا، وتدوى
[ ٥ / ٤٧١ ]
حسدا، وتراني وقد أنرت في أفقك البهيج، وزهرت في روضك الأرج، فكم تمنى الأزهار أن تضام لديك مطالبي، وتكدر في ذراك مشاربي، فأزل عني حسدهم بكبتهم، فقد شجاهم تقدمي قبل وقتهم، وأكمل مسرتي وتمم أنسي، بلقاء شقيقة نفسي، فإني قسيمها وحميمها، ومني لونها وشميمها، وأنا أسبه بها إذا شجت وأدارت عيون حبب، من حصباء در في أرض ذهب، وطبعي طبعها، وما تقر عيني إلا بدمعها، فلا تحتقر أيها العزيز مناب مثلي واعظا مفصحا، وهنا شفيعا منجحا، فان الأزهار على العموم، تجلو قذى العيون وتفض ختام الهموم، فهي كالثغور أوضحها ابتسام، وكالآلي زانها [١٢٧ ب] في الأجياد انتظام. وما مثلت بين يديك إلا لأسم غفل العلم، فالعصا قرعت لذي الحلم، فلا تضه أيها الملك سبق تقدمي، وحق مقدمي، فقد أشخصت طرفي إليك آملا، وبسطت نحوك كفي سائلا، وحسبي أن تلاقيني ببشرك، وتناجيني بفكرك، فتنبه العزم من سنة، وتنشر الحزم من جننه، فلك من براعة العلا، وأصالة النهى، ذكاء يري لأول اقتداح زنده، ومضاء يفري بأيسر هز حده، ولديك من مناهل الكرم، وفواضل النعم، ما يزري بالمزن ويوفي على الديم:
[ ٥ / ٤٧٢ ]
فانفح لنا من طيب خلقك شيمة إن كانت الأخلاق مما توهب
ورو برح ظماي، وانقع صداي، ولا تكل إلى الأنواء سقياي.
وله عنه من أخرى إلى المظفر أخيه، وقرن بالرقعة ظرف بلور [أحمر] مملوءا خمرا مع باقة آس، يسليه عن ابن توفي له، واشتد حزنه عليه: لما كانت نفائس المواهب، وخطيرات الرغائب، مرتادة لأجل النفس، التي بها مادة الحياة والحس، وهي نور البدن المبصر وسائسه المدبر، وجب بحكم العقل الذي أفاض عليها سناه، وأفضى إليها بهداه، أن تكون العناية بدوام صحتها، موازية لتقدمها بالفضيلة على البدن ومزيتها، إذ كان لها البقاء وله الفناء، ولها الفوز في المعاد، وله الانتفاض إلى الأضداد؛ وخاصة النفس التي تنفرد بها ولا تشارك فيها معنى السرور والجذل، وغاية الرجاء والأمل، وبه المتاع في الدنيا، والنعيم في الأخرى، ونقيضه الحزن، وهو ألم من آلامها يطمس نورها ويكدر صفاءها، وينغص نعمتها وهناءها، فإذا انجذبت مجيبة لدواعي الهم منقادة في زمانه، ولم تدافعه عند اعتراضه وإلمامه، اشتملت على المضض والنكد، وحصلت في غمرة الركود والتلبد. وبحكم ذلك يحق على الحازم اللبيب، أن لا يني عن الأخذ من أقسام المسرة بأوفى النصيب، فيستمتع بالمواهب أيام مصاحبتها، ولا يجزع عند ارتحالها
[ ٥ / ٤٧٣ ]
ومفارقتها، ويستشعر أنها معارة لتؤدى، مودعة لتقضى، فلا يأسف عند اقتضائها وارتجاعها، ولا يأسى عند بينها ووداعها، ويجاهد الهم إذا اعتلج في صدره، بمضاء عزمه وقوة صبره. وقد أسمى الله من مراقي شغفوك وتقدمك، وأوضح من معالي سجاياك وشيمك، بحيث يقتدى بأثرك، ويهتدى بعملك، وحسبي [١٢٨ أ] أن أومئ بما عرضته مذكرا، فتلحظه بنظرك الجلي معتبرا، وتعرض عن نوازع الخطوب كقصرا، وتستأنف مقتبل الزمان الأغر الجديد، والدهر الميمون السعيد، فتشرع لمطالعة الأنس بابا، وتمهد لمواصلته جنابا، وقد تعرض لي إلف كنت أصله وأدنيه، فأنا الآن أهجره وأقصيه، فلقي مني انزواء عنه وانقباضا، وشكا مني جفاء وإعراضا، فتصدى ضارعا ملحفا، في أن أرسله نحوك مستعطفا، فأسعفته وأودعته، ما تحمله وأزعجته، وهو - أنس الله مشاهدتك، وأنضر معاهدتك - زائر ملطف يتقد طبعه ذكاء، ومؤنس يستشف ظرفه صفاء، عطر المذاكرة عبق المفاكهة، يفض ختام الهموم بنفح المناسمة وطيب المفاوضة، وقد زار متوصلا برسالتي، متوسلا بشفاعتي، وصار عن يدي وانتقل عن راحتي، وهو المجفو المهجور حتى تأذن بتقريبه وإيثاره، والعامل المصروف حتى تمن بتوليته وإقراره.
وكتب على لسان المنجم بلاردة، الملقب بالعافية، وقد أصيبت إحدى
[ ٥ / ٤٧٤ ]
عينيه، إلى الطبيب بها الملقب بالبرذقون، وقد أصيب إحدى خصييه: أنا أدعو [لك]- يا سيدي ومولاي ومن أنا عبده على العموم - بمعهود الدعاء بدوام النعمة، وأقابله بعد بما يخصه، حسب ما علي ينصه:
فوقيت بقراط الطيور تطببا إذا عالج البرسام أو أبرأ البرص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
فهذي دواهي الطير وقيت شرها إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص
وقد جرعتني أحداث الدهر غصصا، وعدت مثلوما منتقصا، مشوها بعد اقتبال الجمال، مؤنس اليمين موحش الشمال، كأني شق في قفر، أو حوت موسى في بحر، وقد صنتها برقعة خمار أسود، وأدعي أني أشكو الرمد، وربما سقط فأتبعه باليد، وأنشد قبل أن أنشد:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
[ ٥ / ٤٧٥ ]
ومالي سلو عندما دهتني الأيام بالنقص في أكرم أعضائي وأشرف جوارحي إلا بما أنسني به إخواننا قائلا: هاك حديثا يسليك ويعزيك، بمزيد حظ وصل إلى الحكيم أخيك، فقلت: هات حدثني بالحق عن البرذقون، فلست ممن يؤمن بالأغرقون، فقال: إني اختلست منه في الحمام نظرة فرأيت إحدى خصيتيه في قدر الدلاعة العظيمة، [١٢٨ ب] والأخرى على الهيئة القديمة، فقلت له: أراك أبرزت قثاءة في عباءة، قد ركبت باذنجانة وأردفت دباءة. فأطربني طيب نادرته، وأمتعتني خبر لإفادته، وعدت إلى اللازم من مخاطبتك بالتهنئة والإيناس، وما علينا من كلام الناس، وما تخطتني نعمة وفدت عليك، ولا آلمني نقص مع مزيد وصل إليك، والعاقل لا يتنكد بما تراه العوام قبيحا مستحيلا، إذا كان في حكم الخواص حسنا جميلا؛ وفي عظيم إحدى خصيتيك - أنماهما الله - فضائل يعرفها العلماء، ولا يجهلها الحكماء، فقد الفيلسوف: إن البيضتين كالمعلاقتين، تعدلان الجسم، وتسوسان
[ ٥ / ٤٧٦ ]
البدن، وهما كالمادة للقوة الطبيعية، والمعونة للحرارة الغريزية، ويشبهان بالأثقال تعلق من السقاء فترم رخيه، وتضم قصيه، وإذا عظمت الواحدة، بانت الخصلة الزائدة، فان البناء إنما يزن برصاصة، والمهندس يرصد بشاقول، وربما هجس في نفسك، أنك تصير إلى الفرك من عرسك، فتشدك، وإنما تقصدك:
قد حلفت بالله لا أحبه أن طال خصياه وقصر زبه
وهذا النشيد، في مثلك بعيد، فان متاعك يطول للصغرى، وتطوله الكبرى، فيتبين اعتداله، ويبدو كماله، وقد سلمتا من التشبيه بفروجين أو أترجتين، ولا يسوغ فيهما ولا يجوز، أن يكونا كثنتي حنظل في ظرف عجوز؛ أستغفر الله، وكيف تفركك غانية، أو تعتصم منك مخدرة، وما على ظهرها خود إلا وهي إذا عثرت في مرطها أعيذت باسمك
[ ٥ / ٤٧٧ ]
ولا فتاة عروب إلا وهي تستغشي من غير نعسة رجاء في لقاء خيالك، ولا محبوبة مصونة إلا وهي ترقع الكوى بالمحاجر لممرك، وهل في تمامك ريب فيعالج بحجة، أو في فضلك رد فيثبت ببينة، وقد استويت الآن بأثقالك، واعتدلت بأرطالك، ولوددت أن الأيام أعطتني ما منحتك زيادة على ما نقصتني فكانت تكمل صناعتي، وتنفق بضاعتي، ولا ستغنيت عن اسطرلاب كري، وكرة ذات كرسي، إذ كنت أعوذ من الأدرة، إلى أصح كرة، قد ماسها جرم أسطواني، ومخروط عصباني، يكون تارة عضادة اسطرلاب، وتارة مقياس باب. وما أنا وتمني ما لا أدرك، وحسد ما لا أبلغ!! الآن عدت فائقا في الجماع، وليس العيان كالسماع، فالخصية إذا عظم جرمها، وكبر حجمها، تضاعفت في التوليد قوتها، وتزايدت مادتها، ولك المزية، فإنك إنسان حجلي، أو حجلي إنسي، [١٢٩ أ] فقد ذكر صاحب كتاب الحيوان أن إناث القبج
[ ٥ / ٤٧٨ ]
تستقبل الذكورة، فتتنسم الريح تهب من تلقائها فتحبل، وتصيخ للصوت يصل من تلقائها فتحمل، فاسحب أذيالك فاخرا، فقد تقدمت أولا وآخرا، فلك من جهة الإنسانية سبقك في الفضائل، وحلاوة الشمائل، وحرارة النادرة، وطيب الفكاهة، مع شفوفك في الصناعة، فعلاجك في الاصابة واللطف كأنه وحي أو أخذ بالكف، إذ كنت تهزل بجالينوس، وتلهو بلحية اسقليبيوس، فإنك من فرقة أصحاب الحيل، وهذا رأي أتاك من جهة مزاج الحجل، فنصرت تاسلاس، على جميع الناس، وغنيت بجنس الاسترسال والاحتباس، عن هذيان أصحاب القياس؛ وأما فضلك من جهة القبج فهناك الملاحة والحلاوة، والرشاقة والطلاوة، فلك من جمال الشفة، ما يعرفه أهل النصفة، فقد قبح كل لمى بالسمرة، وحسن لماك بفضل الحمرة، فالحسن أحمر، وهذا حق لا ينكر، ولك من جهة المشي ما جهدت الطير في امتثاله، كلفا بجماله، وربما
[ ٥ / ٤٧٩ ]
تشبهت بمشي الحجل، فينلن الحسن بالحيل:
وكم من غراب رام مشية قبجة فأني ممشاه ولم يمش كالحجل
وما تفعل برقة ساقك مع عموم محاسنك وبراعة حلاك، فلا تحفل بقول الراجز الجلف، فكلامه يخرج إلى الخلف:
وهل علمت يا قفي التتفله ومرسن العجل وساق الحجله
وهذا الغزال، وهو النهاية في الجمال، له دقة الشوى ونشوز القرن وصدع الظلف؛ والطاووس - وهو الغاية في الحسن - له قبح الرجلين وعرى الساقين، وإنما يوصف الشيء بالأغلب عليه، فيذكر به وينسب إليه، فقد برعت وبهرت وقهرت، فأنت كالشمس لا يتعلق بها دنس ولا ثلب، وما يضر القمر أن ينبحه كلب.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
جوابها من إنشائه أيضا على لسان الحكيم البرذقون المذكور: يا سيدي الذي أعترف بخصائصه التي انفرد بجمالها، وأقر له بمحاسنه التي استبدت بكمالها، وإن كانت قد دبت عقارب حسادته، وما يستطيع أن ينسلخ عن ذميم عادته، ووجدته قد نعى بصره، وشكا عوره، وأثنى على شرجي، ولم يحفل بعرجي:
إن في الجسم دماميل وقرحات ملحه
ليتها في عين من يز عمها مالا وصحة
وقبح الله النهم فعنه تكون العلل المتولدة، وكل داء أصله البردة، ومع ما ركب في من الشره [١٢٩ ب] إلى المأكل، فإني متطفل على استجازة أكل الخجل، فأذهب الله نفسي، يوم أروم أكل أبناء جنسي، إذن أكون كالرنج الأجناس، الذين يستجيزون أكل لحوم الناس، بل أني أطلبها من مظانها وأرتادها، وأنصب لها الحبائل واصطادها، ثم أرسلها أسرابا وأفواجا، وأسرحها فرادى وأزواجا، وأنشد متمثلا:
أيا شبه ليلى لا تراعي فأنني لك اليوم من وحشية لصديق
وإن تكن - جعلت فداك - قد أصابك عور، ونالك منه ضعف وخور
[ ٥ / ٤٨١ ]
وهو نقص في الظاهر ومزيد في الباطن، فقد حبيت باجماع نور البصر وكان متفرقا، واتحاده وكان مبددا، فقد كان النور مرسلا إلى الحدقتين في العصبتين الجوفاوين، فلما انسد ثقب الواحدة عاد إلى الأخرى موفورا، وشفع بنورها نورا، كالحال في القمر يطلع في لياليه البيض، ساطع السناء باهر الوميض، يجلو الدياجي، فيهدي الساري، فإذا غرقت أعقابه، وتكامل غيابه، فقدته النجوم، فاعتراها الوجوم، ولفها الليل في ملاءة دياجيه، وأردف أعجازه ونأى بهواديه، فلو جمعت الكواكب منتظمة في القدر، لكانت أضعاف البدر، وهي على ما هي عليه من الانتثار، لا تهدي الساري قصد الآثار، فبصرك الآن بحمد الله أجمع نورا، وأضوأ شعاعا، وأنفذ نظرا وأبعد اطلاعا، ولذلك قال القائل:
شمس الضحى يعشي العيون ضياؤها إلا إذا نظرت بعين واحدة
فذاك تاه العور واحتقروا الورى فاعرف فضيلتهم وخذها فائده
نقصان جارحة أعانت أختها فكأنما قويت بعين زائدة
والعقاب الكاسر، والنسر الطائر، وابن الماء المحلق، بالإضافة إليك خفافيش، وبالمقايسة بك أخلاد، وقد أزويت بزرقاء اليمامة
[ ٥ / ٤٨٢ ]
وما يبعد أن تحسب في لحظة ألف حمامة، وترى حضنا من أقصى تهامة، فحدثنا عن هقعة لجوزاء أو نثرة السرطان: هل هي كواكب صغار منتظمة، أو [لطخة] سحابية مظلمة - فان بصرك يدرك حقيقة ذلك ولا يكل عن نيل مداه، وبلوغ أقصاه؛ وأما رؤيتك الثريا سبعة أنجم فهو ما لا يفخر به مثلك، وإنما يقاس به الحديد البصر، وأنت في ذلك أقوى البشر. وحدثنا عن كلف القمر ما هو - واشرح لنا الحال في قطر السحاب كيف هو - فإنك تبصره مجتمعا قبل ان يصير بددا، وتلحظه ذائبا [١٣٠ أ] قبل ان يجمد بردا، وهذا كله مما تراه عيانا، فأمجدنا فيه بيانا، ولولا أنك عند الفقهاء غير مقبول لما تدعيه من [علم] التأثير، إذ يرمون أهله بالتعثير، لبشرت بهلال العيد بعد الاجتماع بساعتين، وبعده عن الشمس بدرجتين، وقد كنت بالأمس، عند رفع الأسطرلاب إلى الشمس، تغمض إحدى عينيك لتعدل لك رؤية الشعاع، وموضع العضادة في أخذ الارتفاع، وقد كفيت ذلك بالعور، مع زيادة النظر؛ ولأمر ما تلطف أهل الثغر في عورك، فليس عندك شيء من خبرك، إذ صرت رابئة تنذرهم بالخيل على بعد مراحل ومسافة أيام، فأنت عندهم من أكرم البرية، وأجدى من منار الاسكندرية، لكنهم لم يشعروا أنك الدجال المنظر، وقد خرجت عليهم بخروج عينيك، وبرزت إليهم ببروزها عنك. فان اعترض معترض وقال: إن الدجال
[ ٥ / ٤٨٣ ]
يقدمه خروج الدابة، فان يكن هذا هو الدجال فأين الدابة - فالجواب: أنك كنت الدابة ثم صرت بالعور دجالا. وقد جال الصدق في ذلك مجالا؛ وأنت قيطوس دابة البحر تعوم في حبك الماء، وتسبح [مثل] لها في فلك السماء، فان صورة قيطوس التي أثبتها جالينوس كواكب تعرف بدابة البحر، وبطنها غائص في كواكب النهر، فذنبها مما يلي الدلو حيث ينصب ماؤه في فم الحوت الجنوبية، وبأعلى عرفها المعروج، كواكب الحوت من فلك البروج، فهي مغمورة من كل ناحية بالمياه، مأنوسة بالأقارب والأشباه، وقد فازت بالطبع المعتدل، بما حازت من مجاورة برج الحمل، فهذا المجد الباذخ، والأصل الراسخ، والفرع الشامخ؛ فأنت حقا الدجال الأعور، والقائم المنتظر، الذي نبأنا به الأثر، نسأل الله أن يعزنا بأعلامك، وينصرنا في أيامك، ونبتهل إليه في أن يكفينا أشراطك، ويزري عنا تعديك ولإفراطك، حتى إذا ظلمت وجرت، وغيرت وبدلت، قذف بك في قرار اليم العظيم، والتقمك الحوت وأنت مليم، إن الله بعباده لرءوف رحيم.
[ ٥ / ٤٨٤ ]
وله من رقعة عن المقتدر عناية بالحصري: ما أثل من مجدك وعلائك، وأكمل من سروك وسنائك، وأصدر عنك من محاسن الشيم، وقصر عليك من معالي الهمم، يقود إليك الأهواء تنتحيك بصفو ودادها، وتعتفيك بصدق ارتيادها، وما زال ذراك الرفيع سابغا على ذوي الأخطار ظله، غامرا لذوي الآداب إفضاله باهرا فضله، وأحقهم بأجزل البر الأوفى، من هاجر إليه على بعد المدى، [١٣٠ ب] مهلا بمحامده ومدائحه، مستشعرا لميامن قصده ومناجحه، وهو الشيخ الفاضل الكامل أبو الحسن بن عبد الغني، ألم بجهتي - جهتك - فوفد علي منه الوافد الأثير والزائر الكريم، وأنس بذكاء مناسمته، وأمتع بجمال محاضرته، وهو البارع المتقدم في إحسانه، وتصرفه في الإبداع وافتتانه، وربما تقول كاشح، ونمق كادح، وزور حاسد، وأوهم خب معاند، لأجل استقراره في ذلك الجانب، واشتماله بظل المجانب، أنه انحرف بصفو وداد، أو حرف بقول واعتقاد، والله تعالى قد شرف رتبتك ونزه منصبك عن الاصغاء إلى تنميق الوشاة، والإجازة لكيد العداة، والارتياب بعهده المخلصين الثقات، وعصم النبيل النبيه مثله، ممن زكى الله [دينه] وعقله، من العدول عما دان به، واعتلق بسببه، من الاعتزاء إلى ولائك، [والتشيع في عليائك]، والتشرع بمدحك وثنائك.
[ ٥ / ٤٨٥ ]
ومن شعر أبي الفضل
من ذلك أبيات اندرجت له في تلك الرسالة المتقدمة على لسان النرجس:
تقضى زمان، طائر الأنس عنده مذود وسرب اللهو فيه مروع
وطال انتظاري دولة الوصل بعدها تصرم بالهجران مشتى ومربع
عرضت له حبي فأعرض جانبا ولكن رعى عهدي الذي لا يضيع
وأرسلني كيما أدل بحرمة لديك بها حق كريم مشفع
فأقبلت أستجدي رضاك وان تعد يسارع إلى وصلي المحبون أجمع
وها فاعتبر من منبتي وتقلبي فكل لأصل واحد يتفرع
لأوى بجثماني البلى وأباده وأثبت روحا نيرا يتطلع
يرى الوهم منه جوهرا متضرما يروق ونشرا ساطعا يتضوع
كذلك أجسام تبيد وأنفس إلى الشرف الأعلى تعود وترجع
وما العيش إلا فرصة يستديمها اللبيب بأثمار السرور فيمتع
فبادر زمان الأنس واعمر جنابه فزاهره ريان بالحسن ينزع
ولا تمصل اللذات عمرك مثلما يسوف بالدين الغريم ويدفع
وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر بن الفرج: [١٣١ أ] .
إن كان عندك شيء من الدياخيلون
[ ٥ / ٤٨٦ ]
فابعث به تتعوض منه بشكر ثمين
فان عندي خراجا من بابسة التليين
ولا يكن مثل شعري من الطراز الدون
قد قلت بالمزج أجري بطبع دهر خئون
فإن تزيدت زدنا من نوع هذا الجنون
عساه يجنح بعد حرب زبون
فالشبه يألف شبها والمثل مثل القرين
فأجابه أبو الفضل:
يا آخذا باليمين في المجد شتى الفنون
سلم لعلمي في الطب والقراباذين
لا ينبغي أن يداوى الخراج بالتسليين
[حتى يقوم ردع ال أخلاط بالتسكين]
وقد بعثت شرابا يعزى إلى الزرجون
يغني إذا ذقته عن شراب الافسنتين
ولأبي الفضل:
أيها الماء الذي لولاه ما برح الإسلام يشكو الغصصا
[ ٥ / ٤٨٧ ]
جملة مني ولا حاجة لي في حديثي أن أطيل القصصا
أبدا تقنص أطيار العلا مستفيدا فاتخذني قنصا
وانثر الحب فإني طائر غرد لا أتعدى القفصا
وله:
يا صاحبي سلا هل سال نعمان بعدي وأورق فيه الطلح والبان
قالا نعم سال جريا في مدائنه وأمرعت منه وبطنان
أنى ولم يسر طيف للسحاب به ولا تندت بدمع منه أجفان
بلى كفاه أبو عيسى وأحسبه نداه فهو روي الشرب سيحان
رأى الغمائم في عسر فأقرضها إن الجزاء على الإحسان إحسان
سجية هو منها موسر كرما حاز الكمال فما يعروه نقصان
حي الخيام فلي في الحي آنسة واقرا السلام فلي بالجزع إخوان
تسير نفسي اليهم والحداة بها هوى وشوق وتأميل وإذعان
أطوي المراحل ى ألوي على وطر يشجي ولو ذكرت بالعهد أوطان
قد أنكر [-.ٍ من نفسي معالمها وفي المجاهل لي أنس وعرفان
أرض يجلق والنهرين مونقة أريضة كلها قصر وبستان [١٣١ ب]
أمست دياري خلاء في معاهدها وحلها ديسم بعدي وسرحان
إذا نبا بلد يوما بساكنه ففي سواه له أهل وجيران
وفي جناب أبي عيسى لنا بدل إذ قطعت من حبال الوصل أقران
[ ٥ / ٤٨٨ ]
حتى يمهدني قطر قرارته تيماء والهضبة العلياء عمران
هو المجير من الأيام إن غدرت وهي وبعض من الإخوان خوان
وأخبرني أبو عامر ابن الفرج قال: كنت بحصن روطة ضيفا عند ابن المرشاني، واتصلت مجالس أنسنا بها وغبوقا، وأظلنا العيد، وورد الوزير أبو الفضل من سرقسطة، فكتب إلى ابن المرشاني بشعر يقول فيه:
العيد أيام أكل ومشرب وبعال
وقد أكلنا فهات اسقنا من الجريال
إذ لا نكاح لنا في محرم أو حلال
إلا ما نرتجي من نكاح طيف الحيال
قال أبو عامر: فكلفني فجاوبته فقلت، وبعث إليه بما رغب إليه:
زفت إليك عروس بكر من الجريال
قميصها ذهبي كالشمس في الآصال
وحليها فضي منظم كاللآلي
فدونك اشرب هنيئا لا زلت ناعم بال
واجمع من الطيف بين الشنوف والخلخال
[ ٥ / ٤٨٩ ]
ومعنى هذا البيت كقول الكاتب أبي الحسن صالح الشنتمري، وقد تقدم إنشاءه:
أسنى ليالي الدهر عندي ليلة لم أخل فيها الكاس من إعمال
فرقت فيها بين جفني والكرى وجمعت بين القرط والخلخال
وأنشدت لأبي الفضل:
وأطربنا غيم يمازح شمسه فيستر طورا بالسحاب ويكشف
ترى قزحا في الجو يفتح قوسه مكبا على قطن من الثلج يندف
وذكرت بما وصفه من قوس قزح خبرا هن أبي الطيب المتنبي، وان ذهب في الغلو أبعد مذهب: ندف له قطن في ثوب أمر بعمله، فوجه لصانعه فيه درهما فاستقله وصرفه عليه، فمثل الصانع بين يديه، وطلب منه فيه دينارا، فقال له المتنبي: والله لو ندفته بقوس [١٣٢ أ] قزح على أجنحة الملائكة ما أعطيتك عليه دينارا.
ومن أملح ما جاء في صفة قوس قزح قول القائل:
[ ٥ / ٤٩٠ ]
كأن السحاب الجون قمص تراكبت على الأفق والحواشي على الأرض
يطرزه قوس السماء بأحمر على أصفر في أخضر فوق مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض
وأنشدت لعز الدولة بن المعتصم بن صمادح في جارية:
صاغت الجوزاء قرطين على مسمعها والثريا دملجا
واستجادت من سماها حلالا فكساها قزح ما نسجا
وقال الأسعد بن بليطة:
محيرة العينين من غير سكرة متى شربت ألحاظ عينيك اسفنطا
أرى صفرة المسواك في حوة اللمى وشاربك المخضر بالمسك قد خطا
عسى قزح قبلته فإخاله على الشفة اللمياء قد جاء مختطا
وأكثر الشعراء تشبيههم قوس السماء السحابي بقزح، وهو منهي أن يسمى قزحا.
وروى الاخباريون أن نوحا ﵇ استقرت السفينة على الجودي سأل الله تعالى أن يؤمن ولده من الغرق، فأوحى الله إليه: قد أمنت ولدك آخر الدهر، وجعلت لهم علامة يرونها في السماء: قوسا.
[ ٥ / ٤٩١ ]
وقالوا: قزح من أسماء الشيطان فلا ينبغي أن ينسب إليه هذا القوس.
وقال أبو بكر بن الملح:
غرته الشمس والحيا يده بينهما للنجيع قوس قزح
وقد تقدمت هذه الأبيات، ولكني استجزت تكرارها لأنسق الأعجاز بالصدور، وأضم الأول إلى الأخير.
وسمع القطعة التي تعزى للحكيم المصري، وأولها: " توريد خدك للأحداق لذات "، فقال أبو الفضل:
عهد للبنى تقاضته الأمانات بانت وما قضيت منه لبانات
يدني التوهم للمشتاق ممتزجا من الوصال وفي الأوهام راحات
تقضى عدات إذا هب الكرى وإذا هب النسيم فقد تهدى تحيات
لعل عتب الليالي أن يعود إلى عتبي فتبلغ أوطار ولذات [١٣٢ ب]
بشرى تحقق ما زار الخيال به فربما صدقت تلك المنامات
وله مراجعا إلى الوزير أبي محمد بن سقبال:
قابلت بالعتبى عتابك جاهدا للعهد حفظ العين للأجفان
وبسطت أوضح من زياد عذره لو لم تكن أقسى من النعمان
[ ٥ / ٤٩٢ ]
أسقيك عذبا باردا وسقيتني إذ جاش حميك من حميم آن
أغضبت جهلا أم نسبت إلى الصبا فامرح فإنك منه في ريعان
وركب المستعين بالله يوما بسرقسطة يريد طراد لذته، وارتياد نزهته، وافتقاد أحد حصونه المنتظمة واجتمع له من أصحابه، من اختصه لاستصحابه، وفيهم أبو الفضل، مشاهدا لانفراجهم، سالكا لمنهاجهم، والزوارق قد حفت به، والتفت بجوانبه، ونغمات الأوتار تحبس السائر عن عدوه، وتخرس الطائر المفصح بشدوده، والسمك تثيرها المكايد، وتغوص إليها المصايد، فتبرز منها قضبان در أو سبائك لجين، فقال:
لله يوم أنيق الغرر مفضض مذهب الآصال والبكر
كأنما الدهر لما ساء أعتبنا فيه بعتبي وأبدى صفح معتذر
نسير في زورق حف السفين به من جانبيه لمنظوم ومنتثر
مد الشراع به نشرا على ملك بذ الأوائل في أيامه الأخر
هو الهمام الامام المستعين حوى علياء مؤتمن عن هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آية عجبا بحر تجمع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدة صيدا كما ظفر الغواص بالدرر
[ ٥ / ٤٩٣ ]
وللندامى به عب ومرتشف كالريق يعذب في ورد وفي صدر
والشرب في ود من لي خلقه زهر يذكو وغرته أبهى من القمر
جواب ابن هود إلى أبي الفضل عند فراره عنه: سيدي وأجل عددي، وأسنى الذخائر عندي، وأزكى الفوائد بيدي، ومن أبقاه الله في أتم نعمة، وأعم حرمة؛ وردني كتابك بما أودعته من صورة وجهتك وممرك، وصفة مستوطنك ومستقرك، وعرفت [١٣٣ أ] حقيقة منزعك، في تعجبك وتسرعك، وما علمتك - على معلوم ذكائك - يذهب السداد في آرائك، ولكن لا تملك عنانك في اعتساف طرقك، وخالق خلقك، وكان الأشبه بالجميل، أن تشعر بإزماع الرحيل، فتوصل وتشيع، ولا تصد عن غرضك ولا تمنع، مهدت بك الحال هنالك تبرح موضعك، ولا فارقت مألفك ومجمعك، بما يقتضيه انتظام الجانبين، والتفات الأفقين، وكيفما تصرفت فأنت الولي الحميم، لا ينكر ودك، ولا يخفر عهدك، والله يلقيك كل خير، ويجنبك ثمر الغبطة في كل مقام وسير.
قال أبو الحسن بن بسام: ورأيت هنا أن ألمع بيسير من أخبار أبي الطيب، سوقا لفائدة أدى إليها الخبر، وإشارة إلى بعض محاسنه عنه تؤثر، وإن كان خارجا عن هذا الغرض الذي شرطته من حذف التطويل، والاجتزاء عن الكثير بالقليل. ولكنه سنح لي هنا فصل من أخباره وبديهته، وتصرفه البديع بين إشارته وفكرته، ورويته وبديهته:
[ ٥ / ٤٩٤ ]
استنشده سيف الدولة قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم *
وكان معجبا بها، كثير الاستعادة لها، فاندفع أبو الطيب ينشدها، فلما وصل إلى قوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الابطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال له: قد انتقدنا عليك هذا البيت كما انتقد على امرئ القيس بيتاه:
كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
وبيتاك لا يلتئم شطراهما، كما لا يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس؛ كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل لخيلي كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولك أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيد الله مولانا، إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هنا
[ ٥ / ٤٩٥ ]
أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولاي يعلم أن البزاز لا يعرف الثوب معرفة الحائك، لأن [١٣٣ ب] البزاز لا يعرف إلا جملته، والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية؛ وإنما قرن لمرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلته الأعداء؛ وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المهزوم لا يخلو أن يكون عبوسا وعينه من أن تكون باكية قلت: " ووجهك وضاح وثغرك باسم " لأجمع بين الأضداد في المعنى، وإن لم يتسع اللفظ لجمعها، فأعجب سيف الدولة بقوله وبالغ في صلته.
ولما أنشد أبو الطيب سيف الدولة قصيدته التي يقول فيها:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد زد هش تفضل أدن سر صل
وقع سيف الدولة تحت " أقل " أقلناك، وتحت " أنل ": يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت " أقطع ": قد أقطعناك الضيعة الفلانية، ضيعة بباب حلب، وتحت " احمل ": يقاد اليه الفرس الفلانية، وتحت " عل ": قد فعلنا، وتحت " ادن ": ادنيناك، وتحت " سر ": قد سررناك.
قال أبو الفتح: فبلغني أن أبا الطيب قال: انما أردت " سر " من السرية، فأمر له بجارية، وتحت " صل ": قد فعلنا..
[ ٥ / ٤٩٦ ]
وكان المعقلي وهو شيخ بحضرته ظريف قال له، وقد حسد أبا الطيب على ما أمر له به: قد فعلت له من كل ما سألك، فهلا قلت لما قال هش بش: هئ هئ، يحكي الضحك، فضحك سيف الدولة وقال له: ولك أيضا ما تحب، وأمر له بصلة.
وسيف الدولة، مع ما شهر به من الكرم والسخاء، وعرف به من انفجار ينابيع جوده على الشعراء، قد قصر في توقيعه تحت " احمل " عن غيره من الأمراء، يحكى أن أبا القاسم الزعفراني لما أنشد الصاحب قصيدته التي يقول فيها:
وحاشية الدار يمشون في صنوف من الخز إلا أنا
وقع فيها الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص ودراعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ نت الخز لأعطيناكه.
ومما يؤثر عنه من نفاذ خاطره وحضور جوابه أنه دخل على سيف الدولة وأنشده بعض قلائده فيه، وطار به السرور كل مطار، فلما أراد الانصراف إلى الدار [١٣٤ ا]، قال له السيف ملغزا على من حضر:
[ ٥ / ٤٩٧ ]
تتبختر يا أبا الطيب، فقال: نتيه أيها الأمير، فضحك سيف الدولة وتعجب من فهم أبي الطيب وقال للحاضرين: أردت ب:تتبختر " تصحيفه: " بت بخير " فقال::نتيه " وتصحيفه: " بت به ".
ومن أظرف الجواب، وأغرب مزاح الكتاب، ما اتفق لي مع الوزير أبي محمد بن عبدون أول ما لقيته، وسمع بعض الإخوان يدعوني باسمي، فقال لي: أنت علي بن بسام حقا -! قلت: نعم، [قالٍ]: وتهجو حتى الساعة أباك أبا جعفر وأخاك جعفرا، فقلت له: كلأك الله، وأنت عبد المجيد -! قال: نعم، قلت: ويتغزل فيك حتى الآن ابن مناذر -! فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر؛ وعلي بن بسام باقعة زمانه، لم يسلم من هجائه أمير ولا وزير، ولا من أهل بيته صغير ولا كبير، وعبد المجيد كان أجمل أهل زمانه، وكان ابن مناذر يعشقه ويغزل فيه. هذا وما أشبهه من المزاح المباح، البعيد عن الجناح.
[ ٥ / ٤٩٨ ]
فصل في ذكر الأديب أبي الربيع سليمان بن أحمد القضاعي
من قدماء الأدياء - كان - بذلك الثغر، ومن كتاب العصر، المتصرفين في النظم والنثر، وكلامه يجمع بين الحلاوة والجزالة، ويصرف في لطائف الصنعة، [كان] يعمد إلى خسيس المعاني فيقيم لها أودا، بسلاطة لسانه، وقوة مادته وحسن بيانه، فان كان في كلامه بعض الطزل، فهو غير مملول، لظريف ألفاظه واستعارته التي يفخم بها التافه الحقير، ويقلل المنزور الكثير، وفي ما أثبت هاهنا من فصول اقتضبتها من رسائله وإنشاءاته، ما هو الشاهد العدل على ما أجريته من صفاته.
فصل له من رقعة خاطب بها يوسف الاسلامي وقد طلب منه آلة نجار، خدم عنده فوجه بها حاشا المئشار، يقول فيها: من دخل في ملة التزمها، وليس من شريعة هذا الدين منع الماعون، ومن تمام الإسلام، حفظ الجوار و[رعاية] الذمام، ومن أحسن الإحسان، قضاء لبانات الإخوان، وما تعلم العوان الخمرة، ولا نجد بك من نية
[ ٥ / ٤٩٩ ]
فأنت المستولي أمد النهايات، والمبرز في غلاب المذكيات، والحاوي قصب السبق إلى الغايات، وان كان قد قال الجهابذة أولا:
وأي الجياد لا يقال [له] هلا *
وما تعزى إلى بخل وأنت أسمح [من] لافظة، ولا تبصر من جهل وأنت قطب العلوم الثاقبة، وقد أنكرت أشد الإنكار، بخلك بالمئشار، وأعلمت الفكرة [١٣٤ ب] في النظر إلى بعد مراميك، والبحث عن غموض معانيك، فلاحت لي دريئة مرماك، وأشرفت مطلا على مغزاك، وحسدت بعد تسديد سهام التوهم، ورميت عن قسي التفهم، أن علة ضنائك به من أجل ما مر ببالك ذكر الشجرة التي أشرت وفيها يحيى بن زكريا ﵇، فتحرجت أن تخرج من حريمك آلة كانت فيما مضى سببا إلى حدث مشئوم، بسفك دم [نبي] كريم، ولو لمحت وجه مطلبي تأملك لعلمت، وما أظنك جهلت، أن الخشبة
[ ٥ / ٥٠٠ ]
التي أحببت أن تؤثر عندي لم يكن فيها حيوان غير الأرضة التي أكلت منسأة سليمان ﵇؛ وهلا إذ أسأت بي الظن تيقنت على ما توجبه السنة أن العارية مؤداة، وقد كانت لك في ارتهان خط يدي لنجارك مقنع، فقد قبل كسرى، وهو جاهلي، قوس حاجب بن زرارة على نزارتها، رهنا عن جرائم العرب أن تعيث في السواد، وانما كانت فلقة عود ووتر [مصير] . وقد علمت أن الرباني أجدر بالوفاء والائتمار من الجاهلي، وفي الاعتذار المتقدم عنك ما يقضى ببراءتك، هذا إلى ارتئاء المشيخة وإيثارهم الروية على البديهة، وحكمهم أن الرأي الفطير، وإن أصيب به التقدير، من سوء التدبير، والأناة عندهم محمودة إلا في ثلاث: العمل الصالح، ونكاح الكفؤ، ودفن الميت. وما قدحت في شرفك هذه الوصمة وان ظاهرها بخلا وطفاسة، إذ باطنها عقل وسياسة، فإن احتج عليك بقولهم [ان]: أمقت اللؤم [وأقبحه، وأجلبه للشين وأفضحه] بخل بالتافه اليسير، والنزر الحقير، وهو مع ذلك ليس في ملك يديه، ولا طماعية له في المئشار أن يصير إليه، فإن الأمل لا يبعد، أن يصير إليه بعد، فقد تنقل دولات التأمير، فكيف
[ ٥ / ٥٠١ ]
بآلات المياشير، والأيام دول، والدنيا جمة التنقل، تجمع وتبث، وتسمن وتغث، وربما تألفت الأضداد، وتشتت الأنداد، وأفادت غير المطلوب، وحالت دون المرغوب، ألم تر إلى موسى ﵇ كيف اقتبس نارا، ووافد البراجم كيف شم القتار، وأم قرما إلى النار، ألم تعاين الكتابة التي أنت قطبها، وهي أجل صناعة، ربما عدل بها عن نبلاء المحسنين، إلى الدخلاء الأميين، الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولا يدركون بأفواههم إلا المرئي، فحديثهم الطعن على أهل العلم، والتنقص لذوي الفهم، ولأمر ما ذم الصبح المريب، وعاب المتحمل غير المعيب، وقد بصرت بما عليه هذا الصنف الواغلي من العجز والتشغيب، واللحيدة عن القياس المصيب، وأنهم إذا سمعوا بلاغة الصدر الأول، من الجيل الأفضل، قالوا: أمر ليس عليه العمل، وإذا أصغوا إلى تحبير صالح الخلف [١٣٥ أ]، المقتدي بمحمود السلف، قالوا: هذا التعقيب، والتقعير المعيب، فقل لهم:
[ ٥ / ٥٠٢ ]
فافتقوا بحوركم الزاخرة بزعمكم، وأدروا سحبكم الثرة بدعواكم، واحشدوا مدود أذهانكم، واسردوا غرائب بيانكم، - وخلاكم ذم -؛ إذا والله أيتها العصابة تهب ريح احتفالهم رخاء لا تثير سحابا، ولا تسفي هباء، إلا [ما] ينوءه بعد الريث وإدمان الإبساس من قطارة المعاني المبتدلة السوقية، وعصارة الألفاظ الرذلة العامية، التي يعافها الخاصي لسفالتها، ويجتنبها العامي لخلاقتها، ثم إذا رجعتكم البكاءة إلى الاستعارة من كلام البلغاء المتقدمين، والاجلاء المحدثين، وذهبتم إلى أن تهتدوا بأنوارهم، وتقتدوا بآثارهم، اعسفتم الكلام وصفتموه، وأحلتم النظام فأكرهتموه، ورقعتم خيش المروط الصوفية، برقيق البرود الموشية، وقرنتم در غيركم بآجركم، فامتازت مع تعديكم الآثار بتمويهكم محاسنهم من قبائحهم، وإذا حصحصت حقيقة فضائحكم، لم تعتصموا بعلق، سوى الاضطغان والحنق:
غضب التيوس على شفار الجازر والمغرقين على الأتي الزاخر
فقد اجتهد لنصرك، من قام بعذرك، وحملتني لك العصبية، واستدعتني
[ ٥ / ٥٠٣ ]
فيك الحمية، [إلى ما] ترى [من توبيخ] الكتبة الذين ليس لهم بسطتك في العلوم الديانية، ولا براعتك في الفنون الأدبية والرياضية، جلالا بك أن ينتسب إلى حزبك، من لا يعدل بك، وكما لا يضر بالجواد السابق أن يكون في آري مع بطاء الأعيار، كذلك ليس عليك في اختلاطك بهم من كآبة ولا عار.
ثم نعود إلى تفنيد المعترض عليك باسئشار المئشار: وكيف يوسم بالحقارة، أو يرسم بالنزارة، وهو من الحديد، الذي فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وهو من إرهافه ورقة غراره واضطراب متنه مناسب لحسام الكمي البطل، وحامله غير أعزل، وان شئت استمجدت منه زنادا، وشفارا حدادا، ومن بدائع أعاجيبه أن المدى ما لم تكن مفلولة فهي أبرى، والمئشار لا يحسن قضبه، حتى يفلل غربه، ومن آلات المئشار عصاه التي تثقفه أن ينآد، وتسدده إذا حاد، وان شئت صنعت منها مخاصر لأرباب الملك، أو صلبانا [ومتكآت] لطواغيت الشرك، مع ما فيها من المآرب الجسيمة، وقد اقتصرت على تصنيفها بما
[ ٥ / ٥٠٤ ]
ذكره الجاحظ في العصا، فكثيرا ما كنت أسمعك تلهج بكتاب " البيان " وتدعي حفظه.
ومن عجائب المئشار إذا سمع جعجعته رئي طحنه، ومن غرائبه شكاله، واكثر ما يكون من الشعر والصوف والوبر، وقد وصفها [١٣٥ ب] الله تعالى [في التنزيل] فقال ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ (النحل: ٨٠) فكيف لنا أن تستنزر، سما نبهنا لنحمده ونشكر، فان اعترض عليك أن شكاله قد يصنع من ليف ودوم وشبهه، فأقل ما يوجبه أن يعقل به بعير، وقد قال الصديق: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، ذكر في التفسير أن معناه " ثمن عقال " إذ ذلك حزم في الملة، وابتداع محدث في زكاة الأمة. ولولا خوف الطول باقامة معاذيرك لأمعنا في التوجيه، ولكن الاشارة كافية لمن عقل، كما أن الإطالة غير مقنعة لمن ساء فهمه وجهل.
وله من رقعة خاطب بها الوزير ابن محامس عناية بالكاتب ابن أرقم: مكاسب الشعراء - أعزك الله - من مواهب الأمراء وعنايات الوزراء؛ ومن شنأ الأدباء فانما يناقض أرباب الرياسة، ويعارض أقطاب الوزارة؛
[ ٥ / ٥٠٥ ]
وكانت عند الأديب ابن أرقم المحتفل في شكرك احتفالي، والمطنب في حمدك إطنابي، بضاعة مزجاة أنفق في جمعها مصاصة أيام العمر، وخلاصة قوافي الشعر، وقطع في اكتسابها ظهري البر والبحر، وصلي بجمرتي القر والحر، حتى إذا وفت بثمن خادم من الوخش، لم ينتظر نماء المال، إلى أن يفي برأس غال، لتوقعه أن ينقضي الزمان، ولم يقض أربا من القيان، ويصير من كبرة السن، إلى حيث لا يقدر على ذلك الفن، فاقتنى بوشقة صبية فيها بلغة لمن كان ذا عزبة، وفضلت له خمسة وعشرون دينارا، عدد نصف سنيه الماضية، وفشا في قوم هجاء ظنوه من شعره رجما بالغيب، وحاشا لأدبه من السفه، واختلقوا أنه ابتاع بما بقي له هجينا، وثورا مرببا، وتبنى بنتا، ثم تلا قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء﴾ ويشير إلى قينته، ﴿والبنين﴾ ويشير إلى دعيه ﴿والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة﴾ وينظر إلى كفه منهما إلى أقل من مربع أوقية ﴿والخيل المسومة﴾ (آل عمران: ١٤) ويلحظ إلى مهرة الذي لو بيع بحجر من حجارة القذف لربح البائع وخسر المشتري، وكل هذا منهم
[ ٥ / ٥٠٦ ]
افتراء عليه، واغتراء به، وأخافوه فلاذ بك، واستجار بظلك:
ومن يستجر بالكاتب ابن محامس فقد لاذ من ريب الزمان بحارس
وزير التجيبي ابن منذر الذي تبوأ مجدا فات شأو المقايس [١٣٦ أ]
مليك متى يجلس يطل كل قائم وكم من مليك قائم مثل جالس
وله من أخرى: بعثت ابني وغلامي عشية العيد للسوق، فأحظا أوجه النجاح، وعاد مثخنا [لي] بالجراح، فبت أتقلب بين ألم العلة، ومضض الذلة، وبات من عندي طاويا إلا من الكرب، وصاديا إلا من الدمع، نتجاذب أطناب الكمد، وسرور العيد يقوم بالناس ويقعد؛ وسيدنا الرئيس - أدام الله تأمين سربه، وإعزاز حزبه - أجل من أن يضام جاره، أو يكدر جواره، وحسبي بهذه الشرعة سببا إلى وده، فهي شرعته، وحاشا لشيمه الكريمة من المضارعة الكلية، والمشاكهة الجملية، ولكنها - ولسؤدده المثل الأعلى - كما يقترن عطارد على خفائه، بالشمس على ضيائها.
[ ٥ / ٥٠٧ ]
وهذه أيضا قطعة من شعره
[له من قصيدة]:
بعيشك إلا ما قصرت لنا الدجى فقد زيد جنح الليل في طزله ضعفا
كأن النجوم الزهر حضرة الدجى أزاهير نوار على روضة خيفا
كأن جناحي نسرها وهو واقع مهيضان لما يستقلا به ضعفا
كأن أخاه قد أتى من ثنية لديه فولى حين لم يرضه حلفا
كأن السها مصباح مشكاه راهب تشب له طورا وآونة تطفا
كأن عراقي الدلو في كف مائح مياه جفار تجذب الفرغ والغرفا
كأن بني نعش [طلائع نعجة] يرودون في ديمومة عشبا جرفا
كأن سهيلا خلفه من أناته سكيت على آثار حابته قفى
كأن ظلام الليل أسود مطرق من الزنج في لبس الحديد قد التفا
كأن ثبات القطب فوق مصامه ثبات لبيب كما شهد الزحفا
وإنما احتذى أبو الربيع في هذه التشبيهات طريقة محمد بن هانئ الأندلسي وسلك سبيله فضل عنها، وهي قصيدته التي أولها:
أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا وبتنا نرى الجوزاء في قرطها شنفا
وبات لنا ساق يقوم على الدجى بشمعة صبح ى تقط ولا تطفا
أغن غضيض خفف اللين قده وأثقلت الصهباء أجفانه الوطفا [١٣٦ ب]
[ ٥ / ٥٠٨ ]
نزيف مضاه السكر إلا ارتجاجة إذا كل عنها الخصر حمله الردفا
يقولون حقف فوقه خيزرانة أما يعرفون الخيزرانة والحقفا
وقد فكت الظلماء بعض قيودها وقد قام جيش الصبح [لليل] واصطفا
وولت نجوم للثريا كأنها خواتم تبدو في بنان يد تخفى
ومر على آثارها دبرانها كصاحب ردء كمنت خيله خلفا
وأقبلت الشعرى العبور ملبة بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا
تخاف زئير الليث قدم نثرة وبربر في الظلماء يتسفها نسفا
كأن سهيلا في مطاله أفقه مفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأن السماكين اللذين تظاهرا على لبدتيه ضامنان له الحتفا
فذا رامح يهوي إليه سنانه وذا أعزل قد عض أنله لهفا
كأن معلى قطبها فارس له لواءان مركوزان قد كره الزحفا
كأن قدامى النسر والنسر واقع قصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا
كأن أخاه حين دوم طائرا أتى دون نصف البدر فاخطفت النصفا
كأن بني نعش ونعشا مطافل بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا
كأن ساها عاشق بين عود فآونة يبدو وآونة يخفى
كأن ظلام الليل إذ مال ميلة صريع مدام بات يشربها صرفا
كأن عمود الصبح خاقان معشر من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى
كأن لواء الشمس غرة جعفر رأى القرن فازدادت طرقته ضعفا
[ ٥ / ٥٠٩ ]
وقد تقدم قبل لهذه الصفة الجامعة في النجوم علي بن محمد الكوفي، في قصيدة يقول فيها:
متى أرتجي يوما شفاء من الضنى إذا كان جانبه علي طبيبي
ولي عائدات ضعفتهن فجئن في لباس سواد في الظلام قشيب
نجوم أراعي طول ليلي بروجها وهن لبعد السير ذات لغوب
خوافق في جنح الظلام كأنها قلوب معناه بطول وجيب [١٣٧ أ]
ترى حوتها في الشرق ذات سباحة وعقربها في الغرب ذات دبيب
إذا ما هوى الاكليل منها حسبته تهدل غصن في الرياض رطيب
كأن التي حول المجرة أوردت لتكرع في ماء هناك صبيب
كأن رسول الصبح يخلط في الدجى شفاعة مقدام بجري هيوب
كأن اخضرار الصبح صرح ممرد وفيه لآل لم تشن بثقوب
كأن سواد الليل في ضوء صبحه سواد شباب في بياض مشيب
كأن نذير الشمس يحكي ببشره علي بن داود أخي ونسيبي
ولولا اتقائي عتبه قلت سيدي ولكن يراها من أجل ذنوب
نسيب إخاه وهو غير مناسب قريب صفاء وهو غير قريب
ونسبه أجسام الأقارب وحشة إذا لم يؤنسها انتساب قلوب
[ ٥ / ٥١٠ ]
ولأبي الفضل البغدادي الدامي من قصيدة في ذلك:
وليل تجلى الصبح في جنباته سنا بارق في لج بحر تعببا
أحاطت بآفاق السماء خيامه وطبق شرقا في البلاد ومغربا
نفى طوله عني الرقاد كأنما يغار على الجفنين أن يتركبا
تعانق كيوان وبهرام وسطه على الحقد في صدريهما وترحبا
عريبان خافا الضغن في دار غربة وربت ناس ضغنه إذ تغربا
فبت أجيل الطرف أرتاد فجره كما ارتاد ذو الشوق الحبيب المحجبا
كأن النجوم الوهر فيه خرائد تطالع من زهر الكواكب ربربا
تودع من تهوى بكسر جفونها وتكثر من خوف الوشاة الترقبا
وإلا كغزلان النصارى تدرعوا بسر مسوح للصلاة ترهبا
كأن ثرياه أنامل فضة تقلب ترسا من سنا الليل مذهبا
ومن أخرى:
كأن كواكب الجوزاء شرب تعاطيهم ولائدهم شرابا [١٣٧ ب]
كأن الفرقدين ذوا عتاب أجالا طول ليلهما العتابا
كأن المشتري لما تعلى طليعة معشر خنسوا ارتقابا
كأن الأحمر المريخ معد على حنق يشب بها شهابا
كأن سنا المجرة فيض نهر جرى في الزهر وانساب انسيابا
كأن بقية القمر المولي كئيب مدنف يشكو اجتنابا
[ ٥ / ٥١١ ]
كأن الفجر مبتهج ببشرى تلألأ لعدها اربد اكتئابا
كأن الليل مذعورا بفخر مريب راعه سيف فهابا
وله في مدح المنتصر بالله حسين بن يحيى المعتلي:
كأن السماء اللازوردي وهنة ملاء على جسم الزمان منمنم
كأن الثريا فيه كف خريدة أنيط له إذ أظلم الليل معصم
كأني أراها إذ بدا دبرانها قيب لتعذيب المتيم يلزم
كأن السها صب أضر به الهوى فلم يبق منه فيه لحم ولا دم
كأن به الجوزاء حين تطلعت أمير يحييه الدجى ويعظم
كأن شبيه الفرقدين متيم يقبل معشوقا جفاه ويلثم
كأن سنا المريخ في غسق الدجى شهاب تذكيه الرياح مضرم
كأن ظلام الليل قلب وقد هوى بايمانه نسر من الشرك قشعم
كأن ابتسام الصبح في جنباته نواجذ زنجي غدا يتبسم
وهذا يشبه قول ابن المعتز:
حتى تبدى تحت ليل مظلم كأنه غرة طرف أدهم
أو ثغر زنجي لدى التبسم
ومن أخرى في مدح ابن جهور:
[ ٥ / ٥١٢ ]
في ليلة ليلاء ألقت كلكلا فوق النهار وجلببته حندسا
طالت علي وطال بثي تحتها حتى حسبت الدهر ليلا عسعسا
والنجم في كبد السناء كأنه [-.] تدرع بالمهابة واكتسى [١٣٨ أ]
وغدا سهيل طاعنا بسماكة أعداءه وتخاله متترسا
وبنات نعش تستدير كأنها أطلاء غزلان ضللن المكنسا
والجدي قد أسرت يداه قطبه فثوى أسيرا لا ينهنهه الأسى
والنسر قد ضم الجناح كأنه متقدم رام اللحاق فأحبسا
وكأن مطلعها رياض جاده صوب الحيا قدما فأنبت نرجسا
والبدر يحيي نوره وقد انطوى طرفاه حتى خلته قد قوسا
والصبح منهزم وقد رفع اللوا في إثره جنح الظلام ليخسا
حتى تلقى الفجر في حلل الضحى فجلا لنا وجه الظلام الأعبسا
فكأنه لما استطال على الدجى بسنا أبي الحزم الأعز تلبسا
ولأبي عامر بن شهيد:
وارتكضنا وقد مضى الليل يسعى وأتى الصبح قاطع الأسباب
وكأن النجوم عسكر خيل دخلت للكمون في جوف غاب
وكأن الصباح قانص طير قبضت كفه برجل غراب
[-.]
[ ٥ / ٥١٣ ]
كأنما الليل إذ تولى لغرة الفجر إذ رآها
زنجية أسكرت فأمست تجر من خلفها رداها
رجع:
ولما دخل هشام بم محمد الناصري المتلقب بالمعتد قرطبة، واستوثق له الأمر بها، سفر عنه رسولا إلى مقاتل صاحب طرطوشة، فائز بن المغيرة، فاجتمع بها أبي الربيع القضاعي هذا فقال له ل [فائز]: لو لحقت بقرطبة إلى أمير المؤمنين المعتد بالله كنت تحصل بها على الوزارة معنا، فأنشده أبو الربيع:
هبك كما تدعي وزيرا وزير من أنت يا وزير
والله ما للأمير معنى فكيف من وزر الأمير
وانما نظر أبو الربيع في معنى هذين البيتين إلى قول عمر بن إبراهيم في خبر أورده الصولي قال: لما رد المعتمد إلى سر من رأى من طريقه إلى ابن طولون على يدي اسحاق بن كنداج وأحسن التدبير في ذلك، وسمي ذا الوزارتين قال [١٣٨ ب [له عمر المذكور:
قل للمسمى الوزير ظلما وزير من أنت يا وزير
أنت أسرت الإمام قهرا وكيف يستوزر الأسير
[ ٥ / ٥١٤ ]
جملة من أخبار هشام بن محمد الناصري أمير قرطبة
الملقب من الألقاب السلطانية بالمعتد، نقلت من أبي مروان ابن حيان
قال أبو مروان [ابن حيان]: وهشام بن محمد هو أخو المرتضى، أخذت له البيعة بقرطبة سنة عشرين وأربعمائة، وهو يومئذ مقيم بحصن البونت قبل أميره محمد بن قاسم الفهري، ألجأته إليه المخافة عند مهلك أخيه المرتضى، فقلد هذا الأمر في سن الشيخوخة، ولا نعلم أميرا من أهل بيته ولي في مثل سنه، وقد كان معروفا بالشطارة في شبابه، فأقلع مع شيبه، فرجي فلاحه، لصدق توبته، وخلوص طاعته، وتهديه لما فرط من بطالته، فجاء سكيتا لحلبته، متخلفا عن جميع ما قدر فيه وظن عنده، وكانت بيعته في سهولة أسرع الناس اليها، افتتحت باجماع وختمت بفرقة، وعقدت برضى وحلت بكراهية، وكان الوزراء قد نظروا في هيئة أموره، وكيفية وروده، فلم يفجأهم إلا وقد أشرف على البلد، فانقلبت قرطبة أعلاها وأسفلها طربا إليه وسرورا به، فركب جيشها لاستقباله، فدخل في زي تقتحمه العين وهنا وقلة، عديم رواء وبهجة، وعدد وعدة، فوق فرس دون مراكب الملوك، بحلية مختصرة، سادلا سمل غفارة
[ ٥ / ٥١٥ ]
ما على تحتها كسوة رثة، قدامه سبع جنائب من خيل الموالي [العامريين] سيروها معه للزينة دون علم ولا مطرد، يسير هونا والناس يهشون له، ويضجون بالدعاء في وجهه، لا يعلمون ما سيق لهم من المكروه به، فدخل القصر، وجاء معه في جملة الموالي العامريين حائك من أبناء الزعانيف بقرطبة يسمى حكم بن سعيد، الحائك المشهور، حمل ابنه هذا السلاح، وأطال السبال، وخرجته الفتنة فصحب أمراءها، وعرف هذا الخليفة عند ظهوره بالثغر بصحبة في حال الصبا، فسما إلى الغلبة، واشتمل عما قليل على تدبير سلطانه فنقضه سريعا.
قال أبو مروان: ثم بات الناس ليلتهم، وغدا الملأ عليه، ووصلوا على مراتبهم إليه، وهو بمجلس الخلافة، فظهر منه ليومه عي في القول، احتاج إلى عبارة الأكابر عنه، وأنشده من حضر من أدباء الوقت، فلم يهزه شيء من ذلك لنبو طبعه. وحضره في ذلك اليوم [١٣٩ أ] محمد بن المظفر بن أبي عامر أمير بلنسية [فرفع مرتبته وسماه الحاجب وأثنى على سلفه، يخادعه وفوه يتحلب لأكله، ثم قرئت كتب وردت معه من شرق الأندلس منها كتاب عبد العزيز بن أبي عامر أمير بلنسية] وكتاب
[ ٥ / ٥١٦ ]
سليمان بن هود صاحب لاردة، كلها في إطراء الخليفة [المعتد] هشام المهدي للأمة رحمة، ثم توالت بعد كتب الرؤساء مسوقة هذا المساق من غرور أهل قرطبة [فأصغوا من إفكهم إلى ما زادهم خبالا، وأولبقهم ورطة] ونكالا، وكانت تلك الكتب المزورة حظهم من هؤلاء الساخرين بهم، أدوا إليهم هذا المغرور بامارتهم عديما لآلاتها، ثم تركوه في أيديهم وصرموا حبله، ولم يتعدوه فيما بعد بفارس ولا درهم.
وحكى لي بعض أصحاب هذا الخليفة هشام أنه اجتاز على جزيرة شقر من عمل الموالي العامريين بشاطبة وطمع أن يدخلوه فلم يتفق له عندهم شيء، وجعل يجوب الدلو إلى قرطبة، وأول ما أظهر من النوادر أن جلس بنفسه للمظالم، وزاد في قراء الجامع حين بلغه أن ما به غير مكي وصاحبه، وزاد في رزق مشيخة الشورى من مال العين، ففرض لكل واحد خمسة عشر دينارا مشاهرة، فقبلوا ذلك على خبث أصله، وتساهلوا في مأكل لم يستطبه فقيه قبلهم، على اختلاف السلف في قبول جوائز الأمراء الذين سبكوا خبائث الضرائب والمكوس القبيحة، فاستدر القوم مرية هذه الطعمة الخبيثة، وكنت أحسب فقهاء الشورى بعده أنهم يكتمون شأن ذلك الراتب، حتى سمعت أبرهم يلح في طلبه
[ ٥ / ٥١٧ ]
وينتظر بلوغ وقته، فانكشف لي شانه والقوم أعلم بما يأتونه، وهو القدوة، لا جعلهم الله لنا فئة. وقد حدثت أن هشاما أطعمهم من قمح ولد القاضي ابن ذكوان أيام فر عنه، وأخذ ماله، فقبلوه قبول مال الفيء؛ وهذه الأخبار تكتب للغرائب، والفتنة تنتج العجب، والخلة تدعو إلى السلة.
قال: وقلد هشام وزيره حكم بن القزاز جملة [تلك] الأعمال، وأطلق يده في المال، وناط به الرجال، فجرى مجرى أعاظم الوزراء المستمرين على فتنة الملوك في سالف الأزمنة، فحجر حجرهم على هذا الخليفة هشام في سن الشيخوخة بطبق ومائدة، كانا طباق همته الكاسدة، عكف عليهما راضيا بأدنى المعيشة، وقعد في حجره ينظر بعينه ويسمع بأذنه، يدني من أدناه، ويبعد من أقصاه، وخلاه ومعظم الأمور يدبرها بجهله وخرقه واعتسافه وتهوره، فلم يلبث أن انتقضت به، فأردته وصاحبه سريعا. واحتاج حكم إلى رجال يستعين بهم في تدبيره، فلم يهتد منهم
[ ٥ / ٥١٨ ]
إلا [إلى] نغل دغل، وماجن سفيه أو سوقي رذل، سقطت به عليهم المشاكلة، واتخذهم عيبه وبطانة، [١٣٩ ب] فمدوا له في الغواية، وجروا في هواه طلق الجموح، ما منهم حازم ولا نصيح، فهوى صريعا، وأصبح مثلا وموعظة، ووقع هشام على [خبر] ودائع ولد المظفر بن أبي عامر، وبعثر له عنها وزيره حكم، فوصل إليه منها بعض أسباب من ذخائر وثياب، وجرت بأسبابها على الناس خطوب، وجعلها على أهل اليسار وأعيان التجار بقيمة سعرت مع حمل من رصاص وحديد كان جمع من خرابات القصور السلطانية، عجل عليهم في أثمانها، فاستجحف الناس فيها واستعان عليهم بمن كان من الفقهاء رتب له فيها، ولم يلبث أن ألهبها كلها شواظ النفقة، وحال هشام في كل ذلك يزداد ضعفا حتى انكشف، واضطر إلى طلب الأمناء والأوصياء عن الأوقاف ومال الغيبة، وشبه ذلك، فبعثر عليها، وانفتح بذلك على الأمة مكاره شديدة، وكان القيم له بها مارد من المتفقهين يعرف بابن الجيار، ممن خدم الدولة المحمودية في
[ ٥ / ٥١٩ ]
مثل هذه الأخابث، فنكب في ذلك، فنعشه هشام من نكبته، وبعثه على خدمته، فعم أذاة، وكثر صرعاه، وخص بوزير الملك أبي العاصي الحائك، لمشاكلته إياه، ففرى الفري ابتغاء رضاه، فاعترت الأمة شدة مرت لهم أيام علي بن حمود جذعة، فساءت أحوالهم لهذه السياسة المذمومة، والوزارة المسخوطة، وبلغت هشاما فانزعج منها، وأوعد من أفشاها، وأمر بإنشاء كتاب شديد عنه إلى الكافة بما استكره من ذلك، وأغلظ [فيه] وعيدهم بما دل على قصر المدة في ما أتاه، كتبه عنه أبو عامر بن شهيد وزيره، وصاحب خالصته أبي العاصي الحائك، مطولا مستكره اللفظ، عليا المعنى، شديد القسوة، خارجا عن غرض الكتاب، لم يصحبه فيه توفيق، فقام في جمادي الأخيرة سنة إحدى وعشرين أبو عامر على كرسي، وقرأه على الكافة والأعيان، ثم قرئ أيضا بالمسجد الجامع على العامة فصك الأسماع بأصلب من الجندل، وغشي وجوههم بأحر من المرجل، وانصرفوا يتدارسون نوادره.
قال أبو مروان: وكان أبو عامر بن شهيد قد اعتلق يومئذ بدولة هشام المعتد، واختص بوزيره حكم النذل، المرتقي ذروة الوزارة من الحياكة
[ ٥ / ٥٢٠ ]
وانخرط في سلك من [كان] يؤيد المعتد على تلك الهنات الموبقات، ومن مأثور نظمه الشاهد بذلك، قصيدته فيه، وكانت من كتوماته، سأنشدها هذا الخليفة يوم مهرجان العام المؤرخ، إثر قتل عبد الرحمن بن محمد بن الحناط الوزير، يحسن له سطوته، ويغريه بمن بقي من أصحابه، وهي قصيدة ذميمة المعاني استهدف بها إلى سفك دماء المسلمين، [١٤٠ أ] جسر هشاما على الفتك بالعالمين، يقول فيها:
أحللتي بمحلة الجوزاء ورويت عنك من دم الأعداء
وطعمت لحم المارقين فأخصبت حالي وبلغني الزمان شفائي
ورأيتني كالصقر فوق معاشر تحتي كأنهم بنات الماء
ولمحت إخواني لديك كأنهم مما رفعتهم نجوم سماء
ومنها:
لا يرحم الرحمن مصرع مارق عبث بطاعته يد الأهواء
ألحق به إخوانه فحياتهم نكد وقد أودى أخو السفهاء
ساعد بذاك ودع مقال معاشر بخلوا فنالوا خطة البخلاء
من لم يفدك سوى الرماح فخله للشمس يرقبها مع الحرباء
ودع القلانس في السحاب يشقها ومفاخر الآباء للأبناء
[ ٥ / ٥٢١ ]
إن الرجال إذا تأخر نفعهم في كل معنى شبهوا بنساء
أنا صلهم عند الخصام فخلهم للسان هذي الحية الرقشاء
في أبيات غير هذه، ما أحسن فيها ولا أغرب، بل لأعرب عن سقم يقينه ورقة دينه.
قلت أنا صاحب الكتاب: أما الأبيات في أنفسها فدر مكنون، وسحر مبين، وأبو عامر كان أعجب وأنجب من أن يقال له ما أحسن وما أغرب، ولو قال: حض على أهل بلده، وأبان عن فساد معتقده، بعد أن يبرأ إليه من البيان، ويسلم له غاية الإحسان، لكان لأولى بابن حيان.
ذكر الخبر عن مقتل الوزير الحائك المذكور وخلع هشام المعتد هنالك، وما انتظم من خبر مستطرف في سلك ذلك
قال أبو مروان [ابن حيان]: وضعف أمر هشام، لسوء تدبير وزيره حكم القزاز، وبلغ من الظلم والجور أن كسدت أسواق قرطبة ولم تسلك سبلها، وأسر الناس الوثوب على وزيره هذا، فسقط إليه ذرو من ذلك فانزعج وخاف على نفسه، ورحل إلى قصر السلطان بأهله ورعيله، وسكنه مدة مختلطا به، وأخذ في مداراة الناس، وكف عن الكلف، وكتب إلى الجماعة كتابا طويلا وضح فيه العذر في شأن تلك الكلف، وحمل هشاما
[ ٥ / ٥٢٢ ]
على [١٤٠ ب] الازورار عن بعض مشيخة الوزراء الأقادم، وقصد منهم كبيرهم أبا الحزم ين جهور، وطلب تعثيره فلم يستطعه، وأمله يطمح لازالته، ليتمكن بالناس بعده، والله يستدرجه، إلى أن أن أمكن الله من هذا الجائر حكم، وذلك أنه لما خرق في تدبير سلطانه، واعتسف الأمور، وأساء السيرة والتدبير، واستفسد إلى الكافة، وكان من مغرس دني، ومهنة مرذولة، فآثره الخلفية، وسما به المحل الذي لا يستحقه، وتبوأ حجره، ورضي منه في حال الشيخوخة والحنكة، بأهون ما رضيه أحداث الأمراء، ففوض إليه، وعول عليه، ثم قعد ينظر بعينيه، وينطق بلسانه، وألزم جلة الأمراء طاعة الفسكل، وهو رجل من دخلاء الجند ما فيه شيء من خصال الرجال إلا ثقافة الركوب الساذج، دون غناء ولا شجاعة، منتقلا من الحياكة إلى الذروة العليا من تقلد الوزارة، فبدر لأول وقته بعداوة الأحرار، وتنقص الفضلاء، والميل على أولي البيوتات بالأذى والمطالبات، وصير صنائعه في أضدادهم من التوابع والحاكة، فكانوا وزراءه وأنصاره، فنالوا معه المنازل النبيلة، وأكلوا الطعوم الرقيقة، أكثرهم صبية أغمار عيارون من نمطه، ممن دينه
[ ٥ / ٥٢٣ ]
حث الكاس، واتضيد الآس، وطبخ الترفاس، والتفكه بأعراض الناس. إن ضج مظلوم سخروا به وحاكوه، فالناس منهم ومن صاحبهم في بلاء عظيم، وتجهد مقعد مقيم. وعندما سولت لهذا الحائك - حكم - نفسه الخبيثة الاستيلاء على البلد، واجتثاث مشيخة الوزراء، بما زين له جاري القدر، وسوء النظر، مقت جنده البلدين لعلمه انهم صنائع الوزراء قبله، ورأى أنهم لا يصلحون له، فأخر أعطياتهم فاضطربوا، فلما لاح له حركة الهمس والقول فيه، بنى القصبة المطلة على ساحة المدينة، استظهارا على ما خافه من تحرك العامة، فهتك بها عندهم ستره، ودبوا القيام عليه، وهو على ذلك مصر في غيه، عم في لجاجته، آمن مكر خالقه، عهر الخلوات، صريع الشهوات، لهج بالفكاهات، كلف بالبطالات، كثير الكذب والإيمان، شنيع الفجور والعدوان، وصاحبه أمير المؤمنين القائم بأمر الأمة عالم بذلك راض من وزيره هذا الحائك بإقامة وظائفه ليومه وشهره، من نشيلة وحنيذه، وشوائه وشرابه ونبيذه، وملأ قلبه وعينيه بالمطعم
[ ٥ / ٥٢٤ ]
الذي آثر الأشياء عنده، فأكثر له من الأطعمة والشهوات، وأعد له القينات والملهيات والمغنيات، فوكسه في الصبا بعد المشيب، وعرف شغفه بالبطالة فقصدها وأصاب الغرة [١٤١ أ] فنال عنده نهاية الحظوة، إلى أن خلط أهله بأهله، وأباحه سكنى داره، قد وثق حكم منه بذلك، ففرق عنه الأصحاب، وسد دونه الحجاب، وخلاه وراء الستر بين بم وزير، يطير بأجنحة السرور، وقد شغل بكأس يمناه، وبحر يسراه، وأعرض عما أحاط به، حتى أتاه من أمر الله ما أتاه، وقصده في وزيره هذا ما أشجاه؛ وأرسل [الله] على وزيره ودلته طائفه من فتاك الجند عرفت مراد الوزراء ووجوه الجند في إزالة هذا الخائن الحائك، فدبروا قتله تدبيرا محكما، خفي عن حكم مع كثرة عيونه، وكان الناظم لهذه الجماعة ابن عم الخليفة هشام، [واسمه] أمية بن عبد العزيز العراقي، من أبناء الناصر، فتى شديد التهور والجهالة، فانتظم في سلك هذه الجماعة، وسولت له نفسه نيل الخلافة، وأطمعه في ذلك، سخرية به، بعض من نظم التدبير من نظم التدبير من المشيخة، علما بأنه لا ينفذ في الوثوب على هشام إلا من ينازعه لبوسه، ويساهمه قرباه، فتهيأ أمر القوم في ستر وخفية، فرصدوا حكم الوزير في طريقه من القصر، وقاموا عليه فقتلوه وصرعوه ركن الجامع الشرقي في شديد الوحل والقذر، فكان من تمام محنته، وطافوا بالرأس وقد محا الطين رسمه، فغسلوه
[ ٥ / ٥٢٥ ]
في قصرية سماك بسوق الحوت، ونصبوه تحت العلية التي [كان] أعدها لدفاعه، فصار عبرة للمتأملين، وأخذ القوم سلبه، وغادروه عريانا مكبوبا لوجهه، مضرجا بدمائه، وجروا جيفته إلى هوقاة القناة، فألقوها وسط الحمأة والأقذار، وولفى قوم من أعدائه ففلوة بأسيافهم. ووقعت الهيعة في الناس، وانقلب البلد أعلاه أسفله، واجتمع العوام وطلاب الفتنة إلى جند البلد للوقت، ووافى إليهم بن عبد العزيز العراقي، قطب القضية، فالتف الجناة به، وتقدم بهم إلى القصر لحينه، وقد وقع الخبر على المخلوع هشام وهو آخذ في بطالته [مع نسائه]، فبادروا الصعود إلى العلية الجديدة فوق سور القصر، المعدة لمثل هذه الحادثة، فصار الاعتصام بها سبب حياته، إذ لم يطق القوم التعلق بها، وقد قصدوا نفسه، وأشرف للحين على من اجتمع تحتها داخل المدينة من الجند والعامة، وكلمهم بجميل، وولى وزيره الملامة، فاستقبله قوم من الجناة من أسفل القصر برأس وزيره حكم، قد هشم شجاعا، ينادونه: هذا رأس وزيرك الذي أبليت به الأمة، ويغلظون له القول وهو يستلطفهم، وهم يسبونه، فتوصل الناس إلى حريمه فأباحوه، ووضعوا أيديهم في نهب ما أصابوه من نشبه، وقد كان اجتمع عنده [١٤١ ب] من الأسلاب والغصوب التي استلبها حكم الحائك متاع فاخر ورياش حسن، من سائر من ظهر عليه من مال المنكوبين، وانطلقت الأيدي على آلات القصر من السلاح وغيره، ووجد
[ ٥ / ٥٢٦ ]
فيه أنواع قيود حديثة كان حكم أحكمها لمن يقيد بها من الأعيان، والجاهل أمية العراقي في كل ذلك يحرض العامة على النهب، والارتقاء إلى البائس هشام وطلب مهجته، فلا يجدون مطلعا إليه لمنعه مكانه، وهشام مطلع رأسه إلى من تحته بداخل المدينة ينشدهم ببيعته فلا يجيبه أحد إلا بما يسوءه، إلى أن تبين له خذلانهم إياه، فانجحر في وكره إلى أن نزل بأمان، ولم يبق نعه إلا أربعة غلمان له، أحدهم فحل والثلاثة صقلب، يرقون من دنا منهم، ويستعينون الناس لاستقاذهم. وكان منظرا عجيبا في سرعة استحالة حال الدنيا في نصف نهار من العز إلى الذلة. واجتمع الوزراء إلى زعيمهم أبي الحزم بن جهور عظيم القرية، فهتف على الناس بكف الأيدي، وسمع هشام الهتف باسم الوزراء، وقد ألغي اسنه، فأيس عند ذلك من نفسه، وكع فلم يطلع بعد وجهه، ولا تكلم بلفظة، ودفع الوزراء بباب القصر النهابة والعامة، فانتهوا، وأمية العراقي في كل ذلك مقيم بداخل القصر في جمهور النهابة، قد تبوأ مجلس البائس هشام، واستوى على فراشه، ورتب وجوه النهابة مراتبهم في الحفوف به، والنفاذ في أمور الإمارة، لا يشك في حصولها له، محرضا على هشام، مجتهدا في إتلافه. ثم اجتمع الوزراء واتفقوا على خلع هشام، وهتفوا بإبطال الخلافة جملة لعدم الشاكلة، ونفوا عن المروانية والناصرية السداد، ورجعت قرطبة إلى تدبير الوزراء، وترك الدعاء
[ ٥ / ٥٢٧ ]
لأحد، ونزل هشام إلى ساباط الجامع المفضي إلى المقصورة في من تألف إليه من ولده ونسائه، فحصل في السابط طارحا نفسه على الجماعة، مستغيثا بهم، وينشدهم الله في مهجته، فأعلم بكره الناس له، فقال: ليت إني قرب البحر فترمون بي في لجته، فتكون أخفى لشماتتي، وأروح لنفسي، فافعلوا بي ما شئتم، واحتفظوني في ولدي وأهلي، وبدالهم من ضعف نفسه وغثاثة قوله وإلقائه بيده ما كان مكتوما عن الناس. وبقي بقية يومه وليلته من الساباط أسيرا ذليلا خائفا، ونسوته حوله مولولات شعثات حاسرات لا يملك لنفسه ولا لهن صرفا ولا نصرا، شاخص البصر إلى حيث تهجم عليه المنية. ولقد حدث يعذ سدنة الجامع أن من أول ما سأل الشيوخ الداخلين إليه أحضار كسرة من خبز يسد بها [١٤٢ أ] جوع بنية له، لا ولد سواها، لطيفة المكان من نفسه، قد احتضنها ساترا لها بكمه من قر ليلته، يقول إنها لصباها تشكو من الجوع ذاهلة عما أحاط بها فتزيد في همه. فأبكى من كلمه اعتبارا بعادية الدهر، وأحضر مل طلبه. وبات الوزراء والناس بالجامع ليلتهم غب الحادثة على هشام للفراغ من شأنه، فأجمعوا على تعجيل إخراجه إلى صخرة محمود بن شرف، والثقة بحفظه، فاقتصروا على ذلك، دون
[ ٥ / ٥٢٨ ]
أن يأخذوا خطه بالخلع ويشهدوا عليه بعجزه عن تدبير الخلافة وتخلية الأمة مما له في أعناقهم من البيعة على سبيل المعهودة، وأنساهم الله ذلك إما تهاونا أو نسيانا، فنفذ إلى حصن ابن الشرف وحبس فيه، وأمية بن العراقي في كل ذلك لم يبرح من القصر، قد سولت له نفسه الخلافة، واستدعى وجوه الجند للبيعة، وفرغ له الوزراء بعد نفوذ هشام، فوبخوا الجند على الدخول إلى أمية وحذروهم فتنته، وألزموا وجوههم إزعاجه عن القصر والقبض عليه، فأطلق لسانه على الوزراء بالسب، فأخرج عن البلد.
[فصل في ذكر] الأديب أبي عامر البماري
نسب إلى بادية بمار، شيخ ذلك الثغر أدبا وظرفا - كان - في ذلك الزمان، وكانت له رحلة إلى المشرق، وسكن مصر، وقرأ على أبي جعفر الديباجي كتابه في العروض والقوافي وسائر كتبه، ولقي شيخ القيروان في العربية، ابن القزاز، وأبا إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم الحصري. وأخبر عن نفسه أنه كان يؤدب بمصر بالقرآن، وبين يديه تلميذ وسيم، فمر به أبو جعفر البجاني الأندلسي، فألفاه يتناوم، والتلميذ قد قام عنه، فأخذ البجاني سحاءة وكتب له فيها هذه الأبيات، وخلاها بين يديه:
[ ٥ / ٥٢٩ ]
يا نائما متعمدا إبصار طيف حبيبه
هو جوهر فاثقبه إ ن الطيب في مثقوبه
أو ركبني ظهره إن لم تقل بركوبه فلما قرأها علم أنها للبجاني، فكتب تحتها:
يا طالبا أضحى حجاب دون ما مطلوبه
لو لم يكن في ذاك إث م لم أكن أسخو به [١٤٢]
إني أغار عليه من أثوابه ورقيبه قال: وأنشد يوما في حلقته قول ابن الرومي:
ما أنس لا أنس خبازا مررت به يدحو الرقاق كوشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كره وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر فقال بعض تلامذته: ما أظن أنه يقدر على الزيادة، فقال البمباري:
فكدت أضرط إعجابا لرؤيتها ومن رأى مثل ما أبصرت منه خري فضحك من حضر وقال: البيت لائق بالقطعة لولا ما فيه من ذكر الرجيع، فقال:
إن كان بيتي هذا ليس يعجبكم فعجلوا محوه أو فالعقوه طري وأنا مقل من أخبار هذا الرجل، وما وجدت له أكثر مما أثبت وقت الفراغ من تحرير هذه النسخة.
[ ٥ / ٥٣٠ ]
م: وتشعبت.
يعني سعيد بن جبير، وهو من أتقياء التابعين، خرج على الحجاج مع ابن الأشعث، ولم يكن يقول بالتقية.
س: وأوراقها.
أي امرؤ القيس، انظر ديوانه: ٤٣.
س: جازع.
م: ذكر.
م: ويذكر.
م: يقول فيه، وانظر ديوان ابن دراج: ٨٨ - ٨٩.
م: والجلا.
من قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:
فتعرككم عرك الرحى بثفالها فتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
من المثل " إن الشقي وافد البراجم " (الميداني ١: ٧) وله قصة.
الزبرقان: القمر.
ورد هذا البيت في شعر كثير (ديوانه: ٢٢٢) ونسب لعبد الرحمن بن الحكم (الأغاني ١٥: ١١٧ ط. دار الكتب) .
هنا تبدأ المخطوطة (ط) .
م: البحتري، والبيت في ديوانه: ٩٥٥.
ديوان ابن دراج: ١٠٣ - ١٠٤.
م: ودي.
م: رب.
م: سماء.
ديوان ابن دراج: ٩٥.
ط: كؤوس.
م: نتائجا.
هذا البيت وبعده أربعة أبيات لم ترد جميعا في ط ر، وفي موضعها: ومنها، وقد سقطت الأبيات ٤ - ٨ من س.
الديوان: رضم.
الديوان: اليكما - أصعقتني.
م: الهدى.
م س: يحمي للأسود، وأثبت ما في الديوان.
س: للجب.
الديوان: أنت.
م س: للصنم؛ والهنم: التمر كله أو نوع منه.
م: رأس.
م: محكم.
م: غلمان.
انظر البيان المغرب ٣: ١٦٢.
أمروا: كثروا.
د ط س: مستمسكين.
ورد بعدها في م وحدها لفظة " الحبل ".
م: فاذكر.
انظر البيان المغرب ٣: ١٥٨ وما بعدها، وفيه بعض اختلاف وإيجاز؛ والمغرب ٢: ٢٩٩.
د ط س: ببلنسية.
د ط س: فاتفق.
م: وكلماه.
م: اثر ذلك محنة قرطبة.
د ط س: بقصر.
م: جماعات.
م: وجلوا.
البيان: تضمهم إلى.
د ط س: لحق.
د ط س: بباب الأندلس.
م: الأصناف.
د ط س والبيان: وكانا بنيا بلنسية وسدا عورتها بسور أحاط بمرفئها.
س: فتبوءوا.
د ط س: واتسعوا؛ البيان: وتكسفوا.
م والبيان: عظيم.
م: واجتلب رفيع.
وجلب - والحلل: سقط من ط د س.
د س ط: بعقرهم.
وفوق - الأمنية: سقط من ط د س.
ط د س: بمولى القشتيلي.
م: نعورة؛ س: عوذة.
م: بأغرب (وقبلها بياض) .
الأسمعة: مجالس الغناء.
د ط س والبيان: جنة.
د ط س والبيان: بعنصر.
س: الزنمتين؛ وكلاهما صواب، أي باللام والنون.
المتبنك: المتمكن من النعمة.
يتقلس: يتخذ قلنسوة؛ م: ويتقلنس (وكلتاهما صواب) .
م والبيان: مهنة.
م: أنفس.
م: المضطرة.
م: أثر.
هنا تبدأ النسخة (ب) .
ط د س والبيان: بالسهم.
ط د س: سلف.
ط د س والبيان: يستغيثون في أن يرفقهم (يرفق لهم) .
هذا العلج مبارك: سقط من ط د س.
ب: حطب.
ط س: ثانية؛ البيان: ناتئة.
م ب: ورتق.
م: على هذا الظالم، وفي الحاشية: عليه.
ب م: بينهم.
ب: ثغور شقوره؛ د ط س: ثغوره.
ط د س: انتهى كلام ابن حيان.
ط د س: قال ابن بسام؛ وكذلك هي الحال حيثما ورد.
اللصاب: الشقوق؛ والأساود: الحيات.
ط د س: وتراموا.
س: مستمسكين.
البيت لأبي تمام، ديوانه ١: ٢٢٩.
د ط س: الخليفة.
ط د س: لشذوذهم.
س: من كتابه.
ط د س: كثرة.
ب م: وطرحوا.
د ط س: وصفت.
م: بني.
م: البغية.
أبي مروان: سقطت من ط د س؛ وانظر هذا النص في البيان المغرب ٣: ١٥٦.
ب م: وأسرى.
ط د س: الفهم والعلم.
س: راع فيه من لفظه وشرفه.
ط س: يحلو؛ والصواب: يحلى (بطائل) .
ب: بالتفانة.
د ط: ومنع.
ط س: انتهى كلامه.
س: أنا.
هو محمد بت أحمد بن إسحاق بن طاهر، راجع بغية الملتمس رقم: ٢٣ وقلائد العقيان: ٥٨ والمغرب ٢: ٢٤٧ والذيل والتكملة٥: ٥٩٠ والحلة ٢: ١١٦ والخريدة ٢: ٣١٣ والمعجب: ١٨٠ وأعمال الأعلام: ٢٠٢؛ وكانت وفاته سنة ٥٠٧ أو ٥٠٨ ببلنسية، وقد نيف على التسعين، وكان أبوه أبو بكر من أعلام تدمير، بلغت وفاته قرطبة سنة ٤٥٥؛ وآل طاهر كانوا ذوي بيت عامر وعدد وافر يفخرون بالعروبية وينتمون في قيس عيلان.
ذلك: سقطت من د ط.
ب: يده.
ب م: موقع همته.
ب م: بالثغور.
مجون: سقطت من د ط س.
ط د س: زعيم بلنسية بعد ذلك وقد استوى في ذلك الأوان.
ب: فتخلص.
انظر الحلة ٢: ١١٩.
من أمثال المولدين، انظر الميداني ٢: ٢١١.
ط س: ضئيلة.
ط د س: كتابه.
م ب: مخففين لأثيابهما.
ب: البقبلة؛ ط د س: النفيلة.
ب م: فرق لها.
ط د س: ما هو إلا.
ط د س: يتوقع.
ط د س: له.
ب م: نسبا.
س: قد.
المذكور: سقطت من ط د س.
ط د س: النجاح.
ط د س: اعتقاله.
ط د س: أسرع لي.
ب م: ملاقاتك.
ب م: فلزم.
ب م: بغير.
ط د س: يطوى بما عليه.
ظاهر: سقطت من ط د س.
د ط س: طوابعها.
صل اللحم وأصل: أنتن.
ب م: عن.
د ط س: الاستشفاع.
د ط س: هي.
د ط س: لاراقة دمي.
د ط: لا تبالي؛ س: لا تبال.
د ط: وله من رقعة عتاب.
ط د س: على.
س: الحق المبين.
د ط: فاجأ؛ س: فجأ.
الضمد: الحقد.
م: التورد.
م: أجري.
د ط س: لدي.
س: هذا والله ما اعتمدته.
د ط س: تقديمك.
ب: من نارها.
هذه العبارة سقطت من د ط س، ويبدو أنها مقحمة.
وردت في قلائد العقيان: ٦٠، وذلك بعد أن تخلص من معتقله بمنت قوط بتأثير أبي بكر ابن عبد العزيز ودفاعه عن ابن طاهر، وقد صدرت هذه الرسالة عنه وهو بجزيرة شقر؛ وانظر الذيل والتكملة ٥: ٥٩١ والخريدة ٢: ٣١٩.
د: وسار؛ القلائد: ومال.
ب: فنغتفر؛ ط د س والقلائد والخريدة: فنغفر.
ط د س: النفوس.
ب: درك.
ط د: وما توليه.
س: بالمحل.
ب: عين.
ط د س: ومن اخرى.
د ط س: وعلى قرب من مرامها.
ب م: لقضائه.
ب م: أثوابه.
ومددت -. مفزعا: سقط من ط د س.
ب م: ومؤتي.
ط د: الوفي؛ س: السني الوافي.
د ط س: وكشفه حقي.
زاد في د ط س: ابن المقتدر بن هود؛ وهو عبد الملك بن أحمد المستعين، وليس ابن المقتدر، تولى بعد ابيه سنة ٥٠١ بسرقسطة، ثم انتزعها منه الملثون سنة ٥٠٣ (انظر اعمال الأعلام: ١٧٥ والمغرب ٢: ٤٣٨) .
ط د س: من بلنسية.
مأخوذ من قول الشاعر؛ وهو إبراهيم الصولي:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتى تجلت
زاد في ط د س بعد كلمة المظفر " أخاه "؛ والمظفر يوسف بن سليمان (حسام الدولة صاحب لاردة) هو أخو أحمد المقتدر وليس بأخي عماد الدولة ولهذا اقتضى حذف الزيادة تخلصا من الاضطراب.
ط د س: النعمة.
ب: ذكرك؛ م: وأبان الله قدرك.
س: نبت.
د ط س: ومن أخرى خاطب بها.
هو يحيى بن إسماعيل بن المأمون بن ذي النون، تولى سنة ٤٦٧ بعد جده المأمون.
ط د: تعثير.
ط: دفع.
ب م: يقال.
م: باعتكاره.
م: مستترا.
م: مستسقيا.
كان ابن ذي النون قد واجه ثورة بطليطلة ففر منها حوالي سنة ٤٧٢ فاستعان بأذفونش ملك قشتالة فأعاده إلى ملكه على شروط قاسية، ثم انتزع منه طليطة.
م ب: وبدر.
تنفرد ب م بهذه القطعة.
م ب: سيدي.
د ط س: عليك.
ط د س: فجزاك.
ط د س: أكمل.
ط د س: متوددا.
ب م: اعتذاري.
م: العارفة.
وخاطبتك - الفائدة: سقط من ط د س.
ط د س: باللحمة.
ط د س: نالني.
د ط: نبهاء.
والله - أرجائك: سقط من ط د س.
كان أحد رجال الكمال بالأندلس، وعين بلنسية التي بها تبصر، توفي ببلنسية سنة ٤٥٦؛ انظر أعمال الاعلام: ٢٠٢ وقلائد العقيان: ١٦٧.
د د س: التاكروني.
انظر فصل المقال: ١٠ والميداني ٢: ٥٤.
ط د س: ملوكنا.
ب م: الرئاسة.
ط د س: لم تشتمل عليه جناجن قلب؛ ب /: جناحان على قلب؛ والجناجن: عظام الصدر.
آل: سقطت من د ط س.
ط د س: حسبما نذكره إن شاء الله.
ط د س: ولاذ.
د ط س: وقدح.
د ط س: وبهر.
د ط س: الآجام.
س د: جماعة.
ب م: الجبال.
م: والانداد.
د: طارت؛ س: صارت.
ب م: وأقعد.
د: فند؛ ب: قفل.
د: وأجرى؛ س ط: وأجدى.
وتمام -. دارها: سقط من ط د س.
كلمات -. مزدوجة/ سقط من د؛ م س: كلمة أعجمية.
لا: سقطت من ط د س.
ط د س: جو.
ط د س: أطواده.
ب م: جمعه.
ب: بأن.
ط س: شتنانده، وكانششنند أو ششنانده (سنندو دافيدس) من النصارى المستعربين، وزر للمعتضد بن عباد أولا ثم ملك قشتالة، وكانت له أدوار متعددة في أحداث ذلك العصر، وقد ولاه أذفونش على مدينة طليللة عندما انتزعها من ابن ذي النون.
ب م: مذهب.
س: مبين -. متين.
ط د س: الطرق.
م ب: يقترنان.
م س: الا لتفاف.
بنيت الأفعال في هذه العبارة (في د ط س) على التثنية، ولم يقنعا - أتما - رقما - الخ، ولكن الضمير يعود إلى " الزمان اللدن ".
م ب: أقل.
ط د س: عارضا في.
ب: أو القبول.
موضع هذه العبارة في ب م: بعزته.
ط د س: على.
ط د س: كتابك.
ط د: في.
س: التمسته.
ب م: وألبست.
ط د س: الظلال.
م ب: منه.
ط د س: الشيمة.
م ب: الزكي.
م ب: بالبناء.
وتمدون الرفاء: سقطت من ط د س.
م: وأنسي.
س: ولا اقتضيت به.
هذه الرسالة وردت في القلائد: ٦٦ مع اختلاف يسير في الرواية، وانظر الخريدة ٢: ١٢٦.
ط د س: خطب - واستمال - وقال.
ط د س: أيد.
س: كرب الخطوب.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٢٦٤.
ط د س: عند فلان؛ والقائد الأعلى المشار إليه هو أبو عبد الله محمد بن عائشة، وكان ابن رزين قد سأله أن يرد على ابن طاهر ما أخذه المرابطون من أملاكه، فأعلمه ابن عائشة " أن أمير المسلمين حد له ألا يخوله شيئا، ولا ينوله منها نسفا ولا ريا " (القلائد: ٦٦) .
د ط س: بالاحسان.
س: قيدني اليوم، ط: قيدني الهرم؛ وهو الصواب.
بالضمير: لم ترد في م ب س.
ط د س: ذو الوزارتين.؛ وسيأتي هذا اللقب نفسه بعد قليل في ب م، فهو على هذا ذو الرياستين وذو الوزارتين.
هذا التهكم موجه إلى ابن رزين.
وليس له -. والشطرنج: سقط من د ط س.
على ما كان -. قدر: سقط من د ط س.
على ذلك -. بخله: سقط من د ط س.
ابتداء من هذا الموضع حتى آخر الفصل لم يرد في ط د س.
م: أو في سائره.
وما يجانسها: سقطت من د ط س.
د ط س: قال.
د ط س: القرب.
ب م: ثانية.
ب م: تأسيا.
د ط س: أبقت.
س: رهن.
ب م: وتقديمك.
ب م: سبقك.
ب م: حال.
د س: ناظرك، وسقطت من ط.
م: من ذكراك.
ط د س: وتشوقي.
س ط د: ومودتك.
س ط د: بمعلوم.
ب م: العراض.
يعني المتنبي، والبيتان في ديوانه: ٣٢٤، ٢٤٩.
س: شربا وريا.
د: للجاجة؛ ط س: اللجاجة.
ولا - نفقة: سقط من ط د س.
د ط س: رتبة.
س ط د: الأشغال.
س ط د: تجتنى بازهار.
ب: نجتني؛ م: تجتنى، ولعلها محرفة عن " تحنى ".
يريد أنه والى الكتابة إليه.
ب م: أمده.
س ط د: يوم يلقاه.
فيه اشارة إلى قول حاتم:
أماوي أن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر
هو من شعر بشار، ديوانه: ٢١٧ (جميع العلوي) .
ب م: حماك؛ س ط: حباك.
س ط د: عنك.
ب م: خلتها.
ط د س: خبر.
د س ط: جبارها.
ب م: سمة.
ب: تخيلته؛ م: تخيله.
ط د س: الحرف.
ط د س: ومما له.
ط د س: نسخة رقعة له كتبها مع الأستاذ.
ب: النابل، م: النائل.
أرجح أنه عبد الدائم بن مروان بن جبر اللغوي، أبو القاسم، وهو من الطارئين على الأندلس نزل المرية، وكان قد روى كثيرا من كتب الآداب واللغات (الصلة: ٣٧٢) .
حرسه الله: سقط من ط د س.
ب م: واجتلبت.
وزماما: سقطت من ط د س.
ط د س: الأشعار.
ط د س: الأخبار.
ط د س: الكلام.
عمرو بن بحر الجاحظ.
ط د س: وحملته.
ط د س: أيقظني؛ وأتغطى منه أي أستحيي، يعني من عطاء إياه، وهو قليل.
ط د س: أن تكون بفضلك.
ط د س: في خبره.
أعزك الله: سقطت من ط د س.
ب: حمابها؛ جنائها؛ م: حمائلها.
ط د س: الحال.
س ط د: له.
ب: البقية.
م: مرائك.
ب م: وفي فصل.
م: حقيقة.
ط د س: له فيك.
م: باحشاده.
ط د س: عنه مناضل.
ب م: ورأسه.
هذه القطعة والقطعتان التاليتان لها لم ترد كلها في د ط س.
مقتبس من قول القطامي:
فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
المستعين بالله هو أحمد بن هود، ولعل هذه الرسالة شفاعة في أحد أولاده بعد التياث حال بني هود في سرقسطة وإخراج أهلها لأحمد عماد الدولة وهو ابن المستعين (سنة ٥٠٣) من سرقسطة.
المعصر: الملجأ.
م: من.
د ط س: ومن أخرى.
د ط س: شملا له.
م ط: يرب؛ س: يدب.
سواد: سقطت من ط د س.
ط د س: شاقها.
م: وزانه.
ط د س: نيريها.
ط د س: تقلدها.
ط د: وتوأما؛ س: وتؤما.
ط د س: وعلما.
ط د س: ومثابة.
ط د س: وآدابا.
م: حاضرها وباديها.
م ب: ومن رسالة.
المعروف بهذا الاسم من معاصري ابن طاهر هو أحمد بن عبدوس، منافس ابن زيدون في حب ولادة، وقد توفي سنة ٤٧٢.
كريم: سقطت من ط د س.
س: سحابة؛ ط: سحاب.
الراكب يعلق قدحه في آخر رحلة، وفي الحديث " لا تجعلوني كقدح الراكب " أي لا تؤخروني في الذكر.
اضطرب النص هنا سهوا في ط د س: إذ ورد " فأين عزبت عنك بوادر - " وهذا سيرد بعد قليل.
ط د س: الندى.
منك: سقطت من ط د س.
ب م: تانيك.
م ب: أوثقه؛ ط س: أورقه.
من قول أبي تمام:
قدك اتئب أربيت في الغلواء كم تعذلون وأنتم سجرائي
والسجراء: النظراء؛ م: بسخريائك.
ط د س: ازالة؛ م: إذالة.
ط د س: لرجل.
م ب: متزهد.
وهو بالضد: سقطت من د؛ وفي س ط: وهو بضد.
م ب: قاسية.
ط د س: تعاين.
د ط س: وادامة.
ط: مذقة؛ د: مذمة.
البيت في فصل المقال: ٧٧ وهو من أبيات في حماسة البحتري: ٢٣٣ تنسب لأبي الأسود الكناني.
هو من قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد تعدي - البيت -.
م: قيل وقال.
س ط: يثبت؛ م ب: بحجتك.
الملاطيس: المناقير من حديد.
م: ويسعف.
م ب: أدركه.
البيت من شعر الطرماح، ديوانه: ٦٣؛ ورواية الشطر الثاني في م ب: رأته تميم يوم زحف لولت؛ اختار نسبته إلى أبي دلامة، تهكما، وتشبيها لمن يتحدث عنه في المجبن بأبي دلامة.
البيت لعمرو بن ذي الأصبع العدواني، انظر كتاب من اسمه عمرو: ٥٨ وروايته: إذا هتف.
ط د س: مواهمه.
المدلوك: المصقول.
ط د س: الزمان.
د ط س: يقطف -. ويعرف.
شطر بيت لامرئ القيس، وصدره " فدع عنك نهبا صيح في حجراته ".
السقط: الشرر عند القدح، يقال للأمر الصغير يجر أمرا خطيرا.
غريدة؛ د: غريرة؛ س: عريرة.
د ط: وسروة.
د ط س: منشورة.
ب م: الأجل.
د ط س: لك من؛ ب م: له في.
م: يوم.
الحلبي: سقاء دبغ بالحلب، وهو نوع من النبات؛ ط د س: الحلي.
د ط: دارك.
ب: للذنب؛ ط: من ذنب.
ب: عدائك.
ب: بدي؛ ط د م س: بري.
ط: كتابك.
م ب: زواره.
ب م: الحصى.
فيه إشارة إلى قول النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردا أسف لتاته بالاثمد
أي انه يبتسم شفتين لمياوين.
س: كم يقترح ويديع؛ ط: كم يقنع ويريع.
د: بالاوبة؛ م: بلا رسه؛ س ط: وليه (دون إعجام) .
ط: يجنب؛ د: يجيب؛ س: يجيب (دون إعجام) .
ط د س: البيت.
س ط: وآواه.
السكن: الزوجة؛ ط: مسكنا.
س ط: جيد.
د ط س: وتخلطه بأعمالك وتجعله من عمالك.
م: بردا - عقدا.
م ب: السبطة.
بل: سقطت من ط د س.
د ط س: أزرارها.
هو نهشل - أو سهل - بن مالك مر بحي من طيء فأكرمت مثواه أخت حارثة بن لام، فلما بهره جمالها أنشد هذه الأبيات (انظر فصل المقال: ٧٦ والميداني ١: ٣٢) .
ط د س: غير.
ب م: واليك.
ب م: بالهمزة؛ ط س: بالمهزة.
م ب: الحنتيش.
د ط س: تتيح.
د ط س: يصحبها.
ط د س: السبب.
البيتان للمتنبي، ديوانه: ٥١٢.
رواية الديوان: حتى رجعت.
الديوان: بعد.
ط د س: وإيقاع.
ب: رسالة.
وما يجانسها: سقطت من د ط س.
توفي ذو الرياستين سنة ٤٩٦، وهذا قد يعني تاريخ هذه الرسالة.
أوسعه الله -. أفديه: سقط من د ط س، وورد في موضعه " وفي فصل منها ".
د ط س: بوفاة فلان.
نضر -. روحها: سقط من د ط س.
م: رماني الزمان؛ ثم الأنفعال على التذكير: فأصاب، ولبني، وأبقى وتركني.
وإنا إليه راجعون: سقطت من ط د س، وكذلك حيثما وقعت.
د ط س: وفي فصل من أخرى.
ط د س: ببقائها.
ب م: وتحتم.
م: منا.
م: قول توبة.
أثبت صاحب الأغاني (١١: ٢٢٩) رواية أخرى وفيها أن ليلى هي التي أصرت على التسليم.
ب م: حتى أرى.
وقصت بها: كسرت عنقها؛ وفي ط د س: فرقصت بها فوقعت.
ط د س: يصيح.
قد تقرأ في ب: بولد الولي.
المبارك -.. منزلته: سقط من د ط س.
نار: سقطت من د ط س.
ولكن -. السعيد: سقط من د ط س.
د ط س: ومعتبرا.
ط د س: أكون.
م: الحادثات.
د ط س: والأجلة.
د ط س: بها.
ط د س: أنتحب.
س: ذا.
ط د س: لانهجت الى بهجتها.
ط د س: بعده.
ط د س: السرور.
م: والسور.
ط د س: تهد.
ط د س: أعزك الله.
م ب: غرة الشرف.
مولاي -. مثواه: سقط من ط د س.
د ط س: جل.
ب م: اناته.
مولاي - ضريحه: سقط من ط د س.
ط د س: الرزء.
ط د س: الخطب.
ب م: لذي.
ط د س: السني.
الحاجب -.. العصر: سقط من ط د س.
م: ايدك الله، وسقطت العبارة من ط د س.
س: وقد نعي.
س: ذعر الهبوب؛ ولعلها " الهيوب ".
د ط س: ضمنه.
د ط س: لطال.
محور بعض تحوير عن قول الحيطة في رثاء علقمة بن علاثة (ديوانه: ٢٤):
وما كان بيني لو لقيتك سالما وبين الغنى إلا ليال قلائل
مثله ينسب للتابغة الذبياني (ديوانه: ١٩) .
فما كان بين الخير لو جاء سالما ابو حجر إلا ليال قلائل
مقتبس من قول ابي نواس:
اذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
م ب: نضر الله.
س: لنا.
ط د: فدحت. س: قدحت.
ب م: والاستعداد.
القلائد: ٥٨، والرسالة إلى المعتصم بالله صاحب المرية ايام رياسته.
كتابي بعد أن: سقطت من ط د س.
القلائد: كتاب المنصور ملاذي المعتمد بك ايدك الله.
ط د س: ما أودع من حياة.
م: للمسلاة.
م ب: وللظهر.
القلائد: نوادبه -. شاهده وغائبه.
يذكر في الرسالة - كما اوردها صاحب القلائد - أنفرديناند نزل على قلعة ايوب محاصرا، وغرسية بسرقسطة، ورذمير بوشقة وما والاها.
ط د س: غمته.
ط د س: مهمات الدور.
في النسخ: فأطارت -. وطأطأت.
ط د س: صدر.
س ط د: يلجأ - ويفزع.
ب م: والانتصار.
س ط د: ثبوت.
م: حصونها.
ط د س: لما تحققه من ان.
وتفرد -. البدار: سقطت من ط د س.
ط س د: أزرارا.
سقطت هذه الرسالة من ط د س.
ب م: المعاذر؛ ولعل الصواب " المغادر ".
ط د س: شك.
انظر قلائد العقيان: ٧٠ وrecherches لدوزي ٢: IV (من الملحقات) .
ط د س والقلائد: شكرك.
ط د س والقلائد: المليم.
س ط: الأفلاك.
زيادة من القلائد.
ب م: فلم تكن تصلح له ولم يكن يصلح لها؛ س: ولا كان يصلح. والبيت لأبي العتاهية، ديوانه: ٦١٢.
ط د س والقلائد: بشيء من عمله.
زيادة من القلائد.
القلائد: وأدبر.
د: ولحملت؛ القلائد: وحملت، س ط: وتحملت.
ط س والقلائد: البانية لمعاليكم.
قارن بالحلة السيراء ٢: ١٢٥ ودوزي ٢: V.
ط س: طاغية كان يدعى الكنبيطر؛ قلت: وسيأتي التعريف به.
ط س د: وحصل لديه أسيرا -
علق ابن الأبار على هذا بقوله: كذا قال ابن بسام وانما دخل الكتبيطور بلنسية سنة سبع وثمانين.
ط د س: قال.
برسومه وبأهله.
د ط س: وعدا.
مساهمة -. الحفي: سقط من د ط س.
ط د س، الاخلاص.
م: على أنها عسى.
باذن - فيه: سقط من د ط س.
نشر دوزي هذا الفصل في Resherches ج ٢: XVIII - VI وانظر في حادثة بلنسية البيان المغرب ٤: ٣٤ واعمال الاعلام: ٢٠٣ والجزء الثاني من كتاب ميراندا Hist. Mus.
De Valensia
ونذكر -.. وان: سقط من ط د س؛ وبدئ الفصل بقوله: وكان يحيى بن ذي النون هو الذي سجر أولا نارها -
ب م: ثارها.
د ط س: الإسلام، س: دين.
ط د س: أسير يديه.
م ودوزي: يهره؛ د ط س: بهذه.
قونكة (او كونكة Cuenca) مدينة تقع على بعد ٥٠ كيلو مترا شرقي وبذة (Hueta) .
ب م: وطاغية؛ د دوزي: واعية؛ ط س: واغية.
س ط د ودوزي: ينمقها.
س: ابنيه بذلك.
ملوك: سقطت من س.
د ط س: ودخل من المحالفة فيما.
م ودوزي: تزدان؛ ط د س: تزهى.
ط د س: يقول بعض اهل العصر؛ وابو تمام غالب بن رباح المعروف بالحجام سترد ترجمته في هذا القسم من الذخيرة.
ط س: ابو الحسن، وكذلك في المغرب ١: ٣٤٠؛ وقد ترجم هـ ابن بسام في القسم الثاني من الذخيرة.
ط د س: فرش منه.
ط د س: يفعل.
ط د س: تنسل.
ط د س: بلذريق، حيثما وقع.
Rodrigo Diaz de Vivar وقد اشتهر باسم EI Cid Campeador أي " السيد "؛ وقد كتبت عنه دراسات متعددة منها بحث لدوزي في Recherches ج ٢: ١ - ٢٨٣ وكتاب لرامون منندث بدال La Espana del Cid (مدريد ١٩٧٤ الطبعة الثانية) ولبروفنسال بحث عنه في Renue Historiqus (١٩٣٧) وللدكتور حين مؤنس بحث مستفيض عنه في مجلة الجمعية التاريخية المصرية (١٩٥١)؛ وانظر Valencia Hist. Mus. De (ج ٢) .
وسعيهم -. المخذول: سقطت من ط د س.
ط د س: قاصيها ودانيها.
ط د س: له.
ط د س: وذهب.
ط د س: لمة يسيرة من الخيل.
د: ناحية.
ط د س: من غفلته.
ط د س: القنا.
ط د س: في القسم الرابع؛ دوزي: موضعه.
ط س د: المجموع.
ط د س: والخريدة: الاحنف؛ والحاء غير منقوطة في ب؛ والأخيف من كانت احدى عينيه زرقاء والاخرى سوداء، وانظر الحلة ٢: ١٢٥.
س: تخزى.
ط د س: لابن جحاف.
ب م: واستمر.
وشغل - الرجال: سقط من ط د س.
م ودوزي: ويسوق - منية.
وتحسده - والبدر: سقط من ط د س.
د س ط ودوزي: وشرك ما.
د ط س: دياره.
ط د س: للكنبيطور.
انظر ص ٩١، الحاشية ٥.
ط د س: المذكور لسطوة.
ودخوله - امره: سقط من ط د س.
لاول دخوله: سقط من د ط س.
دوزي: قد حم؛ س ط د: حم.
دوزي: بأنواع العذاب.
ط د س: اخبرني.
ب م: حواليه.
وكفانا -. مرضاته: سقط من ط د س.
ط د س: قدح.
ط د س: بلغني انه كان.
ط د س: فتحت الأندلس.
ط د س: وقوع المحذور.
ط د س: الله.
مرارا - رذمير: سقط من ط د س.
ط د س: وكانت تدرس.
ديوان ابن خفاجة: ٣٥٤ وقد وردت الابيات في الروض المعطار (بلنسية) ونفح الطيب ٤: ٤٥٥.
ب م: البلى.
ط د س: عندما.
هو مزدلي بن بو بلنكان (او سولنكان او ملنكان) ابن عم امير المسلمين يوسف بن تاشفين وقد استولى على بلنسية سنة ٤٩٤ (انظر خبر استيلائه عليها في البيان المغرب ٤: ٤١) ثم ولي تلمسان سنة ٤٩٧ وفي سنة ٥٠٥ تولى على قرطبة وغرناطة والمرية، وفي السنة التالية استدعي إلى مراكش فبرأ نفسه مما لحقه من تهم، وكانت وفاته سنة ٥٠٨ (انظر صفحات متفرقة من ج٤ من البيان المغرب) .
والحال -. نظامه: سقط من د ط س.
د ط س: حتى فتحها.
ط د س: كتبها الله له منزلة.
ط د س: وفي ذلك التاريخ.
ط د س: يتقلب.
ط د س: الأعظم.
ط د س: وتنور.
ط د س: وكتب يومئذ إلى الفقيه.
ط د س: والعبر.
ط د س: لما اصيبت به يد زناد.
ناظر الى قول المتنبي:
كأن الصبح يطردها فتجري مدامعها بأربعة سجام
ب م: فلنعد.
من قول عوف بن محلم الخزاعي:
ان الثمانين وبلغتها قد احوجت سمعي الى ترجمان
ط د: للطروس.
ترجمته في المغرب ٢: ٣٠٣ والحلة السيراء ٢: ١٧١ والمطمح: ١٥ - ١٦ ونفح الطيب ٣: ٤٠٨، ٥٤٢ - ٥٤٣؛ وهذه الترجمة مطابقة لما في المطمح، وقد نبه ابن سعيد إلى هذا االتطابق بين الذخيرة والقلائد (وليست له ترجمة في القلائد ولعل ابن سعيد سها فذكر القلائد بدلا من المطمح)؛ ولم ترد هذه الترجمة في ط د س كما أن ابن بسام لم يذكر هذه الترجمة في الفهرست العام الذي وضعه في مقدمة كتابه، مما قد يدل على أنها ترجمة دخيلة.
ترجمته في المغرب ٢: ٣٧٦ والحلة ٢: ١٦٧ واعمال الاعلام: ٢٠٩ ونفح الطيب ١: ٦٧٢ وازهار الرياض ٣: ١٢٠ والقلائد: ٩٩ والخريدة ٢: ٣٣١ والمسالك ١١: ٤٤٥ وفي هذه الترجمة مشابه كثيرة مما جاء في القلائد، وبعض العبارات مشتركة نصا بين الكتابين؛ ولم ترد هذه الترجمة في ط د س؛ ولم يذكرها ابن بسام في الفهرست العام الذي وضعه في مقدمة كتاب الذخيرة.
م: وشدته.
مربيطر - حسب الامالة الغالبة على لسان اهل الاندلس - ومرباطر (Murviedro) تقع الى الشمال من بلنسية.
كذا في الاصول، ولعل الصواب: نووها.
ب م: حسنها؛ القلائد: نرجسها.
التمويل: قوله يا مولاي، والتسويد: يا سيدي.
القلائد: فعاله المجبول.
ب: الوافرة.
القلائد والخريدة: تنقضي.
م: نهم بها.
القلائد والخريدة: اللوى.
القلائد والخريدة: اياما تقضت واعصرا.
القلائد والخريدة: فينان.
صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: وحلت سليمى بطن قو فعرعرا.
ابو مروان عبد الملك بن رزين (٤٣٦ - ٤٩٦) راجع ترجمته في القلائد: ٥١ (والخريدة ٢: ٣٠٨) والمغرب ٢: ٤٢٨ والمطرب: ٣٩ والبيان المغرب ٣: ٣٠٩ واعمال الاعلام: ٢٠٦ والحلة السيراء ٢: ١٠٨ والمسالك ١١: وكتاب Jacinto Bosch Vila: Histoin de albarracin y Su Siea،TomoII، (Teruel،١٩٥٩) .
م ب: كان ابن رزين من الاول.
د ط: ومشهود.
د ط س: حديثه.
نقل ابن الابار في الحلة بعض هذا النص.
د ط س: جماعته.
ب م: إلا.
البخوع: المناصحة في الطاعة.
البخوع: المناصحة في الطاعة.
م: حلف.
ط د س: موسطة؛ والسطة: الوسط.
س: أردى - إلى البرابرة.
ط د س: فثبتت نعمته؛ وتبنك النعمة؛ تمكن منها.
ط د س: شأوه.
جبارا مستكبرا: سقط من ط د س.
ط د س: الشذوذ.
د ط س: دون معونة بدرهم ولا امداد بفارس ولا شارك -
والذم - عليه: سقط من ط د س.
د ط س: متتابعة.
وكان - كبائره: سقط من ط د س.
انظر هذا النص في ملحقات البيان المغرب ٣: ٣٠٨.
د ط س: ابن الكتاني المتطبب.
د ط س: لغلاء سومها، بثلاثة -. الخ.
وحدثت -. نظرائه: سقط من ط د س.
م ب: يقرأ عليه.
د ط س: وقد اجريت من شعره.
د ط س: اجريت.
وردت هذه الرسالة في موضعها هنا في ب م، ثم مكررة في آخر الترجمة مع اختلاف في النص على النحو التالي: " وله يخاطب ابن طاهر مستدعيا الى الكون معه [برسالة] تدل على اناقته في الفخر دلالة النسيم على الزهر والشاطئ على النهر: انت ادام الله عزك عالم بالزمان وانقلابه، عارف باغارته واستلابه، ومن عرفه حق معرفته لم تزد شدته الا معتبرا -. الخ "؛ وهذا مطابق لما ورد في القلائد: ٥٤.
د ط س: وخلوفها.
من امير المسلمين: سقط من ط د س.
انظر ص: ٤٨ في ما تقدم.
يعني ابا نواس الحسن بن هانئ.
ديوان ابي نواس: ٣٣٩.
الديوان: درس.
الديوان: اجتليتها.
نسبها في بدائع البدائة: ١٥٨ لابن المعتز، وذكر انه ينقل ذلك عن الذخيرة.
س: وقال يفخر.
د ط س: تهوي ليس فيها نصالها.
ط س: فدم.
سقط البيت من د ط س.
فيه اشارة الى المثل: " لا حر بوادي عوف "، انظر فصل المقال: ١٢٩، ٣٣٦ والميداني ٢: ١٢٤ والعسكري ٢: ٢٧٥.
د ط س: أو يقصرهم على ما يعين لهم من إرادة.
س: أخنى.
ب م: الشهيد.
هذه القطعة، والقطعة الضادية التي سترد رابعة، وردتا مكررتين في ب في آخر الترجمة.
د ط س والخريدة: تفاح الخدود؛ د ط س والقلائد: وترى بنا الاحداق؛ الخريدة: ونرى سنا - الخ.
د ط س: أجسامها.
سقط البيتان من ط د س.
الزاعبيات: رماح منسوبة الى زاعب، رجل أو بلد. وقال المبرد: تنسب الى رجل من الخزرج، كان يعمل الاسنة.
ط د س: يرى.
ط د: حازوا.
ط د س: على.
انظر القلائد: ٥٢ والمغرب ٢: ٤٢٨.
هذا البيت - الشمس: ورد في ط د س في موضع هذه العبارة: " ومعاني هذه الابيات واكثر هذه التشبيهات قد نبهت عليها فيما مضى من هذا التصنيف، واندرج لها نظائر في تضاعيف هذا التأليف ".
ب: كشاربات مدام؛ د: كشارب من مدام؛ س ط: كشارب مدام.
د: بحمامي. م ب: لحمام.
بهذه الابيات: عبارة لم ترد في د ط س.
ط د س: اللهو بيننا.
إلى هنا تنتهي الترجمة في د ط س؛ وما جاء بعدها في م ب يتفق مع ما ورد في قلائد العقيان: ٥٢ وما بعدها؛ وقد انفردت ب أيضا بزيادات اشرت اليها فيما تقدم، وهي تكرار لما سبق ذكره.
زيادة من القلائد؛ وفي ب م بياض.
القلائد: الدنى.
القلائد: بالاقلام طورا.
القلائد: العصر.
القلائد: العصر.
القلائد: قسرا.
أورد هنا سبعة ابيات سبق ايرادها، وهذا تكرار يدل على ان هذه القطعة المزيدة دخيلة على " الذخيرة " وفيها اتباع واضح لما جاء في قلائد العقيان.
انظر القلائد: ٥٤.
القلائد: للدنيا وللدين.
القلائد: الكريم.
القلائد: يشجي.
القلائد: يشجي.
انظر القلائد: ٥٦ والمغرب ٢: ٤٢٩.
القلائد: ٥٥ والمغرب ٢: ٤٢٩.
القلائد: الجفن.
القلائد: الندامة.
القلائد: الحادثات.
تكرر هذا البيت من قبل؛ وقد ورد وحده في م وورد في ب مع بيتين آخرين.
ترجمة ابي محمد بن عبد البر في القلائد: ١٨١ والخريدة ٢: ١٣، ٤٧٨، (١٦٦، ٤٥٩) وبغية الملتمس رقم: ٩٦٥ والمغرب ٢: ٤٠٢ والصلة: ٢٧٠ (وفيها انه توفي سنة ٤٥٨ وهو مخالف لما ذكره ابن بسام) واعتاب الكتاب: ٢٢٠ والمسالك ٨: ٢٤٦.
ب م: رؤساء.
من هنا نقله ابن الابار في اعتاب الكتاب: ٢٢١ مع إيجاز وحذف.
ط د س: الركائب، وسمر تهادته المشارق والمغارب، وكذلك خ بهامش م.
سقط العشاء به على سرحان: مثل، وأصله ان رجلا خرج يطلب العشاء فوقع على ذئب، فأكله الذئب؛ وقال ابن السكيت: هو سرحان بن متعب، كان يحمي مكانا، فمر رجل من بني اسد فرعى فيه فقتله سرحان (فصل المقال: ٣٦٢ والميداني ٢: ٢٢١) .
د ط س واعتاب الكتاب: وسله.
ذكر ابن الابار ان والده الفقيه ابا عمر ابن عبد البر سافر من شرق الاندلس الى اشبيلية لتخليص ابنه من يدي عباد، فأطلقه له، وانصرفا عنه محفوفين بالاكرام.
ب م: ابي عمرو بن الجد؛ ولفظة " الحائن " لم ترد في ط د س؛ وابو عمر ابن الحذاء هو احمد بن محمد بن يحيى التميمي، جلا عن قرطبة في الفتنة ثم عاد اليها فكان متصرفا بينها وبين اشبيلية الى ان توفي سنة ٤٧٧ (الصلة: ٦٥) .
ط س د: والطارف.
ط د س: يفي.
انظر المغرب ٢: ٤٠٢ - ٤٠٣.
ب م: افك وشك.
من المثل: " قد بين الصبح لذي عينين "، فصل المقال: ٦١.
الهدية والهدي: العروس، وفي اللفظة تورية.
د ط س: بالكرائم والاعلام.
الحفاية والحفاوة بمعنى.
ط د س: كفيل.
ورد في الصحيحين، باب مناقب الصحابة، ومسند أحمد ٤: ٣٢٦ بلفظ مختلف.
ب ط د س: لنا - علينا.
من هذا الموضع حتى قوله: " فالمصاب جليل " لم يرد في د ط س، واكثره متابع لقلائد العقيان: ١٨١ وما بعدها، وقد فصل بين رسالتين في موضوع واحد هو زفاف ابنة مجاهد الى ابن صمادح، وأغلب الظن أنه دخيل على أصل الذخيرة.
البيتان في القلائد وبغية الملتمس والخريدة ٢: ١٣، ٤٧٨ والمغرب.
انظر القلائد: ١٨١.
ب: وفتى؛ م: وفتو.
القلائد: ١٨٢ والخريدة ٢: ٤٧٩.
القلائد والخريدة: اشتد.
بم: وجعله، والتصويب عن القلائد.
زاد في ط د س: في ذكرها، يعني في ذكر ابنة مجاهد وزفافها إلى صمادح، انظر ص: ١٢٧.
ط د س: لمضض.
د ط س: المخمور.
ط د س: نفس - جذلي وأنسي.
ط د س: تبصرت.
انظر ما تقدم ص: ١٢٧.
ب م: برية.
د ط س: احتذى حذو بلغاء المشرق، كقول الصابي في فصل عن بختيار وقد زف ابنته الى ابي تغلب بالموصل: وقد توجه ابو النجم - الخ.
د ط س: وألم الصابي أيضا في هذا الفصل لابن ثوابة عن المعتضد إلى ابن طولون -. قال.
د ط س: فانتقد الوزير عبيد الله تلك اللفظة عليه - الخ.
نوادره كثيرة في كتب الادب: كالبصائر لابي حيان ونثر الدر للآبي وزهر الآداب وجمع الجواهر للحصري والهفوات للصابي ونشوار المحاضرة للتنوخي وفوات الوفيات للكتبي.
د ط س: وغليظ.
د ط س: ورقة.
د ط س: الخليفة.
د ط س: فتذاكروا.
د ط س: فتبسم ابن الفرات.
د ط س: قال فيها: وقد ادى ابو النجم بدر الامانة.
ط س: فجاءت.
ط د س: الأسد.
د ط س: قال.
الكدى: جمع كدية، الارض المرتفعة، والاعلام: الجبال؛ يعني درس العلماء الاعلام ومن يليهم في الشهرة والارتفاع.
والله تبارك - تلتمس: سقط من ط د س.
ب م: ونفسي.
د ط س: جزء من اجزائك محكما.
د: وارادني؛ م: وام اذنتني.
م: ومختلجات.
ب م: عند.
م ب: تعدده؛ ط س: يقدره؛ د: يقرره.
م ب ط: المديرين.
ط د س: بقرطبة.
س: تثوب وتثوب.
ب م: العقدة -. المردة.
ط د س: سعيهم.
د ط س: فيه.
م: وعليه اكون.
ب م: واحربهم.
ب م: الذمة.
ط د س: فكففت.
م: يشاء في الحيلة؛ ب: يشاء في الحلية.
ط د س: من الظباء، برد ماء، ولا شفقة لمياء؛ ب وخ بهامش م: ثدي ناهد ولا شفة لميا.
نقله ابن عذاري في البيان المغرب ٣: ٢٤٥ بصيغة الغائب؛ وفي ط د س: انهم دخلوا عليه بعد ثالثة من تلك الحادثة - الخ.
ط د س: تلك.
ط د س: بشفر عين.
د ط س: فلما صاروا -.. نفذ بانصرافهم الامر، فرجعوا وجلسوا ثم امر ان يحضر.
ب: الحائن.
م: تعوطي - تقوضي.
د ط س: العجم.
د ط س: دهياء عمياء، وفاجأتني.
د ط س: صروف.
م: دائما - لازما.
من هنا يبدأ النقل عند ابن عذاري في البيان المغرب ٣: ٢٤٥.
م ب: اذ؛ والمعنى: او يكاد؛ وفي الحديث الشريف: " وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا او يلم ".
زاد في البيان: وخصصته بما بيدي من القواعد والاعمال.
م ب: أكن.
ط د س: من ابني.
ط د س: بالتخريج والتدريب.
س: الأهواء.
م ب: ويخبث.
ب م: بعد.
م ب: وتردي ثمرة.
د ط س: رفعة.
د ط س: وقرن.
د ط س: فيها.
د ط س: ليتملكها؛ البيان: ليتمكن منها.
بهامش س: أبي.
ط د س: حماد.
م: واستحقر.
ب م: الشنعة.
ب م: فشرعت.
د ط س: مكرهم.
د ط س: العصاة - الجناة.
د ط س: لواحد من ملوك.
د ط س: لواحد من ملوك.
يختلف النص في د ط س في خبر هذه الحادثة ولذلك اثبته هنا: " وفي سنة خمس [كذا] تواتر الارجاف بقرطبة ان عبادا دبر النزول بزهرائها المعطلة التي منها ابدا كان باب مقتلها، وسبق الخبر بانه قد انهض نحوها ابنه اسماعيل وهو كالنار [فى] أحجارها مستكنة، ولا يشك انه ارسل منه على قرطبة شواظ نار لا يذر منها باقية، فنفس الله مخنقها بما نقض تدبيره وفت عزمه فأقصر صاغرا، وكان من قدر الله تعالى ان كره هذا الفتى ما حمله عليه والده من ذلك وهاج منه حقودا كانت له بنفسه كامنة، جسرته على معصية ابيه، وانصرف من طريقه إذ عظم عليه امر الهجوم على مثل قرطبة مع قرب حليفهم باديس بن حبوس الذي لم يشك في اسراعه اليه فيقع بين لحيين يمضغانه، وانه عرض ذلك على ابيه فاستجبنه واغلظ وعيده وكاد يسطو به، فأوحشه ذلك، ودبر الفرار عنه مع خويصة له أغوته، فأصاب فرصة بمغيب والده عن حضرته إلى مكان متنزهه بحصن الزاهر، فاقتحم قصره، وعلق ببعض ذخائره، واحتملها مع امه وحرمه، واستكثر مما غله من المال والمتاع، ومضى لوقته مبادرا طريق الجزيرة الخضراء فظفر به، وصرف بعد أن اضطره الى ابن ابي حماد بقلعته مستجيرا به فأجاره باسفل قلعته ولم يصعده اليهااستظهارا على مكيدة قدرها من ابيه، وبادر بالكتاب اليه انه حصل لديه، فسر المعتضد بذلك، وخاف ان يلحق ببعض اعدائه هنالك، فآب اسماعيل ودخل اشبيلية ليلا ونكب به عن القصر، وصرف على ابيه جميع ما كان تحمله من ماله، حتى ان زامله من زوامله فصرت عنه عند جده في السير، وغادرها في الصحراء رازحة، فوقعت الى بعض فرسان والده فقبض عليها وصرفت بجملتها لم يقطع لها حبل، فزعموا ان وقرها كان مالا صامتا وذخائر؛ فأظفر الله عبادا بولده ليبلوه فيما آتاه من ذلك فآثر الشفاء على المغفرة، الا انه لحقته لهذه الحادثة، لطروقها من مأمنه، وفساده لا كرم أعضائه عليه، خشعة فتت عزمه في اذاة قرطبة والجعجاع بأهلها، فتنفس مخنقهم قليلا، وكفت الغارات عنهم وقتا، وسارع سعرهم الى الانحطاط. وكان الذي دبر له عربه عن اابيه وزيره وصاحبه ابو عبد الله البزلياني المهاجر اليه من وطنه مالقة. وكان اسماعيل قد رمى الى هذا الكهل مقاليده وفوض الى رأيه، فلم يبارك له فيه، وشكا اليه بعض ما يناله من فظاظة ابيه ورميه المتالف به، فحسن عنده العقوق له والذهاب عنه الى بعض اطراف اعماله ليتغير عليه وينفرد بنفسه، وكان خرج معه وزيره هذا البزلياني، فلما صرفوا من قلعة الحصادي - حسبما تقدم - عجل عباد ضرب عنق البزلياني مع نفر من خول ابنه، واعتقله، فدبر من كان اعتقاله الهجوم على ابيه، وساعده الموكلون به، فظفر بهم واتى عليهم، وطمس اثر ولده وقطع دابره، فكأن لم يكن قط اميرا، ولا انفذ حكما، ولا قاد جيشا. وما ابن عباد ببدع فيما اتاه في هذا، فقد يضطر الملوك مع ذوي ارحامهم السامين الى نيل منازلهم من مستجرى عليهم الى ما يحملهم على انتهاك ذلك حبا للحياة الدنيا، على ان العفو كان اقرب للتقوى، مع ان اسباب الملك الاضطرارية لا تحمل الاستقصاء ولا تعرض للتمحيص، قرن الله باعمالهم الصلاح، وجنبهم بمنه الجناح (ط د س: النجاح) .
ط د س: يستفتح.
ط د س: يقين.
د ط س: اهتبلت غرته.
د ط س: المنصف.
ط س: رفقة؛ د: رقيقة.
د ط س: تهافت.
د ط س: وفي فصل منها: وافاني كتابك بما لم يقع -.
د ط س: المعتبر -. المتدبر والمستبصر.
د ط س: عقوق الولد - البعد.
د ط س: واحاق المكر السيء بأهله.
د ط س: لهذه الحادثة الكارثة -. المهمة.
د ط س: والوجع.
م ب د س: شيئين؛ ط سببين.
ب د ط س: الجم.
د ط س: يتكدر بهم.
د ط س: الشراب.
ط س: والله عثرته.
د ط س: استعادته فدعثره.
لم ترد هذه الرسالة في د ط س؛ ووقوعها هنا فصل بين مقدمة ابن بسام عن المعارضات لرسالة ابن عبد البر، الاسترسال بايراد هذه المعارضات؛ ومن اللافت للنظر ان هذه الرسالة ثابتة في قلائد العقيان: ١٨٢.
القلائد: محتده.
القلائد: وشبه.
القلائد: تنتعش به.
القلائد: وافتقاد -.. الاعتقاد والوداد.
القلائد: البرة.
القلائد: ذل صعبه لراكب -. على هائب.
القلائد: وأثرك الحسن عليه.
ب م: ولا يتامل باسمه.
ب م: يحسب - منه.
د ط س: فصل لبعضهم قال فيه.
البيت لابن عبد ربه؛ انظر جذوة المقتبس: ٩٦ والعقد ٣: ١٧٥.
البيت لابي نواس، ديوانه: ١٩٢.
أصله للمجنون (ديوانه: ١٩٧) ورواية الصدر: فأصبحت من ليلى الغداة كقابض -
البيت لأبي الحسن التهامي، ديوانه: ٤٧.
ط د س: الأيام.
ط د س: وتفسير.
من قول زهير:
فشج بها الاماعز فهي تهوي هوي الدلو اسلمه الرشاء
انظر الحاشية ٥ ص ٦٨.
د: ولاذت بحقوه الرجال؛ ط س: ولاذت بحقوه الامال.
د ط س: فآثر العقوق ورفض الحقوق.
ب م: وقفيت.
ط د س: مصارع.
انظر سورة الانفال، الآية: ٤٢، ٤٤.
هذا المثل، انظر فصل المقال: ٨٥ والميداني ٢: ٩٤ والعسكري: ١٢ - ١٦.
د ط س: عمي العين - فأخروا الثبات وعقدوا النيات، بعد ان تساقوا المدام ليقدموا؛ وعند هذا الموضع أتوقف عن الاشارة إلى ما كان من زيادات ب م على ط د س، إلا نادرا.
البيت للمتنبي، ديوانه: ١٢.
د ط س: ردء.
د ط س: شرود.
خ بهامش م: اتته الرزايا من طريق الفوائد؛ وهذا عجز بيت لابي فراس (ديوانه: ٨٣) وصدر البيت: اذا كان غير الله للمرء عدة؛ اما البيت الذي في المتن فورد غير منسوب في التمثيل والمحاضرة: ١٠.
س ط د: فكل.
البيت لابن المعتز، ديوانه ٣: ٤٩ وانظر قطب السرور: ٥٦٧.
اصل المثل: كباحث عن الشفرة (او عن المدية) انظر فصل المقال: ٣٩٢ والميداني ٢: ٦٩؛ وقد اشار الجاحظ في مواضع من كتاب الحيوان الى ان النمل اذا نبت له جناحان فقد دنا هلاكه.
انظر فصل المقال: ٧٢ والميداني ١: ٢٠١ والعسكري ١: ٣٠٨.
قبلها في ب م صورة " وعز ".
ب م: تنكر.
د ط س: وبالنبي ﵇ قدوة، ومن التابعين ﵃ اجمعين، هذا خليل -
كان مطرف ابن الامير عبد الله يغري أباه باخيه محمد، فأخذ الامير ابنه محمدا وحبسه، ولما تحرى جلية الامر اطلقه اذ لم يجد مذنبا، ففتلة مطرف سنة ٢٧٧، هذا ما ذكره ابن عذاري ٢: ١٥٠.
قتل عبد الله بن المنصور سنة ٣٨٠، انظر قصة خروجه على ابيه ثم مقتله في ابن عذاري ٢: ٢٨٤.
د ط س: احتذيت.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٢١٩.
الرقم: الداهية؛ يقال جاء بالرقم الرقماء أي الداهية الدهياء.
د ط س: وينصران.
ب م: بالحائن.
د ط س: الغالب.
د ط س: وما هو الا.
قد مر هذا، انظر ص: ٣٥، ١٥٦.
د ط: العزة.
ب م: الآمال.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٤٦٦ وروايته: اهل الظلم، وهي رواية س ط د.
د ط س: من فضائل.
الشوى: كل ما كان غير مقتل، والتي لا شوى لها: فتكة تصيب مقتلا.
البيت لعمرو بن معد يكرب، وكان علي ﵁ يتمثل به (الكامل ٣: ١٩٨ والسمط: ٦٣) وروايته: اريد حباءه؛ وفي د ط س: عذيري من خليلي، وعكس الشطرين.
البيت في التمثيل والمحاضرة: ٢٨٨ دون نسبة، وروايته: فأبدى الكير.
لئيم: سقطت من ط د س.
ط د س: المرء.
د: خساسا من سقاط.
س: قلوبهم.
د ط س: ستري وسلطاني؛ ب: سلطاني وستري.
ناظر الى الآية: ٤٢ من سورة ابراهيم.
د ط س: كعدة.
ط: صولتي.
د ط س: اذ سمعوا صوتي، وفروا فأسرتهم الخيل اسرا، وقيدوا الي عنوة وقهرا، فلم يفلت -. الخ.
ط د س: ارضيت - والتزمت.
د ط س: الناصر؛ والناصر هو عبيد الله بن المنصور عبد العزيز بن أبي عامر.
ب م: صدفة.
قرطس: اصاب الرمية.
م ب: عهدا.
م ب: منحت.
م ب: والمطلوب.
د ط س: الشتيت.
د ط س: ووكدت وشددت.
لم ترد هذه الرسالة في د ط س.
البيتان للمتنبي، وهما متباعدان في موضعيهما من القصيدة، انظر ديوانه: ٣١٠، ٣١٣.
وردت هذه الرسالة في نفح الطيب ١: ٥٩٧، وهي مبنية على الخطاب لا على الغيبة.
النفح: في دوحة.
النفح: بدولة.
النفح: للفهم.
النفح: الى من عداك.
النفح: السنية.
النفح: الأولية.
ب م: ثنائي.
النفح: امتك.
ط د س: بقربك؛ النفح: بعزتك.
س: لاحظته.
النفح: اغار سناه.
الابيات للمتنبي، ديوانه: ٤٥٤ مع اختلاف في تربيتها.
في النسخ: وبعده، والتصويب عن الديوان.
د ط س: تنصرف.
م: سلمة بن خنده.
س: صدوري.
د ط: فوافقوني.
د ط س: لصيح.
ط د: وانقسمت؛ س: وانغمست.
ط د س: بنفسه.
ط د س: خليل.
ط د: بموت؛ س: بوفاة.
ط د: بموت؛ س: بوفاة.
ط: وعد؛ د: وأعد.
ط د: بعد.
بصر: وضح؛ ب م: وقصرت.
ب م: اليها - عليها - نحوها؛ ط د س: الارزاق.
ب: بنسيمك؛ د ط: بنسيمها.
في النسخ: الا.
ب ط: الحنفية.
ط د: وعداه.
ب: مصاليح؛ د ط: مصابيح.
ب م: يعلم.
بربشتر (Barbastro) تقع في ناحية وشقة على أحد فروع نهر إبره الى الشمال الشرقي من سرقسطة؛ وانظر الخبر عن كائنتها في ابن عذاري ٣: ٢٢٥ ودراسة عنها في Recherches ٢: ٣٣٢ وما بعدها، وسينقل ابن بسام نص ابن حيان عنها فيما يلي.
ط د س: المعترفين بالوعد والوعيد المؤتلفين - الخ.
د ط: وحججه.
ط د س: جرحى.
من المثل: قد تبين الصبح لذي عينين، انظر فصل المقال: ٦١ والميداني ٢: ٣١ والعسكري ٢: ١٢٥، وقد تقدم ص: ١٢٧.
من قول ابن عبد ربه:
الا انما الدنيا غضارة ايكة اذا اخضر منها جانب جف جانب
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٣٢٧ والميداني ١: ٢٣٢.
د ط س: أنبائنا.
٣ - تبدأ هذه الفقرة في د ط س: وذلك انه أحاط بنا عدونا كاحاطة القلادة بالعنق فحاربنا حتى ظفر، فانا لله -.الخ.
ط د س: تراءت.
ط د س: وماذا كشف.
م: وغشيت.
د ط س: واستهوت.
جلحت: حملت؛ م: وجلبت؛ د: وضجت؛ ط س: وخلجت.
د ط س: وعادت؛ ب: وسارت.
قبل " فما " في د ط س: وفي فصل منها.
وفي فصل منها: سقطت من د ط س.
س ط د: الإيمان.
د ط س: ثم اضرمت النار عليهم حتى احترق الجميع وهلكوا، والكفر يضحك، والدين يبكي، والعذاب ينكي.
وفي فصل منها: سقطت من د ط س.
س ط د: تحصى.
د ط س، ملتهب.
ط: مرتهب.
ط: ولا.
ط د س: أطرافكم.
ط د س: وفي.
انظر الآية ١١ من سورة الذاريات.
د ط س: وإذا ابتليت.
يريد اذا اصيبت اطراف البلاد بغارات العدو سهل عليه بعدئذ مهاجمة اوساطها.
قارن بابن عذاري ٣: ٢٢٥ ونفح الطيب ٤: ٤٤٩.
ط د: مارة سدا.
ب م: العدو.
ط د س والنفح: ارض الاندلس.
ط د س والنفح: ارض الاندلس.
ط د س والنفح: يشغل.
م: والتساؤل.
ط د س: يفسدون.
ط د س والنفح: وجريا.
ط د س: وخابط.
ب م: صرفهم.
ط د س: بصدر من خيالها.
ط د س: من.
تحل: سقطت من د ط س والنفح.
البيت للقطامي، ديوانه: ٣٤.
ط د س: الضياع بخالها.
ط س: محيلا؛ والصواب " سحيلا " كما في ذ.
ط س: لحطبهم.
ط د س: في.
ط د س: واعلم -. فجد.
ط د س: والحلي.
ط د س: والحلي.
ط د س: اصيب فيها بالقتل والسبي خمسون الفا.
وهلك من نسائها عند انلاتهن من عطش القصبة عدد كثير لتطارحهم - يكرعون - نهل، فكبهم.. موتا.
ط د س: المدينة.
ب م: يدني.
ط د س: ولما برز جميع من خرج عن المدينة بابها.
د ط س: نزول.
د ط س: الخروج.
د ط س: بالدور.
ط د ش: ليحكم.
د ط س: ويقرره عليه فيما اخفى.
د ط س: يعذب اشد العذاب.
ط د س: إلى أسواء مقامه ذلك.
ط د س: ابلاغا في نكايتهم.
ط د س: او ذات مهنة.
الوخش: اراذل الناس وسقاطهم، يوصف به الرجل والمرأة.
ط د س: فيهم.
ط د س: منهم.
د ط س: مرت.
ط د س: عيث.
Monzon إلى الجنوب من بربشتر، وقال ياقوت: حصن من حصون لاردة.
ط د س: منهم.
ط د س: حرب.
ب م: تماما بحكم.
م: والمرد؛ د: والجآذر؛ والحزاور: جمع حزور، وهو الغلام.
ب م: ذوي.
ط د س: فوجدته.
ط د س: لم يغير شيئا.
د ط س: ووصائف رومة.
ط د س: (ما) أسرع ما طمعت فيمن أعرضناه لك.
ط د س: لحصني.
ط د س: منهم.
ب م: تشوق.
ب م: بعجومته.
ط د س: عليه الخداع ما.
د والنفح: واكياس.
ط د س: منه.
ط د س: والنفح: في ثمن تلك ما سخت بها يدي.
ط س: لمغنية الغبي؛ د: لمغنية اللعين.
ب م: نومته.
د ط س والنفح: اشفينا.
ط د س: عنها.
النفح: امرنا.
ط د س: زماننا.
ط د س: ما.
ط د س: أنفسهم.
ط س: أظل.
ب م: عراض.
ط د والنفح: أو ماش.
ط د س: برجوع المسلمين بحمد الله إليها.
ط د س والنفح: امداد لحليفه عباد (ط: لخليفة) .
ط د س والنفح: فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين فجالدوا الكفار بها جلادا -
د ط س والنفح: وخذل.
ط د س: فاقتحمها.
د ط س والنفح: يدخل.
ط د س: الفدية.
د ط س: وخمسة آلاف.
د ط س: قدمهم.
د ط س: برحمته.
ط س: أراح.
د ط س: محبوبة.
ط د س: مخاطبة.
د ط س: الاولياء.
ب م: تتحدث.
د ط س: وما مخاطبتي لك الا.
د ط س: بجميع.
ط د س: فهو مرغوب.
ب م: تستبق.
ط س: المجنى؛ د: المحيا.
ط د س: تنتج.
ط س: الخير، وسقط النص من د ابتداء من قوله " واسراها مغرسا " حتى آخر الرسالة.
ط د س: الزمن.
ط د س: الدهر.
سقطت هذه الرسالة من د ايضا وثبتت في سائر النسخ.
ط د س: منك.
هذه الرسالة والتي تليها سقطتا من د.
ط س: تخبر به كل طبقة.
ط س: لكثرة.
ط س: والاعراب.
ب: نسية؛ ط: يشبه؛ س: بشبيه.
ط س: متحدة.
ط س: سرارا؛ ب: سيارا.
وازبة: ذاهبة؛ وفي النسخ: وارية.
سقطت هذه الرسالة واثنتان بعدها من د ط س.
ب م: حفرة عتت؛ والحفزة: الطعنة.
م: بعد، وفوقها " غب " خ.
سقطت من د وحدها؛ ط س: ومن أخرى.
ط س: وجميل.
ب م: الناظر.
ط س: ويحطها -. عن؛ م: ويخطبها.
ب م: تنائي.
ب م: غبي.
ط س: وللفضائل.
هذه الرسالة والتي تليها سقطتا من د وحدها.
ب ط س: متمم.
ب م: بالهوادي الاعجاز.
ب م: فكره.
ط س: المنى.
ب: اعزامي.
ط س: وفتحت.
ط س: وتارة.
ط س: وضياء محاسنك.
ط س: بتكلفي.
ط س: صباح.
ب: لتمتثل.
ب: وانتهائه.
د ط س: وامتضيت.
ب م: خيل فرسانها.
ط س: بديهتي.
ط س: ذلك الإخاء الطارف.
ب م: جبرون؛ وقد ترجم ابن سعيد لأبي القاسم بن خيرون (المغرب ٢: ٤١٩) ونسبه الى حصن بيران من اعمال دانية، وذكر انه سكن دانية وكان من شعراء اقبال الدولة.
ط د س: الخطابة.
ط د س: وبكت.
د: مذ.
البيتان في الصداقة والصديق: ٣٠ دون نسبة.
هو الطرماح بن حكيم، انظر ديوانه: ٣٤٦، ٣٤٧.
ط د س: إلى محاربته.
ط د س: والتعزير.
د ط س: النشيد.
البيت لجرير، ديوانه: ٩١٦.
ط د س: موالاة.
انظر امثال العسكري ١: ٧١ وفصل المقال: ٤٠٢ وجمهرة ابن دريد ٢: ٣٨٤/٣: ٨٢.
انظر امثال الميداني ١: ٧ وفصل المقال: ١٢٩ والعسكري ١: ١٤١، ١٦٣.
البيت لأبي الأسود الدؤلي، ديوانه: ٥٤ وانظر شرح شواهد المغني: ١٩٤ ونظام الغريب: ٧١ وفصل المقال: ٤٥.
ط د س: كان.
ورد البيتان في ديوان المعاني ١: ١٧٨ دون نسبة.
ورد البيت في التمثيل والمحاضرة: ٤٥٦ دون نسبة، وروايته كما في د ط س: من لؤم.
ط د س: ما اهم.
البيت لابراهيم الصولي، ديوانه: ١٦٣ (القطعة رقم: ١٢٩) وانظر الحماسة البصرية ٢: ٢٨١ وامالي المرتضى ١: ٤٨٨ وديوان المعاني ١: ١٧٩.
في التمثيل والمحاضرة: ٣٥٥: وهل يعض الكلب ان عضا.
البيت للراعي النميري، ديوانه: ٦٤، وانظر طبقات ابن سلام: ٤٣٥ والتمثيل والمحاضرة: ٦٨.
ط د س: واقتضاء.
د ط س: عند.
ط د س: الجاري الى غمراتها.
ب ط س: إناها.
د ط س: وله من أخرى.
ب م د س: وأرى وقد.
ط د س: وشممت.
ط د س: يزخر - يسحر.
ب م: فقد.
د ط س: جلي.
ط د س: إلا.
اشارة الى المثل: " ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان "؛ انظر فصل المقال: ١٩٩ والميداني ٢: ١٣٥ والعسكري ٢: ٢٠٠.
ط س: دخلت على المقام.
اشارة الى قول ابي نواس:
خرجنا على ان المقام ثلاثة فطابت لنا حتى اقمنا بها شهرا
سقطت هذه الرسالة والتي بعدها من د ط س.
م: باحسانه.
ب: باطرايه.
روضة الحزن اطيب شذا من سواها؛ ب م: حرثا.
ب: شنن.
ب وخ بهامش م: لطرت بجناح.
وسكن القلب: وقعت هنا مكررة في ب.
ب م: عند ابن عبيد الدولة.
د ط س: ناخع نحو؛ وبخع ونخع بمعنى أذعن.
ط د س: ادامها الله بدوام الايام.
في التنزيل: وان تعفوا اقرب للتقوى (البقرة: ٢٣٧) .
ط د س: جزاؤه عند الله.
وفي فصل منها: سقطت من ط د س.
د ط س: من الرغبة في شانه ما يقتضيه؛ ب م: في شانه قبل الرغبة.
ط د س: شذت عنه وعني فيه.
ط د س: يشتمل؛ والصواب " يستمل ".
ط د س: امر.
قبلها في ط د س: وفي فصل منها.
ب م: وقد علم أنه سهم.
ط د س: يليه.
ط د س: جماعة.
ب م: وإحماء.
ط د س: سعيت بآمالي.
د ط س: وعلم.
د ط س: ومقابلة.
ب: ويلزم؛ م: ويلزمني.
ب م: وتضرع.
د ط س: مسراه - ايمن.
د ط س: وان ابا فلان.
شرك عنان وشركة عنان: ان يشترك اثنان في شيء خاص دون سائر اموالهما، اوان يخرج كل شريك مبلغا من المال ويخلصا المبلغين ويأذن كل واحد لصاحبه بان يتجر بالمجموع.
زاد في ط د س: واحفى بالذم واكرم.
الضلع: الميل والهوى.
ط د س: به.
ب م: له.
د ط س: سبيل.
سقطت الرسالة من د ط س.
ب م: الا باطناب.
يكحلون.
قارن بتاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٤٨.
انظر ابن خلكان ٢: ٣٩.
ط س: وإقام.
ط د س: فصل من رقعة له.
ب م: ولحظت - التدبير.
ب م: ضمنت.
ط د س: أوحش.
ب م: رماح.
ب م: ومثواه فداح؛ ط د س: وسواه قداح.
ب م: وترق.
ب م: الرائعه.
ط د س: لطف.
ب م: تتقابل.
ب م: عثار، وسقطت العبارة من ط د س.
ب م: الزناد ابرز.
كذا بالصاد المهملة، وربما قرئت في م ب: الفرسة.
ب م: متكسرا.
د ط س: يتدحرج.
ب م: كأنه.
ط د س: دارة.
ب م: تقتل.
ب م: يريش - ويقدح - يبرز -؛ س ط د: وتسرع.
د ط س: بغير.
د ط س: بنصر.
ب م: وشعبت.
لم ترد هذه الرسالة في د ط س.
م: إلى.
ب م: فاشبت.
د ط س: وانف عدوه.
ب م: مشاركا.
ط د س: عزيم عزائمك.
د ط س: وتتحمله على كد.
د ط س: ظهر.
ط د س: وتتعدى.
مباح: سقطت من د ط س.
د ط س: ابوها.
ب م: بوفاة فلان.
د ط س: محتضرا في اقباله.
راجع ابن خلكان ٣: ٢٥٥ - ٢٥٧ في صبر عروة عندما فقد ابنه وقطعت رجله.
ورد بعدها في ب م: بين سعادة اليوم والغد؛ وهو سهو فيما يبدو، لأن العبارة سترد بعد قليل.
د ط س: هضب - فرحة وكرب.
ط س: شعب - محتمل.
د ط س: جوى.
ط س " يقرح.
ب م: تسلية.
د ط س: ويغلب بالمحن.
ط س: تردعك.
د ط س: ندب.
د ط س: على قدر.
د ط س: للمعالي.
ب م: نجم للعلى.
ب م: فاجلب.
د ط س: كتاب مولاي.
ب م: بوفاة فلان.
ط د س: وفلت.
اتورع: اكف وامتنع؛ د ط س: اتروع.
ب: الصبر والسلوان؛ بامرئ: سقطت من م د.
ط س: يلقى.
د ط: وقليل.
ب م: الغامضة.
د ط س: بعلمك.
ب م: الالم؛ ط س: غفلات الآلام.
ط د س: ويخترق.
د ط س: وفاة فلان.
ورد البيتان منسوبين لأبي نواس في محاضرات الراغب ٤: ٥١٣ ولم أجدهما في ديوانه.
ابو عامر محمد بن سعيد التاكرني نسبة الى تاكرنا، وكانت قصبة كورة رنده، وقال ابن سعيد (المغرب ١: ٣٣٠) انها خربت؛ راجع ترجمته في جذوة المقتبس: ٥٦ (وبغية الملتمس رقم: ١٣٧) والمغرب ١: ٣٣٢ واعتاب الكتاب: ٢٠١ واعمال الاعلام: ٢٢٤ - ٢٢٥.
د ط س: المظفر ابن ابي عامر.
نقل ابن الابار بعض هذا النص في اعتاب الكتاب: ٢٠١ - ٢٠٢.
انظر ص: ١٣ وما بعدها.
د ط س: عبد العزيز بن أبي عامر.
في القسم الأول من الذخيرة.
اقتبس ابن سعيد هذه الرسالة في المغرب ١: ٣٣٢.
م: بالاصلاح.
ط د س: عن.
ط د س: ملوك وقته.
وردت هذه القصة في المغرب واعتاب الكتاب والنفح ٤: ١٣٢.
ديوان الحطيئة: ٢٨٤.
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٢٢٩ والميداني ١: ٩١.
د ط س: قاتل.
ولي مقاتل طرطوشة بعد لبيب الفتى، وتلقب " سيف الملة (أو الملك) .
ديوان المتنبي: ٢٦٣.
في الاصول: مصر.
د ط س: وله من رقعة الى ابن عباس.
البيتان لامرئ القيس، ديوانه: ٦٩.
انظر هذا القول في التمثيل والمحاضرة: ٣٠٥.
ناظر الى المثل: طلب الابلق العقوق، وقال الشاعر:
طلب الابلق العقوق فلما لم يجده اراد بيض الانوق
والعقوق: الفرس حين تحمل؛ والأبلق لا يحمل، والانوق: الرخمة وهي تحرز بيضها فلا يصل اليه احد، والمعنى لو انني فعلت المستحيل.
ب م: قبيلا.
من قول ابي تمام (ديوانه ٢: ١١٥) .
اتاني مع الركبان ظن ظننته لففت له رأسي حياء من المجد
د ط س: سبيل.
د ط س: نابذني.
ط د س: العدو الطالب.
د ط س: خنت.
البيت للمتنبي، ديوانه: ٤٧٠.
ط د س: وإن الدنيا.
د ط س: يجب.
د ط س: ونتعاطاه معاطاة.
ط: شهدت أن.
الاثلب: التراب والحجارة او فتاتها.
ديوان المتنبي: ٤٥٦.
ط د س: فصدق.
ط د س: والمنادم.
ط د س: الزاكية -. السامية.
ط د س: الخاسرون.
انظر الآية: ١٨ من سورة يوسف.
وفي فصل منها: سقطت من د ط س.
ط د س: أشرت.
د ط س: وتحقق - تنمقه.
ط د س: ويشتمل.
د ط س: قال.
د ط س: بالتحذير.
انظر امثال الميداني ١: ١٩٨ وفصل المقال: ٤٣٠ والعسكري ١: ٣١٦ والجمهرة ٢: ٢٥٠، والصلف: قلة الخير.
انظر امثال الميداني ٢: ١٥٦.
د: اعقابهم.
العقير كالعقار: الدواء.
د ط س: صدقت - سر.
د ط س: فهو.
البيت لزهير بن ابي سلمى، ديوانه: ٩٥.
ط س د: لي.
د ط س: الحيل.
انظر فصل المقال: ٩٢، وهو مما قاله النعمان - فيما يحكى - ردا على الربيع بن زياد؛ ط د س: إن حقا.
د ط س: سر نصحي بصدق مقالي.
في المثل (الميداني ١: ١٦): اخوك من صديقك النصيحة.
عكس للمثل: اضىء لي اقدح لك، انظر فصل المقال: ٢٠٥ والميداني ١: ٢٨٥ والعسكري ١: ٣٦.
د ط س: قال.
ناظر الى الآية: ٨٥ من سورة يوسف.
د ط س: وأنضيت فكري.
انظر في هذا المثل، فصل المقال: ٤٤٨ والميداني ١: ٢٦٩ والعسكري ٢: ٣١.
ب م: الجري.
د ط س: وترسلون.
التطرق: اتخاذ الطريق.
د ط س: في سلفهم.
د ط س: وخبائثها.
د ط س: مستبدا.
ب م: تختطر.
يعلز: تأخذه كربة الموت؛ ب م س ط د: يعلق على.
ناظر الى الآية: ١٦٨ من سورة آل عمران.
البيت لجرير، ديوانه: ٤٢١ وامالي القالي ١: ٩٤ والسمط: ٢٩٢ واللسان (ثرى) .
ناظر الى قول المتنبي:
لا افتخار الا لمن لا يضام مدرك او محارب لا ينام
د ط س: يستغرب -. ويستهل.
د ط س: ونظام.
ب م: دون صلف.
ط د س: قال.
ناظر الى الآية: ٣٩ من سورة النور.
من المثل: تحت الرغوة اللبن الصريح (انظر امثال العسكري ١: ٢٧٠ تحقيق ابو الفضل ابراهيم) يضرب مثلا للامر تظهر حقيقته بعد خفائها.
من قول النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في انيابها السم ناقع
ب م: وحذو اتك.
ب م: حزب.
ط س د: هو.
فيه اشارة الى الآية: (واذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) الاعتراف: ١٧١.
من المثل: حرك لها حوارها تحن (انظر امثال الميداني ١: ١٢٩)، والحوار: ولد الناقة، معناه: ذكره بعض اشجانه يهج له.
د ط س: سبل.
ط س م: كراعي هذيل؛ د: كرعي هذيل؛ ط د س: يخاف.
د ط س: اثلتنا.
من المثل: صدقني سن بكره، انظر فصل المقال: ٤٥ والميداني ١: ٢٦٥.
انظر ص ١٦٢ الحاشية: ٣.
د ط س: ذنوبنا.
البيتان لابن الرومي، ديوانه ١: ١١٤.
من قول القطامي: وترفض عند المحفظات الكتائف؛ ومعناه تحلل الاحقاد والسخائم عند حلول الامور التي تستدعي الغضب؛ انظر ديوانه: ٥٥ وفصل المقال: ٢١٤ والسمط: ٩٠٣ واللسان (كتف) .
د ط س: مصادرها.
من ابيات تنسب لنصر بن سيار، انظر مروج الذهب ٦: ٦٢ وفصل المقال: ٢٣٣. ووردت في مجموعة المعاني: ١٢ منسوبة لابي مريم البجلي.
ط س د: مهزا.
د ط س: لاجتلت.
د: المنابذة.
د ط س: حواليها.
ط د س: بال.
من قولهم في المثل: " حسبك من القلادة ما احاط بالعنق " انظر الميداني ١: ١٣٢.
البيتان في الاغاني ٢٣: ٦١٦ ورواية الاول: من الناس إنسانان؛ ويروى الشعر لابن الدمينة، انظر ديوانه: ٣١، ١٧٠.
الاغاني: فمنهما.
ط س د: عن.
في النسخ: من.
ط د س: اعتياد.
ط س: يحتقر.
ط د س: أخرى.
ب م: يممت.
ط د س: وشيمة.
ب م: لتزور.
ط د س: يقابل - يسامت.
ب م: فتية، وسقطت العبارة من ط د س.
من قول الشاعر:
احب بلاد الله ما بين منعج الي وسلمى ان يصوب سحابها
بلاد بها شق الشباب تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
د ط س: لبث.
د ط س: عوائد.
د ط س: تألف.
انظر هذا المثل في فصل المقال: ٣٣٥ والميداني ١: ١٩٨ والعسكري ١: ٣١٣.
ط د س: قمنا.
من المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن (الميداني ٢: ٣١) .
ط د س: ائتلاف.
ط س: وتتقيت؛ د: وتسقيت؛ ب م: وتمنيت.
م ب: واجدا.
د ط س: إلى الجهاد لتجهيز.
ب م: والشدة - والنجدة.
د ط س: اخبار.
ب م: من موجز.
د ط س: الرئيس.
انظر المغرب ٢: ٣٠٠ واعمال الاعلام: ٢٢٤ وابن خلدون ٤: ١٦١، وقد نقل ابن عذاري (البيان المغرب ٣: ١٦٤) هذا النص. وراجع Hist. Mus. De Valencia ٢: ١٦٣ وما بعدها.
ب م: ثم.
ط د س: من اوصلهم لرحمه.
هو القاسم بن حمود الحسني، بويع سنة ٤١٢ ثم انتزع قرطبة منه يحيى بن أخيه ثم عاد القاسم إليها وبقي فيها حتى خلع سنة ٤١٤.
د ط س: تأمير عبد الملك ابنه.
ط د س: رويش، والتصحيح عن البيان المغرب.
ط د س: حضرة.
ط س: سبك؛ د: سمك.
ترجمة أبي المطرف ابن الدباغ في القلائد: ١٠٦ والمغرب ٢: ٤٤٠ والخريدة (قسم المغرب والأندلس) ٢: ٣٤٩ (٣٨٧) والمسالك ٨: ٢٢١.
نقل ابن سعيد بعض هذا النص في المغرب.
ط س د: قلبه.
د ط س: المقتدر بن هود.
من قول حسان بن ثابت يعير الحارث بن هشام بفراره (ديوانه ١: ٢٩):
ترك الاحبة ان يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة والجام
ط د س: وأوسع.
ب م: من سره.
ط د س: وحكمه؛ ب م: على حكمه أو حكم المعتمد.
ط د س: الغرور.
ب م: فدخل.
د ط س: بحجة.
د ط س: نصرة؛ ب م: أنصاره.
ط د س: تشاجر.
لم يردا في ديوان المعتمد.
د ط س: ذم.
ط د س: حتى نفاه.
ط د س: المنصور.
ترجم له ابن بسام في القسم الثاني من الذخيرة، واشار الى تضايقه من قدوم ابن الدباغ الى حضرة بطليموس.
ط د س: الآفاق.
ط د س: من شعره.
د ط س: انسك.
ط د س: حد.
س: موفدا؛ ط: وعودا؛ د: موعدا عودا.
ط د س: ما.
ط د س: مما.
ب م: بأناتي.
د ط س: الاوقات.
فيه إثارة من قول المتنبي: وحسب المنايا ان يكن امانيا.
ط د س: له.
ط د س: فعلك.
ط د س: شيئا لم يكن.
د ط س: لا تزال امثلتها.
د ط س: المجد.
انظر هذا الجزء من الرسالة في القلائد: ١٠٧ والخريدة ٢: ٣٥٠، وقد قال الفتح انه وجه بهذه الرسالة إلى ابن حسداي.
القلائد والخريدة: بهذه الحالة قد ارتفع.
ط د س: الأضداد.
القلائد: اضدادها -. اشتدادها - آمادها.
ديوان المتنبي: ٢٥٤.
الديوان: فصرت.
ط د س: نشاط.
ط د س: اين ايمم.
ط د س: لنوائب.
انظر القلائد: ١٠٧ والخريدة ٢: ٣٥٠ والمغرب ٢: ٤٤٠، وقد خلط صاحب القلائد والخريدة بين هذه الرسالة والتي تقدمتها.
ب م: يجيد، وسقط من د ط س.
ط د س: مساويا - أعاديا.
د ط س: بياني.
د: بقوله في شعره، وكذلك هو في القلائد.
البيت الاول وحده للحطيئة في ديوانه: ٢٨٤، وانظر ما تقدم ص: ٢٢٨.
د ط س: وذممت؛ القلائد والخريدة: وما حمدت.
د ط س والقلائد: منه.
القلائد والخريدة: لفني.
د ط س: ان يكون الممات.
د ط س والقلائد والخريدة: والنوب.
من قول ابي ذؤيب:
امن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
الخريدة والقلائد، وما في الايام رجاء ولا مطمع؛ ط د س: ولا بمستقر على من يرتجع.
كذا في الأصول، ولعل صوابه " ضميت ".
د ط س: النوائب.
ب م: وانتقاض.
ب م: ويتموج.
م ب: يقع.
د ط س: ويقرطني - يقرط.
ط د س: وفي فصل منها.
د ط س: خيلت.
د ط س: مقاصدي؛ خ بهامش س: مطالبي.
ط د س: للنفس.
ب م: ما فيه في.
ب م: الرأفة.
ط: استياك؛ س: اشيال.
ط د س: لم يزل في امتحاني.
د ط س: احالة.
د ط س: والخمول.
د ط س: اعتداء.
ط س د: وفي فصل من أخرى.
ب م: ويعنى به.
ط س: بالغل.
د ط س: اشد.
الواجم: الذي اسكته الهم وعلته الكآبة.
ورد دون نسبة في فصل المقال: ٣٩٩ وفيه " او يتفجع ".
ط د س: واشتمل كتابي على -
ط د س: معربة بذاتها على البعد.
ط د س: واغض.
ط د س: وحمل - فحمل.
ط س: تعير وتكلم؛ د: تغير؛ ب م: تعد وتكلم، ولعل الصواب: تعدى وتكلم.
ب م: يتحصل.
من قول الراجز: اصبر من عود بدفيه (او بجنبيه) جلب، وله قصة في الامثال، الميداني ١: ٢٧٦ - ٢٧٧ وفصل المقال: ٤٩٨ والعود: الجمل المسن؛ والجلب: آثار الدبر.
ب م: تعدد؛ د: يعتد.
ط د س: وتسمع - مثله.
د ط س: العجل؛ ب م: الفعل (اقرأ: الفضل) .
ط د س: مناواتك.
م: التهالك.
ناظر الى قول المتنبي:
اهم بشيء والليالي كأنها تطاردني عن كونه واطارد
ط د س: طلب.
به: سقطت من ط د س.
ط د س: إلا أن.
النطف: العيب او الفساد؛ ط س د: لطف.
د ط س: محط؛ ب م: قحط؛ والقعط: الذليل.
د ط س: عبير.
ط س د: وكل.
ط س د: بدنيا.
ب م: إليه.
م: مخاطبتي.
ب م: الأنس.
ط د س: ثناء؛ ب م: بثنائي.
ب م: بدء.
ط د س: لداجي.
د ط س: وتتوزع.
د ط س: وتغتنم.
م ب: المستريب.
عن: سقطت من ط د س.
ط د س: من لقاء فلان.
ط د س: بتذكاره.
ط د س: وأطرت.
البيت لرجل من بني الحارث، المرزوقي: ١٤١٣ وذيل الامالي: ١٠٢.
ط د س: من أخرى.
ب م: نفسي قد هرمتنا؛ د ط س: هرمتها.
د ط س: الأيام.
ط س د: أعقبه.
ط س: اناء استذل؛ د: اناس.
ط د س: وأي حد فل.
ب م: البحر.
م ب: النكدة.
د ط س: بلغت.
من قول النابغة: فانك كالليل الذي هو مدركي.
ط د س: جرحا وتهيج قرحا.
من قول نصيب بن رباح (ديوانه: ٥٠٩) .
س: شقي جدي.
ب م: بالاجرام.
س: أتحرف.
ب م: اليه.
ط د س: يخلص - ويعرضها - ويأخذ جمله وتفصيله - ويحلي - ويتمم.
ط د س: يطلع عليكم من.
ط د س: وتعض.
د ط س: بقي.
د ط س: رأوه.
د ط س: وهو يعرج.
د ط س: يشفى بشيء.
ط د س: بدمعة ساجم؛ ب م: بدمعة غام وساجم.
س ط د: ويعد - تدرا (تدرأ) .
ط س د: نظم.
ديوان البحتري: ٩٥٤.
في الاصول: عبدشلب، وانظر النفح ١: ٥٣٤.
النفح: بتحقون؛ ط د س: ببحتون.
كان يحجم الجند بنسيئة اذا مروا به ثم يقعد فارغا بعد ذلك (الميداني ٢: ٢٢) .
ط د س: بالشطرنج والنرد.
راجع هذه القصة في مقامات البديع، المقامة البشرية: ٢٥؛ والمعنى انه اقبل على كتب الاسمار والاساطير يقطع بها وقته.
ط د س: أجاريه.
ط د س: الزمان.
ط س: ولو.
ب م: جلف جاف.
ب م: سؤالك.
ط د س: واستنابه -
د ط س: وإنما تأكدت.
ط س: مما يحل.
د ط س: بامثالها.
ط د س: كذوب.
ب م: شبة (صوابها: شبه) .
د ط س: وله من اخرى.
ط د س: ويظهر بالبشر.
د ط س: يعذب.
ط د س: وافسد الاكوان - السداد.
سقطت هذه الرسالة من ط د س.
ط س د: الصنع.
س: أنبا.
ط د: ان السيادة اسرار.
ط د س: بتلك.
ط د س: سرا.
ط د س: لتعلق.
ب م: مدركة.
ط د س: أو تملكت.
ط د س: بحال.
ط د س: التعمق.
ط د: اعربت -. اعرابك.
انظر نفح الطيب ١: ٥٣٤.
ط د س: كتبت من.
ط د س: فضول.
الشئس: القلق؛ ب م: التبس، وموضعها بياض في ط د س.
ب م: أبيت.
ط د س: ما خلص.
الحسن بن هانئ، ابو نواس.
ط د س: النفس.
ط د س: تتذكرون.
ب م: سينفث -. وينصرف.
ط د س: علي.
ط د س: سحركم.
ط د س: في نعمة.
ط د س: قال فيها، وانظر هذه الرسالة في نفح الطيب ١: ٥٣٥.
ط د س: بالتزامه.
من المثل: رمتني بدائها وانسلت، انظر فصل المقال: ٩٣ والميداني ١: ١٩٣ والعسكري ١: ٣٠٩.
ب م: وردني.
النفح: بلطيف.
ط د س: مرورة؛ النفح: مورودة هضابه واجراعه.
من قول الشاعر:
اقرأ على الوشل السلام وقل له كل المشارب مذ هجرت نعيم
من قولة أوردها ابن قتيبة في الشعر والشعراء: ٢٦.
ب م: عفره.
ب م د ط س: وجنانه.
ط د س: وتحتوي عليه نجاده.
ط د س: فارقت.
من قول المتنبي:
احن الى اهلي واهوى لقاءهم واين من المشتاق عنقاء مغرب
الراس: سقطت من س.
العملس: القوي الشديد على السفر؛ ط س: عماس.
الخريت: الدليل الحاذق بالدلالة.
ب م: الحام؛ والخام: نوع من البلغم (مفيد العوم: ٤١) .
من قول دكين الراجز:
جاءت به معتجزا ببرده سفواء تردي بنسيج وحده
والسفواء: الخفيفة الناجية السريعة؛ وفي الاصول " الشقراء " وهي للفرس؛ والسفواء صفة للبغلة.
من قول عمر بن ابي ربيعة:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
ب: التوبة.
وتستعدي الناس: وردت في م: وحدها.
تقرأ: تنسك.
ديوان أبي نواس: ٣٠٩.
ب م: وقولك.
من المثل: أعن صبوح ترقق (فصل المقال: ٧٥، ٧٦ والميداني ١: ٣١٥ والعسكري ١: ١٦) أي يعرض بشيء وهو يريد غيره.
من المثل: اذا سمعت بسرى القين فانه مصبح (فصل المقال: ٣٥، ١٠٧ والميداني ١: ٢٧ والعسكري ١: ١٢ والجمهرة ٣: ١٦٨) واليقين: الحداد، ينزل في البادية فيمكث اياما فيكسد عليه عمله فيأخذ يوهم الناس انه سار راحل عنهم وان لم يرد ذلك، فاصبح لتكرار الامر لا يصدق؛ ومصبح: مقيم حتى الصباح.
ط د س: سحرنا.
ط د س: لدينا.
ب م: تبلغه - تسوغه.
ط د س: بقربك.
ط د س: ولا تمكن من أن تراها.
لامرئ القيس، وصدره: فادركنه يأخذن بالساق والنسا (الديوان: ١٠٤) شبرق: مزق، المقدس: الراهب الذي يأتي بيت المقدس.
ط د س: حالنا.
ط د س: عنها.
ط د س: فاعلم.
ط د س: نخرج.
د ط: النوم، ط: الناس.
ط د س: الرقعة.
ترجم له ابن بسام في القسم الثاني من الذخيرة.
ط د س: منها.
ط: ودار دار الدنيا.
ط د س: فعله.
ط د س: ولابي المطرف من رقعة قال فيها.
المذوق: الكذب والنفاق.
ط س: التأمل.
ط د س: أنا نحمد -. ولا نتوقع.
من قول المتنبي:
طلبت لها حظا ففاتت وفاتني وقد رضيتني لو رضيت بها قسما
ط د س: يتذاكرون -. يتعاطون.
ط د س: يلح عليه.
ط د س: على.
البيت لابي تمام، ديوانه: ١١٢، وفيه: فاحسن مغرب.
ط د س: التعمق.
ط د س: ذكرك.
ط د س: من الصلة.
م: ومنتدى؛ والكلمة غير واضحة في ب.
ط س: خاطبت.
ط د س: كتبت.
ط د س: حال حمول.
ب م: حال حمول.
م ب: يبدل؛ ط د س: بأن يديل.
ط د س: والسرو.
ط د س: فيمن.
ط د س: الاشغال.
وفي فصل: سقطت من ط د س.
ط د س: وحماية.
ب م: وحفظة.
البيت لأبي العتاهية، ديوانه: ٦١٢.
انظر القلائد: ١٠٩ والخريدة ٤: ٣٥٥.
ب م: السفر.
ب م: والعين.
د ط س: وتخليت من.
القلائد والخريدة: فهي كاسفة بالي، كاشفة عن خبالي، لصبح.
ط د س: ذوائبي.
القلائد والخريدة: مطالع اعمالي، واراني -. الخ.
ط د س: عامرة.
ط د س: وله سبب فتح.
ط د س: حد.
د ط س: بشره.
ط د: وناظم.
شروح السقط: ١٥٠.
ط د س: ان تاسيت.
د ط س: قضية.
ب م: بالكتابة.
ط د س: يتهم أنه.
ط د س: الا على.
ط د س: كمالا.
انظر القلائد: ١٠٩ والخريدة ٤: ٣٥٧.
د ط س: يكلف ويعشق.
ناظر الى قول المتنبي:
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق
س: واختلفت.
د ط س: ارديتها.
ب م: وشيها.
ط د س: بكل.
ب م: والصبوح.
ط س: ويشرب؛ د: ويطرب.
د ط: ويطرب.
س: لم يتسن لي.
ب م: الباء والعين.
ب م: الباء والعين.
ط د س: فطيب.
ب م: المنتظمة.
د ط س: بغضنهما.
ط د س: التعمق.
من قول الشاعر:
وحدثني يا سعد عنهم فزدتني جنونا فزدني من حديثك يا سعد
د ط س: خاطب بها من سرقسطة بعض اخوانه بالغرب، ونقلت هذه الرقعة من خط يده.
عجز بيت لعمر بن ابي ربيعة (ديوانه: ٤٣٤) وصدره: اما الرحيل فدون بعد غد.
م ب: منة.
ط د س: إليك.
ب م: معجل.
ط د س: في.
د ط س: وقتها.
هنا وقع خرم في س ضاعت بسببه أوراق.
ب م: عليها بودك.
انظر القلائد: ١٠٨ والخريدة ٢: ٣٥٤.
د ط ب م: ينشط سماعها.
سباء الخمر: شراؤها.
د: زاخرة؛ ط: زاجرة.
القلائد: ١٠٨ والخريدة ٢: ٣٥٤.
يا سيدي - حرزه: سقط من د ط وكذلك من القلائد والخريدة.
القلائد والخريدة: يعبق في.
القلائد والخريدة: تظهر.
القلائد والخريدة: ايناسه.
ب م: املها -. جذلها.
القلائد: ١٠٩ والخريدة ٢: ٣٥٦.
من قول ابي تمام:
مطر يذوب الصحو منه وبعده صحو يكاد من الغضارة يمطر
ط د س: وندمانا.
ط د: ومن أخرى.
د ط: مهدي.
د ط: مقسوم.
د ط: الضحى.
د ط: للقيام.
ط د: وتخدش الخبز.
د ط: تنشط.
ط د: الخاطر.
ب م: موضع.
د ط: نطيل فيها الحمد.
ب م: في الاجتناء.
ب م: يرد اليك.
د ط: فريضة.
د ط: تنزع.
اشارة الى المثل: " مرعى ولا كالسعدان ".
د ط: الحسن.
د: الشيب.
د: تتحملها، ط: لتحملها.
كذا في الأصول ولعل الصواب: " جبره ".
د ط: بعض المولدين.
د ط: الاقوال منها.
ط د: بحالة فلان.
ط د: وخلصت منه.
ط د: فعلى فضله عولت عليه توكلت واتكلت.
ط د: والمشهد.
البيتان للمتنبي، ديوانه: ٤٨١، ٤٦٠؛ ب م: كلام عنده.
القلائد: ١٠٧ والخريدة ٢: ٣٥٢.
م: الردى.
د ط: العلم.
ب م: جبرون.
ط د: لا تكثروا.
م ب: ويجرع ذا البها.
ب: عر، م: عن، وسقط البيت من ط د.
انظر المغرب ٢: ٤٤٠.
المغرب: بصحبته.
المغرب: تجريه؛ ب م: جرته.
د ط: تشيعا.
د ط: مجد.
ترجمته في المغرب ٢: ٤٤٢ والجذوة: ٢٠٩ (وبغية الملتمس رقم: ٧٧٣)، ومسالك الابصار ١١: ٤٤٧.
ط د: الاوان.
ط د: الفقيه أبي محمد بن الحسن المعروف بابن الكتاني قال:
ط د: ترددي.
المغرب: عرف.
المغرب: له بين احناء الضلوع حريق.
ط د: من القيمات اسيرة كأنها فلقة -. سمعت الشعر -. م ب: هذه الأبيات.
ط د: من القيمات اسيرة كأنها فلقة -. سمعت الشعر -. م ب: هذه الأبيات.
هذه هي الرواية التي ذكرها الحميدي نقلا عن ابن حزم، وهي مختلفة اختلافا كبيرا عن الاولى؛ وسقطت هذه الرواية من د ط.
قد وردت ترجمة محمد بن الحسن المذحجي الكتاني الطبيب في طبقات صاعد: ٨٢ وابن أبي أصيبعة ٢: ٤٥ والصفدي ٢: ٤٥ وجذوة المقتبس: ٤٥ وهو يرد باسم محمد بن الحسن ومحمد بن الحسين؛ راجع مقدمة كتاب التشبيهات؛ واستبعد ان يكون هو نفسه صاحب القيان، الذي يتحدث عنه ابن بسام بقوله " كثير الترقيح والاستعمال لضروب من الكذوب وزور المقال ".
ب م: العلم.
م ب: على.
ط د: خطاطات.
ط د: علوم.
ب م: المسكوب.
د ط: واخبرني الفقيه ابو الحسين.
د ط: بعض الشعراء.
د ط: وتحدث.
د ط: ليعرب.
د ط: يحكى.
انظر ابن خلكان ٤: ٣١٦، ٣٢٠ وديوان المعاني ١: ١٧٨.
ابو عبد الله محمد بن خلصة الشذوني الداني؛ راجع ترجمته في الجذوة: ٥١ (وبغية الملتمس رقم: ١١١) ونكت الهميان: ٢٤٨ والتكملة: ٣٩٥ والمسالك ١١: ٤٥ ونفح الطيب: ٤: ١٠٠، ١٥٦ واشار اليه ابن الابار في تحفة القادم: ٢، وانظر الوافي ٣: ٤٢، وقال ابن الابار في التكملة: وقرأت ان في ديوان شعره قصيدة له على روي الراء يهنئ فيها المقتدر احمد بن سليمان بدخول دانية وتملكها سنة ٤٦٨.
ب م: فصل؛ وسقط العنوان من د ط.
ب: بما القه؛ م: بما لقة.
ط د: هي؛ ب: الذي بها.
ط د: البشر.
ب م: استوفتهم.
ط: الشرح؛ ب م: الترج.
ب م: واصابتني.
د ط: روضة وغدير.
ط د: جعلت.
منها: سقطت من ط د.
قد مر هذا البيت ص: ٣١٤، وهو للمتنبي.
د ط: المجد.
ب: الصميم.
د ط: بحرك وبرك.
د ط: كفؤ.
ب م: الذل.
النفح: وثنى.
هذا البيت والذي يليه وردا في النفح ٤: ١٥٦.
ط: لذكرك.
ط د: بفخرك.
ب م: ووداد.
ط د: وفلان وافاني.
ط د: علمت.
ط د: قال.
انظر بعض ابياتها في النفح ٤: ١٥٦.
ب م: ظنين.
د ط: لديك الجون.
د ط: جراه لي؛ ب م: اعدى بما يعدى.
ب: ألذ.
ط د: لي.
ط د: فلاحظني - وكلمني.
ط د: ومن مرثية له في ام معز الدولة.
م: حفيل.
ط د: والزمان.
د ط: ينضى.
انظر الجذوة: ٣٧٨ (بغية الملتمس رقم: ١٥٤٦) والمغرب ٢: ٣٣ والخريدة ٢: ١٢ والمسالك ١١: ٤٤٧ والنفح ٣: ٣٦٣، ٤٢٣ والتكملة رقم ١٦٩٠؛ واسمه عبد الملك بن غصن الخشني من اهل وادي الحجارة، لقي ابا الوليد يونس بن عبد الله القاضي وحدث عنه بمقالة حنش الصنعاني في قرطبة، وكان فقيها اديبا شاعرا صاحب منظزم ومنثور؛ وكانت وفاته بغرناطة سنة ٤٥٤.
د ط: وقته.
ترجم ابن سعيد في المغرب ٢: ٣٠ لمن اسمه عبد الملك بن حصن وقال انه كان من اعيان الوزراء واعلام الكتاب والشعراء، وذكر انه هو الذي سجنه المأمون حتى تخلصه ابن هود من يديه؛ ويعتقد الدكتور شوقي ضيف محقق المغرب ان هناك خلطا بين عبد الملك بن غصن الحجاري، وعبد الملك بن حصن، وان هذا الخلط وقع فيه ابن بسام وابن الابار (التكملة رقم: ١٦٩٠) وصاحب النفح؛ وانا استبعد ذلك، فان ابن الابار لم يقل انه كان وزيرا للمأمون وانما قال " وامتحن ب
[ ٥ / ٥٣١ ]
ليلى الاخليلية؛ وابو حزام العكلي شعره عويص.
ديوان ابن هانئ: ٢٢.
الديوان: وسحت؛ د ط: ومجت.
الديوان: ووكرك.
الديوان: العدل.
ط د س: رجع وقال ادريس؛ وورد منها بيتان في مسالك الابصار.
ط د س: محاسنا؛ ب م: يرقاه؛ د: ترقاه؛ واليرنأ واليرناء: الحناء.
ط د س: فاء.
ب م: الحول.
ط د: يد.
ب م: على سودا - اورق؛ المسالك: على متردى؛ وسقط البيت من ط د.
ط د: وله من اخرى؛ س: وقال من أخرى.
ط د س: من كثب.
ب م: ازوره؛ د ط: اردده.
ب م: الزمان.
ب م: موضوءة؛ وسقط البيت من ط د س.
ورد منها بيتان في المسالك.
ط د: قلبي وعيني.
ط د، تلمع.
د ط س: وهي.
ديوان التهامي: ٤٩.
ديوان قيس بن الخطيم: ٤١، وانظر التعليق على هذا البيت: ٢٠٣ في الديوان.
البيت من الحماسية رقم: ١٤ ص: ١٠٨ في شرح المرزوقي، وهي تنسب الى بشامة بن حزن، ونهشل بن حري، وبعض بني قيس بن ثعلبة.
ب م ط د: درت.
الواغل: المتطفل على الشراب.
شروح السقط: ١١١٣.
ورد منها في المسالك ١١ بيتا، وسقطت من ط د س وهي وما بعدها حتى نهاة الترجمة.
ب م: الليل، والتصويب عن المسالك.
ب م: المراح.
ب م: لمرتد.
عبد العزيز بن محمد بن ارقم النميري الوادياشي، سكن المرية، وأقام بدانية مدة عند اقبال الدولة علي بن مجاهد ثم صار الى المعتصم محمد بن صمادح، وكان من وجوه رجاله ونبهاء اصحابه، وقد توجه عنه رسولا الى المعتمد بعد ٤٦٠، بصحبة ابي عبيد البكري والقاضي ابي بكر بن صاحب الاحباس؛ وله " الانوار في ضروب الاشعار " ثم اختصره وسماه " الاحداق "، توفي في امارة المعتمد بن عباد، (انظر التكملة رقم: ١٧٣٥ ونفح الطيب ٣: ٤٩٨ والقلائد: ٨) .
د ط س: ارباب.
د ط س: بديعة.
د ط س: وينسق في.
ورد بعض هذه الرسالة ص: ٢٤٥ منسوبا الى ابي عامر التاكرني، وذلك فيما يبدو وهم من ابن بسام؛ وقد وقع اختلاف في القراءة في المرجعين أشرت إلى بعضه، وأبقيت يعضا منه كما هو.
ط د س: الأيام.
س: الانفصال والإنعام.
ط د س: إني.
ب م: افتتح؛ ط: ابتلج.
ب م: نائي.
وردت قبل: ليعلم؛ ب م: ليعمر.
ب م ط: ليطمس.
س: لتروح.
ط د: الانفلال.
ب م ط د س: جليلة.
ب م: تقابل -.تسامت - تنال.
مرت قبلا: " ضئيلة ".
ط د س: وشريعتي.
ب م: استند.
ب م: نائي.
ط د س: العدو.
ط د س: افل قائدهم؛ ط وخ بهامش س: بل أفل.
ط د س: يضره.
ب م: عصبه.
من المثل: " زاحم بعود او دع " (الميداني ١: ٢١٦) أي لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة.
ط د س: ولما رغب ان توطئه - الخ؛ وفي ب م: تطويه.
ط د س: التماحا.
ط د س: المجنب.
ب م: الندى.
س: للمصاحب.
ب م: جوده.
ط: فالضياع؛ س: فالضمانة.
د ط س: لابنه.
ط د س: برقعة قال فيها.
ب م: ويسبح في محاسن ربه.
ب م: وأخذ ناظري.
ب م: حكاه.
ط د س: وسدد.
س: خلال؛ ط د: خجلة.
ب م: فكأن.
عجز بيت للمتنبي، وصدره: لعل عتبك محمود عواقبه.
ط: تعلق.
ط د س: ولا بأنه قد ولج له؛ ب م: ولا بأنه أبه قد وبه له.
ط د س: وطار غباوة غفلته.
د ط س: حفيره.
د ط س: وحل بطائر؛ ب م: الاحسان.
د ط س: وسما بصره حتى رماه.
د ط س: كربا.
اشارة الى المثل: " ان الشقي وافد البراجم " (فصل المقال: ٤٥٤) .
ب م: وندايته؛ ط د س: وتدانيه منه الآخر.
ط د: وتنقله.
ب م: بارسطاليس.
ط د س: والقعقعة.
ب م: والسعر.
ب م: قاطو اغورياس.
ط س: وبار أرمينياس.
د ط: ثمره وزهراته.
ط د: ارميت.
ب م: ووارثه.
ب م: برسومه.
ط د: مغنى؛ س: مغنا.
د: وبقلا؛ س: وثهلان.
ب م: موضع شرفه.
د ط: الفقهاء.
نص الحديث (البخاري، باب العلم:٣٤) ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا؛ وانظر صحيح البخاري، باب الاعتصام: ٧.
د ط س: تبينت - المراس.
ط د س: اسود.
ط د س: منضود.
ب م: شرفاتها - عرصاتها - منها؛ ط د س: علي منهم.
ب م: يد لسان.
ط س د: حتى عرضت.
لطرفة بن العبد (او كليب)؛ انظر فصل المقال: ٣٦٤ - ٣٦٥.
ط د س: غير نفيس.
س: لنا
انظر اللسان (جعر)؛ وجعار: الضبع، وفي رواية البيت: لم يشهد القوم، وانظر الميدان ١: ٣١٠ تحت المثل " عيثي جعار؛ ط د وخ في هامش س: حاضره.
ط د س: سؤال ابن سيده أبي الحسن فلم يفكر في العواقب.
البيتان للأخطل التغلبي، ديوانه: ١٣٢.
ب م: العقاب المنشور؛ وفي التكملة: عتاب المتسور.
د ط س: سبيل.
ديوان بشار (جمع العلوي): ٩٨، وورد البيتان في الموشح: ٣٨٥ والأغاني ٣: ٢٠٤ وفي كليهما " تحدثت عن " مع أن مواضع الشاهد في ما يورده أبو الأصبغ.
ط د وخ بهامش س: سألتك.
ب م س: تحفيته.
ديوانه ٢: ٥٥.
الديوان: بمحبر.
يبدو ان في هذا الرأي بعض استناد الى رأي ابن حزم الظاهري حيث يقول، ومما احدثه اهل الإسلام في اسماء الله ﷿ " القديم " وهذا لا يجوز البتة، لانه لم يصح به نص البتة، ولا يجوز ان يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفس (الفصل ٢: ١٥١ - ١٥٢) وابن حزم يرى ان اسماء الله مثل قدير وسميع وبصير، غير مشتقة، ولكنه لم يقل شيئا من هذا في الصفات على وزن فاعل كما قال ابن سيده.
ديوان العجاج ١: ٤٢١، قال الشارح: ولا يقال: الله ارتاح، ولكنه اعرابي مجنون جلف جاف.
ديوان القطامي: ١١١.
اللسان والتاج (خدلج) وديوان المعاني ١: ٢٢٥.
الخدلج: العظيم الساقين.
ط د: لابتعاثنا.
انظر معجم المرزباني: ٧٨.
سقط من ب م وزدناه من معجم المرزباني، والابيات لم ترد في د ط س.
هو ابو نخيلة السعدي وقبله: دستية لم تأكل المرقتا (انظر اللسان والتاج مادة " فستق ") .
د ط س: آخر؛ والشاعر هو عقفان بن قيس بن عاصم اليربوعي، شاعر جاهلي، وصدر البيت: سأمنعها او سوف اجعل امرها؛ انظر السمط: ٧٤٦ والجمهرة ٣: ٤٩٠ وامال القالي: ٢: ١٢١ والصناعتين: ٣٠١ واسرار البلاغة: ٣٧ واستوفى هنالك تخريجه فراجعه.
شرح ديوان زهير: ٧٦.
الديوان: فلم يصلح لكم.
في ب م ط د س: قد جاءكم موعظة من ربكم. وقد جاءكم البينات، وليست الآيتان كذلك فالاولى قد جاءتكم موعظة، وليس فيها الشاهد المراد؛ والثانية ليست آية، ولذلك ابحت لنفسي تغيير هذا كله، فابقاء ذلك في المتن لا يجوز، وهذا نوع من الخطأ غريب.
ورد غير منسوب عند سيبويه ٢: ١٧٤ وانظر الخصائص ٢: ٤١٧ والخزانة ٣: ٣١٢
ديوانه: ١٢٦ وانظر سيبويه ٢، ١٨١ والعيني ٤: ٤٨٣ والخزانة ٣: ٣١٢.
ديوانه: ٤٦٧ (اعتمادا على الذخيرة دون أي مصدر آخر) .
ب م: هي حلية الرجال والنساء.
ب م: يا لهذه الطريقة والمنازع الفظيعة.
شدي على نفسك ازارك، في مسند احمد ٦: ٦٥، ٩١، ١٨٥.
صدر البيت: الا أبلغ أبا حفص رسولا؛ والشعر لرجل من الانصار لرجل من الانصار، العقد ٢: ٤٦٣.
صدره: النازلون بكل معترك؛ والشعر للخرنق بنت هفان ترثي زوجها عمرو بن مرئد وابنها علقمة واخويه حسان وشرحبيل. انظر امالي القالي ٢: ١٥٤ والسمط: ٥٤٨، ٧٨٠ والخزانة ٢: ٣٠٦ والعيني ٣: ٦٠٢ واللسان (نضر) .
ديوانه: ٩٦٩.
ب م: كرك؛ د ط وخ بهامش س: حرة؛ د ط س: وخلاخله.
ديوان الخنساء: ٣١، وصدر البيت " فذلك في الجد مكروهه ".
بهامش س أنه مما أنشده ابن دريد، ولكن لم يعين قائله.
انظر امالي القالي ١: ٢٤٥ والعيني ٢: ٤٧ والشعر والشعراء: ٣٦٢ والحماسة رقم: ٦٩٩ (المرزوقي) والتبريزي: ٤: ٧٧.
الاغاني ١٠: ٣٣٠.
عجز بيت الفرزدق، يرد صدره فيما يلي؛ انظر سيبويه ١: ٣٠٥ والعيني ٢: ٣٥٥ والخزانة ٢: ١٠٢ وشرح شواهد الكشاف: ١١٣.
ط د: تسوغ له " توشحا " لقالها.
شرح اشعار الهذليين ١: ٣٨.
البيتان في الحيوان ٦: ٤٢٥ والبيتان ٣: ٢٤٦.
الحيوان: تركت الركاب لأربابها واجهدت نفسي.
د ط س: بياني؛ م ب: لحييه.
البيت لابي تمام، ديوانه ٤: ٤٢.
اشار في ب م الى ان هذه العبارة آية قرآنية، وليست كذلك.
ب م: ابوء به؛ ط د: ابوا به، فأما أبؤو فانها لغة في أبأى، أي ارفعه عن ذلك.
فرشه: سقطت من ط د.
جاء في مقدمة الجزء الثاني من البيان " الذين كانوا مصابيح الظلام وقادة هذه الايام وملح الأرض وحلي الدنيا "؛ ولم يقرن هنا بين لفظتي " القادة " و" الذادة " فلعل ابن أرقم يشير الى ورودهما في موضع آخر.
القداميس: جمع قدموس وهوالسيد؛ ب م: القراميس؛ ط د س: السراة.
ط د س: وحوى هذا التسور يا ابا الحسن - الخ.
البيت للفرزدق، ديوانه ٧١ وانظر فصل المقال: ٣٦٢ والمعاني الكبير: ٨٧٦، ١٢٠٩ وروايته: تحت الثرى تستثيرها.
الأبيات للمتنبي، ديوانه: ٣٣٤.
هذه العبارة مبنية على الافراد في د ط س: وشان ببعره، - وبحجمه - وكان كلامه - الخ.
ليس في قراءة هذه الآية خلاف بين القراء، ولم اجد فيها لابن عامر انفرادا وإنما جاء قبلها " ومكر الشيء " وقرأها حمزة ساكنة الهمزة، (انظر كتاب السبعة: ٥٣٥) وقد دافع عنه ابو الفارسي كثيرا في ذلك.
قراءة ابي عمرو " برق " بكسر الراء، وقرأ ابان ونافع عن عاصم بفتحها (انظر كتاب السبعة: ٦٦١) .
يعني قراءته " اطهر " بفتح الراء، انظر المحتسب ١: ٣٢٥.
ذكر في اللسان أن المضارع من قنط تكون عينه مكسورة ومضمونة ومفتوحة.
سورة الشعراء: ٢٢١.
شبيه لما في البيان ٢: ٦.
البيتان لحمزة بن بيض، انظر الميداني ١: ٣١١ والمثل " على أهلها تجني براقش ".
د ط س: على راي.
د ط س: بتزيد.
ط د س: والمحدود -. والمنجوه.
د ط س: في استخراج ذلك فأحس بالمكواة.
فصل المقال: ٤٣٢ " قد يضرط العير -. " والميداني ٢: ٢٨ والعسكري ٢: ١١٧.
ط د س: فلاذ.
ب م: مخمورا.
ب م: القرض.
ط د س: تلك.
ط د س: وتكثير.
يعني أنها تنم عن أنها عمل مؤدب الصبيان.
ب م: بهذيات؛ وسقطت من ط د س.
لم يرد هذا القسم كله في د ط س.
ب م: خضيب خطيب.
الارعاظ: السهام؛ وكسر عليه ارعاظ النبل: اشتد غضبه عليه، وهذا مثل، انظر الميداني ١: ٢٤.
كان حق هذه اللفظة أن تصبح " فيا عاذلي " أو " فيا لائمي " ليطرد ما يبنيه ابن ارقم في ما يلي.
ديوانه: ٢٤٢.
ديوانه: ٩٩.
البيت في البيتان ١: ١٠ وهو لعروة بن الورد، ديوانه: ١٠١ وورد في الحماسة: ١٧١٩ لعتبة بن بجير، وقيل انه لمسكين الدارمي وفي الأغاني ١٣: ٦٧ انه للعجيز السلولي.
د ط س: السلطانية.
هي الرسالة التي تعقبه فيها ابن سيده؛ ويقول ابن الابار في التكملة إنها وجهت الى صاحب مصر سنة ٤٥٢.
د ط س: لبرد.
د ط س: ادخرها.
د ط س: الشأو.
د ط س: والانفصال.
د ط س: أم.
ط س: لبيدة؛ د: لبيد.
ط د س: حمل.
ب م: نظمه.
هبذ وهابذ: أسرع في الطيران.
م: جنبا؛ وهي غير واضحة في ب.
م ب: لدن.
د ط س: وتطرد علي.
ط د س: الأدهر.
ط د س: وقلدت - وضمنها.
ب م: والمنتهى.
د ط س: يتصرف.
د ط: وضمن الحملة (د: الحبلة) حديثا؛ س: وضمن الجملة حربيا؛ وهو الصواب.
د ط س: النية.
م: وسط؛ ب: وسك.
ط د س: وقد كان لأبي.
ط د س: شرافات.
ط د: وفتحت - سببا.
ط د س: لايراد إهماله الحاجات.
ط د س: لغرائبه.
ط د س: ومنتهضون.
ط د س: كتائبه.
ط د س: مات.
د ط س: رقموا النجوم اصرعوها.
بداية هذه الفقرة في د ط: ولم يكن ليقرع بابا - الخ.
ب: باناختها؛ ط د س: باجابتها.
د ط: وخص.
د ط س: فندب - وصفوة الظهراء فلانا مضمنا - الخ.
د: ينزل به منزله؛ ط: مزل به مزل؛ س: مذل.
ط د س: الادنى.
د ط س: العجمة.
د ط س: وتحفة.
د ط س: وتغشيه أقمارها.
د ط س: والزمن.
د ط س: كمية.
ب: ولا سيرت غده؛ د ط س: شربت.
ط د س: الوزير بها.
ط د س: المظلمات.
ط: فمررت.
د ط س: بمداخلتها.
ط د س: وتوفير.
ب م: من.
ط د س: الخشنة.
ط د س: بمحادثة.
ط د س: وأمره محمول على - الخ.
ط د س: الطاعة.
ط د س: والمعاملة.
ط د س: الأفلاك.
ط د س: بما.
س: ورويت، د ط: ووريت.
ط د س: وكادت تثمر - الشمس.
السمار: اللبن المشوب.
القلائد: ١٣٢ والنفح ٣: ٤٩٩ والخريدة ٢: ٣٩٨، وسقط هذا الفصل كله من د ط س، ولم يشر ابن بسام في فهرست كتابه الى انه سيترجم له، وقد زاد ما هنا عما في القلائد، فاذا حكمنا أن هذه الترجمة دخيلة فمعنى ذلك ان الذي أدرجها هنا اعتمد على القلائد ومصدر آخر؛ وفي ط د س: وابنه أبو عامر بجهة المرية ناظم ناثر، ولم يقع إلي ما أجعله سببا لذكره؛ ١ هـ.
هذه القصيدة في مدح الامير المرابطي عبد الله بن مزدلي.
القلائد والخريدة: برا يوم.
ب م: مردلى ولى له كان تدفعه.
ب م: لكما؛ القلائد: لهم، والتصويب عن الخريدة.
القلائد والخريدة: وكتب شافعا لرجل يعرف بالزريزير.
القلائد: وشهابي.
ب م: موصلة.
الكرواء: الساق الدقيقة؛ الخذواء: الأذن المسترخية؛ ب م: كوراء - لحدواد؛ القلائد: كدواء - بجذواء.
الفور: الظباء، والكافور هنا كناية عن الثلج؛ والصرد: طائر فوق العصفور، والصرد: البرد.
زيادة من القلائد.
ب م: الأدب.
الاهذاب: الاسراع.
عجز البيت: لم يستطع صولة البزل القناعيس؛ وهو لجرير كما في اللسان (قنعس) وانظر ديوانه: ٢٥٩ (ط. صادر) .
الزبير بن عمر احد ولاة المرابطين بالاندلس، ولي قرطبة، وفي سنة ٥٢٦ امر علي بن يوسف باضافة ولاية قرطبة الى تاشفين وتحويل الزبير الى غرناطة (المغرب ٤: ٨٧) ومن ثم عدة ابن سعيد (المغرب ٢: ١٢٧) صاحب قرطبة كما عده صاحب مفاخر البربر (٨٢) من ولاة غرناطة، لأنه ولي البلدين، وهو صاحب منية الزبير (نفح الطيب ١: ٤٧١) وللشاعر ابي بكر ابن الابيض اهاج فيه (النفح ٣: ٤٨٩ - ٤٩٠) وقال فيه ابو بكر الصيرفي مؤرخ دولة المرابطين " ندوة الزمان كرما وبسالة وحزما واصالة " (الاحاطة ١: ٤٥٨) .
ب: فبدى.
ب م: واعتاد العز الذبول -. واعتاد بعد ذاك النقص.
ب م: ولفاتني.
تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين: احد رجالات المرابطين شجاعة وبلاء في الأندلس وزهدا وصلاحا، ولاه ابوه على امارة غرناطة والمرية سنة ٥٢٣ ثم اضاف اليهما قرطبة، فكانت له معارك في الجهاد مشهورة، ولما توفي ابوه سنة ٥٣٧ خلفه في امره المسلمين، وقد خاض الحروب ضد الموحدين، ولقي مصرعه سنة ٥٣٩ (انظر الاحاطة ١: ٤٥٦ والمغرب ٤: ٧٩ وما بعدها) .
من اهل قرطبة وسكن بلنسية، انضم الى المأمون صاحب طليطلة بعد انفصاله عن المنصور عبد العزيز بن ابي عامر، وقد انتفع به الناس في وزارته لدينه وسكون طائره وسلامة باطنه وظاهره، وكانت وفاته ببلنسية ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة ٤٥٨ ودفن يوم الثلاثاء بعده، ذكره ابن حيان وأطال في الثناء عليه (انظر التكملة رقم: ١٥٥٥ وذكره صاحب النفح ٣: ٥٥٩ ولكنه خلط بينه وبين ابي مروان عبد الملك بن مثنى، وهذا الثاني ترجم له في المطمح: ٣٠) .
د ط س: محمد بن صبغون.
د ط س: قلد.
قال - حيان: سقطت من ط د س.
ط د س: محمد.
ب م: بقرطبة.
د ط س: ثلاث.
ترجم له ابن بسام في القسم الرابع من الذخيرة (المطبوعة ٤/١: ٦٧) .
د ط س: درجة.
الاروية: الحبال، المفرد: رواء.
د ط س: وصرف نوائب.
لم ترد هذه الزيادة في س.
د ط س: محاسنه.
ب م: فاخرت.
ب م: فراحا.
د ط س: الفضل.
د ط س: والأدب.
ط د: الأمانة.
د ط س: مطالعة.
د ط س: بالتشتيت.
ط س: بمبغاه.
د ط س: سهره.
ب م: العزم.
د ط: استقل.
من قول المتنبي:
وضاقت خطة فخلصت منها خلوص الخمر من نسيج الفدام
ب م: فيها.
د ط س: عظيم.
ب م: رغبا.
ط س: وأدجت.
د ط س: واقيم صعري.
ب: المايابة.
د ط س: برقعة منها.
د ط س: الاقسام.
البيت لابي تمام، ديوانه: ٣٥٥.
ط د: فتصوب.
د ط س: وعاه.
د ط س: ومآخذ الفضائل.
ط: وغمر.
د ط س: نزقت.
ط د س: خطرك.
د ط: وحلاه.
من قول الحرمازي: داهية وصماء الغبر؛ راجع المعاني الكبير: ٦٧١ واللسان (غبر) وفصل المقال: ١٤١؛ والغبر: الماء الذي قد غبر زمانا غير مورود ولا يقربه احد من اجل تلك الصماء وهي الحية.
د ط س: سمع طفل منا.
د ط س: ولا خامر رضيعنا في مهده.
د ط س: وعامل طبقاتهم.
ط د س: فالذكاء مه هذا منه - الخ.
د ط س: وأما عامتنا بعد.
ب م د ط س: وصحت الحيلة والحال.
ب م: اقرعتها؛ د ط: فزعتنا هذا التفريع وردعتنا؛ س: أفزعتها - التفريع.
ب م: بالنكوص.
ب م: قد نادى.
ط د س: أشد.
ط د س: مقال إلى.
من قول الأعشى:
فقال ثكل وغدر أنت بينهما فاختر وما فيهما حظ لمختار
ب م: الخافي؛ ط د س: الجاني.
تلخصت هذه الفقرة من أولها في د ط س: فجاءت: وقد وقفت على ما وصفته من الاسنتباذ - الخ؛ وصدرت ب " وفي فصل ".
ب م: الايام.
د: الزمان.
اذا أصاب الرجل عند صاحبه افضل ما يريد من الخير والخصب قالوا: وجد ثمرة الغراب وذلك ان الغراب إنما يبتغي من الثمر اجوده وأنضجه لقرب تناوله عليه في رءوس النخل (ثمار القلوب: ٤٦٣) .
د ط س: بما اغبطتني - وأبهجتني.
ب م: وانتظرت.
من قول المتنبي:
فلو أني استطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتى أراكا
ذكر ابن القلاس (بالفاء) عرضا في المغرب ١: ٣٦٣ والنفح ١: ١٨٦ وقال المقري: وبنو الفلاس من اعيان حضرة بطليموس؛ ولا لبس في قراءة القاف بحسب الكتابة المغربية والاندلسية، والقلاس هو صانع القلانس، ولعل هذا هو الصواب في الاسم.
ب م: وكان من عليه -. ايضا.
د ط س: فصول.
لم يرد هذا العنوان في د ط س.
د ط س: المنة.
د ط س: مشتوت.
د ط س: قمنا.
ب م: زنده - حده.
د ط س: استنجحت في الامر بركة - الخ.
د ط س: رأيه.
د ط س: بنعمة.
د ط: وله من أخرى.
ب م: يحدث؛ ط د س: بها.
د ط س: ميثاقا.
د ط س: وهدت من الكفر.
ب م: والغريب البعيد.
ب م: وفي فصل منها.
د ط س: وكان يحسن.
ب م: تستوي.
ط س: وبلفظه.
ب م: أجلاه.
د ط س: مد الأطناب.
م: حذر وبها خبر، ب: جدر.. خبر.
هذا الفصل لم يرد في د ط س؛ قلت: وكان لسليمان بن هود خمسة ابناء قسم عليهم بلاده في حياته فولى احمد مدينة سرقسطة ويوسف لاردة ومحمدا قلعة ايوب ولبا مدينة وشقة والمنذر مدينة تطيلو؛ فلم يزل احمد يحتال على اخوته حتى اخرج بعضهم من مواضعهم وسجنهم وكحل بعضهم بالنار؛ وامتنع منه يوسف حسام الدولة صاحب لاردة، فكره اهل الثغر احمد وصيروا امرهم الى ااخيه يوسف ولم يبق لأحمد إلا سرقسطة، ثم دارت الايام وعاد احمد فبسط سلطانه على عدة مدن وتضاءل شأن يوسف (البيان المغرب ٣: ٢٢٢ وما بعدها) .
من هنا تعود د ط س للأشتراك مع ب م، وصدر الفقرة: " وله من أخرى عنه إلى ابن جهور في خبر أخيه، قال فيها: وبعد - االخ ".
ب م: خلتها.
ط د س: البشاكسة؛ وهم جماعة البشكنس.
ب م: يريغ - البنية.
ط د س: باحتضان.
ط د س: في رمحيهما - سبق إلى مسك.
ط د س: ثوبه.
ط د س: فكان عذره ذلك.
ط د: لهمه.
انظر فصل المقال: ١٢٧، ٤٨٦ والميداني ٢:١٥٠ والعسكري ٢: ١٩٤.
في د ط س هنا زيادة تتصل ببعض ما قاله ابن حيان حول الخلاف بين الاخوين، وقد جاء فيها: " ووصف ابن حيان أيضا ذلك، وزاد في الحديث هنالك انه اختلط الفريقان - كالتي كانت من قبل ". وقد تقدم هذا فلم أثبته هنا.
داني ترجم له ابن سعيد، انظر المغرب ٢: ٤٠٥ والمسالك ٨: ٣٤٢، والفصول التي اختارها ابن بسام من رسائله تدل على انه كان رسولا الى بعض ملوك الطوائف عن إقبال الدولة بم مجاهد حين نازعه المقتدر احد الحصون.
د ط س: ابن اغلب صاحب (ط: حاجب) ميورقة؛ ويذكر ابن خلدون ان مجاهدا وابنه عليا جعلا اغلب على ميورقة، وكان اغلب مولى مجاهد، وكان صاحب غزو وجهاد في البحر، ثم تخلى عن ولايته ايام علي إقبال الدولة فولي الجزيرة سليمان بن مشكيان ثم بشر ابن سليمان الملقب ناصر الدولة (ابن خلدون ٤: ١٦٤ - ١٦٥)؛ وقد نقل ابن سعيد بعض هذه الرسالة في المغرب.
ط د س: أكاتبك.
من قول المجنون:
اصلي فما ادري اذا ما ذكرتها اثنتين صليت الضحى ام ثمانيا
وفي فصل: لم ترد في ط د س.
ب م: زماني.
ط د س: قلة.
من المثل: مع الخواطري سهم صائب، فصل المقال: ٤٣ والميداني ٢: ١٥٥ والعسكري ٢: ٢٢١.
نصفها: سقطت من ط د س.
ط د: او ضعفها.
انظر الآية: ١٧ من سورة المزمل.
ط د س: واصخ.
ب م: يلهج.
انظر الآية: ١٩ من سورة البقرة.
انظر الآية: ١٧ من سورة البلد.
ب م: بصمار.
انظر الآية ٤، ٥ من سورة الفيل.
ط د س: فلم نشك في.
انظر الآيات ٢٦، ٢٧، ٢٩ من سورة القيامة.
د ط س: العمل بنيتي.
ب م: المدينة.
د ط س: الكدا.
ب م: قطعه.
من قول المعري (شروح السقط: ٧٣٤) من رواية البطليموسي:
وسألت كم بين العقيق الى الحمى فجزعت من بعد المدى المتطاول
وعذرت طيفك في الجفاء لأنه يسري فيصبح دوننا بمراحل
ط د س: ولجت بك.
ط د س: خل.
د ط س: منفردة.
ب م: لو كان أمرها.
د ط س: هيئة.
بم: الحيل المنيل؛ والمنيل من اللاتينية nigellum أي المرصع أي المزخرف (انظر ملحق دوزي)؛ أما " الحيل " حسب قراءة ب م فيمكن ربطها بلفظة " محيل " التي اوردها القلعي (الكهالا) في معجمه بمعنى مصنوع او صناعي (انظر ملحق دوزي ١: ٣٤٢) .
من قول امرئ القيس (ديوانه: ١٧) -.
وكشح لطيف كالجديل مخصر وساق كأنبوب السقي المذلل
والأنبوب هنا ساق البردي، والسقي: البردي الناعم، والمذلل: الذي جمعت اطرافه ليجنى.
د ط: ملبسها.
ب م: وتروق.
د ط س: انطق الحصى.
الأنبياء: ٦٩ قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم.
المشتبه: الذي لم يصح تحريمه بوجه قاطع، ولكن يمكن فيه التأول.
المزر: نبيذ الذرة؛ الدوشاب: نبيذ التمر او الدبس، وقال السمعاني انه الدبس بالعربية؛ (انظر شفاء الغليل: ٨٧) .
الأزاذ: نوع من التمر، والداذ لعله الداذي أو الذاذي وهو نبت يعمل منه شراب مسكر.
البيت لابن الرومي، ديوانه ١: ٥٧٦ (١: ٣٤٠ تحقيق نصار)، وفي ط د س: بازيا وغرابا.
الخسروان: كذا هنا، والمعروف الخسرواني وهو الحرير الرقيق الحسن الصنعة (المعرب ١٣٥) .
د ط س: قطعة من الخسروان لازوردية الحرير، أما لفظة الحرير فيبدو انها مقحمة لشرح لفظة " خسرواني "، والأصوب حذفها.
ط د: وقرن؛ ب م: وقبب.
ب م: وحمام.
ط د: شربي.
س: وتضييعي؛ ب م: الخمس.
ط د س: كان.
ط د: مديد الكيذان؛ ب م: غرير الكران.
ب: فانقلبت.
ط د: فانقلبت.
ب م: كما.
ب: اعلى.
ب م: نشرب - لا تجرب بالحسام.
ط د س: نعد.
ط د: وقلت.
يشير الى قول امرئ القيس: (ديوانه: ٣١):
نظرت اليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفال
ط د س: رحلت.
ط د س: فصادرتنا.
ط د س: الثلوج.
يستعير بعض قول المتنبي:
كم قد دفنت وكم قدمت عندكم ثم انتفضت فزال القبر والكفن
ط د س: عذابا.
ط د س: ولولا.
ب م: الشيء؛ ط د س: عن فلانة؛ وألش: (بتسكين اللام) بينها بين أوريولة خمسة عشر ميلا، ومنها إلى لقنت مثل ذلك (الروض االمعطار: ٣١) .
ط د س: علينا.
ناظر الى الآية " قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء " (هود: ٤٣) .
س: هدبة؛ ط د س: السري.
انظر الآية: ١٤٣ من سورة الأعراف.
ب م: فانخر.
ب م: والعوذة.
ب م: لصعقنا صعقة؛ ط د س: لضغطنا القبر.
ط د س: ونالنا الغفر.
ط د س: الذعر.
د ط س: وما سقط.
ط د س: الخيل.
انظر الآية: ٢٠ - ٢١من سورة المعارج.
ب م: هنيئا.
انظر الآية: ٧٨ من سورة الأنعام.
ط د س: مدن.
د: أفرح.
ب م: بنت الرسالة.
ب ن: فخرج إلي الأمير - والوزير؛ ط س: فخرج إلي الوزير الجوهري.
اشارة الى المثل " لا عطر بعد عروس "، فصل المقال: ٤٢٧ والميداني ٢: ١٠٨.
ب م: بريها، ولعلها " برهها " أي بضاضتها وترارتها.
المسيس: كناية عن النكاح.
ط س: عفت.
ط د س: المتنزه العبدرحماني.
ط د س: بالشبه.
ط د س: فقيل.
ط د س: يسكنون.
انظر الآية: ٨٨ من سورة الصافات.
ط س: خذلا.
ب م: ارسلتها.
س: ومرقبة إلى مرقبة.
ب م: والعقر؛ د س: والفلق.
ط د س: مكاسير.
ط د: مناطيق؛ ب م للأعكان.
ب م: اطلقت.
ط د: بمحارم.
ط د س: والصالحين.
د: قصم، ولعل الصواب: " قضب "؛ ب م: لحنه.
ب م: القيامة.
باكرت الرحيل - فقلت: سقط كله من د ط س، وجاء في موضعه: ومن شعره.
ط د س: باسمة.
ط د س: خط.
س: ارتحلت.
ب م: بامتزاج.
ب م: عقدته.
ط د: يتوقع.
ط د س: حبيبا.
د: وانجادك؛ ط س: وايجازك.
ب م: ريان.
ط س: يومن.
ط د س: محلة.
ط د س: النفس.
ط د س: جزالة.
ط د س: طارقة.
ط س: حذق؛ ب م د: الغيوب.
البيت لأوس بن حجر، ديوانه: ٥٣.
ط د س: خلال ذلك.
ط د س: يواليها.
الأشابيل: يبدو أن اللفظة بهذه الصورة تفيد أنواعا من الشابل وهو السمك الذي يدعى بالفرنسية: alose وبالاسبانية: Sabalo ويقول ابن هشام إن صواب الكلمة " اشبول " (مجلة معهد المخطوطات ٣: ٢٩٣) وعلى هذا تكون " أشابيل " صيغة منتهى الجموع للمفرد " أشبول ".
ط د س: مثنية.
ط د: وغرائب.
ط س: تعدم.
ط د س: فجلت.
يذكر ابن الأبار (التحفة: ٦١) أن بيت بني جرج من بيوتات قرطبة النبيهة، وأن من البيرة؛ وقد ترجم لأبي جعفر عبد الله بن محمد منهم (- ٥٧٥)؛ وهناك ابو جعفر ثان اسمه أحمد بن عتيق بن جرح الذهبي؛ وهو نتأخر الوفاة (- ٦٠١)؛ وابو جعفر المترجم به هنا، كان وزيرا لابن عمار لما ثار بمرسية، انظر المغرب ٢: ٣٠٥ والمسالك ١١: ٤٤٩ (وكلاهما ينقل عن الذخيرة) .
ط د س: بديعة.
ط د س: نثره ونظمه -. عن علمه.
المغرب: اعقب الله منها السلامة والسلام.
ب: تغيث؛ م: تعبث؛ د: تعنت.
ط د: آلم.
ط د س: وما.
ط د س: عيث.
ط د س: لم يكن.
ط د س: ذمارك، وكذلك في المغرب؛ ب م: ذراك وحرس علاك.
ب م: اغترار.
المغرب: متنصلا مما اقترف، متأسفا على ما سلف؛ ط د س: مبقية؛ د: منفية على ما أجرمت.
ط د: الدوار.
المغرب: إلا لأمر واختيار.
المغرب: مشرق الانوار.
د ط س: الأثواب.
د ط س: ولا بؤس ولا عرض من أعراض الدنيا.
عجز بيت للمتنبي، وصدره: إذا نلت منك الود فالمال هين.
د ط س: عن خطوبه عن.
قصير بن سعد اللخمي الذي وفى لجذيمة وجدع أنفه واحتال على الزبا، حتى أخذ بثأر جذيمة مع عمرو بن عدي؛ (انظر صفحات متفرقة من فصل المقال) .
ب م: تحكما.
ط د س: من الأجر.
ط د س: كيف.
ب م: فجاوبه ابو جعفر بن جرج؛ قلت: وذلك قول غير دقيق.
الضريم: الحريق أو شيء أضرمت به النار؛ د ط س: الغريم؛ ب م: العريم؛ والجزل: الغليظ الشديد.
ب م: يدار على.
منها بيتان في المسالك.
وردت هذه الأبيات في المسالك.
ط د س: بالمراقب.
المسالك: خطوا.
س والمسالك: منزل.
ط د س: مرتفعا.
ط د س: الشعر.
ب م: حيات.
منها بيتان في المسالك.
ط د س: يرقع.
وردا في المسالك والمغرب.
المسالك: فما بعدوا عني ولا قربوا مني وقد قربوا؛ المغرب: فما بعدوا - ولا قربوا؛ ط د س: ولا قربوا.
انظر ديوان ابن شهيد: ٩٨.
ب م س: مجاور.
ط د: في اعتبار.
ط د: لحود.
ب م: تروي.
ب م: المفيد.
ورد بعضها في المغرب.
المغرب: مكاره.
ب م: انظار واظفار.
ب م: رأيا.
ب م: للساري.
ب م: حد - فصصى؛ ط: جر.
البطال: البين البطولة؛ النظار: الشهم الطامح الطرف، يوصف به الفرس؛ ط د س: وبطار.
حسداي بن يوسف بن حسداي: له ترجمة في المغرب ٢: ٤٤١ والمغرب: ١٩٦ والقلائد: ١٨٣ والخريدة ٢: ٤٨٠ (٣: ٤٦٠) وطبقات صاعد: ٧٧ وابن ابي اصيبعة ٢: ٥٠ ونفح الطيب ١: ٥٣٥، ٦٤٠ (نقلا عن القلائد) ٣: ٢٦٧، ٢٩٣، ٤٠١ وبدائع البدائة: ٣٦٧.
ب م: ابن رزين.
ب م: وكتابة.
س: صفة جملتها وكناية حملها.
انظر نفح الطيب ٣: ٤٠١.
ب م: صاحبه.
ب م: العيون.
ط د س: علم اللسان العربي.
ط د س: علق.
ط د س: في رقعة خاطب بها - قال فيها.
اورد بعضها صاحب المغرب.
ب م: ابتسام.
ط س: فأختص.
ط د: استوهب؛ المغرب: وبهر.
ب م: وقصور.
ط د س: المهر.
ب م: الممالك - الصعالك.
من قول تأبط شرا:
يظل بموماة ويمسي بغيرها جحيشا ويعروري ظهور المهالك
ط س: سابح.
ط س د: مايح.
م ب: بالحزم.
ط س: الأرومة.
ب م: ويوفقه؛ ط: ويوفقه.
ط د س: أيدك الله.
ط د س: فممدود.
ط دس: أنى.
ب م: في أني.
ط د س: بعض ولا ثلم؛ ب م: ببغض - بنقض.
ط د س: البعد.
العنقاء: أكمة فوق جبل مشرف؛ وفي النسخ أو باسومها.
ط س: معنى.
ط د س: أبقراط.
ب م: الأقصى.
شروح السقط: ٩٣٠.
ديوان ابي نواس: ٨٨، وروايته: حسن رسوم - وطيب نسيم.
س د ط: الحسن.
ط د س: الشمل.
ب م: جرعة.
لم يردا في ديوانه؛ والأول له في معجم البكري: ١٢٨٩؛ ط د: وقال الآخر.
ديوان الهذليين: ٩٥٦.
ب م: لأمر.
ب م: غير رأيه في نفسه؛ وهذا مأخوذ من قول سعد بن ناشب (شرح المرزوقي: ٧٤):
ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
ط: أحشاء.
ب م: بلقائك.
ب م: جدا.
ب م: موردا.
د ط: مطال.
م: وتقضي.
ط د س: فجئت (قرأ: فجاءت) .
ب م: ويوسعه.
ط د س: وهذا.
د ط: صدرت؛ س: الموانع.
د ط: عذره؛ س: غوره.
د ط س: توطأ لاتضاح؛ ب: توطا؛ ط: التناهج.
د ط: ويلوى؛ س: يروى ويعرف.
البيت في عيون الأخبار ١: ٢٣٤.
ب م: يفصح.
ط د س: الرحيل.
د ط س: افرجت.
د ط س: إمكان السعي.
أمجده بيانا: أوسعه وأتى بما كفى فضل؛ ط د: فأنجدني (حيث وقعت) .
ط د س: فقد بفضل الله أصبحت.
ب م: برعت - كريم.
ب م: الحمد.
ط د س: وتنثني بنفحات؛ ب: وتستنشق.
د: يديل السير؛ ط: يريل السر (دون إعجام)؛ س: تديل البر.
د ط س: العلى.
ط د س: وله من أخرى.
م: ونظمتها.
ط د س: عهده.
د ط س: لدنة.
ط د س: الأشخاص.
م: الهني؛ ب: النهي.
د ط س: ذهب.
د ط: كأنها.
ب: ومنتما.
الأسفرج (Esparrago) وهو الهليون، ويقال له أيضا بعجمية الأندلس: الاسفاراج، سفارج.
ب م: التراب.
د ط: والمبادرة إلى.
س: المقارضة.
إلى المقتدر: سقطت من د ط س.
ب م: طارية.
د ط: فإنما.
ط د س: جلد الترب (اقرأ: جلذ بمعنى جرذ) .
ط د س: ومحلت السنا.
ب م: العنوان على الجدود.
ط د س: من غير.
ط د س: بلغته.
ط د س: تحسن - عنوانا.
ط د س: والنوار.
ط د: الأنوار.
م: وترصع.
ط د س: فتنثني.
ط د س: جنات - جنات.
د: في استلام؛ ط س: في استلامة.
ط د س: وتذوي.
من قول المتنبي:
أزل حسد الحساد عني بكبتهم فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
من قول أبي نواس:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب
من قول الحارث بن وعلة (الحماسية: ٤٥ شرح المرزوقي):
وزعمتم أن لا حلوم لنا إن العصا قرعت لذي الحلم
ط د س: ويربي.
ط د س: وروح.
ط د: والبصر.
ط د س: موازنة.
ب م: وينقص.
افتتحت هذه الفقرة في د ط س بلفظتي: وفي فصل.
ط د س: وتعترض.
ط: بالقانية؛ س: بالعانية.
ط د س: إلى طبيب يلقب (ط: يلعب) .
البرذقون: لفظة تعني الفتى أو الشاب.
ط د س: أصيب باحدى.
ط د س: وأقابل له.
ب م: بعد ما - بحسب.
ب م: منتقصا.
ط د س: نسناس.
ط د س: بخرقة.
ب م: أشكو إلى.
ط د س: أستنشد.
البيت للنابغة الذبياني، ديوانه: ٣٤.
ب م: أكثر.
ط د: حدثنا.
لعل المقصود العقار الذي يسمى: غاريقون أو أغاريقون (من اليونانية؛ وباللاتينية (Agaricum وهو شيء أشهب يوجد في قلب شجرة الأرز (انظر تحفة الأحباب: ٤٥ ومفردات ابن البيطار: غاريقون) .
الدلاعة: البطيخة.
ط د: أخفيت لنا؛ س: أبرزت لنا، وبالهامش خ: أخفيت.
الدباءة: القرعة.
ب م: بادرته.
ط د س: يراه.
ط د: خصييك.
ب م: أنماها.
ب م: ويسوفان.
ب م: كالمبدأ.
ط د س: والأثقال تعلق.
ب م: السدا.
ط د س: يوزن.
س د: بسافوره؛ ط: بساموره.
ط د وخ بهامش س: زوجك.
ط د س: فيسبق.
فيه إشارة إلى قول الراجزة (الحماسية رقم: ٨٣٦):
كأن خصيتيه من تدلدل سحق جراب فيه ثنتا حنظل
ب م: مخدرة.
ب م: أغرت.
ناظر إلى قول المجنون (ديوانه: ٢٩٩) .
وإني لأستغشي وما بي نعسة لعل خيالا منك يلقى خياليا
من قول عمر (ديوانه: ٢١١):
وكن إذا أبصرنني أو سمعنني سعين فرقعن الكوى بالمحاجر
ب م: فتعالج الحجة - فتثبت بينة.
ب م د ط س: عصياني.
ب م: ظل.
ط د: جسمها.
ب م: إنسان.
م: حياة الحيوان.
قال الجاحظ (الحيوان ٧: ٢٤٨): والحمر والقبج ربما ألقحا الاناث إذا كانا على علاوة الريح.
ط د س: قبلها.
ط د س: بالفضائل.
م ب: اسقلينوس؛ وانظر ابن النديم: ٢٨٦.
كذا في ب م؛ وفي ط د وخ بهامش س: فصرت به مملكا؛ ولا ريب أن:تاسلاس " اسم لأحد أصحاب الحيل (علم الميكانيك) وأقرب الصور إليه:تاسلوس " وهو والد بقراط الرابع (الفهرست: ٢٩٣) ب م: فبصرت؛ س: فنصر.
ط د س: وغنيت بحمى.
هذا مثل؛ انظر فصل المقال: ٣٤٤ والميداني: ١٣٤.
ط د س: حسن.
س: فنلن.
ب م د ط س: في مشي.
البيت في ثمار القلوب: ٤٨٩ دون نسبة، وروايته: وكم عقعق قد رام.
د ط س: جلالك.
من أرجوزة أوردها القالي في أماليه ٢: ٢٨٥ ونسبها لأعرابي وقال النجيرمي: الرجز للأصمعي (انظر السمط: ٩٣٠)، وهي في الأصمعيات: لصخير بى عمير التميمي، وسماه في الجمهرة ٣: ١٣٠ صخر بن عمير، وفي اللسان (مرطل، ثمل، ضلل) صخر ابن عميرة أو ابن عمير أو صخر الغي؛ وزعم أبو حاتم أن الرجز ليس بقديم، كأنه يقول هو من كلام المولدين (التاج: قفا) .
قفي: تصغير قفا، وقد حذفت منه التاء؛ التتفلة: الأنثى من ولد الثعالب؛ والمرسن من الأنف: موضع الرسن.
ب م: وصدع الصلف.
ط د وخ بهامش س: بهرت وبرعت.
من الأقوال المشبهة لهذا: قد ينبح الكلب القمر فيلقم الحجر؛ ومنه أيضا: لا يضر السحاب نباح الكلاب (انظر التمثيل والمحاضرة: ٣٥٣، ٣٥٤) .
ط د س: استبد.
ب م: شرحي - بفرحي.
البردة: التخمة؛ وهذا حديث، انظر الفائق ١: ٨٤.
ط د س: يستحلون.
ط د س: افرادا.
البيت للمجنون، ديوانه: ٢٠٦ وروايته: من بين الوحوش.
م ب: ونالك مستضعف.
ط د: وبجبذه وكان ممدا؛ س: وانحيازه، خ بهامش س: وبجره.
ب م: عريت أعقاره؛ ط د س: عرفت.
ط د س: عبابه.
د ط س: وأردف أعجازها بهواديه؛ وفيه نظر إلى قول امرئ القيس: " وأردف أعجازا وناء بكلل ".
يقال في المثل: " أنجد من رأى حضنا "، وهذا يعني أن من في تهامة لا يستطيع رؤيته.
س: قطعة..؛ د ط: سحاب.
د ط س: يرمزون.
د ط س: موضع.
د ط: الفكر الصدوق.
قيطوس وتكتب أحيانا قيطس (Cetus)، لفظة يونانية تعني الحوت أو البلينه؛ وصورة قيطوس تشمل ٢٢ كوكبا منها كف الثريا االجذماء والضفدع الثاني (انظر: العلوم البحرية عند العرب ج ٣/١: ٢٠٩) .
ب م س: الشهر.
ب م: عربها.
بما حازت: سقطت من ط د؛ وفي ب م: بما جاورت.
د ط س: والجبل.
د ط س: نبأ.
د ط س: وتجبرت.
د ط س: وأحقهم بالبر؛ ب م: بأجر البر.
س: مقاصده.
د ط س: الأديب.
د ط: المعظم - المكرم.
د ط س: المقدم.
د ط س: بصعر.
م: والتسوغ؛ ط: والتسرع؛ ط د " في تمدحك؛ س: في مدحك.
د ط س: من جملة - في رسالة -
د ط س: وأنبت دوحا.
د ط س: وكتب إليه بعض إخوانه بهذه الأبيات.
الدياخيلون: مرهم ينفع من الجراحات ويحلل السلع والصلابات، ويتكون من نسب معلومة من لعاب بزر الكتان ولزر مر وبزر الخطمى وحلبة ومرداسنج (منهاج الدكان: ٨٩) .
ب م: ولا يكون.
الافسنتين (Absinthe) ويسمى أيضا شيبة العجوز والشيخ الرومي، وقد أطنب ابن البيطار في الحديث عن الشراب الذي يصنع منه (انظر المفردات ١: ٤١ - ٤٤ وتحفة الأحباب: ٤ وشرح أسماء العقار: ٤) .
لم ترد هذه اللفظة والتي تليها في د ط س.
ب م: لي.
ب م: مستنفذا.
ب م: كفى وأبو.
روطة: يطلق على غير موضع واحد بالأندلس، والمقصود هنا روطة الواقعة في الثغر الأعلى (Ruseda) وكانت من أعمال سرقسطة وهي تابعة اليوم لوشقة.
د ط س: فلما وصل أبو الفضل إلى منزله بعث إليه بما طلب وكتب معها.
د ط س: وهذا كقول بعض أهل عصرنا وهو أبو الحسن - الخ.
ترجم له ابن بسام في القسم الثاني من الذخيرة؛ وانظر المغرب ١: ٣٩٧ ومسالك الأبصار ٨: ٣٣٤.
ورد البيتان في المغرب ٢: ٤٤١.
زاد في س: وهو سيف الدولة؛ قلت: نسبها في اليتيمة ١: ٨ لسيف الدولة بن حمدان، وانظر ابن خلكان ٣؛ ٤٠٢ حيث ذكر أنها تنسب لأبي الصقر القبيسي؛ ووردت في غرائب التشبيهات: ٤٧ منسوبة لابن الرومي، قال: وهو الصحيح؛ وهي في ديوان ابن الرومي ٣: ٤٧٣ (ط. كامل كيلاني) .
إلى هنا ينتهي ما ورد في د ط س من ترجمة ابن حسداي ومن التذييل عليها ببعض أخبار المتنبي.
ترجم له ابن بسام في القسم الأول من الذخيرة (. مصر ١ - ٢: ٢٩٠) والأبيات هنالك ص: ٢٩٧؛ وانظر لمطمح: ٨٣ - ٨٤ والنفح ٤: ٥١١.
الاسفنط: ضرب من الأشربة، وورد في شعر الأعشى:
وكأن الخمر العتيق من الاسفنط ممزوجة بماء زلال
في القلائد: ١٨٤ وفي المصادر التي نقلت عنه (انظر الخريدة ٢: ٤٨٠ والنفح ١: ٦٤٠، ٣: ٢٩٤) أن هذا المطلع لابن حسداي نفسه، ويبدو أن صاحب القلائد قد خلط بين القصيدتين.
القلائد: بن سفيان.
زياد: النابغة الذبياني.
ب م: وكتب؛ والنص كما هو هنا ورد في القلائد، مع بعض إيجاز في الذخيرة.
زيادة من القلائد.
ب م: تحسر.
وردت الأبيات في القلائد والنفح ٣: ٢٦٧ والخريدة وبدائع البدائه: ٣٦٧ - ٣٦٨.
علق ابن ظافر على هذا البيت بقوله: قولة " نينان " غير معروف فإن نونا لم يجئ جمعها على نينان، وقد كان سيبويه خطأ بشار بن برد في قوله في وصف سفينة " تلاعب نينان البحور - " فغيره بشار " تيار البحور "؛ وفي بيت للمتنبي:
فهن مع السيدان في البر عسل وهن مع الحيتان في البحر عوم
جاءت لفظة " نينان " بدل " حيتان " في عدد من النسخ.
انظر الواحدي: ٥٥٢ والعكبري ٣: ٣٨٦.
الواحدي: ٤٩٣ والعكبري ٣: ٧٦.
اليتيمة ٣: س١٩٤ - ١٩٥ وترجمة الزعفراني أبي القاسم عمر بن ابراهيم في اليتيمة ٣: ٣١١ - ٣١٨، وانظر رأي هذا الزعفراني في الصاحب، في كتاب أخلاق الوزيرين: ١٠٥، ١٤١، ٢٩٥.
هو علي بن محمد بن منصور بن نصر بن بسام ويعرف بالبسامي (- ٣٠٢ أو ٣٠٣)، انظر ترجمته في ابن خلكان ٣: ٣٦٣ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى.
محمد بن مناذر شاعر فصيح عالم باللغة، كان في أول أمره يتأله ثم عدل عن ذلك فهجا الناس وتهتك، فنفي من البصرة إلى الحجاز وهنالك توفي؛ انظر في أخباره وأخبار عبد الحميد الثقفي: الأغاني ١٨: ١٠٣ وطبقات ابن المعتز: ١١٩ والشعر والشعراء: ٧٤٧ ومعجم الأدباء ١٩: ٥٥.
انظر المغرب ٢: ٤٢٣.
ط د س: له.
ط د س: كتبه.
ط د: ما يصدق ما أجريته؛ س: ما يصدق ما -
ط د س: فصول له.
ط د س: قال.
من المثل: لا تعلم العوان الخمرة (اللسان: عون) .
ب م: تجدي بك؛ س: وما يجدي لك؛ د: يجري لك.
يشير إلى المثل: جري المذكيات غلاب، انظر فصل المقال: ١٢٧ والميداني ١: ١٠٦ والعسكري ١: ٢٠٣.
من قول ليلى الأخيلية في الرد على النابغة الجعدي: وصدره (الشعر والشعراء: ٣٦٠ والخزانة ٣: ٣٣ والسمط: ٢٨٢) اعيريني داء بأمك مثله؛ ط: وأي جواد؛ س: وأي الجواد.
هذا مثل، انظر فصل المقال: ٤٩٤ والميداني ١: ٢٣٨ والعسكري ٢: ٥ واللافظة هي الرحى ويقال أيضا هي العنز أو الحمامة أو الديك.
ط د: الثابتة.
ط د س: بعض.
ط د س: عليهما.
م: الأرض.
انظر الخبر عن قوس حاجب في ثمار القلوب: ٦٢٥.
ط د: كرائم.
ط د س: الراي.
ط د: والائتمان.
س: ارتقاء.
ب م: يده.
ب م: ولا في طماعية المئشار أن يصير -؛ د ط: أن يصل؛ س: ولا طماعته.
ط د: ينتقل دولاب.
ب م: المناشير.
د: قدما؛ ط: قوما.
في قصة وافد البراجم انظر فصل المقال: ٤٥٤ والعسكري ١: ٨١ وقد مرت الإشارة إلى المثل " ان الشقي وافد الراجم " ص: ٣٦٧ من هذا الكتاب.
ب م: النبلاء.
الآية: ٧٨ من سورة البقرة " ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ".
ط د س: بجهد أفهامهم.
ب م: المربي؛ ط: المرمى.
ب م: الهمم.
ب س: المتجمل.
ب م: فاتبعوا؛ ولعلها " فاثعبوا ".
ب م: وأمدوا؛ لعل الصواب " وامروا " من المري.
ط د س: واحضروا؛ ب م: واحسروا.
ط د: رجعتم البكارة؛ ب م: البكارة.
س: خشن.
م ب: وقويتم دار.
ط د: مع نعرتكم؛ ب م: فأشارت مع تغويركم.
ط د: صححت.
ط د: تعتصموا بسوى.
ب م: لدى الكتبة.
ط د س: الدينية.
ط د س: الجواد.
ب م: كانه.
ط د س: وفي فصل، ونعود -
ط د س: في استئثار.
س: استجدت، وكتب خ في الهامش: استمجدت؛ ط: استمجت.
ط د س: بديع.
ط د س: تلهج بكتابه.
ب م: عجعجة ربى.
هو من قولهم: اسمع جعجعة ولا أرى طحنا، انظر فصل المقال: ٤٤٨ والعسكري ١: ١٠٧.
ط د: فكيف يستنزر؛ س: يستغزر.
انظر تاريخ الطبري ١: ١٨٧٣.
ط د س: وابتداع لحدث.
ط د س: الاطالة.
ط د: مراتب؛ م: واهب.
ط د س: كأنما.
ب م: ظهر.
م: العيال؛ بك العيان.
سك بوسعة؛ ط: برشقة.
ط د س: ووصلت.
ب م: مربيا؛ ط د س: هزيلا.
ط د س: وتبنى (ط: وتبنا) بنينا؛ وفي م ب بعدها: وزرع.
ب م: غولة.
ط د س: عفة.
ط د س: بحجارة.
ط د: محاسن.
وغلامي: سقطت من ط د، وجاء النص على التثنية في ب م، ولا ضرورة لذلك لأن الغلام والابن يشيران إلى واحد.
ط د س: والمشافهة؛ ب م: الجلية.
س: نثير جمار؛ ط د س: والعرفا.
ب م: التشهيدات.
ديوان ابن هانئ: ٢٣٨ وانظر النفح ٤: ٤١ والمطمح: ٧٥ ونثار الأزهار: ١٢٩، وفي ترتيب أبيات القصيدة في الديوان بعض اختلاف عما هنا.
الديوان: وقد ولت الظلماء تقفو نجومها - الفجر؛ هامش س: جيش اللبل للفجر.
الديوان: مكبة؛ ب م: ملية.
الديوان: يقدم.
ب م: كرها.
الديوان: الفجر.
ط د س: في قصيدته التي.
وردت أبيات منها في نثار الأزهار: ١٢٨.
نثار: الجو.
نثار: علي بن هرون.
ترجم له ابن بسام في القسم الرابع من الذخيرة (انظر ط. مصر ٤/١: ٦٧) .
ب م: صنعه.
م: تعالا.
ب م: مذعور.
في الجمهرة: ٥١ ان ابن المعتلي اسمه الحسن.
ب م: بن المعتلي.
جاء في ديوان ابن المعتز ٣: ١١١
أعلمتها في شفق لم يعتم تخاله طرة برد معلم
والنجم في أديم ليل مظلم كأنه غرة طرف أدهم
ب م: كليه.
ب: وتحله.
ب م: ظللن الكنسا.
ب م: ليحبسا؛ وخبس: أخذ الشيء غنيمة.
ديوان ابن شهيد: ٨٥.
الديوان: دخلوا.
بياض في ب م.
د ط: بالمعتد.
انظر المغرب ٢ك ٤٢٤ والبيان المغرب ٣ك ١٤٧.
د ط س: وإنما بدل أبو الربيع في هذين البيتين قول - الخ.
د ط س: ورد.
تتفق المصادر التاريخية على أن صاعد بن مخلد الكاتب هو الذي لقب ذا الوزارتين في تلك الحادثة وان ابن كنداج لقب ذا السندين (انظر السيوطي: ٣٩٤) .
سقط هذا العنوان من ط د، وراجع في أخبار هشام المعتد كتاب المعجب: ١٠٩ والبيان المغرب ٣: ١٤٥ (وفيه نقل عن ابن حيان) وأعمال الاعلام: ١٣٨ (وفيه تلخيص لما أورده ابن حيان) .
ط د س: بويع بقرطبة.
ط د س: لجأ إليه عند.
ط د: برضى - بكره؛ البيان: بكره.
ط د: نظروا في أمره.
ط د س: وكيفية وروده فبادر هو ووفد على البلد، فسر الناس بع وركب جيش قرطبة لاستقباله - وقلة رواء وبهجة - سادلا لأسمال غفارة إلى ما تحتها من كسوة - سيرها (س: سيرت) - مطرد.
البيان: ينونه.
ب م: سبق.
ط د: اللباس.
ب م: احتاج بعض الأكابر إلى عبارة عنه.
ط د س: وكان اجتاز.
بشاطبة: سقطت من ط د س.
ب م: وطمعوا.
س ط د: معهم.
هو مكي بن أبي طالب (غاية النهاية ٢: ٣٠٩) وصاحبه هو أحمد بن مهدي.
ط د: أخابث.
ط د س: بعهده.
ط د س: المرتب.
ط د س: حتى سمعت بعضهم يلح فيه بالطلب.
ط د س: وهم.
س ط د: فتنة.
ط د س: لتستغرب.
ط د: السلب؛ س: الغلة؛ ب: الصلة؛ والمعنى أن الخصاصة تؤدي بصاحبها إلى السرقة، وانظر اللسان (سلل) .
البيان: المستمرين على فتية؛ ولعل صواب العبارة: المستبدين على فتية -
ط د والبيان: فحجرهم؛ ب م: فجحد جحدهم.
ب م: حجرة؛ البيان: قصر.
س: ويقصي.
ط د س والبيان: ومعاظم.
ط د س: ولدان أبي عامر ابن المظفر؛ س: ولد ابن أبي عامر بن المظفر.
ط د س: وجرت على الناس يها.
ط د س: جزانات.
ط د س: السلطانيات.
ط د س: فأجحف.
ط د س: التهبها.
ط د س: إلى أن.
ب م: أو يصيب (اقرأ: نصيب) غائب.
ط د س: مكاره جمة هنالك.
ب م: خرب.
ط د س: في مثل ذلك.
ب م: فنشله.
ط د س: فاعتورت.
ط د س: فمرت.
ب م: أقوالهم.
ب م: فانزع.
ط د س: لم يصحب أبا عامر.
ط د: قد اعتلق به.
ط د س: قصيدة له من المكتومات قالها اثر قتله لعبد الرحمن.
ط د س: دماء جماعة قال - الخ.
س د: الرياح؛ وفي متن الديوان: الزمان.
س: الجوزاء.
س: المصاب تشقها.
ط د: حرض.
ورد هذا الفصل في ط د س: كثير الحذف والايجاز، فكأنه تلخيص لما هو هنا، انظر البيان المغرب ٣: ١٤٨، فالنقل فيه أكثر مطابقة للنسخ ط د س.
ط د س: ذرو خبر.
ب م: ورحيله، وسقطت من ط د س.
ط د س: إلى ازالته.
ط د س: إلى أن مكن منه.
ط د س: جلة الوزراء طاعته.
ب م: لباقة.
ط د س: ركوب ساذج.
ط د س والبيان: والمطالب.
س: الرفيعة.
الترفاس (وعند ابن البطار: الترفاش): الكمأة، بالبرية، وفي م ب: الرفاس.
ط د س والبيان: منه.
ط د: وتجهل؛ البيان: وجهد؛ س: ويجهد.
ب م: واجتناب.
ط د سك بما زجر له (س: زجرته) زاجر الغدر.
ط د: قصبة منيفة؛ س: والبيان: قصبة منيعة.
ط د سك سقيم.
ط د سك النشوات.
ط د سك وعينه.
س والبيان: فركسه.
ط د: وضرب.
ط د س والبيان: الناس.
ط د س: ابن عم لهشام.
ط د س: برأسه.
ب م: التي أعدت لرفعها.
ط د س والبيان. عظة.
ب م: فألحقوها.
ط د سك ووافى مع.
زاد في النسخ هنا: مع نسائه.
ب م: الخابط.
ط د سك بكف الأذى.
ب م والبيان: ألقي.
ط د سك الملأ.
ط د سك على خلعه.
ط د س: فيكون أشفى لشاني؛ البيان: فيكون أخف لشاني.
ط د سك وبقي بمكانه من الساباط بقية - أسيرا.
ط د س والبيان: وحدث.
ط د س: صبية؛ البيان: طفيلة؛ اعمال الاعلام: طفلة صغيرة.
ط د: حصن محمود بن الشرب؛ س: حصن ابن الشرب.
ط د س: ولا شهد.
ط د: فوبخوا على الاجتماع إليه.
ط د سك فانطلق.
ط د س: أبي عمر.
انظر نفح الطيب ٢ك ١١٠ وفيه: التياري؛ والمباري كتبت بفتحة على الباء في ب، وبضمة في س.
ب م: منسوب إلى باديته.
وردت في النفح.
انظر ديوان المعاني ١: ٢٩٢ ونفح الطيب.
ب م: دوراء.
[ ٥ / ٥٣٢ ]