مقدمة المحقق
جعل ابن بسام هذا القسم الرابع من الذخيرة - وهو أخر الأقسام - في جزئين واضحين دون أن يصرح بذلك، ويتناول الجزء الأول منهما الشعراء الطارئين على الأندلس من المشرق والقيروان وصقلية، ويشمل الثاني ثلاثة عشر شاعرا من شعراء المشرق والقيروان، تخيرهم تحكما، وقد أحس هو بذلك عندما ترجم لابن قاضي ميلة من الشعراء " الأنموذج " دون رفاقه ممن ضمهم ذلك الكتاب فقال: " ولعلَ بعض من يتصفح كتابي هذا يقول إن شعراء الأنموذج مائة شاعر وشاعرة وأكثرهم كان في المائة الخامسة من الهجرة - أفلا ذكرهم عن أخرهم - وماله اقتصر على بعضهم دون سائرهم - " وعاد يعتذر عن ذلك بما قاله في المقدمة وهو انه احتذى فعل أبي منصور الثعابي، في اليتيمة، وإنما وجد بين يديه قطعة من شعر الأندلسيين فأدرجها في كتابه، وهو لا يدرك تفاوت الزمن بين أصحابها.
ولقد راعيت في نشر هذا القسم تلك التجزئة الطبيعية، ففي هذا الجزء تراجم الطارئين وفي الجزء التالي ترد تراجم المشارقة المقيمين، رغم أن الجزءين قد يجمعان لصغر حجمهما في مجلد واحد، ولمل كانا متباعدين في المادة وجدت من المفيد صنع فهارس مستقلة لكل منهما على خلاف ما صنعته في الأقسام الثلاثة السابقة.
وقد اعترضني في تحقيق القسم الرابع هذا صعوبة لم أجد لها حلا، أوقفتني بين المضي في العمل أو التوقف عنه، وذلك أنى لم أجد منه سوى مخطوطة
[ ٧ / ١ ]
واحدة وهي نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ١٣٥٠، ومادة هذا القسم تقع بين الصفحة ٣٠ والصفحة ١٩٤؛ وفضلا عما يمثله انفرادها من صعوبة في العمل فإنها ليست حسنة الضبط أبدا، كما أن الترقيم فيها رغم تسلسله وعدم انقطاعه غير صحيح لأنه فد سقط منها ورقة ضاع بسقوطها أخر ترجمة جلال الدولة وأول ترجمة ابن أبي الشخباء، أقول " ورقة "، وهذا من حسن الظن، فربما كان ما سقط يزيد على هذا المقدار. وقد اخترت المضي في التحقيق، رغبة في أن أجد الذخيرة قد اكتملت وان ابلغ بما عزمت عليه آخر الشوط، بعد اليأس من العثور على مخطوطات أخرى من هذا القسم.
وفي سنة ١٩٤٥ قامت لجنة مؤلفة من الأساتذة عبد العزيز احمد الأهواني وعبد القادر القط ومحمد عبده عزام تحت إشراف الدكتور عبد الوهاب عزام بنشر جانب من هذا القسم شمل حتى نهاية ترجمة عبد الكريم ابن فضال القيراوني المعروف بالحلواني (أي حتى ص ٣٠٠ من هذه الطبعة) اعتمادا على هذه النسخة الوحيدة التي لم أجد لدي أيضا سواها؛ وفي مقدمة تلك الطبعة إشارة إلى كثرة التحريف والتصحيف في هذه النسخة، ولكن الجهد الذي بذله المحققون الفضلاء قد أعانني كثيرا في عملي هذا، وإن كنت قد خالفتهم في بعض القراءات؛ واهتديت إلى حل بعض المشكلات على ضوء مصادر لم تكن متيسرة لديهم حينئذ.
ولست أشك في ان هذا العمل لا يحظى لدي بالرضا الكامل، وعسى أن تسعفنا الأيام بالعثور على نسخ أخرى تعين على مزيد من الضبط والتدقيق، والله الموفق.
بيروت في أول يونيه (حزيران) ١٩٧٨ إحسان عباس
[ ٧ / ٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ذكر الكتاب الوزراء، والأعيان الأدباء والشعراء، الوافدين على جزيرة الأندلس، والطارئين عليها، من أول المائة الخامسة من الهجرة إلى وقتنا هذا الذي هو سنة اثنتين وخمسمائة، واجتلاب ما بلغني من نوادر أخبارهم، وشوارد أشعارهم، مع ما يتعلق بها، ويذكر بسببها
قال علي بن بسام: قد استوفيت في ثلاثة أقسام، جملة مما انتهى إليّ من محاسن النثر والنظام، لمن نشا بالجزيرة من الأعيان والأعلام، من أول تاريخ هذا المجموع إلى وقتنا. ولنعقب ذلك بحول الله وتأييده بذكر من هاجر إليها من تلك الآفاق وطرأ عليها من شعراء الشام والعراق، ممن تبحبح ذراها، وتسربل نعامها، ونجم في أفلاكها. وخيم في ظلال أملاكها. ولم آتي إلى هذا الفرقة من أرباب هذا الفن الذي أنا في إقامة أوده. متعززا من ذلة، ولا مستكثرا من قلة، ولا لأني لم أجد من أعيان وزرائنا وكتابنا من هو أبعد غاية، ولا أبهر آية، ولكنهم أسندوا إلى أعلامها، وترددوا بين جميمها وجمامها، فصاروا من أهلها بالوفادة عليها. وخلع أوطانهم
[ ٧ / ٧ ]
إليها؛ مع أن هذه الطائفة لم يسم إلا بالأندلس ذكرهم، ولا طار إلى بمدح ملوكنا شعرهم؛ وكم من شعرائنا ممن عاصرني ولم اسمع بذكره، إلى وقع علي شيء من شعره، ولعله يبلغ المرء جهده، والإحاطة لله وحده.
وقد أثبت هذا القسم طرفا من كلام أهل المشرق، وإن كانوا لم يطرأوا على هذا الأفق، حذو أبي منصور الثعالبي؛ فانه ذكر في يتيمته نفرا من أهل الأندلس فعارضته او ناقضته، والأدب ميدان يليق به المتاح، ويستحسن فيه الجماح.
فصل في ذكر الأديب اللغوي أبي العلاء صاعد بن حسن البغدادي،
وإثبات جملة من نظمه ونثره، مع ما يتعلق من الأخبار السلطانية بذكره
هو صاعد بن الحسن بن عيسى، البغدادي تربة، والطبري أصلا، والربعي نسبا، ينتمي في ربيعة الفرس، وكان طلع على أفاق الجزيرة أيام المنصور محمد بن أبي عامر نجما من المشرق غرب، ولسانا عن
[ ٧ / ٨ ]
العرب أغرب. أبده من رأى وسمع. وأذكى من طار ووقع. فأراد المنصور أن يعفي به أثار أبي علي البغدادي الوافد على بني أمية قبله. وهزه لذلك فألفى سيفه كهاما. وسحابه حماها، ومن رجل يتكلم بملء فيه، ولا يوثق على ما يذره وما يأتيه.
وقد أجرى ابن حيان ذكره فقال: ولمل دخل قرطبة دفعوه بالجملة عن العلم بالغة، وأبعدوه عن الثقة في عمله وعقله ودينه، ولذلك ما رضيه أحد من أهلها أيام دخوله إليها، ولا رأوه أهلا للأخذ عنه ولا للإقتداء به. وغرقوا كتابة المترجم - ب - " الفصوص " - فها هو إلى اليوم في نهرهم يغوص.
وقد أتيت أنا بلمع من إعجابه، وأوردت غرائب من أكاذيبه، وتخللت أثناء ذلك جملة من نظمه ونثره، مما شهد على ثبوت قدمه وشهرة تقدمه.
[ ٧ / ٩ ]
فصول من نثره في أوصاف شتى
اتصل أول دخوله الأندلس بالوزير عبد الله بن مسلمة. فلما نكب استعطف له الوزير أبا جعفر بن الدب ليشفع له عند الخليفة سليمان وخاطبه في ذلك بعدة رسائل. فكانت رقى لم تنفع، ووسائل لم تنجح [٣١] .
منها فصل يقول فيه: لما جمع الله طوائف الفضل عليك. وأذلق بك الألسن، وأرهف فيك الخواطر، ورفرف عليك طير الآمال، ونفضت إليك علائق الرحال، لم أجد لأبن مسلمة حين عضة الثقاف، وضاق به الحناق، وانقطع به الجاء، وكبا به الدهر. ملجأ غيرك. فعطفك على واله نبه النحس من سنة السعد، وأيقظته الآفات من رقدة الغفلة، ورشقته سهام الزمان بصنوف الامتهان، حتى لقب المنية أمنية، وسمى الموت فوتا. ومن لم يكتب له الدهر سجلا. ولا عقد له آمنا، ولا أشهد على نفسه ثقة، فليكن منه على حذر، ومن نبوته على يقين الخبر، وليعلم أن اصطناع المعروف يكافئ المرء في سمعه وبصره. ويلقاه في طريقه، ويحول بينه وبين محاربه، ويجازيه في أهله وولده. ويصحبه في اغترابه عن بلده.
وفي فصل منها: فحنانك عليه وعلي فيه، وأذكر تعلق الآمال به وتعلق أمله بك، وحاجة الرؤساء إليه وحاجته إليك، وحشدت لك القول، والله تعالى خلق الدنيا بحرفين، وأن الكلمة لترقأ الدم، والرقية لتخرج الحية من مكمنها، فإن خبت من طلابك نثرا قلت نظاما:
[ ٧ / ١٠ ]
يا أحمد بن سعيد العلم الذي أوفى فللحدثان عنه زيل
أخذ العقاب من أبن مسلمة الذي حكم القضاء به وغالت غول
لم تبق غير حشاشة إن أدركت خلصت وأن أسلمت فهو قتيل
بيدك بعد الله فك إساره وعليك في استنقاذه التعويل
فارحم أنين أبي بنات لم يصب لدموعهن على الحدود مثيل
أسف الفراخ على كفيل كاسب أودى فليس لهن بعد كفيل
فأجعله في يمنى يديك فإنها سور تحوط المستجير وغيل
ما ذنبه إلا الزمان فإنه رخو اليدين بما يحب ملول
كالمرأة الورهاء تنقض غزلها والشاة تملأ قعبها وتميل وله من أخرى إلى مجاهد يصف ظهوره إلى خيران واسرة لجماعة من الصقلب:
كتابي وأنا مستطار فرحا. ومستوفز مرحا، بالغادي والرئح علي من البشائر التي تسمع الصم. وتنطق البكم، بعدو نجا بعد ما ظن ان ليس ناجيا، وخنزواني أقبل في صفاده عانيا. صنعا من الله أساله ضارعا أن يجعله عندك راسيا، وعليك مخيما، فإن الذي أوي إليه من تطولك يبدي ولوعا ويغري بالنزاع إليك. والنزوع نحوك. [وما هما
[ ٧ / ١١ ]
أنشدنيه باليمين أبو الغزور الأعرابي لنفسه وقد حج أبنه فقال يذكر شوقه أليه:
ألا ليت لي عينان تطلعان على النأي أحيانا وتنصرفان
فإن كان سرا وعرفته وإن كان شرا ظلتا تكفان:ولما أتتني إحدى خرائطك الجزيلة، وتبادرت التباشير باحتلال المركب، كاد الفرح يقضي علي، وينزع التماسك من يدي، ولولا أني ثبت النحيرة، ومحصد المريرة، لكنت كأن أم أبي مزبد إذ بعث إليه يحيى بن خالد غلاما، فقال لها: يا أمه! وهب لي يحيى " غ " قالت: وما " غ " - قال: لا قالت: وما " لا " - قال: [" م "] وطبق الميم على شفتيه، فضرطت، فقال الحمد الله، لولا تقطيع الحروف لخريت. فحضرني إذا عند ورود المال ما كتبت به:
أتتك الحريطة والمركب كما اقترن السعد والكوكب
فقالوا من الواهب المستقل عقائل يعيا بها الحسب
فقلت في أصفري النجار يروع به المشرق المغرب
[ ٧ / ١٢ ]
يحكك أسيافه بالردى كما حك بالهانئ الأجرب
فلولا شجاعته ما نجى ولكنه حول قلب
بصير بتوسيع سبيل الفرار إذا ضاق بالمرهق المهرب ومنها:
هناك أبى الجيش من جيشه أسارى كأنهم الربرب
يرق عليها السنان الحقود ويرحمها الصارم المغضب
وهم يخضبون صدور القنا وأنملهم بضة تخضب
ولم أر من قبلهم فارسا يليق به الحلي والمذهب
فإن شات أن يَركبوا يركبوا وأن شئت أن يُركبوا يُركبوا ينظر هذا بناظر مريب. إلى قول حبيب:
قد جاءنا الرشأ الذي أهديته خرقا ولو شأنا لفلنا المركب ومن أناشيد الثعالبي في معناه: [٣٢]
ونساء لمطمئن مقيم ورجال إن كانت الأسفار وقوله " يرق عليها السنان " - البيت، كقول بعض أهل العصر:
لعلك يوما ذاكري في ملمة يلين بها قلي الأسير على القد
[ ٧ / ١٣ ]
واراه قلب قول أبي الطيب:
وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ولكنه غيظ الأسير على القد وأرى أبو الطيب ألم بعض الإلمام. بقول أبي تمام:
يلحضه في جده وهزله لحظ الأسير حلقات كبله جملة أخبار نوادر، جرت له مع المنصور بن أبي عامر
أجتمع عند المنصور ابن أبي عامر أعيان الأوان كالزبيدي والعاصمي وابن العريف ومن سواهم، فقال لهم المنصور: هذا الرجل الوافد علينا صاعد يزعم انه متقدم في هذه الآداب التي انتم سرجها الضاحية، وأهلتها السارية، واحب أن يمتحن ما عنده. فوجه إليه، ودخل والمجلس قد أحتفل فخجل، فرفع المنصور مجلسه وآنسه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي، فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه. فبادره العاصمي بالسؤال عن مسألة من الكتاب، فلم يحضره فيها من جواب.
[ ٧ / ١٤ ]
وأعتذر أن النحو ليس جل بضاعته، ولا رأس صناعته، فقال له الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ - قال حفظ الغريب. قال: فما وزن أولق - فضحك صاعد وقال: أمثلي يسأل عن هذا - إنما يسأل عنه صبيان المكتب. قال الزبيدي: صاحبكم ممخرق! قال له صاعد: وبضاعتي أنا حفظ الأشعار، ورواية الأخبار، وفك المعمى. وعلم الموسيقى. قال فناظره أبن العريف فظهر عليه صاعد، وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا وأنشد عليها شعرا شاهدا، أو أتى بحاكية تجانسها، فأزداد المنصور عجبا. ثم أراه كتاب النوادر لأبي علي فقال: إذا أراد المنصور أمليت على مقيدي خدمته وكتاب دولته كتابا ارفع منه قدرا، واجل خطرا، [لا] لا أدخل فيه خبرا مما أدخله أبو علي. فأذن له المنصور في ذلك، وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم ب - " الفصوص ". فلما أكمله وتتبعه أدباء الوقت، لم تمر فيه كلمة زعموا صحتها عندهم، صحتها عندهم، ولا خبر ثبت لديهم، فقالوا للمنصور: رجل [مقتدر] على تأليف الكذب، [] من عيون الأدب، يسندها إلى شيوخ لم يرهم ولا أخذ عنهم، حتى إنهم كلفوا المنصور أن يأمر بتسفير كاغد أبيض وتغيير وجهته ليدل على القدم، ففعل وترجم على ظهر ذلك السفر بكتاب " النكت " تأليف أبو الغوث الصنعاني. فترامى إليه صاعد حين رآه، وجعل يقلبه، وقال: إني والله قرأته بالبلد الفلاني
[ ٧ / ١٥ ]
على الشيخ أبي فلان، وهذا خطه، فأخذه المنصور من يده خوفا أن يفتحه، وقال له: إن كنت رأينه كما تزعم فعلام يحتوي - قال: ورأسك لقد بعد عهدي به ولا أنص به شيئا، ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعرا ولا خبر. فقال له المنصور: أبعد الله مثلك! فما رأيت الذي هو أكذب منك. وأمر بإخراجه وأن يقذف بكتاب " الفصوص " في النهر، وفي ذلك يقول بعض شعراء العصر:
قد غاص في البحر كتاب الفصوص وهكذا قل ثقيل يغوص فجاوبه صاعد بقوله:
عاد إلى معدنه إنما توجد في قعر البحار الفصوص قال ابن بسام: وما أحسب أن أحد يجترئ على إخراج تصنيف، وإبداء تأليف، يضيق عنه التعديل، ويدفع في صدره النقد والتحصيل، لا سيما وأن صاعد علم أن قرطبة - حسب ما ذكرنا - ميدان جياد، وبلد جدال وجلاد، ولكنه أشترط غير المشهور، فلم يظفروا منه بكثير، وأعانهم هو على نفسه بما كان ينفق به من تنحله وكذبه. ولم يكن عند ابن أبي عامر تحرير ولا بصر بالنقد مشهور؛ وإلا فليس يحلو كتاب " الفصوص " المذكور من غريبة مسموعة، ولا من فائدة رائقة بديعة، ولكنه خبر وجدناه فنقلناه.
[ ٧ / ١٦ ]
وأدخل على المنصور يوما وردة في غير ايامها؛ لم تستتم فتح كمامها. فقال فيها صاعد على الارتجال:
أتتك أبى عامر وردة يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر فغطت بأكمامها رأسها فسر بذلك المنصور، وكان أبي العريف حاضرا، فحسده وجرى إلى مناقضته، وقال لأبن أبي عامر: أن هذه البيتين لغيره، [٣٣] وقد أنشدنيهما بعض البغداديين بمصر نفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه. فقال له المنصور: أرنيه. فخرج أبن العريف وركب وجعل يحث حتى أتى مجلس أبن بدر، وكان أحسن أهل وقته بديهة، فوصف له ما جرى فقال:
عشوت إلى قصر عباسة وقد جدل النوم حراسها
فأليفتها وهي في خدرها وقد صرع السكر أناسها
فقالت: أسار على هجعة - فقلت: بلى، فرمت كاسها
ومدت يديها إلى وردة يحاكي لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر فغطت بأكمامها رأسها
وقالت: خف الله لا تفضحن في ابنه عمك أنفاسها
فوليت عنها على عفة وما خنت ناسي ولا ناسها فطار أبن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مصري
[ ٧ / ١٧ ]
وروى وتحيل بوداد أشقر. ودخل بها على المنصور، فلما رآها أشتد غيظا على صاعد وقال: غدا أمتحنه. فأن فضحه الامتحان. لم يبق في موضع فيه سلطان. فلما أصبح وجه عنه بمجلس حفل. وقد أعد طبقا من سقائف من ضروب النواوير، وصنع على السقائف جواري ياسمين، وتحت السقائف بركة ماء حصاها اللؤلؤ. وكان في البركة حية تسبح. فلما دخل صاعد مثل الطبق بين يديه، فقال له المنصور: إن هذا يوم أما أن تسعد فيه معنا، وإما بالضد عندنا، لأنه قد زعم ق - م أن كل ما تأتي به دعوى، وقد وقعت من ذلك على حقيقة. وهذا طبق ما توهمت أنه مثل بين يدي ملك قبلي في شكله. فصفه بجميع ما فيه. فقال صاعد بديهة:
أبى عامر هل غير جدواك واكف وهل غير من عاداك في الأرض خائف
يسوف إليك الدهر كل عجيبة وأعجب ما يلقاه عندك واصف
وشائع نور صاغها هامر الحيا عليها فمنها عبقر ورفارف
ولما تناهى الحسن فيها تقابلت عليها بأنواع الملاهي الوصائف
كمثل الضباء المستكنة كنسا تضللها بالياسمين السقائف
وأعجب منها أنهن نواظر إلى بركة ضمت إليها الظرائف
حصاها الآلي، سابح في عبابها من الرقش مسموم اللعابين زاحف
ترى ما تشاء العين في جنباتها من الوحش حتى بينهن السلاحف فاستغربت له يومئذ تلك البديهة، وكتبها المنصور بخطه. وكان إلى
[ ٧ / ١٨ ]
ناحية سقيفة فيها جارية تجذف بمجاذف ذهب لم يرها صاعد، فقال له المنصور: أجدت إلا أنك لم تصف هذه الجارية، فقال:
وأعجب منها غابة في سفينة مكللة تصبوا إليها المهايف
إذا راعها موج من الماء تتقي بسكانها ما أنذرته العواصف
متى كانت الحسناء ربان مركب تصرف في يمنى يديها المجاذف
فلم تر عيني في البلاد حديقة تنقلها في الراحتين المناصف
ولا غرو أن شاقت معاليك روضة زهتها أزاهير الربى والزخارف
فأنت أمرؤ لو رمت نقل متالع ورضوى من ذرتها من سلطانك العواصف
إذ قلت قولا أو بدهت بديهة فكلني لها أني لمجدك واصف فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، ما بين غلائل وطيقان وعمائم، وأجرى عليه المراتب من ذلك اليوم ثلاثين دينار، وألحق في ديوان الندماء مع زيادة الله بن مضر الطبني وأبن العريف وأبن التياني وغيرهم. والحسد موروث، وقديم لا حديث، وليس في الحيوان، أخبث في ذاته من الإنسان.
[ ٧ / ١٩ ]
وأذكر بفعلة أبن العريف في صاعد بعض ما منيت أنا به في خبر هذا التصنيف مع غير واحد من أهل وقتي، إذ سردت في بعض قصصه كلام ابن حيانهم، وكان على ما نقدم في وصفه متكلم أوانهم، فلما أعوزني لفظه في بعض ما سقت، ولم أجده في كل حديث نسقت. رجعت إلى نحيزتي، واستمطرت غريزتي. وماؤها جامد، ورمادها هامد، كما قال سابق:
أخلقت جدتي وبان شبابي واستراحت عواذلي من عتابي وأنا يومئذ بإشبيلية، أتصرف مضطرا في بعض الأعمال السلطانية. والكلام إذا لم يحكه قلب فارغ، ولم يسبكه لب من ظلماء الشغل بازغ. لو يرق تطريزه، ولم ينفق أبريزه. وعلى ذلك لما أندرجت لي فيه كلمات رائقات، في أوصاف مختلفات، وبلغت فيه أمد المراد، بألفاظ أعيان ومعان فراد، انثال علي فيه الكلام، انثيال الغمام، قالوا: نعم ما صنف أبن بسام وأتقن لو يستعن، وما أحسن ما قصص، لو لم يتلصص. ولله درهم [٣٤] فالد أماء لا يزيد من القري، وذكاء لا تضيء من الدري. بل دردر أبي الطيب من شاعر نطق بالبدي، وجرى على عتق جده الكندي، فسبق، واستولى على الأمد بقوله إذ صدق:
أتيت بمنطق العرب الأصيل وكان بقدر ما أحسست قيلي
[ ٧ / ٢٠ ]
فعارضه كلام كان منه بمنزلة النساء من البعول
وليس يصح في الأوهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل رجع:
وخرج المنصور مع صاعد يوما إلى رياض الزاهرة، فمد يده إلى شيء من الترنجان فعبث به ورماه إليه معرضا أن يصفه فقال:
لم أدر قبل ترنجان عبث به أن الزمرد قضبان وأوراق
من طيبة سرق الأترج نكهته يا قوم حتى من الأشجار سراق
كأنما الحاجب المنصور علمه فعل الجميل فطابت منه أخلاق
من ليس يقعده من سؤدد قدم ولا تقوم له في سوأة ساق وله في الخيري:
بعثت إليك من خير داري محزمة كأوراق العقيق
توكل بالعزوف على التصابي وتصطاد الخليع من الطريق وصاعد القائل:
لي من سر بني العب اس خل وجليس
شهد المجد عليه أنه العلق النفيس
فإذا جالسته لم تدر من منا الجليس
[ ٧ / ٢١ ]
وهذا كقول أبن زرارة:
لي صديق. غلطت، بل لي مولى من لمثلي بأن يكون صديقي!
يتلقى التقاء روح بروح بضروب التقبيل والتعنيق
ليس في الارض من يميز منا عاشقا في اللقاء من معشوق وقال:
قلت له والرقيب يعجله مودعا للفراق أين أنا -
فمد كفا إلى ترائبه وقال سر وادعا فأنت هنا وأنشد المنصور يوما قصيدة أبي نواس " إجارة بيتينا أبوك غيور " فعرض عليه أن يعارضه. فأبي صاعد من ذلك إجلالا لأبي نواس، فعزم عليه المنصور فأنشده متمثلا:
أني لمستحي علا ك من ارتجال القول فيه
من ليس يدرك بالروي ة كيف يدرك بالبديه فلم ينفعه ذلك عنده، ومكث فيه يوما بقية يومه وليلته. وجاء من الغد فأنشده قصيدته التي أولها:
خدال البرى أني بكن بصير طوتكن عني خلسة وقتير [ومنها]:
[ ٧ / ٢٢ ]
وباتت كما باتت مهاة خميلة لها جؤذر عند الصراة عقير
وقد أكلت أشلاؤه فكأنها مقسمة عند القداح جزور
كما بغمت من شجوها أم واحد أتيح لها مثل الزجاج طرير
لدن غدوة حتى صغت شمس يومها وفي أبريها رنة وزفير
تسوف ثراه عن مشق إهابه كأن أسابي الدماء عتير قال أبن بسام: وصاعد على تتايعه في الكذب، ولجاجته بين الامتهان وسوء الأدب، قد أخذ بطرف من الترفيق، وخلا بجانب من لقم الطريق، ألا تراه كيف صرح باليأس، عن شق غبار أبي نواس ولكن ابن أبي عامر حمله على الغرر، وعرضه لسوء الخبر، ولعله ذهب إلى قول أبي الطيب:
بلغت بسيف الدولة النور رتبة أنرت بها ما بين غرب ومشرق
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق أراه غباري ثم قال له: الحق وذكرت بهذا الخبر ما وصف عن أبي عبد الله بن شرف، وذلك لنه قال يوما للمأمون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره
[ ٧ / ٢٣ ]
في ذراه، وقد أجروا ذكر أبي الطيب، فذهبوا في تأبينه كل مذهب: إن راى المأمون - لا فارق العزة والعلاء - أن يشير إلى أي قصيدة شاء. من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تنسي أسمه، وتعفي رسمه، فتثاقل أبن ذي النون عن جوابه، علما بضيق جنابه، وإشفاقا من فضيحته وانتشابه. وألح أبو عبد الله حتى أحرج أبن ذي النون وأغراه؛ فقال له: دونك قوله: " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ". فخلا بها ابن شرف أياما فوجد مركبها وعرا، ومريرتها شزرا، ولكنه أبلى عذرا، وأرهق نفسه من أمره عسرا، فما قام ولا قعد، ولا حل ولا عقد. وسئل أبن ذي النون بعد: أي شيء أقصده إلى تلك القصيدة [٣٥]- فقال: لأن أبي الطيب يقول فيها: " بلغت بسيف الدولة النور " وأنشد البيتين وهذه غريبة ولو صدرت عن أبي العباس المأمون، فضلا عن منتزع لقبه يحيى بن ذي النون. وقدما كبا الجموح، وذهبت بالباطل الريح؛ ولم يندم من بني على أسه، ولا هلك من عرف قدر نفسه.
وقد حدثت أيضا أن أبي علي بن رشيق ناجى نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره، وراطن شيطانه بالدخول في مضماره، فأطال الفكرة، واعمل النظرة بعد النظرة، فأختار من شغره ما لم يطر ذكره ولا لحظ قدره، فأداه جهده، وذهب به نقده، إلى معارضة قوله: " أمن أزديارك في الدجى الرقباء ". فبث عيونه، وأستمد ملائكته وشياطينه، ولم يدع ثنية حتى طلعها، ولا خبيثة إلا أطلعها
[ ٧ / ٢٤ ]
ولا روية إلا واتسع لها فوسعها؛ ثم صنع قصيدة - فيما بلغني - رأى إنها مادة طبعه، ومنتهى طاقة وسعه؛ ثم حكم نقده، ورضي بما عنده، فرأى أن قصرت يداه، وقصر مداه، وعلم أن الإحسان كنز لا يوجد بالطلب، وميدان لا يستولي عليه التعصب، وصان نفسه ان يحدث عنه بأن تكون الهرة أحسن منه.
وقد ذكر عن صاعد، أنه أفتضح في سرقة شعر غير واحد من أهلك تلك ألافاق، من شعراء الشام والعراق، إذ كان ورد بها وهي بغبار السفر، فأشتهر بها في غير ما شعر وخبر. منها قوله يصف إبريقا قد ملئ منه كأس وبقيت في فمه نقطة لو تسقط:
وقهوة في فم الإبريق صافية كدمع مفجوعة بالإلف معبار
كان إبريقا والراح في فمه طير تناول ياقوتا بمنقار فكانوا يولعون بهذا التشبيه، كما قاله - زعم - على البداية، وإنما نقل لفظ أبي البركات العلوي مما أنشده الثعالبي:
كأنما إبريقا طائر يحمل ياقوتا بمنقار او قول أبي الفرج الببغاء من أرجوزة خاطب بها الصابي:
كأنما الحبة في منقارها حبابة تطفوا على عقارها
[ ٧ / ٢٥ ]
وكان صاعد مع ما قدمته من صفته بديع الجواب حاضره، طيب المعاشرة، فكه المجالسة، ممتعا محسنا للسؤال. حاذقا في استخراج الأموال. دخل على المنصور يوم أنس وقد تقدم وأتخذ قميصا من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته ولبسه تحت ثيابه، فلما خلا المجلس ورأى فرة لما أراد، تجرد وبقي في القميص المخيط من الخرائط، فقال له: ما هذا - قال: هذا رقاع صلاة مولانا اتخذتها شعارا، وبكى، وأتبع ذلك من الشكر بما استوفاه. فأعجب به المنصور وقال له: عندي مزيد.
وحكي عنه أنه لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي بعده، وادعى وجعا لحق ساقه.
وكان صاعد كثيرا ما يمدح بلاد المشرق بمجلس المنصور، ويباهي بأخبارها، ووصف أشربتها وأديارها، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك أبن شهيد إلى المنصور في يوم قر بهذه الأبيات:
أما تر برد يومنا هذا صيرنا للكمول أفذاذا
قد فطرت صحة الكبود به حتى لكادت تعود أفلاذا
[ ٧ / ٢٦ ]
فأدع بنا للشمول مصطليا نغذ سيرا إليك إغذاذا
وأدع المسمى بها وصاحبه تدع نبيلا وتدع أستاذا
لو معبدا أو عريضة لحقا لكان عن ذا وذاك أخاذا
ولا تبال أبي العلاء زها بخمر قطربل وكلواذا
ما دام من أرملاط مشربنا من دير عما وطيزناباذا! - وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالعيال، فأمر بإحضار الأصحاب، واحضر الوزير أبا مروان، وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم من الطيب لم يشهد، وألونة من اللهو لم تعهد، وطما الأمر وسما حتى تصايح القوم وتزافنوا، ودار الدور، ثم انتهى إلى الوزير ابن شهيد، وكان لا يطيق القيام لنقرس كان يلازمه، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عياش، فأرتجل الشيخ أبياتا جعل يقود بها وينشد:
[ ٧ / ٢٧ ]
هاك شيخا قاده عذر لكا قام في رقصته مستهلكا
لم يطق يرقصها مستثبتا فأنثى يرقصها مستمسكا
عاقة من هزها معتدلا نقرس أنحني عليه فاتكا
طرب اللهو وقد حق له طربا أرمضه حتى أشتكى [٣٦]
من وزير فيهم رقاصة قام من طيب يناغى ملكا
أنا لو كنت كما تعرفني قمت إجلالا على رأسي لكا
قهقه الإبريق مني ضحكا ورأى رعشة رجلي فبكى وكان أيضا في أصحاب ابن شهيد رجل بغدادي يعرف بالكك، له نوادر تضحك، فحضر معه في بعض مجالس النس، وقد ألح عليه وجع النقرس فجعل يصلي الصلوات كلما حانت واحدة بعد أخرى جالسا، وكان عنده ذلك اليوم أحد أصحاب المنصور ممن يعز عليه ويكرم لديه، فلما حمي الوطيس، وانس الجليس، وطاب المجلس، ودارت الأكؤس، ونسيت أوجاع النقرس، وقام ذلك الصاحب الجليس يرقصن ودار الدور حتى انتهى إلى ابن شهيد، فقام يرقص معتمدا على عادته، فقال له البغدادي: لله درك يا وزير! تصلي بالقاعدة وترقص يا لقائمة! فطاب المجلس بهذا الكلام، وتم حسنه أكمل تمام
[ ٧ / ٢٨ ]
وخلع ابن شهيد على الكك، وانتهى الخبر إلى المنصور، فذهب به كل مذهب الضحك.
وكان ابن أبي عامر كثيرا ما يرتاح اليه، ويوالي الإحسان اليه؛ أنصرف مرة من غزوة تخلف عنها أبن شهيد لعذره، فكتب إليه من جملة أبيات:
أنا شيخ والشيخ يهوى الصبايا فبنفسي أقيك كل الرزايا
ورسول الإله أسهم في الفي ء لمن لم يحث فيه المطايا فأجابه أبن لبي عامر:
قد بعثنا فيها كشمس النهار في ثلاث من المها أبكار
وامتحنا بعذرة الغيد أن كن ت توخى بوادر الأعذار
فاتئد وأجتهد فإنك شيخ قد جلا الليل عن بياض النهار
صانك الله من كلالك فيها فمن العار كلة المسمار فافتضهن الشيخ من ليلته، وكتب إليه بكرة:
[ ٧ / ٢٩ ]
قد فضضنا ختام ذاك السوار وأصبغنا من النجيع الجاري
وصبونا في ظل أطيب عيش ولعبنا بالدر أو بالدراري
وقضى الشيخ ما قضى بحسام ذي مضاء غضب الظبا بتار
فأصطنعه فليس ما قضى كفرا وأخذه فحلا على الكفار وأهدى له ابن أبي عامر محفنة خيزران إذ نقرس، فقال:
لله نفسك فهي أزكى الأنفس عقدت علاها بالجواري الكنس
عنيت بحالي كلها حتى لقد عليت مكارمها بعلة نقرس
فتخيرت لي إذ شكت قدمي الونى عليا مطية رحلة لم تحبس
لا في العتاق ولا الشواحج تنتهي نسبا ولا هي بلأمون العرمس
إن أهملت لم تنبعث أو أجهدت لم تعتذر أو أحرجت لم تشمس
محبوكة من خيزران مائس لدن مهزته كريم المغرس
ويحفني فيها إذا استمطيتها بيض الوجوه هبات أروع أشوس ودخل صاعد على المنصور يوما فلما وصل اليه، وجد عودا بين يديه فقال له المنصور: قد تواتر الخبر. وتحدث عنه البشر، أنك فردا في علم الموسيقى، وقد أردت غير مرة الانبساط معا سرا في ذلك، فشق الأمر على صاعد هنالك. ولم يجد من محيد عن أخذ العود
[ ٧ / ٣٠ ]
فتناوله وحبس أوتاره وسوى تسوية أطربت أبن أبي عامر، ثم اندفع ينشده بيتي مجنون بني عامر:
أبى القلب إلا حبها عامرية لها كنية عمرو وليس لها عمرو
تكاد يدي تندى إذا لمستها وينبت في أطرافها الورق الحضر فغضب ابن أبي عامر وتسور، لتوهمه انه عرض بخير، وقال له: يا أبا العلاء، أب الأخوة عرضت أم الأبناء - وهذه إشارة رئيس أنف من أن يجاوبه، على مغزى ما خاطبه. فاخرج الجواب على التذكير، همة إمام غيور.
وذكرت بهذا الحديث ما ذكره بعض الرواة عن المعتصم أنه قال يوما للقاضي أبن أبي داود: أتعلم أن أبي دلف من المغنيين الأفراد وإن كان من الشجعان الأنجاد - قال القاضي: فكيف بسماعه - فأحضره المعتصم، وخبا ابن أبي داود. وعوم عليه في الغناء. فلما أندفع يغني هتكت الستارة. فخجل أبو دلف وقال: أجبروني أعز الله القاضي. قال له ابن أبي داود، يا ماجن، هبهم أجبروك غلى أن تغني فمن أجبرك على الإحسان، فقال أبو دلف: ويريبني منك أيها القاضي معرفتك بمحاسن الألحان وتألف الأوزان!!
[ ٧ / ٣١ ]
وان صاعد [كثيرا] ما تستغرب له الألفاظ ويسأل عنها فيجيب عن ذلك أسرع جواب، على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد. ولولا انه كان كثير المزاح لما [٣٧] حمل إلا على الصدق. دخل يوما غلى المنصور وبيده كتاب ورد عليه من عامل له أسمه ميدمان بن يزيد من أهل يابرة، يذكر فيه القلب والتزبيل وما عندهم من معانة الأرض قبل زرعها، فقال له: يا أبا العلاء، وقع إلي من الكتب كتاب القوالب والزوالب لميدمان بن يزيد قال: نعم رأيته في نسخة أبي بكر بن دريد بخط كأكرع النمل، في جوانبها علامات الوضاع. فقال له: أما تستحي من هذا الكذب! ! هذا كتاب عاملنا ببلد يابرة، يعلم بالذي تقدم ذكره من صفة الأرض، وإنما صنعت هذه تجربة لك. فجعل يحلف أنه ما كذب وأنه أمر وافق.
وقال له المنصور يوما: ما الخنبشار في اللغة - قال: حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب، وفي ذلك يقول شاعرهم:
[ ٧ / ٣٢ ]
لقد عقدت محبتها بقلبي كما عقد الحليب بخنبشار وقال له مرة وقد قدم طبق فيه تمر: ما التمر كل في كلام العرب -[فقال]: يقال تمر كل الرجل تمركلا إذا اتلف في كسائه.
وكلن مع ذلك عالما؛ حدث العاصمي النحوي قال: لما سألناه مرارا عن مسائل من النحو بحضرة المنصور فقصر فيها، قال ابن أبي عامر: فإنه من طبقتي في النحو أنا أناظره. ثم سألنا صادا يوما فقال: ما معنى قول امرئ القيس:
كأن دماء الهاديات بنحره عصارة حناء بشيب مرجل فقلنا هذا واضح، وإنما وصف فرسا أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها إلى صدره فجاء هكذا، فقال صاعد: سبحان الله! أنسيتم قوله قبل هذا في صفته:
كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل قال فبهتنا وكانا لم نقرأ البيت قط. وقد اضطررنا إلى سؤاله، فقال: إنما عنى أحد وجهين: إما انه نضح صدره بالعرق وعرق الخيل ابيض، فجاء مع الدم كالشيب، وإما أشياء كانت العرب تصنعها وذلك
[ ٧ / ٣٣ ]
إنها كانت تسم باللبن الحار في صدر الخيل فيتمعط ذلك الشعر. وينبت كأنه شعر أبيض. فأياما عنى من أحد الوجهين فالوصف مستقيم.
وكان لأبن أبي عامر فتى يسمى فاتنا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب، وكل ما يتعلق بالأدب، فناظر صاعد بين يديه، فظهر عليه، وبكته حتى أسكته، فازداد المنصور به عجبا: وكان فاتن حسن الخط، واسع المعرفة، فصيح اللسان، حاضر الجواب، إلى عفاف طعمة، ونزاهة نفس، وجمال صورة، وكان ممن تباهى الملوك يخدمته، وتستريح إلى حلمه، وتوفي هذا الفتى فاتن سنة أثنين وأربعمائة. وبيعت في تركته قطعة دفاتر أدبية حسنة الضبط دلت على جودة عنايته. وكان منقادا لما أنزل به من المثلة، فلم يتخذ النساء ولا كشفن له عورة.
وكان في ذلك الزمان في بقرطبة جملة من الفتيان المجابيب. ممن أخذ من الأدب بأوفر نصيب. ورأيت تأليفا لرجل منهم يدعى بحبيب مترجما ب - " كتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة " وذكر فيه جملة من أشعارهم ونوادر أخبارهم. منهم عمارة الصقلي الفتى الكبير، والصقلبي ميسور، ونجم الوصيف وغيرهم ممن يشتمل عليه ذلك التصنيف، وجعلهم خارج من شرطنا، وليس من جمعنا.
ومن عجائب الدنيا الغريبة الوقوع، العجيبة المسموع، أن صاعدا أهدى إلى المنصور إيلا وكتب معه بأبيات يقول فيها:
[ ٧ / ٣٤ ]
يا حرز كل مخوف وأمان كل مشرد ومعز كل مذلل
عبد جذبت بضبعه ورفعت من مقداره أهدى إليك بإبيل
سميته غرسية وبعثته في حبله ليتاح فيه تفاؤلي فقضي في سابق علم الله تعالى وقدره أن غرسية بن شانجة من ملوك الروم، وهو أمنع من النجوم. أسر بذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالإيل وسماه غرسية على التفاؤل بأسره. وكان أسره في ربيع الأول سنة خمسة وثمانين وثلاثمائة. وهكذا يكون جد للصاحب والمصحوب.
ودخل يوما صاعد على المنصور في يوم مطير. وعليه ثياب جدد وخف طري، فمشى على حاشية الصهريج لازدحام من حضر فزلق وسقط في الماء، فضحك المنصور وأمر بإخراجه، وكاد البرد يأتي عليه. فلما نظر إليه [٣٨] أمر بخلع ثياب له، وأدنى مجلسه، ثم قال له: يا أبا العلاء هل قلت في سقطتك شيئا - فأطرق ثم قال:
شيئان كانا في الزمان غريبة ضرط أبن وهب ثم زلقة صاعد فاستبرد ما أتى به؛ وكان الكاتب أبو مروان الجزيري حاضرا، فقال له: يا أبا العلاء هلا قلت:
[ ٧ / ٣٥ ]
سروري بغرتك المشرقه وديمة راحتك المغدقة
ثناني نشوان حتى هويت في لجة البركة المطبقه
لئن ظل عبدك فيها الغريق فجودك من قبل ذا أغرقه فقال له المنصور: لله درك يا أبا مروان، قسناك بأهل العراق ففضلتهم فبمن تقاس بعد! فأنهض الجزيري للشرطة.
وقد فرق حذاق النظر بين البديهة والارتجال، فجعلوا الارتجال ما كان على طريق الانهمار والتدفق لا يتوقف فيه قائله، كالذي وقع للفرزدق إذ أمره سليمان بن عبد الملك بضرب عنق أسير روما، ودس إليه بعض بني عبس سيفا كهاما فنبا حين ضرب به، وضحك سليمان، فقال الفرزدق:
فأن يك سيف خان أو قدر أبي لتأخير نفس حينها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذلك سيوف الهند تنبو ظباتها ويقطن أحيانا مناط القلائد
ولو شئت قط السيف ما بين أنفه إلى علق دون الشراسيف جاسد ثم جلس وهو يقول:
[ ٧ / ٣٦ ]
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذ أثقل الأعناق حمل المغارم ومن غريب البديهية خبر حبيب، مع الكندي يعقوب، وقد أنشد احمد ابن المعتصم قوله:
إقدام عمرو في سماحة خالد في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له الكندي: ما صنعت شيئا فإن الأمير أفضل مما ذكرت، وما هؤلاء وقدرهم - فأطرق ثم قال:
لا تنكروا ضربى له من دونه مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس فتعجب من بديهته يومئذ لأنه كان رجلا مصنعا لا يجب أن يكون هذا في طبعه. وقد قيل أن الكندي لما خرج حبيب قال: أرى هذا الفتى يموت شابا لآن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده. فكان ذلك كذلك، مات وقد نيف على الثلاثين. وكان أبو الطيب كثير البديهية إلا أن شعره نازل فيه. وأهل الشعر في ذلك في سعة من العذر، إذ هو كما قال أبن الرومي:
نار الروية نار جد منضجة وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لسرعتها لكنها سرعة تمضي مع الريح
[ ٧ / ٣٧ ]
وقال أبن المعتز:
والقول بعد الفكر يؤمن زيغه شتام بين روية وبدية ومن الشعراء من شعره فيهما وعند الأمن والخوف سواء، بمقدار قدره كل واحد، وسكون جأشه. وقوة غريزته. كهدبة بن الحشرم، وطرفة بن العبد، ومرة بن محكان السعدي، إذ يقول وقد أمر مصعب بن الزبير بقتله:
بني أسد تقتلوني تحاربوا تميما إذا الحرب العوان اشمعلت
ولست وإن كانت إلي حبيبة بباك على الدنيا إذا ما تولت وكعبد يغوث إذ أعطى في نفسه لبني تميم ألف ناقة فأبو إلا قتله، وكانوا قد شدوا لسانه خوفا من الهجاء، فعاهدهم فأطلقوه لينوح على نفسه، فقال القصيدة التي أولها:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
فيا راكب إما عرضت فبلغن نداماي من نجران ألا تلاقيا وتيم بن جميل السدوسي وكان قام بشاطئ الفرات، واجتمع
[ ٧ / ٣٨ ]
إليه الأعراب وغلط أمره، فظفر به وحمل إلى باب المعتصم، فلما مثل بين يديه، وكان وسيما جميلا، فأحب المعتصم أن يعلم أين المنظر من المخبر، قال له: تكلم، فقال بعد أن حمد الله ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبقى الا العفو أو الانتقام، وارجوا أن أقربهما مني وأسرعها ألي أشبهها بك، وأولهما بكرمك. ثم قال وقد كان قدم [٣٩] السيف والنطع لقتله:
أرى الموت بين السيف والنطع كامنا يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي أمرئ مما قضى الله يفلت
وأي أمرئ يدلي بعذر وحجة وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن تغلب موقف يهز علي السيف فيه وأسكت
فما حزني أني أموت وإني لا علم أن الموت شيء موقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين انعى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بنعمه أذود الردى عنهم وأن مت موتوا
فكم قائل لا أبعد الله داره وأخر جذلان يسر ويشمت! فعفا عنه المعتصم، وأحسن إليه وقلده عملا. وعلي بن الجهم الذي قال ارتجالا وقد صب عريانا:
[ ٧ / ٣٩ ]
لم ينصبوا بالشاذ ياخ عشية ال إثنين مفلولا ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء عيونهم حسنا وملء قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه غطاؤه فالسيف أهول ما يرى مسلولا إلى غير ذلك من غرائب أهل المشرق.
فأما ما جاء في هذا الباب لأهل عصرنا بهذا الأفق، فكالذي وقع لأبي عامر بن شهيد القرطبي مع لمة من أصحابه، فكان حكى أنه قال له: ياابا عامر أنك ات بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك لعطف الزهو عند النادرة تتاح لك، ولكن نريد أن تصف لنا مجلسنا هذا، وكان الذي طلبوه منه يومئذ زبدة التعنيت، ومحة بيضة التبكيت، لأن المعنى الجلف إذ لم يطلب على النفس، وتناوله المحسن أساء فيه، وكانت هيئة ذلك المجلس وصفته مما يقتل لبرده، وهيئته لا يتمكن فيها كلام ولا يتركب عليها معنى: باب غريب معرض في المجلس، ولبد أحمر مبسوط على أرضه، وصدور أخفافهم على حاشيته. وذكر أبوابه وانضمامها على أرجله فقال:
وفتية كالنجوم حسنا كلهم شاعر نبيل
متقد الجانبين ماض كأنه الصارم الصقيل
راموا انصرافي عن المعالي والغرب من دونها فليل
[ ٧ / ٤٠ ]
فأشتد في أثرها مسح كل كثير بها قليل
في مجلس شابه التصابي وطاردت وصفه العقول
كأنما بابه أسير قد عرضت وسطه نصول
يراد منه المقال قسرا
ينظر من لبده الدنيا بحر دم تحته يسيل
كان أخفافنا عليه مراكب مالها دليل
ضلت فلم تدر أين تجري فهي على شطة تقيل واتفق أن خرج من عندهم فأجتاز بحانوت بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه رامشنة جميلة في زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يديه في لجام دابة ابن شهيد وقال له: صف هذا أبا عامر، فأن صاعدا رام وصف ذلك لأبن أبي عامر فلم يأت بشيء غير ذكر الحرشف. فقال ابن شهيد وهو على ظهر دابته:
هل أبصرت عيناك يا خليلي قنافذا تباع في زنبيل
من حرشف معتمد جليل ذي إبر تنفذ جلد الفيل
كأنها أنياب بنت الغول لو نخست في أست أمرئ ثقيل
لقفزته نحو أرض النيل ليست ترى طي حشا منديل
[ ٧ / ٤١ ]
نقل الخيف المائق المجهول وأكل قوم نازحي العقول
اقسم لا أطعمتها أكيلي ولا طعمتها على شمول وكان يوما مع جماعة من أهل الأدب، بمجلس أبن ذكوان، فجيء بباكور باقلى، فقالوا: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال أبن شهيد:
أن لآليك أحدثت صلفا فاتخذت من زمرد صدفا
تسكن ضراتها البحور وذي تسكن للحسن روضة أنفا
هامت بلحف الجنان فاتخذت من سندس في جناتها لحفا
نثقبها بالثغور من لطف حسبك منا في بر من لطفا
جاز أبن ذكوان في مكارمه حدود كعب وما به وصفا
قدم در الرياض منتخبا منه لأفراس مدحه علفا
أكل ظريف وطعم ذي أدب والفول يهواه كل من ظرفا
رخص فيه شيخ له قدر فكان حسبي من المنى وكفى
[ ٧ / ٤٢ ]
وخرج سعدان المؤدب من قرطبة إلى الحجاز وشيعة جماعة، وكان قد باع داره وشد جهاز طريقه تحته في خرجه، فقال فيه يومئذ مؤمن بن سعيد:
قد بعت دارك فأرحل غير محتقب زاد التقى عن بني الدنيا إلى سقر
لما رأيت أذى الأمطار متصلا حصنت دارك في خرج عن المطر
فلست تخشى على حيطانها زللا من واكف يهدم البنيان منهمر
زودتك اللعن به مخصوصا به أبدا لما غدوت بلا زاد على سفر
فأغرب إلى حيث لا ماء وشجر كما غنيت بلا ماء ولا شجر وساير أبن عمار في بعض الأسفار غلامين وسيمين من بني جهور، أحدهما أشقر والأخر بعذار أخضر، فكان يميل بحديثه من ظهر دابته إلى الذي وصفه منهما حيث قال ارتجالا:
تعلقته جهوري النجار حلو اللثى جوهري الثنايا
[ ٧ / ٤٣ ]
من النفر البيض جروا الزمان رقاق الحواشي كرام السجايا
ولا غرو أن تغرب الشارقات وتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلا جمان الحديث نساقطه من ظهور المطايا
شنئت المثلث للزعفران وملت إلى خضرة في التفايا قال ابن بسام: وكان الأستاذ أبو الوليد بن ضابط قد بدأ عليه بالقراءة الوزير أبو محمد بن عبدون وهو غلام أبن ثلاث عشر سنة، وكان ابن ضابط المذكور متكسبا بالشعر. فضجر يوما وقال: " الشعر خطة خسف " فقال له أبن عبدون:
لكل طالب عرف
للشيخ عيبة عيب وللفتى ظرف ظرف والبديه والارتجال في هذه الأشعار الأندلسية وإن لم تلحق بالأشعار المشرقية، ولا فيها كبير طائل، ولا تقرب مما ألصقته أليها من أشعار الأوائل، فهي نحوي في هذا المجموع الذي أنتحيت، وطلقي
[ ٧ / ٤٤ ]
الذي إليه جريت، ولذلك لا أثبت مذالها ومصونها، وكتبت غثها وسميتها، والأدب طريق يسلكها الصحيح والجرب، وسوق ينفق فيها الدر والمخشلب، ولأخرج من جد إلى هزل، وأنتقل من حزن إلى سهل.
رجعت إلى ما قطعت من أخبار صاعد، وما يتعلق بها ويذكر بسببها من الفوائد.
إيجاز الخبر ن أسر غرسية الذي ذكر
قال أبن حيان: لما قفل ابن أبي عامر سنة أربع وثمانين عن بلد غرسية صاحب قشتيلة، حشر عدو الله جموعه لغزو بلاد الأسلام، فأغتنم المنصور لذلك. فبينما هو يحاول بعض الأمر هنالك إذ وردت عليه كتاب قند الوزير صاحب مدينة سالم يذكر أنه أسرى في نخبة أهل ثغره إلى بلد غرسية فقتل وغنم. ثم أنكمش فتبعه غرسية في قطعه حسنة من نخبة حماته. فثبت الله أقدام الإسلام، وأقام بيد قند يعالجه من جرحه فهلك في يديه، وحز رأسه وجعله في تابوت، وأنفذه إلى حضرة قرطبة، وأختزن جسده إلى ان دفع مع رأسه إلى ولده شانجة عند عقد السلم بعد مدة.
[ ٧ / ٤٥ ]
مقتل أبي مروان الجزيري
وكان أبو مروان عبد الملك الجزيري أحد شعراء الأندلس المجيدين وقته وممن أجتمع له بهذا الإقليم نوعا البلاغة في المنثور والمنظوم. وتقدم عصره منعني من ذكره؛ وفي خبر مقتله طول، لكن نلمع منه بلمعة، بعد أن تقدم من نوعي كلامه قطعه.
فمن ذلك أن المنصور بن أبي عامر صنع صنيعا في ذلك الأوان، لتطهير أبنه عبد الرحمن، وكان عام قحط فأرتفع السعر بقرطبة، وبلغ ربع الدقيق إلى دينارين، فجلا الناس. فلما كان يوم ذلك الصنيع، نشأت في السماء سحابة عمت الأفق، ثم أتى المطر الوابل فاستبشر الناس وسر أبن أبي عامر فقال الجزيري بديهة:
أما الغمام فشاهد لك انه لا شك صنوك بل أخوك الأوثق
وافي الصنيع فحين تم تمامه في النحو أنشأ ودقة يتدفق [٤١]
وأظنه يحكيك جودا إذا راى في اليوم بحرك زاخرا يتفهق ومنها:
[ ٧ / ٤٦ ]
وتوسطتها لجة في قعرها بنت السلاحف ما تزال تنقنق
تنساب من فكي هزبر أن يكن ثبت الجنان فإن فاه اخرق
صاغوه من ند وخلق صفحتي هاديه محض الدر فهو مطوق
للياسمين تطلع في عرشه مثل المليك عراة زهو مطرق
ونضائد من نرجس وبنفسج وجني خيري وورد يعبق
ترنو بسجو عيونها وتكاد من طري إليك بلا لسان تنطق
وعلى يمينك سوسنات أطلعت زهر الربيع فهن حسنا تشرق
فكأنهما هي في اختلاف رقومها رايات نصرك يوم بأسك تخفق
في مجلس جمع السرور لأهله ملك إذا جمعت قناة يفرق
حازت بدولته المغارب عزة فغدا ليحسدها عليه المشرق وعتب عليه المنصور وسجنه في مطبق الزاهرة، وأستعطفه برسائل وأشعار عدة، فلم يسمع منه، ثم صفح بعد عنه، فكتب إليه الجزيري:
عجبت من عفو أبي عامر لا بد ان تتبعه منه
كذلك الله إذا ما عفا عن عبده أدخله الجنة فسر المنصور بذلك وصرفه إلى حاله، ورد عليه ما كان أعتقل من ماله.
ومن شعره أيضا، مما اندرج له في أثناء نثره الذي ملح فيه، مخاطبته على السنة أسماء كرائمه بزهور رياضه. من ذلك عن بهار العامرية قصيدة أولها:
[ ٧ / ٤٧ ]
حدق الحسان تقر لي وتغار وتضل ي صفتي النهى وتحار
طلعت على قضبي عيون كمائمي مثل العيون تحفها الأشفار
وأخلص شيئا بي أذا شبهتني در تنطق سلكها دينار
أهدى له قضب الزمرد ساقه وحباه أنفس عطره العطار
أنا نرجس حقا بهرت عقولهم ببديع تركيبي فقيل بهار ومن أخرى على لسان نرجس العامرية:
حيتك يا قمر العلا والمجلس أزكى تحيتها عيون النرجس
زهرا تريك بحسنها وبلونها زهر النجوم الجاريات الكنس
يملكن أفئدة الندامى كلما دارت بمجلسهم مدار الأكؤس
ملك الهمام العامري محمد للمكرمات وللنهى والأنفس ومن أخرى عن بنفسج العامرية:
إذا تدافعت الخصوم - ايد الله مولانا المنصور - في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليه مفزعها، وهو المقنع في فصل القضية بينها، لاستيلائه على المفاخر بأسرها. وعلمه بسرها وجهرها. وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنها، والفخر بمشابههما كل مذهب. وما منهما إلا ذو فضيلة، غير ان فضلي عليهما أوضح من الشمس التي
[ ٧ / ٤٨ ]
تعلونا، وأعذب من الغمام الذي يسقينا. فإن كانا قد تشبها في شعرهما ببعض ما في العالم من جواهر الأرض ومصابيح السماء، وهي من الموات الصامت، فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان وهو الحيوان الناطق. مع أني أعطر منهما عطرا، واحمد خبرا، واكرم إمتاعا شاهدا وغائبا، ويانعا وذابلا. وكلاهما لا يمتع إلا ريثما يمنع.ثم إذا أذبل تستكره الأنوف شمه، وتستدفع الأكف ضمه، وأنا أمتع رطبا ويابسا، وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء، وأصرف في منافع الأعضاء. فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي، فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهواء لطيف، والمسك خفيف
وليس المجد يدرك بالصراع وقد أودعت - أيد الله مولانا - قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه، وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما، فقديما فضل الحاضر وأن كان مفضولا، ولهذا قالوا ألذ الطعام ما حضر لوقته، وأشعر الناس من أنت في شعره؛ فلمولانا أتم الفضل في ان يفضل بحكمه العدل. وأقول:
شهدت لنوار البنفسج السن من لونه الأحوى ومن إيناعه
[ ٧ / ٤٩ ]
لمشابه الشعر الأثيث أعاره ال قمر المنير الطلق نور شعاعه
ولربما جمد النجيع من الطلى في صارم المنصور يوم قراعه
فحكاه غير مخالف في لونه لا في روائحه وطيب طباعه
ملك جهلنا قبله سبل الهدى حتى وضحن بنهجه وشراعه
في سيفه قصر لطول نجاده وتمام ساعده وفسحة باعه
ذو همة كالبرق في إسراعه وصريمة كالحين في إيقاعه
تلقى الزمان له مطيعا سامعا وترى الملوك الشم من أتباعه [٤٢] قال ابن حيان: وكان عبد الملك بعد أبيه قد فوض إلى عيسى بن سعيد القطاع وزيره أمره، فصار عيسى قيم الدولة؛ فحده رجال العامرية، وحملوا طرفة فتى عبد الملك على مناوأته؛ فسمت نفس طرفة لذلك الفضل همة كانت له، وحظ أدب ميزه عن طبقته. فأستخلص من أعداء عيسى لمة، منهم عبد الملك الجزيري وأبو العباس بن ذكوان، فزين له التقدم عليه. وعرفه الجزيري مل تهيأ لكافور الأسود مولى محمد بن طغج صاحب مصر من الملك باسم مولاه تلك المدة الطويلة، وان محله فوق محل ذلك بابيضاض النفس والجلد، واكتمال الفضل والمعرفة. فأصغى له طرفة وتدبر برايه، وحمل مولاه على ان قدم عبد الملك الجزيري إلى خطة الوزارة. فعارض عيسى في كل أمر حتى كاد يسقطه لولا استخذاء عيسى له. ثم أعتل عبد الملك
[ ٧ / ٥٠ ]
المظفر فأنفرد طرفة بخدمته، وكثر الإرجاف به، فجمل له ابن الجزيري بغية وسوء رأيه، وجسره على ان يضبط الأمر لنفسه باسم الطفل مولاه، على رسم كافور الذي ذكرناه.
ثم رأى المظفر أن يخرج عسكرا إلى شرقي الأندلس لإنقاذ ما فيه من الأطعمة، فهش فتاة طرفة لذلك، وسأل مولاه ان يخرج معه عيسى الوزير وقد اسر الإيقاع به، فأجابه مولاه لذلك، فأخذ في التجهيز وأسرف فيما أتاه، ولم يبق من وجوه القواد وصنوف العدد والحلي وكرئم النجائب عند مولاه إلى ما قدر له حتى صار في أبهة الملوك،. وأخذ الوزير عيسى في الخروج معه، فتثاقل له، وأحس بالشر في صحبته ورام الانفراد بالمظفر في ذلك، فلم يمكنه لضبط طرفة باب مولاه، فألقى عيسى بنفسه إلى مفرج صاحب مدينة الزاهرة ثقة المظفر واستغاثه لمحنته. فوصل له رقعة إلى المظفر شرح فبها مراد طرفة. عند ذلك أتي [طرفه] من مأمنه واستعفى الخروج جملة فلم يساعفه مولاه؛ فنفذ لطيته، والعجب يقوده والحين يسوقه. وخلا وجه المظفر لعيسى بعده، وذكر له أشياء حنق بها على طرفة. فخرج معه وزيره عيسى، والجزيري يغالطه القدح في طرفة، وفي قلبه عيسى النار المتضرمة، وعيسى أعلم الناس بنفاقه، وأحبهم في سفك دمه. فلما صار عبد الملك إلى بعض الطريق دبر عيسى على ابن الجزيري أن ينصرف إلى حضرة ليحصل
[ ٧ / ٥١ ]
قبض بقايا الخراج والنفقات، ولم يحس بما دبر عليه وعلى صاحبه. فلما وصل المظفر سرقسطة، وطرفة مرتقب قدوم مولاه على مقربة منها، دخل في أبهته وتعبئته وصار إلى قصر مولاه مدلا بمنزلته، فعدل به عن مجلسه ولم تقع عين المظفر عليه، وقيد لوقته، وأخرج إلى الجزائر الشرقية، فلم يكن بين دخول سرقسطة أمير وخروجه عنها أسيرا إلا ساعة. وأتخذ الناس حديثه عجبا، ثم انفذ المظفر إلى الحضرة بضم عبد الملك الجزيري إلى المطبق بالزاهرة، وكتب عيسى الوزير إلى مفرج العامري والى عبد الملك بن مسلمة، وكانا من أعداء ابن الجزيري، وحرضهما على ابادته، فأدخل عليه في مطبقه قوم من السودان وخنقوه، وأشيع موته، وأخرج ميتا بعد أيام، وأسلم إلى أهله ولا اثر به، ودفن في شوال سنة أربع وتسعين. فصرع منه - ﵀ - يومئذ فارس نثر ونظام، ومزق بقتله وشي الكلام، وكان يشبه في ذكاه وأدبه مع عقربية الطبع، وكثرة الضر وقلة النفع، محمد بن زيات في ذلك الصقع. اخبرني ابن خلف بن حسين قال: سألت الذي تولى قتل ابن الجزيري في محبسه فجعل يصف لي سهولة ما عاناه منه لقضافته وضعف أسره ويقول: ما كان الشقي إلا كالفروج في يدي. دققت رقبته بركبتي فما زاد ان نفخ في وجهي. فعجبن من جهل هذا الأسود.
[ ٧ / ٥٢ ]
رجع ما أنقطع
وكان صاعد قد طولب في أخريات تلك الدولة، وانتهت به الحال، إلى ان اغرم في خبر طويل مائة مثقال.، فاستغاث على بن وداعة أحد الفرسان الأبطال ونبهاء الدولة - كان - في ذلك الأوان، وكتب إليه قال فيها:
أني على وهني، وما أخذه الدهر مني، ونحته من قدحى، لأربأ بالفضل أن ينحط إلا في مصابه، ويحل رحله في غير معانه. فلم أحوم على أحد طير رجائي، ولا رمقت بأملي إلا من نوة الله باسمه، وناسب بين أحواله، وشاب بين خلاله؛ فسبحان من جعل سنانك عدل لسانك، وبيانك كفء طعانك، فالألسن تتنادم على وصفك، والقلوب تعاقر خمرة حبك، خبيئة أذاعها الله منك، وذخيرة أبرزها الدهر بك، وما زلت في الايام التي تعرفها منقبا على محاسنك، بحاثا لأثارك بالعدوة وذواتها، ومقارعتك الأهوال، ومماصعتك الأبطال، عاركا بجنبيك شوكة [٤٣] الأسنة، ومماجيا أطراف الاعنة، فأذكر بك صعاليك العرب وذؤبانها، وشعراء الفرسان وغربانها، كعنتزة وزيد الخيا، وانت بهمة السرية وقرن الكتيبة؛ وغارة قومك من سليم على فرازة ونذيرها يهتف: أتيتم يافزازة! هذه سليم والموت! وأنا ابن عمك من ربيعة، إذ هي وسيم أحلاف، فالعدنانية تلفنا
[ ٧ / ٥٣ ]
والنسب يضم شعبنا. وفي البلد من وترني فاستفاد منه لساني، وظلمني فأنتصر لي حماة كلماتي، فأرسلتها فيه شعثا قباحا، موروثة في الأعقاب، خالدة على الأحقاب، أشرد من نعامة، وألزم له من طوق الحمامة، فهو يبغيني الغوائل، ويبث لي الحبائل.
ومن شعره فيه:
أبا حسن ربيعة من سليم سنان زان عالية الرماح
وإني عائد بك من هنات نحتن دعائمي نحت القداح
فكر على ابن عمك وانشله فليس حمى ابن عمك بالمباح
فإن الجار عندك بين جنبي عقاب الدجن كاسرة الجناح ومنها في المدح:
تصد الخيل باسمك في غدير على ضما عن الماء القراح
تظنك طالعا بيني سليم عليها عند مفتضح الصباح
إذ ساورت قرنك في مكر جعلت له ذراعك كالوشاح فما نفع بعلي بن وداعة، ولا كانت له فيه شفاعة.
وكان خاطب أي اهشام بن الحكم الخليفة في تلافي حاله، فما أصغى له لزهده فيه وفي أمثاله. وعوجل علي بن وداعة وقتل في خبر
[ ٧ / ٥٤ ]
طويل، فأنسد باب الفهم بقرطبة يومئذ وطمست العبدى العاقبون له رسمه، وأيس ذوو الأحساب منهم، فتفرقوا شذر مذر، ولم يبقى بها منهم من له خطر. وتناصرت خلال المكروه فيما بعد على صاعد بارتجاج الفتنة، غلاء سعر ورخص شعر، حتى أختل وعجز عن ستر ولده وأهله، وبخل هشام على ذلك كله بتسريحه والأذن له بالانطلاق عن الأندلس فرقا من خبث لسانه. فخرج مستخفيا وجاز بشلطيش على يد أبي زيد البكري رئيسها سنة ثلاث وأربعمائة، فأتصل بصاحب صفلية، وفارق البؤس، وراجع النعمة. ثم رجع إلى الأندلس أثر غلبة سليمان والبرابر على قرطبة مستخرجا لمن تخلف بهامن أهله وولده. وتعرض أيضا لمديح سليمان فما أنجح معه ولا أفلح. وقد كان استطرف أول دولته، فرئمه رئمان العلوق ولم يقره قرضا لاستحالته عن فعل الجميل جملة. ثم عجل الانكفاء إلى صقلية، ومات بها ﵀ سنة عشر وأربعمائة.
قوله: " جعلت له ذراعك كالوشاح " أخذه من قول أسر يزيد بن الصعق:
[ ٧ / ٥٥ ]
تركت الركاب لأربابها وأكرهت نفسي على أبن الصعق
جعلت يدي وشاحا له وبعض الفوارس لا يعتنق ونعقب أخبار صاعد بمصادره وموارد من أخبار أبن أبي عامر، منسوقة الأوائل والأواخر، مقيدة العيون والنوادر، ونلمع بشيء من الأسباب التي ذلت له الصعاب، وأخضعت له الرقاب. وغنما نعتمد من الأخبار أشهرها بسوقا، وأخصرها طريقا، وأمسها بالأدب رحما، وأشبهها بغرض هذا الكتاب أرضا وسما. وبحسبنا من دولة ابن أبي عامر ان ننقل نص ابن حيان: كيف طلعت نجومها، ومن أين نشأت غيومها، ونتلي ذلك كيف مال ظلها وأضطرب حبلها، إذ أكثر ما يقال للحاضر من أين طلع، وللغابر الدابر ما صنع، ونهاية المراد، علم الكون والفساد.
تلخيص التعريف بدولة ابن أبي عامر من الأول إلى الأخر
هو أبو عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر محمد بن الوليد ابن يزيد بن عبد الملك المعافري. وعبد الملك جده وهو الداخل بالأندلس مع طارق مولى موسى بن نصير في أول الداخلين من المغرب. وهو في قومه وسيط.
[ ٧ / ٥٦ ]
ونقلت من خط ابن حيان قال: انتهت خلافة بني مروان إلى الحكم تاسع الأئمة فيها، فتناهت في السرو والجلالة والكمال والأبهة، ونظم رواة الأخبار وحملة الآثار من مناقبه ما طار كل مطار في جميع الأقطار، إلا أنه - تغمد الله خطاياه - مع ما وصف من رجاحته، كان ممن استهواه حب الولد وأفرط فيه، وخالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا، دون مشيخة الأخوة وفتيان العشيرة [٤٤] ومن يكمل للإمامة بلا محاباة، فرط هوى ووهلة انتقدها الناس على الحكم وعدوها الجانية على دولته. وقد كان يعيبها على ولد العباس قبله، فأتاها هو مختارا ولا مرد لأمر الله. وقد كان يعيبها على ولد العباس قبله، فأتاها هو مختار ولا مرد لأمر الله. وذلك انه نفس بسلطانه على ثلاثة رجال من أخوته ولد الناصر: عبد العزيز شقيقه والأصبغ والمغيرة، مع جماعة من ولد الخلفاء كهول وشبان، ما فيهم إلا مضطلع للأمر قوي عليه. فتخطى جماعته إلى أبنه هشام وهو في الوقت طفل ما بلغ الحلم.
قال ابن بسام: وحدثت عن احمد بن زياد عن محمد بن وضاح عن رجل يتكلم في الحدثان انه قال: لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء، فإذا انتقل إلى الاخوة وتوارثوه بينهم فقد أدبر وأنصرف. فلعل الحكم بهذا الخبر توهم، فجاذبه عن اخوته؛ وإن كان ذوو اللب والنظر، لا يلتفون إلى مثل هذا الخبر.
[ ٧ / ٥٧ ]
رجع الخبر إلى ابن حيان: وكان جوذر وفائق فتيا الحكم قد أخفيا موته، ودبرا على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة. وكان قال له فائق: إن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفرٍ المصحفي. فقال له جوذر: ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ دولة مولانا -! قال له: هو والله ما أقول لك. ثم بعثنا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم، وعرفاه برأيهما في المغيرة، فقال لهما المصحفي: وهل أنا إلا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر، ولكما الرأي فيما قلتماه؛ فأخذا في تدبير ما رأياه. وخرج المصحفي وجمع حاشيته وجنده، ونعى إليهم الحكم وعرفهم مذهب جوذرٍ وفائق في المغيرة، وقال: إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا. وإن بدلنا استبدل بنا. فقالوا: الرأي رأيك. فبادر المصحفي ببعثه محمد بن [أبي] عامر مع طائفة من الجند وقته إلى دار المغيرة لقتله. قال ابن أبي عامر: فألفيت المغيرة مطمئنًا لا خبر عنده. فنعيت إليه أخاه الحكم فجزع. وعرفته جلوس ابنه هشام في الخلافة. فقال: أنا سامع مطيع. فكتبت إلى جعفر بحاله وبالصورة التي ألفيته عليها من السلامة. فراجعني جعفر المصحفي وهو يقول: غررتنا. اقض عليه وإلا وجهت غيرك من يقتله! فقتل ﵀ خنقًا. وكانت علة الحكم الفالج. وكان تقدمه عبد العزيز أخوه بمديدة. وتعطل أخوه الأصبغ ببطالة أزالت عنه الرهبة. فذهبت عن جعفر بن عثمان فيهما الحزة. وتوفر اهتمامه بعدهما بالمغيرة. وكان فتى القوم كرمًا ورجلة. وممن أشير نحوه بالأمر بأسباب باطنة، فأخذ له أهبته؛ فلما قضى الحكم نحبه ليلة
[ ٧ / ٥٨ ]
الأحد الثالثة من صفر سنة ست وستين، بادر بالمغيرة على الصفة المذكورة.
وافتتح المصحفي أمره بعد بإيثار النصفة، وإطراح الكبر. وكان أول ما أتاه من ذلك صدر تقلده حجابة هشام - وقد رفع فراشه فوق الوزراء أصحابه، وأبدل بالكتان الديباج على سالف العادة - أن قال: إني أستحيي من أصحابي أن أتمهد أفضل من فرشهم. مع عجزي عن درك شأوهم، غير أنا نسلم لأمير المؤمنين اختياره، فإما يساوي بيننا في فرش كرامته، وإما أقرنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته، فأفرش للجميع، مذ زال فرش الديباج، فرش الكتان، فجرى عليهم الرسم إلى آخر الزمان. واستحسن فعل جعفر يومئذ وعد من [بعد] غوره. وعول جعفر في سائر أوقات دولته على هذا النوع من السياسة، فلزم التواضع للناس، وأطلق لهم البشر وألان كنفه ووطأ خلقه. ورأى أنهم بذلك يصلحون له، دون البذل لذات اليد والمواساة في النعمة؛ فاستأثر بالأعمال، واحتجن الأموال ولم ينلهم، وبنى المنازل وهدمهم، وشح بالنشب وسخا بهم. وعارضه من محمد بن أبي عامرٍ فتىً ماجد أخذ معه بطرفي نقيض: بالبخل جودًا، وبالاستبداد أثرة، [و] باقتناء الضياع واصطناع الرجال، حتى غلبه عما قليل. وتحركت حال ابن أبي عامر لأول الدولة، وشارك في التدبير بحق الوزارة، وتقوى على أمره بنظره في الوكالة وخدمته للسيدة صبح أم هشام. وكانت حاله عند جميع الحرم أرفع الأحوال، بقديم الاتصال، وحسن الخدمة، والتصدي لمواقع الإرادة، وطلاقة اليد في باب الإلطاف والهدية فأخرجن له أمر الخليفة هشامٍ إلى حاجبه جعفر في الاستعانة به
[ ٧ / ٥٩ ]
في التدبير والمشورة له في الأمور، والاختصاص به على الجمهور. وكان جعفر لمحمدٍ على بعض ما أريد منه ثقةً به وسكونًا إلى جهته، فامتثل ما أمر به في ابن أبي عامر لغفلته، وتزيد في بره، وأشركه في سره وجهره. وانهمك [٤٥] ابن أبي عامر في مغالطة جعفر، وأراه أنه صاحبه الحائط لخاله؛ وعول جعفر على رأي محمد، ووصل يده بيده، واستراح إلى كفايته، وابن أبي عامر يمكر به ويضرب بين حسدته، ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس، ويجعل إليهم بالبذل وقضاء الحوائج، ويتقدم من المعالي إلى ما يحجم جعفر عنه؛ يستضم الرجال وجعفر يدفعهم، ويزيدهم وجعفر ينقضهم، يظن أنه كل يحمله عنه، فيا لك من جامع لمحمدٍ ومفرقٍ عن جعفر! إلى أن هوى نجمه وزال أمره.
وكان أول اتصال ابن أبي عامر بالحكم أنه وصف له فاستخلف على قضاء كورة ريه، ثم تصرف في وكالة صبحٍ أم هشام، فاضطلع بكل ما قلد، استهوى هذه المرأة بحسن الخدمة - وهي الغالية على الحكم - فأزلفته، وولي الشرطة والسكة والمواريث؛ والسكة يومئذٍ أعلى الخطط في الإفادة. وقرن له بهذا كله القضاء بإشبيلية، فعلت حاله وعرض جاهه، وعمر بابه في حياة الحكم، وهمته ترتمي به وراء ما يناله من الدنيا أبعد مرمىً، وهو كل ذلك يغدو إلى باب جعفر ويروح، ويختص به ويتحقق نصيحته، إلى أن أحظاه الجد وساعده القضاء، فأسقط جعفرًا. فلما انفرد بشأنه وتمكن من سلطانه
[ ٧ / ٦٠ ]
توثق لنفسه وحصن ماله، ورمى إلى الغرض الأقصى من ض بط الملك والحجر عليه والاستبداد دونه. وامتثل رسم المستغلين على سلطان ولد العباسي بالمشرق من أمراء الديلم في عصره، فنال بغيته، وتهنأ ميشته، وأورثه عقبه بعده، من غير اقتدار عليه بجندٍ خاص ولا صيال بعشيرة، ولا مكاثرةٍ بمال ولا عدة، بل رمى الدولة من كنانتها، وعدا عليها بأعضادها، وانتضلها بمشاقصها، وأنفق على ضبطها أموالها وعددها، حتى حولها إليه، وسبكها في قالبه، وسلخ رجالها برجاله، وعفى رسومها بما أوضح من رسومه، وأسقط رجال الحكم من سائر الطبقات: الكتاب والعمال والقضاة والحكام وأصحاب السيوف والأقلام، ومزقهم، وأقام بإزائهم من تخرجه واصطناعه رجالًا سدوا مكانهم، ومحوا ذكرهم، أعانوه على أمره.
وأول عروة فض ابن أبي عامرٍ من عرى الملك جماعة الصقلب، استخرج منهم بأسباب المصادرة أموالًا جمةً استأثر بأكثرها، وتتبع لذلك كتابهم وأسبابهم وقتًا بعد آخر، وتقسمتهم أيدي القدر نفيًا وقتلًا، صبرًا وغلبة، سرًا وعلانية، حتى هلكوا عن آخرهم في أسرع مدة. واختلفت مقاتلهم بحسب استيفائهم مدد أعمارهم، فلم يصح لي تاريخ ذلك على حقيقته. فكانت تلك الطائفة أول من ظهر انتقام الله تعالى بابن أبي عامر منها؛ فكانوا جبارين قاسطين في بلاده، متمردين على عباده. فأرسله بقدرته على هذا النمط من خلقه فأبادهم، ونجا أهل السلامة من سورته، وتلك عادته تعالى في من نكب عن سبيله.
[ ٧ / ٦١ ]
ذكر دفاع ابن أبي عامر العدو صدر الدولة وقيامه بالجهاد
دون الجماعة وتوصله بذلك إلى تدبير الملك
قال ابن حيان:وجاشت النصرانية بموت الحكم، وخرجوا على أهل الثغور، فجاء صراخهم إلى باب قرطبة فلم يجدوا عند جعفر غناء ولا نصرة. وكان مما غرب به لجبنه وعظيم أفنه أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم آنة لغمقه وسوء دجلته، يلتمس بذلك دفاع العدو عن حوزته؛ لم تتسع حيلته لأكثر من ذلك مع وفور جيش السلطان يومئذ وجموم أمواله، فكانت من سقطات جعفر المأثورة؛ فأنف ابن أبي عامر من تلك الدنية، وأشار على جعفر بتجريد الجيش للجهاد، وخوفه سوء العاقبة في تركه، وأجمع الوزراء على ذلك إلا جماعة خاموا عنه، فبادر ابن أبي عامر إليه ووعد من نفسه الاستقلال به على أن يختار الرجال، ويجهز لغزوته مائة ألف مثقال، فنفر بالجيش ودخل على الثغر الجوفي إلى جليقية، فنازل حصن الحامة من أعمال ردمير، فدخل ربضه وأفشى النكاية وغنم، وقفل ووصل الحضرة بالسبي إلى أثنين وخمسين يومًا، فعظم السرور وخلص الجند له، واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه.
حدثني أبي خلف بن حسين قال: تذاكرنا جود ابن أبي عامر [٤٦] يومًا
[ ٧ / ٦٢ ]
وبالحضرة محمد بن أفلح غلام الحكم، فقال: عندي من جوده غريبة، أنكحت بنتي على عهد مولانا الحكم والحال بنا ضيقة، فاضطررت لما أصلح به حال الجارية إلى بيع لجام محلى ثقيل الوزن رديء العيار، وكان عندي لزينتي أيام المراكب، وتقاعد فيه التجار فانقطع بي أملي؛ فوقع في نفسي قصد ابن أبي عامر صاحب السكة للذائع من كرمه، وأعظم رغبتي أن يضرب لي في السكة دراهم، فقصدته وعرفته رغبتي، فسارع بأطلق وجه وقال: سر إليّ بدار الضرب؛ فجئته وأوصلني إلى نفسه والدراهم المطبوعة بين يديه، وأومأ إليّ فأخرجت اللجام وأنا خائف من صرفه لسقوط عياره، فوالله ما نظر إليه ولا عايره، وراطلني والله باللجام بحدائده وسيوره. فأخذت ما لم يدر في وهمي أني أظفر بمثله. وعظم ابن أبي عامر في عيني، وقمت عنه وحجري ملآن ولا أصدق بما حصلت عليه؛ فجهزت بني وفضل لي شيء يكفيني؛ وقل مولاي الحكم في عيني وأحببت ابن أبي عامر، حتى لو دعاني إلى معصية الحكم - وهو مالك رقي وإمامي - لما قعدت عنه.
مظاهرة غالب مولى الناصر لمحمد بن أبي عامر
ومظاهرته على المصحفي إلى أن أسقطه ومات في سجنه
قال ابن حيان: وكان بين المصحفي وغالب صاحب مدينة سالم
[ ٧ / ٦٣ ]
شيخ الموالي وفارس الأندلس غير مدافع أشد ما كان بين اثنين من العداوة والتقاطع. فأهم المصحفي شأنه، وناظر الوزراء في ما بدا من تثاقله في الذب عن الثغر، فأشاروا باستصلاحه، وبادر بذلك ابن أبي عامر لما أراده من مظاهرته، فلم يزل يقوم بشأنه ويخدمه داخل الدار من قبل الحرم كعادته حتى تم على إرادته، وخرج الإذن أن ينهض غالب إلى ثنى الوزارة ويدبر جيش الثغر. وابن أبي عامر جيش الحضرة. ثم خرج ابن أبي عامر إلى غزاته الثانية، واجتمع به وتعاقدا على الإيقاع بجعفر. وقفل ابن أبي عامر غانمًا، وبعد صيته، فخرج أمر الخليفة هشام بصرف المصحفي عن المدينة، وكانت في يده يومئذ، فخلف عليها ابنه. فخرج ابن أبي عامر نحو كرسيها في ذلك اليوم والخلع عليه، ولا خبر عند جعفر، وإن ابنه لجالس مجلسها في أبهته، حتى صعد ابن أبي عامر نحوه، فولى ولد المصحفي الدبر ناكصًا على عقبه، وأتبع بدابته، وعاد إلى داره. وملك محمد بن أبي عامر الباب بولايته الشرطة، وأخذ على جعفر وجوه الحيلة، وخلاه وليس بيده من الأمر إلا أقله. وكان ذلك - زعموا - بتدبير غالب معه عند اجتماعهما بالثغر، وقال له: سيطير لك ذكر بهذا الفتح ويشغل السرور أهله عن الخوض فيما تحدثه من قصة، فإياك أن تخرج عن الدار حتى يعزل جعفر عن المدينة وتتقلدها، ويزول أمره على الباب والدار ويتم عليه التدبير حتى يزال عن الحجابة. ففعل ذلك وضبط المدينة ضبطًا أنسى به أهل الحضرة من سلف قبل من الكفاة أولي السياسة.
[ ٧ / ٦٤ ]
وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالبه؛ ففطن جعفر لتدبير ابن أبي عامر عليه بعد من وهلته، فكاتب غالبًا يستصلحه وخطب أسماء بنته لابنه عثمان، فأجابه غالب لذلك. وكادت تتم مصاهرته له. وبلغ ابن أبي عامر فقامت قيامته، وكاتب غالبًا يخوفه الخيلة ويهيج منه الحقد. وألقى عليه أهل الدار وكاتبوه فصرفوا غالبًا، ورجع إلى محمد بن أبي عامر وأنكح تلك الابنة إلى قصره وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله؛ فظهر كل الظهور، واستوثق له التدبير، وصار عنده جعفر لا شيء، إلا أنه غالطه زمنه إلى أن أحكم أسباب صرفه. واستقدم السلطان غالبًا وقلده خطة الحجابة مشتركًا كع جعفر. ودخل ابن أبي عامر بأسماء بنته ليلة نيروز العام المؤرخ، وكانت أعظم ليلة عرس بالأندلس. ولجعفر في ذلك رسالة إلى السلطان حسنة في بابها تملق فيها وتصنع، وهو قد أيقن بالنكبة؛ وكف عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء من التدبير، وابن أبي عامر يداهنه ولا يكاشفه، وجعفر يشك في أمره، قد استولى عليه الإدبار والحيرة، فلم يصح له رأي ولا روية؛ وانقبض الناس عنه، وانثالوا على ابن أبي عامر، إلى أن صار يغدو [٤٧] إلى قصر قرطبة ويروح وحده وليس في يده من الحجابة سوى اسمها، وابن أبي عامر قائم بشروطها، ينصب الحبائل لسقوط جعفر، والأقدار السماوية تنجده. وكانت لله عند جعفر في إيثاره هشامًا بخلافته، واتباعه شهوة نفسه وحظ دنياه، وتسرعه إلى قتل المغيرة لأول وهلة دون قصاص جريرة استدركته دون إملاء، فسلط عليه من كان قدر أنه يتسلط على الناس باسمه.
[ ٧ / ٦٥ ]
ولما اتفقت على جعفر هذه الأسباب، جد المقدار به وسخط السلطان عليه وعلى ولده وأنسابه وعلى أخيه هشام وسائر طبقته، وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع حساب تصرفوا فيه لأول الزمان. وأخذهم ابن أبي عامر بالخروج عنها، وتوصل بذلك إلى استئصال أموالهم وانتهاك حرمتهم وأبشارهم، واجتثاث أصولهم. وكان هشام ابن أخي جعفر قد بلغ من حسادته لابن أبي عامر أن سرق له في غزاته الثالثة في طريقه رؤوسًا للنصارى كانت تساق للحضرة، فنفسه فيها وأمر غلمانه فصبوها في النهر، فقامت قيامة ابن أبي عامر لذلك، وكاشف آل عثمان من ذلك اليوم؛ وتجرد لإبادتهم فاستبلغ في مكروه هشام عاجله بالقتل في المطبق قبل عمه جعفر، فلما [قتل] استقصى ابن عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة، وكانت من أعظم قصور قرطبة. واستمرت النكبة عليه سنين، مرة يحبس ومرة يخلى ويقر بالحضرة وتارة يسير عنها، ولا يراح في الحالتين من المطالبة والأذى. إذا سئم ابن أبي عامر إعناته وكله إلى غالب صهره فيتولى كبره، ويضعف عذابه. والأخبار عنهما في ذلك كثيرة. فلما بان عجز جعفر وضعفه أقر في المطبق بالزهراء إلى أن وافاه هنالك حمامه وأسلم ميتًا إلى أهله؛ وما ترك الناس بعد أن عدوه في قتلى ابن أبي عامر، وزعموا أنه دس له شربة سم قضت عليه. والله أعلم.
أخبرني محمد بن إسماعيل كاتب ابن أبي عامر قال: سرت مع محمد ابن مسلمة ثقة ابن أبي عامر إلى الزهراء لنسلم جسد جعفر بن عثمان
[ ٧ / ٦٦ ]
إلى أهله وننظر إلى عينه. وسرنا إلى منزله وما غطى جسده إلا كساء خلق لبعض البوابين ألقاه على سريره. ودعا له محمد بن مسلمة بغاسل بغسله على فرد باب اختلع من ناحية الدار. وخرجنا بنعشه وواريناه، وما جسر أحد شهوده معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضره من ولده. فعجبت من عدوان الزمان بعد تصريفه له، وإن لي بالاعتبار بشأنه في الحالتين مع قرب المدة لموعظة: وقفت له في طريقه من داره وقت علة الحكم. وقد تناهى أمره في الجلالة أروم أن أناوله قصة، فوالله ما تمكنت من الدنو إليه لكثافة موكبه، وأخذ الناس الطرق عليه مسلمين وسائلين، فانثنيت حسيرًا مبهوتًا. فلم تطل المدة حتى سبله ابن أبي عامر حاله وقبض عليه، وجعل يحمله في الغزوات معه. وسرت في صحبة ابن أبي عامر فاتفق لي أن نزلت في بعض المنازل بجليقية إلى جنب خبائه. وفي ليلة نهى ابن أبي عامر عن وقود النار ليخفى على العدو مكانه، فرأيت والله عثمان بن جعفر يسقي أباه جعفرًا دقيقًا قد خلطه بالماء يقيم أوده، والشيخ يحسوه ويحرص عليه، وضعف حال وعدم زاد، فلا أنسى تلك المواعظة. وما يغتر بالأيام إلا ضعيف العقل.
وكان مهلك جعفر فيما أخبرني به أبي خلف بن حسين سنة اثنتين وسبعين.
ومما طولب به جعفر مال الصقلبي جعفر، كان الحكم وقفه قبل خالد بن هشام وتورع عنه وأوصى أن يوزع في الكور التي كانت
[ ٧ / ٦٧ ]
إليه وقته، تحللًا من مظالم أهلها. فأرجأه عند خالد مدة إلى أن احتاج إليه فقبضه سرًا، واندفع إلى جعفر وأخذ خالد بن هشام براءته منه، فسئل جعفر عنه، فقال: كنت خادم الرجل وصاحب سره فعلمت برسمه، وإن رجع في الاستدلال إلى زمامه الماضي الذي كنت أقيد فيه الأموال الباطنة وجد فيه ثبته. فجيء في ذلك اليوم بذلك الزمام وقد قطع منه الدرج الذي فيه ذكر المال الباطن ووصل ما انقطع بذلك من الكلام بما بعده. وأرشد جعفر إلى هذه الوهلة، وحسب أن مع وجودها لا تلزمه الحجة. فعدلوا به إلى بيداء مضلة.
قال ابن حيان: ولما أمر بضمه إلى المطبق بالزهراء ودع أهله وولده وداع الفرقة، وقال: لستم تروني بعدها حيًا، فقد أتى وقت إجابة الدعوة وأنا أرتقبه منذ أربعين سنة. وذلك أني أسرفت على فلان - رجل [٤٨] سجن بعهد الناصر - وما أطلقته إلا برؤيا، قيل لي: أطلق فلانًا فقد أجيبت فيك دعوته، فأطلقته وأحضرته وسألته، فقال: نعم، دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون. فعلمت أنها قد أحببت، وندمت بحيث لا غني الندامة، فأطلقت الرجل، قالوا: فما لبث في محبسه إلا قليلًا وأخرج ميتًا، فسلم إلى أهله في أقبح صوره، وما زلت أسمع أنه قتل خنقًا، والله أعلم بالحقيقة، المغضي على محال هذه الخليقة. انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان في شأن جعفر بن عثمان.
وكان أحد من اجتمع له في ذلك الوقت نوعا البلاغة في النظم والنثر، وهو القائل في نكبته:
[ ٧ / ٦٨ ]
لا تأمنن من الزمان تقلبًا إن الزمان بأهله يتقلب
ولقد أراني والليوث تخافني وأخافني من بعد ذاك الثعلب
حسب الكريم مذلة ونقيصة ألا يزال إلى لئيم يطلب
وإذا أتت أعجوبة فاصبر لها فالدهر يأتي بالذي هو أعجب وحدث غير واحد أنه استعطف المنصور بهذه الأبيات:
هبني أسأت فأين الفضل والكرم إذ قادني نحوك الإذعان والندم
يا خير من مدت الأيدي إليه أما ترثي لشيخ نعاه عندك القلم
بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه بهذه الأبيات وهي لعبد الملك الجزيري:
ألآن يا جاهلا زلت بك القدم تبغي التكرم لما فاتك الكرم
ندمت إذ لم تفز منا بطائلة وقلما ينفع الإذعان والندم ومنها:
نفسي إذا جمحت ليست براجعة ولو تشفع فيك العرب والعجم
[ ٧ / ٦٩ ]
وأخبرت أن المصحفي لما بلغ إليه هذا الجواب قال:
لي مدة لا بد أبلغها فإذا انقضت أيامها مت
لو قابلتني الأسد ضارية والموت لم يدن لما خفت
فانظر إليّ وكن على حذر فبمثل حالك أمس قد كنت قال ابن بسام: ومما يروى لجعفر المصحفي عند ظهور ابن أبي عامر عليه، وانتزاعه ما كان من الحجابة في يديه، وإفضائه به إلى هذه الحال، من الهضم والاعتقال، قوله:
تندمت والمغرور من قد تندما وهل ينفع الإنسان أن تندما
غرست قضيبًا خلته عود كرمة وكنت عليه في الحوادث قيما
أكرمه دهري فيزداد خسة ولو كان من عود كريم تكرما جمل وجوامع من كبار الأحداث بالدولة العامرية
قال ابن حيان: أول ذلك الوحشة الحادثة بين ابن أبي عامر والخليفة هشام ووالدته صبح. والذي أثارها أسباب الحسد ودواعي المنافسة بين
[ ٧ / ٧٠ ]
أهل القصر الهشامي والعامري؛ وأشاعوا عنه أنه يريد أن يستبد بالأمر، فقام ابن أبي عامر في ركائبه لحسم حدته، وعلم أنه أتي من حاشية القصر. وكان به عدة من الخدم ففرقهم ومزقهم، ولم يدع في خدمة القصر إلا من استشعر له رهبة وهيبة، وأذكى العيون مع ذلك عليهم حتى ملك نفوسهم، ثم نظر في شد الأموال المختزنة فيه مذ عهد الخلفاء، ووصف أن أيدي الحرم تنبسط عليها.
قال ابن حيان: أخبرني ولد الخال من بعض ما كانت تفعله السيدة صبح مع أخيها رائق أنها أخرجت عند تمكن الوحشة بينهما وبين ابن أبي عامر مائة كوز على أعناق الخدم الصقالبة مختومة، قد صيرت أشطارها مالًا عينًا ذهبًا وفضة، وموهت على ذلك كله بالمري والشهد وغير ذلك من الأصباغ الرفيعة المتخذة بقصر الخلافة، وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك. ومرت بصاحب المدينة فحسبها كما كتبت عليها. وكان في تلك الكيزان ثمانون ألف دينار. فأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظها بانهماكه بالعبادة، وأن في تضييعها على المسلمين وعلى الدولة أعظم الآفة. فرأت الدجماعة أن كون الأموال بيد المنصور أسلم، وهو على حفظها أقدر وأقوم. ثم نالته على ذلك بقية علة طاولته فأرجفوا به، فانتقل ابنه عبد
[ ٧ / ٧١ ]
الملك إليه بالزاهرة لينفذ الأمور عنه. فكشف أعداؤه وجوههم عند استحكام الإرجاف به، وراسلوا حاشية الخليفة هشام سرًا، وجهزوا للقيام عليه؛ فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم [٤٩] . واشتد [ذلك] على ابن أبي عامر، فتقدم إلى ابنه عبد الملك أن يعترض ألفي فارس من المصطنعين للدولة والغلمان العامريين، وأن يبيتوا معه بالزاهرة لإنفاذ العزيمة فيما رآه من حمل الأموال إليه. وأحكم الأمر مع الفقهاء والوزراء، فركب ذلك الجيش من بين يديه يوم الثلاثاء الثالث من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، فأتى قصر الخلافة بقرطبة، وأذن لمن وافى من الفقهاء والوزراء بالوصول إلى مجلسه، وشافههم في ذلك، فاعترف الملأ بفضل أبيه المنصور، فقال لهم عبد الملك: إن قومًا ممن يتصل بأسباب الخليفة هشام يؤثر الفتنة ويكره الدعة. فأنكرت الجماعة ذلك. وأحب عبد الملك والوصول بهم إلى مجلس هشام لشافهوه بهذه الكروب العظام. فكره هشام ذلك وامتنع منه وتبرأ منه أعداء ابن أبي عامر؛ وانصدع جمعهم على انتقال المال، فنقل في ثلاثة أيام حتى استنفذ جميع ما ظهر عليه من بيات المال، وتعذر ما كان بجوف القصر من بيت مال الخاصة؛ ودافع عنه أهل الدار لقيام السيدة أم هشام دونه. أخبرني أبي بعظيم ما شاهده من صرامة تلك المرأة لابن أبي عامر وولده ورميها لهما بكل عظيمة، وعبد الملك يومئذ ساكت يتجرع غصصه، لا يرد كلمة. فبلغ عبد الملك رغبته، وانكفأ إلى أبيه بالزاهرة بعد أن ثقف القصر، فسكن جأش ابن أبي عامر بإحراز تلك الأموال
[ ٧ / ٧٢ ]
وكان جملة ما حمل - زعموا - من الورق خمسة آلاف ألف دينار دراهم قاسية، ومن الذهب سبعمائة ألف جعفرية.
ثم استبل المنصور، ووصل إلى مجلس الخليفة هشام مع ابنه عبد الملك وسائر عظماء الدولة، فخلا هشام مع ابن أبي عامر واعترف له بالفضل والاضطلاع بالدولة، فخرست ألسنة الحسدة. وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له، إذ كان منهم من لم يره قط، فأبرزه للناس وركب ركبته المشهورة، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا من أحصى آجالهم، في بهجة ولبوس وهيئة، معممًا على الطويلة، سادلًا للذؤابة، والقضيب في يده، زي الخلافة، وإلى جانبه المنصور راكبًا يسايره، وقدامه الحاجب عبد الملك راجلًا يمشي، ويسير الجيش أمامه، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريين والعامريين ما عجب من كثرتهم.
وفاة المنصور بن أبي عامر
قال ابن حيان: وخرج المنصور إلى الغزاة، وقد وقع في مرضه الذي مات منه في صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، واقتحم أرض جليقية من تلقاء مدينة طليطلة، ومرضه يخف وقتًا ويثقل وقتًا. ونفذ على عمل بني غومس إلى أرض قشتيلة، بلد شانجه
[ ٧ / ٧٣ ]
بن غرسيه. وهو كان مطلوبه الذي ألب عليه الجماعة، فأحل الغارات بأقطاره فقويت عليه العلة هنالك، فاتخذ له سرير خشب ودع عليه أغضاءه، وسوي مهاده متطاول الشكل يمكنه الاضطجاع عليه متى خارت قواه. وكان يحمل سريره على أعناق الرجال، وسجفه منسدل عليه، وعساكره تحف به وتطيع أمره. وكان يحمل بين يديه شراع خفيف منصوب ينقل على الأيدي، فإذا حركته الخلفة أنزل سريره إلى جنب الشراع ليقضي ما به من حاجة؛ وتناول وضوءه جاريتان من قوامه كان حملهما في غزاته، فكانتا تسيران وسط الفتيان، وما كان بين نزوله واستقلاله إلا الفترة لقوة الخلفة؛ بذلك قطع أربعة عشر يومًا حتى وصل إلى مدينة سالم. وكان هجر الأطباء في علته تلك لاختلافهم فيها، واقتصر على أوصاف كاتبه الجزيري عبد الملك. وأيقن هنالك بالموت، وكان يقول: إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما فيهم أسوأ حالًا مني؛ وددت أن أقال زلتي وأنا كبعض هؤلاء السودان الحاملين لسريري. وكان تحمل ما كان حوله من الطيب، فاشتغل ذهنه يومئذ بقرطبة وهو بمدينة سالم وقد أيقن بالوفاة. فأمر ابنه عبد الملك بالنفوذ لشدها في طائفة من ثقات غلمانه بعد أن أوصى كلهم أشتاتًا وجماعة. ثم خلا بولده عبد الملك يوصيه ويودعه ويقبض على يده، وكلما ذهب عنه استرده مستدركًا بوصيته. وعبد الملك يبكي فينكر ذلك عليه ويقول: هذا
[ ٧ / ٧٤ ]
أول العجز والفشل؛ إلى أن قضى وطره ما بينه وبين عبد الملك، وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر إلى أن ينفذ حكمه فيه. وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي ابن [٥٠] ذكوان فدخلها في صدر شوال من العام، فسكن الإرجاف بموت والده، وعرف الخليفة كيف تركه.
قال ابن حيان: قال لي أبي خلف بن حسين: ووجد المنصور بعض الراحة. وأمر أن تدخل عليه جماعة فدخلت في جملتهم ودنوت منه وهو كالخيال لا يبين كلامًا، وأكثر عمله بالإشارة كالمسلم المودع. وخرجنا فكان آخر العهد به. ومات ليلة الاثنين لثلاث بقين لرمضان من العام المورخ، وعلينا في العسكر عبد الرحمن ابنه فعزيناه؛ وكان أوصى أن يدفن حيث يقبض ولا ينقل تابوته، فدفن في قصره بمدينة سالم. ورأوا أنه اختار الله له، إذ كانت من أطيب ما بناه ﵀.
وتلوكم ابنه عبد الرحمن بالعسكر مدة الأسبوع وهو ينتظر رأي أخيه عبد الملك في القفول، والغلمان يضطرون عليه وطمعوا في رد الدولة، فقال لهم عبد الرحمن: اصبروا، فكشفوا ما في أنفسهم له، وقالوا: وإنما نحن في حجر آل أبي عامر الدهر الداهر -! نلحق ببابمولانا الخليفة هشام ولا نتدبر إلا بأمره. فتقدمه إلى قرطبة منهم نحو سبعمائة منهم عبيد الله بن بدر، ثم جاءه بعد إذن أخيه، فقدم هو بسائر العسكر، وتجدد يوم ورد قرطبة من الحزن بابن أبي عامر
[ ٧ / ٧٥ ]
وحركه خدمه، وقيانه قد ألبست المسوح والكسية بعد الوشي والحبر، ما لا شيء فوقه.
أخبرني أبي قال: سمعت محمد بن أبي عامر يوصي ابنه عبد الملك في مرضته تلك ويقول في جملة كلامه: يا بني، لست تجد أنصح لك مني فلا تعدين مشورتي: قد جردت لك رأيي ورويتي على حين اجتماع من ذهني، فاجعلها مثالًا بين يديك. قد وطأت لك مهاد الدولة، وعدلت لك طبقات أوليائها، وغايرت لك بين دخل المملكة وخرجها، واستكثرت لك من أطعمتها وعددها، وخلفت جباية تزيد على ما ينويك لجيشك ونفقتك؛ فلا تطلق يدك في الإنفاق، ولا تقبض لظلمة العمال، فيختل أمرك سريعًا، فكل سرف راجع إلى اختلال لا محالة. فاقصد في أمرك جهدك، واستثبت فيما يرفع أهل السعاية إليك. والرعية قد استقصيت لك تقويمها، وأعظم مناها أن تأمن البادرة وتسكن إلى لين الجنبة. وصاحب القصر قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه، والآفة ممن يتولاه ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة. ولا ترع عنها سوء ظن وتهمة، وعاجل بها من فته على أقل بادرة، مع قيامك بأسباب صاحب القصر على أتم وجه؛ فليس لك ولا لأصحابك شيء يقيكم الحنث في يمين البيعة إلا ما تقيمه لوليها من هذه النفقة. فأما الانفراد بالتدبير دونه مع ما بلوته من جهله وعجزه عنه، فإني أرجو أني وإياك منه في سعة ما تمسكنا بالكتاب والسنة. والمال المخزون عند والدتك هو ذخيرة مملكتك، وعدة لحاجة تنزل بك، فأقمه مقام الجارحة من جوارحك التي لا تبذلها إلا عند الشدة تخاف منها على سائر جسدك. ومادة الخراج غير منقطعة
[ ٧ / ٧٦ ]
عنك بالحالة المعتدلة. وأخوك عبد الرحمن قد صيرت إليه في حياتي ما رجوت أني قد خرجت له فيه عن حقه من ميراثي، وأخرجته عن ولاية الثغر لئلا يجد العدو مساغًا بينكما في خلاف وصيتي فيسرع ذلك في نقض أمري، ويجلب الفاقرة على دولتي. وقد كفيتك الحيرة فيه فاكفه الحيف منك. وكذلك سائر أهلك فيما صنعت فيهم بحسب ما قدرت به خلاصي من مال الله الذي في يدي، وخلافتك بعدي أجدى عليهم مما صرفته؛ فلا تضيع أمر جميعهم، وألحظهم بعيني، فإنك أبوهم بعدي، فخرج ذكورهم باستخدامك، وألحف إناثهم جناحك، جبر الله جماعتهم، وأحسن الخلافة عليكم. فإن انقادت لك الأمور بالحضرة فهذا وجه العمل، وسبيل السيرة، وإن اعتاصت عليك فلا تلقين بيدك إلقاء الأمة، ولا تطبيك وأصحابك السلامة فتنسوا ما لكم في نفوس بني أمية وشيعتهم بقطربة. فإن قاومت من توثب عليك منهم فلا تذهل عن الحزم فيهم، وإن خفت الضعف فانتبذ بخاصتك وغلمانك إلى بعض الأطراف التي حصنتها لك. واختبر غدك إن أنكرت يومك. وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم.
قال: وسمعته يقول لغلمانه عند هذه الوصية: تنبهوا لأمركم، واحفظوا نعمة الله عليكم، في طاعة عبد الملك أخيكم ومولاكم، ولا تغرنكم بوارق بني أمية، ومواعيد من يطلب منهم شتاتكم. وقدروا ما في قلوبهم وقلوب شيعتهم بقرطبة من الحقد عليكم، فليس يرأسكم
[ ٧ / ٧٧ ]
بعدي أشفق عليكم من ولدي. وملاك أمركم [٥١] أن تنسوا الأحقاد وأن تكون جماعتكم كرجل واحد. فإنه لا يفل فيكم. وما زال يكرر هذا وشبهه لطائفة بعد أخرى حتى ضعف وشغل بنفسه.
قيام عبد الملك ابنه بالدولة
ولما ورد النبأ بموته ركب عبد الملك إلى هشام ونعى إليه المنصور أباه. فأظهره الإشفاق، وعرفه بما اضطرب من أمر الفتيان وعصايانهم؛ فخرج هشام وأمره بتدبير أمرهم بحسب ما يستقيم به أمر الدولة، وحذره مواقعة الدماء وتلقيح الفتنة، وخلع عليه، وأخرج معه كتابه بولاية الحجابة مكان أبيه، وقرئ على الكافة، وأنشئ به الكتب إلى الأقطار. وعاقب بعض الفتيان العاصين، وأخرج بعضهم إلى سبتة، فما قفلوا عنها إلا عند العسكر الكبير مع أخيه عبد الرحمن، واجتمع الشمل، وتمكنت الطاعة، وأيس الأعداء من دولة بني عامر، وعلموا أنها وراثة.
وأسقط عبد الملك سدس الجباية لأول ولايته في جميع أقطار الأندلس عن الرعية، فراقت أيامه، وأحبه الناس سرًا وعلانية، وأنصب الإقبال والتأييد عليه انصبابًا لم يسمع بمثله، وسكن الناس منه إلى عفاف ونزاهة نفس، فباحوا بالنعمة، وأخذوا في المكاسب والزينة من المراكب والملابس والقيان، حتى سمعت أثمان هذه الأشياء في مدته. وبلغت الأندلس في أيامه إلى نهاية الجمال والكمال وسعة
[ ٧ / ٧٨ ]
الحال، في كنف ملك مقتبل السعد، ميمون الطائر، غافل عن الأيام، مسرور بما تنافس فيه رعيته من زخرف دنياها، فاجتمع الناس على حبه، ونجا من الفتن. وأخباره في ذلك مأثورة. وكان على أهل الأندلس أسعد مولود ولد. بلغني عن أحمد بن فارس البصري المنجم زعيم الصناعة بها على عهد الحكم أنه نظر في مولد عبد الملك هذا وهو طفل فأشار من بعد سعادته إلى أمر كبير لم يدرك هو آخره، فعجب من شاهده من جودة إصابته، وذلك أنه قال: لم يولد قط بالأندلس مولود أسعد منه على أبيه وعلى نفسه وحاشيته، نعم، وعلى أهل الأندلس طرًا، وعلى أرضها فضلًا عن ناسها، وأنها لا تزال بخير حياته، وإذا هلك ما أراها إلا بالضد. قال ابن حيان: سمعت هذا الحديث عن ابن فارس من غير ما طريق، فكان كما قال، لقد حدث بالأندلس إثر مهلكه ما هو مشهور.
وكان عبد الملك من أحيا الناس، فإذا كانت الحرب عوين منه الأسد المحرب في براثنه حطمًا وشدة. من رجل عديم الفهم والمعرفة جملة، صفر من الأدب والتعاليم، حتى ما كان يسايره وينادمه إلا العجم من الجلالقة والبرابرة ممن لا يهش لسماع، ولا يطرب لإيقاع. فارتفعت بذلك عن مجالس لهوه طبقة المعرفة، وقوض عنها كل فاضل وعالم، واعتاض منهم بجفاة البرابر والأعاجم. إلا أنه مع زهده في الأدب تمسك بمن كان استخلصه أبوه من طبقات أهل المعرفة من خطيب وشاعر، ونديم وشطرنجي، ومعدل وتاريخي وغيرهم
[ ٧ / ٧٩ ]
حفظًا لصنائع والده وقيامًا برسومه، فقررهم على مراتبهم، ولم ينقصهم سوى الفوز بخصوصيته. وكانت ترفع إليه بطائق أهل الشعر ويصلهم على تساهلهم في مديحه لأمانهم من نظره فيها. وأحرز لهم مع الفائدة عفو القريحة، وذلك بين لمن تأمله في أشعار مادحيه لفتورها.
ثم أغرق عبد الملك النزع في دولته، وانهمك في طلب الآلات الملوكية حتى جلب إليه من ذلك كل علق خطير، وتأنق في مراكبه هو وأصحابه بالحلية التامة بخالص اللجين. عهدي به يوم فصوله لغزوته سنة ثمان وتسعين التي احتفل فيها لشانجه بن غرسية، واستكثر فيها من العدة والعدد، فبرز على جواد من مقرباته المنسوبة، بأفخم تلك المراكب المسلسلة، ولبوس درع فضية مطرزة بالذهب، وعلى رأسه خوذة مثمنة الشكل، محددة الرأس، مرصعة الطرق بدر فاخر، واسطته حجر ياقوت أحمر مرتفع القيمة؛ قد لزم وسط الجيش، وطرح الشعاع على سنة وجهه، فما رأى الناس بعده ملكًا يعدله في البهاء والبهجة.
وكانت مما راقت به دولته في الجمال ما تلاحق فيها [٥٢] [من] غلمان أبيه العامريين الناشئين في دولة المنصور، وكان قد وفر عنايته بهم، وجد في تدريبهم، ووقف حذاق المنافقين على تخريجهم، فأثمر
[ ٧ / ٨٠ ]
غرسهم، وأمكن جناهم، وراقت جملتهم في الفروسية والرماية، وبلغوا ألفي غلام.
وانهمك أيضًا في اصطناع البرابرة العدويين، ودعا القبائل منهم إلى الدخول إليه والخدمة له. وكان من أعظم من هاجر إليه منهم زاوي بن زيري ابن مناد الصنهاجي عم أبي المعز بن باديس بن منصور صاحب إفريقية وصاحب الفرقة الخارجة عليه من أهل بيته. وكان المنصور أيامه قد التوى في الإذن له بالدخول إلى الأندلس حذرًا من دهيه ومكره وبعد صيته في المغرب. فأضرب عبد الملك عن الفكر في شأنه وطلب السمعة باستخدام مثله، فأدخله بمن معه من إخوته، وهم من سعة النعمة وبعد الهمم واستصغار الرغائب فيما يكون عليه أشباههم من أبناء الملوك، فاستقلوا ما وصلهم به عبد الملك على كثرته، وما استقر [وا] الدار إلا على قلعة، ولا [] معروفهم، ولا لبسوا أعالي المراتب السلطانية إلا على ابتذال ومحقرة، ولا قطعوا أمد المقام بالأندلس إلا بذكر الرحلة والتماس التسريح بكرة وعشية، جهلًا وفرط أنفة، والأقدار موكلة بثني عزم عبد الملك عن إسعافهم بسراحهم لما كان قدره - عز وجهه - من الفتنة وتفريق شمل الأندلس بأشباههم، فلم يخرجوا عنها إلى أن قاموا على الجماعة، وشغبوا عليها بعد عبد الملك. وكان شيخهم زاوي أول دخوله الأندلس يظهر [من] أنواع البر والبشر للناس ما لا شيء فوقه. وكان شأنه في الدهي
[ ٧ / ٨١ ]
والمكر والخلابة عجبا. وكان يرجع في إقامة ما اعتاده من سعة إنفاقه إلى ما جاؤ به من بلده من عقود وذخائر، فيبيع من ذلك النفيس والخطير، وربما اشترى من ذلك عبد الملك فيزيد في حسرته. وكان عبد الملك [راغبًا] في رفعة منزلته، وولاه الوزارة أرفع خطط أصحاب السلطان بالأندلس، ووصل إليه الرسول بالصك في ذلك وطلب أن يصله، فقال: لو جئتنا بمال لأسهمناك، وإنما [خطتنا الإمارة] لا الوزارة، وأقلامنا الرماح، وصحائفنا الأجساد. ولم يمتنع عبد الملك مع غطرسة زاوي هذا من إقامة الحد على من وجب عليه من أهله: عدا ابن أخيه على مولى لهم فقتله فأقاده عبد الملك لحينه، وأسلمه أهله السيف فضربت عنقه على قتيله ذلك، بمقبرة كلاع بمشهد عظيم من الناس، وأسلمت جثته إلى أهله. ونبت الأندلس بعد بأخي زيري أبيه فقوض عنها أول المقوضين من صنهاجة بسراح من عبد الملك.
قال ابن حيان: وانبسطت حاشية الخليفة هشام بن عبد الملك طول مدته في جميع أحوالها، فحملهم على مرادهم. وانهمك هشام طول أيامه فلم يظهر وقتًا فيها، ولا شهد صلاة، واحتجب في نزهة الباطنة على رسمه في أيامه أبيه المنصور. وبلغه منها عبد الملك بغيته، وجعل يخرجه
[ ٧ / ٨٢ ]
منها مع حرمه مستخفيًا بعد طرد الناس عن طريقه، فيضرب به إلى كل ناحية. ثم يعود إلى قصره. ونال في مدة هذا الإنهماك والدعة أهل الاحتيال من الناس عندهم الرغائب النفيسة، بما ازدلفوا به من أثر كريم، أو زخرفوه من كذب صريح، حتى لقد اجتمع عند نساء القصر ثمانية حوافر عزي جميعها إلى حمار عزيز المستحيى بالآية الباهرة، واجتمع عندهن من خشب سفينة نوح ﵇ وألواحها قطعة، وظفرن من نسل غنم شعيب ﵇ بثلاث. وكلفن من هذا ومثله لعفتهن وزهد صاحبهن بأشياء توجهت على أموالهن من قبلها أعظم حيلة، ولهجن مع ذلك بطلب ذوي الأسماء الغريبة من الناس، الموافقة أسماؤهم لمن اجتباه الله من خلقه. مثل عبد النور وعبد السميع وعبد اللطيف وعبد المؤمن وحزب الله ونصر الله وفضل الله، ومثل ياسين واليسع ومن جانسه، يصير الرجل من هؤلاء في الحاشية، ويستعمل على وكالة جهة، ولا يبعد أن يتمول في أقرب مدة، وإن اتفق مع ذلك أن يكون ذا لحية عثولية، وصاحب سبال وهامة، فقد تمت له السعادة، ولا سيما إن كانت لحيته حمراء قانية، فإنها أجدى عليه من دار البطيخ غلة، ثم لا يسأل عما وراء روائه من أصل ولا فضيلة، ولو كان مرددًا في بني اللخناء، وعاريًا من جميع الخصال، والأخبار في مثل هذا عنهن كثيرة [٥٣] مأثورة. فباهت حرم هشام بمثل هذه المعاني الشاذة، وبذلن [من] الأموال في التماسها بما لم يسمع مثلها، ولم تزل الدولة
[ ٧ / ٨٣ ]
تزداد انهماكًا إلى أن مات عبد الملك، وكبت كبوة لم تستقلها آخر الدهر.
قال ابن حيان: وكانت ولاية عبد الملك وفرق النصرانية بأسرها منتقصة، وعهدها قريب بالاجتماع على المسلمين، وأطماعها بموت حتفها المنصور ثابتة. وكانت الأفرنجة في آخر وقت المنصور قد تمسكت بالمسالمة، فلما سمعت بموته طمعت، واحتاج عبد الملك إلى التثاقل عنهم توطيدًا للحضرة، إلى أن اعتدلت فيها الدولة، وأخبار الثغور توافيه كل وقت بما لا يوافقه. وكان أهم جموع طوائف الطواغيت عليه يومئذ أميرًا شيطانهم الرجيم، ومغويهم الزعيم، شانجه بن غرسيه بن فرذلند صاحب قشتيلة. وكان يليه في النكاية منتدس [بن] عندشلب قومس غليسية، وكافل ملكهم أذفونش بن برمند، وسائر القواميس عندهما سقط وحاشية. فقدم عبد الملك الحذر منهما، فألقى مولاه واضحًا الفتى صاحب مدينة سالم على شانجه، فصالحه واضح سنة ثلاث وتسعين ولاطفه إلى أن تمهدت قواعد الدولة. وجرد عبد الملك يومئذ إلى ثغر قلمرية قاصية الثغر المواجه لأرض غليسية جيشًا كثيفًا، وبقي في وجه منتدس بن عندشلب، وصمد عبد الملك بلد الإفرنجة إذ لم تزل عند ولاة الأندلس مبدأ كل علة. فاستعد لقصدهم، واقتحم أرضهم في جموعه وأوغل في بسيط برشلونة، وحطم غير ما مدينة
[ ٧ / ٨٤ ]
وعاد قافلًا سالمًا غانمًا. فهابته الإفرنجة وأذعنت إلى السلكن وجاء رسولها إلى قرطبة، وقد أعد عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخل ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعًا ووقعت الفتنة.
قال ابن حيان: سمعت بعض المشايخ يومئذ يقول: إنه ما كان بالأندلس مثل ذلك في أمد الدولة، بما اجتمع له من كثرة الجمع والزينة والعزة السلطانية. وأما التجار الغرباء فدخلوا يومئذ إلى موضع هيئة التجافيف والأعلام المصورة وسائر القطع العجمية والقنا الهندية، وموقف خيل الركاب بالسروج الثقال، والتراس المذهبة والمفضضة، معها بغال الركاب الرائقة في زيها المشهور، وما اتصل بذلك من عدة غريبة. وتوصل أولئك التجار إلى ذلك المكان قبل إباحته للنظارة بإذن التمسوه من عبد الملك، فلم يختلفوا في استيساع ما عاينوه، واتفقوا - وكانوا جملة عراقيين ومصريين وغيرهم - على أنه ما شاهدوا لأحد من ملوكهم مثله.
ولما أحكم عبد الملك الشد الفتن الفرنجة دبر قصد شانجه، فخرج نحوه صائفة سنة أربع وتسعين، وأوغل في أرضه وخام عنه شانجه ولم يظهر له، وقفل عبد الملك إلى قرطبة. فاضطر شانجه إلى السلم ووفد بنفسه إلى قرطبة، فأعظم عبد الملك مورده، وضمن أن يغزو معه قومه. فخرج مع عبد الملك سنة خمس وتسعين، فاقتحم جليقية وغادر أعمال بني غومس مصطلمة، وهدى المسلمين شانجه إلى عورات قومه، وانتهى بهم إلى مدينة ليونه وهي من أمنع المعاقل، ولم يكن المنصور بلغها لصعوبتها
[ ٧ / ٨٥ ]
وطمع عبد الملك فيها ونازلها فأعيت عليه، وقفل إلى قرطبة. وبقي شانجه في مسالمته ثلاثة أعوام يستعد لحربه. فأحس عبد الملك بغدره، فسابقه بالغزو سنة ست بعدها، وضحى عبد الملك يومئذ بمدينة سالم، ووافاه هنالك رسول الروم من القسطنطينية بكتابه إليه، يسأله المواصلة على سبيل سلفه مع ملوك المروانية. وساق له هدية وعدة من أسارى الأندلس طير عليهم بأطراف جزائره البحرية، فسر عبد الملك بذلك، وإذا كتابه مكتوب بالذهب على رسم ملوك الروم الذي فات الصنعة. وذكر صاعد ورود ذلك الرسول في شعر قال فيه:
زلزلت بالمرهفات صاحب قس طنطين حتى اتقاك بالكتب
يطلب فيها رضاك مجتهدًا من قبل أن يتقيك بالهرب
فليس بالفائت البعيد مع الل هـ إذا [ما] هممت بالطلب وتمادى استعداد شانجه سرًا لغزو عبد الملك فسابقه [٥٤] سنة سبع وتسعين، وظهر المسلمون عليهم. ثم قفل إلى قرطبة آخر ذي الحجة منها. ثم غزا سنة ثمان غزوته الأخير في شوال، فاعتل في مدينة سالم، ورجع إلى قرطبة محرم سنة تسع وتسعين. فكانت آخر غزاة نفذت إلى بلاد الحرب لوشكان موته في صفر منها. وضبط أخوه عبد الرحمن الأمر بعده لنفسه.
[ ٧ / ٨٦ ]
فصل في ذكر الوزير أبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدارمي،
وإثبات جملة من أشعاره مع ما يتشبث بها من طريف أخباره
بلغني أنه خرج من بغداد إذ مات أبوه، وأساء عشرته أخوه، وسنه دون العشرين، فلحق بالأمير محمود، وشهد حروبه بأرض الهنود، وله فيه غير ما قصيد، إلى أن توفي فولي أكبر ولده بعده، فبقي أبو الفضل على حاله عنده، إلى أن خرج بعض إخوته عليه، فنهض لحربه، فدبر وزراؤه في طريقه الفتك به، وشاوروا أبا الفضل في القضية، فأبى من تلك الدنية، وأودع أذن الأمير، ذلك التدبير، فخاف وزراؤه أن يفتضحوا، وعاجلوه قبل أن يصبحوا، وقيدوه قبل أن يقدم أخوه، فسبقهم أبو الفضل إليه، ونص ما فعلوه بأخيه عليه. فشكر له وفاءه لصاحبه، وقال: الوفاء حلية الأحرار، والغدر ثوب الأشرار، ووصل القوم بعد بأخيه، ففك عن أغلاله، وحبسه عند بعض عماله، وضرب أعناق الغدرة، وقرب أبا الفضل واستوزره، إلى أن خرج عنه في خبر طويل
[ ٧ / ٨٧ ]
ولحق بشروان شاه، وصحبه إلى أن توفي أيضًا وولوا أخاه، فكاتب أبو الفضل الخليفة أبا جعفر القائم ببغداد في الوصول إليه، فاتفق ورود كتابه إثر وفود رسول المعز بن باديس عليه، فطلب الخليفة رجلًا يسفر بينهما، فأرشد إلى أبي الفضل، فوجه عنه وورد، فجهزه وخرج مستترًا من بلد إلى بلد حتى وصل حلب، فاشتهر خبره وطلب، فمدح معز الدولة بقصيدته التي ا، لها: " عهود الصبا من بعد عهدك آمل " فأمر له بثياب سرية، وحمله على فرس عربية. ثم انفصل عنه واجتاز بمعرة النعمان، وبها المعري أحمد بن سليمان، فوصل إليه، وأنشده قصيدته اللامية، فقبل المعري بين عينيه، وقال له: بأبي أنت من ناظم! ما أراك إلا الرسول إلى المغرب. فوصل مصر ووزيرها يومئذ صدقة ابن يوسف بن علي الملقب بالفلاحي، فقصد مجلس قاضي القضاة بها، وأثبت عقدًا على رجل مشهور، كان يومئذ ببلاد المغرب بشهادات زور، ولما ثبت ذلك من الطومار، خرج من مصر في زي التجار، يؤم بلاد إفريقية، فوقع على خبره صاحب الإسكندرية، وطلبه فأعجزه. وبلغ
[ ٧ / ٨٨ ]
طرابلس المغرب أول عمل المعز، فأفشي أمره، وفضح سره، فأمر المعز بإشخاصه. فلما وصل سعي به عنده وأراد قتله، فقال له: تأن في، واستقص علي، فإن صدقت وإلا قتلت. فمشى أبو الفضل بالقيروان مرقبًا عليه، إلى أن ورد كتاب القائم بصدقه، فاعتذر إليه، ورفع منزلته وأكرمه، وبسط يده في مطاليبه وحكمه. فحملهم أبو الفضل إلى منزله، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. فعجب المعز من كرمه، وقلده تدبير حشمه. وكان ورود أبي الفضل بلد القيروان سنة تسع وثلاثين. حكى ذلك أبو علي بن رشيق وقال: إنه أول من أدخل كتاب اليتيمة للثعالبي عندهم، وشهد حصار القيروان معهم. فلما كان عام ستة وأربعين صرف المعز خطبته إلى صاحب مصر، ونبذ العباسية. فخرج أبو الفضل إلى سوسة، فتطاول عليه أهلها، فخرج عنهم بعد أن أوقع الفتنة بينهم، وتركهم فرقتين: قيسية ويمنية، وأوقع في نفوسهم أن الحرب قائمة بين هاتين القبيلتين إلى يوم القيامة. فاقتتل الفريقان إلى أن تغلب عليهم تميم بن المعز. وتردد أبو الفضل هنالك عدة سنين، وشهد الحروب مع بلقين. ثم انتبذ من تلك الناحية، وركب البحر فنزل بدانية، فبعث إليه أميرها ابن مجاهد بلحم وأرباع دقيق أول نزوله، فصرفها في وجه رسوله، وتعجل الارتحال عنه إلى بلنسية فلقي برًا، واستجلبه المأمون ابن ذي النون فحسن بطليطلة مثواه [٥٥] وأجزل قراه، وتوسع له ولعبيده في البر، وأجرى له ستين مثقالًا في الشهر. وكان دخوله طليطلة
[ ٧ / ٨٩ ]
يوم الجمعة لثلاث بقين لجمادى الأولى سنة أربع وخمسين، وتوفي بها ﵀ منتصف شوال سنة خمس وخمسين.
ومن غريب وفاء المأمون له - زعموا - إنه استمرت جرايته على حاشيته، وتجافى عن ميراثه وجعله وصية له إذا لم يوص لفجأة وفاته. ورثاه الحكم أبو محمد بن خليفة بشعر يقول فيه:
سقى الله قبرًا حل فيه أبو الفضل سحابًا يسح المزن وبلًا على وبل
وكيف يسقي المزن قبرًا يحله وفي طيه بحر المكارم والفضل
وبدر تمام من تميم نجاره ملوك لهم قام الملوك على رجل ومنها:
وما الدهر إلا آكل من نفوسنا ونحن لديه في الحقيقة كالأكل وهذا كقول المعري:
وما الأرض إلا مثلنا الرزق تبتغي وتأكل من هذا الأنام وتشرب وقد كرر المعري هذا المعنى في مواضع:
فشم صارمًا واركز قناةً فللردى يد هي أدرى بالطعان وأدرب
أفض لهامات وأرمى بأسهم وأطعن في قلب الخميس وأضرب
[ ٧ / ٩٠ ]
ووزير مصر الملقب بالفلاحي المتقدم الذكر، والده كان يوسف ابن علي الذي هجاه الواساني بالقصيدة التي أولها:
يا أهل جيرون هل لسامركم إذ استقلت كواكب الحمل وهو يومئذ مشرف على دمشق في أيام الحاكم، وهي قصيدة في معناها فريدة. وقال الحاكم يومًا: أريد سماع هذه القصيدة من رجل حسن النشيد. فقيل له صوت الذي قيلت فيه، لا أحد يجاريه، فأحضر واستعفى من نشيدها فلم يعذر، وأنشد إلى أن انتهى إلى قول الواساني فيها:
كنت على باب منزلي سحرًا أنتظر الشاكري يسرج لي
وطال ليلي بحاجة عرضت باكرتها والنجوم لم تمل
فمر بي [في الظلام] أسود كال فيل عريض الأكتاف ذو عضل
مشقق الكعب أفدع اليد وال رجل طويل الساقين في سمل
فأهدت الريح منه لي أرجًا مثل جني الروض في الندى الخضل
فصحت من خلفه رويدك يا أسود مالي بالعدو من قبل
فكر نحوي عجلان يعثر في مرط كساء مبرغث قمل
وقد مذى فالمذي يقطر من غرموله في الذيول كالوشل
وظن أني صيد فأبرز لي فيشلة مثل ركبة الجمل
[ ٧ / ٩١ ]
وقال: لج داركم لأولجها فيك وإن كنت لم تبل فبل
فطالما أسهلت طبيعة من ليس بأمثالها بمحتمل
فانظر إليها فإن رأيت لها شبهًا فلا تدعني أبا الجعل
وخذ عمودًا فلاغه شرج لم يمتعهن ساعة ولم يذل
قلت له: والذي يمد لك ال عمر ويعطيك غاية الأمل
ما شق دبري مذ قط فيشلة ولا انتخاب الأيور من عملي
ولا لهذا [دعيت] فاطلب لغر مولك من يستلذه بدلي
وهات قل لي بالله من أين أقبل ت ودعني من هذه العلل
فقال لي بت عند عاملكم هذا أبي الفضل يوسف بن علي
فصاك بي طيبه وصاك به مني صنان في حدة البصل
تركته في النهار أخفش لا ينظر في خدمة ولا عمل
ملت ترديت واعتديت على شيخ نبيل ينمى إلى نبل
لعله غيره فصفه فما تخدع مثلي بهذه الحيل
فقال: يا سيدي عجلت بمك روهي وكان الإنسان من عجل
هذا الذي بت عنده نصف دون من وفوق مكتهل
آدر رخو العجان منحرف ال مبعر ألحى مهيج السفل
[ ٧ / ٩٢ ]
أنتن من كل ما يقال إذا بالغ في النتن ضارب المثل
نعم، وفي باب سرمه وضح أبيت ليل منه على وجل
أخاف يعدي أيري ببرصته فأغتدي مثلةً من المثل
فقلت: هذي صفاته ولقد شغلت قلبي بذلك الرجل ومنها في التعريض بمنشا بن إبراهيم:
فقلت قل لي من أين تعرفه فقال ذرني من هذه العقل
كنت أجيرًا ببد معصرةٍ كانت قديمًا لكاتب البجل
فنمت يومًا وكنت من سهر ال ليل وقيذا كالشارب الثمل
فاجتاز للحين والقضاء الذي ح م منشا في موكب زجل
وكان منه التفاتة فرأى ذيل قميصي قد قدّ من قبل
فاشتد تحديقه إليّ كما حدق ذئب طاوٍ إلى حمل [٥٦]
ولم أبت ليلتي وعيشك يا مولاي حتى رفعت بالرسل
فجئته خائفًا كما يلج ال عصفور مستكرهًا على الورل
فارتعت لما رأيت لحيته وكدت أخرى من شدة الوجل
[ ٧ / ٩٣ ]
وظن أني استحييته فغدا يبسطني بالمزاح والغزل
وقال إن كنت مكرمي ثل قد ري فبعض الهوان أرفع لي
إنتف سبالي وأصفع قفاي ولا تنظر إلى قدرتي ولا خولي
ولم يزل دائبًا يشمرخ شا قولي ويحتال لي على مهل
فحين أدليت كالحمار بدا يرفع أثوابه على الكفل
وخر للوجه والجبين وقد رطب حولي خصييه بالبلل
طعنته طعنة بصدق الأنا بيب أصم الكعوب معتدل
ثم رمى صفحتي بلحيته فقلت ذا السرم من بني ثعل
فقال أخطأت إذ أسلت دمي فقلت كلا والله لم يسل
أين النجيع القاني فديتك من لطخ رجيع كالورس منسجل
فقال أير أرى به هوجًا قد جاز حد الجنون والخبل
يا سيدي ما اسمه فقلت أبو ال أسود يكنى وليس بالدؤلي وهي طويلة، فلما فرغ قال له الحاكم: لمَ لمْ تقطع لسانه - والله لا عملت لي عملاص بعد، فصرفه.
[ ٧ / ٩٤ ]
جملة من أشعار أبي الفضل في أوصاف شتى
النسيب وما يناسبه
كان يومًا مع المعز بن باديس في مجلس أنس، وغلام وسيم يدور بالكأس فقال فيه:
ومعذر نقش الجمال بمسكه خدًا له بدم القلوب مضرجا
لما تيقن أن سيف جفونه من نرجس جعل النجاد بنفسجا وكان له هوى بغلام في مدينة السلام فإذا رآه أنكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده وكلفه، فدمعت عينا أبي الفضل، فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فقال:
وهبني قد أنكرت حبك جملةً وآليت أني لا أروم محطها
فمن أين لي في الحب جرح شهادةً سقامي أملاها ودمعي خطها ودخل يومًا على قينة وهي تتبخر بالند، ودخانه قد علا وجهها فقال:
[ ٧ / ٩٥ ]
ومحطوطة المتنين مهضومة الحشا منعمة الأرداف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من جيبها [علا] على وجهها أبصرت غيمًا على الشمس وهو القائل:
يغرس وردًا ناضرًا ناظري في وجنة كالقمر الطالع
فلم منعتم شفتي قطفه والحكم أن الزرع للزارع -! وقال:
ومبلبل من صدغه العطر الذي أهدى لي البلبال دون حجاب
وحياة ما غرس الحياء بخده من ورده بعتابه وعتابي
لأغررن بمهجتي في حبه غررًا يطيل مع الخطوب خطابي
ولئن تعزز إن عندي ذلةً تستعطف الأحباب للأحباب وقال:
يا ليل هلا انجليت عن فلق طلت ولا صبر لي على القلق
جفت جفوني الآماق فيك فما تسبل أشفارها على الحدق
[ ٧ / ٩٦ ]
كأنني صورة ممثلة ناظرها الدهر غير منطبق وإنما أشار في هذا إلى قول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونها عنها قصار فنقل لفظه ومعناه، وقصر عنه كما تراه. وقد أخذ أيضًا العتابي هذا المعنى، واجتناه أريًا، فرده شريًا، بقوله:
في ماقيي انقباض عن جفونهما وفي الجفون عن الآماق تقصير وقال أبو الفضل:
بدر تم علي ليس يلين خاب فيما رجوت فيه الظنون
طالبًا للخلاف إن لم أكن كا ن وإن كنت حاضرًا لا يكون
فعلى ذا ما نلتقي قط حتى يتلاقى المضاف والتنوين وقال:
وظبي أراني غرة من جبينه تزيد ضياء بين أصداغه الدهم
تجرعت بالإسعاف جرعة ظلمه لأني رأيت الظلم يدرأ بالظلم
وكم أمكنتني فرسة فتركتها حياء من الشيب الموقر بالحلم
ولو كنت في ثوب الشبيبة رافلًا لصح على إتيان زلتها عزمي
[ ٧ / ٩٧ ]
وهذا كقول الآخر:
دعتني عيناك نحو الصبا دعاء تكرر في كل ساعه
فلولا وحقك عذار المشيب لقلت لعينيك سمعًا وطاعه وهذا مثل قول جرير: [٥٧]
[يقول العاذلات علاك شيب أهذا الشيب يمنعني مراحي] ومنه أنشد: [٥٧]
لولا الحياء وأنني مشهور والعيب يلحق بالكبير كبير
لحللت منزلك الذي تحتله ولكان منزلنا هو المهجور وابن الرقاع هو القائل:
لولا الحياء وأن رأسي قد عسا فيه المشيب لزرت أم القاسم وقال بعض أهل عصرنا:
فلولا حياء المحيا وما عراني لفقد الصبا من مصاب
[ ٧ / ٩٨ ]
لمرغت خدي وألفت بين هشيم المشيب وروض الشباب وقال محمد بن هانئ:
والله لولا أن يسفهني الهوى ويقول بعض القائلين تصابى
لكسرت دملجها بضيق عناقها ولثمت من فيها البرود رضابا
بنتم فلولا أن أغير لمتي عبثًا وألقاكم علي غضابا
لخططت شيبًا في عذاري كاذبا ومحوت محو النقس عنه شبابا
وخلعته خلع النجاد مذمما واعتضت من جلبابه جلبابا
وخضبت مسود الحداد عليكم لو أنني أجد البياض خضابا وسأله أبو منصور الثعالبي أن يصف غلامًا صغيرًا كان بديع الحسن ليثبت ذلك في كتابه المترجم بألف غلام، فقال:
إني عشقت صغيرًا قد دب فيه الجمال
وكاد يفشي حديث ال فضول منه الدلال
لو مر في طرق الهج ر لاعتراه ضلال
وتاه فيه اغترارًا لو لم يغثه الوصال
يريك بدرًا تمامًا في الحسن وهو هلال وسأله أيضًا أن يصف غلامًا كاتبًا كان حسن الخطين خط اليد وخط الوجه، فقال:
[ ٧ / ٩٩ ]
وكاتب أهديت نفسي له فهي من السوء فدا نفسه
سلط خديه على مهجتي فاستأصلاها وهي من غرسه
كأنما خط على خده مثل الذي قد خط في طرسه
فلست أدري بعد ما حل بي بمسكه أتلف أم نقسه وقال فيه:
وشادن أسرف في صده وزاد في التيه على عبده
الحسن قد بث على خده بنفسجًا يرنو إلى ورده
رأيته يكتب في طرسه خطًا يضاهى الدر في عقده
فخلت ما [قد] خطه للحسن قد خط على خده وألم أبو الفضل في هذا بقول بعض الكتاب:
ما أخطأت نوناته من صدغه شيئًا ولا ألفاته من قده
وكأنما أنفاسه من شعره وكأنما قرطاسه من جلده وينظر إلى هذا من طرف خفي، قول [ابن] أبي سمرة الدارمي قال:
سراب الفيافي صادق عند وعدها وسم الأفاعي مبرئ عند صدها
رمتني ولم أسعد بأيام وصلها بعيني مهاة أنحستني ببعدها
[ ٧ / ١٠٠ ]
تعلقها قلبي كما قد تعلقت صوالج صدغيها بتفاح خدها
فقلبي لما أضعفته كخصرها ودمعي لما نظمته كعقدها وقال أبو الفضل:
قلت للملقى على الخدين من ورد خمارا والذي سل على العشاق باللحظ شفارا
أسبل الصدغ على خد ك من مسك عذارا
أم أعان الليل حتى قهر الليل النهارا -
قال ميدان جرى الحس ن عليه فاستدارا
ركضت فيه عيون فأثارته غبارا وقال يتشوق إلى بلده:
أهيم بذكر الشرق والغرب دائبًا وما بي شرق للبلاد ولا غرب
ولكن أوطانًا نأت وأحبةً فقدت متى أذكر عهودهم أصب
إذا خطرت ذكراهم في خواطري تناثر من أجفاني اللؤلؤ الرطب
ولم أنس من ودعت بالشط سحرةً وقد غرد الحادون واستعجل الركب
أليفان هذا سائر نحو غربةٍ وهذا مقيم سار عن صدره القلب وقال في مثله:
[ ٧ / ١٠١ ]
تذكر نجدًا والحمى فبكى وجدا وقال سقى الله الحمى وسقى نجدا
وحيته أنفاس الخزامى عشيةً فهاجت إلى الوجد القديم وجدا
فأظهر سلوانًا وأضمر لوعةً إذا طفت نيرانها وقدت وقدا
ولو أنه أعطى الصبابة حكمها لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى
ولم أنسه والسكر يفتل قده إذا ما تثنى كدت أعقده عقدا وقال:
ومخمور الجفون بلا خمار حكى بدر الدجى حسنًا وبعدا
فما زالت به حيلي إلى أن دنا ورأى لدي الغي رشدا
وجاد بقبلةٍ فشممت مسكًا وذقت مدامة وقطفت وردا
فكان السكر لي سببًا سقاني على ظمأ الهوى العذري بردا [٥٨]
فيا شربًا وردت فكان عذبًا ويا نجمًا لحظت فكان سعدا وقال:
قالوا تبدى شعره فأجبتهم لابد من علم على الديباج
والبدر أبهر ما يكون ضياؤه إذ كان ملتحفًا بليل داج وقال:
ظبي إذا حرك أصداغه لم يلتفت خلق إلى العطر
غنى بشعري منشدًا ليتني ال لفظ الذي أودعته شعري
[ ٧ / ١٠٢ ]
فكلما كرر إنشاده قبلته فيه ولم يدر وقال:
يا ذا خط الجمال بوجهه سطرين هاجا لوعةً وبلابلا وهذا كقول ابن رشيق:
وهل [على] عارضيه إلا حمائل قلدت حساما وقال أبو الفضل في بعض غلمانه وكان له به هوىً:
علي لا تصل وبن فقلبي غير مرتهن
غضبت فزد ودم غضبًا فإني عن رضاك غني
أتخفي بغصتي سرًا وتبدي الحب في العلن -
لقد غرتك في ميلي إليك كواذب الظنن
أتطمع أن أزيد هوى وودك لي على دخن -
إذا فسدت يد قطعت ليسلم سائر البدن فأجابه الغلام:
غلامك غير ممتهن تخونه ولم يخن
وتطلب عتبه ظلمًا على غضب ولم يكن
[ ٧ / ١٠٣ ]
وتوقعه بما قد قل ت في بحر من المحن
فقل لي كل طرفك أم خلا طرفي من الفتن - وقال أبو الفضل:
وحبيب [قد ضن] بالوصل تيهًا هل تضن البدور بالإشراق
أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ين شط من حبه عقال وثاقي
فأريح الفؤاد مما اعتراه وأرد الهوى على العشاق وقال:
سمحت بنفسي غداة الرحيل غرامًا على القمر الآفل
وبت أفض ختام الجفون وأبكي على الجسد الناحل
ومن عجب العشق أن القتيل يحن ويصبو إلى القاتل! وقال:
يا حاديًا وجمال الحي سائمة ماذا تريد بقلبي أيها الحادي -
كلفته السير من جسمي ففارقه وهل يسير أسير ما له فاد -
رفقًا فقد هجت شوقًا ما استعد له فكيف يرحل مشتاق بلا زاد - وقال:
[ ٧ / ١٠٤ ]
أيا بصري عزًا علي ويا سمعي ويا مسرفًا عند التضرع في منعي
إذا كنت مطبوعًا على الهجر والجفا فمن أين لي صبر فأجعله طبعي -!
سل المطر الغمر الذي عم أرضكم أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي - ما أخرجته من شعره في سائر الأوصاف
كان ليلة مع بعض إخوانه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها، فجعل من حضر يريض نفسه، ويعمل في ذلك حسه، فقال أبو الفضل:
ذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعةٍ غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر
أقول وجسمي ذائب مثل جسمها ودمعتها تجري كما دمعتي تجري
كلانا لعمري ذوبيان من الهوى فنارك من جمر وناري من هجر
وأنت على ما قد تقاسين من أذىً فصدرك في نار وناري في صدري وله في وصف طرف:
حكى فرسي الليل في لونه فقابله البدر عند اضطرار
فكان له غرةً في التمام ونعلا لحافره في السرار
[ ٧ / ١٠٥ ]
وقال:
رب ليل أبطا علي فلما مد ضافي دجاه ما استبطاني
جئت أسعى إليه سعي زلال ال ماء يستن في حشا الظمآن
ظلت أسري بمثله فيه حتى خلتني قد أحاط بي ليلان
فهو طرف له خضابي سواد أنا فيه كهيئة الإنسان وأرى السلامي قد نبهه على هذا التشبيه، وإن كان أبو الفضل قد زاد فيه، وكان السلامي قد ركب زورقًا بدجلة فقال:
وميدان تجول به خيول تقود الدارعين وما تقاد
ركبت به إلى اللذات طرفًا له جسم وليس له فؤاد
جرى فظننت أن الأرض وجه ودجلة ناظر وهو السواد وقال عبد الجليل للمعتمد بن عباد من شعر قد تقدم إنشاده في صفة جواز البحر:
فسرت فوق دفاع الله تهصره براحة الدين والتقوى فينصهر
كأنما كان عينًا أنت ناظرها وكل شط بأشخاص الورى شفر وقال أبو الفضل في زامر أسود:
[ ٧ / ١٠٦ ]
وحالك اللون كالليل البهيم له فضائل مشرقات الحسن كالفلق
تنوب عن نطقه ريح مؤثرة في قلب مصطبح أو لب مغتبق
تخال مجلسنا وجهًا به حسنا إذ صار فيه كخال معجب لبق
كأنما كفه من زمره سلبت أو زمره من يديه جد مسترق
تراه يحفظ ما يوحى إليه به وسره أبدًا يهوي بمنخرق
يحدو بأنفاسه الأوتار مجتهدًا فتستقيم به الألحان في الطرق
أهدى الشباب إليه حسن بهجته فناسب المسك في لون وفي عبق وقال:
هات اسقني فالعيش شاك جرأة والدهر نكب عن لقاء أعزلا
من قهوة تدع الفتى مستحسنًا من غفلة في شربه أن يجهلا
مع ناعس الألحاظ تخبر أنه ما قال فيما ريم منه قط لا
والثلج يحكي في اكتنان سقوطه وضئيل جثته دقيقًا غربلا ويا بعد ما بين هذا وبين قول بعض أهل عصرنا وهو:
[] والشمس طالعة ولما تغرب
خلت الرذاذ برادةً من فضة قد غربلت من فوق نطع مذهب ولأبي الفضل في الشيب:
[ ٧ / ١٠٧ ]
طاقة نغصت علي شبابي فتعمدت نتفها غير وان
فأقامت عند المكان ونابت عند نتفي من غيرها طاقتان
قلت ماذا هذا لعمر التصابي لشبابي وجدتي محنتان
قالتا قد جرى من الرسم للسل طان أخذ البراة قبل الجان
وإن ازددت في الجفاء فلا تن كر قدومي عليك مع أعوان ألم في البيت الأخير بقول [الآخر]:
[وزائرة للشيب لاحت بعارضي فبادرتها بالقطف خوفًا من الحتف]
[فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي] رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي وفي البيت الثاني والثالث بقول كشاجم:
أخي قم فعاوني على شيبة بغت فإني منها في عذاب وفي حرب
إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أبت وقد أخذت من دونها جارة الجنب
كجان على السلطان يجزى بذنبه تعلق بالجيران من شدة الرعب وقال أبو الفضل من طردية:
أنعت كلبًا لم يصب مثاله يطمعه من حرصه خياله
مثل الهزبر سلبت أشباله أو كالظليم ضل عنه راله
[ ٧ / ١٠٨ ]
يسأم من مَطالِهِ مطالُه وفي وديق فمه جرياله فكلنا من صيده عياله وله من قصيد طويل:
كأنما الفحم والنيران تلهبه هام من الزنج في ثوب من السرق
أو الزنود براها السيف في رهجٍ من الهنود عليها شطبة العلق
مد الرماد عليه بهد رقدته عينًا له حسك من حمرة الشفق
أقول للنار والأحزان نائرة والقلب في غمرات الحب لم يفق
إياك أن تقربي نارًا مؤججةً بلاعج الشوق في قلبي فتحترقي
أظن أنك ما لاقيت ما لقيت قلوب أهل الهوى من جاحم القلق
ولا منيت بتوديع وقد جعلوا بيض السواعد أطواقًا على العنق
ولا فجعت بغزلان ألفتهم ساروا بقلبك إذ ساروا مع الرفق
سطا الفراق عليهم غفلة فغدوا من جوره فرقًا من شدة الفرق
فسرت شرقًا وأشواقي مغربة يا بعد مانزحت من طرقهم طرفي
لولا تدارك دمعي يوم كاظمة لأحرق الركب ما أبديت من حرق
يا سارق القلب جهرًا غير مكترث أمنت في الحب من بعدي على السرق
ارمق بعين الرضا تنعش بعاطفة قبل المنية ما أوهيت من رمق
[ ٧ / ١٠٩ ]
لم يبق مني سوى لفظ يبوح بما ألقى فيا عجبًا للفظ كيف بقي
صلني إذا شئت أو فاهجر علانيةً فكل ذلك محمول على الحدق ومنها في وصف الطل والنور:
كأن قطراته من بعد ما جمدت لآلئ فوق أصداف من الورق
فالنور قد رمدت بالثلج أعينه فليس يرنو بجفن غير منطبق
والغصن قد ضربت أيدي الضريب على أوراقه فتراه مائل العنق قوله: " بيض السواعد أطواقًا على العنق " معنى مشهور، ومنه قول القائل وهي أبيات بتداولها القوالون:
مشتاقة طرقت بالليل مشتاقًا أهلًا بمن لم يخن عهدًا وميثاقا
يا زائرًا زار من قرب على بعد آنست مستوحشًا لا ذقت ما ذاقا
يا ليل عرس على خلين قد جعلا بيض السواعد للأعناق أطواقا ومن قصائده المطولات في المدح وما يتعلق به من الصفات
ما أخرجته من مقطوعاته الإخوانيات وغيرها
قال من قصيدة في معز الدولة صاحب حلب:
وقفت على رسم الديار مسائلًا وهل يشتفي من لوعة الحب سؤال
[ ٧ / ١١٠ ]
فألوى رسوم الصبر رسم من اللوى وطل دموعي بالسبيبة أطلال [٦٠]
يحيي بها صوب الحياء معالمًا خلعن عليهن المحاسن أنوال
فما روضت أرض المهاد ملاحف وزهور باها الحلي والنور خلخال
وورقاء تستملي حنيني بنوحها كلانا على عهد الأحبة هدال
وإني إذا ما أزور عني منزل رمى الحل في قطربه شد وترحال
أقيم إذا ما العز وطد مفرشي وأنبو إذا ما أعقب العز إذلال
أنا ابن السرى إن ملني متن سابق تسلمني شخت الجزارة مرقال
كأن الفلا ظئر لها الليل حجلة تحن إليها من ركابي أطفال
تفوز في قطع المفاوز جرأتي إذا كاع عن قطع المجاهل جهال
إذا البدر جلى وجهة البر نوره فمدة ظلي فوق وجنته خال
سقى حلباص والحى من آل عامر هزيم توالى من نشاصك مهطال
فكم أثمرت فيه القنا من مناقف وكم أتعبت فيه الصوارم أبطال
إذا خطبوا العلياء يوم كريهةٍ فأسيافهم فيها مهور وأجعال
بيمن معز الدولة انكشفت لنا من الدهر أحوال مرتهن أحوال
تجافى محيا المال حتى كأنما يقابله منه وشاة وعذال
[ ٧ / ١١١ ]
كأن الوغى طرف له الجبل محجر له النقع أكحال له الزان أميال
وأسمر عسال إذا احتدم الوغى تصدق منه الزاد أطلس عسال وله من أخرى في ابن ذي النون المأمون:
لا يشرب الماء ما لم يحف حافته حتى إذا قطرت أرماحه شربا
ولا يرد المحيا الطلق بغرته كالقرن عن بيرق خلب خلبا
ما بال بالي إذا سكنته نفرت عشاره وإذا كفكفته انسربا
أللتبرم بالدنيا وزينتها أم البعيد من الآمال قد قربا
بهمة الملك المأمون حين غدا إفضالها لتناهي همتي سببا
الواهب الألف لا عينًا ولا ورقًا ولا عشارًا ولكن أنعمًا قشبا
في جحفل كسواد الليل مرتكم لكن أسنته صارت له شهبا
كأنما نهج أنبوب الرماح به ما قد ورثت من العليا أباص فأبا
قوم إذا ركبوا سدوا الفضاء وإن [حلوا] توهمتهم في البيد رجل دبا
قد صيروا الحرب كأسًا والدماء بها خمرًا وما جوفت من بيضها حببا وله فيه من أخرى:
[ ٧ / ١١٢ ]
ولم يفهموا ما تكتب البيض في الوغى ولا السمر حتى أعجما بالحوافر
تسرع حتى خلت كل مقصر من الخيل محمولا على ظهر طائر
وحتى توهمنا النجوم أسنةً وخلنا الهلال بينها إثر حافر وله من مرثية في الملك شروان شاه:
يا موضعًا عن ملكه وسريره ماذا أضرك لو لبثت قليلا -
طلت رزيته دمي إن لم أدع دم مقلتي في لحده مطلولا
يا تاركًا رسل الملوك ببابه من ذا يرد عليهم التجميلا
أرحلت ثم تركتنا ولقبل ذا كنا نحف إذا أردت رحيلا
أترى دليلك في السرايا غره خطأ فسار إلى الحمام دليلا -
صرنا نقبل قبره ولطالما كنا نبيح بساطه التقبيلا
جدث غدا جفنًا لأبصر ناظر أمسى وأصبح بالردى مكحولا
يا قبر لم نعرف تشتت شملنا حتى غمدت الصارم المصقولا
ظلنا نشق جيوبنا من بعد أن كنا نجرر في ذراه ذيولا
ونعب كاسات الدموع كأننا في أنس مجلسه نعب شمولا
عذل البكاء فظل ينشد نفسه بيتًا يمهد عذره المقبولا
[ ٧ / ١١٣ ]
رد الجموح الصعب أيسر مطلبًا من رد دمع قد اصاب سبيلا
ما للرماح قصرن عن درك المدى ورأين حمل نصولهن فضولا -
ولقبل كن إذا رأينك عازمًا عاين طولك فاسنفدن الطولا
لبس الحداد حديدهن فما نرى إلا سنانًا من صداه كليلا
تبكيك أقلام [زهت] من عظم ما كتبت فتوحك بكرة وأصيلا
وبحور شعر غاص مدحك فانتقى منهن درًا في النظام جزيلا وله من أخرى في بعض عبيده:
أعبدي قد أسأرتما [في] جوانحي من الوجد داء مستكنًا وباديا
أسأتم وللحب المبرح حجة تحسن في عيني تلك المساويا
لئن بزني دهري ببغداد ثروتي فما زلت من كسب المحامد كاسيا
فيا ليتني لم آت بغداد نابها وأصبحت في أكناف شروان عاريا
فلو كنت فيها لبم تحص قوادمي ولا أحفت الأشواق منها الخوافيا
فمزقت أثواب الفلا بسوابق تظل بها الأنضاء تفلي الفيافيا
إذا [ما] أمالتني بها نشوة الكرى ترنح في كفي المهند صافيا
وإن أنا طلقت النهار بجوزها خطبت خداريًا من الليل داجيا
ومن طلب الغايات جرع نفسه سلاف السرى واستنهض النجم ساقيا
[ ٧ / ١١٤ ]
ما أخرجته من مقطوعاته الإخوانيات وغيرها
في أوصاف مختلفات
له من قصيدة في وصف القيروان وقت فتنة العامة بها يقول فيها:
حالت علي القيروان بحالها عما عهدت العيش فهو منغص
فخرابها في كل يوم زائد وصبابة المعمور فيه تنقص ومنها:
إن كان أرخصني الزمان فإنه أسدى إليّ بضائعًا لا ترخص
أو كان غير من طباعي موضعي فالخمر إن تركت وعاها تقرص
كيف الرجوع وطرف حالي عاثر وجناح آمالي الكسير مقصص وله من أخرى:
ولما أن كساني الشيب ثوبًا ولم يك وقت تغيير الثياب
أتاني غفلة والنفس فيها بقايا من عقابيل التصابي
وغصن شبيبتي غض نضير به ظمأ إلى ماء الشباب
ورام الناس مني ما يضاهي مشيبي في فعالي أو خطابي
ولم أقدم على وصل التصابي مخافة أن أدنسه بعاب
فداومت المدام فما أبالي ببالي إن تخطى عن صواب
فإن ظهر التصابي في يومًا أحلت به على فعل الشراب
[ ٧ / ١١٥ ]
وهذا من قول حسان.
نوليها الملامة إن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء وقال أبو الفضل:
ومعنف لي في المقام ضرورة بالقيروان وما بها سلطان
ألقى الهوان بها وكم من عزة قد ساقها نحو الرجال هوان
جهلوا على الإحسان فيها موضعي لو كان ينفع عندهم إحسان
فكأنني القرآن عند معطل أو في بلاد هرابذ رمضان
ما الدر ينقص فضله في بحره أن ليس تعرف قدره الحيتان
كلا وليس المسك يبطل عرفه إن ضيعته بجهلها الغزلان
ما عيب ضوء الشمس عند بزوغها أن ليس يدرك نورها العميان
والليث لا ينسى استطالة بأسه إن ضمه في خيسه خفان
أو ما ترى الدنيا بفقد مليكها طرفًا ولكن ما له إنسان - وله من أخرى:
وأعظم من مصيبات الليالي علي وصرفها خل خؤون
يقابلني بود مستميل وبين ضلوعه داء دفين
إذا عاتبته أبدى مجونًا وعلة ذلك العتب المجون
ومن جعل السموم له دواء فيوشك أن يفاجئه المنون
[ ٧ / ١١٦ ]
أهم بأن أجازيه فيأبى علي الأصل والعرض المصون
أرى هذر الكلام المحض غثًا فيردعني عن الغث السمين
ولم يزعج زئير الأسد حلمي أيزعجه من البق الطنين -
أيطمع أن يشق غبار مهري ذليل تحته عير حرون -
سل السمر الذوابل ما غنائي إذا اشتجرت بها الحرب الزبون
ألم أجعل مثار النقع بحرًا على أن الجياد له سفين - وله من أخرى في صاحب الخيل ابن أذين من قصيدة طويلة، منها قوله:
وأعذب من يومنا بالعذيب سلامتنا اليوم من ذي سلم
ولست بمن يطيبه الغنى ويرصد طيفًا له أن يلم
ومن عبثت نفسه بالغنى تساوى الغنى عنده والعدم
وكم طسم الدهر من جبلتي فرد نضارة ما قد طسم
وكنت إذا ما رماني الزمان أو كاد أو هم بي أو عزم
علقت أبا الحسن المرتجى فأمسيت من صرفه في حرم
فتى لو رأى البخل في نومه أو الجبن خلقًا له لم ينم
ولو كان طيفًا وكان الكرى طروقاص لغير العلا ما ألم
فما لي أرى عقد إحسانه تبدد من سلكه ما نظم -
ولم ذكني عنده حاسد كأن به جنةً أو لمم
[ ٧ / ١١٧ ]
بدا وجهه فاشتهيت العمى وكلمني فاستزرت الصمم
وقد كنت ترضع در الصفا ودادي فما لودادي فطم -
كذا الطفل يرضع حتى إذا ترعرع غيب عنه الحلم
يسائلني الناس عما تقول وما قلت لي قط إلا نعم [وله]:
قالوا مدحت أناسًا لا خلاق لهم مدحًا يناسب أنواع الأزاهير
فقلت لا تعذلوني إنني رجل أقلد الدر أعناق الخنازير وقال:
ما إن أرى قربكم صائبًا وأنتم لي غير أجناس
وما جلوسي عندكم أنني أعدكم من بعض جلاسي [٦٢]
لكنني أجلس [ما] بينكم تعللًا من عدم الناس وقال في رجل يعرف بابن كثير:
وما الخبر مما يرتجى في ابن واحدٍ فكيف نرجيه من ابن كثير - وقال:
وكيف ترجو السحاب الجود من رجل لا يطمع الطير فيه وهو مصلوب
أصبحت أحلب تيسًا لا مدر له والتيس من ظن أن التيس محلوب وقال:
[ ٧ / ١١٨ ]
يا لائمًا عمران لا تنشدن عمرو بن كلثوم " ألا هبي "
طمعت في كلب فداريته والكلب من يطمع في كلب فصل في ذكر طائفة من الشعراء المقلين الطارئين على هذا الأفق من بلاد
المشرق، مع ما يتصل بذكرهم من المعارف المفيدة
منهم
سليمان بن محمد الصقلي: كان - فيما بلغني - من أهل العلم والأدب والشعر؛ ووفد على هذا القطر سنة أربعين وأربعمائة، وقصد بمديحه عدة من الرؤساء، وتقدم بفضل أدبه عند الكبراء، ووما أنشدته له في عذول قبيح قوله:
رأى وجه من أهوى عذولي فقال لي أجلك عن وجه أراه كريها
فقلت له بل وجه حبي مراءة وأنت ترى [تمثال] وجهك فيها ومن شعره:
[ ٧ / ١١٩ ]
تقلب دهرنا فالصقر فيه يطالب فضل أرزاق الحمام
على الدنيا العفاء فقد تناهى تسرعها إلى أيدي اللئام
وما النعماء للمفضول إلا كمثل الحلي للسيف الكهام
ذريني أجعل الترحال سلكًا أنظم فيه ساحات الموامي
فإني كالزلال العذب يؤذي صفاه وطعمه طول المقام وهذا المعنى مشهور، وقد مر منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، كقول بعض أهل عصرنا:
مللت حمص وملتني فلو نطقت كما نطقت تلاحينا على قدر
وسولت لي نفسي أن أفارقها والماء في المزن أصفى منه في الغدر وكذلك قوله: " بل وجه حبي مراءة " معنى متداول، منه قول يوسف بن هارون الرمادي:
وإذا أراد تنزهًا في روضةٍ أخذ المرأة بكفه فأدارها وقال الآخر:
أنا كالمرآة ألقى كل وجه بمثاله وقال العباس بن الأحنف:
[ ٧ / ١٢٠ ]
هممت بإتياننا حتى إذا نظرت إلى المرآة نهاها وجهها الحسن ولبعض المصريين في غلام كان يهواه، مما يتطرف معناه:
يجري النسين على غلالة وجهه وأرق منه ما يمر عليه
ناولته المرآة ينظر وجهه فعكست فتنة ناظريه إليه ورأى أبو الحسن السلامي في يد غلام يميل إليه مرآةً فقال:
رأيته والمرآة في يده كأنها شمسة على ملك
فقلت للصورة التي احتجبت من غيره زهد فيها ولا نسك
يا أشبه الناس بالحبيب ألا تخبرنا عنك غير مؤتفك
قال أنا البدر زرت بدركم وهذه قطعة من الفلك
قلت فإني أرى بها صدأً فقال هذي بقية الحبك
[ ٧ / ١٢١ ]
وذكرت بذكره المرآة قول القراطيسي الكوفي، وهي أبيات يتداولها القوالون:
ما تنقضي من عجب فكرتي في خصلة فرط فيها الولاه
ترك المحبين بلا حاكم لم يقعدوا للعاشقين القضاه
وقد أتاني خبر ساءني مقالها في السر: واسوأتاه
أمثل هذا يبتغي وصلنا أما يرى ذا وجهه في المراه! قال القراطيسي: وقلت يومًا للعباس بن الأحنف: هل ألممت بهذا المعنى - فأنشدني لنفسه:
جارية أعجبها حسنها ومثلها في الناس لم يخلق
خبرتها أني محب لها فأقبلت تصحك من منطقي
والتفت نحو فتاة لها كالرشإ الوسنان في قرطق
قالت لها قولي لهذا الفتى انظر إلى وجهك ثم اعشق وحدثني الفقه أبو بكر بن الوزير [أبي محمد ابن] العربي؛ قال: حدثت عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي عن سليمان بن محمد
[ ٧ / ١٢٢ ]
الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب ظريف يهوى غلامًا جميلًا من غلمانها، واشتد كلفه به، فتجني الغلام عليه، فبيناه ذات ليلة يشرب منفردًا وقد غلب عليه السكر خطر بباله [٦٣] أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل وجعله عند باب الغلام فاشتعل نارًا، فاتفق أن رآه بعض الجيران فأطفأه، فلما أصبح حمل إلى القاضي فسأله لم فعل ذلك، فأنشأ يقول:
لما تمادى على بعادي وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بدًا ولا معينًا على السهاد
حملت نفسي على وقوفي ببابه حملة الجواد
وطار من بعض نار قلبي أقل في الوصف من زناد
فاحترق الباب دون علمي ولم يكن ذاك من مرادي فاستظرفه قاضي البلد، وتحمل عنه ما أفسد.
قال الحميدي: وكنت أظن أن هذا المعنى مما تفرد به هذا القائل حتى أخبرت أن نصر بن أحمد الخبزرزي ابن المقنى في إثر حريق المربد، فقال له: هل قلت في هذا شيئًا - فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالًا، وجعل ينشد هذه الأبيات:
[ ٧ / ١٢٣ ]
أتتكم شهود الورى تشهد فما تستطيعون أن تجحدوا
فيا مربديون ناشدتكم على أنني منكم مكمد
جرى نفسي صعدًا نحوكم فمن حره احترق المربد
وهاجت رياح حنيني لكم فظلت بها ناركم توقد
ولولا دموعي جرت لم يكن حريقكم أبدًا يخمد فصل في ذكر الأديب أبي الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني
من جملة من وفد أيضًا على البلد في ذلك الأوان، وكان الغالب على أدواته علم اللسان، وحفظ الغريب والشعر الجاهلي والإسلامي، إلى المشاركة في أنواع التعاليم، والتصرف في حمل السلاح، والحذق بالآلات الجندية، والنفاذ في معاني الفروسية؛ فكان الكامل في خلال جمة. طرأ
[ ٧ / ١٢٤ ]
على الجانب منذ صدر الفتنة للذائع من كرمه، فأكرم نزله، ورفع من شانه، وأصحبه ابنه المرشح - كان - لسلطانه. فلم يزل له بها المكان المكين إلى أن تغير عليه يحيى بتغير الزمان، وتقلب الليالي والأيام بالإنسان، ففارقه ولحق في غرناطة بعسكر البرابرة، فحلت به من أميرهم باديس الفاقرة.
ووجدت بخط الفقيه أبي محمد بن حزم، قال: إن أول من لقي من ملوك الأندلس مجاهد العامري المتقدم الذكر، فأكرم نزله وأنس به، وسأله يومًا عن رفيق له رآه معه، فقال الجرجاني:
رفيق شتى ألف الدهر بيننا وقد يلتقي الشتى فيأتلفان قال أبو محمد بن حزم: ثم لقيت بعد ذلك أبا الفتوح فأخبرني عن بعض شيوخه أن ابن الأعرابي رأى في مجلسه رجلين يتحدثان، فقال لأحدهما من أين أنت - قال من اسبيجاب، وسأل الآخر فقال: من الأندلس، فعجب ابن الأعرابي من ذلك وأنشد البيت المتقدم.
ثم أنشدني هذه المقطوعة:
[ ٧ / ١٢٥ ]
نزلنا على قيسية يمنية لها نسب في الصالحين هجان
فقالت وأرخت جانب الستر دونها [لأية أرض أم من الرجلان
فقلت لها أما رفيقي فقومه تميم وأما أسرتي فيمان
رفيقان شتى ألف الدهر بيننا] وقد يلتقي الشتى فيأتلفان قال ابن حزم: وأخبرني أبو الفتوح الجرجاني، قال: أخبرني علي بن حمزة [إن القصيدة التي أولها " هذي برزت لنا فهجت رسيسا " قالها المتنبي في محمد بن زريق] وكيل زوامل ابن الزيات صاحب طرسوس وأنه وصله عليها بعشرة دراهم، فقيل له إن شعره حسن، قال: ما أدري أحسن هو أم قبيح، ولكني أزيده عشرة أخرى؛ فكانت صلته عليها عشرين درهما.
فصل في ذكر الأديب عبد العزيز بن محمد السوسي
أحد أضياف بن ذي النون
قال ابن بسام: ولم يقع إليّ من شعر هذا الرجل إلا قصيدة من جملة قصائد لغير واحد، أنشدت للمأمون يحيى بن ذي النون، سنة خمس وخمسين في صنيع احتفل فيه لإعذار حفيده حسب ما أصفه. وقصيدة السوسي في ذلك طويلة، منها قوله:
[ ٧ / ١٢٦ ]
لما بنيت من المكارم والعلا ما جاوز الجوزاء في الإجلال
أعملت رأيك في بناء مكرمٍ ما دار قط لآمل في بال
لو زاره كسرى أنو شروان لم يصرف إلى الإيوان لحظ مبال
يا ساقي الصهباء أين كبارها قد لذ ورد القهوة السلسال إعذار يحيى أبهج الدنيا وبين عذرنا في نحوة المختال
حشد السرور لنا طهور مطهر من عائر الجبناء والبخال
عرض من الآلام يجلب صحةً وطفيف نقص فيه كل كمال انتهى ما كتبته منها.
ونذكر بعقبها ما تعلق بسببها فصلًا لابن حيان في وصف ذلك الصنيع الذنوبي، دل به على [٦٤] براعته، وأعرب به عن موضعه من صناعته، وسيمر أثناءه ذكر شعراء من هذه الطائفة الطارئة وسواها، لانتظام كلام ابن حيان إياها. فمنهم من ذكرت في هذا الموضع بارع أشعاره، وجرد فصلًا من كتابي في مستطرف أخباره، ومنهم من فات دركي، ولم يعلق بشركي، فاقتصرت في هذا الفصل على ذكره، وأثبت هاهنا ما وقع إليّ من شعره. وكان غير السوسي منهم أحق بالتقديم كمحمد بن شرف وسائر طبقته، ممن هو أعصف في البيان ريحًا، وأكثر عن الإحسان تصريحًا، ولكن وصلنا هذا الفصل بخبر هذا الرجل إذ لم يكن له سواه آية تتلى، ولا حسنة تجتلى.
[ ٧ / ١٢٧ ]
قال ابن حيان: كتب إليّ الأديب ابن جابر، قال: احتفل المأمون ابن ذي النون في مدعاة إعذار حفيده يحيى فحشد أمراء البلاد، وجملة الوزراء والقواد، فأقبلوا إليها كالقطا القارب أرسالا، وقد رسم لخدمته في توسيع مشارب هذا الإعذار، وإرغاد موائده، وتكميل وظائفه، وإذكاء مطابخه، رسومًا انتهوا فيها إلى حده، وشقق عليها جيوب أكياسه، وأمر بالاستكثار من الطهاة والإتآق للقدور، والإتراع للجفان، والصلة لأيام الطعام، والمشاكلة بين مقادير الأخباز والآدام، والإغراب في صنعة ألوانها مع شياب أباريقها بالطيوب الزكية، والقران فيها بين الأضداد المخالفة ما بين حار وبارد، وحلو وحامض؛ والمماثلة بين رائق أشخاصها وبين ما تودع فيه من نفائس صحافها، والاستكثار لها من أنواع الحلوة المجيرة للمعد من داء الإتخام، وتجاوز عليها إلى السكر. فجاءوا في ذلك كله بأمر كبار أبيدت لمطابخه أمم من الأنعام، جمع فيه بين المشاء والطيار والعوام. وانتسفت لمخابزه أهراء من الطعام، وأنفقت على مجامره ومعاطره جمل من الأموال الجسام، فاغتدى جماعًا لمداعي أهل الإسلام العظام.
وشرف المأمون بالاشتراك مع تطهير حفيده يحيى صبيانًا من بني أصحابه، وبدأ بحفيد قبلهم، فكان أسكن من حنف معه جأشًا، وأقلهم
[ ٧ / ١٢٨ ]
زمعًا، وإنه مشى - زعموا - إلى الحديد مشي البطل النجيد، ومكن الخاتن من عضوه فأعانه على إحكام صنعه، وسوى ختانه، وخفف آلامه، وأوشك إفراقه، فخلص من محنته هذه الشرعية، خلوص صادر السهام المصمي للرمية، فسر ابن ذي النون وشام برق الأمنية، فعند ذلك أذكى نيرانه، وأنضج أطعمته ونصب موائده، ودعا الجفلى إليها، ولم يفسح لأحد التخلف عنها. فاكتملت الأطعمة، وفتحت الأبواب، وسهل الحجاب، ورفعت الستور، وجليت المقاصير، وزينت القصور، واقيمت المراتب، ووكل بكل قسم منها كبير من وجوه الخدمة ضم إليه فريق من الأعوان والوزعة، يتصرفون بأمره، ويقفون عند حده، قد أخذوا بخفض الأصوات مع سرعة الحركات وحث الأقدام، فصار من بديع ذلك الصنيع الفخم أن لم يعل فيه صوت، ولا تشكي منه فوت، فطال العجب من استوائه في مثل ذلك المشهد.
قال ابن حيان: ولما بكرت أفواج علية الناس إلى باب القصر مستبقين، وغشيته زمرهم وزرافاتهم مبتدرين، أنزلوا عن دوابهم عند باب المنصب الأول، فأذن لهم بالدخول على مراتبهم، فمشوا وقد حفهم سراة الصقلب الخصيان، وخواص الحشم والغلمان، فأجلسوا في الدار الأولى ذات الحائر الريان. فلما اكتملوا أدخلوا إلى المجلس الكبير. فلما استقر فيه جمعهم خرجت تسمية من الأمير المأمون بإدخال القضاة
[ ٧ / ١٢٩ ]
والفقهاء والعدول ومن يليهم من كبار الناس، دعاهم لذلك ذو الوزارتين أبو [عامر بن] الفرج، فقاموا والسكينة عليهم، يقدمهم قاضي القضاة أبو زيد بن عيسى القرطبي، فأدخلوا بتكريم على تؤدةٍ ورفق، وجيء بهم إلى الدار الكبرى الثانية ذات الساحة الواسعة الزاهرة، ثم وصلوا إلى مجلس قد فرش بالديباج التستري المرقوم بالذهب، وسدلت فوق حناياه ستور من جنسه تكاد تلتمع الأبصار بنصاعة ألوانها وإشراق عقيانها. وقد جلس لهم الأمير المأمون في جانب منه، وحفيده في جانب آخر، فأكب الناس عليه يهنئونه. ويلثمون أطرافه، ويتناغون فيما قد رووا وابتدهوا، وهو يشملهم بإقبال طرفه، ويعمهم بإجمال رده، فيثنون منه إلى حفيده [٦٥] يدعون له، ثم عدل بهم إلى مكان الأطعمة في المجلس الأول - على ذات اليسار من تلك الدار - الواسع القطر الرحب الأبواب، وقد فرش بالوطاء التستري، وعلقت على أبوابه وحناياه ستور الطميم المثقلة ذات الصور المقيدة للألحاظ، وقد مدت فيه صنوف الطعام. فأمعنت هذه الطائفة في الأكل ازدقامًا وسرطًا، واختصامًا وقضمًا، وانتهالًا وعلًا.
[ ٧ / ١٣٠ ]
ووصفاء الموائد الحافون من حولهم يطردون الأذية عن مجلسهم بطوال المذاب البديعة الصنعة، المقمعة الأطراف بفاخر الحلية. ولما مضى لهم صدر من أكلهم، نجم لهم الأمير المأمون قائمًا فوق رؤوسهم، متهممًا بشأنهم، مبالغًا في تكريمهم، قد حف به أذواء الوزارة وأهل الخدمة وأكابر الفتيان وأعاظم القواد قائمين بقيامه، ولما قضى وطرًا من القيام بمكارمتهم صدر راجعًا إلى مرتبته.
ولما فرغت تلك الطائفة جيء بهم إلى المجلس المرسوم لوضوئهم، وقد فرش أيضًا بوطاء الوشي المرقوم بالذهب، وعلقت فيه ستور مثقلة مماثلة، فأخذوا مجالسهم منه، وناولهم الوصفاء الطائفون بهم رفيع النقاويات والذرائر المطيبات في الأقداح والأشناندانات الفضيات المحكمة الصناعات، كادت تغنيهم بطيبها عن الغسل. ثم أدني إليهم إثر ذلك الوضوء في أباريق الفضة المحكمة الصنعة، يصبون على أيديهم في طسوس الفضة المماثلة لأباريقها في الحسن والجلالة، فاستوعبوا الوضوء وأدنيت من أيديهم مناديل يتضاءل لها ما عليهم من سني الكسوة. قم نقلوا إلى مجلس التطييب أفخم تلك المجالس، وهو المجلس المطل على النهر العالي البناء، السامي السناء، فشرع في تطييبهم في مجامر الفضة البديعة بفلق العود الهندي، المشوبة بقطع العنبر الفستقي، بعد أن نديت أعراض
[ ٧ / ١٣١ ]
ثيابهم بشآبيب ماء الورد الجوري، يصب فوق رؤوسهم من أواني الزجاج المجدود، وفياشات البلور المحفور، ثم أدني إليهم قوارير المها المحكمة الصنعة، الرائقة الهيئة، قد أترعت بالغوالي الذكية، النامة بسرها قبل الخبرة، المتخذة من خالص المسك التبني، ومحض العنبر المغربي، لاءم بينها رشح البان البرمكي، فتناولوا من ذلك حتى لأقطرت سبالهم ذوبانًا، وأعادت شيبهم شبانا، فلما استتم هؤلاء الخلة نعيم يومهم، من طعمهم وطيبهم، أقيموا للدخول على المأمون، فسلموا عليه، ودعوا له. فأقبل عليهم أحسن قبول، ورد أجمل رد، وأمر بإدخالهم إلى سيد مجالسه المسمى المكرم، نتيج همته، وبديع حكمته، السائر خبره، الطائر ذكره، المعدوم نظره، ليمتعوا أبصارهم بالنزهة، ولم يكن أكثرهم رآه إلى يومهم ذلك مع علوق وصفه بخواطرهم، فلما رأوه صغر عندهم ما كانوا يستكبرونه من وصفه، ورجعوا أبصارهم فيه، ونبه بعضهم بعضًا على دقائق معانيه.
قال ابن حيان، قال ابن جابر: وكنت ممن أذهلته فتنة ذلك
[ ٧ / ١٣٢ ]
المجلس، وأغرب ما قيد لحظي من بهي زخرفه الذي كاد يحبس عيني عن الترقي عنه إلى ما فوقه إزاره الرائع الدائر باسمه حيث دار، وهو متخذ من رفيع المرمر الأبيض المسنون، الزارية صفحاته بالعاج في صدق الملاسة ونصاعة التلوين، قد خرمت في جثمانه صور لبهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار، وقد تعلق كثير من تلك التماثيل المصور بما يليها من أفنان أشجار وأشكال الثمر ما بين جان وعابث، وعلق بعضها بعضًا بين ملاعب ومثاقف، ترنو إلى من تأملها بألحاظ عاطف، كأنها مقبلة عليه، أو مشيرة إليه. وكل صورة منها منفردة عن صاحبتها، متميزة [من] شكلها، تكاد تقيد البصر عن التعلي إلى ما فوقها. قد فصل هذا الإزار عما فوقه كتاب نقش عريض التقدير، مخرم محفور، دائر بالمجلس الجليل من داخله، قد خطه المنقار أبين من خط التزوير، قائم الحروف بديع الشكل، مستبين على البعد، مرقوم كله بأشعار حسان، قد تخيرت في أماديح مخترعه المأمون. وفوق هذا الكتاب الفاصل في هذا المجلس بحور منتظمة من الزجاج الملون الملبس بالذهب الأبريز، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار، وصور أنعام وأشجار، يذهل الألباب [٦٦] ويقيد الأبصار. وأرض هذه البحار مدحوة من أوراق الذهب الإبريز، مصورة بأمثال تلك التصاوير من الحيوان والأشجار بأتقن تصوير وأبدع تقدير.
قال: ولهذه الدار بحيرتان، قد نصت على أركانهما صور أسود
[ ٧ / ١٣٣ ]
مصوغة من الذهب الإبريز أحكم صياغة، تتخيل لمتأملها كالحة الوجوه فاغرة الشدوق، ينساب من أفواهها نحو البحيرتين الماء هونًا كرشيش القطر أو سحالة اللجين. وقد وضع في قعر كل بحيرة منهما حوض رخام يسمى الذبح، محفور من رفيع المرم، كبير الجرم، غريب الشكل، بديع النقش؛ قد أبرزت في جنباته صور حيوان وأطيار وأشجار، وينحصر ماؤهما في شجرتي فضة عاليتي الأصلين، غريبتي الشكل، محكمتي الصنعة، قد غرزت كل شجرة منها وسط كل مذبح بأدق صناعة، يترقى فيهما الماء من المذبحين فينصب من أعالي أفنانهما أنصاب رذاذ المطر أو رشاش التندية، فتحدث لمخرجه نغمات تصبي النفوس، ويرتفع بذروتها عمود ماء ضخم منضغط الاندفاع، ينساب من أفواهها ويبلل أشخاص أطيارها وثمارها، بألسنة كالمبارد الصقيلة، يقيد حسنها الألحاظ الثاقبة، ويدع الأذهان الحادة كليلة.
قال ابن حيان: إلى هذا المكان انتهى تلخيصي ووصفي، وهو جلل عند قرانه بموصوفاته، ووشل عند إضافته إلى مغموضاته. وأبرأ من عهدة التقصير فيه، وأنهجه لمن تعاطى الاقتدار على الإبداع في وصفه.
قال: وتوالى إطعام أفواج الناس في ذلك الإعذار، مجلسًا بعد آخر
[ ٧ / ١٣٤ ]
أيامًا متوالية، حتى استدعي له من بقايا أصناف الناس وأدونهم حتى الجفلى، وأزعجوا إلى النعيم الذي لا عهد لهم به، دخلوا على التطليق، وحفظوا من ضنك المضيق، وأوسعت مآكلهم من غليظ ورقيق، فالتهموا وازدرموا، ونهلوا وعلوا، ووضئوا وطيبوا.
مجلس الأنس
قال ابن حيان: وذهب المأمون إلى تتميم تكريم زواره من رجال الأمراء الذين استحضرهم يومئذ لشهود فرحته، بمشاهدة مجلس خلوته، وتنعيم أسماعهم بلذات أغانيه، وقد علم أن فيهم من يرخص في النبيذ ولا يسوغ له نعيم دونه، فاحتمل حرج ذلك مبالغة في تأنيسهم، فاحتفل لهم في مجلس قد نضد، وأحضر فيه جميع آلات الأنس. فلما استوى بالقوم مجلسهم، واشرأبوا إلى الأخذ في شأنهم، قرب إليهم أطعمة طيورية جوامد وباردة، وصنوفًا من المصوص والأشربة والطباهج، موائد مترعة اتخذوها بسطًا لنبيذهم. ثم انثنوا إلى الشراب ونفوسهم به صبة، وقد مدت ستارة الغناء لأهل الحجاب، ونظمت نوبة المغنين زمرًا، فهاجوا الأطراب، واستخفوا الألباب، ونقلوا الطباع فجاءوا بأمر عجاب، بذهم فيه سابق حلبتهم، المحسد من
[ ٧ / ١٣٥ ]
جماعتهم، الإسرائيلي ذي، الزائد إحسانه على إبراهيم الموصلي، صديق إبليس، الظريف في فتنته، وتخايله بالماخوري المكنون، الذي اغتدى في باطله نسيج وحده، يزدهي العيدان جسه، ويخرس الأطيار شجوه، قاتله الله من آخذ بالقلوب! فطربوا وطرب المأمون ليلتئذ على وفور حلمه. وكان الذي غناه فيها ذي صوتًا شجيًا، لحنه من خفيف الرمل، مطلق بالخنصر، في مقطوعة نظمها عبد الله بن الخليفة المقلب بالمصري، وهي:
باكر لبكر الدنان إن هداء العروس في السحر
واشرب عقارًا تخال حمرتها تحرق أيدي السقاة بالشرر
فإن يحيى أحيا بدولته ما قد محاه تصرف القدر
ملك هو الدهر في عزيمته يطلع فينا بطلعة القمر فطمح بابن ذي النون الإطراب، حتى حن حنين الناب، وخلع لوقته عليه ثوبًا من التستري الأخضر مطرزًا بالذهب، ووصله بمائتي دينار ذهبًا، ثم فض الصلات والخلع في سائر الطبقات.
هذا آخر خطاب ابن جابر إليّ بوصف ذلك الإعذار، وجمله التي بسطتها من إدماجه، وسبكتها من نقده. خلا أنه سامني ذكر مقطوعات
[ ٧ / ١٣٦ ]
حشا بها كتابه إليّ، من صنعة صديقه عبد الله بن خليفة المصري. تعاور المغنون في تلك الليلة الغناء بها، وجميعها عندي في نهاية من الضعف [٦٧] والتخلف والتبرؤ من صنعة الشعر، يبغي بها توشيح هذا المشهد الجليل الذي قيلت فيه، ينظمها في عقده، فلم أسعده على ذلك ترفيعًا به عن هجنتها، وتبرئةً لنقدي على استجادة سبكها، ومذمة لزمن غفل أقحم قائلها في زمرة الشعراء، وجسره على إنشاد جلة الأمراء، وطالما عناني هذا الرجل بذكر ابن خليفة هذا وإنمائه إلى النسبة المصرية، وعزوه له إلى المعارف الحكمية، وأنا أحسبه مصري التربة، متطارح الغربة، مستطيرًا على بعد النجعة، مرهف الحد، محتنك التجربة، أرتاح لذكره وأود لقياه والأخذ عنه. فأبرزه الفحص لي قطربي التربة، محالي الحومة، سوقي الحرفة؛ ابن جار لي من تجار الخفافين يسمى هليفة، عجمي نبز الأب ب - " المورته " مفجوء الميتة منذ سنوات قليلة. لم أعهد ابنه هذا يرتسم بأدب، ولا يسعى لطلب، إلى أن رمت به النوى قريبًا إلى بلاد العدوة لابتغاء المعيشة، فأطال بها الثواء، ولقي الفهماء، وتقيل الجسراء، فكسر إلينا على زعمه مصريًا صليبة، وأديبًا باقرة، وشاعرًا باقعةً، وحكيمًا نطيسًا، وظريفًا ممتعًا. كل ذلك من غير طول رياضة، ولا تقدمة معرفة. وما إن يستنكر لقاسم الفضائل بين خلقه أن يجمع منها لواحد ما فرق في جماعة، له القدرة البالغة والحكمة القاهرة.
[ ٧ / ١٣٧ ]
وفي فصل له في ذكر الشعراء
قال ابن حيان: وصار من مناكيد ذلك الصنيع الملحقة به عيب التقصير عدمه لحذاق من الشعراء يجيدون القول فيه، ويحسنون وصفه، فيوفون المبدع له حقه، إذ ألوى ببقاياهم الزمن العصيف المطاول للفتنة، وجاء بأشباه له من شعراء متكلفين مثل الخازباز المضروب مثلة، يهينمون بما لا ودق له من سمائهم، ويفرغون في قوالب تضيق عن إفراغهم، ويجهدون في حشو قوافيهم دون إرهاف للفظ ولا استنباط لمعنىً، فلا يسرون ناقدًا، ولا يهزون ممترىً، ولا ينشطون راويًا. وأشق ما على الحائز لهم غلظهم في أنفسهم، واستقصارهم لمن امتدحوه في إخلاله وقعوده بهم، وهي لو عقلوا أقعد وأضيق واقصر وأعكس. فيا ويحهم ماذا عليهم في إلإنصاف من أنفسهم والاعتراف بتقصيرهم، أليس ذلك كان أولى بهم - فما أحسن قول " لا أدري " بمن يدري فضلًا بمن هو بضدها تصاب مقاتله. فلو قلدوا الزمن دؤولهم، ووله نقصهم، واعترفوا لبلواه، لكان أعذر لهم. فجلس لهم المأمون متخذ تلك المدعاة الفخمة في مرتبته ببرطيل المجلس الموصوف في أبهةٍ
[ ٧ / ١٣٨ ]
فخمة ورتبة كاملة مع كبار أهل مملكته من أذواء الوزارات المثنية والمفردة، ومن أصحاب الخطط العليات، وأذن لتلك الحلبة من شعراء [الحضرة] من طارئ وقاطن، وهم نفر عير منوه بهم ولا بأسمائهم، ولا تجانس برواتهم، فدخلوا إليه على هيئتهم يقدمهم شيخهم المقدم من جماعتهم ذلك اليوم، محمد بن شرف القيرواني القريب عهده بالهجرة، بعد خبطعه سمرات ملوك الأندلس بمحجنه، واعتصارهم بقصعته، فأذن لهم بالإنشاد بحسب تطبيقهم، فتقدمهم ابن شرف فأنشد قصيدة أولها: " يريني الهوى أن الهوى لين سهل "، ما إن هي لاحقة بعيون شعره، أطال فيها التشبيب فخلص إلى التهنئة، وقد استفرغ القريحة وطول فما أتى بطائل. ثم تقدم بعد البائس عبد الله بن خليفة الأندلسي المتمصر بزعمه، فيا بؤسى لسابق صلى بعده! فأنشد قصيدة ملفقة، ذات طنين وقعقعة، كثر أبياتها، وقلل أقواتها، أولها: " أرى أثلاث الجوع بالوصل تورق " تركه المأمون أيضًا يتصرف بها، ما إن هزت منه عطًا، ولا أبدت له بسمًا. وقام بعده محمد بن زكي الأشبوني، فأنشده شعرًا أوله: " اليوم أبهج منبر وسرير " ركب فيها سنن من قبله، ولحق ابن ذي النون سآمة من كلف يومه، فأمر بأخذ بطائق جميع من حضره من الشعراء، وأسلمها إلى
[ ٧ / ١٣٩ ]
وزيره الأثير يومئذ عبد الرحمن بن مثنى كي يتصفحها بفضل أدبه، ويطبق قائلها بحسب معرفته، فيأمر لهم بما يجده. فبدا على [٦٨] الشعر يومئذ انكسار، ولحق أخفافه أنهيار، وأصم به الناعي مسمعًا يندب شجوه بابن اليماني، مناديًا ينادي: يا إدريساه، ولا إدريس يومئذ للقوافي، وكل شيء له حتف موافي.
قال ابن حيان: وأكتب إثر هذا الفصل بعض ما اخترته من قصائد هؤلاء الشعراء على ما خيلت لئلا يخلو جيد التأليف من مخشلبها.
فمن قصيدة ابن شرف في ذكر وطنه وحنينه قوله:
تذكرتها واليم بيني وبينها وموصولة فيح ومهجورة غفل
ومن دونها حرب عوان وفارض ولود لها من نفسها أبدًا بعل ومنها في ذكر قصيدته:
يقر امرؤ القيس بن حجر لفضلها ويظهر عنها العجز علقمة الفحل
فلو وصلت عمري الليالي لوقته لقالت [له] الأشعار ما قالت النمل
[ ٧ / ١٤٠ ]
قال ابن بسام: وأثبت ابن حيان في كتابه لتلك الطائفة المنشدة يومئذ عدة قصائد، ولم يسلك فيها سبيل ناقد. قال: وأما المتكلف المصري فسكل الحلبة، فكان أبطأهم جراءً وأنآهم عن الغاية، لما اجتهد في المتح فجاء بقليل ماء، فوق ظمأه بخمسين بيتًا سدىً، لفقها قصيدة متخاذلة لم يفتق فيها معنى حسنًا، ولا قافية حرةً، بل ما زاد على أن صرف النسيب في ست من الخلات مسميات، فضل فيهن إمام المحدثين أبا تمام بزيادة اثنتين، ثم قطع المديح توسعًا مع ما وجده هناك من آجر وجص، فهدف منها فيما لم يعنه عليه طبع، ولا أسعدته صنعة، فكان الذي أبدى كير نفخه من خالص سكبه قوله:
وقد كان لي [في] مصر دار كرامة ولكن إلى المأمون كنت أشوق
حللت عليه والمكارم جمة وسحب العطايا برقها يتألق انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان.
[ ٧ / ١٤١ ]
جملة من أخبار بني ذي النون وذكر أولية أمرهم
قال ابن بسام: ونتلو هذا الفصل بنبذ لها بهذا الموضع موقع، من أخبار طليطلة البائسة، وشرح الحال التي أبادت مصانعها، وطيرت واقعها، وما آل إليه أمر المملكة القابضة للأنام، المبنية على هدم دعائم الإسلام، المجموعة من افتراق الجماعة، المغلوب عليها أئمة السمع والطاعة. ونذكر طرفًا من حديث مآل أميرها المترف المسرف، الملقب - كان - من الألقاب السلطانية بالقادر بالله، جهلًا من بحقيقته، وتهاونًا بالله وخليقته. خطة ذاده المقدار عن مستقرها، ودعوى دفع الليل والنهار في صدرها، ونأتي أولًا بفصل جوده ابن حيان في ذكر جده إسماعيل المتلقب - كان - بالظافر، رئيس الخلاف، ورأس الإنحارف، وجمهور الجور والإسراف.
قال ابن حيان: وكانت أولية نباهة بني ذي النون من جدهم ذي النون، في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد اعتل له خصي في طريق قفوله من الثغر فتركه عنده بحصن أقليش يمرضه، فلما أفاق لحق بالحضرة مع الخصي، فأخذ له توقيفًا بتقديمه على حصنه، ثم تداول تلك الخطة ولده إلى أيام الحكم. فلما اضطلع بالدولة ابن أبي عامر، تعلق به المضراس بن ذي النون وإسماعيل ابنه معه، فلما انقرضت الدولة العامرية لحق بالثغر وجمع إليه بني عمه، وخطب من سليمان ولاية أقليش فولاه إياه، ثم تهيأت له قلعة كونكه، وكانت بيد واضح العامري، فلما مات ضبطها إسماعيل منتظرًا بزعمه
[ ٧ / ١٤٢ ]
من يجتمع عليه الناس، وتحت ذيله من غلول واضح كثير، حين لم يترك إلا أطفالًا وأمهم حرته، ألقت بنفسها إليه، معتنقة بأمانه، فحصل لإسماعيل البلد. وسطا على مجاوريه من قواد الثغور، فاستقامت له الأمور. وثنى له الوزارة سليمان وسماه ناصر الدولة. فاستقل ذلك كله، وآثر الفرقة، واقتطع جانبه، فكان أول الثوار لمفارقة الجماعة، وفرطهم في نقض الطاعة، ثم اتفقت له أمور اتسع بها عمله، وكثرت جبايته وجمعه. وكان من البخل بالمال، والكلف بالإمساك، والتقتير في الإنفاق، بمنزلة لم يكن عليها أحد من ملوك عصره. لم يرغب في صنيعة، ولا سارع إلى حسنة، ولا جاد بمعروف، فما أعملت إليه مطية، ولا حملت أحدًا نحوه ناقة، ولا عرج عليه أديب ولا شاعر، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر، ولا استخرج من يده درهم في حق ولا باطل، ولا حظي أحد منه بطائل. وكان مع ذلك سعيد الجد، تنقاد إليه دنياه، وتصحبه سعادته فينال صعاب الأمور بأهون سعيه. وهو كان فرط الملوك في إيثار [٦٩] الفرقة؛ فاقتدى به من بعده، وأموا في الخلاف نعهجه. فصار جرثومة النفاق، وأول من استن سنة العصيان والشقاق، ومنه تفجر ينبوع الفتن والمحن، فتبارك من أملى له، ولم يرض له عقوبة الدنيا مثوبة.
فقد كان أصحابه حفظوا عنه كلمات في سبيل ذكر السلف الصالح زيادة إلى مساوئه. وذلك أنه نوظر في شأن التأمير لبني أمية فقال: والله لو نازعني سلطاني هذا الصديق لقاتلته ولما سلمت له، فكيف أسلم سلطاني لمن يدعى إليه من بني أمية، ممن لا يوجب الله طاعتهم، عترة
[ ٧ / ١٤٣ ]
مروان خيط باطل، الذين لم يسبق لهم صحبة، ولا أدخلهم السلف في شورى الإمامة -
قال ابن حيان: ومن أشهر حكاياته في ذلك، ما أخبر عنه أبو العباس السكري الإسكندري - رجل ممتع الحديث طيب المجالسة - وحضر مجلس ابن حمود بمالقه، فسأله إسماعيل بن ذي النون عن مجلسه معه، فأثنى عليه، فقال أتثني على أدعياء - فعل الله بهم وصنع، فبهت الإسكندراني وقال: معذرة إليك أيدك الله، فإني جهلت رأيك في هذا الرجل مع أني ألزمت نفسي ألا أذم ذا سلطان البتة، وأنت غير منازع في أئمتك المروانية، وهم أهل ذلك منك، أقاديم الملوك، وذو العدل والسياسة. [ومضى] الإسكندراني في إطرائهم ظنًا أنه يسره، إذ كان يقول بدعوتهم في ذلك الوقت. فقطع عليه ابن ذي النون بأسوأ من قطعه على الهاشميين، وأنحى على ذم بني أمية فلم يبق، ووصل كلامه بأن قال: توارثوا هذه الإمارة مخرقة وضعها قريش لاستعمال الناس، والناس لأب وأم، والفخار باطل، أحقهم بالملك من استقل به. والله ما أولي غير نفسي، ولا أقوم إلا بسلطاني، ول نازعنيه فلان وفلان - وذكر السلف الصالح الذي كرم
[ ٧ / ١٤٤ ]
الله ذكرهم - لضربتهم دونه بسيفي ما استمسك بيدي. فقام عنه الإسكندراني مبهوتًا وأفشاه في غير أرضه. وأخباره في مشل هذا كثيرة.
انتهى كلام ابن حيان.
فقلت أنا: وليت إسماعيل هذا بقي ووقي، على فظاظة جانبه، واختلاف مذاهبه، وطول إعراضه عن عواقبه، فلقد كانت عليه وقته قليل رقبة، وعند بعض أهبة، لقرب عهده بأيام الجماعة، واستشعاره عودة السمع والطاعة، ولوفور من كان قبله يومئذ من مشيخة ذوي الهيئات، وزعماء سائر الطبقات، ولقد أساء من جاء بعده، ذهابًا في الكبر، وتهاونًا بالأمر، وقعودًا عن النصر، واستظهارًا بأحزاب الكفر، سلمه باطل وبطالة، وحربه غواية وجهالة، في المشركين نجومه وديمه، ولهم مواثيقه وذممه، وفي المسلمين همومه وهممه، وعندهم بوائقه ونقمه.
بلغني أنه لما مات الظافر إسماعيل، كان حملة دولته ورؤوس جملته، الحاج ابن محقور وابن لبنون وابن سعيد بن الفرج. وكان آكد ما عهده إلى ابنه يحيى المتلقب بعده بالمأمون الاقتداء بهديهم، والانتهاء إلى رأيهم. قال بعضهم: فدخلنا عليه لأيام يسيرة من مهلك أبيه، وهو [في] إيوان كبير قد ملأه بنقر الفضة حتى لا فضل فيه عن مجلسه، فأمرنا بالدنو، فبعد لأي ما خلصنا إليه، لكثرة ما كان من ذلك بين يديه، وقد امتلأت صدورنا عجبًا، وتقيدت ألحاظنا فما تجد متقلبًا، لهذا الاتفاق كيف وقع، ولهذا السحت من أين
[ ٧ / ١٤٥ ]
جمع. فأخذ يفيل رأى أبيه في اختزانه، ويعرض بجمود كان كان في بنانه، ونحن نقول: لعله قد أنف لضياع ثغوره، وتشعث أموره، وانتشار الشرك بإزائه وظهوره. وكأنه فهم ما نحير، وعلم إلى أين نشير، فأظلم ما بيننا وبينه، وازور ازورارة أنكرنا بها أثره وعينه، [وقال:] من حق مثل هذا أن يصرف في مثل ضروب الحلية الرائقة، وأنواع الآنية المؤانقة. وأي معنى في كونها نقر - ما أعجب هذا وما أنكر! هذه بالحجارة أشبه منها بالآت الإمارة. فقال له ابن محقور، وكان أشدهم جرأة، وأثقلهم وطأة، لعزة ركنه، وإدلاله بفضل سنه: إن هذه - أيدك الله - إذا كانت نقرًا بقيت ذخيرة زمان، وعدةً لحدث إن كان، ولا تحول آلات إلا بعد نفقة، وتحيف من كل طبقة، ثم لا تزال نصب عين من يرد من رسول، وينتاب من ابن سبيل، وينمي خبرها إلى الطاغية فرذلند فتدعو السياسة إلى أن يخص منها بقسم، ويضرب له في أنفسها بسهم، فزوى عنهم وجهه، ولم يأمنوا نجهه، وثقلوا بعد عليه، ويئسوا من شيء من الفلاح يجري على يديه. وخالفهم إلى ما أراد، فأبدى فيه وأعاد، وآلت حاله إلى ما قال الشيخ: ما لقص ولا زاد [٧٠] .
[ ٧ / ١٤٦ ]
ذكر الخبر عن بعض ما تناهى إليه المأمون
من تشييد البنيان بقصور طليطلة
قال ابن بسام: ثم أخذ المأمون في بناء مجلسه الكبير المكرم بناءً باء بإثمه، وخلا سريعًا من اسمه، لم يخلده في عقب، ولا قضى من لذته به كبير أرب، وكان الذي تولى له رصف بدائعه، وإحكام مصانعه، رجل من مهرة الفعلة، أكثر خلق الله صلفًا، وأشدهم تتايعا وسرفًا. وكان المأمون لعدم نظيره، يحتمل من اعتدائه وتغيريه، وتهاونه بجميع أموره، ما لا مزيد عليه، ولا انتهاء لأحد إليه. واتفق له مع ذلك الصانع أن وعده بتمام مجلسه المشيد قبل إطلال العيد، فرشح ابن ذي النون للجلوس في صدره، والاستظهار على زينة عيده بالفراغ من أمره، وتقدم إلى من كان بحضرته من الشعراء، على قلتهم ببابه، ونفارهم عن جنابه، لقلة نائله، وتفاهة طائله، في وصف مجلسه ذلك وتقريظ مبانيه، والثناء على مخترعه وبانيه، ثم إن ذلك الصانع استمر على ديدنه من الخلاف، وعمل على شاكلته من التهاون والإخلاف. واتفق أثناء ذلك أن ضربت خيل الطاغية فرذلند على بلاد المظفر بن الأفطس؛ وطئتها وطأة محت رسومها، واستباحت حريمها، واجتاحت حديثها وقديمها، وأنست ما كان قبلها من جب الذروة، وانصداع المروة، وأيأست من البقاء، وآذنت
[ ٧ / ١٤٧ ]
بشمول البلاء. فأخبرت عن وزيره أبي المطرف بن مثنى أنه كان يومئذ بمنزلة بين الوجوم والإطراق، وعلى نهاية الحذر والإشفاق، إذ وردت رسل المأمون عنه تترى، وهجمت عليه زمرةً بهد أخرى، فدخل عليه فوجده قد استشاط حنقًا، حتى كاد يتميز شققًا. فظن أن ذلك الضجر، لما كان ورد به الخبر من ضرب الخيل على بلد المظفر، وإخفار الذمم، وزلة القدم، وانهتاك الحرم. فطفق ابن مثنى يبسطه ويقبضه، تارةً يسليه وتارةً يحرضه، وطورًا يقول له: فيك الخلف مما فات، ومرة يقول: قد آن لك أن تنكر على الطاغية هذا الافتيات. فلما فهم منحى ابن مثنى منه، أعرض عنه، وقال له: ألا ترى هذا الضالع الفاعلي الصانع - يعني عريف بنيانه - صبرت له وأغضيت، وفعلت به كيت وكيت، فما زاد إلا تنغيصًا للذتي، واستخفافًا بإمرتي، وتصغيرًا لشاني، واجتراء على سلطاني. وهبت ريحه العقيم، تقعد في غير شيء وتقيم، فسقط في يد ابن مثنى وانكسر إنكسارة تبينها ابن ذي النون فيه. ولم يجد بدًا من أن قال له: هون عليك، والكل طوع يديك، وناهيك، وأنا أكفيك؛ وخرج ومثل بين يدي ذلك الصانع يعده ويمنيه، ويداوره ويداريه، والصانع مقبل على شأنه، ما أمره بالجلوس، ولا زاده على التجهم والعبوس، فبعد لأي ما ضرب له مثل العامة وهو قولهم: ما أفرس الجالس. ثم قال:
[ ٧ / ١٤٨ ]
وبالحري والله أن يتم إلى عبد آخر، فليجهد جهده، وليأت بكل ما عنده. فرجع ابن مثنى إلى ابن ذي النون وهون عليه الشأن، وخفف لديه ما كان. وخرج لا يدري من أي الثلاثة يعجب: أمن اغترار [ابن] ذي النون وجهله، أم إفضاء الضرورة بنفسه إلى خدمة مثله، أم من جرأة ذلك الصانع القصير اليد، النزر العدد، على ذل [ابن] ذي النون وذله.
قال ابن بسام: فتبارك من أحاط بالأشياء، ولم يخف عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن جعل اليوم ذلك القصر العجيب بنيانه، الهادم - كان - للدين والدنيا شانه، مربطًا للأفراس، وملعبًا للأعلاج الأرجاس، من رجال الطاغية أذفونش بن فرذلند، بدد الله شيعته.
ذكر الخبر عن مآل حفيده المتلقب بالقادر
مع (ما) يتشبث به من خبر نادر
قد ذكرت في القسم الثاني من هذا المجموع ملك جده المأمون بقرطبة، ويعود بنا القول إلى ما بدأت به من ذكر حفيده المتخذ له
[ ٧ / ١٤٩ ]
ذلك الصنيع المعدود على الأيام ذنبه، الباقي في صفحة الإسلام ندبه، وقد ذكرت أيضًا في القسم الثالث منه مهلك حفيده ببلنسية، وأوضحت صبحه، واستوفيت شرحه، وأجرد هاهنا القول في أخذ طليطلة من يديه، ودوران الدائرة السوء بها على المسلمين وعليه، وما تعلق بأذيال ذلك من غريبة، وانخرط في سلكه من أعجوبة.
كان يحيى حفيد ابن ذي النون ركين المجلس، ثري المغرس، حلو الحوار، لين التصرف بين الإيراد والإصدار، مليح شبا الخط [٧١] هذه كانت فضائله فقط. لم يكن له ولسلفه قبله باع في الطلب، ولاحظ في الأدب؛ وكان - زعموا - آية في قرب غوره، وسكون فوره، والحور بعد كوره، إمعة إمره، أجبن من قبره: إن حزم لم يعزم، وإن سدى لم يلحم، إلى ما كان يغرضه من غرض، ويلزمه أكثر مدته من مرض، من ذرب لازم - زعموا - كان لمعدته، واستحرار حاسم لمرته، وقد كان جده المأمون قسم الحضرة قسمين
[ ٧ / ١٥٠ ]
وأدار سياستها على رجلين، فجعل تدبير الأجناد، والنظر في طبقات القواد، إلى سائر الشؤون السلطانية، والأعمال الديوانية إلى ابن الفرج، وبقية الإصدار والإيراد، والنظر لجماهير الناس وكواف البلاد، والرأي والمشورة، والصغيرة والكبيرة، إلى الفقيه أبي بكر بن الحديدي، رجل كان له قدم وإقدام، وعنده نقض وإبرام، وكان قد عهد لحفيده هذا المرشح لأمره متى ورث سلطانه، وتبوأ مكانه، أن يشد على ابن الحديدي كلتا يديه، ولا يفتات بأمر من الأمور عليه. وأخذ الموثق الغليظ على ابن الحديدي ليبلغن كل مبلغ في شد أزره، وتثبيت أمره علمًا باستقلاله، واستنامة إلى يمن مناقبه وخلاله، وحفظًا لما كان عنده من يده في إقامة أوده، وممالأته على أهل بلده. وقد كان أكثرهم فيما سلف نفروا عنه، وهموا بالاستبدال منه. فنكث أبو بكر هذا قوى مكرهم، وخاطب المأمون يومئذ إلى بلنسية بجلية أمرهم، خوفًا من الفتنة، وتفاديًا من المحنة. فانكدر المأمون من حينه إلى طليطلة وقد ضاق ذراعًا، وكادت نفسه تذهب شعاعًا. وأدار الحيلة على مشيخة طليطلة في خبر طويل حتى سجن عامتهم بمطبق حصن [وبذة]، أخرى قلاعة المنيعة، ولم يزالوا بها حتى شاب الشباب، وبليت الأحقاب، وتلك اليد كان المأمون يراعي لابن الحديدي، فوضع في حياته زمامه بيده، واستخلفه بعد وفاته على بلده وولده.
[ ٧ / ١٥١ ]
مقتل الفقيه أبي بكر بن الحديدي
فلما هلك المأمون بقطربة ونعي بطليطلة وماج بعضها في بعضها، وانطبقت سماؤها على أرضهلا، احتوشت إلى حفيده، اللابس لبروده، جملة ممن كان يتعلق بسببه، وينسب إلى وطء عقبه، وطفقوا يغرونه بأبي بكره، جماع أمره، ومظنة تأييده ونصره، لما كانوا يدبرون من التقلب عليه، ويتوهمون من ضعفه على ما في يديه، وخوفوه غوائل ختله، وزعموا أن سلطانه لا يتم إلا بعد الفراغ من قتله. وقد كان أثيره أبو سعيد بن الفرج ينهاه عن إخفار الذمام، ويخوفه سوء عواقب الأيام. فركب هواه، وخالف ناصحه وعصاه، وجرد قطعةً من جنده، وأمرها باستقبال تابوت جده في طريقهم من قرطبة، وأنهى إليهم سرًا قتل ابن الحديدي المستقل بحمله، الناظم لأشتات فله. وقال لهم: إذا التقيتموه فكونوا حوله، وعظموا قوله، فإذا امكنتكم غرته، وبدت لكم ثغرته، فاقتلوه كيف أمكن، وعلى ما ظهر وبطن، ونما الخبر إلى ابن الحديدي فكفر بطاغوتهم، ونفض يديه من تابوتهم، ونكب إلى بعض ضياعه، في لمة من شيعته وأتباعه. فاضطرمت الصدور، وبطل ذلك التدبير، ثم وافى البلد ليلةً وقد استوحش من أنسه، وأوجس خيفةً في نفسه، وأصبح في المدينة خائفًا يترقب، ونادمًا يتتبع ويتعقب، يعض يديه
[ ٧ / ١٥٢ ]
ويحسب كل صيحة عليه. وطفق أصحاب ابن ذي النون بزعمه يقولون: قد حذرك، وتيقن خبرك، ولا يصلح لك أبدًا، ولا يرد عن مكروهك يدا. ومشت بينهما الرسل، وأعملت في اجتماعها الحيل، فركب إليه ذات يوم، وقد أخذ حذره، وحشد عرفه ونكره، واستبطن من كان تبعه يومئذ من الدهماء، وتعلق بركابه لمشهد أمره من الغوغاء. فملأوا أفنية القصر أسرع من الماء إلى الصبب، وأهول من النار في الحطب. فحين ارتفعت الأصوات، وغصن بهم العرصات، ارتاع ابن ذي النون، فأمر ابن الحديدي بالخروج، فخرج والدولة متعلقة بأذياله، وطبقات أعيانها عن يمينه وشماله، والعامة بين يديه ومن خلفه، يتمسحون بآثاره، ويرفلون في غباره، وهو يشكر صنيعهم، ويعم بالثناء جميعهم. وكان عندما أذكى عيونه، وحشر شياطينه، قد أوقع تهمته على شيخين من شيوخ الخدمة يدعيان مؤملًا وابن صروم، فأغرى العامة باستئصالهما، وتحبب إليهم [٧٢] بنهبة أموالهما، فكانا عنوان الفتنة، وباكورة المحنة.
وقد حدثت أن ابنه أشار عليه يومئذ بالفراغ من شيعة ابن ذي النون ففيل رأيه، واستقصر سعيه، وبود طليطلة البائسة لو أنه فعل، ولو أمضاها ما اختلف بها اثنان، ولا انتطح فيها عنزان.
وزين هذا الحزب المعلن بشره، من شيعة ابن ذي النون المغلوب على أمره، لصاحبهم اللجاج في غدره، والتمادي على غلواء مكره
[ ٧ / ١٥٣ ]
وأرته أن ذلك من سعيها لا يستوي على سوقه، ولا يخلو بسواء طريقه، إلا [بإطلاق] تلك الطائفة المغربة بمطبق وبذة، المحترقة أفلاذ أكبادهم، بنيران دمهم وأحقادهم: داء دفين، وشر مضمون. وسولوا له أنه إذا فك أغلالهم، ووصل بحبل الحياة حبالهم، غسل جوانحهم، وتألف نصائحهم، وشاركهم في ذوات صدورهم، واعتد عليهم منة نشورهم، والبعثة من قبورهم. فأثار منهم مدى وشفارًا، [أعد] بهم لخراب ملكه أعوانًا وأنصارًا. فأدخلهم البلد سرًا من بعض مداخله الخفية، وقد سترهم باللثم، وأوهم أنهم بعض الحرم، حتى وصلوا إليه، ومثلوا بين يديه، وذلك اليوم يوم الجمعة لعشر خلت لمحرم سنة ثمان وستين.
وكان الذي مالأ ابن ذي النون على ذلك، وسهل له - زعموا - تلك المناهج الخبيثة والمسالك، الفقيه ابن المشاط متولي القضاء كان يومئذ بقونكة. وكان أبو بكر بن الحديدي [يألفه] ويسكن إليه قديمًا، فاستدرجه بالأمان، واستفزه إلى مصرعه يومئذ بمزورات الأيمان، حتى جرعه رداه، وأسلمه إلى عداه. ودخل ابن الحديدي يومئذ القصر، والمقدار يزعجه، والخائن الغدار ابن المشاط يستدرجه، فلما أنضى إلى مجلس ابن ذي النون رأى وجوهًا قد أمنها مما تخوفها
[ ٧ / ١٥٤ ]
وأنكرها من طول ما عرفها، فأيفن بالشر لا خلاص، ولات حين مناص، ثم وطن لمحنته، واتكأ فضل منته، فجاذبهم أطراف الخصام، وطلع عليهم من ثنايا النقض والإبرام، فقام ابن ذي النون من موضعه وابن الحديدي متعلق بأذياله، مستجير به من أقتاله. فشغبوا عليه وشغلوه، وأحاطوا به حتى قتلوه، فقضي الأمر. وانقضى العجز والصدر. ولما أحست العامة بقتله، وهمت بسلاحها من أجله، ثار أولئك المخرجون في وجوههم، أطلال في أسمال. فأخذ كل واحد منهم بطرف من الطريق، وذهب ممن كان هنالك من العامة بفريق، بين صديق لهم يسر، وعدو يفر، وتشاغلوا بنهب دور بني الحديدي حين عجزوا عن نصرته، وعلموا أن لا سبيل إلى كرته. ولم يكن إلا كاملا، حتى أصبحت حبلا رثا، وهباءً منبثا.
وظن ابن ذي النون [أنه] قد راع أحشاء الأيام بفتكة براضية، وهتك أستار الخطوب عن حيلة عمرية. ولعمري لقد راع ولكن آمن سربه، ولقد هتك ولكن حجاب قلبه، أخلى وجهه لشرار أغمار. لم تكن لهم أحلام تحجرهم، ولا حلوم توقرهم، أذبة شهوات، وفراش ضلالات، أغضى الزمان لهم هنية فظنوا أنهم قد أعجزوه وانتهزوه، فوجدهم مغترين ليس لهم سلاح إلا مقاتلهم، ولا بهم حويل إلا تدابرهم وتخاذلهم، ونفث على نفسه من أولئك
[ ٧ / ١٥٥ ]
المخرجين شرار زناد، وأسرار عدوات وأحقاد، أحلاس السجون والأهوال، وبقايا القيود والأغلال. فلم يزد بموت ابن الحديدي وحياتهم على أن كان الشر سببًا فأصبح أسبابًا، والناس حزبًا فتفرقوا أحزابًا. وانتبذ ابن عبد العزيز لتلك الوهلة ببلنسية من جماعته، وخلع يده من طاعته، إلا هدنة على دخن، يتطارد له بصيدها، وينشده عن كيدها:
أحبك في البتول وفي أبيها ولكني أحبك من بعيد وفغر الطاغية أفونش بن فرذلند فمه على ثغوره المثغورة، فجعل لوقته يطويها طي السجل للكتاب، وينهض فيها نهضة الشيب في الشباب. وابن ذي النون يلقمه أفلاذ كبده، ويرجمه بسبده ولبده، وأذونش لعنه الله لا يقنع منه بصيد العنقاء، ولا ببيض الأنوق، بل يكلفه إحضار الأبلق العقوق، ويسومه درك الشمس، ويطلبه برد أمس. فلما أكل الإنفاق ثبج ماله، وأخذ الخناق بكظم احتياله، وأحس العدو المشاق بذلك من حاله، سما إلى معاقله المنيعة، وذرى أملاكه الرفيعة، عدد الأنام، ودروب الإسلام، فما راهنه منها عليه غلق، وما رام أخذه من يديه لم يدركه حتى مزق [٧٣] .
[ ٧ / ١٥٦ ]
فرار حفيد ابن ذي النون من طليطلة ودخول المتوكل
وانجرت الحال بينه وبين أولئك الشيوخ المخرجين من المطبق بمقدار ما رقعوا خروقهم، وجمعوا فريقهم؛ فلما استوثق أمرهم، وثاب إليهم شرهم، دلفوا لحزبه الذنوبي البسيس، تحت إحدى ليالي جديس؛ أرغت عليهم سقب السماء، وتمخضت لهم بالداهية الدهياء، ورؤسهم بأيدي الولدان لعبًا، وأتى ابن ذي النون صريخهم تلك الليلة فصادف منه رأيًا مغلوبًا، وقلبًا منخوبًا، طار به الذعر ففر ودونه من عبيده أسد الشرى، والأسوار شامخة الذرى، كأنما ناجته القتال أضغاث حلمه، أو رأى وجوه الأقتال في وجوه حرمه، تجفل الظليم، لا يحفل بالعار المقيم، ولا يصيخ إلى الصديق الحميم. حدثت أن زوجه بنت المظفر بن أبي عامر، طريد جده - كان - من بلنسية، وابنته منها تبعتاه يومئذ راجلتين نيفًا على فرسخين، حتى أدركتا بمركوب، وقد أخذ الجهد منهما بأوفر نصيب، واجتمع مشيخة طليطلة بفناء القصر، مرتبكين بين اللجاج والذعر، عامتهم تتطاول بزعمها إليه، وخاصتهم تتحيل المثول بين يديه، وهم يظنونه بحيث يرى ويسمع، ويتوهمون أنه سفعل ويصنع، فوجدوه قد أذعن للدنية، وخرج من بعض تلك
[ ٧ / ١٥٧ ]
المخارج الخفية، ومشى القهقري، قبل عير وما جرى، فاستأسدت كلابهم لأكل لحم ليس له ناصر، وهزج ذبابهم أثناء روض ليس [له] وارد ولا صادر. ولقوا يومئذ في سؤر الطاغية أذفونش من تلك الجواهر المكنونة، والذخائر المصونة.
وتلاحق بابن ذي النون بقية سربه المنفر، وفل عسكره المدبر، بحصن من حصونه. وأقام أهل طليطلة بعده أيامًا ولا كالسائمة المهملة نام راعيها، وأكبثت مراعيها، يتهادون لحمًا بين قديد ومعجل، ويرتمون بشحم كهداب الدمقس المفتل، في هياط ومياط، ولجب واختلاط، ليس عليهم أمير، ولا فيهم إلى الصواب مشير، وتشاوروا في أي ملوك الطوائف يحكمونه فيهم، ويلقون إليه بأيديهم، فطار طائرهم، واختلفت بوطنهم وظواهرهم، واشرأب من كان يليهم منهم لمملكة لم يحكموا إليها أسبابًا، وغنيمة لم يوجفوا عليها خيلا ولا ركابًا.
وكان عندهم يومئذ أبو محمد يوسف بن القلاس البطليوسي أحد
[ ٧ / ١٥٨ ]
عفاريت الظلال، وأكلة الأموال، من رجل أجرأ خلق الله على دم وهو أجبن ممن صافر، وأجسرهم على ركوب ثبج محرم وهو أضعف من لحظ فاتر، نبهت تلك الفتنة على قدره، ورفع عدم الرجال صوته بذكره، فهبت ريحه شمالًا وصبا، واتخذ سبيله في البر والبحر عجبا، فعرض عليهم بصاحبه المتوكل عمر بن المظفر ابن الأفطس، وأعرب لهم عن لين مكسره، وضيق مسافة نظره، واشتغاله باللذات عن أكثره، فقالوا: برد كبرد، ما أشبه سعدا بسعد! فأتاه سفيرهم، وخف إليه عيرهم ونفيرهم، فجاءهم ينظر من خفاء، ويمشي على استحياء، كودنا ساموه خطة سباق، وحبينة أقاموها على ساق، فدخل طليطلة عقب سنة اثنتين وسبعين، وأقام عندهم نحوا من عشرة أشهر، أضل من يد في رحم، وأذل من لحم على وضم.
[و] قد كان ابن ذي النون حين انفلت من يد المقتنص، انفلات الحمامة من القفص، تهيأ له دخول كونكة في خبر طويل، فثاب إليه حسه، ورجعت قليلا نفسه، وراسل الطاغية أذفونش، وهو بحيث ينتهز الفرسة، ويسمع القصة، فذكره ابن ذي النون سالف
[ ٧ / ١٥٩ ]
عهده. وشهد عنده أنعم جده، فبالزناد الذنونية - زعموا - وريت ناره، ومن التلاع المأمونية تدفق تياره، أيام كان اسم هذا الطاغية مخمولا. وصعبه ذلولا، بتغلب، أخويه شانجه وغرسية عليه، وأخذهما طرفي سلكه من يديه، فآواه المأمون ابن ذي النون ونصره، واستقل بسلطان طاغوته حتى أظهره، وعند الله جزاء موفور، وإليه منقلب ومصير، فلبى دعواه، وسمع شكواه، وأظهر الارتماض لما عزه وعراه. وأقبل معه إلى طليطلة يرد ماء بماء، ويسر حسوا في ارتغاء يورد وردا إليه صدره، ويجلب حلبا له أكثره، والمتوكل بها طليح جفان، طريح أكواب ودنان، مكبا على قمش ما نحته المحنة، وتجافت عن انتهابه الفتنة، من فرش فخم، وسرادق ضخمن وآنية وكتب، وصعد من آلة الملك وصبب، حتى اجتمع عنده من خبث زبرتها، وغثاء غمرتها، مع ما أذابوا له صدر مقدمه من شحم سنامها، وأفاضوا من برد وسلامها، جملة علمته الجلوس في الصدر، وأرته الفرق بين الخل [٧٤] والخمر، وأهل طليطلة الممتحنون، في غمرتهم، في غمرتهم ساهون، وعلى أعقابهم ينكصون، يخوضون ويلعبون، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.
[ ٧ / ١٦٠ ]
خوارج المتوكل من طليطلة، ورجوع ابن ذي النون إليها
فلما تمكن المتوكل من الري والشبع، تذكر عواقب الطمع، ورأى أنه إن زاد على ملء بطنه. كان كالسراج المنغمس في دهنه؛ فكايدهم بفراره، وأجلى مبادرًا إلى بطليموس دار قراره، ينشد:
إن الله يرجعني من الغزو ولا أرى وإن قل مالي طالبًا ما ورائيا ومن غريب تأويل الأحلام، أن رجلًا رأى المتوكل قبل دخوله طليطلة بأعوام، كأنه يأكل فيها طعامًا فيه سلق مع رجلٍ يسمى يوسف، ففسرها الأديب أبو عمر فتح المعروف بابن برلوصة، وقال: إن المتوكل سيدخلها على يد رجل يسمى يوسف، وينالان من مالها وذخائرها، لكنهما يسلقان بالألسنة فيها. ويقبح الحديث عنهما، فخرجت الرؤيا كما فسر.
ولما دخلها وحصل إليه منها ما حصل فر وتركهم كالسفينة خانتها الريح، والجسد بان عنه الروح، بين ناب الطاغية أذفونش وظفره
[ ٧ / ١٦١ ]
يقدح لهم نار الفتنة عن حجره، ويريهم الموت في أهول صوره، مقسمًا لا يبرح العرصة حتى يفي لابن ذي النون بضمانه، ويكافئه على سالف إحسانه. وكان عاقده ابن ذي النون أنه إذا ضرح قذاها، وأماط أذاها، واقتضى دينها، خلى بينه وبينها. هذا [ما] أضمره، فأما الذي أظهر، فإنه وعده أداء جملةٍ من المال، لا تفي به مدة الإقبال، ولا إرخاء الحال، راهنه بها أبناء الأمجاد، وبقيا معاقله الأفراد، وألقى أهل طليطلة بأيدي الصغار، على حين أيقنوا بالبوار، وضاقت عليهم أنشوطة الحصار. فجاء ابن ذي النون يقدمه أذفونش، وهو يظهر من التزام بره، وإعزاز نصره، ما بهر العقول. وكثر القال نوالقيل، حتى زعموا أنه رفع صوته يدعو إليه، وترجل يمشي بين يديه، وصار أعجب من تورط في حبائل كيده، وجعل الضرغام بازًا لصيده. وكم رام أهل طليطلة قتل ابن ذي النون في أثناء تلك الوشلات مرارا، ولكنه بلغ مداه، وكره الله لقاءه فأبقاه، وكانت لله فيه مشيئة أمضاها، وقضية أنظر به إناها، لذلك ما خبأته صروف الأيام، وسلم من الحمام إلى الحمام، فلما كان يوم النحر سنة أربع وسبعين، نهدوا له
[ ٧ / ١٦٢ ]
في عددهم وعديدهم، وزحفوا إليه بحدهم وحديدهم، فتجاوالوا عامة يومهم في شوارعها، يتراموان بدوامغ الحتوف وقوارعها؛ فأجلت الحرب عنهم قد شرقوا بغصتها، وخلوا بينه وبين عرصتها. وتساقطوا على أذفنوش يشكون ابن ذي النون إليه ويستصرخونه عليه. فرماهم بحجر، ولبس لهم جلدة نمر. فتفرقوا بكل سبيل، وطاروا على كل صعب وذلول، حتى مات ابن مغيث كبيرهم الذي علمهم السحر، وطاغوتهم الذي شرع لهم الكفر. بشيمتور من أرض قشتيلة بين الدنان والصلبان، فساروا وإلى الله إيابه، وعليه حسابه. ورجع بنوه أخيرا فانتزوا بمدينة مجريط، وانحشر إليهم ذؤبان الوقائع، وأذبة المطامع فكانت بين ابن ذي النون وبينهم أيام عدتهم له عدا، وساقتهم إليه وردا، حتى باد جمهورهم، وتلاحقت أعجازهم وصدورهم. وبلغ ابن ذي النون من هدم ربوعهم، وصلبهم على جذوعهم، ما يبرد صدر الموتور، ويضحك سن الموت المبير.
بقية الحديث عن شؤون ابن ذي النون بطليطلة
وإسلامها لظهيره الطاغية أذفنوش، وما انطوى في ذلك
من خبر، والتف به قبيح أثر
قال ابن بسام: وأخذ ابن ذي النون أهل طليطلة لحين استقراره فيها بفك تلك المعاقل، وأداء ما كان ضمن لأذفنوش من الأموال
[ ٧ / ١٦٣ ]
الجلائل؛ فضرب مدبرهم بمقبلهم، وولى آخرهم كبر أولهم، حتى طمع فقيرهم في غنيهم، واجترأ ضعيفهم على قويهم، وأصبح الرجل منهم يرتاع من ظله، ويلتفت وإنما هو بين أهله. وانكدر أذفنوش على طليطلة ينتسف مرافقها، ويقعد لجالية أهلها ثناياها ومضايقها، يأسر ويقتل، ويحرق ويمثل. وسما السعر، وتفاقم الأمر، وأنكرت الموارد والمصادر، وبلغت القلوب الحناجر.
وكان من غريب ما اتفق [٧٥] وعجيب ما انتظم من ذلك واتسق، أن البر كان على زعمهم يمكث عندهم من خمسين سنة لا يؤثر فيه طول القدم، ولا يخاف عليه آفة العدم، ولم يرفع مدة الفتنة من البيادر - على تعذر بذره، وضيق الحيلة من محاولة شيء من أمره - إلا وقد بدا البلى عليه، وأسرعت الآفة إليه، أمر من الله لم يكن له مرد. ولا منه بد. ولما شمل البلاء، وفدحت البأساء، وأتى على أكثر أهل طليطلة القتل والجلاء، وقضى الطاغية أذفنوش - قصمه الله - قضاءه من استباحة الحريم، واستئصال الراحل والمقيم، وإتلاف الموجود والمعدوم، أسرى تحت الليل، في قطعة غير وافرة من الخيل، فنزل المنية المصورة التي كان المأمون يحشد إليها كل حسن، ويباهي بها جنة عدن، ويقلب الحوير في جيد بنيانها، والإشادة بشانها، ظهرا لبطن. فاتخذ عروشها مرابط لأفراسه، وإيواناتها ملاعب لأراذلته وأرجاسه. وهجم الشتاء فمنعه من ميرة تأتيه
[ ٧ / ١٦٤ ]
أو مدد يوافيه، فأقام نيفا على شهرين لا يسيغ الشراء، ولا يملك المجيء ولا الذهاب، ليس له شوكة إلا ظل لوائه، ولا مدد إلا ضعف من كان بإزائه. ولولا اهتبال ملوك الطوائف بأقامة موافقه، وإصغاؤهم إلى هدر شاشقه، لطار شعاعا، وذهب ضياعا. وطفق أهل طليطلة يستصرخون من حولهم، ويعملون في ذلك فعلهم وقولهم، فيعكفون على طلل بائد، ويضربون في حديد بارد. فلما نأى الشتاء بجانبه، وخلى بين كل ذاهب ومذاهبه، سال بأهل طليطلة سيل لا يقوم له سهل ولا فجر. واضطر من أخطأته الحوادث، وتخطته تلك الخطوب الكوارث، - من أشدها ضيق الحصار، وكلب البوار، وإبطاء المرافق والأنصار - إلى مداخلة الطاغية أذفنوش، فشرعوا في ذلك غير مظهرين للاستسلام، ولا متبرئين من الصبر على ضنك ذلك المقام. طمعا في أن يغروه ولو باغلاء سوم، ويخدعوه على أذماء نفوسهم ولو ببياض يوم، إشارة الغريق إلى الساحل، واستراحة المحتضر إلى الطبيب الجاهل؛ فأبى أذفنوش إلا عرصة الدار. وأم الأوطار، ولجاجا بين التمادي والاستمرار، لعلمه أين ينتهي طلقهم، وتقديره لما عسى أن يفي به رمقهم. فخرج من أعيانهم جملة إلى مضرب أذفنوش في بعض تلك الأيام، وقد ضاق المجال، وتلمظت الآجال، وأقبلت الحتوف تختال، فقام الحجاب دونه، وقالوا: هو نائم فكيف توقظونه - فعدلوا إلى مضرب ششنند
[ ٧ / ١٦٥ ]
شره العتيد، وشيطانه المريد، وهامانه الذي أوقد له على الطين، وعلمه الدفع بالشك في صدر اليقين، أحد أعلاج ابن عباد - كان - من رجل متوقد جمرة الذكاء، بعيد المذهب بين الجرأة والنكراء، سفر بين المعتضد والطاغية فرذلند، فعقد وحل، ونهض بما حمل من ذلك واستقل. ثم خاف المعتضد على نفسه، فنزع به عرق اللوم، إلى المقر المذموم. واستقرت قدمه بجليقية، فاضطلع بالدروب والثغور، وغلب على سائر السياسة والتدبير. وصار بعد قصارى ملوك الطوائف بالجزيرة نظرة من اهتباله، وأدنى خطرة من باله، فأدخل على أذفنوش يومئذ جماعة فوجدوه يمسح الكرى من عينيه، ثائر الرأس، خبيث النفس، وجعلوا ينظرون إليه وهو يضعف ثغامة رأسه، فما نسوا دفر أطماره، ودرن أظفاره. ثم أقبل عليهم بوجه كريه، ولحظ لا يشكون أن الشر فيه، وقال لهم: إلى متى تتخادعون، وبأي شيء تطمعون - قالوا: بنا بغية، [ولنا] في فلان وفلان أمنية، وسموا له بعض ملوك الطوائف، فصفق بيديه، وتهافت حتى فحص برجليه، ثم قال: أين رسل ابن عباد - فجيء بهم يرفلون في ثياب الخناعة، وينبسون بألسنة السمع والطاعة. فقال لهم: مذ كم تحومون علي، وترومون الوصول إلي - ومتى عهدكم بفلان، وأين ما جئتم به ولا كنتم ولا كان - فجاءوا بجملة ميرة، وأحضروا بين يديه كل خيرة خطيرة. ثم ما زاد على أن ركل ذلك برجله، وأمر بانتهابه كله؛ ولم يبق ملك من ملوك الطوائف إلا أحضر يومئذ رسله، وكانت حاله حال من كان قبله. وجعل أعلاجه يدفعون في ظهورهم، وأهل طليطلة يعجبون من ذل مقامهم ومصيرهم، فخرج مشيختها من عنده وقد سقط في أيديهم. وطمع كل شيء فيهم. وخلوا بينه
[ ٧ / ١٦٦ ]
وبين البلد، لثلاثة أيام من المشهد. ودخل طليطلة على حكمه، وأثبت في عرصتها قدم ظلمه، حكم من الله [٧٦] سبق به القدر، فلم يكن منه وزر.
وخرج ابن ذي النون خائبا مما تمناه، شرقا بعقبى ما جناه، والأرض تضج من مقامه، وتستأذن في انتقامه، والسماء تود لو لم تطلع نجما إلا كدرته عليه حتقا مبيدا، ولم تنشئ عارضا إلا مطرته عذابا فيه شديدا. واستقر بمحلة أذفنوش مخفور الذمة، مذال الحرمة، ليس دونه باب، ولا دون حرمه ستر ولا حجاب. حدثني من رآه يومئذ بتلك الحال وبيده اصطرلاب يرصد يرصد فيه أي وقت يرحل، وعلى أي شيء يعول، وأي سبيل يتمثل، وقد أطاف به النصارى والمسلمون، أولئك يضحكون من فعله، وهؤلاء يتعجبون من جهله.
وعتا الطاغية أذفنوش - قصمه الله - لحين استقراره بطليطلة واستكبر، وأخل بملوك الطوائف في الجزيرة وقصر، وأخذ يتجنى ويتعتب، وطفق يتشوف إلى انتزاع سلطانهم والفراغ من شانهم ويتسبب. ورأى أنهم قد وقفوا دون مداه، ودخلوا بأجمعهم تحت عصاه.
وولى ششنند المذكور تدبير طليطلة. فهون عليهم الرزية، وحبب إليهم إعطاء الدنية، بما أراهم من سهولة مرامه. وبسط فيهم من عدل أحكامه، حتى استمال قلوب أعلامها، وحبب التنصر إلى عامة طغامها. وفجأ المسلمين من اختلاف أهوائهم، وتنصر سفهائهم. ما ضاقت عنه صدور الأيام، واضطربت له قواعد الإسلام. وقد كان من رأي ششنند الإبقاء على أهل طليطلة. وقال لأذفنوش: لست
[ ٧ / ١٦٧ ]
تجد بمن تعمرها، ولا تظفر بعامل أطوع من ابن ذي النون يدبرها، فأبى أذفنوش إلا لجاجا في سفهه، وانحطاطا في حبل شرهه. فلما تهيأ له ملكها. وانتثر في يديه سلكها، قال له ششنند: اخفض جناحك لأهلها، واستجلب جاليتها بما تمد من ظلها، ولا تلح على ملوك الجزيرة فلست تستغني عنهم، ولا تجد عمالا أطوع منهم، فإنك إن أبيت إلا الإلحاح عليهم، والتسرع بالمكروه إليهم، نفرتهم عن ذراك، وأحوجتهم إلى مداخلة سواك. فكان من صنع الله أن اتهم أذفنوش يومئذ منحاه، وخالفه إلى ركوب هواه، وشرع لوقته في تغيير المسجد الجامع بها، خاتمة النوائب، ونكبة الشاهد والغائب. فقال له ششنند: إنك إن فعلت أوغرت الصدور، وأبطلت التدبير، وسكنت من نشط، وقبضت من انبسط، فشمخ أفنوش - لعنه الله - بأنفه، وثنى من عطفه، وأصغى إلى طنانة جنونه وسخفه، وأمر بتغيير المسجد الجامع يوم [] لربيع الأول سنة ثمان وأربعمائة. وحدثني من شهد طوغيته تبتدره، في يوم أعمى البصائر والأبصار منظره، وليس فيه إلا الشيخ الأستاذ المغامي آخر من صدر عنه، واعتمده في ذلك اليوم ليتزود منه، وقد أطاف به مردة عفاريته، وسرعان طواغيته، بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولا تهيب، فسجد به واقترب، وبكى عليه مليا وانتحب، والنصارى يعظمون شأنه، ويهابون مكانه، لم تمتد إليه يد، ولا عرض له بمكروه أحد.
وقد حدثت أن شيعة أذفنوش - لعنه الله وبددها - أشاروا عليه يومئذ بلبس التاج، وزينوا له زي من سلف بالجزيرة قبل فتح المسلمين
[ ٧ / ١٦٨ ]
إياها من أعلاج، فقال: لا، حتى أطأ ذرون الملك، وآخذ قرطبتهم واسطة السلك. وكان أعد لمسجدها الجامع - حمى الله ساحته من الخطوب الروائع - ناقوسا تأنق في إبداعه، وتجاوز الحد في استنباطه واختراعه، فالحمد لله موهن أيده، ومبطل كيده. وجزى الله أمير المسلمين، وناصر الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، أفضل جزاء المحسنين، بما بل من رماق، ونفس من خناق. ووصل هذه الجزيرة من حبل، وتجشم إلى تلبية دعائها واستنقاذ ما بها من حزن وسهل، حتى [ثل] عروش المشركين، وظهر أمر الله وهم كارهون، والحمد لله رب العالمين.
فصل في ذكر الأديب الكامل أبي عبد الله محمد بن شرف
وسياقة جملة وافرة من نظمه ونثره
قال ابن بسام: كان أبو عبد الله بن شرف بالقيروان. من فرسان
[ ٧ / ١٦٩ ]
هذا الشان، وأحد من نظم قلائد الآداب، وجمع أشتات الصواب، وتلاعب بالمنظوم والموزون، [تلاعب] الرياح بأعطاف الغصون، وبينه وبين أبي علي ابن رشيق ماج بحر البراعة ودام، ورجع نجم هذه الصناعة واستقام، وذهبا من المناقضة مذهبًا تنازعاه شرًا طويلًا، وخلناه ذكرًا محمولًا، واحتملاه - إن لم يسمح الله - وزرًا ثقيلًا. وكان أبو علي أوسعهما نفسا، وأقربهما ملتمسا، ولابن شرف أصالة منزعة، وجلالة [٧٧] مقطعه، ومتانة لفظه، وسعة حفظه، فتسمع بشعره ملآن من وعوعة وجعجعة، ولكن ما أبعد ما يرومه وأبدعه! وسال سيل فتنة القيروان، اللاعب بأحرارها، المعفي على آثارها، فتردد على ملوك الطوائف بالأندلس، بعد مقارعة أهوال، ومباشرة خطوب طوال، وقد نبت شفرته، وطفئت جمرته، وفد قلت فيما تقدم إنه انتحى منحى القسطلي في شكوى الزمن، والحديث عن الفتن، كان معه كمن تصدى الرياح بجناح، وقابل الصباح بمصباح، واستقر أخيرًا عند المأمون بن ذي النون، فعليه خلع آخر لبوسه، ونثر بقية كيسه.
وكانت لعباد همة في اصطحاب الأحرار، واستجلاب ذوي الأخطار، ينصب لذلك الحبائل، ويعمل فيه الحق والباطل، حتى إذا عشوا إلى سرجه، واغتروا بزبرجه، سامهم رد أبي قبيس على أبيه، وأخذهم
[ ٧ / ١٧٠ ]
بالسعاية بين الفرقد وأخيه، فمن أعياد منهم ركوب الصعاب، وعضه التقلب بين المضايق والرحاب، عزه في الخطاب، وأطاع به سلطان الارتياب. ﴿أيمسكه على هون أم يدسه في التراب﴾ (النحل: ٥٩) وقد ذكرت في أخبار ابن عبد البر الكاتب أنه انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا منه واسأله كيف. وكان ابن شرف هذا ممن فهم منحاه، وصم عن رقاه، فلم يجتمع مع عباد في صعيد، ولا أهدى له السلام إلا من بعيد. وستأتي أخباره معه ومع سواه، محررة النقد، مقدرة السرد.
ولأبي عبد الله عدة تواليف أفاضها بحارا، وأطلعها شموسًا وأقمارًا، منها كتابه الموسوم ب - " أعلام الكلام " وكتاب " أبكار الأفكار " وقلب له هذه الترجمة بإشبيلية بعض الوزراء الكتاب، فجاء في ذلك بالعجب العجاب. وقد أثبت في هذا الفصل من كلام ابن شرف ما يشهد بذكائه، ويغني عن إطرائه.
جملة من نثره ما يتشبث به من شعره
بلغني أنه استنهض صاحبه ابن رشيق - مع منافرة كانت بينهما
[ ٧ / ١٧١ ]
- في أن يجتمع العدوان بالطريق، ويجوزا معًا إلى الأندلس فأنشده ابن رشيق:
مما يبغضني في أرض أندلس سماع مقتدر فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد فأنشد ابن شرف:
إن ترمك الغربة في معشر قد جبل الطبع على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم وتصرف ابن شرف في هذا المعنى فقال:
يا خائفًا من معشرٍ لا يصطلى بنارهم
[إن تبل من شرارهم على يدي شرارهم]
أو ترم من أحجارهم وأنت في أجحارهم
فما بقيت جارهم ففي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهم ودارهم في دارهم وكان أول ما بعث إلى المعتضد بإشبيلية خمس قصائد من شعره مع رقعة خاطب بها وزيره أبا الوليد بن زيدون، يقول في فصل منها:
[ ٧ / ١٧٢ ]
الآداب - أعزك الله - لأربابها، كالمحارم لذوي أنسابها، تبدي البنت زينتها لأبيها، وترف الأخت لأخيها، ولمن كان له في المحرم شبيها، وكذلك حكم ذوي الآداب فيها، يرفعون بينهم حجب التحفظ بيد الاسترسال، ويدفعون ستر التقبض بأكف البشر والإقبال. وقد رفعت إلى حضرته الرفيعة خمس أبكار عرب، تخدمهن وليدة ذات حسن وأدب، خصصت بالخمس القرائض خير الملوك، وبالوليدة بر الحر المملوك. وهن وإن زدن على أربع الشرع واحدة، فليست في دين الشعر بزائدة؛ ولما جاز أكثر من أربع لخير الأنام، اقتدينا بذلك في خير الكرام.
ولما كنت - أعزك الله - حسانه المقدم، رأينا ما رآه صلى الله عليه في سيرين. وقد كانت النية، لو تمت الأمنية، حضوري بذاتي، لزفاف بنياتي، فمنع من المراد مانع، ودفع بيد الأقدار دافع. ولنا صار الفعل الماضي مستقبلًا، وبقيت للحاق مؤملًا، وكلت بهن ذا محرمهن، وائتمنت عليهن ابن [] وهو الشيخ أبو فلان. فللوزرير الأجل علو الرأي في قبول ما عرضه وليه المدل على إكرامه ومكارم أخلاقه، بما ينم عليه من طيب أعراقه، ويقوم بعذري إن وهمت، وبشكري إن فهمت. فهو بدري إذا ليلي عسعس، وشمسي إذا صبحي تنفس، وأنا وإن بعثت بالأقمار في الأطمار، وبالشموس في خشن الملبوس، فهو برافقه ودقيق حذقه يلطف الهجن، ويحسن الخشن، ويقدم
[ ٧ / ١٧٣ ]
في الغيبة، ما يعين عند اللقاء على الهيبة، بقوي منته، وعظيم مننه، إن شاء الله.
فأجيب ابن شرف برقعة من إنشاء الوزير الكاتب أبي محمد بن عبد البر قال فيها: [٧٨]
رب أمنية شطط، قد أتاحها قدر، ونجية فرط، قد أراحها ظفر، وقد تقرب الأماني ما يظنه المرء نازحًا بعيدًا، كما تفيت ما يعتده حاضرًا عتيدًا. وكانت أخبارك - أبقاك الله - ترد علينا أرجة النسيم، عطرة الشميم، شهية المسموع، رفيعة المحمول والموضوع؛ وأشعارك تزف إلينا عرائس الألباب، ونفائس الآداب، فنفديك على البعد بالأنفس والأقارب، ونستدنيك بالأماني ونحسبها من الكواذب؛ حتى أسمع الخبر باغترابك، وطلع البشير بارتقابك، ووافت وراد خطابك، وقهقه مجلجل سحابك، وتصدت بحار الطلب لسقياك، ونمت رياض الأدب برباك، وهز الكرم عطفه للقياك، ووصل المجد الأطراف طرفه برعياك، وحليت عليك عرائسه الحالية في معارض الشدو والإنشاد، فسعدت من أكرم الأكفاء بالقبول والوداد؛ وحظيت عنده بالترفيع والإعزاز، ووضع ثوبها الأنفس في يدي بزاز. وقد استعملت معك في اسم المعتضد بالله مفضلك - أيده الله - مذهبًا من مذاهب رواة الحديث يسمونه بالتدليس، ويكاد ينسب إلى الإشكال والتلبيس
[ ٧ / ١٧٤ ]
للعلم المحيط أن الكرم من أسمائه وصفاته، والمجد من ألقابه وسماته، وسترد، فتستقصر وصفي بما تجد. فاقصد قصده، تحل بطائل الإفادة، وأمه وحده، تحظ بنائل الرفادة. ولا تبع في سوق الكساد فالنفاق أمامك، ولا تسم ببضاعتك فالسوق قدامك. واذكر ما أنكره ابن الزيات على حبيب، وأنت المكتفي بحالك عن الضمير، وبما خولك الله عن المشير. فذاتك أنفع شفائك، وأدواتك أرجح سفرائك. وقد خاطبك مستقدمًا، وجد معتزمًا، ووجه نحوك شيئًا يكون من زادك إليه، ويعين على مؤنة طريقك في قدومك عليه، وذلك ثلاثون مثقالًا من ضرب السكة قبله، ولم يرد بها غير ما أعلمك، حتى توافي إن شاء الله فتستوفي. وعسى أن يكون وصولك إسفار الفجر الذي صدعته إلينا، وحلولك نهار الصبح الذي أطلعته علينا، وكان من البر أن أراجع عن الشعر، لكن لا أخطو في ميدانك ولو كنت جريرًا، ولا أرجح في ميزاتك ولو احتضنت ثبيرًا.
قال ابن بسام: والذي ذكر ابن عبد البر مما أنكر ابن الزيات على أبي تمام لما مدحه بقصيدته التي أولها:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
[ ٧ / ١٧٥ ]
وهي من أحسن شعره، وقع له على ظهرها:
رأيتك سهل البيع سمحًا وإنما يغالي إذا ما ضن بالشيء بائعه
فأما إذا هانت بضائع بيعه فيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب ورده ويفسد منه أن تباح شرائعه فاعتذر إليه أبو تمام في قصيدته التي يقول فيها:
أما القوافي فقد حصنت غرتها فلا يصاب دم منها ولا سلب
ولو عضلت عن الأكفاء أيمها ولم يكن لك في أطهارها أرب
كانت بنات نصيب حين ضن بها على الموالي ولم تحفل بها العرب وقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعرًا أسامح في بيعي له من أبايعه
فقد كنت قبلي شاعرًا تاجرًا به تساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيرًا والوزارة مكرع يغص به بعد اللذاذة كارعه
وكم من وزير قد رأينا مسلطًا فعاد وقد سدت عليه مطالعه
ولله قوس لا تطيش سهامها ولله سيف لا تقل مقاطعه
[ ٧ / ١٧٦ ]
وقيل إن هذه الأبيات منحولة لحبيب، وقيل قالها ولم تظهر إلا بعد موته.
رجع
فتوقف ابن شرف عن القدوم بقدمه، وكلف ذلك سن قلمه وطرر تأليفه " أبكار الأفكار " باسم عباد، وبعث به إليه على العباد. وقد كان وسمه قبل باسم باديس بن حبوس في خطبة طويلة قال فيها: ما ظننت الابتداع إلا بلغ، ولا حسبت الاختراع إلا فرغ، حتى إذا استأثرت بنيات صدري، ولطائف فكري، ببيت واحد الجنسية، ومعنى غريب الأبنية، قلت لنفسي: هيهات! لاشك أنك سبقت إلى هذه الغاية، وعلتك قلة الرواية، وكثر سباق الرواد، وفراط الوراد، فما تركوا للمتأخرين من الرياض زهرة، ولا من الحياض قطرة؛ كما أن جيش الكرم قد انهزم، وزائر الشرف قد انصرف، ومركوب المجد قد ند، فعشت أظن هذا الظن، حتى سافرت إلينا رفاق الأخبار بشهادات زكاها مرور الأيام، ودؤوب الدوام، تشهد بسؤدد بان عن السؤدد العصامي، وحزم فاق الحزم الهشامي، وجود جاوز الجود الكعبي، وبأس أنسى البأس المصعبي. ثم سفر لي الدهر عن سفر إلى مغرب [٧٩] الدنيا ومشرق العليا، والبقعة المباركة الباديسية، والدولة المظفرية، والمملكة الشامخة الحميرية، والحضرة الشريفة المنيفة الغرناطية، فعاينت عالمًا في عالم، قد شركوه في النسبة إلى آدم، وانفرد من مناسبتهم، وشذ عن مجانستهم، بجميل طرائق، وحميد خلائق
[ ٧ / ١٧٧ ]
انفردت انفراد سهيل، وجمعت في المرأى والمسمع ما زاد على زيد الخيل. مغرى بالأدب المهجور بل المطرود، ساليًا عن المال المعشوق بل المعبود، منفقًا للحمد الدفين المرسوس إلى صنوف من الفضائل، وأنواع من الجلائل، لا يحيط بها الوصف، ولا يجمعها الرصف، يغني النقل الكافي والتواتر الإجماعي عن تأتيتها على ألسنة الأقلام إلى إفهام الأنام. وقد قدحت زند الفكر فأورى شررًا، وامتحت قليب القلب فأجرى نهرا، فرقمت في هذا المجموع من الكلام المنثور المسجع الأوساط والأطراف، والمنظوم المكلل بتيجان القوافي، ما استنبطه من ذوات صدري، واستنتجته من بنات فكري: فقرًا ابتدعتها وسجعتها، ومعاني حكايات اخترعتها، تطرزها الأقلام، وترقم بها أردية الكلام، وأنا استغني بقراءة القارئ أصنافها، عن أن أقدم أوصافها، وهي بنات مؤلفها، وأسجاع مصنفها، وليست كالأسجاع المنسوبة لابن أبي الزلازل، وهي بنات شتى قبائل، لم يزد على أن بتر حكاياتها، وطمس معالم آياتها، ليصح له ما شرط في السجع من الأعداد، فأضاع ما يراد لصون ما لا يراد. وقد تجمل بغير ثيابه، وأنفق من غير اكتسابه، وأنا أنشد قول أبي النجم:
[ ٧ / ١٧٨ ]
أبا أبو النجم وشعري شعري وعلى أي حال كان مجموعنا هذا، فيشرفه شرف من له يجمع، وإلى يده العلية يرفع، فمسته يمناه، ولحظته عيناه. فلو كان صمصام عمرو لسواه، ما انتهى من الذكر منتهاه؛ ولولا حاجب ابن زرارة ما ذكرت قوسه، ولولا حبيب ما عرف أوسه، وإنما عرف الطور بالكليم، وشرف المقام بإبراهيم.
ومن كلامه في صدر كتاب المترجم ب - " أعلام الكلام " فصل يقول فيه: قد أطلت الوقوف بالعكوف، على غير ما تصنيف، في شتى الأنواع، فلم أرها إلا ولدًا عن والد، وطارفًا عن تالد، فلا تكاد تريك غريبة ولا شاردةً إلا منقولة: ب - " حدثني فلان، وسمعت عن فلان "، والمؤلفون قصاص بأقلامهم، وإن لم يقصوا بكلامهم، وقد تكررت تواليفهم على الأبصار والأسماع، والمكرر مملول بالإجماع، وللنفس صبابة بالغرائب، وإن لم تكن من الأطايب، لانفرادها عما سئمته القلوب، وتجافت به الجنوب؛ إلا أن الابتداع والاختراع عليهما [باب، بينه] وبين الاستطاعة حجاب. وقد كنت حاولت منه ما لم سبق إليه، ولم أجعل سوى ناظري معيني عليه، فصنفت الكتاب الملقب ب - " أبكار الأفكار "، يشتمل على مائة نوع من مواعظ وأمثال، وحكايات قصار وطوال، مما عزوتها إلى من لم يحكها، وضفت نسجها إلى من لم يحكها، قد طرزت
[ ٧ / ١٧٩ ]
بلمح الجد والهزل، وحسنت بمقابلة الضد للمثل، ليس في ذلك كله [رواية] رويتها عن قديم ولا جديد، ولا حدثت بها عن قريب ولا بعيد. وقد رفعت إليه البكر، ابنة الفكر، في هودجها الفرج، وجلبابها الأرج، وأنت الكفؤ الكريم، وأشرف من أهدي إليه الحريم، الذي لا يشوبه التحريم، وعلى كرمك القبول، وما أهداه الود فمقبول.
فلما وصل الكتاب والخطاب إلى المعتضد لم يجد بدًا من إنفاذ صلته إليه على البعد، وراجع ابن شرف برقعة من إنشاء ابن عبد البر أيضًا، قال فيها: ورد كتابك الأثير، فاقتضبت من النثر البديع، والنظم الرفيع، ما يهز أعطاف الضمائر، ويسري في حواشي الخواطر، وتتلقاه النفوس تلقي ارتياح إلى بدائعه، وفتنة بمباديه ومقاطعه، ولا غرو، فإنك علم العلم الذي لم يزل يحوي قصب السبق في ميادينه، ويهدي اليانع الغض من رياحنه. وقد كان لي نزاع إليك، ورص عليك، وتصور للأنس بك، لولا من جلا لك الغش في بعض النصيحة إذ حسد، ولم يشك فيما ترد عليه من صلاح الحال فلم يأل أن افسد. ولا بد لعقارب الحسدة من دبيب " وما كل مؤت نصحه بلبيب " ولك - مع توقفك، وأني سلكت بك مقاصد تصرفك - لدي المحل الكريم، فذكرك في نفسي الشاهد المقيم.
وتأدى من قبل الوزير الكاتب التأليف الرائق، والتصنيف الفائق، فأجلت نظري منه في سحر إلا أنه حلال، وفتقت به ثبج بحر إلا
[ ٧ / ١٨٠ ]
أنه زلال، ورأيت كيف تزحم في العلم بالمنكب العمم، وتأخذ من البلاغة في المذهب الأمم. فما شئت من مثل سائر، وبيت [٨٠] نادر، وفقر محذوةٍ بأمثالها، ونكتة غريبة مضافة إلى أشكالها، مما اتصلت به يد الإحاطة بصحة البراعة، وتزينت ديباجة الطبع برقم الصناعة، فهو مؤنسي، وشغل مجلسي. وقد وجهت إليك مع الوزير المتقدم الذكر، ما أحب أن تضع عليه يد الستر، مكان لسان الشكر، فإني أعلم أنه عدد يقصر عن قدرك، ويقل في جنب اللازم لك، وذلك مائة مثقال من ضرب السكة قبلي. فتفضل بقبولها، والإعلام بوصولها.
قال ابن بسام: ومع وصول هذه الصلة إلى ابن شرف، لم يزل على ملوك الطوائف يومئذ يتطوف وينتقل في الدول من منزل إلى منزل، ومن بلد إلى بلد، إلا حضرة المعتضد، فإنه كان يخاطبه وينشده:
أحبك في البتول وفي أبيها ولكني أحبك من بعيد وتوهم جملةً أن بوادي إشبيلية تمساحًا من تماسيح النيل، وجعل هجيراه بيتي أبي نواس حيث يقول:
[ ٧ / ١٨١ ]
أضمرت للنيل هجرانًا ومقليةً إذ قيل لي إنما التمساح بالنيل
فمن رأى النيل رأى العين من كثب فلا أرى النيل إلا في البواقيل وقد حدثت أيضًا أنه خاطب المعتضد بهذه الأبيات:
أأن تصديت غيري صيد طائرةٍ أوسعتها الحب حتى ضمنها القفص
حسبتني فرصة أخرى ظفرت بها هيهات ما كل حين تمكن الفرص
وظاهر حسن أيضًا لقصتها لكن لها باطن في طيه قصص
لك الموائد للقصاد مترعة تروي وتشبع لكن بعدها غصص
ولست أعجب من قوم بها انتشبوا لكنما عجبي من معشر خلصوا
ولم يطب قط لي من يلذ ولا سلوى إذا كان في عقباهما مغص قال هذا لتواتر الخبر عن المعتضد بازورار ركنه، وخشونة حزنه، فأضرب عن ضربه، ولم يتعرض للنشبة في حبائل نشبه، خوفًا أن يورطه الهوى في هوان، ويسقط العشاء به على سرحان، ويطيح في جملة من طاح على يديه من الخلطاء والندمان.
[ ٧ / ١٨٢ ]
فصول من نثره في أوصاف شتى
فصل: جرى بكودنه إلى غاية تتباطأ عنها السوابق، وتتطأطأ عن سموها السوامق، فلم يحط بوصفها ابن صفوان، ولا سحب فيها لسانه سحبان. وأين لسان باقل، من سحبان وائل - فالفصحاء في العجز عنها معذورون، فكيف المعذرون -
فصل: كم حاول دفن الشمس في الرمس، ورد الأمس بالخمس، ونيل النجم باللمس.
فصل: أوضح من جبال تهامة، لعيني زرقاء اليمامة. أشهر من النار على المنار، والليل كالقار. أبين من الكعبة للطائفين، ومن المساجد للعاكفين. أشهر من الزبرقان عند جرول، ومن الأبلق الفرد عند السموأل. أظهر في العينين من الهرمين. أشهر في العطاء من الطائي، وفي الأيادي من الإيادي. أشهر من الآس في الأعراس. أوضح من النجوم لبطليموس، والطب لجالينوس، والعاج في الآبنوس.
فصل في ضده: هو أخفى من نقطة الجيم، ومن بياض الميم. أخفى من الأسرار عند الأحرار. أخفى من السهى، ومنديل الرها - الرها مدينة
[ ٧ / ١٨٣ ]
بالشام وكان أهل الإنجيل يخفون هذا المنديل في كنيستها ويزعمون أنه منديل عيسى ثم سرق واشتري فعدمت بركته -. أخفى من نفس الجبان [إذا التقت] حلقتا البطان. أخفى من بيضتي الخائف، وقد أحس بالطائف. أخفى من تفسير شعر لبيد، على فهم البليد. أخفى من عطارد على المطارد. أخفى من السوسة في العدو، ومن السر في الرعود.
فصل: قدحه معلى، وسيفه مجلى، ورياضه أرجة، وحلله مدبجة؛ وطباعه مهذبة، وخلائقه مؤدبة، وعقده مؤربة، وأرضه معشبة، وألفاظه رائقة معجبة. لا يمله جليسه، ولا يجفوه أنيسه. عقله أحنفي، وعلمه سريجي، وذكاؤه إياسي، وأدبه خليلي.
فصل: يقدم الحزم، ويثني بالعزم. يواكب الكواكب، ويتعقب العواقب، يشاور ذوي الألباب، على أن رأيه لباب، يثب وثوب الليث، ويتدفق دفوق الغيث. ويراوح بين العجل والريث. نومه غرار واضطرار، وحاجاته سرار ثم اقتدار. لا تثبطه الظلل ولا الظلال، ولا تطبيه الكلل ولا يثنيه الكلال. عزماته شهابية، وإضباباته عقابية. رأيه قبسه، وعزمه فرسه بصيرته بصره. وصدره ورده وصدره.
[ ٧ / ١٨٤ ]
فصل: هرم الجود، على العلات والوجود. كفه غيث، لا يبالى من حيث. ماله أكثر جوده، على جنوده، أغنى جيشه. لذاته في الإكثار والإيثار، والأخذ بالثار. يزيح الأغلال، ويبلغ الآمال. يحدث بمكارمه الركب، وينسى بفرط سماحه حاتم وكعب.
فصل [٨١]: أسد وحده، ودع جنده. قلبه يخرجه عن القلب، وضرائبه تقتاده إلى مكان الطعن والضرب. يحمل إذا مالوا، ويثبت إذا جالوا، تارةً هو للميسرة يمين، وتارةً لميمنة كمين، وتارةً للقلب حصن حصين، تستأسد به الذؤبان، ويشجع بقربه الجبان، عيون عسكره، إلى مغفره، ثعلي السهام، عبسي الإقدام، بسطامي المرباع، عامري الطباع، عصامي السيادة، مصعبي الجلادة.
فصل: عادل ولا مجادل، منصف منتصف. سلطانه رحمة، وسيرته نعمة. يأخذ الحق ويعطيه، ويرمي الغرض فلا يخطيه. ينصف المملوك من الملوك، ويأخذ للرئيس من الصعلوك. مرفوع الحجاب، منزوع رداء الإعجاب، يقيم الحق على شقيقه، ويحكم بالعدل لعدوه على صديقه، سواء عنده البعيد والداني، والقحطاني والعدناني، سيان عنده القرشي في الحق والعكلي، والعنسي والسلولي؛ لا فرق عنده بين مضر في الحق، وحمير وسائر الخلق، الغربة عنده قربة قريبة، ما لم تصحبها ريبة. لا يغلو في الهاشمية، ولا يعدو على الأموية، ولا يلتفت
[ ٧ / ١٨٥ ]
إلى الأهاجي الباهلية. (سلول وعنس وعكل وباهلة ألأم قبائل العرب. وقيل إن سبب ذلك أن الشعراء هجتها ولم يكن لهم شعراء يذبون عنها فلبسهم الذم وأكلهم الهجاء.)
فصل: أمير يأمره حلمه فيطيع، ويحمله ما لا يستطاع فيستطيع: كم أعطي الظفر فغفر، وجرع الصبر فصبر. له حلم معاوية، على الأعداء العادية. له ثبات يلملم، وتحنك الجذع الأزلم. قلبه قليب واسع، وغوره بغيد شاسع.
فصل: وزير ينيم أميره، مستوطنًا سريره. متحرك وهو قار، ويرى جالسًا وهو مار، كالنجم يرى وهو ساكن، وقد تحركت به أماكن.
فصل: كاتب، فضله راتب، وحقه وجاب. أقلامه رماح، ورسائله صفاح، وألفاظه فصاح، وأخلاقه فساح. إن قرطس أصاب، وإن سئل أجاب، وأصاب عين الصواب. لسانه لسان الملك، ومكانه واسطة السلك.
فصل: قائد عليه عبء التعويل، في أول الرعيل، إذا الصبر عيل، لا يباح ما حمى، ولا يشوي إذا رمى. عود إذا زحف، وطود إذا وقف، وسيل إذا حمل، وكتيبة إذا اعتزل. حسامه إمام، يهدي في ظلمة القتام، ويهتدي إلى مسالك الحمام. لا تردعه لامعة السيوف، ولا تفزعه مصارعة الحتوف. رماحه نجوم ظلام القتام، ونجومه
[ ٧ / ١٨٦ ]
رجوم شياطين الأنام. لا ترد حاجات مواضيهن ولا تمطله عند تقاضيه، المغافر المتينة، ولا الدروع الموضونة.
فصل: قاض يشهد له عدله، أن غسله سريع حله، يقسم نظره بالقسطاس، بين جميع الناس. حفظ رسالة عمر، وعمل فيها بما نهى وأمر. لا يبيع القضايا بالهدايا. به عشا، عن الرشا. ينام الخصمان، وهو يقظان. إن عجل فعن استدلال، وإن عجز فلتأمل إشكال. سريجي الإجابة، عمراني الإصابة.
فصل: زهاد تركوا العرض، وأصابوا الغرض، اقترحوا الغنا، واطرحوا الغنى. رفضوا المزايل، وطلبوا الطايل، وأعرضوا عما يبيد، وأقبلوا على ما يفيد. لم يزاحموا على الجيف، ولا استخدموا بطونهم في تعمير الكنف. تركوا ذلك لمن تركوا، وقنعوا بأقل ما ملكوا، وجعلوا الزاد إلى الجنة، الأنة بعد الأنة، وظمأ الهواجر، في شهر ناجر. فكروا فبكروا. علموا فسلموا من العقال، وتركوا الأعناق لحمل الأثقال. رجوا فنجوا، وبنوا فعلوا، ومهدوا فرقدوا، وعملوا فوجدوا.
وذكرت بهذا الفصل حديث أبي هريرة قال، قال لي رسول الله ﵇: " يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جمعاء بما فيها - قلت: بلى
[ ٧ / ١٨٧ ]
يا رسول الله. فأخذ بيدي، وأتى واديًا من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس وعذرات في خرق وعظام، ثم قال: يا أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رمادًا. وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم، فأضحت والناس يتحامونها. وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم، أصبحت والرياح تصفقها. وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون على أطراف البلاد. فمن كان باكيًا على الدنيا فليبك ". قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا.
ووقف سقراط على كساح وقد خرج من الحش بكساحة فقال: يا أهل أثينا، هذا الذي كنتم تغلقون عليه الأبواب، وتقيمون لحفظه الخزان، وكانت شهواتكم تستخدم عقولكم في إعداده؛ واليوم نفوسكم آنفة منه [٨٢] وطباعكم نافرة عنه.
فصول له في الذم ونقض ما تقدم
فصل: فلان غوره أقرب قريب، وقلبه مورود القليب؛ فسرائره مكشوفة، ودخيلته معروفة، كتمانه إخبار، وتدبيره إدبار، رأيه وراء، وساحته عراء. حسه هامد، وفهمه جامد. لا يعرف
[ ٧ / ١٨٨ ]
الرشد من الغي، ولا يفرق بين التقبيل والكي. طلل بال، لا يخطر على بال. الشمس عنده سهى، والحمق نهى. لا يعلم رأسه، من أين أنفاسه؛ ولا يدري دماغه، أين أصداغه.
فصل: همه جواز يومه، وحلاوة نومه. أعلى همته، إرجال جمته، واعتدال عمته؛ وأسر سروره، تناهي قدوره، وترويق خموره. أعداؤه سمان، في أمان؛ وأولياؤه في هزال، وانتظار النكال. حسن الظن بالزمان، وضروب الحدثان. رائح القرائح، ساكن الجوارح، مسرور مغرور، ثاني العطف عن الناصح، متعام عن الأمر الواضح، مستغن بعبده، عن جنده. متشاغل بالأنياب الطاحنة في فمه، عن الأنياب الوالغة في دمه. ينام عن مسهرات الأنام، وعن جب الغارب والسنام. فكرته ساهية، وخواطره لاهية، وقواعده واهية، حتى تبغته الداهية.
فصل: يجود الجلمود، ولا يجود، ويعود إلى إثماره يلبس العود، وهو لا يبدي ولا يعيد. كيسه مغلق، وبنانه مطبق، وداره سملق، وجيشه مملق، وميزانه حبيس لا يطلق، كفتاه ككفيه لا تذيبهما النار، ولا يعرفان الدرهم ولا الدينار. وأكياسه كالنقد، قد خنقتها العقد. يده حافر وقاح، وقفله ليس له مفتاح، تمر
[ ٧ / ١٨٩ ]
الأيام، ولا يشم له طعام. لو ملك طوفان نوح، لم يسمح منه بشربة لظمآن مجروح.
فصل: هو يوم المطاعنة، ولد الملاعنة. لا حسب يقاتل عنه، ولا نسب يستحيي منه. يراعة ترعد، وتقوم وتقعد. إذا الحرب دعت أبطالها، وزلزلت الأحشاء زلزالها، نخب ما بين جنبيه، وغاب السواد من عينيه، مهزمة لجنوده، ومهدة لعدته وعديده. يوسع أعذار الفرار، ولا يرى على الجبناء من عار. بيناه في أول الرعيل ضارب، إذا به وراء الساقة هارب. يزحف عند الزحف، إلى خلف، ويروعه الواحد وهو في ألف. لو كان سنور مدينة لسار، ولو ربط إليه الطور لطار. إن هذا في الحرب من بني العنبر، وأدهش من مستطعم الماء على المنبر. إذا ثار القتام. سقط من كفه الحسام.
وخبر بني العنبر، أشهر من أن يذكر، وقريط منهم، ولما استنجدهم فلم ينجدوه قال:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا ومستطعم الماء على المنبر خالد القسري عامل هشام بن عبد
[ ٧ / ١٩٠ ]
الملك على العراق. دهش يوم الجمعة في حرب الخوارج وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماءً! فقيل فيه:
هتفت بكل صوتك أطعموني شرابًا ثم بلت على السرير فصل: أضرها على الأنام، على قديم الأيام، العصبية في الجاهلية والإسلام. فما لهذا السلطان، وخراب الأوطان - والعصبية تفسد بين الأولياء، وتكثر في الأدعياء. وأبو نواس كان أشدهم فيها قولًا، وهو قن مولى، تعصب لليمن على مضر لكون سعد العشيرة من اليمن وهم من مواليه، فهجا قبائل مضر، وغض من قريش، هذا وهو مولى ملصق، وليست سعد العشيرة له بعشيرة، بل لها منه الجريرة.
سلطان يشتري بدينه ودمه، رضى ابن عمه. خاسر التجر، محروم الأجر، لا يساوي بين أهل القبلة وهم سواء، ولا يتكافأ عنده المسلمون وهم عند [الله] أكفاء. وجبلة التفاوت أفاتت جبلة الرشد. وحميته أحمت عليه دار الخلد. تعصب جاشت له صدور الجيش، وتكدر به صفاء العيش. وللمساعدة في العصبية طارت الرؤوس والسواعد، وتهدمت الذرى والقواعد، وحالفت ربيعة الأباعد.
فصل: قد يتسمى بوزير، من شغله البم والزير، يعجبه اللهو
[ ٧ / ١٩١ ]
ويغلبه السهو. دمار من [أوى] إليه، وبوار من عول عليه، إن دبر أدبر، وإن ترك هلك. خدن لواعب، وزير كواعب. ليله ناعس، ونهاره بالس. لم يعلق به من الوزارة، إلا حسن الشارة، وركوب الهماليج المسيارة، وشدة الإعجاب، والدخول على سلطانه بلا حجاب، والأكل بملء فيه، هذا جميع ما فيه، حتى إذا طرقت السرايا [٨٣] وسيقت السبايا، ونفر النافر، وضج البادي والحاضر، ونزع ثقات الأجناد، فتفرقوا في البلاد، فزع إلى الوزير، في وجه التدبير، فكان جوابه دموعه، وصوابه هلوعه، فحينئذ دارت الدائرة، واضطرمت النائرة، وانصرمت الدول، وتبدلت الحلل.
فصل: كاتب ما عرف قط، كيف البرية والقط، ولا نسخ قط سطرًا، إلا مسخ منه شطرًا. ألفاظه ملحونة، ومعانيه ملقونة، ومقاصده خفية مكنونة، وحروفه مطمونة. إن تهجني هجا، وإن تكلم شج وشجى. ألفاته سجود، ولاماته رقود، وميماته عقد لا عقود، وقافاته واوات، ونوناته راءات. يرفع بالنواصب، ويكثر [من] النقط الكواذب، ويعمي عين المعنى الجلي، ويخاطب العدو مخاطبة الولي. وتقر كتبه بما فيها من الفساد، بأنه قرة عيون الأعداء والحساد.
[ ٧ / ١٩٢ ]
فصل: ولايته القضاء، من سوء القضاء. جائر حائر: إن جار فعن تعمد، وإن حار فعن قلة تعهد. ليله منتش، ونهاره مرتش. تعجبه العين في النقاب، ولا يفكر في العقاب. إذا رأى الأمرد تمرد على خصمه، ومال عليه بحكمه، يزري باختيار سلطانه، ويستخف بفقهاء زمانه. يجور في نظره المقسوم، ويبصق في وجه الخصوم، ويركلهم برجله، ويلطمهم بنعله.
فصل: إخوان أخون من السراب للعين، ومن أهل الكوفة للحسين، وأشد من طالب دين، على صفر اليدين. ليس فيهم نفع ولا دفع، إن استنصرتهم خذلوك، وإن سئلوا إسلامك بذلوك.
فصل: تبسم للعدو العابس، ولن لتخلق اليابس. عامل ظالمك بالصبر، واجعل صدرك له كالقبر، لا يدري ما فيه رحمة أم نقمة، وبلاء أم نعمة، حتى تمكنك الوثبة عليه، فتله لجبينه ويديه.
ومن ترسيله
فصل له من رقعة خاطب بها المظفر بن الأفطس: كتبت وشوقي إلى شرف لقياه، وشيم سقياه، شوق القارظين إلى سكون
[ ٧ / ١٩٣ ]
وسكنى، والقيسين إلى ليلى ولبنى، واعتلاقي بذكره اعتلاق مالك بعقيل، وقفا نبك بالملك الضليل، وبلال بشامة وطفيل، والله ببلوغ الأمل خير كفيل. وحال وليه بالناحية التي استقذرتها حال من ذهبت منه اللذاذة والفتاء، والشيخ يهدمه الشتاء. وقد رأيت طوفان قرطبة يقيم دهرًا، وإنما أقام طوفان نوح شهرًا، وأما صيفها فكما قال:
لم أستتم عناقه لقدومه حتى ابتدأت عناقه لوداعه وله من أخرى:
لي رغبة إلى مفاخره، وتطارح بين يدي مآثره، وإدلال على سماحة سجاياه، وتحامل على احتمال علياه. وذلك أن شيخًا يفنًا قصد فنائي، فبكى حتى بل بفضل دموعه ردائي، ومنعه الشوق بشجاه، من الكلام على ما ارتجاه. ثم ذكر أنه كاسب نسيات، وأبو بنين وبنيات، فنسبته فقال: أنا أبو جعدة نهشل، وذكر
[ ٧ / ١٩٤ ]
مولانا المظفر فوصف خيرًا كثيرًا هو أكثر منه، ودعا بخير أجابه الله عنه، ووصف أن بغاة بغوه، وحسدةً آذوه، وتنصل من ذنوب قرفوه بها، ومولاي أعلم بصدقها من كذبها. ولم يظهر حرصًا إلا في الميتة الأهليه والتربة الوطنية. فبكى - علم الله - مع باك، وشكا مني إلى شاك، وذو الشكوى يرحم الشكوى، لعلمه بمرارة البلوى. ولا شك أنه سيبلغه تفضل المظفر بالالتفات إلى ذكري، والعناية ببعض أمري؛ فلا يظن أن ذلك باستحقاقي، وإن رقاني من الشرف هذه المراقي، ومن يسمع يخل، وما كل ذي سلاح بطل. وقد تلطفت له بإذن الله في القول، وبرئت إليه تعالى من القوة والحول، ووقفته على رأي المظفر الموفق، وحكمه العدل المحقق. وبودي لو تكلفت بآماله، وجمعت بينه وبين أطفاله، فهو في قعدد لبد، وهامة اليوم أو الغد؛ إلا أني - أيده الله - لا أوثر مرادي على مراده، ولا أشاركه في العلم بأهل بلاده، إلا أن يتفضل بالأحسن الأجمل، علي وعلى أبي جعدة نهشل، فيعود - أيده الله - بفضيلة الإيثار، ويكسبني في الناس أطيب الأخبار والآثار. لقد هجمت في العناية بما لا أعلم ثقة بما أعلم، وهو المتطول إن شفع، والمعذور إن دفع. والجواب على هذه السطور المحتوية على هذه الأمور، بالأقوال والأفعال، من كمال الإحسان والإفضال.
[ ٧ / ١٩٥ ]
فأجابه المظفر برقعة من إنشاء الوزير أبي مروان بن قزمان، قال فيها:
ورد كتابك المبتدأ خطابه من الشعر بما هو السحر الحلال، والمصدر من القريض بما شعد لك بالجلال. ولو قصد الطائيان قصده لأجبلا، أو حذا الحمادان حذوه لدبرا فيه وما أقبلا. لم تدع فيه فنًا من الحكمة إلا أهديته [٨٤] ولا معنى لطيفًا إلا أبديته، ولا نوعًا من الأدب إلا جلبته؛ ولا غريبًا من المثل إلا ضربته: فلله بلاد غذاك هواؤها، ورؤساء تطابقت عليك أهواؤها. لقد بان فضلهم على أهل الزمان، كما ظهر تبريزك في هذا الميدان. ومن انتحل الأبيات، فبمثل شعرك فليات، وهيهات، ما أبعد الأرض من السموات!
ورأيتك قد شفعت القريض بشفاعة، وقرنته برغبة أعطتك مقاليد البلاغة والبراعة. وأسعفتك في الشيخ اليفن، والأشيب البدن، نهشل. فليسرع بالإقبال إلى بلده، وليلحق بأهله وولده، وليأت إليهم ذألانا، وليشكرنا سرًا وإعلانًا. والله المان بك برده إلى وطنه وأهليه. يبلغ ما ترتجيه، ويعيد حالك إلى عهدها، والجمع بينك وبين الطبقة التي كنت واسطة عقدها.
ولابن شرف مقامات عارض بها البديع في بابه، وصب فيها على قالبه، منها مقامة فيهلا بعض طول، لكنه غير مملول، آخذة بطرف
[ ٧ / ١٩٦ ]
مستطرف من أخبار الأدباء، وذكر الشعر والشعراء، قال:
جاريت أبا الريان في ذكر أهل النظام، ومنازلهم في الجاهلية والإسلام، فقال: عدد الشعراء أكثر من الإحصاء، وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء. قلت: لا أعنتك بأكثر من المشهورين مثل الضليل والقتيل، ولبيد وزعبيد، والنوابغ والعشي، والأسود بن يعفر ومن سواه من العمي، ولابن الصمة دريد، والراعي عبيد، وزيد الخيل، وعامر بن الطفيل، والفرزدق وجرير، وجميل وكثير، وابن جندل وابن مقبل، وجرول والأخطل، وحسان في أهاجيه ومدحه، وغيلان في ميته وصيدحه، والهذلي أبي ذؤيب، وسحيم ونصيب، وابن حلزة الوائلي، وابن الرقاع العاملي، وعنترة العبسي، وزهير المري، وشعراء فزارة، ومفلقي بني زرارة، وشعراء تغلب ويثرب، وأمثال هذا النمط الأوسط، كالرماح والطرماح، والطثري والدميني، والكميت الأسدي، وصريع الأنصاري، ودعبل الخزاعي، وابن الجهم القرشي، وحبيب الطائي
[ ٧ / ١٩٧ ]
والوليد البحتري، وابن المعتز العباسي، وأبي نواس وابن الرومي.
ومن الطبقة المتأخرة في الزمان؛ المتقدمة في الإحسان، كأبي فراس ابن حمدان، والمتنبي بن عيدان، وابن جدار المصري، وابن الأحنف الحنفي، وكشاجم الفارسي، والصنوبري الحلبي، ونصر الخبزرزي، وابن عبد ربه القرطبي، وابن هانئ الأندلسي، وعلي بن العباس الإيادي التونسي، والقسطلي.
قال أبو الريان: لقد سميت المشاهير، وابقيت الكثير؛ قلت: بلى ولكن ما عندك فيمن ذكرت -
قال: الضليل مؤسس الأساس، وبنيانه عليه الناس، كانوا يقولون " أسيلة الخد " حتى قال " أسيلة مجرى الدمع ". وكانوا يقولون: " تامة القامة وطويلة القامة، وجيداء، وتامة العنق "، حتى قال " بعيدة مهوى القرط ". وكانوا يقولون في الفرس السابق " يلحق الغزال والظليم " وشبهه، حتى قال " قيد الأوابد ". ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات غيره فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج، فبقيت هذه جددًا وتلك نواهج؛ وكل شعر بعد ما خلاها فغير رائق النسج، وإن كان مستقيم النهج.
وأما طرفة فلو طال عمره، لطال شعره، وعلا ذكره. ولقد خص
[ ٧ / ١٩٨ ]
بأوفر نصيب من الشعر، على أيسر نصيب من العمر، فملأ أرجاء ذلك النصيب بصنوف من الحكمة، وأوصاف من علو الهمة، والطبع معلم صادق، وجواد سابق.
وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق بلسان الجزالة، عن جنان الأصالة، فلا تسمع له إلا كلامًا فصيحًا، ومعنى مبينًا صريحًا؛ وإن كان الشيخ والوقار، والشرف والفخار، لهاديات في شعره، وهي دلائله، قبل أن يعلم قائله.
وأما العبسي فمجيد في أشعاره، ولا كمعلقته، فقد أنفرد بها انفراد سهيل، وغبر في وجوه الخيل، وجمع فيها بين الحلاوة والجزالة، ورقة الغزل وغلظة البسالة، وأطال واستطال، وأمن السآمة والكلال.
وأما زهير: فأي زهر بين لهوات زهير، حكم فارس، ومقامات الفوارس، ومواعظ الزهاد، ومعتبرات العباد، ومدح تكسب الفخار، وتبقى بقاء الأعصار، ومعاتبات مرة تحسن، ومرة تخشن، وتارةً تكون هجوًا، وطورًا تكاد تعود شكوى.
وأما ابن حلزة: فسهل الحزون، قام خطيبًا بالموزون، والعادة أن يسهل شرح الشعر بالنثر، وهذا سهل السهل بالوعر، وذلك مثل قوله:
أبرموا أمرهم عشاءً فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد ومن مجيب ومن تص هال خيل خلال ذاك رغاء فلو اجتمع [٨٥] كل خطيب ناثر، من أول وآخر، يصفون سفرًا نهضوا
[ ٧ / ١٩٩ ]
بالأسحار، وعسكرًا تنادى بالنهوض إلى طلب الثار، ما زادوا على هذا إن لم ينقصوا منه، ولم يقصروا عنه. وسائر قصيدته في هذا المسلك: شكاية وطلاب نصفة، وعتاب في عزة وأنفة، وهو من شعراء وائل، وأحد أسنة هاتيك القبائل.
وأما ابن كلثوم: فصاحب واحدة، فلا زائدة، أنطقه بها عز الظفر، وهزه فيها جن الأشر، قعقعت رعوده في أرجائها، وجعجعت رحاه في أثنائها، وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها، وملتها التي تعتمد عليها، فلم يتركوا إعادتها، ولا خلعوا عبادتها، إلا بعد قول القائل:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمةٍ قصيدة قالها عمرو بن كلثوم على أنها من القصائد المحققات، وإحدى المعلقات.
وأما النابغة زياد: فأشعار الجياد لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى نضجها، ولا قطعت من منوال خواطره حتى تكاثف نسجها، لم تهلهلها ميعة الشباب، ولا وهي الأسباب، ولا لؤم الاكتساب، فشعره وسائط سلوك، وتيجان ملوك.
وأما النابغة الجعدي: فنفي الكلام، شاعر الجاهلية والإسلام، واستحسن شعره أفصح الناطقين، ودعا له أصدق الصادقين؛ وكان شاعرًا
[ ٧ / ٢٠٠ ]
في الافتخار والثناء، قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء، وكان مغلوبًا فيه في الجاهلية، وطريد ليلى الأخيلية.
وأما العشي بأجمعهم: فكلهم شاعر، ولا كميمون بن قيس، شاعر المدح والهجاء. والبأس والرخاء، والتصرف في الفنون، والسعي في السهول والحزون. نفق مدحه بنات المحلق، وكان في فقر ابن المذلق، وأبكى هجوه علقمة، كما تبكي الأمة.
وأما الأسود بن يعفر: فأشعر الناس إذا ندب دولة زالت، أو بكى حالة حالت، أو وصف ربعًا خلا بعد عمران، أو دارًا درست بعد سكان، فإذا سلك [غير] هذه السبيل، فهو من حشو هذا القبيل، كعمرو وزيد، وسعد وسعيد.
وأما حسان، فقد اجتث بواكر غسان، ثم جاء الإسلام، وانكشف الإظلام، فجاحش عن الدني، وناضل عن خاتم النبيين، فشعر وزاد، وحسن وأجاد، إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين، وتسديد الروح الأمين.
وأما دريد بن الصمة: فصمة صمم، وشاعر جشم، وغزل
[ ٧ / ٢٠١ ]
هرم، وأول من تغزل في رثاء، وهزل في حزن وبكاء، فقال في معبد أخيه، قصيدته المشهورة يرثيه:
أرث جديد الحبل من أم معبد وهي من شاجيات النوائح، وباقيات المدائح.
وأما الراعي عبيد: فجبل على وصف الإبل، فصار بالراعي يعرف، ونسي ما له من الشرف.
وأما زيد الخيل: فخطيب سجاعة، وفارس شجاعة، مشغول بذلك، عما سواه من المسالك.
وأما عامر بن الطفيل: فشاعرهم في الفخار، وفي حماية الجار، وأوصفهم لكريمة، وأنعتهم لحميد شيمة.
وأما ابن مقبل: فقديم شعره، وصليب نجره، ومغلى مدحه، ومعلى قدحه.
وأما جرول: فخبيث هجاؤه، شريف ثناؤه، صحيح بناؤه، رفع شعره من الثرى، وحط من الثريا، وأعاد بلطافة فكره، ومتانة شعره، قبيح الألقاب، فخرًا يبقى على الأحقاب، ويتوارث في الأعقاب.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
وأما أبو ذؤيب: فشديد أسر الشعر حكيمه، شغله فيه التجريب حديثه وقديمه، وله المرثية النقية السبك، المتينة الحبك، بكى فيها بنيه السبعة، ووصف الحمار فطول، وهي التي أولها:
أمن المنون وريبه تتوجع وأما الأخطل: فسعد من سعود بني مروان، صفت لهم مرآة فكره، وظفروا بالبديع من شعره، وكان باقعة من هاجاه، وصاعقة من حاجاه.
وأما الدارمي همام: فجوهر كلامه، وأغراض سهامه، إذا افتخر بمالك بن حنظلة، وبدارم في شرف المنزلة، وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اختيال جرير عليه بقليله على كثيره، وبصغيره على كبيره، فإنه يصادمه حينئذ ببحر ماد، ويقاومه بسيف حاد.
وأما ابن الخطفى: فزهد في غزل، وحجر في جذل، يسبح أولًا في ماء عذب، ويطيح آخرًا في صخر صلب. كلب منابحة، وكبش مناطحة، لا تفل غرب لسانه مطاولة الكفاح، ولا تدمي هامته مداومة النطاح، جارى السوابق بمطية، وفاخر غالبًا بعطية
[ ٧ / ٢٠٣ ]
وبلغته بلاغته إلى المساواة، وحملته جرأته على المجاراة. والناس فيهما فريقان، وبينهما عند قوم فرقان.
وأما القيسان وطبقتهما: فطبقة عشقة توقة، استحوذت الصبابة على أفكارهم، واستفرغت دواعي الحب معاني أشعارهم، فكلهم [٨٦] مشغول بهواه، لا يتعداه إلى سواه.
وأما كثير: فحسن النسيب فصيحه، لطيف العتاب مليحه، شجي الاغتراب قريحه، جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء، وجزالة مدح الخلفاء.
وأما الكميت والرماح، ونصيب والطرماح، فشعراء معاصرة، ومناقضات ومفاخرة، فنصيب أمدح القوم، والطرماح أهجاهم؛ والرماح أنسبهم نسيبًا، والكميت أشبهم تشبيبًا.
وأما بشار بن برد: فأول المحدثين؛ وآخر المخضرمين؛ وممن لحق الدولتين، عاشق سمع، وشاعر جمع، شعره ينفق عند ربات الحجال، وعند فحول الرجال، فهو يلين حتى يستعطف، ويقوى حتى يستنكف، وقد طال عمره، وكثر شعره، وطما بحره، وثقب في البلاد ذكره.
وأما ابن أبي حفصة، فمن شعراء الدولتين، وممن حظي بالنعمتين
[ ٧ / ٢٠٤ ]
ووصل إلى الغنى بالصلتين، وكان درب المعول، ذرب المقول، والد شعراء، ومنجب فصحاء.
وأما أبو نواس، فأول الناس في خرم القياس، وذلك أنه ترك السيرة الأولى، ونكب عن الظطريقة المثلى، وجعل الجد هزلًا، والصعب سهلا، فهلهل المسرد، وبلبل المنضد، وخلخل المنجد، وترك الدعائم، وبنى على الطامي والعائم، وصادف الأفهام قد نكلت، وأسباب العربية قد تخلخلت وانحلت، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت، فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه، فتهادوا شعره. وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وكلفوا بأضعفه. وكان ساعده أقوى، وسراجه أضوى، لكنه عرض الأنفق، وأهدى الأوفق، وخالف فشهر وعرف، وأغرب فذكر واستطرف. والعوام تختار هذه الأعلاق، وأسواقهم أوسع الأسواق، فشعر أبي نواس، نافق عند هذه الأدجناس، كاسد عند أنقد الناس. وقد فطن إلى استضعافه، وخاف من استخفافه، فاستدرك بفصيح طرده، طرفًا [من] حد اللسان وجده، وهو مجدود في كثرة التظاهر، على من غض منه بالحق الظاهر، ليس إلا لخفة روح المجون، وسهولة الكلام الضعيف الملحون، على جمهور العوام، لا على خصائص الأنام.
وأما صريع: فكلامه مرصع، ونظامه مصنع؛ وجملة شعره
[ ٧ / ٢٠٥ ]
صحيحة الأصول، مصنعة الفصول، قليلة الفضول.
وأما العباس بن الأحنف فمعتزل بهواه، وبمعزل عما سواه. رفع نفسه عن المدح والهجاء، ووضعها بين يدي هواه من النساء. قد رقق الشغف كلامه، وثقفت قوة الطبع نظامه، فله رقة العشاق، وحوك الحذاق.
وأما دعبل: فمدبر مقبل، اليوم مدح، وغدًا قدح، يجيد في الطريقتين، ويسيء في الخليقتين، وله أشعار في العصبية. وكان شاعر علماء، وعالم شعراء.
وأما علي بن الجهم: فرشيق الفهم، راشق السهمن استوصل شعره الشرفاء، ونادم الخلفاء، وله في الغزل الرصافية، وفي العتاب الدالية، ولو لم يكن له سواهما، لكان أشعر الناس بهما.
وأما الطائي حبيب: فمتكلف إلا أنه يصيب، ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، جيد ذلك أو ببس، جزل المعاني، مرصوص المباني. مدحه ورثاؤه، لا غزله
[ ٧ / ٢٠٦ ]
وهجاؤه، طرفا نقيض، وخطتا سماء وحضيض. وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب. وطارت له أمثال، وحفظت له أقوال، وديوانه مقرو، وشعره متلو.
قال ابن بسام: أما صفته هذه لأبي تمام؛ فصفة لم يثن عطفها حمية، ولا تعلقت بذيلها عصبية، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة. فما آلم من أدب وإن أوجع، ولا سب من صدق وإن أقذع.
رجع:
وأما البحتري: فلفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدى منهاج. يسبقه شعره، إلى ما يجيش به صدره. يسر مراد، ولين قياد. إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك. طبع لا تكلف يغثيه، ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكف غزيره، لم يهف أيام الحلم، ولم يصف زمن الهرم.
وأما ابن المعتز: فملك النظام، كما هو ملك الأنام، له التشبيهات المثلية، والاستعارات الشكلية، والإشارات السحرية، والعبارات الجهرية، والتصاريف الصنوفية، والطرائق الفنونية، والافتخارات
[ ٧ / ٢٠٧ ]
الملوكية، والهمات العلوية؛ والغزل الرائق، والعتاب الشائق، ووصف الحسن الفائق:
وخير الشعر أكرمه رجالًا وشر الشعر ما قال العبيد وأما ابن الرومي: فشجرة [٨٧] الاختراع، وثمرة الابتداع وله في الهجاء، ما ليس له في الإطراء، فتح فيه أبوابا، ووصل فيه أسبابا، وخلع منه أثوابا، وطوق فيه رقابا، تبقى أعمارا وأحقابا، يطول عليها حسابه، ويمحق بها ثوابه. ولقد كان واسع العطن، لطيف الفطن، إلا أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة.
وأما كشاجم: فحكيم شاعر، وكاتب ماهر، له في التشبيهات غرائب، وفي التأليفات عجائب، يجيد الوصف ويحققه، ويسبك المعنى فيرققه ويروقه.
وأما الصنوبري: فصيح الكلام غريبه، مليح التشبيه عجيبه، مستعمل لشواذ القوافي، يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي، فيجيل ويدق، ويعذب ويرق. وهو وحيد جنسه في صفة الأزهار، وأنواع الأنوار. وكان في بعض أشعاره يتخالع، وفي بعضها يتشاجع. وقد مدح وهجا، وسر وشجا، وأعجب شعره وأطرب
[ ٧ / ٢٠٨ ]
وشرق وغرب. ومدح من أهل إفريقية أمير الزاب جعفر بن علي، منفق سلع الأدب. فوصله بألف دينار.
وأما الخبرزي: فخليع الشعر ماجنه، رائق اللفظ بائنه، كثيرة محاسنه، صحيحة أصوله ومعادنه، رائقة البزة، [مائلة] إلى العزة، تسليه عن الحب الخيانة، ويربقه الوفاء والصيانة. وله على خشونة خلقه، وصعوبة خلقه، اختراعات لطيفة، وابتداعات طريفة، في ألفاظ كثيفة، وفصول قليلة الفضول نظيفة. حتى إن بعض كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه، واهتضم تظرفا من معانيه، وهو من معاصريه، فقل من فطن لمراميه.
وأمات أبو فراس بن حمدان: ففارس هذا الميدان، إن شئت ضربا وطعنا، أو لفظا ومعنى، ملك زمانا، وملك أوانا، أشعر الناس في المملكة، وأشعرهم في ذل الملكة. وله الفخريات التي لا تعارض، والأسريات التي لا تناهض.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
وأما المتنبي: فقد شغلت به الألسن. وسهرت في أشعاره الأعين. وكثر الناسخ لشعره. وألآخذ لذكره، والغائص في بحره، والمفتش في قعره. عن جمانه ودرن. وقد طال فيه الخلف، وكثر عنه الكشف. وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعايا في جرحه. والذي أقول إن له حسنات وسيئات، وحسناته أكثر عددا، وأقوى مددا، وغرائبه طائرة، وأمثاله سائرة، وعلمه فسيح، وميزه صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر.
وأما ابن عبد ربه القرطبي: وإن بعدت عنا دياره، فقد صاقبتنا أشعاره، ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة، ومكفرات توبته الصدوقة، ومدائحه المروانية، ومطاعنه في العباسية. وهو في كل ذلك فارس ممارس، وطاعن مداعس. واطلعنا في شعره على علم واسع، ومادة فهم مضيء ناصع. ومن تلك الجواهر نظم عقده، وتركه لمن تجمل بعده.
وأما ابن هانئ محمد الأندلسي ولادة، القيرواني وفادة وإفادة، فرعدي الكلام، سردي النظام، إلا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق، يؤثر في النيق، وله غزل قفري لا عذرى
[ ٧ / ٢١٠ ]
لا يقنع فيه بالطيف، ولا يشفع بغير السيف. وقد نوه به ملك الزاب. وعظم شأنه بأجزل الثواب، وكان سيف دولته، في إعلاه منزلته، من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه، لبرداءة عقله، ورقة دينه، وضعف يقينه، ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليها بالكفر.
وأما القسطلي: فشاعر ماهر عالم بما يقول، تشهد له العقول، بأنه المؤخر بالعصر، المتقدم في الشعر. حاذق بوضع الكلام في موضعه، لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة، وشكا ما دهاه في أيام المحنة. وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه، في أبعد الزمان وأقربه.
وأما علي التونسي: فشعره المورد العذب، ولفظه اللؤلؤ الرطب، وهو بحتري الغرب، يصف الحمام، فيروق الأنام، ويشبب، فيعشق ويحبب، ويمدح فيمنح أكثر مما يمنح.
هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين، على احتقار المعاصر، واستصغار المجاور، فحاش لله من الاتصاف، بقلة الإنصاف، للبعيد والقريب، والعدو والحبيب.
قلت يا أبا الريان، وقيت مرور الحدثان، فلقد سبكت فهمًا، وحشيت علمًا.
[ ٧ / ٢١١ ]
مقامة له أخرى
حدثني الجرجاني قال: كان فتى بجرجان من أبناء الأقيال، قد جمع إلى النهاية في المال الغاية في الجمال. وكان مألفًا للأدباء، ومأوى للغرباء، ورزقًا للفقراء، فلا يخلو منزله من أهل الإعدام. فإني لعنده في بعض الليالي إذ استؤذن عليه لضرير فقير فأمر بإكرامه وإطعامه. فلما فرغ من شانه، استدعاه إلى إيوانه، فدخل علينا رجل شيخ وافر السبال [٨٨]، قد عمه البياض بالكمال، مطموس العينين، مسترخي الحاجبين، قد صلعت هامته، وركعت قامته، وقصرت مسافة خطاه، وثقل جسمه على عصاه، فسلم بصوت ضئيل، ودعا بلسان ثقيل. وأقبل يذكر شبابه، ويتذكر أحبابه، وينوح على سالف زمانه، ويندب ثقات إخوانه. فرق له الفتى فأدناه، حتى أجلسه على يمناه، وصبره وسلاه. ثم سمرنا إلى وقت النوم، فرقد سائر القوم، ونام الفتى في مكانه، مراعاة لحق ضيفانه.
وكنت أدنى من الفتى مرقدا، كما كنت أدنى منه مقعدًا، ولي عين أخف العيون هجعة، وأقربها إلى الانتباه رجعة. فأيقظني نبرة لم أكن عهدت من الفتى مثلها، ولا أجراها مع ضيف قبلها. فعجبت من خرق العادة، وأصغيت ألتمس [استزادة] . فسمعت الأعمى
[ ٧ / ٢١٢ ]
يقول: يا سيدي أنا صرورة، وثم ضرورة، وقد طالت الغربة، واضطرتني العزبة. فقال الفتى له: فما وجدت لضرورتك سواي، ولا لعزبتك حاشاي - قال له: فإن أبيت إلا أن تمنع، فدلني على ما أصنع. قال له الفتى: أرى لك أن تتسرى. قال: ومن للصعلوك بالمملوك - قال: فتتزوج. قال: والمحوج كيف يتزوج - قال له الفتى: فإنك لو خضخضت، لكان أشبه مما إليه تعرضت. قال الأعمى: والله يا مولاي لا يسعه خفي، فكيف كفي - فصاح الفتى: السلاح السلاح: " ألا أيها النوام ويحكم هبوا " قال الجرجاني فقلت: " فللشيخ زب ليس يشبهه زب ". فقال الفتى: أسمعت العجب العجاب - قلت: نعم، وحفظت العتاب. وجعلت أقول: ما سألك الشيخ في عسير، ولا حملك على خطير، فهلا قضيته فأرضيته - قال: فحسب الأعمى كلامي ردا، وظنه جدًا، فقال: فديتك أيها الناصر. حين خذلني الأواصر، واحتقدني المعاصر، ثم تنهد وقال: آه واهرماه! بقينا حتى شقينا، آه. طاح أهل البذل والسماح، وبقي أهل البخل والجماح. انظر أي أجناس، بعد أي ناس، لكن الفقير حقير، قل المال، وذهب الرجال. سمعنا فطمعنا، يا فتى، أخبرنا عنك خبرًا، ما رأينا له أثرًا، ورب منسوب إلى حال، مرجوعها إلى محال؛ أين الكرم الذي ذكر، والخلق الذي شكر - هب ما سألناك يشق، أين الحق الذي يحق - كذب رائدنا، وقلت فوائدنا. فقال له الفتى: ويحك! اتق الله خالقك، فقد آن أن تترك
[ ٧ / ٢١٣ ]
فقال: يا مولاي، لو تركتني الشهوة لتركت، لكن حركتني فتحركت. إني وإن سبقني جمهور الأتراب إلى التراب، فلي قلب لهبي، وجسم ذهبي، لا يغيرهما إدمان الزمان، ولا يؤودهما حديث الحدثان. ولو عادت إليّ ساعة من أيامي، أو حصلت في يدي إبرة من حسامي، لسبقت كلومي فيكم كلامي، وسأجهد بهذه العصا، فأجاهد من عصا. ثم اهتز كأنه نسر مقصوص، أو حمار مرهوص، فقمنا وتركنا جانبه، وجعل يضرب بعصاه ما قاربه. فتركناه وشانه، وأدمنا عيانه، نصعد فيه ونصوب، ونعجب ونُعجب. فلم تزل شقشقته تهدر، وعصاه تتكسر، حتى كلت يداه، وانحلت قواه. ولاح وجه الصباح، وجئنا إليه بالمصباح، فإذا هو كالجدار المهدوم، والخدر المهشوم؛ قد فارق النفس النمرودية، ومات الميتة الجاهلية. فدفنه الفتى في أطماره، وسألنا كتمان أخباره، وأفن لعمري أي أفن، أن يطمع لخبر هذا في دفن، بل هو منشور، إلى يوم النشور.
ما أخرجته من شعر ابن شرف في أوصاف شتى
النسيب وما يناسبه
[قال]:
قد كنت في وعد العذار فأنجزا وقضى لحسنك بالكمال فأوجزا
[ ٧ / ٢١٤ ]
وافى لنصر الحسن إلا أنه ولى إلى فئة الهوى متحيرا
عطف تعلم منك عطفك عطفه وجد الفؤاد به السبيل إلى العزا
لم يكف وجهك حسنه وبهاؤه حتى اكتسى ثوب الجمال مطرزا
سبحان من أعطاك حسنًا ثانيًا وبثالث من فعل حسنك عززا وقال:
تصعد نفس لا صعود تنفس وترديد روح في حشاشة مكروب
فلا القرب يحيني ولا البعد قاتلي ولا الهجر يسليني ولا الصبر يلوي بي
وأصبحت ذا ضر ولقياك مبرئ لضري ولكن أين عيسى من أيوب وقال:
بين أجفانك سحر وعلى غصنك بدر
جردت عيناك سيفي ن لذا أمرك أمر
فعلى خدك من نث ر دم العشاق أثر
ومن الكثبان شطر لك والأغصان شطر
وسواء قلت در ما أرى أو قلت ثغر
وبماذا أصف الخص ر وما إن لك خصر [٨٩]
بك شغلي واشتغالي ومضى زيد وعمرو
[ ٧ / ٢١٥ ]
وقال:
وشمس تراخت أن تغيب لقبلتي كما أمست فيما مضى يوشع
فيا قاطعًا وصلي ويا واصلًا بأمسي ويومي في العذاب الممتع
صرفت رجائي عن لعل وعن عسى وأبعدتني باليأس من كل مطمع
أعنتي بإطماع الوصال على النوى إذا لم تقاتل يا جبان فشجع
لديك فؤاد ما له من مطالب أأطلب في بعضي وقد بان أجمعي -
وديعة ميت أنت فيها محكم وإن شئت فاحفظها وإن شئت ضيع
أرى مهجات في يديك فما ترى بمن شئت أوقع أو بما شئت وقع قوله: " إذا لم تقاتل يا جبان فشجع " مثل من أمثالهم، وإليه شار أبو نواس بقوله:
فكأني وما أزين منها قعدي يزين التحكيما وقال:
واذكر لياليك التي ذهبت لنا نهبًا وعيشًا كان كالتهويم
يسعدك وابل أدمع في أربع شربت مياه الدمع شرب الهيم
أيام شمس المشرقين ضجيعتي فيها وبدر المغربين نديمي
ونجوم كاساتي طوالع بالمنى والسعد يستغني عن التقويم
[ ٧ / ٢١٦ ]
محمود عيش جاد لي دهري به ثم استرد فكان فيه خصيمي
ولي وخلي جمرة مشبوبة تذكي على الأحشاء نار سموم
فإذا رأيت لهيبها وسلامتي فاذكر بذلك نار إبراهيم ينظر معنى البيت الرابع من هذه إلى قول أبي الطيب:
يقر لي بالفضل من لا يوده ويقضي له بالسعد من لا ينجم ولأبي [الحسن] أحمد البصري من أناشيد الثعالبي:
كنت إذا ما سرت في حاجة أطالع التقويم والزيجا
فصار لي الزيج كتصحيفه وعاد لي التقويم تعويجا وقال بعض أهل عصرنا وهو أبو بكر الداني:
وبمهجتي نجم له في مهجتي مسرىً ولي في نوره تعديل
حولت عهد مناخه بمناخه فقضى بتحويلي له التحويل
[ ٧ / ٢١٧ ]
وقوله: " محمود عيش جاد لي دهري به " من متداولات المعاني، منها قول محمد بن هاني:
وهب الدهر نفيسًا فاسترد ربما جاد لئيم فحسد وأخذه بعض أهل عصري فقال:
يهب القليل وقد يرى استرجاعه هبة اللئيم أقل منه وأنزر ومن قصائده المطولة في المدح وما يتشبث به
من سائر الأوصاف
قال في المنصور حفيد ابن أبي عامر:
مر بي غصن عليه قمر متجل نوره لا ينجلي
هز عطفيه فقلنا إنه ذو الفقار اهتز في كف علي
ورأيت الناس صرعى حوله فكأن اليوم يوم الجمل
تلك أخبار زمان قد مضى وأمور في السنين الأول
زمن المنصور قوى منتي وسرى همي وأحيا جذلي
وسرور النفس من بعد الصبا ناشر عصر الصبا والغزل
فاستطيب العيش في بلدته فكأن الناس في قطربل
وكأن الشمس من بهجتها أبدًا فيها ببرج الحمل
[ ٧ / ٢١٨ ]
وله من أخرى في عباد:
فما جشأت نفسي عشية مشرف ولا احتلبت عيني حزوى وفيفاء
ولا لغرابي دمنة الدار ظلت ذا سؤال وما عند الغرابين أنباء
مقام زمان مات عروة حسرة عليه وظلت تسفح الدمع عفراء
فلو نال حظًا منه غيلان لالتقت له صيدح فيه ومي ودهناء ومنها في ذكر طفلتين له:
أجشهم ليل القفار وظلمة ال بحار وكم ريعوا وللسيد إرخاء
ولي منهما سهمان هذا ابن أربع وهذا ابن ست كلما كان إغفاء
أضمهما والليل داج كأنما هما نقطتا ياء وجسمي هو الياء
فطورًا يغشيهم على ذكرك الكرى فتصبح أضواء عليهم ولألاء
وطورًا يمجون الدجى ومطاله وما كان للغايات مطل وإرجاء
فتضجر منهم أنفس ربما بكت بكًا هو للصم الجلاميد إبكاء ومنها:
فإن أفحمتنا هيبة عمرية لديك لها في الشعر كسر وإقواء
بذلت انبساطات لنا علوية لها بعد مومات المهامه أفياء
[ ٧ / ٢١٩ ]
صيدح التي ذكرها ناقة غيلان، والدهناء وطنه، ومي صاحبته، وكان ذو الرمة بذكر هذه الثلاثة في شعره. وقوله [٩٠] " ولا لغرابي دمنة الدار " البيت، أشار إلى قول عروة بن حزام العذري في عفراء بنت مالك العذري، وتنشد الأبيات لحسنها، ولكون المعنى فرعًا من غصنها:
ألا غرابي دمنة الدار خبرا أبا لهجر من عفراء تنتحبان -
فإن كان حقًا ما تقولان فانهضا بلحمي إلى وكريكما فكلاني
ولا يعلن الناس ما كان ميتتي ولا يأكلن الطير ما تذران
جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف حجر إن هما شفياني
فقالا: شفاك الله والله ما لنا بما ضمنت منك الضلوع يدان وضرب المثل بهيبة عمر بن الخطاب، وكان مشهورًا بها، وبانبساط علي بن أبي طالب ﵄.
وله من أخرى في ابن طاهر أمير مرسية وقته:
وعاجوا على عسفان والليل أليل ومروا بذات البين والصبح مسفر
وحازتهم حزوى ضحى وتروحوا بمنعج واستعلوا أبانًا فنوروا
ولما تواقفنا بذي سلم بدا سلام لسلمى ظل يخفى ويظهر
شعرت له والركب حيران غافل وما شاعر أمرًا كمن ليس يشعر
[ ٧ / ٢٢٠ ]
رأت ظبية الوعساء عيني فهيجت لها ذكرهم والشيء بالشيء يذكر
سأبكي طلولًا كنت فيها مطلة عليها وكل الليل تحتك مقمر
تصرم ذاك العيش إلا إدكاره وإلا كذوبًا في المنام تزور
فتى طاهري طاهر الثوب ذكره من المسك أذكى أو من الماء أطهر وله من أخرى في المعتضد:
لولاهم لحججت أول حجةٍ حرم الكرام وطال فيه طوافي
ولزرت حمص الغرب أغرب زائر بغرائب كالحلة والأفواف
وزحمت واديها بمثل عبابه من سلسبيل في القلوب سلاف
وأريته بحرًا يفاخر قعره بلآلئ فيه بلا أصداف ومنها في مدحه:
يا حاسديه على علا خطت له سبق القضا بالنون بعد الكاف
يخلي الديار من الجسوم ويجتني تمر الرؤوس وطرفة الأطراف
فكأنما الأجسام بعد رؤوسها أبيات شعر ما لهن قواف قال ابن بسام: أظن ابن شرف، فيما وصف، شبه الأجسام دون رؤوسها بأبيات شعره في هذه القصيدة. فليست لها مبادئ ولا قوافي.
[ ٧ / ٢٢١ ]
وما امتري أن الغربة فلت غرب طبعه، وغسلت عن جوانحه، وأطفأت نار قرائحه.
ومن أشبه مدائحه قوله في علي بن أبي الرجال بعض أمراء القيروان من قصيدة:
جاور عليًا ولا تحفل بحادثة إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
اسم حكاه المسمى في الفعال فقد حاز العيين من قول ومن عمل
فالماجد السيد الحر الكريم له كالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شانها وكذا للشمس حالان في الميزان والحمل
وربما عابه ما يفخرون به يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ملء المسامع والأفواه والمقل وله من أخرى:
ما لي كذا كل ما طلبته عسر وقد أخذت بحب المطلب العسر -
ما لي أجاذب ذي الدنيا موليةً فكل ثوب عليها قد من دبر
[ ٧ / ٢٢٢ ]
ومنها:
يعطي الجزيل من التنويل معتذرا ورب معطي قليل غير معتذر
أتى الزمان على يأس به لبنى الد نيا كبشرى بمولود على الكبر
إني ومجدك صيرت الورى نهرا وقلت ما قاله طالوت في النهر
فأنت عندهم منهم غرفة بيدي حلت وحرم باقي النهر في الزبر ومعنى البيت الرابع من هذه كقول أبي تمام، ونقص فيه عن التمام:
بشرى الغني أبي البنات تتابعت بشراؤه بالفارس المولود وذكرت بقوله: " فكل ثوب عليها قد من دبر " قول الشاعر:
قميص يوسف لما قد من دبر كانت براءته فيها من الكذب
وفي قميصك لما قد من دبر مما يدل على الفحشاء والريب وفي الحسن بن وهب يقول القائل:
إذا لقيت بني وهب بمنزلة لم تدر أيهما الأنثى من الذكر
مؤدبون على الفحشاء من صغر مدربون على النكراء في الكبر
يحنكون ولم تقطع سرائرهم بين الحواضن والدايات بالكمر
قميص أنثاهم ينشق من قبل وقمص ذكرانهم تنقد من دبر
[ ٧ / ٢٢٣ ]
سائر مقطوعات له في أوصاف شتى
قال:
لعل الله يفتك المعنى ال أسير فيغتدي وهو الطليق
وإن أرجو التخلص من عظيم فقد ينجو من اللجج الغريق
لقد أنفذت من جلدي دروعا زرين على الذي نسجت سلوق
وصبرا لو تجسم لي مجنا كفاني ما رمته المنجنيق
وأفقد ما طلبت فلم أجده رفيق في صحابته رفيق
فأصبح وهو للعنقاء ثان وثاو حيث فرخت الأنوق
صحبت بهذه الدنيا أناسا إذا غدروا فغدرهم وثيق
ولم أصحبهم ودا ولكن كما جمع العدوين الطريق لعله ذهب في هذا القول إلى قول أبي الطيب:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد وقال:
بعيشك ناد أيامي وقل هل لديك إلى مرد من سبيل
[ ٧ / ٢٢٤ ]
أراك كما يرى المحتاج مالا وقد ملكت عليه يد البخيل
أراحلة وما أبقيت مني سوى لحظ يترجيم عن قتيل
وقد عاقبت بالعبرات عيني بلا ذنب وما ذنب الرسول
وجدت الناس كلهم طلولا فلم أطيل الوقوف على الطلول
وتسمع منهم ما لا تراه كسامع ضربة السيف الصقيل
فمن بسواك باعك فاغن عنه كما استغنى علي عن عقيل عقيل أخو علي بن أبي طالب كان ولد معه توأما، ولذلك قال: زوحمت حتى في الرحم. ولما كان يوم صفين هرب إلى معاوية وفارق أخاه عليا.
وقوله: " أراك كما يرى المحتاج مالا " - البيت، أراه توارد فيه مع لدته وابن بلدته أبي علي بن رشيق حيث يقول:
والصبح قد مطل الليل العيون به كأنه حاجة في كف ضنين وقال ابن شرف:
وما بلوغ الأماني في موعدها إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب
وقد يخالف مكتوب القضاء يدي فكيف [لي] بقضاء غير مكتوب
[ ٧ / ٢٢٥ ]
وقال:
- سل عن رضاي عن الزمان فأنه كرضى الفرزدق عن بني يربوع
لله حالٌ قد تنقل عهدها بخلاف نقل الدهر حال صريع
دارت دراري الخطوب قواصدًا حنى نظرن إلي من تربيع - كان صريع الغواني حاملًا فولاه بنو سهلِ جرجان فشرف.
وقال:
أهل الصفاء نأيتم بعد قربكم فما انتفعت بعيش بعدكم صافِ
وقد قصدت ندى من لا يوافقني فكان سهمي عنه الطائش الهافي
أردت عمرًا وشاء الله خارجةً أما كفى الدهر من خلفي وإخلافي - وقال:
يقولون ساد الأرذلون بعصرنا وصار لهم قدر وخيل سوابق
فقلت لهم ولى الزمان ولم تزل تفرونُ في أخرى البيوت البيادق وقال:
قالوا تصاهلت الحمي ر فقلت إذ عدم السوابق
خلت البيوت من الرخا خِ ففررنت فيها البيادق
[ ٧ / ٢٢٦ ]
وقال:
شكوت حزني وبثي إلى القريب المجيب
فكان عقباي عقبى نبيه يعقوب وقال:
لك منزل كملتْ ستارته لنا للهوْ لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يرمز حوله فيه البعوض ويرقص البرغوث وهذا كقول السميسر:
ضاقت بلنسية بي وذاد عني غموضي
رقصُ البراغيث فيها على غناء البعوض - ما أخرجته من مراثيه لأهل القيروان بلده
قال من قصيدة وصف فيها إذلال أهل سوسة جالية القيروان وهي طويلة قطفت عيونها:
- آه للقيروان أنه شجوٍ عن فؤاد بجاحم الحزنِ يصلى
حين عادت به الديار قبورا بل أقول الديار منهن أخلى
[ ٧ / ٢٢٧ ]
ثم لا شمعةٌ سوى أنجمٍ تخ طو على أفقها نواعس كسلى
بعد زهر الشماع توقد وقدًا ومتان الذبال تفتل فتلا
والوجوه الحسان اشرق منهن ويفضلنهن معنىً وشكلا
لو رأيت الذين كان لهم سه لك وعرًا قد صيروا الوعر سهلًا ومنها:
بعد يوم كأنما حشر الحل ق حفاةً به عواري رجلى
ولهم زحمة هنالك تحكي زحمة الحشر والصحائف تتلى
وعجيج وضجة كضجيج ال خلق يبكون والسرائر تبلى
من أيامي وراءهن يتامى ملئوا حسرة وشجوا وثكلا [٩٢]
وثكالى أراملًا حاملات طفلة تحمل الرضاع وطفلًا
وحصان كأنها الشمس حسنا كفنتها الأطمار نجلاء كحلا
فات كرسيها الجلاء فأضحت في ثياب الجلاء للناس تجلى
جار فيهم زمانهم وأولوا الأم ر ففروا يرجون في الأرض عدلا
تركوا الربع والأثاث وما يث قلٌ لا حامل من الناس ثقلا
لبسوا الباليات من خشنِ الصو ف ليغدو النبيه في الناس غفلا
[ ٧ / ٢٢٨ ]
نادباتٍ، عفراء تسعد سعدى وسعادٌ تجيبُ بالنوحِ جملا
ليس منهن من يودعُ جارًا لا ولا حرمةٌ تشيع أهلا
كلهن اعتدى الفراقُ عليه فاقتحمن الجلاء حفلًا فحفلا
فإذا القفرُ ضمهم فوق الده رُ لهم غيرَ ذلك النبلِ نبلا
من ثعابين حاملينَ نيوبا عصلًا: ذابلًا ونبلًا ونصلا
وشياطينَ رامحين يلاقو نَ بجونِ الفلا مساكين عزلا
فترى للظهور تعتلُ عتلًا وتشق البطون تغسلُ غسلا
فإذا مطمعٌ أصابوه في أح شاءِ قومٍ عموا بذلك كلًا
فإذا نجت المقادير منهم راحلًا بالخلاصِ يحملُ رحلا
لقيَ الهون في المذلةِ أنى كان من سائر البلاد وحلا
ليس يلقى إلا أمرًا مستطيلًا طالبًا عندهُ حقودًا وذحلا
فترى أشرف البرية نفسًا ناكسًا رأسه يلاطفُ نذلًا
فهم كلما نبتَ بهم أر ضٌ مطايا الفراقِ خيلًا ورجلا
مزقوا في البلاد شرقًا وغربًا يسكبون الدموع هطلًا ووبلا
لا يلاقي النسيب منهم نسيبًا يتعزى به ولا الخل خلا
ليت شعري هل عودةٌ ليَ في الغي بِ إلى ما طال شجوي أم لا
[ ٧ / ٢٢٩ ]
قوله " حينَ عادتْ به الديارُ قبورًا " يشبه من وجهٍ قول أبي تمام:
- وما الفقرُ بالبيدِ القواءِ بلِ التي نبتَ بي وفيها ساكنوها هي القفرُ وأخذه بعض أهل عصري وزاد فقال:
ثاوٍ بحمصِ كأنما هي قبره لو لم يقاس بها صروف زمانه وقوله " ثم لا شمعةٌ سوى أنجم " ينظر إلى قولِ محمد بن هانئ الأندلسي:
وبات لنا ساقٍ يقوم على الدجى بشمعة صبحٍ لاتقط ولا تطفا ويروى " بشمعة ليلٍ "، وإنما أخذه من قول أبي الحسنِ سليمان ابن حسان النصيبي:
وإن يكُ ليلنا فيه نهارًا فشمعةُ بدرهِ ليست تقطُ وربما توارد معه لأنه كان معاصره، إلا أن ابنَ هانئ أقدم موتًا.
حكى أبو علي في رسالة " قراضة الذهب " أنه مات سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
- وقال أبن شرف من قصيدة وصف ما كان من صيانة الحريم في أوطانها، ثم ما صارت إليه من الانكشاف في الحل والترحال، وركوب طهور الخطوبِ والأهوال فيها:
- بعد خطوب خطبت مهجتي وكان وشكُ البين إمهارها
ذا كبدٍ أفلاذها حولها قسمت الغربةُ أعشارها
أطافل ما سمعت بالفلا قطٌ فعانيتُ الفلا دارها
ولا رأت أبصارها شاطئًا ثم جلتْ باللجِ أبصارها
وكانت الأستارُ آفاقها فعادت الآفاقُ أستارها
ولم تكن تعلو سريرًا علا إلا إذا وافق مقدارها
ثم علت كل عثور الخطا يرمي بها الأرض وأحجارها
ولم تكن تلحظها مقلةٌ لو كحلت بالشمسِ أشفارها
فأصبحت لا تتقي لحظةً إلا بأن تجمع أطمارها قوله " وكانت الأستار آفاقها " من الكلام الفصيح، والقلب المليح. ويشبه منحاه، وإن لم يكنْ في معناه، قول الأول:
[ ٧ / ٢٣١ ]
فردَ شعورهن السودَ بيضًا وردَ وجوههن البيض سودا وكقول الآخر:
نديمي جاريةٌ ساقيه ونزهتي ساقيةٌ جاريه وله من أخرى:
كأني وأفراخي إذا الليل جننا وبات الكرى يجفو جفونًا ويطرقُ
حمائم أضللنَ الوكور فضمها تجانسها حتى تراءى المفرق
إذا أفزعتهم نبوةٌ زاحموا لها ضلوعي حتى ودهم لو تفتقُ
ويصغر جسمي عن جميع احتضانهم فيثبتُ ذا فيه وذا عنه يزهق
كأنهم لم يسكنوا ظلَ نعمة لها بهجة ملُ العيون ورونق
إلى أن غدوا فيء فتارةً تباعُ وفي بعضِ الأحايين تعتقُ
وطوروا على موجٍ البحارِ كأننا قذى قد وثقنا أننا ليس نغرق [٩٣]
ونحن نفوس تسعةٌ ليس بيننا وبين الردى إلا عويد ملفق نظم هذا من قول الفيلسوف وقد ركب سفينةً فقال للملاح:
كمْ غلطُ لوح سفينتك - قال: إصبعان. قال فإنما بيننا وبين الموت إصبعان.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
وقوله " إذا أفزعتهم نبوةٌ " - البيت، بناهُ على قول امرئ القيس، إلا أن الوجدُ لذعه لذعةٌ أنطقته بالحال، وقولته السحر الحلال، فعلمته كيف يفتت الأكباد، ويفتُ في الأعضاد، وهو قوله:
إذا أخذتها هزة الروعِ أمسكت بمنكبِ مقدامٍ على الهولِ أروعا وقال من أخرى:
يا قيروان وددتُ أني طائرٌ فأراك رؤيةَ باحثً متأملِ
آها وأية آهةٍ تشفى جوى قلبٍ بنيران الصبابةِ مصطلي
أبدت مفاتيح الخطوب عجائبًا كانت كوامن تحت غيبٍ مقفل
زعموا ابن آوى فيك يعوي والصدى بذراك يصرخ كالحزينِ المثكل
يا بيدَ روطةَ والشوارعُ حولها معمورةٌ أبدًا تغص وتمتلي
يا أربعي في القطب منها كيف لي بمعاد يومٍ فيك لي ومن أين لي -
يا لو شهدتِ. إذا رأيتكَ في الكرى كيف ارتجاع صباي بعد تكهل
لا كثرةٌ الإحسان تنسي حسرةً هيهاتَ تذهبُ علةٌ بتعلل
وإذا تجددَ لي أخ ومنادمٌ جددتُ ذكر إخاءِ خلٌ أول
- " لو كنتُ أعلمُ أن آخر عهدهم يومُ الرحيلِ فعلتُ ما لم أفعلِ "
[ ٧ / ٢٣٣ ]
وهذا البيت لجرير؛ وإنما تضمنه. وبعده قولُ جرير:
- لو كنتُ أحذر وشكَ بينٍ عاجلٍ لقنعتُ أو لسألت ما لم يسأل وقوله " وإذا تجددَ لي أخٌ ومنادمٌ " ومن قول أبي تمام:
- نقلْ فؤادكَ حيثَ شئتَ من الهوى ما القلب إلا للحبيبِ الأول وقال أبو الحسنِ الرضي:
- ما ساعدتني الليالي بعد بينكمُ إلا ذكرتُ ليالينا بذي سلمِ وقال ابن شرفٍ من قصيدة:
كأنَ الديارَ الخالياتِ عرائسٌ كواسدُ قد أزرت بهن الضرائرُ
وتنكرُ بقياها الأسرةُ حسرًا عواطل لا تفشى لهن السرائر
إذا أقبل الليل البهيمُ تمكنت بها وحشةٌ منها القلوب نوافر
ولا سرجٌ إلا النجوم وربما تغطت فسدت جانبيها الدياجر
يمرُ عليها المور يسحبُ لحفه ولا كانسُ إلا الريحُ الغدائر
ويمتدُ عمرُ الصوتِ فيها وربما تجود مرارًا بالكلامِ المقابرٌ
فلو نطقت ما كان أكثرٌ نطقها سوى قولها أين الخليطُ المعاشر -
ألا قمرٌ إلا المقنعُ في الدجى فأين اللواتي ليلهنَ المعاجرِ
[ ٧ / ٢٣٤ ]
- ألا منزلٌ فيه أنيسٌ مخالطٌ ألا منزلٌ فيه أنيسٌ مجاور -
ترى سيئاتِ القيروانِ تعاظمت ألم تكُ قدمًا في البلادِ الكبائر - ضجرَ أبو عبد الله - عفا الله عنه؛ وفيها يقول:
ترحل عنها قاطنوها فلا ترى سوى سائرٍ أو قاطنٍ وهو سائر
تكشفت الأستار عنهم وربما أقيمت ستورٌ دونهم وستائر
إذا جاذبت أستارها تبتغي بها لأقدامها سترًا تبدتْ غدائر
تبيت على فرش الحصى وغطاؤها دوارسُ أسمال زوارٍ حقائر
فيا ليتِ شعر القيروانِ مواطني أعائدةٌ فيها الليالي القصائر -
ويا روحتي بالقيروان وبكرتي أراجعة روحاتها والبواكر -
كأن لم تكن أيامنا فيك طليقةً وأوجه أيامي السرور سوافر
كأن لم يكن كلٌ ولا كان بعضه سيمضي به عصرٌ ويمضي المعاصر قولهُ " كأن الديار الخاليات " ينظر من وجهٍ إلى قول أبي تمام:
وكذاك لم تفرط كآبةٌ عاطلٍ حتى يجاورها الزمان بحال وقال أبي شرفٍ من أخرى:
[ ٧ / ٢٣٥ ]
سقى القصرَ فالميدان أخلافُ مزنةٍَ وراحت على الروحاء منها أفاويق
- على أنه مرمى نبت عنهُ أسهمي فلا حزَ لي في الأفق منه ولا فوق
أناديهِ والبحرُ المحيطُ مجاوبي ودوني خليجٌ منه أفيح مخروق
وقرطبةٌ ضمت إليها جوانحي كما ضم من عفراءِ عروة تعنيق
نزلنا [بها] لا نبتغي السوق عندها فما كان بدٌ أن أقمت لنا سوق
وأحيا أبن يحيى ميتات خواطري وفسحَ آمالي وكان بها ضيق
أبا حسنٍ وأحسنت بدءًا وعودةً وللغصنِ إثمارٌ إذا كان توريق
فلم يرَ بؤسٌ إذ وليت أمورها ولا كسدتَ سوقٌ إذ ألتفت السوق
وكم لقيت حربَ الأزراق منهمُ وكمْ زرقت في جانبيه المزاريق قال أبن بسام: وكثيرًا ما يذكر أبنُ شرفٍ في شعره أحياء الأعراب التي أخرجتهم من القيروان كبني هلال [٩٤] وقرة وزغبة وهم الذين تولوا حرب بلدهِ في التاريخ المتقدم الذكر؛ فمن ذلك قصيدةٌ أولها:
جسومٌ على حكمِ العيون صحاحُ وفي طي أحناءِ الضلوع جراحُ يقول فيها:
إذا كان للأحباب رسلٌ فرسلنا بروقٌ إلى أحبابنا ورياح
ومن دون تلك الرسل أخضرُ زاخرٌ أجاجٌ ومهجورُ الفجاجِ فياح
[ ٧ / ٢٣٦ ]
وللسهم دون القيروانِ تسهمُ وما شوكه إلا ظبا ورماح
وقرةٌ قد قرتْ هناك عيونها وزغبةٌ ريشت زغبها ورياح
كأن لم يكن لي أمس في عرصاتها من العيشِ جد طيبٌ ومزاح
يخيلها زورُ الكرى لي في الدجى فأرغب في ألا يلوح صباحُ
كسيتُ قناع الشيب قبل أوانه وجسمي عليه للشبابِ وشاح
ويارب وجهٍ فيه للعينِ منزه أمانع عيني منه وهو مباح
وأهجره وهو اقتراحي من الورى وقد تهجر الأمواه وهي قراح وهذا مصراعُ بيت المعري:
والعذبُ يهجرُ للإفراطِ في الحصرِ وقوله: " يخيلها زورُ الكرى " ألم فيه أبن شرف بقول العباس ابن ألأحنف:
حتى أقول إذا استيقظتُ من أسفٍ يا ليتني كنتُ دهري راقدًا أبدا وله من أخرى يمدحُ الأمينَ ابن السقاء:
فيا أخويَ من أسد وسعدٍ أحي حي زغبةٌ أم دفين
فلا اشتملت مساكنها بشمل ولا هدأ القرار به سكون
[ ٧ / ٢٣٧ ]
ولا سرت الرياحُ على رياحٍ لواقح مزنةٍ أنى تكون
فقد دارت علينا من رحاها طحون كلما لاقت زبون
فلا وطنٌ لنا إلا المطايا وإلا الماءُ طورًا والسفين
لعلك أيها البرقُ اليماني إذا كشفتَ عن خبرٍ تبين
أفي وكناتها عقبانُ قوم كعهدي أم خلتْ منها الوكون
وبين قبابِ صبرةٍ والمصلى نهى ومها وآسادٌ وعين
وأجبالٌ تمور بها المذاكي وأقمار تميس بها الغصون
وقرطبة أعيدت قيروانا لنا لما دهت تلك الفتون
وكيف يضيعُ مثلي في مكانٍ يكون به أبو الحسنِ الأمين
أيا منُ أن تكون النونُ راءً وقد وجبتْ له راءٌ ونون انتهى ما أخرجته من أخبار ابن شرف، ونتلو ذلك بطرف من أخبار ابن السقاء مدبرِ الدولة الجهورية بقرطبة. ونشير إلى مقتله، ونلمعُ بذكرِ أوله، وكيف ارتقي من الحضيضِ، إلى ذروة الجاه العريض، حتى زاحم نجوم الأفلاك. وملأ صدور الأملاك، وسارت عنه في السياسةِ أخبار. محتْ أضواء الأسحار. وعطرت أنفاس الأزهار.
جملة من أخبار ابن السقاء القرطبي، مدبر الملك الجمهوري
قال ابن حيان: كان أبو الحسن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بابن السقاء قد كابدَ من شظف المعيشة في فتاءِ سنه ما لا شيء فوقه، إذ
[ ٧ / ٢٣٨ ]
كان يعالج السقطَ بسويقة أبن أبي سفيان في قرطبة ببضاعة نزره. وأعلى ما انتقل إليه عند إكداء تلك الحرفة الاستخراج من جهة الأحباسِ، وراثة عن والده محمد السقاء. وبأسبابها خدم القضاة وتمرن مع الفقهاء، وهو يقتات معيشته مياومةً، ويأوي ليله الى بيتٍ في دويرة والده محمد بجوفي المسجد الجامع، يحاضرُ فيه جماعةً إخوةً لا يجد بينهم إلى مد ساقه سبيلًا. وما هو إلا أن حملَ الأمانة على كاهله، فوضفها أسفل رجله، وتذكر عضَ الكلابِ لعصاه، فتحول جرذًا للسرقِ والخيانة، وابتنى القصور المنيعة، واقتنى الضياع المغلة، إلى أملاك لا تحصى كثرة.
قال ابن بسام: وقد رأيت ابن حيان مدحَ ابن السقاء في غير ما موضعٍ من كتابه فيه في فصل:
وصار من المناجح للدولة الجهوريةِ أن استعانَ فيها الوزيرُ الرئيسُ أبو الوليدَ جهورٌ على أمره بالأمين أبي الحسن إبراهيم بنِ محمد، متولي النظر في المسجد الجامعِ على قديم الأيام، خادمه الكافي المنقطع إليه، ونصيحه المتهالك في طاعته. فتفرس فيه فراسة مثله. فقلده القيام بأعباء دولته، فأصاب نقافًا يخذم، ونفذ فيما يريد عنه كالسنان اللهذم، لجودة استقلاله، ورجاجة وزنه.
ثم ذكره بعد مقتله فقال: وهذه عصفة من عصفات الدهر الخؤون، الذي هو لمن أصغى إليه أنصح الواعظين [٩٥] . قصفت من هذا الرجل
[ ٧ / ٢٣٩ ]
الظالم - كان - لنفسه، الغاش لمصطنعه، سرحةً نوارة أطال الباطل مرعها من غراس أودع خضراء دمنة. فموه على أهل وقته بليانة كانت فيه سوقية، وخلابة جبلية، عضدها جدَ صاعدُ رقاه من الحضيض إلى السها، وحرسته إلى مدة اجتذبته عند توفيها أعراقه اللئيمة، فتولى ذميمًا لسوءِ أفعاله، فلا سماؤه بكتْ عليه ولاأرضهُ، وقد كنتُ كتبت من وصف ظاهر محاسنه أوان اعتلاقه بقهرمة أميرنا محمد بن جهور، وعددت من حسان خصاله ما لم يبعد عن الصدق عنه، لأخذنا بظاهر ما تموه في العيون وقت بنائه لنفسه، وتنفيقه لكساده، من طأة الخلق، وحسن الاحتمال، ولين الحجاب، وخفة المواطأة، وجودة الوساطة، معرضين فيه عن ذكر ما لم يمكن لنا النفث عنه مما في باطنه من نذالة الخيم، ونطف الصحبة، وتهمة الخلوة. وإذا به متخلق ليسمو إلى مراد أناله المقدار إياه، فتنة من الله. فلم يلبث أن أدركه عرق السوء، واجتذبه إلى نصر طباعه، فاستحال وتغير، وعتا واستكبر، وخان وغدر فاستخف المظالم، واستهان الكبائر، واطرح الفروض، واحتقر الحقوق، واغترى بذوي الهيئات، وحملة المروات. فأذال صونهم، وأغرى غاشيته من سفلة الناسِ وأوغادهم بهم، فأضرع خدودهم، وحط أقدارهم، وأشعر الأعزة الذلة، وألصق أنوفها بالرغام، وأصمتها عن الكلام. فارتفع الأمر بالمعروف جملةً، ووسع أهل السلامة الدخول تحت التقية. فصرنا ممن أخذ بذلك في ذكره، فيما كتبنا له من ظاهر أخبار مدة ستر الله عليه، إلى أن ارتفعت بزوال سلطانه، وأمان عدوانه، ففارقنا
[ ٧ / ٢٤٠ ]
الحزام في ذكره، ولزمنا العذر عنه بالنقض لما أسلفناه من تقريظه.
قال ابن حيان: ولما رآه ولد ابن جهور آخذًا بخطط الملكِ اجمعها. ومراتب الرئاسة بكليتها. وتركهم أعطالا. وبسط يده إلى مال الخراج وأحتوى عليه. يأخذه كيف شاء، وينفقه فيما يريد، واصطنع الرجال، وأتخذ الأصحاب والغلمان. فخضعت له الرقاب، وسمت إليه الآمال. فتوقل ذروه الإمارة حالًا حالًا، حتى ثنى الجند والرعية لنفسه، وصدهم عن لقاء أميرهم ابن جهور. ولم يستحي من الله ولا من عباده في خون أمانتي. ولا تستر عن الإعلان بغلول وديعته، وقد تولى أمر السلطان وهو فقير فلم يستتر في الاكتساب، بل جاهر في التحامل على الجيرة والإكراه بالمستضعفين ممن يصاقبه من ذوي خطة أو سهمةٍ. له في كل ذلك أمور لا تحصى كثرة. ثم خلط لأول ترقية في الرئاسة بان اتخذ لنفسه جند سوء. مال به طبعه الرذل إلى الاستظهار بهم على أقادم الجند بقرطبة ممن مرن على الاستقامة، فتخير هو من أراذل الطبقات ومصاص شرار الناس، وانتقاهم من أصناف الدعرة والدائرة والأساود والرقاصة، نخل من كل طبقةٍ مرفوضة ما بعث على الناس منهم ذئابًا عادية، وأعدهم ليوم الكريهة فلم يغنوا عنهم شيئًا لما حاق به قضاؤه. وكان قد أقفر دار الخدمة في قرطبة ونقلها إلى داره، فجعلت المواكب تزدحم على بابه، ولم
[ ٧ / ٢٤١ ]
يوقفه الله لاختيار حاجبٍ لبيب يعلو جماعة حجابه، فيحمل له وجوه الناس ويرتب قعودهم بدهليزه فيطعمهم بخروجه أو يعتذر إليهم عنه بما يؤيسهم منه، فيذهبون لسبيلهم معافين من سوء غلمانه؛ وما كانوا يلقونه إلا [في] فصيل فيه أفدام الرجال لسوء أدب حجبته في حملهم على الناس بعنف الرد. ولربما دقوا الأنوف ونتفوا الشوارب غير مميزين لطبقة الناس، فحقدوا عليه، إلى أشتات من المساوئ نظمها، وأنواع من المخازي جمعها. وألقي له على قلوب الناس رهبةٌ مع أضغان شبوا بها أصبغة مساويه، والأقدار تدفع عنه، إلى أن حاقت به فكبا لفيه. ولم يزل يرجع في مراتع الباطل، ويلبس على الناس أمرهم، وصدهم عن أميرهم، وأخذ الله بسمعه وبصرهم. وتمثل لهم الجسد الملقى على كرسي سليمان، فحارت ألبابهم فيه، وتاهت منه، من وزير في قعود أمير، وقاضٍ في مسلاخ جندي، وفقيهٍ على دينٍ يحيى بالقول ويقتل بالفعل. فسبخان من سواه من ألأم طينةٍ فأمهله مدة. من رجلٍ عهر الخلوة لزهده في النساءِ وكلفة بالغلمان. واتخذ دارًا آخر مدته للخلوة بهم، فكان لا
[ ٧ / ٢٤٢ ]
يخدمه فيها [٩٦] ولا يحف به غير خاصة غلمانه، ولا يأذن لأحد من طبقات الناس بالدخول إليه فيها. فأكثر الناس القول في هذه الدار وسموها " دار اللذة " لأنه كان يجيشها في اكثر النهار عند فراغه من أحكامه فيقضي بها راحته. فإذا جاء الليل عاد إلى دار سكناه التي فيها أهله. ومن تمام العجب في شانه انه لم يكشفه ولا نبش صداه إلا تلك الطائفة من بطانته التي اختارهم لنفسه من أرذال الطبقات، وذلك معهود في أمثالهم. فالصنيعة لا تزكو إلا عند ذي حسب ودين.
قال ابن حيان: فلما قطع أموال الناس جملة عن بني جهور، وأخلى أبوابهم من جميع الطبقات، ولم يدع لابن جهور من سلطانه غير التوقيع وحده، وتقدم إلى جميع أصحابه وحجابه أن يدعى بالسلطان، فكان إذا ركب إلى دار أميره ابن جهور سأل سائل: أين يكون السلطان - قال حجابه: في دار الوزير، فيجيئون بمعكوس من القول يمجه السمع، دان له الناس بذلك عنوة، وخاطبوه بالتمويل دعاء ومكاتبة، إلا قليلا تمسكوا بالمروءة فاكتسبوا لديه مقتا. فظل يزداد مع الأيام استكبارا، ويبطن تدبيرا، ويسيء تفكيرا. أخبرت انه قال [له] يوما بعض بطانته عندما رآه يرتكب من الفواحش: خفض عليك، فقال له: وما علينا - والله ما بها كلب ينبح فيجتمع إليه. وما علم الحائن الشقي أن هناك شبل أسد جهوري قد لبد لبطش
[ ٧ / ٢٤٣ ]
به وهو عبد الملك الأصغر من اخوته، لم يستشر في الفتك به غير نفسه. فلما كان في يوم السبت لسبع بقين لرمضان سنة خمس وخمسين أعد له رجالةً في فصيل أبيه، واقام هو ينتظره، وأرسل عنه رسولًا كان أبوه يوجهه عنه. فلما وصل إلى باب ابن جهور ومعه من أصحابه الناشبين معه نزر يسير، وأراد النزول على حجر لاصق بالباب، وإذا بعبد الملك قد قام عليه بخنجر أعده له فضربه ثم خرج عليه الرجالة المعدون له وابتدروه كالصقور بالسيوف وحزوا رأسه. وركب من حينه عبد الملك وجعل رأسه على رمحه وطيف به البلد كله حتى انتهى إلى داره " دار اللذة " ورمى رأسه للعامة، فعاثت فيه، وكسروا أنيابه ونتفوا لحيته، فأصبح شأنه عجبًا. واحتوى عبد الملك على تلك الدار وحازها بما فيها، وعلى أصاغر غلمانه. واجتاز على السجن وأطلق من فيه. وسمع أبوه محمد بن جهور خبر الواقعة فخرج دهيشًا، ورآه مجدلًا فارتاع وتلهف، وانتهز ابنه وهو يحاول تطويف الرأس ولم يقف على أبيه. وأمر ابن جهور بستر جسده في دهليز الإصطبل. وتقدم بإصلاح أبواب المدينة، وركب إلى المسجد الجامع وقد دخل الناس في السلاح وجاشوا جيشًا عظيمًا، وأبدوا بقتل ابن السقاء سرورًا عظيمًا، وأعلنوا بالشمات به وإقداح القول فيه.
وقعد ابن جهور بالمسجد الجامع على كرسي المصحف، وبادر المجيء إليه لأول الهيشة الوزير الزمن، بقية وزراء الفتنة، أبو إسحاق
[ ٧ / ٢٤٤ ]
ابن حمام عدو ابن السقاء كأنما أنشط من عقال. وقتل ذلك اليوم من حاشيته نحو من عشرين رجلًا. واعتصم أخوه بمنار المسجد الجامع فنجا. وانطلقت أيدي الناس على [أتباعه] فنهبت دورهم. ثم أمر ابن جهور بسوق رأسه وضم إلى جسده، ووري في أخدود خد له بباب مسجد ابن السقاء في أطماره، وهيل عليه التراب هيلًا. وسلبت كسوة المسجد وثرياه، وعطلت فيه الصلاة، فصار ثويًا للثاوي.
فصل في ذكر الأديب الأستاذ أبي الحسن علي بن عبد الغني
الكفيف المعروف بالحصري واجتلاب جملةٍ
من نظمه ونثره
وأبو الحسن هذا ممن لحقته أيضًا بعمري، وأنشدني شعره غير واحد من أهل عصري. وكان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم
[ ٧ / ٢٤٥ ]
جماعة. طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه بالقيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق، معمور الطريق. فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق [٩٧] العطن، مشهور اللسن. يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء. ولكنه طوي على غره، واحتمل بين زمانته وبعد قطره. ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا - حسبما شرحت فيما تقدم من هذا المجموع وأوضحت - وأخوت تلك النجوم، وطمست من الشعر الرسوم، اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه. وله على ذلك سجع، يمج أكثره السمع، لم يسمح نقدي أن أكتبه، ولا رأيتني أن أرويه، وما أراه يسلك إلا سبيل المعري فيما انتحاه، وكان هو وإياه كما وصف العباس بن الأحنف:
[ ٧ / ٢٤٦ ]
هي الشمس مسكنها في السماء فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ولن تستطيع إليك النزولا أو كما قال ابن الرومي:
دعوا الأسد [تربض] في غابها ولا تدخلوا بين أنيابها وهيهات في قدرة العمى، أن يجمع بين الأرض والسما، ولا بتقارب الصفات، تقترن منازل الموصوفات:
أكل أبي ذؤيب من هذيل وكل أبي دواد من إياد - جملة ما أخرجته من نثر الحصري المكفوف
فصل له من رقعة: السلام عليك أيها القلب الثاني، والبعيد الداني، الراقي في سماء المعالي، الواقي من داء الليالي. أول من عددت، وأفضل من أعددت. ومن لا زال النسيم في البكر والعشيات، يهدي إليه طيب التحيات. ومن جعلت وقاءه، ولا عدمت لقاءه، فإذا كان الكريم سالمًا، كان الزمان مسالمًا.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
وله من أخرى: وصل كتابك أبهى من الحلي والحلل، وأشهى من القبول والقبل. وشي مرقوم، ودر منظوم، وأنفاس عراقية، ومياه دجلية لا زعاقية:
فلو أني استطعت من ارتياح لطرت ببعض أجنحة الرياح
وكنت أطير لولا قص ريشي وكيف يطير مقصوص الجناح كتاب كأخلا لولا سواده، الهدب حروفه والحدق مداده. فاستقبلت منه قبلة الحسن، وقبلته تقبيل الركن، وقلت لصحبي: اقرأوه علي. فلما نظروه عجبوا من خطه، وتعجبت أنا من لفظه وضبطه. فتنزهوا بالنواظر، ونزهوني بالسمع والخواطر، فكنت الأظفر، وكان حظي الأوفر، إذ بصرت بما لم يبصروا به، من فنون العلم وضروبه.
قوله: " فتنزهوا بالنواظر، وتنزهت بالسمع والخواطر " معنى متداول منقول، وكأنه محلول من قول الرضي حيث يقول:
فاتني أن أرى الديار بعيني فلعلي أرى الديار بسمعي وله فصل من أخرى: والعلم منهاج، وسراج وهاج، ما صدي من سقاه صوب صفائه، ولا عري من كساه ثوب عرائه. ولا حاف عن الحق لسان من يرويه، ولا خاف من الخلق جنان من يحويه. هو الجوهر
[ ٧ / ٢٤٨ ]
استخرجته أفكار الليالي من بحورها، فالتقطته أبكار المعالي لنحورها، وجميع العلوم كمال، والأدب منها جمال، هو لسان النبي العربي، صلى الله عليه: فقيه يلحن، حمار يطحن، وكاتب غير أديب، أشبه الحيوان بذيب، وشاعر غير معرب، أشبه من بان بمخرب، رب وزير يعجب الناس وهو صامت، فإذا نطق فكل حاسد به شامت.
وله من رقعة طويلة خاطب بها أب الحسين بن الطراوة، وجرت بينهما هنات، قال في أولها:
يموت من في البلاد طرًا من طيب كان أو خبيث
فمستريح ومستراح منه كذا جاء في الحديث ما حياتي بين الحيات، وثباتي في الجميع أو الثبات، وقد حانت وفاة الوفاء، وخانت صفات الصفاء، وأرداني الزمان بأدرانه، وأعياني بتقلب
[ ٧ / ٢٤٩ ]
أعيانه - الجاهل هو الحاظي، والعالم مبخوس الأحاظي، والغاوي مقبول الدعاوي. وما أبعد الخير من العير، والكيس من التيس، والفضل من الفسل! إذا كان الجاه للجاهل، والباس على الباسل، والمنافق هو النافق، وصوحت المراعي، وقل المساعد والمراعي، فيا دهر ما أسهاك، ويا موت ما أشهاك، المنية هي الأمنية. فالبر بائر، والحر حائر. بين أخون إخوان، وأجور جيران، إن وصلهم صرموه، أو سألهم حرموه. وإن أجاب بالصواب، قالوا أخطأ في الجواب [٩٨] .
ومما أضحكني ملء فيّ، وأطاشني وليس الطيش فيّ، هذا المتنحوي المتنخوي. سقط إلى دانية، وطمع في الأجادل، وإن كان أضعف من العنادل، فعاد ذمرا، وإن كان زمرا، وبعث رسوله لي بقول: كيف تكتف نقري - فقلت: إن كان الجنون داء فالكي يبري. ونظمت قصيدة سميتها سهم الشهم، وضمنتها مسائل لا تخفى على أولي الفهم. فما بلغته حتى دمغته، وألقاها كأنها حية لدغته.
وفي فصل منها: وأما زعمه أني لم أدر اسم سيبويه فمن مضحكات الدهر، أما كفاه خطأه في الآيات والأبيات حتى تعرض لعرضي غرورًا: ﴿إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون﴾ (الفرقان: ٤)، فقد جاءوا ظلمًا وزورًا. أنا الذي سبقت الشعراء، وفضحت في المحافل الوزراء. فلو لاذ بسور حلمي لحميته، ولو عاذ بنور علمي لهديته، أيها المموه بجهله، والمدعي العلم وليس من أهله، سكرت فصحوك لا يجديك.
[ ٧ / ٢٥٠ ]
اعترف بذنبك قبل صرعك على جنبك، فيدحض حجابك، وتطمس محاجك، إلام تلجأ فتاوي، إذا نفذت فيك الفتاوي -! وكأني بمن ضمك قد ضامك، وبمن لمك قد لامك، وبمن حلاك، قد خلاك! الحقائق واضحة، والمخارق فاضحة. تشبه بالحصي، أما يدري الفحل من الخصي -! مثل العالم والجاهل، مثل الناهق والصاهل:
وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل وزعم هذا الأهوج الأعوج أنه لم يعرف رسمي، ولا سمع باسمي، كأنما ولد بالأمس، أو بعث من الرمس، أو عمي عن الشمس، لو علم قدر نفسه لم يجهل العلم، ولو أراد السلامة لألقى السلم.
وفي فصل منها: يا مهموس، أنا الطاء وأنت الهواء، فلست من طباقي، كم بين همسك وإطباقي! لو زرت نقران ونجران، لألفيت ذكري قد علا، وشعري قد إلا. ما اغتابني في غيب، إلا ذو عيب وخيم، مع لؤم معلوم. ولولا بدؤك بالجه، لما كببتك على الوجه. وكنت فيما تظن نورًا فكسفك، ومستورًا فكشفتك، وما استوعبت خطأك ولا استقصيته
[ ٧ / ٢٥١ ]
ولو رمت عدده ما أحصيته، وهل شعرك إلا كنحوك -! وما أبرد الهواء من نحوك، ألست المنشد في الحاجب أبي حكم:
أبا حكم فت الملوك جلالة فكلهم فاس المخافة عالك لو زدت الياء في فاسك، لكان أشبه بأنفاسك -
وله من أخرى إلى الأديب غانم بمالقة: أبي صرف القضاء، وشبيه لسانك في المضاء، ونظير صدرك ويديك، في سعة المعروف والعلوم لديك، أن أكون من زوارك، فأقبس من أنوارك، وأقطف من أنوارك، يا لباب أولي الألباب، يا سلسبيل أبناء السبيل:
فارقتني وأنا والشوق إلفان فاسأل رسولك عني كيف ألفاني
قبلت كتبك من فرط الهوى قبلا أقلهن إذا عددت ألفان ولما شقتني بغررك الأثرة، ورقتني بدررك النثيرة، ذممت عبد الحميد، ومحمد بن العميد، وأنشدت:
لقد فات في نثره غانم بديع الزمان وقابوسه
وروى الظماء بماء النعيم فلا عيش إلا وقى بوسه
[ ٧ / ٢٥٢ ]
وكنت - أبقاك الله منهلا عذبا لأودائك، ومنصلا عضبا على أعدائك - صنعت قصيدا يحيي الطرب إذ كان [ميتا]، فيه تسعة وتسعون بيتا، وكنت كتبته، فلم أجده إذ طلبته، وفكرت الآن فيه، فلم أحفظ غير قوافيه، وهذين البيتين:
تحيتي وسلامي على الأديب البليغ
المرتدي بالمعالي والحلم قبل البلوغ وأنا رب القريض الجيد، لأني أقول في الأديب السيد:
من طين طوبى خلقت فذًا فأنت في ذا الورى غريب
بدلت النون فيك باء فالناس طين وأنت طيب وله من أخرى إلى أبي الفضل بن حسداي شاكيا بصهره ابن عياش اليهودي: سيدي الذي حتمت عليه المنح، فختمت به المدح، حفظ الله علاك سمائه، وأعاذك من العين بأسمائه. بحسن أوصافك، احكم بإنصافك [٩٩] أترضى لصهرك المشرف، بأخلاق البخيل المسرف - قصدت بالرهان للسلف، فعدت بالدهان والصلف، وسألت في الزمان، فأعطيت عطاء الزمان، وأنا شاعر الزمان، فأحط، فما رفع أو حط، ولا بد أن أنشده لأرشده:
[ ٧ / ٢٥٣ ]
أيها المشرف حاشا لأولي الرأي الخطاء
لا تقل ما بيدي ما ل ولا عندي عطاء
بيت أموالك بحر ما على البحر غطاء
أحمد غير علي حين يشتد الوصاء
هل هما في الهمس والإط باق إلا ها وطاء
وكذاك الخيل من هن سراع وبطاء وصديقك إن لم يأت، فابسط عذره بهذه الأبيات:
عرفان عرفك شاقني فلو استطعت لساقني
ما بال صهرك صدني وإلى سناك أتاقني
وأنا الرحيق سقيته فاسأله كيف أراقني
ولقد حلوت وليتني أمررت لما ذاقني
قد كنت رحب الصدر حت ى غاظني فأذاقني
هو عقني وبررتني هو عن لقائك عاقني
إني أخف على [الوزي ر] ولو ثقلت لطاقني
نفسي فداؤك يا أبا ال فضل الذي قد راقني
أحببته وأحبني فاشتقته واشتاقني
من سأل عنك أجبته ما فقته بل فاقني
[ ٧ / ٢٥٤ ]
ما أخرجته من شعره في أوصاف شتى
النسيب وما يتشبث به
أغيد ريان بماء النعيم ألبسني السقم بلحظ سقيم
قد خط بالمسك على خده ما الحسن إلا لأديمي أديم
يا عاذلا يحسبني مثله لا تحسب السالم مثل السليم وقال:
وهبت قواي للحدق الضعاف وإن كنت بسفك دمي تكافي
فكان الضعف قوتها علينا وهل ذا الطبع إلا في السلاف -
شغلنا عن مساعدة اللواحي بشاغلة الحجيج عن الطواف
خضبت الشيب أخدعها فقالت تشبهت الحمامة بالغداف
فقلت صدقت لم أنكرت مني وأنت عفيفة نبت العفاف
فقالت بيننا في الشيب خلف ويفتينا بمسألة الخلاف
ولما أينعت رمانتاها ونادى الوصل حي على القطاف
تأذت فيهما بفمي فقالت شمائل عاشق وفعال جاف
[ ٧ / ٢٥٥ ]
قوله: " تشبهت الحمامة بالغداف " كقول القائل:
يا أيها الرجل المسود شعره كيما يعد به من الشبان
أقصر فلو سودت كل حمامة بيضاء ما عدت من الغربان وما أملح قول أبي بكر الخالدي:
ما كان ينفع لدي شبابه فعلام يجهد نفسه بخضابه -! وقال الحصري:
من لي بظبي جناه معسول دمي بدمعي عليه مغسول
أقرأ في خده كتاب هوى أن دم العاشقين مطلول
حسام عينيك من فتورهما كأنه مغمد ومسلول
اغمد وسل ليس لي وزر أنا على الحالتين مقتول وقال:
ردي حشاشة عاشق مهجور بين الملوك عليك والمعذور
اللؤلؤ المنظوم في فمك انبرت عبراته كاللؤلؤ المنثور
[ ٧ / ٢٥٦ ]
ذكر الفراق فمات إلا شوقه وأولو الهوى موتى بغير قبور
ودعت من أهوى بل استودعتها قلبي وسر مدامعي وزفيري
فبكت بنرجستين خفت عليهما نفسي فلم ألثم بغير ضميري
قالت: أترحل والأحبة هاهنا قلت: القضاء كما علمت ضروري
قالت: متى الرجعى فقلت: إذا انتهى مقدور ربيّ، مقدر المقدور
وعسى مفرقنا سيجمع بيننا إن العسير عليه غير عسير
ولئن أبى من تعلمين فربما حدثت أمور لا نتقاض أمور
لا تجزعي من نكبة الدنيا وإن ساءت فرب مساءةٍ لسرور وله في غلام كان يسمى هارون:
يا غزالًا فتن النا س بعينيه فتونا
أنت هاروت ولكن صحفوا تاءك لونا وقال مما ذهب به مذهب أبي الفتح البستي صاحب الطريقة الأنيقة في تجنيس القوافي:
أصبحت مفتونًا بكم مدنفًا وإنما برئي لمى فاتني
يا أملح الناس وحق الهوى لو كان لي الحكم لما فاتني
[ ٧ / ٢٥٧ ]
وقال: [١٠]
رابه علتي ضنىً فأتاني عائدًا في يديه [لي] يا سمين
فتفاءلت أنه قد تهدى لهزالي فقال لي يا سمين وقال:
رب ظبيٍ هويته ينتمي للهوازنه
فلت ما أثقل الهوى قال ما للهوى زنه وقال:
إن كتمت الهوى فقد صار سري علانيه
لقامٍ أذابني وشحوبٍ علانيه وقال:
فكرت في خلق الورى فاستوى عندي عبيد وسلاطين
أصل الفريقين - ومن أجل ذا قلبي عن الهم سلا - طين وكان سأل بعض الملوك أن يكسوه ومطله ثم أعطاه قمحًا مسوسًا، فقال فيه:
يريد سياسةً من لا يسمى وطبع فيه يأبى أن يسوسا
سألت كسىً فمناني بقمحٍ وأعطاني مكان القمح سوسا
[ ٧ / ٢٥٨ ]
وقال أول جوازه إلى الأندلس:
في كل أرض موطن يعرف فيه جاهنا
وإنما ألجأنا إلى هنا إلهنا وقال:
يا من تكحل طرفها بالسحر لا بالإثمد
نفسي كما عذبتها وقتلتها بالإثم دي وأنشد يومًا بيت المعري:
ياقوت ياقوت روحي روحي براح براح وفيه ست كلماتٍ متجانساتٍ على قصر عروضه. وكلف تذييله فقال:
أوفاك أوفاك رقي رقي بطاح بطاح فقيل له لو ذيلته ببيتٍ فيه ياء النداء، كما في بيت أبي العلاء، فقال:
يا زور يا زور فيها فيها نواحي نواحي وقد قلت فيما تقدم من تلخيص التعريف بخبر الحصري إنه ابتع المعري في سلوك هذه المسالك، فضل عنها هنالك. على أنه لا يتفق لأحد لضيق هذا الباب، أكثر من الوزن والإعراب.
[ ٧ / ٢٥٩ ]
وله في المدح
قال:
ظمئت ومنهل المدامع منهلي ولا حوم لي إلا على ورد حومل
على سلسلٍ من ذي غروب وإن غدت مغاني الفوافي كالرداء المسلسل
فيا نعم وافاك النعيم فأنعمي ويا جمل والاك الجمال فأجملي
حلفت لربات الخدور بما جنى فم الصب من ورد الخدود المقبل
وما صام كمن خصرٍ لهن مخفف وأفطر من ردف لهن مثقل
وما وردت من أدمعي بموردٍ وما خلخلت من أضلعي بمخلخل
وما شافني من شق جيبٍ ومدمعٍ أسيل على خد أسيل بمأسل
لأنتن أشفى للسلبيم من الرقى وأطيب للظمآن من كل سلسل
وإن يك دهري ضمني ثم ضامني فإن عليًا خير مولى وموئل
همام إذا [ما] هم بالأمر فامتطى عزيمته ناءت برضوى ويذبل وقال من أخرى:
على العدوة القوصوى وإن عفت الدار سلام غريبٍ لا يؤوب فيزداد
وحق بكاء العين والقلب مسعد لمن بات مثلي لا حبيب ولا جار
[ ٧ / ٢٦٠ ]
أعادي على فضلي وأستصحب العدا ولي حسنات عندهم هي أوزار
مديحي هجاء وابتسامي تجهم وشكواي كفر واعترافي إنكار
ولم أر مثلي فاضلًا ينقصونه بلى قلما يخلو من القرض دينار
عزيز علينا أن نقيم بذلةٍ فليت حشايانا الوطيئة أكوار
شفى الله داء القيروانين بعدنا فقد مرضت للقيروانين أبصار
وكيف غناء الطير في غير أيكها وقد بعدت فراخ وأوكار -
وإني لأولى بالبكاء لأنها تطير إذا اشتاقت وما أنا طيار
ألا يا بروقًا لحن من نحو صبرةٍ وليس لها إلا دموعي أمطار
عسى فيك من ماء الحنيات شربة ولو مثل ما يوعي من الماء منقار ومنها يعتذر مما كان قرف به:
أصيب قصيد فيه كفر فنيط بي وكم شاعرٍ قيلت على فيه أشعار
ومن كل كف قد رميت بصخرةٍ وفي راحتي لو أمكن الرأي أحجار وله من أخرى في المعتمد:
أعن الإغريض أم البرد ضحك المتعجب من جلدي يقول فيها:
[ ٧ / ٢٦١ ]
يا هاروتي الطرف ترى نفثت [ألحاظك] في العقد
فطعنت الأسد بلا أسل عبثًا وقتلت بلا قود
رشأ يصطاد الأسد وكم رامته الأسد فلم تصد
واهًا لجديد منك وهي وشباب بان فلم يعد
رضت الأيام جوامحها وكففت اللد عن اللدد
وبلوت الناس فلست أرى كبني عبادٍ من أحد
القوم بحار مسجورا ت محفوفات بالزبد
لم يعدم واردها درر ال - آداب ولا درر الصفد [١٠١]
أبني عبادٍ ما حسنت إلا بكم الدنيا فقد
نقد الكرماء الدهر معي فتخيركم في المنتقد
وقضى لكم بالفضل على من في أداني أو في البعد
دانت بغداد لقرطبة وخلائفها للمعتمد
سمعوا برشاد فتى لخمٍ فنفوا هارون عن الرشد
قرأوا شعر اللخمي فلم يرض المعتز عن الولد
يا فرع المنذر والنعما ن بلغت النجم فطل وزد
طفئت أنوار أمية في قصر الخلفاء فقلت قد
نافست بقصرهم إرمًا فكأن أمية لم تشد
مر وافتح باقي أندلسٍ ما صببٍ أو في صعد
[ ٧ / ٢٦٢ ]
عبد الرحمن ولي خمسين وأنت تزيد على العدد
لو أن الأرض بلا جبل وعليها حلمك لم تمد
بشار أمك ممتدحا فأنس بغرائبه الشرد
يكبو عبود في خببي فالعير وراء المنجرد
ولعل بلادك لي وطن فأحط الرحل عن الأجد
وأقابل منك سنا قمر لو قابله الأعمى لهدي وله من أخرى: وهي من أعلى حججه، وأجلى سرجه، أنشدها أحمد بن سليمان بن هود المتقلب - كان - من الألقاب السلطانية بالمقتدر حين غلب علي بن مجاهد على دانية:
كذا تقتض أبكار البلاد ولا مهر سوى البيض الحداد
هديت العسكر الجرار ليلا فأهديت المظباة إلى الهوادي
ملأت به الفضاء فضاء ليل محت فيه الظبا شكل السواد
[ ٧ / ٢٦٣ ]
وما أقبلت إلا بعد ما قد سقيت الثغر من ثغر الأعادي
وكان مرام دانية عزيزا فهان على المسومة الجياد
فأثرت العوالي في المعالي وأثرت الصلادم في الصلاد
كأن سيوفك الأقدار تجري بما شاء الإله على العباد
ومثلك من جنى ثمر الأماني وآتى حقه يوم الحصاد
تشاغلت الملوك بمن دهاها وشغلك في جهاتك بالجهاد
بناك الله للإسلام حصنا وعلمك التجلد للجلاد
وتنهض والثقيل عليك خف وتنظر والخفي إليك باد
وكيف ينافسوك في المعالي وأنت سبقتهم سبق الجواد -
فتحت معاقلا لو أبصروها لقالوا أنت لقمان [بن] عاد
وفي سرقسطة لك دار ملك زريت بها على ذات العماد
ورأيك في الإدارة لو رآه معاوية لأغنى عن زياد
لقد أربت سيوفك يوم سلت على قس بن ساعدة الإيادي
[ ٧ / ٢٦٤ ]
ذكر الخبر عن دانية
وكيف تغلب عليها يومئذ المقتدر
قال ابن بسام: قد قدمت في أول القسم الثالث من هذا المجموع ذكر مجاهد العامري المنتزي - كان وقته - على دانية. وشرح الأسباب التي أنشأت سحابه، ورضت على دانية وهاده وهضابه.
وغلبت الروم في بعض أيام سلطانه على جزيرة سردانية، التي كانت من فتوحه قبل، ففلت شباته، ونهنهت شذاته. وأسرت ابنه عليا هذا، فنشأ علجا متجهما، وأعجما طمطما إلى أن افتكه أحد آل حماد أمراء بني مناد، فأسدى البيضاء فيه، وخلع على عطفيه برديه. فلما خفق علمه، وتمكن في مقام أبيه قدمه، ألقى السلم، وأغمد السيف وشام القلم: همته كانت في خراج يجبيه، لا في معقل يجتبيه، وهمه المتجر ينميه، لا المفخر يحميه. أصب خلق الله بلبوس ومطعم، وأصباه إلى دينار ودرهم. حتى ولاه البر حل عقده
[ ٧ / ٢٦٥ ]
ورماه البحر بأفلاذ كبده؛ ورزق عدة بنات أحسن من الشموس، وأفنن من الطواويس، فتبارى ملوك الطوائف بأفقنا في نكاحهن، وتنافسوا في غدوهن إليهم ورواحهن. واغتنم هو ذلك منهم وأذكاهن عليهم عيونًا، وبناهن بينه وبينهم دروبًا وحصونًا، معتقدًا أن الصهر رحم لا تجفى، وطريق إلى رعي الذمم لا تخفى. فقل ملك منهم إلا وقد علق له به حبل، واتصل بينه وبينه نسل. فسما إليه منهم ابن هود المذكور سنة سبع وستين يريه أن الناس مأكول وآكل، وأن القياس أكثره باطل. من رجل لا يستظل إلا أعلامه، ولا يرضى [١٠٢] إلا أحكامه، ولا يستشير إلا حسامه، فجر إليه الهضاب كتائب، وملأ عليه الشعاب مردًا أحاجب، وجردًا نجائب.
أخبرني غير واحد أنه لم يبق ملك من ملوك أفقنا سمع بمخرج ابن هود يومئذ إلا توقعه وتوقاه، وظن أنه لا يريد سوه. وإنما كان يريده، زعموا، على قلاع كانت تتصل ببلده، ليضمها إلى أمير طرطوشة، وقته، من ولده. فلم يرع ابن مجاهد إلا مجرى الجياد بحيث يرى ويسمع، ولا نبهه إلا مجر الصعاد، بحيث لا يعطي ولا يمنع. فاستطير فرقا، وقام وقعد تلددًا ونزقا. وحين علم المراد، وفهم الجلية أو كاد، أعطى فضل القياد، وكتب إلى عماله بإخلاء تلك البلاد.
فلما أخذ ابن هود في إيابه، وخلا ابن مجاهد بطوائفه وأحزابه
[ ٧ / ٢٦٦ ]
عنفوه بما فعل، وزينوا له الغدر به وقد رحل. وأتي ابن هود، وقد سار غير بعيد، بكتب طيرها ابن مجاهد إلى عمال تلك المعاقل، يأمرهم بالتحصن والاحتيال، ويحضهم على الجد في القتال. فكر المقتدر، ولم يرع أهل دانية إلا تصهال الخيل، وقد انصبت عليها انصباب السيل بالليل. واضطرب أبنيته بحيث يسمع الحوار، ويحمد الجوار، فاستولى الجزع، وضاق المتسع، وأخرج إليه لحينه ابنه الذي كان قد سماه معز الدولة، ورشحه لجر أذيالها، وعلمه ممايلة ظلالها، فجاء إلى ابن هود مدلا بقديم صهره، عاثرًا في إدبار أمره وانقطاع ذكره. من رجل فليل الطبع، ثقيل السمع، ضيق الذرع، قد غذي بالترف واللين، ونشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين، فطفق ابن هود يقرع له عصا الوعيد، ويرمي به مضلات البيد، وهو يقول: أي عم، تبلغ رضاك! ومتى اختلفنا عليك أو خالفناك - فقال له ابن هود فيما قال: والله لا أريم العرصة حتى يسهل مرامها، ويخلى في يدي زمامها - يعني تلك المعاقل - فقال له معز الدولة الجبان الجاهل، وظنه يريد دانية: أي عم! وأين تنقلنا، وإلى من تكلنا - ولم يفطن ابن هود لما قصد، وكان إلى جنبه وزيره ابن أحمد، فغمز يده وقال له: غرة فاهتبلها، وعثرة فلا تقلها، قد ألقى
[ ٧ / ٢٦٧ ]
الرجل بيده، وخلى بينك وبين بلده. فعمل ابن هود على ذلك، وأخذ في إحكام ما هنالك، فما متع النهار إلا وأشرقت إياتها، واهتزت في يمنى يديه قناتها. ورجع بابن مجاهد غنيمة باردة، وأمنية على الأيام شاردة. تعالى من لا يروعه الزمان، ولا يغير سلطانه الحدثان.
مقطوعات للحصري في أوصاف شتى
قال:
كم من خليل كان عندي شهدةً حتى بلوت المر من أخلاقه
كالملح يحسب سكرًا في لونه أو حجمه ويحول عند مذاقه وقال:
نصبت الفخ ثم قعدت عنه بعيدًا كي أرى فيه فلاحا
إذا قردي مقيم عند رأسي يقول لمقبلات الطير حاحا واجتاز على قوم فسمعهم يقدحون فيه وفي ابن خلصة فقصده
[ ٧ / ٢٦٨ ]
وأنشده:
يا أديبًا ملكتني في يديه المكرمات ليت قومًا دأبهم في (م) وفيك المكر ماتوا وقال:
خضبت يديها لون فاحمها فما نقص البياض ملاحةً بل زادا
ما بال شيبي تنكرين خضابه وأراك صابغة البياض سوادا
قالت نجعيك في يدي وإنما بدلته أسفًا عليك حدادا ومن أحسن ما قيل في التطارف السود قول ابن المعتز:
وكف كأن الشمس مدت بنانها إلى الليل تجلوه فقبلها الليل وله أيضًا في التطاريف الحمر:
أشارت بأطراف رطاب كأنها أنابيب در قمعت بعقيق
[ ٧ / ٢٦٩ ]
ما أخرجته من مراثيه مع ما يتشبث بها
قال يرثي أباه وقد ودع قبره وقت جوازه إلى الأندلس:
أبي نير الأيام بعدك أظلما وبنيان مجدي يوم مت تهدما
وجسمي الذي أبلاه فقدك إن أكن رحلت به فالقلب عندك خيما
وقى الله عيني من تعمد وقفةً بقبرك فاستسقى له وترحما
وقال سلام، والثواب جزاء من ألم على قبر الغريب فسلما وأخذ من ترابه فقال: [١٠٣]
رحلت وهاهنا مثوى الحبيب فمن يبكيك يا قبر الغريب -
سأحمل من ترابك في رحالي لكي أغنى به عن كل طيب وقال من مرثية له في المقتدر بن هود:
نعد حصونًا كل درع ومغفر وتعدو المنايا في عرين الغضنفر
وإحدى بنات الدهر تنسف أحده وتهدم بالتدمير بنيان تدمر
نبا ناب عاد وهو كالليث عاديا وماتت منى كسرى الملوك وقيصر
[ ٧ / ٢٧٠ ]
وما درأت عن تبعٍ تبعٌ له صروف الردى الجاري على كل قسور
أصم وأصمى ثغرة الثغر حادث تحدثنا عنه الثقات فنمتري
هو البحر في ذا الخطب أعطاك دره فقل للسان انظم وللدمع فانتشر
أجدك بز الدهر شهب بزاته وعز معز الدولة ابن المظفر
أعز من اقتاد الخميس إلى الوغى وأكرم من يدعى له فوق منبر
تلثم حياءً يا زمان من العلا مضيت بمعروف وجئت بمنكر
مضيت فما للأرض بعدك لم تمد وما لسماء المجد لم تتفطر -
بعثت بها مشقوقة الجيب ثاكلا وإن فتقت ريح العزاء بعنبر وله من أخرى:
فاجأتنا والمنون منتظره من جامع الطيبات محتضره
أصم سمعي حديث حادثة فل السيوف الذكور من ذكره
متوج من جذام مات له ثلاثة فليعش له عشره
ثلاثة لا خلاف أنهم خير من الفرقدين والزهره
ما نفع المشتري ولا زحلًا ضوء بل الله منفذ قدره
[ ٧ / ٢٧١ ]
ومنها، وهو من طريف الاستطراد للاستجداء، وطلب الحباء، وكان الحصري مشحوذ المدية، في أبواب الكدية:
بيض كل ولا بياض معي إلا بياض المشيب والبشره
فغبت عن مجلس العزاء على زعمي وإن كان مقولي حضره
يا أهل هود إذا الورى حسبوا من صدف البحر كنتم درره
يا كرماء الزمان لست أرى حجوله غيركم ولا غرره ومن قبيح استجداء الحصري ما فعله بالمعتمد بن عباد، تصدى له في طريقه بالعدوة على حاله من اعتقاله، ولم يقله باكيًا على خلعه من ملكه، ولا تأدب معه في وصف ما انتثر من سلكه، بل بأشعار قديمة له، صدرها في الرباب وفرتني، وعجزها في طلب اللهى. وعلى تلك الحال، وما يناجي بال المعتمد من البلبال، قاسمه فيما كان بيده مما كان به زود، حسبما وصفت له في أخباره من هذا المجموع.
وله من أخرى في المقتدر بن هود:
نفرط في العمر الذاهب ونغتر بالأمل الكاذب
[ ٧ / ٢٧٢ ]
يقول فيها:
تنزه عن تبعات الملوك فخف على الملك الكاتب
فقدنا الربيع أبا جعفر فلا در خلف على حالب
لبست البياض ولولا الخلاف لسودت ثوبي كالراهب ومنها:
نقدت القريض على ربه وفصل الخطاب على الخاطب
بديعك أزرى بعبد الحميد وبابن العميد وبالصاحب
ففضلك من لي بإحصائه وفي بعضه علة الحاسب وله في موت المعتضد وولاية المعتمد:
مات عباد ولكن بقي الفرع الكريم
فكأن الميت حي غير أن الضاد ميم ومات للحصري ابن بلغ من جزعه عليه النهاية، وتجاوز في ذلك الغاية، وصنع فيه مراثي على حروف المعجم، منها:
[ ٧ / ٢٧٣ ]
عرضت له تفاحةً نفاحة بعض الإماء فرد بالإيماء
ولو استطاع القول قال مشافهًا تفاح جنات الخلود شفائي
فز مطمئن القلب لا مستوفزًا طلقت دار مشقة وشقاء
عبد الغني لك المسرة غائبًا ولي المساءة مصبحي ومسائي
لما غدوا بك جائزين كأنما يمشون في ظلم لدفن ضياء وقال فيه:
لست أنسى مقامه ومقامي وكلانا مثل القضيب قضيبا
أنفه ينثر العقيق وعيني تنثر الدمع بالعقيق مشوبا وقال فيه:
ذوى ريحاني الأرج وضاق بخلي الفرج
ذبيح طل منه دم ولم يقطع له ودج
رأيت دماءه ودما ء عيني كيف تمتزج
ترفق يا سقام به أبعد المستوى عوج -
صدعت بما أمرت وما عليك مع القضا حرج
فأين غرار مقوله وأين حجاه والحجج -
[ ٧ / ٢٧٤ ]
شأي ابن الأربعين وما ان تهت عشراص به الحجج
عروق الناس كلهم إلى عرق الثرى تشج
بنو الدنيا كأنهم لقلة همهم همج
وهل هي غير دار أذى إذا دخلوا بها خرجوا
تأمل كيف تأكلهم وهم ولد لها نتج وقال له:
على تعمير نوح مات نوح فنائحة لأمر ما تنوح
وكيف الصبر أم كيف التعزي ومن عرنينه ولدي ذبيح وقال فيه:
أنا فرد بلا خلي ل ولا ابن ولا أخ
أنا كالأورق اشتكى بعد وكر وأفرخ
أنا كالزرع والعدا كالجرد المسخخ
[ ٧ / ٢٧٥ ]
قرة العين دونه برزخ أي برزخ
صاحب الصور آنفًا حضر الموت فانفخ
علني منه أشتفي بالنسيم المضمخ
كل عمر مؤقت في كتابٍ مؤرخ وقال:
تناثرت من مدامعي درر أثرى بها، وافتقرت، من لقطا
إن ديارًا حللتها لفلًا وإن سربًا بكى معي لقطا وقال فيه:
بنفسي نجم أظلم الأفق إذ هوى وكاد يعزيني به القمران
أحين شأى من فضله كل سابق وغنى شآم باسمه ويمان
وهز قناة القصد للطعن في العدا وراش جماح العز للطيران
رمته فأضمته السهام وإنه لفي زرد من دعوتي وكنان وفيه يقول:
[ ٧ / ٢٧٦ ]
عبد الغنى بنيي كلاه بالحفظ ربه
يقول قلبي كله واشربه مما أحبه وله من قصيدة يندب وطنه بالقيروان، ويتذكر من كان هنالك من الإخوان:
موت الكرام حياة في مواطنهم فإن [هم] اغتربوا ماتوا وما ماتوا
يا أهل ودي لا والله ما انتكثت عندي عهود ولا ضاقت مودات
لئن بعدتم وحال البحر دونكم لبين أرواحنا في النوم زورات
ما نمت إلا لكي ألقى خيالكم وأين من نازح الأوطان نومات -
إذا اعتللنا تعللنا بذكركم لو أحسنت برء علات تعلات
ماذا على الريح لو أهدت تحيتها إليكم مثل ما تهدى التحيات -
أصبحت في غربتي لولا مكاتمتي بكتني الأرض فيها والسموات
كأنني لم أذق بالقيروان جنىً ولم أقل ها لأحبابي ولا هاتوا
ولم تشقني الخدود الحمر في يقق ولا العيون المراض البابليات
أبعد أيامنا البيض التي سلفت تروقني غدوات أو عشيات -
أمر بالبحر مرتاحًا إلى بلد تموت نفسي وفيها منه حاجات
وأسأل السفن عن أخباره طمعًا وأنثني وبقلبي منه لوعات
هل من رسالة حب أستعين بها على سقامى فقد تشفي الرسالات -
ألا سقى الله أرض القيروان حيًا كأنه عبراتي المستهلات
فإنها لدة الجنات تربتها مسكية وحصاها جوهريات
إلا تكن في رباها روضة أنف فإنما أوجه الأحباب روضات
[ ٧ / ٢٧٧ ]
أو لا يكن نهر عذب يسيل بها فإن أنهارها أيد كريمت
أرض أريضة أقطار مباركة لله فيها براهين وآيات
لا يشمتن بها الأعداء إن رزئت إن الكسوف له في الشمس أوقات
ولم يزل قابض الدنيا وباسطها فيما يشاء له محو وإثبات
هل مطمع أن ترد القيروان لنا وصبرة والمعلى فالحنيات -
ما إن سجا الليل إلا زادني شجنا فأتبعت زفراتي فيه أنات
ولا تنفست أنفاس الرياض ضحى إلا بدت حسراتي المستكنات
هذا ولم تشج قلبي للرباب ربى ولا تقضته من لبنى لبانات
وكم دعيت لبستان فجدد لي وجدًا وإن كان في معناه سلوات
ولو تراني إذا غنت بلابله أشكو البلابل لو تغني الشكيات
أني لأظمأ والأنهار جارية حولي وأضحى ودون الشمس دوحات
وما أرى الموت إلا باسطًا يده من قبل أن ينمكن المأسور إفلات ومن في المدح:
بلغ أحبتنا الباكين من جهتي أني حمتني أسود حميريات
من الضراغم إلا أن غابهم بيض حداد وحمر سمهريات
فمن يكن فيه بين اثنين مختلف فذا الذي اتفقت فيه البريات
[ ٧ / ٢٧٨ ]
ومن شعره مما خاطب به الفقيه القاضي أبا المطرف الشعبي بمالقة
من جملة قصيدة:
سريت وخليت السري مصاحبي فهذا الهوى يصبي وهذا الهوى ينضي
فثوبك مني سل يا أسد الشرى وطرفك عني يا مهاة النقا غضي [١٠٥]
تفكرت في الدنيا وفي غربتي بها فضاقت علي الأرض في الطول والعرض
لقد شعب الشعبي قلبًا صدعته كما تصدع المظلومة الخيل بالركض
نهوض لإمرٍ آمرته خوارج نهوض بأعباء العلا أيما نهض
جلا عدله إظلام كل ظلامةٍ وحاط قناة الدين حفظًا من الخفض
[ ٧ / ٢٧٩ ]
كففت أكف الظلم عن كل مسلم عرضن لمال منه أو دم أو عرض
تنم بريا جنة الخلد رية لئن قطف الأزهار من روضك الغض
كأنك منها مالك وهي طيبة فما جمع أهل العلم عنك بمنفض
وإن أنشدت في دار حكمك مدحتي لقد جليت بكرًا على خير مقتض
لثمت حصى مغناك لما وطئته وقلت اللآلي كيف تظلم بالرض
غدا عيسنا بالبيد شد وحداتنا بذكرك فاستغنت عن الماء والحمض وقدم من الشرق فأنزله في داره وأكرمه، فقال فيه من جملة قصيدة:
أمولى شرفت به أم صديق يواصلني حين يجفو الشقيق
تملكني ومنىً ملكه فحسب معاليه أنا رقيق
سقاني وأخلاقه جنة فمنها الرياض ومنها الرحيق
حلت وأحلت كريق الحبيب فطاب الصبوح بها والغبوق
وزاد على الزاد ما قاتني زمانًا وإن طال ذاك الطريق وخرج تميم عن مالقة معزولًا فقال:
[ ٧ / ٢٨٠ ]
أهواكم جد مازحه والحمى لم يدن نازحه -
مارست مني العدا رجلا أسمع الصماء صائحه
إن زجرت الطير في سفري عن يميني مر سانحه
عجبت أسماء من جلدي يوم أصمى القلب جارحه ومنها:
لا يضق من صدره حرج شيخنا الشعبي شارحه
إنما أخلاقه زهر عطر الآفاق فائحه
إنما أقلامه أسل هابها في الجو رامحه
قبل الشعبي حين دعا فكبا بالليث سابحه بتميم حين حان به الحين وانقادت جوامحه
ضعفت منه التقوى فغدت من قوارير قوارحه
وانجلت عن حسن مالقة بفقيهيها قبائحه
وصفا البحران من كدر فارتوى بالماء مائحه
ذكره غنى الزمان به وأنا فيه أطارحه
[ ٧ / ٢٨١ ]
وله من أخرى [يمدحه و] يمدح القاضي أبا مروان بن حسون:
سهل الأباطح من علاك يفاع والنجم أنت وكفك المرباع
بل أنت شمس لا تزال ولم [يزل] في سائر الآفاق [منك] شعاع
من يختلف كل الورى في حبه فأبو المطرف حبه إجماع
شهدت عقول العالمين بفضله فسواء الأعداء والأشياع
مصباح مالفة أراد خموده قوم ليرتفعوا وهم أوضاع
فالعام لم يكمل لعزلته بها حتى علت يده طال الباع
انظر إليه [اليوم] كيف أصابه صرف الزمان وليس عنه دفاع
لولا إساءته إليك وظلمه لغدا وأنت له يد وذراع
بين ابن حسون وشعبي الهدى من ثدي خصالة الإخاء رضاع
[ ٧ / ٢٨٢ ]
ياما أجلهما وأشبه ذا بذا حسنت وجوه منهما وطباع
ما أحسن الدنيا بحسنهما الذي تلتذه الأبصار والأسماع
خلقا لنصر الدين والكرم الذي تخضر منه بسيطة وتلاع
كمهندين مجردين بريةٍ تنبو الظبا وكلاهما قطاع وله فيهما من أخرى أولها:
برية [ريا] روضة ورياض بها علما علم وأعدل قاض
معاليهما فوق النجوم منيفة ورأيهما في المشرفية ماض
سئمت حياتي والمقام بطنجة كأن بلاد الله غير عراض
سيورق عودي إن سكنت بريةٍ ويسود من فودي كل بياض
لدى قمريها إن في غرتيهما هداية عميان وبرء مراض
أرية مرعاي المريع وأينقي وأنت ابنة في عصمة ابن عياض وقال:
يا عجبا للسيوف استوى كليلها اليوم وماضيها
وقد رأيت العدل في بلدة فقيهها الشعبي قاضيها
أحكامه بالحق مرضية والله بعد الخلق راضيها
لو شوورت فيه ينو هاشم لقدمته عن تراضيها
كم حجة أوضح، كم حاجة قضى لنا قبل تقاضيها
[ ٧ / ٢٨٣ ]
ذكر الأديب أبي الحسن عبد الكريم بن فضال القيرواني
واشتهرت معرفته بالحلواني
وسياقة جملة من شعره
وله كلام في النسيب رائق، ومتأخر سابق، ومديحه أيضًا عليه طلاوة، وبالجملة ففي ألفاظ الحلواني حلاوة. ومن خطه نقلت، جملة ما هاهنا له أخرجت.
النسيب وما يناسبه
قال:
ولما تنادوا للرحيل وقربت كرام المطايا والركاب تسير
[ ٧ / ٢٨٤ ]
جعلت على قلبي يدى مبادرًا فقالوا محب للعناق يشير
فقلت ومن لي بالعناق وإنما تداركت قلبي حين كاد يطير وقال الحلواني:
قالوا التحى فامحت بالشعر بهجته فقلت لولا الدجى لم يحسن القمر
من كان منتظرًا للصبر عنه به فإنني لغرامي كنت أنتظر
خطت يد الحسن منه فوق وجنته هذي محاسن يا أهل الهوى أخر ومعنى هذا البيت يتطرف قول ابن شرف:
سبحان من أعطاك حسنًا ثانيًا وبثالث من حسن فعلك عززا وقال الحلواني:
لي حبيب إذا شكوت إليه في الهوى سامني عذابًا شديدا
لست أدعو عليه بالشعر [غيظًا] خيفة أن يكون حسنًا جديدا
غير أني أدعو بقلب قريحٍ أن أراه مثلي محبًا عميدا كأنه عكس قول البحتري:
أ " يذك أن تمني بشكوى صبابة وإن أكسبتنا منك عطفًا على الصب
ويحزنني أن تعرفي الحب بالجوى وإن نفعتنا فيك معرفة الحب
[ ٧ / ٢٨٥ ]
وقال:
رب خياط فتنت به فتنة أفنت قوى جلدي
لاعب بالخيط يفتله أتراه ظنه جسدي
ليت أني كنته فأرى بين ذاك الورد والبرد
فعلت بالثوب إبرته فعل سهم الشوق في خلدي
وجرى المقراض في يده جري عينيه على كبدي وذكرت بذكره الخياط قول أبي محمد عبد الله بن القابلة السبتي في غلام وسيم يرفو في السوق ثوبًا:
يا رافيًا قطع كل ثوبٍ ويا رشًا حنبه اعتقادي
عسى بكف الوصال ترفو ما قطع [الهجر] من فؤادي وهذا من اللفظ الطيار الخفيف الروح. ومن الكلام الفج الثقيل، قول عبد الجليل:
بسوق الخياطة مستمرد تود لمن ناكه ألف خير
وأشهد أن الفتى صانع لطوق عجان على عنق أير وما أحلى لفظ الحلواني هذا في غلام وسيم أراد النهوض إلى الحج:
[ ٧ / ٢٨٦ ]
يا طالب الحج وهو ذو صغر عجلت فاستأنه إلى الكبر
إن كنت تبغي مثوبةٍ فعسى تحمل لي قبلةً إلى الحجر
وإن رميت الجمار فارم به كل فؤاد عليك لم يطر
فقال دعني وزمزمًا فعسى أغسل من مقلتي دم البشر وعلى ذكر قوله " تحمل لي قبلة إلى الحجر "، قال الحسن لغلام رآه بالمكتب، فأشار لتقبيل يده، فقبله:
ظفرت بقبلة منه على عيني معلمه
أشرت بها إلى يده فوصلها إلى فمه وقال الحلواني:
تعرضت من شفني هجره ببدء سلام عليه شفاها
وقلت عساه يرد السلام فتبلغ نفسي منه مناها
فجاد علي بتقبيلةٍ وقد كان أعرض عني وتاها
فكنت كموسى أتى للضياء ليقبس نارًا فناجى الإلها وقال:
يا صاح خذها نصيحةٍ لبكه بالود إن كنت فاتك الفتكه
اسفك دم المرد إن وجدتهم فليس يلقى العذاب من سفكه
واترك هواهم إذا هم تركوا قد يترك الحب حب من تركه
[ ٧ / ٢٨٧ ]
وقل لمن خان في محبته لي همة عن هواك ممتسكه
كان بفرط الغرام يملكني فأصبح الدهر عازلًا ملكه
وكان ستر عليه من ملح لولا نبات بخده هتكه
والله لا صادني له شرك فمذ بدا الشعر قطع الشركه
أفلت من بعد نتفه ذنبي ولست طيرًا يعود للشركه وذكره نتف ذنبه من اللفظ الرث، والمستهجن الغث.
وكان أبو محمد المهدوي المعروف بابن الطلاء أحد الشعراء [١٠٧] الطارئين على الأندلس كثيرًا ما يأتي بالاستعارة التي تضحك كقوله:
لحي جراياتي منتوفة ومر دهر وهي لم تنتف وقد ألمعت بلمع من هذا الباب، في أخبار ابن شماخ من هذا الكتاب.
وقال الحلواني:
قد حل في سوقك الكساد مذ لاح في خدك السواد
كأنما الشعر فيه زرع والنتف منه له حصاد وقال:
صد فما يصغي لشاك إليه وراح والألباب في راحتيه
[ ٧ / ٢٨٨ ]
مفوق السهم إذا ما رمى رمى ولا قوس سوى حاجبيه
يود سيف الهند لو أنه تعلم الفتكة من ناظريه
ذو وفرة زاد بها هيبةٍ وقد يهاب الليث في لبدتيه
عندي له من خدعى رقيه لو أنها مرت على مسمعيه
لا يدعي السقم بألحاظه فمهجتي أسقم من مقلتيه
انظر لحاليه فقد أقسما أن ليس ينجو أحد من يديه
انظر لخاليه فقد أقسما بسيف عينيه على وجنتيه
ريحانة تمنع من شمها وغيرها تنفض في مدرعيه
تاه بوجه كاد من رقة يقطر ماء الحسن من صفحتيه
رقيبه من فرط ظن به لشخصه ألزم من حافظيه وقال:
يا حامل السكين في وسطه ليس بهذا تعرف العين
هل يحمل السكين من لحظه في مهج العشاق سكين -! وقال:
رضاب ثغرك يضنيني ويشفيني وسحر عينيك يغويني ويغريني
[ ٧ / ٢٨٩ ]
وفي ثنيك معنى لا يقوم به ما في الغصون من الإرهاف واللين وهذا كقول أبي الفرج الوأواء:
من أين للبدر حسن صورته وقده للقضيب من أين - وما أحسن قول بعض أهل عصرنا:
ما قدر نعمان إذا ما مشى وما عسى تبلغه عالج - وفي هذه القصيدة يقول الحلواني:
إذا وصفتك باللحظ الفتور فمن قد القلوب بأطراف السكاكين -
وإن نعتك بالغصن الرطيب فما في الغصن ما فيك من كل الأفانين
جسم من الماء لكن قلبه حجر أستغفر الله لم يخلق من الطين
وما سمعنا بغصن مثمرٍ قمرًا تجمعت فيه أشتات الرياحين
الورد والآس والنسرين مجتمعًا فيه وفيه بنيات الزراجين
لم يرض عني فؤادي من ضنانته حتى مسحت به في كف ضنين
في حب من لو رآني مت من عطش والنيل في يديه ما كان يسقيني
طمعت فيه وغرتني لواحظه إن المطامع أسباب الشياطين
قل لابن عشر وخمسيها من أين جرت سهام عينيك في قلب ابن سبعين -
ما حجتي عند من في الحب يعذلني وآيتي في نبوات المجانين
[ ٧ / ٢٩٠ ]
إن كنت في الحب سلطانًا على كبدي فخف عقوبة سلطان السلاطين
أو كان عندك للمسكين مرحمة فإن عبدك مسكين المساكين وأراه عارض بهذه قصيدة ابن رشيق، فضل عن الطريق. هذا وقد قلت إن له في النسيب، أوفر نصيب. فأما إذا وصف أو مدح، فقلما رأيته في ذلك نجح ولا أفلح.
ما أخرجته من قصائده المطولة في المديح
وما يتشبث به من الأوصاف
قال يمدح الشيخ صاحب الخمس أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني الشامي بصقلية من قصيدة يقول فيها:
شدوا الحدوج وزورها على قمر في الحسن تنجاب عن أنواره الظلم
دران من فمه شفا محدثه للنثر والنظم مسموع وملتثم
فليت شعري لمن أنهي ظلامته وغير منتصف من خصمه الحكم
قد قلت لو قبل الوعظ المبين له خف المهيمن فينا إننا نسم
فقال من ضرجت خدي نظرته فإن سيف جفوني منه ينتقم ومنها:
[ ٧ / ٢٩١ ]
لله منزلة بالقيروان محا أيامها البين لا الأيام والقدم
شققت جيب شبابي بعد فرقتها حزنًا عليها ولا شيب ولا هرم
إن فرق الدهر عنها شملنا فلنا بصاحب الخمس إبراهيم معتصم وله من أخرى:
ليت شعري وليت حرف تمن ربما علل الفؤاد السقيما
كيف يا قيروان حالك لما نثر البين سلكك المنظوما
كنت أم البلاد شرقًا وغربًا فمحا الدهر وشيك المرقوما
نحن أبناؤها ولكن غنينا بعد أن لم نطق بها أن نقيما
دمن كانت البروج وكنا أقمرًا في قبابها ونجوما ومنها:
وأنا قد أخذت إن عبث الده - ر ذمامًا من عند إبراهيما وقال من أخرى:
نطقت بسر ضميره عبراته وبدت بنار فؤاده زفراته
بأبي وأمي بدر تم تحته غصن كثرن لشقوتي ثمراته
يمشي فيعثر في ذيول شبابه مشي النزيف وخمرة رشفاته
[ ٧ / ٢٩٢ ]
ولرب باكية رأت في لمتي بعض المشيب تألقت ضحكاته
[قالت]: أإصنك قد علاه كما أرى زهر الرياض وما بدت ورقاته
فأجبتها: قارعت في جنب الهوى صرف الزمان وهذه نكباته ومن المديح:
شيخ القبيلة في الجزيرة والذي سبقت ظنون الحاسدين أناته
ما تفعل الأيام غير مراده فكأنما حركاتها أدواته
هذا الثناء عليك يعبق طيبه يا ابن الكرام وحاسدوك رواته قوله في الشيب " صرف الزمان وهذه نكباته " كقول ابن المعتز:
قالت كبرت وشبت قلت لها هذا غبار وقائع الدهر وقال أحمد بن أبي طاهر:
قالت غبار قد علا ك فقلت بل غير الغبار
هذا الذي نقل الملوك إلى القبور من الديار وقال ابن لنكك، في مثل هذا المسلك:
[ ٧ / ٢٩٣ ]
وتعجبت للشيب، لا تتعجبي هذا غبار وقائع الأيام وقوله " حاسدوك رواته " كقول البحتري:
ليسايرنك ركب شعر سائر يرويه فيك لحسنه الأعداء وأخذه من قول حبيب:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغرًا عدوك فاعلم أنني غير حامد وقال الحلواني من أخرى:
وإذا أردت ترى فضيلة صاحبٍ فانظر لبعين البحث من ندمانه
فالمرء مطوي على علاته طي الكتاب وصحبه عنوانه
وكذا دليل الجود في ابن محمد باد بصفح جبينه برهانه
وترى الليل فاعلات أمره حتى كأن صروفها أعوانه ومعنى البيت الأول من هذه كقول الآخر:
واعتبر الصاحب بالصاحب وقول الآخر:
[ ٧ / ٢٩٤ ]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن مقتد ومعنى البيت الأخير لفظ أبي الطيب:
وأراك دهرك ما تحاول في العدا [حتى] كأن صروفه أنصار وقال:
هل بعد [سن] الأربعين تصابي ذهب الشباب ولات حين شباب
هل ينفعنك بعد شيبك في الهوى توفير مكتسب وحسن ثياب -
هيهات ما فخر المهند في الوغى بحلي غمد فوقه وقراب وهذا كقول المعري:
وإن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا غمده والحمائل وقال:
أنت الذي قسم الزمان لنفسه قسمين بين رياسة ومناب
أعطى لمرتبة العلاء نهاره منها وجنح الليل للمحراب
قامت على أس الفخار عمادها وتزينت بتأدب الحجاب
سهلت مداخلها لطالب حاجةٍ فكأنما بنيت بلا أبواب
[ ٧ / ٢٩٥ ]
ووجدت بخطه، وقد مدح هذا الشيخ الكناني رجل من الأندلس بشعر اتهمه فيه وجرى في مجلسه بصقلية:
يا شاعر العصر قد كلفتني شططا فاصرف عنانك عنا، أو تأن خطا
حملتني ذنب غيري ظالمًا وأنا قد كنت أقسط في إنصاف من قسطا
وما حسدتك في شعر أتيت به ومن يحاول لمسًا للسهى سقطا
يا فارس الشعر إن كلت فوارسه يومًا وسابقها إن أعلمت مرطا
إن ابن دراجكم لو قام من جدث وصحت يومًا به من خلفه ضرطا
وليس يحسد طبعي أبجنيسكم فكيف أنت، لقد جشمتني شططا
فخذ " قفا نبك " وانسبها لنفسك ما في الخلق من كاشف بالبحث عنك غطا
ولا تظنن أن الشعر مكرمة فالحر إن رام أن يعلو به هبطا قلت أنا - صاحب الكتاب: - نشدتك بالله يا أبا الحسن إلا ما رفقت بأسيرتك! فإنهما شيخا العشيرة، ولسانا الجزيرة؛ فإن كان ولابد فالرمادي، فإنه كان أقل طيشًا، وأودع عيشًا. وأما ابن دراج فمنخوب القلب، مشترك اللب، يكفيك منه هول الإتهام والإنجاد، وبيع الشعر في سوق الكساد.
وقال من أخرى:
[ ٧ / ٢٩٦ ]
طرقتهم ببيض الهند ليلًا فعاد الليل عندهم نهارا
أطرت فؤادها في الجو ذعرًا لبرق في يديك قد استطارا
بنيت الأرض فوقهم سماءً وقد أجريت من علق بحارا
فليس تراك ألحاظ الدراري وأنت حشوت أعينها غبارا ومعنى هذا البيت والذي قبله كقول التهامي:
فدحوا فويق الأرض أرضًا من دم ثم ابتنوا [دون] السماء سماءا وقال من أخرى في الوزير أبي بكر بن عبد العزيز ببلنسية:
أغالب فيك الشك أني حالم ومن لم يذق طعم الكرى كيف يحلم ومن المدح:
وقمت بها بين السماطين منشدًا كما يتغنى الشارب المترنم
بمدح امرئ كل امرئ من عفاته يخير فيما عنده ويحكم
كأن الذي سواه قال لكفه عليك لهذا الخلق رزق مقسم
لقد علم المأمون أنك صارم بيمناه لا ينبو ولا يتثلم
يقولون لي إن الملوك كثيرة ورأيك أمضى في البلاد وأحزم
فقلت لهم ما كل بيضاء شحمة ولا كل مصقول الصفيحة مخذم
[ ٧ / ٢٩٧ ]
وله من أخرى يستعطفه لأمر وقع، ولكلام عليه رفع:
أتسمع في مقال الوشاة وإن جئت بالعذر لا تسمع -
تقشع غيم بكفتي منك وصوح في ساحتي ممرع
فلولا اعتلاقي بحبل الرجاء لما حملت قلبي الأضلع
فإن كان قد مات حظي لديك وحاشاك بل أنت لي أرفع
فدعني أبيض بشيبي عليك فلبس المشيب له أفجع وقد كرر الحلواني هذا المعنى في شعر قد تقدم إنشاده.
وقال من أخرى:
نجم تولد من شمس ومن قمر وأين من أبويه الشمس والقمر -
شمس العفاف وبدر المجد بينهما تولد النور إلا أنه بشر وهذا كقول ابن عمار يهنئ المعتمد وقد ولد له مولودان:
أهنأ بنجليك من أنثى ومن ذكر لا تعدم الضوء بين الشمس والقمر وهو من قول ابن الرومي:
شمس وبدر ولدا كوكبا أقسمت بالله لقد أنجبا وقد تقدم إنشاده.
[ ٧ / ٢٩٨ ]
ومن قصيدة الحلواني:
لا أقتضيك مواعيدًا بدأت بها كما تنفس من أكمامها الزهر
ولا ألومك في تأخير عاجلها من بعد علمي بما يجري به القدر
أما ترى الله وهو الله موعده مؤخر بنعيم الخلد منتظر - وقال:
وما كنت أدري قبل لؤلؤ ثغره بأن اللآلي من نبات المباسم ومنها:
منادية أنسابه حميرية متوجة بالمجد قبل العمائم
فما انبسطت إلا لجود أكفهم ولا انقبضت إلا لضبط القوائم
يجرون أطراف الرماح إلى الوغى كما جرت العقبان سود الأراقم ومعنى البيت منها كقول الآخر:
وما خلقت كفاك إلا لأربع عقائل لم تخلق لهن يدان
لتقليب هندي وإطاء نائل وتقبيل أفواه وقبض عنان وقال الحلواني:
يا نفس ويحك في التغرب ذلة فتجرعي كأسي أذى وهوان
وإذا نزلت بدار قوم دارهم فلهم عليك تعزز الأوطان
[ ٧ / ٢٩٩ ]
فالشمس أشرف ما تكون بكبشها وسقوطها في كفه الميزان وصدر هذا البيت الأخير كقول الآخر:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلًا فاحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة لما غدا وهو برج اللهو والطرب - وزار بعض إخوانه فحجبه فخاطبه برقعةٍ يقول في فصل منها:
تصديت لقاء سيدي تصدي المحب الكئيب، للقاء رسول الحبيب، وطفت ببابه الكريم، طواف الحجيج بالبيت العظيم، فحال عثور الجد، عن مطالعة القمر السعد، ومنع سوء البخت، عن لقاء الكرم البحت، فحدست أن سيدي - وقته - ظفرت يداه بمن يهواه، فغاب مغيب القمر، تحت غمام الظفر، وتعاطيا بكأس الوصال، مدامي السرور والجريال، وضيق يضيق العناق، مجرى الوشاح والأطواق. هنأه الله ببلوغ أمانيه، وهنأنا فيه بما يرضيه، فحياتنا بسروره مرتبطة، ونفوسنا بما يشتهيه مغتبطة.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
فصل في ذكر الأديب أبي العرب الصقلي
وكان لسانا بهذا الأفق عن العرب أعرب، وكوكبا من المشرق غرب، ولم يقع إلي عند إكمال هذا الديوان، وإخراجه من الخبر [١١٠] إلى العيان، من شعره، إلا ما لا يكاد يعرب عن قدره. ومن أشهر خبر بلغني عنه أنه حضر يوما مجلس المعتمد وقد أدخل إليه جملة وافرة من دنانير الفضة، فأمر له بخريطتين منها. وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الجوهر، فقال له أبو العرب على البديهة معرضا: ما يحمل هذه الدنانير - أيدك الله - إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر به، فقال أبو العرب على البديهة:
[ ٧ / ٣٠١ ]
أجد يتسني جملا جونا شفعت به حملا من الفضة البيضاء لو حملا
سماح جودك في أعطان مركمة لا قد يعرف من منع ولا عقلا
فاعجب لشاني فشاني كله عجب رفهتني فحملت الحمل والجملا فطارت يومئذ بهذا الخبر الركائب. وتهادته المشارق والمغارب، وذكرته شعراء الوقت، ورأيت في ذلك عدة قصائد لغير واحد، ولم أحفظ منها إلا قول بعضهم ممن وفد أيضًا على المعتمد، من جملة قصيدة استبردت بجملتها، قال فيها:
يا من بجود يديه يضرب المثل ومن مواهبه الأمصار والدول
بحد جودك في جنب اللها أبدا يا خاتم الجود جرح ليس يندمل
عند ابن حماد في ذال المكان على بعد المسافة والأخبار تنتقل
جرى حديث الصقلي المثاب على شعر فصار إليه الحمل والجمل ومن شعر أبي العرب في المعتمد قصيدة أولها:
لولا السرى في ذمام الصارم الذكر لم أطرق الحي في أمر على خطر
ما البارد العذب مورودا على ظمإ أشهى إلى الصب من وصل على حذر
قالت تجشمت في سبل الهوى غررا قلت المتيم مقدام على الغرر
[ ٧ / ٣٠٢ ]
لا كالهيوب حماه الخوف بغيته تهيب الورد حتى عاد بالصدر
توق رقبة أعداء عيونهم أذكى من الزرق في الخطية السمر
قلت اليماني حليفي ما يفارقني [إني] بغير اليماني غير منتصر
رضيته دون إخوان الصفاء أخا ما غيرته صروف جمة الغير
لاح السنا فانبرت من ساعدي فرقا تجر ذيلا يعفي شاهد الأثر
صد كوحشية هم الأنيس بها إلا التفاتا بجيد الخائف الحذر
تكف بالفرع من لألاء غرتها كي لا تمد بياض الصبح بالقمر
حثوا المطي [] إن لها عقبى الإقالة من أين ومن ضمر
حتى تنيخ برب المجد من يمن في قبة الملك رب الشعر من مضر ومنها في ذكر جواز المعتمد البحر:
ما كان عندك هول البحر تركبه جودا بنفسك إلا جرية النهر وله من أخرى:
أحادينا هذا الربيع فخيم وأمنية المرتاد والمتوسم
وحط بنا عن ناجيات كأنها قسي رمت بنا البلاد بأسهم وقد قدمت من هذا المعنى جملة في ما مر من الكتاب، ومنه قول الطيني
[ ٧ / ٣٠٣ ]
شاعر الحكم، مما أنشده ابن عبد الرؤوف:
قد نصبنا من الوجيف وأنضي نا قلاصا سياطهن الكلام
فكأن الركاب والركب للضم ر قسي من فوقهن سهام وفي هذه القصيدة يقول:
وقد يبلغ التأويب أقصاه والسرى فلا تشتكي عبئا ولا تتظلمي
وما طلبت إلا فناء محمد وهل دونه للركب من متلوم
جعلت إليه همتي وعزيمتي فناولتاه بعد حول مجرم
فقال لي الفال الصدوق مبشرا قدمت على التوفيق أيمن مقدم
وأقبلت باب الإذن فاستأذن الندى على ملك وافي الجلال معظم
فرفع عن ذاك البهاء حجابه وقيل استلم أندى بنان وسلم
فقبلت يمنى راحتيه كأنني أقبل ركن البيت سيرة محرم
نظرت إليه والمهابة دونه فقسمت لحظي بين بدر وضيغم
بلى ورأيت الشمس والبدر والعلا مجسمة في جوهر متجسم
فأغضيت عنه العين أول نظرة ومن ير عين الشمس لا يتوسم
كأن عياني كان غير حقيقة فلم ألقه إلا بعين التوهم
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وفي المعتمد أيضًا يقول من أخرى:
وقد أزار، وللزوار حكمهم عندي من البر والإيناس والأدب
وأفضل البر بر يقتضي طربا وأعوزتني أم اللهو والطرب
والدجن يبعث همي من مكامنه والشمس ما أخلفتها الريح لم تغب
والسحب للأرض بالسقيا مواصلة حتى ارتوت فاستكفت أبيض السحب
سح وهطل وجود صوب درهما فسح أنت بها واهطل وجد وصب
إني أعاطيك في الشكوى مفاكهة كما تعاطت أكف الشرب بالنخب
والنفس، ما انفردت بالجد، متعبة حتى تراوح بين الجد واللعب
برمت باثنين ضاق الصدر بينهما فقد المدامة واستيحاش مغترب
وكل ربع وإن حل الجميع به قفر إذا لم تكن فيه ابنة العنب
وقد حللت كناسا لا أروع به حور الظباء وإن أعرضن من كثب
كالليث عاد كسيرا لا افتراس به يطوي على زفرات نفس مكتئب وقال في الزهد:
أرى الدنيا الدنية لا تواتي فعالج في التصرف والطلاب
ولا يغررك منها حسن برد له علمان من ذهب الذهاب
فأوله رجاء من سراب وآخره رداء من تراب
[ ٧ / ٣٠٥ ]
ولما نفذت الأقدار، بالقبض على ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار، بشقورة، على الصورة حسب ما شرحته في أخباره، قال أبو العرب للمعتمد من جملة قصيد:
كأن بلاد الله كفك إن يسر بها هارب تجمع عليه الأناملا
فأين يفر المرء عنك بجرمه إذا كان يطوي في يديك المراحلا وهذا المعنى قد تداولته جماعة من الجاهليين والمخضرمين، والمحدثين والمولدين، وأرى أن أول من أثاره، ورفع مناره، النابغة حيث يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع وأخذه أشجع السلمي فقال لإدريس بن عبد الله العلوي، وقد بعث إليه الرشيد من اغتاله بالمغرب:
أتظن يا إدريس أنك مفلت كيد الخلافة أو يقيك حذار
إن السيوف إذا انتضاها عزمه طالت وتقصر دونها الأعمار
[ ٧ / ٣٠٦ ]
هيهات إلا أن تكون ببلدة لا يهتدي فيها إليك نهار وقال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرة فكأنهم لم يسلبوا
ولو انهم ركبوا الكواكب لم يكن ليجيرهم من حد بأسك مهرب وقال عبيد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأنني أفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بي من الأرض أنى استنهضتني المذاهب وقال سعيد بن حميد:
يا باخلين علينا في حكومتهم والجور أقبح ما يؤتى ويرتكب
لسنا إلى غيركم منكم نفر إذا جرتم ولكن إليكم منكم الهرب وقال المتنبي:
فإنك كالدنيا إلي حبيبة فما منك لي إلا إليك ذهاب والذي هو أشبه وأقرب، بقول أبي العرب، ومنه أراه نقل، وعليه
[ ٧ / ٣٠٧ ]
عول، قول الأول:
كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل
تؤدي إليه أن كل ثنيةٍ تيممها ترمي إليه بقاتل واستقصاء المناسبة والملاحظة في كل معنى حبل ممدود، يحل لنا الشرط المعقود، من إيثار الاختصار، وقد مر منه في تضاعيف هذا التأليف جملة وافرة.
في ذكر الأديب الكاتب أبي عبد الله
محمد بن الصباغ الصقلي
أحد أدباء وقته المشاهير، وكلامه يعرب له عن أدبٍ كثير، وحفظ غزير، فصل له من رقعة خاطب بها الأديب أبا حفص القعيني الأندلسي يعزيه في هرة نفقت له، وجلس للعزاء عنها تماجنًا، قال فيه:
[الحياة] لبني الدنيا مراحل، والمنايا لجميعهم مناهل، والأعمار كالأسفار، منها القريب الوصول، العاجل الحلول، ومنها البعيد الشقة، الشديد المشقة
[ ٧ / ٣٠٨ ]
أنفاس معدودة، وآجال محدودة، وليس بناج من محتومها أحد، ولا لمخلوق منها ملتحد، وانتهى إليّ - سهل الله الصبر الجميل سبيلك، وأطفأ ببرد السلوان غليلك - نبأ جلل، وخطب معضل، وهو مصابك بشقيقه نفسك، وموضع راحتك وأنسك، وربيبة حجرك وحجرتك، وآلة حيطتك على حنطتك، وكالئة ذخائرك وقنيتك، واستحواذ فجيعتها على لبك، وما عالجتها به من ذرورٍ وحنوط، وإشفاقك من تعجيل إسلامها إلى التراب، وإبقائك إياها طويلًا في المحراب، وألبتك عليها لتدعون إلى [١١٢] جنازتها مأتمًا يشققن عليها المدارع، ويفضن من الوجد بها غروب المدامع، ويعولن عليها بالضراخ والنياح، ويذرين لمصرعها شعورهن مع الرياح.
وفي فصل: ولست بناسٍ ذكر تلك الملح التي كتبت تصف من أخلاقها وآدابها، والمدح التي تورد في أعراقها وأنسابها، والغرائب التي تذكر عن قوتها وأيدها، وحيلها وكيدها، ومكرها بالفار وصيدها، ولعمري ما أفرطت في نعتها بل فرطت، وما صرحت بجميع محاسنها بل لوحت، فلقد كانت لبؤةً إلا أنها تدعى هرة، ونمرةً إلا أنها أكثر منها شرة، ذات نابٍ مطلول، وساعد مفتول، وخصر مجدول، ريانة الكاهل، ظمآنة الأسافل، تطير من قوائمها بأسرع من الجناح، وتستضيء من عينيها بأنوار من المصباح، وتعتد من مخالبها بأمضى من السلاح، وتسطو من
[ ٧ / ٣٠٩ ]
جرأتها بمثل القدر المتاح، لينة الوبر كالسمور، سوداء الشعر كالديجور، مأمونة الجيب، بظهر الغيب، عظيمة النفس، لطيفة الحس، أمينة على اللحم الموضوع، ولو شفها فرط الجوع، وما خانت قط أمانة، ولا رضيت يومًا خيانة، فهي عوذة الدار، من الفار، وعهد الأمان، من الجرذان.
قال ابن بسام: وكانت للأديب القعيني هذا جارية سوداء كلف بها ثم باعها، وندم فحاول استرجاعها، فزعم المبتاع أنها حامل - وللقعيني في ذلك أشعار كثيرة - فكتب أبو عبد الله هذا رقعةً قال فيها: كشف الله عن قلبك أيها الأديب الحسيب زين الشهوة، ومحا من لبك شين الهفوة، فعلى رأيك يعتمد من اختلفت آراؤه، وبهديك يهتدي من أضل القصد، وبه يقتدي من عدم الرشد. ونقل إليّ بعض من يعرف أحوالك، ويشارف فعالك، خبرًا يصم السمع، ويضيق الذرع، وذلك أنك نبذت من يدك كرتك المتكشفة، فتلقاها من أحمدت صولجانه، وأخرجت عن ملكك ضفدعتك المريعة، فتناولها من استحسنت غدرانه، وبلغك من إقبالها عليه، وانصرافها، بكليتها إليه، ما أضرم قلبك شوقًا لا تخبو ناره، وسلّ الوجد بها عضبًا لا ينبو غراره، فأنشرت للناس من نفسك قيس الأخيلية، وأحييت لهم منك مجنون العامرية، وعضضت على بيعتها أناملك، وأنضمت في طلبها زواملك، وأطلت في وصف شوقك لها وأوجزت، وقصدت في ذكر الأسف عليها ورجزت، وجمعت لها من المحاسن ما
[ ٧ / ٣١٠ ]
افترق، وفتحت من البدائع فيها ما انغلق، وجعلتها نبض حياتك، وموضع شكاتك، وسعنة أوطارك، وجونة عطارك:
ففيها عنبر الهند وفيها مسك دارين
وفيها قضب نعمان وفيها كثب يبرين
وفيها قامت الحرب كما كانت بصفين فأصبحت والظنون بك مرجمة. والألسنة عنك مترجمة، والأقوال فيك كثيرة، والأيدي إليك مشيرة؛ ويا عجبا منك كيف لم تبصر بصيرتك هذا العوار وشهابها ثاقب. ولم تعف نفسك السامية هذه الأقذار وإباؤها واجب، شد ما ملكتك سورة الغرارة وأنت كهل أمين، وهفت بلبك هفوات الهوى وعندك عقيل رصين؛ أفي الحق أن أستفرغ قلبك فلا يخلو، وأنشدك فلا تسلو:
ندمت ندامة الكسعي لما تبطنها يباضعها سواكا
رأت ما سد كعثبها وأودى بغلمتها فلجت في جفاكا
فلا تذهب بلبك طائشات من الصبوات واسترجع نهاكا ما لك وللتمادي في غلوائك، والزيادة في برحائك، نهنه قلبك، وراجع لبك، واذكر خلقها وخلقها، وتأمل وجهها وعنقها، وانظر خدها وقدها، وهل شيء مما يستملح عندها؛ والله ما رأيت
[ ٧ / ٣١١ ]
شخصها قط إلا تخيلت الشيطان، ولا مقلت مقلتها إلا ذكرت السرطان. وأية ضفدعة ماء تعشقت، وقرنبى بها تعلقت، لقد روي زند من خرجت من يديه، وتعس جد من صارت إليه.
وفي فصل منها: فهنيئا أبا حفص راحة بصرك من شخصها المقيت، وفراغ قلبك من الكبد بخلقها المميت، لو غسلتها بكل ماء في البحر، وطيبتها بكل عنبر في الشحر، وضمختها بملاب كل عطار، وفتت عليها من المسك ألق قنطار، ما ازدادت مع الطيب [١١٣] إلا دفرا، ومع الغسل إلا وضرا؛ وكأني بك قد أنشدت بين ابن الرومي في من لا يشبهها إلا في سواد الجلد، ولا يشركها إلا في النسبة إلى الجد، يقول:
أكسبها الحب أنها صبغت صبغة حب القلوب والحدق وقال الآخر:
مشبهات الشباب والمسك تفديهن نفسي من الردى والكروب كيف يهوى الفتى الأديب وصال البيض والبيض مشبهات المشيب هيهات! هنا يقال: ظن تخب، واقلب تصب، ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة. فأمسك عنها فقد سلت عنك، وابرأ منها فقد برئت منك، واستصغرت آلتك، واعتاضت منك بزعمها أكبر
[ ٧ / ٣١٢ ]
أيرا وأكثر خيرا، ووصفت عنه من نشاط العدة، وإفراط العدة، وما شرحت به صدرا، وأوسعت عليه شكرا.
وفي فصل منها: وأما قولك: ما الذي أعجبها من دمامته، وقصر قامته، وعظم هامته، ووسخ عمامته، حتى شغفها حبًا، وأصبح فؤادها به صبا، فنعم:
أعجبها من خلقه قمد عجارم ضخم القذال نهد
ململم الأقطار عبل جلد مثل ذراع البكر أو أشد ولو كنت ممن يربع بالنهار، ويشبع بالليل، كما حكت عنه، لما واجهتك بما لا تريد، وباعت صحبتك في من يزيد، فانقض غزل حبك لها أنكاثًا، وطلق علاقة قلبك بها ثلاثًا.
فراجعه القعيني برقعة طويلة انتصر فيها لنفسه هنالك، وأقام حججًا على صواب ذلك.
فأجابه الصقلي برقعة أخرى يقول في فصل منها: زعمت أنك شديد الغرام، بشقيقه الظلام، وأني أخطأت في عتبك على حبها، وظلمت في نهيك عن قربها، وجعلت أشعارك في النسيب بها حجة لتمييزك، وإنكار التأنيب عليها عذرًا من تعجيزك، وطفقت تنشد رافعًا عقبرتك، مستصغرًا كبيرتك:
[ ٧ / ٣١٣ ]
استودع الله مولى ملكته يدي ودعت إلا شجوني إذ أودعه
جسم من المسك أقصته النوى فمضى وفي ذؤابته عندي تضوعه
وبدر تم تقاضاه الأفول فيا ويلي طويلًا وعندي كان مطلعه
عدمته ذهبًا لونًا وفائدة واذل من ليست الآداب ترفعه
يا قطعة من فؤادي جذها قدر حتام تجفوه عدوانًا وتقطعه
أهوى الأصيل إليها من ملابسة ثوبًا بهيًا ولكن ليس تخلعه فجعلتها مسكًا فتيقًا، وذهبًا عتيقًا، وقطعةً من فؤادك، ومضنةً لودادك، وسببًا لانقيادك، وألبستها من الأصيل ثوبًا لا يخلع، ودرعًا لا ينزع، وزعمت أنك اخترعت في هذا النسيب معنى لم يسمع، فانتصرت لمذهبك، وحليت عاطل مركبك. وما أدري ما أقبل من شعريك، ولا مآخذ من قوليك، أهذا الأول الذي زعمت أنك قلته في عنفوان الصبابة، وإفراط الكآبة، أم حين جلى الله [عن] بصيرتك غيايتها، وكشف عنها عمايتها - حين قلت:
باسوء ما اخترتها في الحب ضفدعةً جحوظ عين وقدًا مفرط القصر
إذا أردت نكاحًا وهي مجمرة عطرًا أرت خلق إبراهيم من قذر
الحمد لله جلى في الغرام بها بصيرتي فرأى أقذارها بصري فمتى عادت الضفدعة غزالا، وصار هذا النقص كمالا -! وشد ما عميت
[ ٧ / ٣١٤ ]
بصيرتك بعد جلائها، وتسامحت سيادتك بعد إبائها، وظمئت إلى سؤر هذا الجازر، وهو من لبن حازر، أتراها بعد أن اختبرت عرده، وبلت زوجه وفرده، وذاقت صابه وشهده، ورأت كل ما يسرها عنده، تصبر على دقة مسبارك، وترضى ملة خشكارك، وهيهات ما سولت لك الأحلام، والله لو عادت إلى ملكك، ما ملت من فركك، ولا رجعت عن تركك، ولو جعلت السندي لها بسطًا، والثريا في أذنيها قرطا، وصيرت بني حام كلهم لها خولًا، وحشرت عليها كل شيء قبلا، ما كانت لتقبل عليك، ولا لتصرف وجه محبتها إليك.
وفي فصل: وأما ما ذكرت من خليدة التي ادعيت عشقها علي، ونسبت حبها إليّ، فقد أذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، قد كنت رأيتها في المعرض، وعندي من الارتياح إلى الملاح، ما عند الغصون لهيف الرياح، ومن الشغف في أمثالها إلى اللقيا، ما بالرياض إلى السقيا [١١٤] فرأيت لثامها قد حط عن بدر كمال، وإزارها قد غص بردف ريان، وسرحت طرفي منها في روضة حسن أريضة، وحديقة جمال أنيقة، وأعطيت مولاها فيها السول، وبلغته في ثمنها المأمول، وسألها بعض التجار، عن الدار وعن النجار، فترجمت عن منصبها، وأعربت عن نسبها، بغرائب ألفاظ، عزيز سماع مثلها بسوق عكاظ، مسخت القاف كافا، وردت الأوصاف " أوسافا "، قبحت بذلك الكلام حسنها، ورجمت الأسماع بلغة كأنها:
[ ٧ / ٣١٥ ]
برد تحدر من متون غمام فعاد مبرم حبي لها سحيلا، ولم تسو عندي لذلك فتيلا، وما عجبت كعجبي من وصفكها بقصر الخطا، وتشبيهكها بإبهام القطا، فإن كان نقدك في الشعر ومراميه، واقتضابك لغريب معانيه، بهذه القريحة الصافية، والبصيرة النافذة المتناهية، فقد فت الأولين والآخرين سبقًا، وبرزت على القدماء والمحدثين صدقًا. كيف جاز عليك هذا الغلط وأنت صيرفي الكلام، معنوي النظام، وغيرك بذلك التشبيه كان أليق، وهو به أ " لق، تلك بيضاء قصيرة بزعمك، وهذه سوداء دحداحة بزعمك:
قريبة الأقطار ملمومة مغموسة في خضرة جون
لا تخطئ البقة أوصافها في النتن والقامة واللون وأما ما عبته من زرقتها - وإن لم تكن كذلك، وكانت الشهلاء في نعتك - فأين أنت من قول القائل:
وأزرق العين فاتر الغنج زرقة عينيه آفة المهج
قالوا به زرقة فقلت لهم تم بها حسن وجهه البهج
ما زرقة العين مثل كحلتها كم بين ياقوتة إلى سبج وفي فصل منها: وهاهنا وقفت وأمسكت، لأن بعض الإخوان أحرقني بنار العتاب، وأخرجني بها عن طبقة الكتاب، وركب في ملامتي راسه، ومد بها إليّ أنفاسه، وأطنب في اللوم وأسهب، وصعد في
[ ٧ / ٣١٦ ]
العتب وصوب، يقول في فصل منها: " وقفت على ما أداك إليه ثرة الفضول، من إيرادك تلك الفصول، التي مسخت جواهرها خزفًا، ولآلئها صدفا، ورأيت تلك النصيحة، إليّ صارت فضيحة، والمحاسن التي عادت قبيحة، وألفاظ العذاب، التي آضت سياط عذاب، وتأدب من عاطيت، وجواب من كاتبت، فتأوهت وتفجعت، وحوقلت واسترجعت، وقلت: أما انتبه من سنة غفلته، وذكر بيتي حكمته، إذ يقول:
إذا ما هديت امرءًا مخطئًا أضل السبيل إلى قصده
ولم تلقه سامعًا قابلًا فحسن له المشي في ضده ولقد سررت بما أصابك، وابتهجت بما نابكن فعساك يومًا تعرف أخلاق الناس، وتزن أحلامهم بالقسطاس، وتنتقد أحوالهم وأفعالهم، وتختبر ضرائبهم وأشكالهم، فتميز الخبيث من الطيب، وتتجانف من بعد عن الدعابة في خطاب، أو إجابة بكتاب ".
هذه شكيمة كبحني بها هذا الصديق بعد أن جمحت ورمحت، وخطام به بعد أن أرقلت وأوجفت، ولولاه لعرضت أكثر من هذا المتاع، وكلت بأكبر من هذا الصاع.
[ ٧ / ٣١٧ ]
وله من رقعة إلى ابن الشامي صاحب الخمس، راغبًا في أن يكلم له الأمير صمصام الدولة في أن يحرر له أرضًا كان اشتراها:
إذا الحاجات عي بها رجال وكان قضاؤها صعب المرام
وقلت حيلة الشفعاء فيها فحاول نجحها ببني الشآمي
دراري العلا حفت ببدرٍ منير في سماء المجد سام ويعلم - أدام الله تمكينه - مذهبي في التخفيف، وحمل مؤنة التكليف، إلا في ما تلجئ الضرورة إليه، ويحمل الاضطهاد عليه، وكنت من ترفيه النفس عن الامتهان، والقناعة بما تسمح به نفس الزمان، عن حالة يعلم - حرس الله مجده - تقلبي في أثنائها، ومقيلي في أفيائها، حتى عرض لي من سوء القضاء، ما أجار بالنار من الرمضاء، فسول لي الحرص الذي ما شمت له قط بارقًا، والطمع الذي ما ركبت له قط عاتقًا، النظر في إحداث بستان في خرائب أخربت مالي، وشغلتني عن كثير من أشغالي، وصرت منفقًا ما جمعت في الغربة والوطن، وكسبت في الإقامة والظعن، بين جدار فيها أهدمه، وغار أردمه، وأرض أرفع مرة وهادها، وأخفض تارةً نجادها، حتى استوت ساحاتها [١١٥] وتوطت، وغابت مغاراتها وتغطت، وانكشطت أسنمتها وانحطت، وفي بناء حائط أحدق بأقطار، وآمن به على ثماره، وفي حفر بئر ينقع ماؤها صداه، ويبل إذا حمي الهجير
[ ٧ / ٣١٨ ]
ثراه، ما لو أقررت به بين يدي القاضي أو شهد به علي لتوجه عليه فيما يلزمه من الفرض، ويحق عليه في الإبرام والنقض، أن يثبتني على رأي الفقهاء، في ديوان السفهاء، إذ لا يقدر على سقي دوحاته، ولا يتوصل إلى إحياء مواته، إلا بدولاب وجابية، يأخذان الماء أخذة رابية، وعند الوصول إلى هذه الفصول، والانتهاء إلى هذا المحصول، قرعت سن النادم، وانتبهت انتباه الحالم، وكنت كتاجر البلور، في ابتياع السنور، ومسرح الدجاج، في مخزن الزجاج: أحدث هذا في ماله من البوار، ما لا يحدثه عابث الفار، وجلب ذلك إلى بضاعته من الفساد، ما لا يحدثه وافد الكساد.
وفي فصل منها: ولا بد لغريق البحر أن يدرج فيخرج، وللتائه في القفر أن يضل فيهلك، أو يدل فيسلك، وقد علم قلة حاجات وليه إليه، وإيثاره التخفيف عليه؛ ومتى أعلم الأمير أن هذه الخرائب التي عانى وليه غراسها، لا يرتجى لها عمارة تعود بفائد، ولا ينتفع الديوان منها بدرهم واحد، وساكنوها منذ أعوام ما أدى واحد منهم خراجًا، ولا صنع لبيته بابًا ولا رتاجًا، فهم بين قوم يأكلون الشجر قبل الثمر، ويرعون الأب قبل الحب، وما آمن مع ما أحدقت به من الأسوار، وخرجت في [النفقة] عن المقدار، أن يوجفوا إليه بالجوالق، وينقضوا فيها كالشوانق، كما يفعلون في بستان فلان، الذي أنفق فيه عمره وماله، وصرف إليه همه واهتباله، فهو في الشتاء من علوج الزبر والحفر، وأصحاب الغرس والبذر، فإذا بلغت ثمرته، ووجبت غلته، حام
[ ٧ / ٣١٩ ]
عليه بنو حام، ولم يمتنع منهم بحارس ولا حام، ﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها﴾ (الكهف: ٤٢) . وناهيك [بدرة] ظفرت يدي بأختها، ومخشلبة غنيت عن ثقبها ونحتها، ومتى لم يلحظني مولاي بعين رعايته، ويمد إليّ [يد] عنايته، في ما رغبت وسألت، انقلبت بأمل عاطل، وعمل باطل.
في ذكر الأديب أبي محمد
عبد الجبار بن حمديس الصقلي
أحد من وفد أيضًا على المعتد، وهو من جملة من لقيته وشافهته، وأسمعني شعره، وهو شاعر ماهر يقرطس أغراض المعاني البديعةن ويعبر عنها بالألفاظ النفيسة الرفيعة، ويتصرف في التشبيه ويغوص في بحر الكلام على در المعنى الغريب.
[ ٧ / ٣٢٠ ]
فمن ذلك قصيدة أولها:
لم نؤت ليلتنا الغراء من قصر لولا وصال ذوات الدل والخفر يقول فيها:
إني امرؤ لا أرى خلع العذار على من لا يقوم عليه في الهوى عذري
فما فتنت بردفٍ غير مرتدفٍ ولا حننت لخصرٍ غير مختصر
ورب صفراء لم تترك بسورتها لصولة الهم من عينٍ ولا أثر
تزداد ضعفًا [قواها] كلما خلقت بها الليالي حدود الضعف والكبر
لا يعرف الشرب عيبًا في مناقبها إلا دعاوي بين المسك والزهر
يصافح الراح من كاساتها شعل ترمي مخافة لمس الماء بالشرر
إذا النديم حساها خلت جريتها نجمًا تصوب حتى غاب في قمر ومنها:
[ ٧ / ٣٢١ ]
بالله يا سمرات الحي هل هجعت في ظل أغصانك الغزلان عن سحري
وهل يراجع وكرًا فيك مغترب عزت جناحيه أشراك من القدر
يفديك قلبي ولو أستطيع من ولهٍ طارت إليك بجسمي لمحة البصر ومن المدح:
الباسط الكف بالجدوى التي وكفت بالرزق ما بين منهل ومنهمر
والموسع الأرض إذ جارت أكابرها عدلًا يؤلف بين الشاء والنمر
كم آيةٍ لك في الإفضال معجزةٍ لها بوادر لا تبقى على البدر قوله: " نجمًا تصوب حتى غاب في قمر " معنىً قد طوى ونشر، ومنه قول الحسين بن الضحاك:
كأنما نصب كأسه قمر يكرع في بعض أنجم الفلك وأخذه أبو نواس فقال:
إذا عب فيها شارب القوم خلته يقبل في داجٍ من الليل كوكبًا [١١٦] وقد أخذ بعض أهل عصرنا هذا المعنى، وهو الأديب أبو محمد بن صارة الشنتريني فقال:
[ ٧ / ٣٢٢ ]
وافى بها صهباء من أوصافه دق الثنايا دون نيل مرامها
فرأت نديمًا منهما شمس الضحى في الليل قابضةً على بهرامها وقال فيه أيضًا:
ورشًا خده حديقة وردٍ حميت من عذاره بحباب
خلته حين عب في الكاس بدرًا عب من ذوب كوكب في عباب وقال الصقلي من أخرى:
باكر إلى اللذات واركب لها سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح وله من قصيدة:
قد طيب الآفاق طيب ثنائه حتى كأن الشمس تذكي المندلا وكرر هذا المعنى فقال:
وكأنما شمس الظهيرة ناره وكأنما شجر البسطية عوده وله يستنجز المعتمد بن عباد وقد لزم باب قصره عامًا كاملًا:
[ ٧ / ٣٢٣ ]
أيا مولي الصنع الجميل إذا انتشى ويا مسدي النيل الجزيل إذا صخا
وفي كل أرضٍ من نداه حديقة تضوع مسكًا نورها وتفتحا
أأفرد بالحرمان من كل عاطلٍ تطوق من نعماك ثم توشحا
أتتني على بعد النوى منك دعوة أثارت بنات السير حولًا ولقحا
فجاءك من أهل البديع مصرف مهار القوافي في امتداحك قرحا
وكان عليه الخلق ليلًا يجوبه إليك فلما لاح وجهك أصبحا
رفعت بأظعاني إلى ما تحده علاك فوقع ممسكًا أو مسرحا ثم تصرفت الليالي والأيام، اللاعبة بالأنام، واقتضت بالمعتمد الحال، إلى الاعتقال، بسجن أغمات، وسمع الصقلي هذا شعر المعتمد الذي قد تقدم إنشاده حيث يقول فيه:
قضى الله في حمص الحمام وبعثرت هنالك عنا للنشور قبور
تراه عسيرًا أم يسيرًا نناله إلا كل ما شاء الإله يسير فأجابه الصقلي أبو محمد ببيات منها قوله:
أتيأس من يوم يناقض أمسه وشهب الدراري في البروج تدور
ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقلقل رضوى منكم وثبير
[ ٧ / ٣٢٤ ]
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير وله من قصيدة في القاضي ابن القاسم بسلا:
لكل محب نظرة تبعث الهوى ولي نظرة نحو القتول هي القتل
أترتد بالتكريه رسل نواظري ومن شيم الإنصاف أن تكرم الرسل ومنها:
ركبت نوىً جوابة الأرض لم يعش لراكبها عيس تخب ولا رحل
أسائل عن دار السماح وأهله ولا دار فيها للسماح ولا أهل
ولولا ذرى ابن القاسم الواهب الغنى لما حظ منها عند ذي كرم رحل
تخفض أقدار اللئام بلؤمهم وقدر عليّ من مكارمه يعلو
فتىً لم يفارق كفه عقد منةٍ ولا عرضه صون ولا ماله بذل
له نعم تخضر منها مواقع ولا سيما إن غير الأفق المحل
ورحب جناب حين ينزل للقرى وفصل خطابٍ حين يجمتع الحفل
ووجه جميل الوجه تحسب حره حسامًا له من لحظ سائله صقل
مروعة أمواله بعطائه كأن جنونًا مسها منه أو خبل
وأي أمانٍ أو قرارٍ لخائف على رأسه من كف قاتله نصل
[ ٧ / ٣٢٥ ]
ومنها:
لقد بهرت شهب الدراري منيرة مآثر منكم لا يكاثرها الرمل
ورثتم تراث المجد من كل سيدٍ على منكبيه من حقوق العلا ثقل
فمن قمرٍ يبقي على الأفق بعده هلالًا ومن ليثٍ خليفته شبل
واصبح منكم في سلا الجور أخرسًا وقام خطيبًا بالذي فيكم العدل
ملكت القوافي إذ توخيت مدحكم ويا رب أذوادٍ تملكها فحل وله من أخرى في تميم أمير المهدية ويتفجع على دخول الروم صقلية، أولها:
تدرعت صبري جنةً للنوائب فإن لم تسالم يا زمان فحارب يقول فيها:
بلاد جرى فوق البلادة ماؤها فأصبح منه ناهلًا كل شارب
فطمت بها عن كل كأسٍ ولذةٍ وأنفقت جل العمر في غير واجب
يبيت رئاس السيف في ثني ساعدي معاوضةً من جيد غيداء كاعب
يبيت رئاس السيف في ثني ساعدي معاوضةً من جيد غيداء كاعب
وما ضاجع الهندي غير مثلمٍ مضاربه يوم الوغى في الضرائب
إذا كان لي في السيف أنس ألفته فلا وحشة عندي لفقد الحبائب
وكنت وقدي في الصبا مثل قده عهدت إليه أن منه مكاسبي
[ ٧ / ٣٢٦ ]
فإن كان لي في المشرفي مآرب فكم في عصا موسى له من مآرب
بعيشك أي الفجعتين استربتها خيانة دهري أم خيانة صاحبي [١١٧]
تغدى باخلاقي قديمًا ولم تكن ضرائبه إلا خلاف ضرائبي
ويا رب نبت تعتريه مرارة وقد كان يسقى عذب ماء السحائب
جهلت فجربت الذي أنا عالم وقد تجهل الأشياء قبل التجارب ومنها:
وكم عزمات كالسيوف صوادقٍ تجردها أيدي الأماني الكواذب
فلي في سماء الشرق مطلع كوكبٍ جلا من ضلوعي بين زهر الكواكب
ألفت اغترابي عنه حتى تكاثرت له عقد الأيام في كف حاسب
متى تسمع الجوزاء في الجو منطقي تصخ من مقالي في ارتجال الغرائب
ليالي بالمهديتين كأنها اللآ لئ من دنياك فوق ترائب
إذا شئت أن أرمي الهلال بلحظةٍ لنمحت تميمًا في سماء المناقب ومنها:
ولو أن أرضي حرة لا تبعتها بعزمٍ يقد السير ضربة لازب
[ ٧ / ٣٢٧ ]
ولكن أرضي لا عدمت فكاكها من الأسر في أيدي العلوج الغواصب
لئن ظفرت تلك الكلاب بأكلها فبعد يكونٍ للعروق الضوارب
أحين تفاني أهلها طوع فتنةٍ يضرم فيها ناره كل حاطب
وأضحت بها أهواؤهم وكأنما مذاهبهم فيها اختلاف المذاهب
تخب بهم قب يطيل صهيلها بأرض أعيادهم نياح النوادب
مؤللة الآذان تحت [إلالهم] كما حرفت بالبري أقلام كاتب وله من أخرى أولها:
شفاؤك في نوىً تنضي الركابا ونجحك عن سرىً تطوي اليبابا
فلا تقنع من الدنيا بحظ إذا لم تحوه يدك اغتصابا
فشر ليوث [هذي الأرض] ليث يشارك في فريسته الذئابا
سأسري تحت نجمٍ من سناني إذا نجم من الأنصار غابا
وينجدني على الحدثان عضب يفلل قرعه النوب الصعابا
[ ٧ / ٣٢٨ ]
يماني إذا استمطرت صوبًا به من عارض المهجات صابا
كأن شعاع عين الشمس فيه وإن كان الفرند به ضبابا ومنها:
وكنا في مواطننا كرامًا تعاف الضيم أنفسنا وتأبى
ونطلع في مطالعنا نجومًا تعد لكل شيطان شهابا
صبرنا للخطوب على ضروبٍ إذا رمي الوليد بهن شابا
ولم تسلم لنا إلا نفوس وأحساب تكرمننا اكتسابا
ولم تخل الكواكب من سقوطٍ ولكن لا يبلغها الترابا ومن أخرى:
بلى جر أذيال الصبا فتصابى وأوجف خيلًا في الهوى وركابا
قصرت زماني بالشمول مسنةً وبالروض كهلًا والفتاة كعابا يقول فيها:
وأقصر أيام الفتى يوم لذةٍ صفا ما صفا بالعيش منه فطابا
[ ٧ / ٣٢٩ ]
ليالي لا ترمي وإن تصب بسهمك خودًا فالشباب أصابا
وعصبة لهو غادروا الهم جانبًا فلم يألفوا إلا السرور جنابا
يديرونها راحًا كأن بكاسها إذا لبست درع الحباب حبابا
تنافر لمس الماء وهو يروضها تفرك كالبكر الفروق لعابا
فأحبب بذاك العيش عيشًا ذكرته وبالعصر عصرًا والصحاب صحابا
وليلٍ تخوض النيرات ظلامه كأوجه غرقي يغترفن عبابا
سريت بمحبوكٍ من القب كلما دعا شأوه وحي العنان أجبا
من الحن فاسم الله إما وضعته مكان قطيع طار عنك وغابا
ترى ضحك الإصباح فوق جبينه وقيض من ليل المحاق إهابا
تخال الثريا رأسه وهو ملجم إذا الجري لم يلبس طلاه سخايا
يحرف بالتأليل أذنًا كأنما برى قلمًا منها يخط كتابا
سما الدر في أرساغه عن زبرجدٍ يغادر بالوطء الصخور ترابا
هو الطرف فاركب منه في ظهر طائر تنل كل ما أعيا عليك طلابا
إلى قمر تسري إليه كأنما عليه سماء الله تغلق بابا
كأني سرّ في حشا الليل داخل على حبة القلب المصون حجابا
فبت مروى من مجاجة بارد غزا ذكره قلب الغيور فذابا
كأن قطاف اللثم من ثغر روضه تكسب من طل الغمام رضابا
[ ٧ / ٣٣٠ ]
ومنها:
ولم أر كالدنيا خؤونًا لصاحب ولا كمصابي بالشباب مصابا
فقدمت الصبا فابيض مسود لمتي كأن الصبا للشيب كان خضابا ومن أخرى:
أمتطتك همتك العزيمة فاركب لا تلقين عصاك دون المطلب
ما بال ذي النظر الصحيح تقلبت في عينه الدنيا ولم يتقلب
فاطو العجاج بكل يعملةٍ لها عوم السفينة في سراب السبسب
شرق لتجلو عن ضيائك ظلمة فالشمس يمرض نورها بالمغرب
والماء يأجن في القرارة راكدًا فإذا علتك قذاته فتسرب
طال التغرب في بلاد خصصت بوخامة المرعى وطرق المشرب [١١٨]
فطويت أحشائي على الألم الذي لم يشفه إلا وجود المذهب
إن الخطوب طرقنني في جنةٍ أخرجنني منها خروج المذنب ومنها:
من سالم الضعفاء راموا حربه فالبس لكل الناس شكة محرب
كل لأشراك التحيل ناصب فاخلب بني دنياك إن لم تغلب
من كل مركوم الجهالة مبهمٍ فكأنما هو قطعة من غيهب
لا يكذب الإنسان رائد عقله فامرر تمج وكن عذوبًا تشرب
[ ٧ / ٣٣١ ]
ولرب محتقر تركت جوابه والليث يأنف عن جواب الثعلب
لا تحسبني في الرجال بغاثةً إني لأقعص كل لقوة مرقب
إن يعله صدأ فكم من صفحةٍ مصقولةٍ للماء تحت الطحلب ومنها:
كم من قواف كالشوارد صرتها عن مثل جرجرة الفنيق المصعب
ودقائق بالفكر قد نظمتها ولو أنهن لآلئ لم تثقب
وصلت يدي بالطبع فهو عقيدها فقليل إيجازي كثير المسهب
نفث البديع بسحره في مقولي فنطقت بالجادي والمتذهب
لو أننا طير لقيل لخيرنا غرد وقيل لشرنا لا تنعب
وإذا اعتقدت العدل ثم زونتني رجحت حصاتي في القريض بكبكب
إني لأغمد من لساني منصلًا لو شئت صمم وهو دامي المضرب ومن أخرى:
تظن مزار البدر عنها يعزني إذا غاب لم يبعد على عين مبصر
وبين رحيلي والإياب لحاجها من الدهر ما يبلي رتيمة خنصر
[ ٧ / ٣٣٢ ]
ولابد من حملي على النفس خطةً تعلق وردي في اغترابي بمصدري
وتطرحني بالعزم من غير فترة سفائن بيد في سفائن أبحر
وما هي إلا النفس تفنى حياتها مصرفةً في كل سعي مقدر
أغرك تلويح بجسمي وأنني لكالسيف تعلو متنه غين جوهر
وما هي إلا لفحة من هواجر تخلصت منها كالنضار المسجر
وأنكرت إلمام المشيب بلمتي وأي صباح في دجى غير مسفر
وما كان ذا حذر غراب شبيبتي فلم طار [عن] شخصي لشخص منفر
وأبقت صروف الدهر مني بقيةٍ مذكرة مثل الحسام المذكر
وما ضعضعتني للحوادث نكبة ولا لان في أيدي الحوادث عنصري ومنها:
وحمراء لم تسمح بها نفس بائع لسوم ولم تظفر بها يد مشتري
أقامت مع الأحقاب حتى كأنها خبيثة كسرى أو دفينة قيصر
فلم يبق منها غير جزء كأنه توهم معنى دق عن ذهن مفكر
إذا قهقه الإبريق للكاس خلته يرجع صوتًا من عقاب مصرصر
وطاف بها غمر الوشاح كأنما يقلب في أجفانه طرف جؤذر
قصرت بكل كل يوم لهوته ومهما يطب يوم من العيش يقصر
[ ٧ / ٣٣٣ ]
ومن أخرى في المعتمد:
أتنكر ضعفًا أمرض الحدق النجلا وقد أكثرت فينا لواحظها قتلا يقول فيها:
أقائدها قب الأياطل لم تدع له عند أعداء إغارته ذحلا
حميت حمى الإسلام إذ ذدت دونه هزبرًا ورشحت الرشيد له شبلا
لئن قلت فيه صح تأليف سؤدد فبارع نقل من شمائلك استملى ومنها في صفة القصر:
ويا حبذا دار يد الله مسحت عليها بتجديد البقاء فما تبلى
مقدسة لو أن موسى كليمه مشى قدمًا في أرضها خلع النعلا
إذا فتحت أبوابها خلت أنها تقول بترحيب لداخلها أهلا
وقد نقلت صناعها من صفاته [إليها] أفانينا فأحسنت النقلا
فمن صدره رحبًا ومن نوره سنًا ومن صيته فرعًا ومن حلمه أصلا
نسيت به إيوان كسرى لأنه أراني مثلًا ما رأيت له مثلًا
كأن سليمان بن داود لم تبح أوامره للجن في شيده مهلا
كأن عيون السحر نافذة له عليهن فصلًا من بدائعه فصلا
[ ٧ / ٣٣٤ ]
فكان مكان القول يبعث وصفه رقيقًا وأذن الدهر تسمعه جذلى
ترى الشمس فيه [ليقةً] تستمدها أكف أقامت من تصاويرها شكلا
تحوز له الأمواه بركة جدول تخال الصبا منه مشطبة نصلا
إذا اتخذتها الشمس مرآة وجهها أجالت عليها من مداوسها صقلا
وقد توج البهو البهي بقبة فقل في عروس في [جلابيبها] تجلى
تجمعت الأضداد فيها مصانعًا ولم أر خلقاص قبلها جمع الشملا
وأغرب ما أبصرت بعد مليكها بها مترع يعدي الشجاعة والبذلا
ولما عشينا من توقد نورها تخذنا سناه في نواظرنا كحلا
فيا دار أغضى الدهر عنك وأكثرت أسودك نسلًا فيك يختتل النسلا
[ ٧ / ٣٣٥ ]
ومن شعره في أوصاف شتى
قال: [١١٩]
نفوسنا بالرجاء ممتسكه والموت للخلق ناصب شركه
تبرم أجسامنا وتنقضنا طبائع في المزاج مشتركه
لولا انتشاق الهواء مت كما تموت مع فقد مائها السمكه
ننشأ بالبعث بعد ميتتنا أما يعيد الزجاج من سبكه
ما أغفل الفيلسوف عن طرق ليست لأهل العقول منسلكه
من سلم الأمر للإله نجا ومن عدا القصد واقع الهلكه وقال:
جاء به ملآن من صافية معمورة منها أقاليم الفرح
حل وكاء شده عن مذبح طل دم العنقود منه وسفح
حتى إذا ما صب منه رينا سد على التبر الذي كان فتح
[ ٧ / ٣٣٦ ]
ترى نجيع البرق منه راشحًا كأنه من ودج الليل رشح
مدامة للروح أخت برة آخذة ثاراتها من الترح
قد علمت مزاجها فصرفها يجبر ما هاض ويأسو ما جرح
يوم كأن القطر فيه لؤلؤ ينظم للروض عقودًا أو وشح
تقدح نار من زناد برقه ويطفئ الماء سريعًا ما قدح
لما جرت فيه الصبا عليلة رق الهواء فيه للنفس وصح
كأنما الكافور نثر ثلجنا أوندف البرس لها
حتى أتى الليل بصحو لم يكن يغتبق الغيث به كما اصطبح
كأنما خلف منه قشعم يندى علينا ريشه إذا جنح
وقد محا صبغ الدياجي قمر ديناره في كفة الغرب رجح
[ ٧ / ٣٣٧ ]
حتى إذا رد حداء عدوهم من كان في وادي الرقاد قد سرح
نبه ذا هذا وكل طرفه يلمح طرف السكر من حيث لمح
يسأل في تقويم جيد مائل لو [لم] يسامح في الحميا لسمح
وجاءه الساقي بكوب مفعم لو شاء أن يسبح فيه لسبح
يا عاذلي في الراح كم سيئة تجاوز الرحمن عنها وصفح
أغش خلق الله عند ذي هوى من عرض الرشد عليه ونصح
حتى إذا فكر عن بصيرة ذم [من] الأفعال ما كان مدح وقال:
ومشمولة راح كأن حبابها إذا ما بدا في الكاس در مجوف
لها من شقيق الروض لون كأنما إذا [ما] بدا في الكاس منه مطرف
شربت على برق كأن ظلامه إذا احمر فيه أسود بات يرعف وهذا من قول المعري:
إذا ما اهتاج أحمر مستطيلًا حسبت الليل زنجيًا جريحا وقال أبو محمد أيضًا:
[ ٧ / ٣٣٨ ]
ما زلت أشرب كاسه من كفه ورضابه نقل على ما أشرب
حتى انجلى الإصباح عن إظلامه كالستر [يرفع] عن مليك يحجب
والشهب في غرب السماء سواقط كبنات ماء في غدير ترسب وقال في صفة نهر:
ومطرد الأجزاء تحسب متنه صبًا أعلنت سر القذى في ضميره
جريح بأطراف الحصى كلما جرى عليها شكا أوجاعه بخريره
كأن حبابًا ريع تحت حبابه فسارع يلقي نفسه في غديره
شربنا على حافاته دور سكرة وأقتل سكرًا منه عينا مديره
كأن الدجى خط المجرة بيننا وقد كللت حافاتها ببدوره
كلفت بشربي للصبوح مبكرًا وكم بركات للفتى في بكوره وله في شمعة:
قناة من الشمع مركوزة لها حربة طبعت من لهب
تحرق بالنار أحشاءها فتدمع مقلتها بالذهب
[ ٧ / ٣٣٩ ]
تمشى لنا نورها في الدجى كما يتمشى الرضى في الغضب
فأعجب لآكلة جسمها بروحٍ يشاركها في العطب وله فيها:
مصفرة الجسم وهي ناحلة تستعذب العيش مع تعذبها
تطعن صدر الدجى بعالية صنوبري لسان كوكبها
إن تلفت روح هذه اقتبست من هذه فضلة تعيش بها
كحية باللسان لاحسةٍ ما أدركت من سواد غيهبها وقال:
صدت وبدر التم مكسوف به فحسبت أن كسوفه من صدها
فكأنه مرآة قبن أحميت فمشى احمرار النار في مسودها وقال:
سكن القلب هوى ذي صلف زاده فيه سكونًا حركه
فهو كالمركز يبقى ثابتًا كلما دار عليه فلكه وقال:
[ ٧ / ٣٤٠ ]
يوم كأن نسيمه نفحات كافور ومسك
وكأن قطر سمائه در هوى من نظم سلك
متغير غيمًا وصح وًا مثلما حدثت عنك
كالطفل يمنح ثم يم نع ثم يضحك ثم يبكي [١٢٠] وقال:
وحمام سوء وخيم الهواء قليل المياه كثير الزحام
فما للقيام به من قعود ولا للقعود به من قيام
حنياته عطفات القسي وقطراته صائبات السهام
ذكرت به النار حتى لقد تخيلت إيقادها في عظامي
فيا رب عفوك عن مذنب يخاف لقاءك بعد الحمام وقال:
قبس بكف مديرها أم كوكب ينشق منه عن الصباح الغيهب
وأريج مسك فاح عن نفحاتها فذوائب الظلماء منه تطيب
قالوا الصبوح فقلت قرب كاسه إني لمهديها [بها] أتقرب
لا تسقني اللبن الحليب فإن لي في كل دالية ضروعًا تحلب
وذخيرة للعيش مر لعمرها عدد يشق على يدي من يحسب
دبابة في الرأس يصعد سكرها فتجد منا بالعقول وتلعب
[ ٧ / ٣٤١ ]
دارت بعقلي سورة من كاسها حتى كأن الأرض تحتي لولب
باكرتها والليل في حشاشة يستلها بالرفق منه المغرب
والجو أقبل في تراكب مزنه قزح بعطفه قوسه يتنكب
صابت فاضحكت النديم بأكؤس عهدي به من نقطهن يقطب
والبشر في شرب المدامة فارتقب منها سرور النفس ساعة تعذب فصل في ذكر الوزير الحكيم أبي محمد المصري
شيخ الفتيان، وآبدة الزمان، وخاتمة أصحاب السلطان، وكان رحل إلى مصر واسمه خامل، وسماؤه عاطل، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس وقد نشأ خلقًا جديدًا، وأجرى إلى النباهة طلقًا بعيدًا، فتهادته الدول، وانتهت إليه التفصيلات والجمل، وكلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد، وإياه قصد، فجرى مع كل أحد، وتمول في كل بلد، وتلون في
[ ٧ / ٣٤٢ ]
العلوم تلون الزمان، وتلاعب بالملوك بأفقنا تلاعب الرياح بالأغصان، حتى ظفر به المأمون بن ذي النون، فشد عليه يد الضنين، فوجد كنفًا سهلًا، وسلطانًا غفلًا، فسر وساء، وارتسم في أي الدواوين شاء، وكان بالطب أكلف، وعليه أوقف، فتعلق بسببه، حتى اشتهر به، ولم يكن من النفوذ فيه حسبما استذاع عنه الخبر، خلا أنه كان - زعموا - بصيرًا بطب النظر، وكان مع ما يحملع من هذا الفن حسن البيان مليح المجلس، حاضر الجواب كثير النادر، راوية للشعر والمثل السائر، نسابة للمفاخر، عارفًا بالمثالب والمناقب. وقفت له على شعر مجموع، عاطل اكثره من حلي البديع، وكان بالجملة روضة أدب ممتعًا للمجلس، وهيهات أن يأتي الدهر بمثله، وقد وصفه ابن حيان، في فصل قد أثبته في أول هذا القسم من الديوان.
فلما انصرفت الدولة الذنوبية، تحيز أبو محمد إلى إشبيلية، فأنس المعتمد بمكانه، وجعل له حظًا من سلطانه، ولم يزل في من يتردد عليه ويغشاه، حتى أشجاه من الخلع - حسبما وصفناه - ما أشجاه، وبقي أبو محمد على حاله، مشتملًا بفضل جده وإقباله، غير مستريب بدهره، ولا منكر لشيء من أمره، ممتعًا بآلاته، مقبلًا على لذاته، إلى أن توفي سنة ست وتسعين منتصف رجب الفرد.
وعلى ذكره، فقد أجريت طرفًا من نظمه ونثره، منبهًا على مكانه، ومشهدًا على ما وصفت من شانه.
[ ٧ / ٣٤٣ ]
فصل له من رقعة خاطب بها المعتمد بن عباد، وقد خرج عنه إلى مالقة، قبل القبض عليه، واستفتحها بهذين البيتين:
رحلت وفي القلب جمر الغضا وهجري لكم دون شك صواب
كما تهجر النفس حر الطعام إذا [ما] تساقط فيه الذباب وهذا المعنى مشهور، قد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، مثل قول بعضهم:
وتجتنب الليوث ورود حوضٍ إذا كان الكلاب يلغن فيه
كما سقط الذباب على طعام فتتركه ونفسك تشتهيه كتبت وقلبي متقلب على جمر الغضا، أحر من الرمضا، وصلت فقطعت، وسامحت فقوبحت، وارتفع علي الباطل فما سومحت، حميت بقرطبة أهلك وبنيك، وحفدتك وذويك، أصبتهم في منزل عالي الحيطان، وثيق الأركان، في شهر كانون، دون كن ولا كانون، ولا ما يدفع عنهم ريب المنون، أكف الرزايا تصافحهم، وجنوب المنايا تضاجعهم، لا يمنعهم من القر شعار، ولا يحميهم منه [١٢١] دثار، فأنفذت الفرش وآلاتها. وما يتعلق بجهاتها، وافتقدت بالطرف، وتاحفت بالتحف، وصنتهم صون الدر في الحقاق، والسواد في الأحداق، والأطواق في الأعناق، ومن عندك
[ ٧ / ٣٤٤ ]
يعلم هذا ولا ينكره، ويشكره ولا يكفره، وما كانت لك علي نعمة فأعارها، ولا سطوة فأخشاها، وإنما فعلت بالجوهرية التي ركبها الله في نفسي، والطبع الذي جبل عليه حسي:
ولكن أشخاص المعالي خفية على كل عين ليس تبصر باللب فهل سبق لأحد مثل هذا الوفاء، أو كان له شكل هذا الولاء، فإن قيل إن السموأل أتى بمثله وشكله، ليس الخبر كما ظن، ولا الأمر كما احستب.
ومن شعره في أوصاف شتى
قال:
ريم إذا رمت أن أحظى بموعده أقام لي بلسان الخلف أعذارا
وإن تلطفت لاستنزال سورته أصار قلبي لخيل الهجر مضمارا
إذا تذكرت أيامًا لنا سلفت خطت يد الشوق في الأحشاء أسطارا
قال الوشاة ودمع العين منحدر ودمعه فوق روض الورد قد حارا
يا مجري الدمع في عينيه في ذهب أما ترى الدر بالمرجان قد جارا
النار يحرقها قلبي بزفرته من العجيب فؤاد يحرق النارا وقال:
يا ناظرًا قد سل من ناظري إلى سواد القلب والخاطر
طيفك لما نام عن زورتي زادك [زاد] الكلف الساهر
[ ٧ / ٣٤٥ ]
ظلك أضحى لي بلا مريةٍ مؤثرًا في خدك الناضر
ما أرفق الله بأهل الهوى إذ صير الجور على الجائر وقد تقدم مثل هذا المعنى لعبد الجليل حيث يقول:
دعوت دعاء مظلوم عليه فعلق من عذاريه الذنوبا وقال:
الحب داء دواؤه القبل والرسل بين الأحبة المقل
يا حفظ الله ليلةً سلفت حيت ببدر سماؤه الكلل
بتنا وراح العفاف تلحفنا برد وفاء والشمل مشتمل
اثنان من شدة التعانق قد صارا كفرد بالروح يتصل
لو أن جود السماء أمطرنا لم يصب الأرض تحتنا بلل
حتى إذا غرة الصباح بدت وجفنه بالعبير مكتحل
فارقني وهو خائف وجل نشوان من خمرة الصبا ثمل
عيناي منه قريرة أبدًا والنار بين الضلوع تشتعل وقال:
قالوا الصديق شقيق النفس قلت لهم إن الصديق مع العنقاء قد طارا
[ ٧ / ٣٤٦ ]
اسم لعمري بلا جسم ولا نفس إلا كلامًا بزور القول قد سارا
فما ترى غير من يسقيك من يده أريًا وفي قلبه قد أضمر النارا
فنادم الكتب ما عمرت إن لها عندي وعيشك أسرارًا وأخبارا ومن قصيد له ابن حماد بلقين أوله:
الرأي يسبق وقع الصارم الذكر والعزم يفصل بين الخبر والخبر
والناس قد جمعوا في أصل خلقتهم لكنهم فرقوا في اللب والنظر
كالنور أوله نار وبينهما من التفاضل ما يخفى على البشر
كما تهدى ابن حماد وقد طلعت طلائع السعد تحدوها يد القدر
والناس قد رجموا الأقوال من حذر وقال بعضهم هذا من الغرر
حتى إذا أظلم الخطب المهم لهم جلوته بصباح البيض والسمر
ليس الجسوم لها صبر ولا جلد وإنما الصبر بالأرواح والفكر
لا تلق دهرك إلا راكبًا خطرًا فإنما تبلغ العلياء بالخطر بيته الثاني، من متداولات المعاني، ومنها قول الأول:
الناس أخياف وشتى في الشيم وكلهم يجمعهم بيت الأدم وأخذه التهامي فقال:
[ ٧ / ٣٤٧ ]
الناس متفقون في إيرادهم وتفاضل الأقوام في الإصدار وقوله: " ليس الجسوم لها صبر " البيت، هو شبيه بقول الآخر:
فالعبد صبر جسمًا والحر أصبر قلبا وقال من أخرى [يمدحه] ويذم بني رياح:
أبا المنصور ما للدهر عين سواك فوارها فهو الصلاح
ولا تتعرضن إلى رياحٍ فأعدى ما على العين الرياح
إذا حلفت رياح فاتهمها ورأس الحنث ما حلفت رياح
قبيلة لها في اللؤم بأس وعند المكرمات لها جماح
سبال اللؤم لا كانت سبال وجوه الذل والخد الوقاح
أناس في مفارقهم قرون ولكن بالفقاح هو النطاح
ولا تتزوجن لهم ببنت فللسودان عندهم مراح
بأرجلهن يستغفرن دأبًا فأرجلهن في الدعوات راح وذكرت بمعنى هذا البيت الأخير منها خبرًا أورده بعض الرواة عن شاعر أنشد زبيدة بنت جعفر شعرًا قال فيه:
[ ٧ / ٣٤٨ ]
أزبيدة ابنة جعفر طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما تعطي الأكف من الرغاب فجعل عبيدها يقرعون رأسه فقالت: دعوه فإنه أراد خيرًا فأخطأ، وهو أحب إلينا ممن أراد شرًا فأصاب، سمع قولهم: شمالك أندى من يمين فلان فظن [أن هذا مثل ذلك] .
وله من أخرى يستأذن في الجواز إلى الأندلس:
فيا أثلاث الجزع من مربع الحمى فؤادي على تلك الرسوم ينوح
فعل أبي المنصور يدني بسعده ركابي منها إنه لنزوج ومنها:
فسر إنما العلياء شخص مصور وأنت له دون البرية روح
أتيت بآي أعجزت كل عالم كأنك من بعد المسيح مسيح
ولو جيت للإنصاف ما جيت مادحًا لأنك من نجر السماح صريح
ومن أصبحت [فيه] المكارم جوهرًا بلا عرض فالمدح فيه قبيح
ولكن رأيت الشعر يثبت ذكره فلا غرو أن يهدى إليك مديح
[ ٧ / ٣٤٩ ]
وله من أخرى في باديس بن حبوس:
رسخت أصول علاكم تحت الثرى ولكم على خط المجرة دار
تبدو شموس الدجن من أطواقكم وتفيض من ثني البنان بحار
إن المكرام صورة معلومة أنتم لها الأسماع والأبصار
ذلت لكم قمم الخلائق مثلما ذلت لشعري فيكم الأشعار
فمتى مدحت ولا مدحت سواكم فمديحكم [في] مدحه إضمار وهذا من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يومًا بمدحة لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني وأخذه المتنبي فقال:
وظنوني مدحتهم قديمًا وأنت بما مدحتهم مرادي والمصري أيضًا القائل، من قصيدة كأخواتها طويلة دون طائل، أولها:
دعي لومي فما أنا بالمليم ولا من هجر سلمى بالسليم يقول فيها:
[ ٧ / ٣٥٠ ]
وإن شئت اختبار الناس جهرًا ولم تك بالتجارب بالعليم
فجرب من تشا منهم عيانًا وقد أصبحت في بردي عديم
فإن لم [تلف] ذلك مستحيلًا وترعى منه في مرعى وخيم
فقل إني دعي في نزار وإني ضد لقمان الحكيم
رأينا معشرًا لبسوا ثيابًا مجددة على عرض رميم
لهم دور مشيدة [] وأفعال محيلات الرسوم ومن المدح:
وما يحتاج يوم الحرب جيشًا فإن عداه كالزرع الحطيم
وإن أبقى لهم فرعون سحرًا ففي يده عصا موسى الكليم وقد تقدم إلى هذا المعنى أبو نواس بقوله، ونذكر خبرًا يتعلق بذيله:
كان أبو نواس قوي البديه، ويرتجل كل ما يقول ولا يرويه، فقال له الخصيب يومًا وهو يمازجه بالمسجد الجامع، أنت في الشعر غير مدافع ولا منازع، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره يقول مرتجلًا:
منحتكم يا أهل [مصر] نصيحتي ألا فخذوا من ناصح بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحيةٍ أكول لحيات القلوب شروب
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم فإن عصا موسى بكف خصيب
[ ٧ / ٣٥١ ]
ثم التفت إليه قال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع، فاعتذر إليه وأقسم أنه ما قال ذلك إلا مازحًا.
وقول المصري: " معشرًا لبسوا ثيابًا " البيت مع الذي بعده، ألم فيه بقول منصور الفقيه:
لبس الثياب وتشييد القصور وفي تلك الثياب علتها أنفس خربه
لأضربن رجائي ألف مقرعةٍ فيكم وأصلب آمالي على خشبه وقال المصري في ابن مجاهد من قصيدة، يرثي مهرًا أخذ له، وحكي أن الذئب أكله:
وقد أقمت لدهري وهو يظلمني حتى وصلت عليًا سيد العرب
وإن يكن ليس منهم في أرومته فإنه منهم في المجد والحسب
يا من إليه شكوناه فقال لنا شكوى القتيل [إلى] الخطية السلب ومنها:
يا ويح قلبي من دهر تعمدني بالنائبات فلاذت بي يد النوب
حتى بمهر هضيم الكشح ذي هيف كأن أجزاءه جأب على نسب
حلو الصهيل له في صوته فتن كأنه حين يشدو بالثقيل ربي
لولا تشكله في حين خلقته بالخيل أضحى مع العقبان في نصب
يا يوسف الخيل يا مقتول إخوته قلبي لفقدك بين الحرب والحرب
إن كان يعقوب لم يقنع بكذبهم إني لأقنع منهم بالدم الكذب
[ ٧ / ٣٥٢ ]
ومنها:
وما التناسب إن لم تكن أنفس القربى ذوي نسب وهذا من قول القائل:
إذا لم يرافقها أنتساب قلوب وقال من أخرى:
نفحة الخد جائل
لئن كنت من در القلائد عاطلًا فإن الظباء المشبهيك عواطل
وكل رسول قد بعثت مماطل
سقاني وخد الفجر يلطمه الضحى شمولًا لها من وجنتيه شمائل
بهارًا فأجدى ما علينا الرسائل
عليك زكاة من جمال وغرة وأنت بمفروض الزكاة تماطل ومنها:
فصاح وشاح هز إليك ولكن لم تجبه الخلاخل
رعى الله دهرًا قد نعمنا بطيبه لياله من شمس الكؤوس أصائل
لدى روضة غناء قنت قيانها وجاوبت الألحان منها البلابل
ونرجسها [در] على التبر جامد وقهوتها تبر على الدر سائل
[ ٧ / ٣٥٣ ]
وإن سأل الأقوام عن عرض منزلي فإني ما بين السماكين نازل
وأني قد قلدت سيف مآثر له من علي المكرمات حمائل إلى أبيات غير هذه من قصيدة طويلة اهتدم فيها أبو محمد قصيدتي أبي الطيب والمعري اللتين في وزنها ورويها؛ وقوله: " عليك زكاة من جمال " البيت، من قول المعري أيضًا:
لغيري زكاة من جمال فإن تكن زكاة جمال فاذكري ابن سبيل وعلى [ذكر] هذه الزكاة فما أملح ملح البستي في تلك الفقهيات حيث يقول:
أقول لشادن في الحسن فرد يصيد بلحظه لحظ الكمي
ملكت الحسن أجمع من نظام فأد زكاة منظرك البهي
وذلك أن تجود لمستهام برشف من مقبلك الشهي
فقال أبو حنيفة لي إمام ويفتي لا زكاة على الصبي وقال الحصري الكفيف في مثله:
وظبي غرير هز أعطافه اللين وسمته ريحان المحب الرياحين
[ ٧ / ٣٥٤ ]
أقول له والحب يفتي برخصةً عليك زكاة [ما] ونحن مساكين
فقال ولم يعلم زكاة أردتها وكيف أؤديها ولم يحن الحين
فقلت زكاة الحسن أعني فقال لا أؤديك فالعشاق [ليس] لهم دين جملة من مقطوعات المصري في فنون مختلفة
في صفة قصر طليطلة:
قصر يقصر عن مداه الفرقد عذبت مصادهر وطاب المورد
نشر الصباح عليه ثوب مكارم فعليه ألوية السعادة تعقد
وكأنما المأمون في أرجائه بدر تمام قابلته أسعد
وكأنما الأقداح في راحاته در جماد ذاب فيه العسجد وله في صفة البركة والقبة عليها:
شمسية الأنساب بدرية يحار في تشبيهها الخاطر
كأنما المأمون بدر الدجى وهي عليه الفلك الدائر
[ ٧ / ٣٥٥ ]
يا حبذا العود فكم من فتىً باح له اليم بأسراريه
غنت عليه الطير رطبًا وقد غنت به لما قسا جاريه
فهو على أخلاقها قد جرى وهي على أخلاقه جاريه وبيته الثالث كقول ابن قاضي ميلة:
جاءت بعود يناغيها ويسعدها فانظر بدائع ما خصت به الشجر
غنت على عوده الأطيار مفصحة غضاص فلما ذوى غنى به البشر
فلا يزال عليه أو به طرب يهيجه الأعجمان: الطير والوتر وقال المصر من جملة أبيات خاطب بها صاحب المدينة يشفع للفقيه البر الطليطلي:
يا ما جدًا أصبح من رفعةٍ منزله تحت نجوم الفلك
هدا الفقيه البر ما ذنبه لقد غدا قبرةً في الشرك
أيؤخذ المسكين مع فتية قد عقدوا الأمر لحل التكك
وقارعوا بالبيض بيض الخصى وطاعنوا الأشراج [في] المعترك
[ ٧ / ٣٥٦ ]
وهذا مثل ما أنشدنيه لنفسه أبو بكر الخولاني المنجم، مما خاطب به بعض الحكام يشفع للقلمندر، وقد أخذ في مثل ذلك سكرانا:
إن درء الحدود بالشبهان لحديث رواه [كل] الثقات
ما أراه إلا تناول تفا حًا فنمت عليه في الطرقات [١٢٤] نفحات التفاح والراح والأترج للمرء جد مشتبهات فبتلك الشمائل المخجلات الروض غب الغمائم الهاطلات
وبحلم إليه مذ كنت تعزى وبصبر تعزى له وأناة اعف عنه وأعفه من ثمانين تدمي أعطافه المائسات واقل ذنبه وعثرته فهو بمرآه من ذوي الهيئات وقال:
وشادن طالبته قبلةً فأظهر الإعراض والصدا
ورسل الدر على عسجد من سبج فانتظما عقدا
فقلت إذ أبصرته باكيًا نرجسة العين سقت وردا وهذا كقول [الآخر]:
[ ٧ / ٣٥٧ ]
كأن تلك الدموع قطر ندى تسقط من نرجس على ورد وقال في صباه في طريق بلاد المشرق وقافلًا من الحجاز:
ألا يا هند قد قضيت حجي فهات شرابك العطر العجيبا
فقد ذهبت ذنوبي في الليالي فقومي الآن نقترف الذنوبا
خلطنا ماء زمزم في حشانا بماء الكرم فامتزجا قريبا
وطاف بها غزال كسروي طبيب النفس يدعوه طبيبا
أطاعته الجسوم فساعدته كذاك يكون من ملك القلوبا
بدا غصنًا وأطلع بدر تم وأضمر في مآزره الكئيبا
نراه في تواصله بعيدًا ونلقى وعده أبدًا قريبا وقال:
أي هلال أطل فينا نطلعه الطوق والجيوب
كحيل طرف ثقيل ردف مبسمه اللؤلؤ الرطيب
يقودنا كيف شاء طوعًا لأن أعوانه القلوب
[ ٧ / ٣٥٨ ]
وله في بعض إخوانه وقد عذر غلام كان يهواه:
يا ذا الذي عذر خل له أتحت عيش العز معنى الهوان
لم ينبت الشعر على خده بل دب في أعضائه عقربان
رفقًا على نفسك لا تفنها فجوهر الأنفس شيء يصان
وسقه من مزة عتقت لتقتضي الحب بلا ترجمان وله في غلام وسيم رمدت عيناه:
قال خلي وجفوني لا تغطي مقلتيها
سقم عيني أراه بعث السقم إليها
أم ترى توريد خدي نفض الورد عليها
قلت لا أدري ولكن أنا من قتلى يديها وقال:
رمدت عيني فجاءوا دون رأيي بطبيب
وطبيب العين أغمى في مداواة القلوب
رمدي من فقد خلي فاكحلوني بالحبيب وما أحسن ما قال بعض أهل عصري، وقد تقدم إنشاده:
إذا رمدت بحمرته عيون شفاها منه إثمد عارضيه
[ ٧ / ٣٥٩ ]
في ذكر أبي محمد ابن الطلاء المهدوي
أحد أضياف المعتمد، وقد أجريت ذكره في ما مر من هذا المجموع، ووصفت أن شعره عاطل من حلي البديع، وأفرط في باب الاستعارة وأبعد، وخرج فيها إلى حيز الإضحاك بما برد، كقوله متغزلًا:
بقراط حسنك لا يرثي على عللي وكقوله في الوزير الأجل أبي بكر بن زيدون:
شبيلية وابن زيدونها أتى في قراه على شينها وسمعته ينشد المتوكل شعرًا قال فيه:
أفاقت بك القطار من برص البلوى ومن أشبه شعره في المعتمد قوله من قصيدة أولها:
فتحت سعودك كل باب مغلق فتهن ذلك وابق يصلح ما بقي يقول فيها ومدح ابن عمار حين دخوله بمرسية وخروج بني طاهر منها حسبما وصفتها:
[ ٧ / ٣٦٠ ]
إن ابن عمار حكى عمرو القنا للمستجير وحاتمًا للمملق
لما وصلت المغرب الأقصى به هجر الكرى فاقتاد ملك المشرق
بمصرف الجيش اللهام بحكمة سمكته بالإسكندر المتلحق
يسري بنية خالص، من خلفها صدر كمثل السور خلف الخندق
ويصيد عنقاء الأماني التي أعيت صواه خلاف صيد الخرنق
فبجود وببأسه وبجيشه هو فيلق في فيلق في فيلق ومنها:
يا أيها الملك السعادة أطبقت جفنًا عليك فبت بجفن مطبق
هبط المطوق جبرئيل منظمًا لك در كل كرامة فتطوق
ما غيرك الملك المطوق وحده أبدًا بروح القدس فأفتق وارتق
ما دولة إلا ونادت بعلها وأفاك مقتض البلاد فطلق [١٢٥]
فليعترف بالجود كل مشعوذ ويقر بالإنصاف كل ممخرق
الأرض كالشطرنج فادع ملوكها ما الرخ في حركاته كالبيدق
يا يوسفي الحسن والصدق استمع أحلى محاورة وإن لم تنطق
نادتك هيت لك البلاد بأسرها فتح، سيرك من ينادي غلق
ولو استطاعت مصر إذ لم تدنها جعلت تقول عشقت من لم يعشق
[ ٧ / ٣٦١ ]
وجميل صنعك في البلاد وأهلها مغنيطس فيجذب قوته ثق
لكفاك أندلس فنفس كل من ترضيك طاعته وإلا خنق
من حمص تفتح حمص غير مدافع عنها وتفتح جلقًا من جلق وأخبرني أبو بكر الخولاني المنجم قال: كتب إليّ أبو محمد المهدوي بهذه الأبيات يستهدي مشروبًا:
قل للوزير فتى خولان خولني علمي بفضلك ميزًا فهو ميزاني
رصدت في فلك الأشواق بدر هوىً له رقيب ثقيل مثل كيوان
فابعث إليّ براحٍ مثل ريقته فمثلها كان يسقى عند رضوان ويا بعد ما بين هذا وبين [قول] بعض أهل عصرنا، وهو أبو حاتم الحجاري يستهدي أيضًا مشروبًا من الحكيم أبي الأصبغ البلنسي بقرطبة:
يا من سقاني الكؤوس سائغةً وكأس أخلاقه غدا أسوغ
ساعدني للمبيت ذو هيف وذو لسان مستعذب ألثغ
أبلغت في وصفه [على] سني لكن رأيت السكوت بي أبلغ
وقلت والسر لا أبوح به من حق هذا الحديث أن يمضغ
ما [إن] ترى ساعة الخلو به وقد بداني الشيطان أن ينزغ
[ ٧ / ٣٦٢ ]
والليل قد أسبغت ذوائبه على هلال فروعه أسبغ
قهقهت أثناء ذاك من ضحك قهقهة الجام يا أب الأصبغ
فرش جناحي وما قرأت فقل قوالب السحر هكذا تفرغ وقال أبو حاتم في مثله:
يا سيدي والنهار تبصره منسجم الدمع مطلق الأفق
وعندي البدر قد خلوت به وفوق خديه حمرة الشفق
جاذبته الحبل فاستقاد وكم جريت جري الجموح في الطلق
وقد هززناك كي توجهها في الشعر هز القضيب في الورق وقال الأديب أبو محمد بن صارة الشنتريني:
أعندك أن البدر بات ضجيعي فقضيت أوطاري بغير شفيع
جعلت ابنة العنقود بيني وبينه فكانت لنا أمًا وكان رضيعي
[ ٧ / ٣٦٣ ]
فصل في ذكر الأديب الفقيه أبي بكر
ابن الحسن المرادي القروي
وإثبات قطعة من أشعاره، وطريف أخباره
وكان أبو بكر هذا فقيهًا فطنًا، وشاعرًا لسنًا، ممن جمع براعة الفقهاء، وبراعة الشعراء والنبهاء، وتصرف تصرف المطبوعين، وتكلم بألسنة المجيدين؛ أشعار كصفحات البدور، ودواوين كأثباج البحور؛ وتقلب أبو بكر بين السهول والحزون، تقلب الميل بين أطباق الجفون، وقلت دولة من دول ملوك الطوائف بالأندلس إلا وقد ابتغى إليها الوسيلة، وأعمل في الهجوم عليها حالًا وحيلة، فتنزوي عن مكانه انزواء الخائف من الرصد، وتغص بإحسانه غصص العين بالمرد، ثم كر إلى أمراء المرابطين بالمغرب فانخرط في أسلاكهم، وعرض بنفسه على أملاكهم، ووقع آخرًا منهم إلى محمد بن يحيى بن عمر، فاقتعد صهوة منبره، وولي قضاء معسكره، وأخذ ينجد ويغور، وطفق يدبر ويدير، وإنما أراد أن يسلك في حمل دول المرابطين، مسلك عبد الله بن ياسين، ولم يدر أنها أقدار محتومة، وحظوظ مقسومة، فلم يحصل إلا على بعد السفر، وانقطاع العين والأثر، وتوفي ﵀ بدكول من بلاد الصحراء، حيث لا يروق وجه النهار، ولا يحمد صوب القطار.
[ ٧ / ٣٦٤ ]
وقد أخرجت مما وجدت من شعره ونثره. ما يستخف رواسي الجبال، ويستوفي ضروب [السحر] الحلال.
فصل له من رقعة كتبها عن بعض الأمراء جوابًا عن كتاب ورد من بعض العمال الجهال يهول فيه: وقفنا على كتابك الذي طال فقصر، وكبر جرمه فصغر، صدرته بنون التعظيم، وسطرته بمجدك الحديث والقديم، وخاطبتنا فيه بالألفاظ الحجابية، التي تخاطب بها غوغاء الرعية، ارجع - أصلحك الله - عن هذا الأدب، وتأدب في خطابك لذوي الرتب، فقد أطعنا فيك [١٢٦] سلطان الحكم، لانتسابك إلى اسم العلم.
واجتاز على مدينة مرسية في مدة رياسة الكاتب الماهر، أبي عبد الرحمن ابن طاهر، فأنزله هنالك بدار اتفق أن يدخل فيها قبل أن تفرش له، وابن طاهر قصد ذلك، ليرى ما يأتي من بديهته هنالك. فكتب إلى ابن طاهر رقعةً قال فيها: بيد أنني نزلت هذا المنزل الجديد بالرحل القديم، نزول السفر، بالبلد القفر، فهو معمور، إلا أنه بور. وما هو إلا أنه محيل قليل السكون والغموض، كثير البراغيث والبعوض، لفقد الستور، ويرضي البراغيث فقد السرير: الطول والعرض، والسماء والأرض، فقد كثر رهطه، وقلت نمارقه وبسطه؛ قراءتي في أكنافه: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى﴾ (طه: ٥٥) .
[ ٧ / ٣٦٥ ]
وبلغه عن بعض الشعراء بمرسية أنه هجاه، فبعث إليه رجلًا كان يتصرف له يعرف بابن المقدم فصفعه، فاستعدى عليه ابن طاهر، فكتب إليه المرادي بأبيات منها قوله:
تعرضني كلب بهجو مخذل كقيء السكارى أو هراء المبرسم
فأنفذت من وقتي إليه سحائبًا من الصفع يحدو وفدها ابن المقدم
فحامت عليه كالجراد تساقطت من الجو في أنوار روض معمم
وغنى دوي النعل في صحن رأسه " ألا عم صباحًا أيها الربع واسلم " وكان بالمرية مؤدب يسمى وليد بن عبد الوارث وينبز بالبقري كان يقول بقدم الحروف، فألف المرادي في ذلك رسالة رادًا علي وقصيدة قال فيها:
لا در در سخافة شنعاء جاء بها الوليد
كفر تكاد له الجبا ل على ثقالتها تميد
قل للرئيس الأحوص ني ورأيه أبدًا سديد
حمق المؤدب فادعى من بينهم ما لا يجيد
مكنتموه من الكلا م وجهله أبدًا يزيد
وتركتموه مسرحًا أين السلاسل والقيود -
أغلا الحديد بأرضكم أم ليس يمكنه الحديد
[ ٧ / ٣٦٦ ]
وكانت بينه وبين الشيخ أبي محمد عبد العزيز التونسي مناقضة في مسائل من العلم، فسافر المرادي عن أغمات، وكتب عند رحلته إليه بهذه الأبيات:
قل لعبد العزيز يكثر من بعد ي ما شاء منه قيلًا وقالا
وتشجع ما غبت عنك فإنا قد ضربنا لك الأمثالا
" وإذا ما حلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا " وساير المرادي يحيى بن بانو بسجلماسة. فاتفق أن سقط كاتب له كان يكنى بأبي الأصبغ عن دابته، وقام بأثر جرحٍ في وجههن ثم اتفق أن سقط إثر ذلك أيضًا المرادي وقام دون أثرٍ عليه، فقال أبو الأصبغ: وهذا الفقيه أيضًا سقط؛ فقال المرادي من جملة أبيات:
فشتان بين وقوعي أنا وبين وقوع أبي الأصبغ
فذاك سقوط يشج الوجوه وهذا سقوط كما ينبغي
[ ٧ / ٣٦٧ ]
الأديب أبو الحسن البغدادي المعروف بالفكيك
من جملة هذه الطائفة المذكورة، على الجزيرة، ومع بديهة كانت له قوية، توفي على الروية، استهدم عدة قصائد، لغير واحد، من أهل الشام والعراق، وغيرها من تلك الآفاق، وكان مع ذلك حلو الحوار، مليح التندير، يلهي ويضحك من حضر، ولا يضحك هو إذا ندر، وقيه يقول النحلي:
لو بيع يومًا فكيك وبين فكيه دره
ضربت من يشتريه بخريةٍ ألف مره وكان الفكيك قصيرًا دميمًا، ورأيته يومًا قد لبس طاقًا أحمر على بياض، وفي رأسه طرطورًا أخضر، وقد عمم عليه عمةً لازورديتن وهو ينشد بين يدي المعتمد شعرًا قال فيه:
وأنت سليمان في ملكه وبين يديك أنا الهدهد فأضحك من حضر.
[ ٧ / ٣٦٨ ]
وسمعته أيضًا ينشد في جملة قصيدة في المعتمد:
أبا القاسم الملك المعظم قدره سواك من الأملاك ليس يعظم
لقد أصبحت حمص بعدلك جنةً وقد أبعدت عن ساكنيها جهنم
ولي بحماك الربع عام وأشهر أزخرف أعلام الثناء وأرقم
وأنفقت ما أعطيتني ثقةً بما أؤمل فالدينار عندي ردهم
وقلبي إلى بغداد يصبو وإنني لنشر صباها دائمًا أتنسم وكنت يومًا بدار أبي بكر الخولاني المنجم بإشبيلية مع لمة من الأدباء، فأفضى بنا الحديث إلى ما للشعراء من ملح التضمين [١٢٧] في المديح والهجاء، فأنشد بعضهم ما حضره من تضمينات الحمدوي في الطليسان وشاة السعيد. وأنشد آخر قول القائل في الحسن بت وهب، وتضمن بيت مهلهل:
وسائلتي عن الحسن بن وهب وعما فيه من كرمٍ وخير
فقلت هو المهذب غير أني أراه كثير إرخاء الستور
وأكثر ما يغنيه فتاه حسين حين يخلو بالسرور
" فلولا الريح أسمع من بحجرٍ صليل البيض تقرع بالذكور "
[ ٧ / ٣٦٩ ]
وأنشد بعضهم قول الآخر، وضمن بيت النابغة فقال:
يا سائلي عن خالدٍ عهدي به رطب العجان وكفه كالجلمد
" كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعياله وأسفله ند " فدخل الفكيك ونحن من هذا الحديث المستطرف على طرفي، فقال: أحسن من جميع ما أنشدتم أبيات زعم أنه قالها في البديع يهجوه وهي:
رأيت البديع على أربعٍ وقد عاينته عيون البشر
يقول وقد شرعت خلفه كماة الفحول رماح الكمر
فلا وأبيك ابنة العامري لا بدعي القوم أني أفر " فكان الجماعة لم تحبه لكثرة حمقه، وفجاجة خلقه، ثم حركت الفكيك أريحية العجب لسكوت أهل المجلس عنه هنالك، فكأنه غاظني ذلك، وقلت: لم تأت أنت بشيء، ومن حضر لم يصمت عنك، وإنما أردت أن تحذو حذو كاتب بكر حيث يقول وضمن بعض أبيات لامرئ القيس، فقصرت عنه وهو قوله:
حديث أبي الفضل شيء نكر إذا ما تذكرته أقشعر
مررت به وعليه الغلام ومن خلفه ذنب مستطر
[ ٧ / ٣٧٠ ]
" فلا وأبيك ابنة العامري " ما هاب مني ولم يزدجر
فقال وقد قام عنه الغلام وماذا عليك بأن تنتظر
فقال أرى رجلًا واقفًا فقال هلبت ألا تنتصر
" فلو أن قيسًا وأشياعها وكندة حولي جميعًا صبر "
لما رمت أو تنقضي حاجتي " ولا يدعي القوم أني أفر
فوليت عنه على خجلةٍ فثوبًا نسيت وثوبًا أجر "
وراكبه فوقه مثلما " أكب على ساعديه النمر " فلما انتهت إلى آخر هذا الوصف، سكت ولم ينطق بحرف.
ومن شعر الفكيك - على زعمه - قوله من قصيدة أوله:
معاهدهم حلت رباك عهود وحلت عقود المزن فيك رعود
وأبكت عيون السحب فيك روائح تضاحك أغوار بها ونجود
وحاكت لك الأنواء كل ملاءةٍ عليك بها من رقمهن برود
بها نثرت كف الصبا لؤلؤ الندى فمنها بأجياد الغصون عقود
وحيا نسيم الود آرام رملةٍ وحيًا حواه عالج وزرود
فكم من عميدٍ فيه قلب قلبه على جمر نار الشوق وهو عميد ومنها:
[ ٧ / ٣٧١ ]
وقفنا بركب الوجد نبكي معالمًا وكل بخيل بالدموع يجود
وقيد إنسان العيون جمالها وكل جمال للعيون قيود
بكى بعدهم حولًا وأوسع عذره بما [سنه] في العالمين لبيد
وذرى على ربع العقيق دموعه عقيقًا ففيها توأم وفريد
شهدت وما تغني شهادة عاشق بأن قتيل الغانيات شهيد ومنها:
إذا قابلوه قبلوا ترب أرضه وهم لعلاه ركع وسجود
وقد حازهم نقص وأصبح قدره على رغمهم في المأثرات يزيد
سهرت وأحداق النجوم رقود وقمت إليها والملوك قعود
وقد هز منك الله للملك صارمًا تقام بحدي شفرتيه حدود
وربعك مخضر به ينبت الغنى ويورق في دوح المكارم عود وله من أخرى:
لأية حالٍ حال عن سنة العدل ولم أصغ يوماص في هواه إلى العذل
ولا خطرت ذكرى سلوٍ بخاطري ولا طمعت نفسي لما عنه لي يسلي
[ ٧ / ٣٧٢ ]
إذا كان لا يرضيك إلا منيتي فيا قاتلي من قتلتي أنت في حل
وليل كأن الأنجم الزهر نرجس به في رياض فتحتها يد الطل
على زهرات كحل القطر مرهها سقتها ثدي المزن علا على نهل
كأن عليل الطل فوق عيونها دموع التصابي حرن في الأعين النجل
وكم عطر الروض النسيم كأنه نسيم نشيد الملك في الحزن والسهل
يجرد من غمد الندى صارم الحيا فتضرب يمناه به عنق البخل
وكم ميسم من وجود يمناه عاجل لراجي نوال منه في جهة المطل
تملكت رقي بالعوارف منعمًا وأغنيتني بالجود عن كل ذي فضل
وأنسيتني أرض العراق ودجلةٍ وربعي حتى ما أحن إلى أهلي [١٢٨] وكان يرهق في دينه، فأفضت به الحال، في إشبيلية إلى الاعتقال، فمن شعره في المعتمد وهو مسجون:
أيا ابن عباد الملك الذي يده من فيضها الرزق بين الخلق مقسوم
أضحى مديحك في درع العلا عطرًا به تنفس منثور ومنظوم
وكنت أحسد إما كنت أنشده فاليوم ها أنا بين الناس مرحوم
فمن رأى شاعرًا في السجن مطرحًا في ظلمة وهو بالبهتان مظلوم
ناديت حلمك والأقدار حائمة كصاحب الحوت نادى وهو مكظوم
[ ٧ / ٣٧٣ ]
فاحلل بيمنك ربق الأسر عن عنقي فأنت بالفضل والإفضال موسوم ومن أخرى في ذلك:
يا محييًا بنداه ميت آمالي ومصلحًا في فساد الدهر أحوالي
إني لأعجب من سجن به أمنت نفسي من الخوف في عريس رئبال
ولم أر فيه مثل السيف أغمده من انتضاه لأشعاري وأقوالي
أمسي وحولي رجال في الكبول [وهم] مقرنون بأصفاد وأغلال
كم قائل لي واثوابي مدنسة وقد غدوت مذالًا مثل أذيال
أصرت ترفل في الأسمال قلت لهم أسمالي اليوم بين الناس أسمى لي الأديب أبو زكريا يحيى بن الزيتوني من مدينة فاس
أحد من وفد أيضًا على هذا البلد أيام ملوك الأندلس، وله شعر بديع، وتصرف مطبوع. وكان حاضر الجواب، ذكي الشهاب، قال له ابن زيدون أبو الوليد يومًا، وهو بين يدي المعتضد وكأنه استجهله، أو أراد أن يفحمه ويخجله: أفاسي أنت يا أبا زكريا - يوهم أنه يسأله عن بلده
[ ٧ / ٣٧٤ ]
وخبأ له فيها شيئًا فهمه يحيى بصفاء خلده، وأجابه سريعًا بفضل توقده، فقال: منسوب - أعزك الله - فأعجب به عباد؛ ولج ابن زيدون فقال: نعم الفتى أبو زكرياء، وفهم ابن الزيتوني تصحيفه، فصدمه بمثله، ورماه بشكله، فقال له - وقبل يده -: عبدك أعزك الله، فخجل أبو الوليد وتشور، واستخف الطرب جميع من حضر.
ومن شعره في المعتضد يستنجزه:
سفينة الوعد في بحر الوفا وقفت فامنن بريح من الإنجاز تجريها وله من قصيدة أولها:
فقت الهلال بذا الجمال فواسه وجرحت باللحظ الغزال فآسه يقول فيها:
لم أفن دمعًا في سواه ولا جرى قلم بغير ثناه في قرطاسه
فلقيت من كلفي به ما لم يكن لاقى سحيم من بني حسحاسه
ما البحتري وإن أرق نسيبه وأجاد وصف الروض في بطياسه
وأتى بتشبيهات حسن نسيمه ونوادر بصفات عين طماسه
[ ٧ / ٣٧٥ ]
بأرق من شعري وأحسن موقعًا منه اليناقي في حلى أنفاسه طماس كان ابن أخي إبراهيم بن العباس، وكان البحتري يتولع بوصف عوره.
[فصل في ذكر] الأديب أبي بكر بن العطار، اليابسي الدار
ويابسة من الجزائر الشرقية، وهي من الأندلس في سمت دانية، وهو من جملة من لقيته وأنشدني شعره، ولم أحفظ منه عند تحريري هذه النسخة إلا أبياتًا من قصيدة في المعتمد أولها:
بحد عزمك نصلت القنا السلها قدمًا وأججت في ماء الظبا لهبا يقول فيها في صفة البحر وجواز المعتمد له في وجهته إلى أمير المسلمين وأنشدها يوم أنشده عبد الجليل قصيدته البرمكية المتقدمة الذكر:
كيف اضطربت به قدست من جبل لو دكت الأرض من حوليه ما اضطربا
[ ٧ / ٣٧٦ ]
وضاق لو استنهضت طرفك أن يجتاب طافحه في وثبة وثبا
وكان كالسيف ألقت فوق صفحته مدارج [الريح] من تكسيره شطبا
وكان من بعض ما أهدت مكارمه سوابق لو تباري بارقًا لكبا
من كل أشوس سامي الطرف منجرد قيد الأوابد سباق لما انتدبا
إلى نجائب خوص في حقائبها ما شئت من شرف يستنفد الحقبا
يهوي بمتخذ الماذي من درق إذا استخف الكماة البيض واليلبا
إذا استطال رماح الخظ فونسه سما فأدرك من أطرافها العذبا
فدس [فديت] بخيل الله أندية للشرك تصطام الأوثان والصلبا
واجل الظلام بوقاد الفرند كأن في صفحته [جمعت] الماء واللهها [١٢٩]
يروق مضطربًا ماء الصقال به كأنه جدول هبت عليه صبا
ولا ترد حديد الهند ذا وضح حتى يرى بنجيع الكفر مختصبا
تفتر من الليالي الغر عن لعس تخال إفرنده من فوقه شنبا
ولا تحل يدًا من كعب ذابلة إلا لتملأها نهدًا وقد كعبا ومنها:
فالأرض تقلق من جيش قفلت به والجو يعثر فيه من قنًا وظبا
جيش إذا ما [قتام] النقع جلله كانت سيوفك نارًا والعدا حطبا
[ ٧ / ٣٧٧ ]
من كل ملتم والبيض سافرة والشمس قد كسيت من قسطل حجبا
جمت مياه وجوه القوم فاتخذوا من الحياء على أبشارها نقبا
وليس ينفك من سحب تظلله إن لم تكن رهجًا كانت دخان كبا ومنها في صفة الزورق:
يبدو على الموج أحيانًا وتضمره كالأيم يعتسف الأهضام والكثبا
أمطاك عزمك منه متن سابحة خلت الحباب على لباتها لهبا وله من أخرى:
أقسمت بالزرق والهندية الذلق والأعوجية والمهرية اللحق
لأنت بدر سماء الملك تحرسه شهب الأسنة عن إصغاء مسترق
وأنت يا فتح عن فتح خصصت به وعم كلا عموم العارض الغدق
جاء البشير به تذكو ذلاذله كأنما المسك مذرور على الطرق
فراق أعيننا [ما] في صحيفته كأنه شعر في عارض يقق
والجيش قد جعلت أبطاله مرحًا تختال عن خيلاء السبق العتق
هزت نواصيها لما قفلت بها قب البطون لما فيها من اللحق
[ ٧ / ٣٧٨ ]
هي البحور ولكن في كواثبها عند الكريهة منجاة من الغرق
إذا تسعرت الهيجاء أخمدها ما في معاطفها من ندوة العرق وله من أخرى:
يا حبذا شهب الذوابل ما اعتلى من نور وجهك فوقها لألاء
والبيض سافرة الوجوه كأنما لخدودهن من اللقاء حياء
تشدو بهام المشركين فيعتري أذن الهدى لغنائها إصغاء
والجيش مضطرب البنود كأنه تحت العواصف لجة خضراء
ثابرت في طلب العدو مغاورًا حتى اشتكى التأويب والإسراء
فصدرت والإسلام فوق جبينه وضح تضاءل عن سناه ذكاء
والكفر منحطم الفقار بعنقه خضع وفي أجفانه إغضاء
فتسنموا قلل الجبال وعنده أن البسائط والجبال سواء
هيهات يعجزه العدو لو أنه فوق اليفاع فريدة عصماء
وإذا أقام على الرضى في بلدةٍ رب البنات بها وماج الماء
[ ٧ / ٣٧٩ ]
فصل في ذكر [ابن القابلة السبتي]
وأنشدت لعبد الله بن القابلة السبتي:
الشيب في مفرقي حلا وعقد عهد الملاح حلا
وكان كالآبنوس رأسي فاحتله عاجه فحلى
وحرمت وصلي الغواني وقلن قتل العميد حلا وكان ابن القابلة هذا يومًا مع ابن عبادة بالمرية، فنظر إلى غلام وسيم شدي البياض يسبح بالبحر، وقد تعلق بأحد المراكب، وبقي نصف جسده بالماء، فقال له ابن عبادة:
انظر إلى البدر الذي لا لك فقال ابن القابلة:
[ ٧ / ٣٨٠ ]
في وسط اللجة يجلو الحلك
قد جعل الماء مكان السما واتخذ الفلك مكان الفَلَك وأنشدت له:
ووجه محب رق حسنًا أديمه يرى الصب فيه وجهه حين ينظر
تعرض [لي] عند اللقاء به رشًا تكاد الحميا من محياه تعصر
ولم يتعرض كي أراه وإنما أراد يريني أن وجهي أصفر وأنشدت له يصف القتلى:
تركتهم نهب الفلاة ووحشها شعورهم شعث وأوجههم غبر
تظل سباع الطير عاكفة بهم على جثث قد سل أنفسها الذعر
وقد عوضتهم من قبور حواصلًا فيا من رأى ميتًا يطير به قبر وهذا كقول التهامي:
[ ٧ / ٣٨١ ]
حمتهم قبور من ذياب وأنسر تروح باشلاء الدفين وتغتدي
فمن حامل فوق البسيطة ملحدًا وآخر يهوي في السماء بملحد قال ابن بسام: إلى هذا المكان انتهى ما انتخبته من أشعار هذه الفرقة الوافدة من المشرق، على بلاد هذا الأفق، ونتلوه إن شاء الله بأخبار من وعدنا أن نأتي بذكره من أعيان أهل الآداب، وأعلام الشعراء والكتاب، ممن كان [١٣٠] بالمشرق ومعاصرًا لطبقة هذا الكتاب، وقد قدمت السبب في اجتلاب أخبارهم، وانتخاب أشعارهم
[ ٧ / ٣٨٢ ]
ملحق القسم الثاني (قراءات النسختين ك ل)
١١: - ٨ هي كانت قاعدة (ك)
١١: - ١٥ - ١٦ لأولي العقول وذوي العلوم (ك)
١٣: - ٣ ولا مشيرًا إليه (ك ل)
١٨: - ١٨ إلا وبه شيء راتب (ك)
٢٠: - ٦ فهتكت أستارها وخربت ديارها (ك)
٢٠: - ٩ - ١٠ هذه الغزاة وتجاوز البلاء برعيته (ك)
٢١: - ٨ واستخرجوا بذلك ما ادخروه (ك)
٢١: - ١٣ فلا يقاتل الأعداء (ك)
٣٢: - ٨ فمن ذلك قوله وذكر فتح رندة (ك)
٣٩: - ٥ بأي شيء صنع (ك)
٤٠: - ١ لم تجره الوفادة (ك)
[ ٧ / ٣٨٣ ]
٤٢ - ١ لا يجد إلا رائثا (ك)
٤٨: - زاد في (ك) بعد السطر:
فالنفس جازعة والعين داعية والصوت منخفض والطرف منكسر وبعد السطر العاشر:
قوم نصيحتهم غش وحبهم بغض ونفعهم أن صرفوا ضرر
يميز البغض في الألفاظ إن نطقوا ويعرف الحقد في الألحاظ إن نظروا (وانظر ديوان المعتمد: ٣٨)
٥٦: - ٩ وحذرًا من حضور الوفاة (ك)
٥٨: - ٤ قبل القبر ومرغ جبينه (ك)
٥٩: - ١٢ رواهما الرواة على روي اللام (ك)
٦٨: - ١ وعند ذلك أيضًا قال (ك)
٦٨: - ٨ ما أعجب الحادث (ك)
٨٠: - زاد في (ك) بعد السطر: ١٢
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ في ضمّ رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمل واديهم ليسكنه خف القطين وجف الزرع بالواد
وأنت يا فارس الخيل التي جعلت تختال في عدد منهم وأعداد
[ ٧ / ٣٨٤ ]
لما دنا الوقت لم تخلف له عدة وكل شيء لميقات وميعاد ٨١: ٣ والنوح يتبعها (ك)
٨١: - ١٥ عبد الله بن أبي سعيد (ك)
٨٦: - ٨ وصحت منابته في الكرم (ك)
٩٢: - ٨ ومن كلام المحدثين مما أجروه فجرى (ك)
٩٦: - ٥ من تأويل الدواواين (ل)
١٠٧: - ٩ تقول في كل معنى (ك ل)
١٠٩: - ٣ غربت ألبابنا (ك ل)
١١١: - ٣ وقال أبو عامر (سقطت لفظة الوزير في ك ل)
١١٣: - ٣ وذوي الرياسة والفهم (ك)
١٢٥: - ٨ وقد أخرجت من نظمه ونثره ما يشهد بنبله وفهمه (ل)
١٢٧: - ٥ - ٦ وقد اقتضبت من الرسالتين بعض الفصول (ك)
١٢٨: - ٢ فإن لكل واحد منها (ل)
١٣٠: - ١٢ وقوام أمرها به (ل)
١٣٠: - ١٥ ولما أن قرأته (ك ل)
١٣٨: - ١٨ فليس يرغب في الحرام (ل)
١٤٢: - ٣ بالله من شيطانك استعذ (ل)
١٥٠: - ١٠ كما تجاوب أطيار بأشجار (ك ل)
١٥١: - ٣ عاطني أكؤس المدام (ل)
١٥١: - ٦ وأختار ذيبا (ل)
١٥١: ١٢ سهل للناس هذا السبيل (ل)
[ ٧ / ٣٨٥ ]
١٥٢ - ١١ وما يتشبث بهذه الأسباب (ك ل)
١٥٥: - ٩ يخرج بي عن المقصود (ك)
١٦٥: - ١١ خدّ جرى للنعيم فيه (ك)
١٧١: - ١١ إلى البدر صاحبي (ك)
١٧٧: - ٩ فتعطيني العطاء المضاعفا (ك)
١٧٨: - ١٥ يخر وجلباب الدجى يتمزق (ل)
١٨٣: - ١٧ كل مرأى ومسمع (ك)
١٩٣: - ١٧ بمرأى عينك نفس أريب (ك ل)
١٩٤: - ٤ أو كانت للمجد روضة (ل)
٢٠٠: - ٩ وإمامًا في سائر التعاليم محفودًا (ك ل؛ قلت: والمحفود: المعظم الذي يخدمه إخوانه)
٢٠١: - ٥ ويصف الشعر (ل؛ قلت: أقرا: الشقر وهو شقائق النعمان أيضًا)
٢٠٧: - ١٥ وقد يحرم الرامي المصيب فريصة (ك ل)
٢٠٩: - ١٤ أبي الأصبغ بن سيد (ك ل)
٢١٤: - ٥ صنعة ثوبها (ك)
٢٢٠: - ١٣ والكريم إلى سكنه (ل)
٢٢٧: - ٩ وهي أن أكبر بناته (ل)
٢٢٧: - ١٠ تسد به بعض خلتها (ك ل)
٢٢٩: - ١٥ ما وجدت من شعر (ل)
٢٣٤: - ١٢ - ١٣ وتخلى للمعتضد عن أونبة (ل)
٢٣٤: ١٨ جلالًا وخلالًا (ل)
[ ٧ / ٣٨٦ ]
٢٤٢ - ٧ وقد علم ما كنا عليه قبل (ل)
٢٤٣: - ٤ قد تحصنوا بالحلق (ل)
٢٥٣: - ١٥ ويستبيح الذمار (ك ل)
٢٥٩: - ٣ تحتفل وتحتشد (ك ل)
٢٧٥: - ٥ - ٦ الغوي المجيء والمذهب (ك ل)
٢٧٧: - ٣ وتقاصر من غلوه (ك ل)
٢٨٣: - ٩ ورد كتابك منبثًا (ل)
٢٨٦: - ٥ من يرتسم بهذا الشأن (ل)
٢٨٧: - ١٤ ولا طفت ولا سعيت (ك)
٢٨٧: - ١٦يا رسول الله حرمة عياذي بك (ل)
٢٩١: - ٤ أسباب الحياة والحبا (ك ل)
٢٩٢: - ٥ عليك ظليل (ل)
٢٩٨: - ٥ ولا نجم (ل)
٢٩٨: - ٨ ووصل من مقطوع أنسابها (ل)
٢٩٨: - ١٠ - ١١ يوم تقطع الأنساب والأسباب (ل)
٣٠٥: - ٢ ولا انسحبت عليه للزمن (ل)
٣٠٥: - ١٢ ومطالع علمك (ل)
٣١٠: - ١١ ما خصصته به (ل)
٣١٠: - ١٣ الدمث الخليقة (ل)
٣١١: - ١٣ وكريم الاعتداد (ل)
٣١٥: - ١٧ - ١٨ الحسيب الأريب أخيك (ل)
٣١٦: ١ وللآمال في تراخي مدته (ل)
[ ٧ / ٣٨٧ ]
٣١٦ - ١٠ والله يعوضك منه العزاء (ك)
٣٢٨: - ١٥ لا شيء أعرف من عقل (ل)
٣٢٩: - ٨ وقد خطبت وخطبت (ل)
٣٣٠: - ٩ ومددت إلى اجتلاء السرور عيني (ل)
٣٣٧: - ١٤ - ١٥ وأرب قصي عن فأبرمه (ل)
٣٣٩: - ٧ وحوم به جناح (ل)
٣٤٠: - ١٢ - ١٣ لا يسمن ولا يغني (ل)
٣٤٢: - ١١ لن تجدوا في غيري مرشفا (ل)
٣٤٤: - ١١ ونجباء الأولاد (ل)
٣٥٢: - ١ قاس من الأيك أو رطيب (ل)
٣٥٢: - ١٢ - ١٣ ولا أخفض من الجهارة (ك ل)
٣٥٣: - ٦ وتستدر جلمودًا (ل)
٣٥٦: - ٩ ولا شره المكتسب (ل)
٣٥٩: - ١ وفي فصل منها (ك)
٣٦١: - ٨ أنا من فرط بري (ك ل)
٣٦٦: - ١٤ ولو شكت له نبو المنزل (ل)
٣٦٧: - ٤ ويحوز المعنى الأتم (ك)
٣٦٩: - ١٣ رغبة بنفسه عن نحلة (ل)
٣٨٢: - ٢ نسخ الغدر اقتضاء وفائه (ك)
٣٨٨: - ١ ما وجدته من شعره (ك)
٤٠٤: - ١ عند وقع المصائب (ك)
٤١٤: ٧ تدعى بشميس مصغرة (ل)
[ ٧ / ٣٨٨ ]
٤١٤ - زاد في (ك) بعد سطر: ١١ أبياتًا في هجاء ابن عمار للمعتمد، ولا ريب في أنها دخيلة على الأصل، لأنها من فاحش الهجاء الذي يتحاشاه ابن بسام، وهو قد قال: " وبعده ما أضربت عنه "
٤١٥: - ٢ بنظر إشبيلية (ل)
٤٢٥: - ٤ ونأى لأبصار العداة (ك)
٤٢٦: - ٤ قل لبرق الغمام ظهر البريد (ك)
٤٣٠: - ١ على ابن عمار الخائن (ك)
٤٣٢: - ٦ من كان تقدم فيه إليه (ك ل)
٤٤٠: - ١٢ ولا أمتري في أنها (ك) ومن أبلغ حججهم (ك ل)
٤٤١: - ٤ - ٥ يتعايرون به اشد منه (ل)
٤٤٧: - ٣ بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه البيت (ك ل)
٤٤٨: - ٩ ابن ذريح (ك)
٤٤٩: - ٢ - ٣ ذفن بمقبرة الروم (ل)
٤٥٠: - ١٣ يداعب ابن جهور (ل)
٤٥٠: - ١٥ الشهود لما تدعي (ل)
٤٥١: - ١ فجئنا ابن جهور (ل)
٤٥٤: - ٣ أم حمت الخطوب الموردا (ل)
٤٦٢: - ١ ولم أسمع بهذا البيت (ل)
٤٧٢: - ١٠ فجلس المعتمد يومًا على تلك البحيرة (ل)
٤٧٧: - ٥ - ٦ وسآخذ فيما بعد بطرف (ل)
٤٨١: ١٢ في حساها الغبي والألمعي (ك ل)
[ ٧ / ٣٨٩ ]
٤٨٧ - ٣ أبو الحسين بن الجد (ك)
٤٩١: - ١٢ خافق وجل (ك)
٤٩٤: - ٧ من أهل بلدنا وعصرنا (ل)
٤٩٤: - ١٤ يؤتى الأمن من حيث يبتغى (ل)
٤٩٦: - ٣ من نعت الأصاحيب (ك ل)
٤٩٦: - ٧ بوجوه اللوم مخضوب (ل)
٤٩٩: - ٦ أشكو لديك الندى (ل)
٥٠١: - ١٣ في سلطانها النكد (ل)
٥٠٧: - ١ وقال أبو محمد الأيادي (ل)
٥١٠: - ٥ بطشة تنسي الأعادي (ل)
٥١١: - زاد في ل بعد البيت الثالث:
وأعتبني الزمان فصرت أردى بما أحيا سقامًا واعتلالا ٥١٣: ١٠ ومن عجائبه قول جنوب (ل)
٥١٦: - ١٢ تأوي له وتثوب (ل)
٥١٧: - ٢ زمان ممهى الصفحتين ضروب (ل)
٥١٩: - ٧ ترقرق عنها الملك (ل)
٥٢٠: - ٣ - ٤ في صفحة شمعة (ل)
٥٢٠: - ١٢ بالقصر المبارك (ل)
٥٣٤: - ٧ ولم نظلم (ل)
٥٣٧: - ١٣ صديقنا الفاضل أبي الحسن (ل)
٥٣٩: ١ شغفت بها (ل)
[ ٧ / ٣٩٠ ]
٥٣٩ - ٣ وإلا زياد يحوك الخطب (ل؛ قلت: وهذه قراءة جيدة)
٥٤٢: - ٤ فتبقى سمحة القياد (ل)
٥٤٢: - ١٣ لكن أخبرك عن حال (ل)
٥٤٥: - ٦ المستعين بن هود أعزه الله (ل)
٥٤٩: - ٧ خدك أزهر (ل)
٥٥١: - ٧ فصعد وتولى (ل)
٥٥٢: - ٧ ويزيد على الأيام (ل)
٥٥٢: - ١١ عند الملك الطاهر (ل)
٥٥٣: - ١ - ٢ من يمر به النسيم (ل)
٥٥٣: - ٥ أملها فأم لها، وقدم رجاءها (ل)
٥٥٥: - ١٤ أو يدور بنا عليك مدارا (ل)
٥٥٥: - ١٦ وتأتي فعلا وأشرق حسنًا (ل)
٥٥٩: - ٣ حين خططت هذه الحروف (ل)
٥٥٩: - ٧ وختمتها بهذه الأبيات (ل)
٥٦٤: - ٢ له من قصيد أوله (ل)
٥٦٥: - ٩ ونازعتهم حتى فللت (ل)
٥٦٩: - ١٤ يتيح الجنى (ل)
٥٧٦: - ١١ كل فعل يقصر (ل)
٥٧٧: - ١ بفصول الإنعام والإجلال (ك)
٥٧٧: - ٦ بهذه العين أبصرت (ل)
٥٧٧: - ١٠ - ١١ لما يجعل المعذر في حيز الاعتذار (ل)
[ ٧ / ٣٩١ ]
٥٨٠ - ١ ومن النثر أبرعه (ك)
٥٨١: - ٥ - ٦ المنبت الذي يليه منتحاه (ك)
٥٨٣: - ٨ فأحاله هذا لجينًا (ل)
٥٨٥: - ٦ قد عظم الله شأنه (ل)
٥٨٧: - ١ إعطاء سائل (ك)
٥٩٣: - ٧ ابق للعليا تشيد (ل)
٥٩٧: - ١٥ مذ حيل منك بأذني (ك؛ قلت: اقرأ: مذ حل)
٦٠١: - ٢ كم قلت فيه (ل)
٦٠٤: - ١ ولقد أباح لك الهوى (ل)
٦٠٥: - ٤ فصكت ضلوعي صكة (ل)
٦١٩: - ١٧ ما في الليل من دون (ك)
٦٢١: - ٣ إما من الجبن أو من شدة الفشل (ك)
٦٢١: - ١٤ ويصرع أقرانًا (ك)
٦٢٤: - ١٤ بعض أهل عصري (ل)
٦٢٦: - ٨ للين لباس (ل)
٦٢٧: - ١٣ يشق علينا ترك مدحك (ك)
٦٣٣: - ١٣ برح الهوى (ل)
٦٣٧: - ٥ وهينم بأسمائهم السلطان هنية (ك ل)
٦٣٨: - ٧ أنظره وهو في السما ينظر (ل)
٦٣٩: - ٨ - ١٠ والأعيان الأدباء في الدولة المؤرخة المحيط الرومي والأندلس (ل)
٦٤٠: ٩ - ١٠ خمسين مجلدًا (ك ل)
[ ٧ / ٣٩٢ ]
٦٤١ - ٧ في جملة ما سرد (ل)
٦٤١: - ٨ بذلك الأوان (ك ل)
٦٤١: - ١٦ ابن شرف القروي (ل)
٦٤٣: - ١٣ كتب بهذا القصيد (ل)
٦٤٤: - ٨ لأنه أنبأ أنه يسهره (ل)
٦٤٤: - ١٠ إلا مع وفور النوم (ل)
٦٤٦: - ١١ فشمرت عن ساق (ك)
٦٤٨: - ٧ على قديم الزمان (ل)
٦٤٩: - ١٣ لا على المتصل عنك الآن (ك ل)
٦٥٠: - ٧ - ٨ لدهي في جبلته (ك)
٦٥٠: - ١٠ وثغره مثغورًا (ل)
٦٥٢: - ٦ وفرد العصر (ل)
٦٥٣: - ٤ وأخذ بأعنان السماء (ك ل)
٦٥٥: - ٥ وهي من الجزيرة (ل)
٦٥٦: - ٤ ﵀ يومئذ مشغول (ل)
٦٥٦: - ١٠ حسبما تخلص الخبر عنها (ل)
٦٦١: - ١٢ والأجل يتقحمه (ك)
٦٦٢: - ٢ أسطولا ضخمًا (ل)
٦٦٣: - ١١ ليلة الجمعة [] من صفر المؤرخ (ل)
٦٦٣: - ١٢ في نفر من أصحابه (ك)
٦٦٣: - ١٦ من رؤوس جماعته (ل)
٦٦٩: ٣ يبري ظبة السيف (ك)
[ ٧ / ٣٩٣ ]
٦٦٩ - ٩ وهو اليوم يابرة (ل)
٦٧٠: - ٨ والأفواه ريا (ل)
٦٧١: - ٧ رحمي النسب والأدب (ل)
٦٧٢: - ٥ - ٦ وأبهى لفظها ومعناها (ل)
٦٧٣: - ١ - ٢ إن كان للكلام إمارة (ل)
٦٧٣: - ١٤ ما يربي على الديمة (ل)
٦٧٦: - ٨ - ٩ اقرأك وأغوص رياها على الأفراح
٦٧٦: - ١٠لقد حيا نفوسنا بها (ل)
٦٧٦: - ١٤ وأبقى من أرواحها (بعد " أروحاها " لفظة في ل لم استطع قراءتها)
٦٧٦: - ١٥ في وجوه مائها (بعدها لفظة غير واضحة في ل)
٦٧٧: - ٥ فأعدي، وأشتكى من الفقر فأشكي، والممحل: أنس من السقيا ببعثة الحيا فقال: يا رباه فرحًا بسقياه (ل)
٦٧٧: - ٩ ما حسانت البقيع المزهر بحرة (ل)
٦٧٧: - ١١ مشكورة أياديه (ل)
٦٧٨: - ٢ المصلي بالسابق، وتطلق الضحى الشارق (ل)
٣٧٨: - ١٧ وتجهز كتائبك إلى عديد قليل، وبديد فليل (ل)
٦٧٩: - ٤ وما حسبتها إلا تميمة (ل؛ وكذلك س: ١٦)
٦٧٩: - ٧ ونظمي في ضنك معانيها (ل)
٦٨٠: - ٤ فصل من ترسيل (ل)
٦٨١: ٢ إذ الصبابة أزكى عتاد (ل)
[ ٧ / ٣٩٤ ]
٦٨١ - ٧ عن كل طبع (ل)
٦٨٢: - ١٢ من اجتبائه بأبر قسم (ل)
٦٨٢: - ١٧ تفرد بالخلافة (ل)
٦٨٢: - ١٩ تلك الشمائل الواعدة الصادقة (ل)
٦٨٥: - ٨ [ورحمت] في الأدنا (اقرأ: الأدباء) (ل)
٦٨٦: - ٥ برز العوالي (ل؛ قلت: والرز: الصوت)
٦٨٧: - ٣ وأن يسلم فقد تركت به (ل)
٦٨٨: - ١ حبًا عليها جآجيا (ك ل؛ جمع جؤجؤ)
٦٩٠: - ٦ على استنجاز طبعي (ل)
٦٩٥: - ١٣ راعوا قديم ولائي وما أطرت (ل)
٦٩٦: - ١٢ مثل التاء في الترخيم (ك)
٧٠٥: - ١٠ فلم تبق فيها (ل)
٧١٠: - ١٢ بما خلف الدروع (ك)
٧١٢: - ٣ بقرية لب على وادي آنه (ل)
٧١٣: - ١٤ إلا أن قول أبي محمد أولى بالتقدم منه قول بشر (ل)
٧٢١: - ٣ والبيض والسمر مثل (ك)
٧٢٣: - ٣ وانتدبت لجعفر وابنه (ل)
٧٢٣: - ٩ سحقًا ليومكم سحقًا (ل)
٧٢٣: - ١٣ ويح السماح وويح الناس (ل)
٧٢٤: - ٥ وردها يدعو إلى صدر (ل)
٧٢٤: - ٦ سلام منتصب للأجر (ل)
٧٢٤: ٧ شتى وذو عبر (ل)
[ ٧ / ٣٩٥ ]
٧٢٤ - ٨ التطيلي فيقصيدة يرثي بها السيناقي وقتل غيلة فقال (ل)
٧٢٥: - ٢ فأعقب عنها آخر الدهر (ل)
٧٢٩: - ١٣ وانثالت في يدك (ل)
٧٢٩: - ١٤ وإن لم يكن فشبع وري (ل)
٧٣٠: - ٨ الذي شرف قدره على الأقدار (ل)
٧٣١: - ٣ إن عنى سواي وعرها (ل)
٧٣١: - ١٩ ولترى أين أقع وتأمر بما أصنع (ل)
٧٣١: - ٢٠ يبسط نفسى (ل)
٧٣٥: - ٨ يا قلب ذب كمدًا (المورد)
٧٣٦: - ٨ تأملتني أم المجد (ل والمورد)
٧٣٦: - ١٦ سيعديها فيعطفها (المورد)
٧٣٦: - ٢١ خير من الهجر في جهد (المورد)
٧٣٧: - ٧إن كنت لست بذي نقص (اقرأ: بغض كما في المورد) (ل)
٧٣٧: - ٨ إلا فت في عضدي (المورد)
٧٣٧: - ١٣ من خبل ومن كمد (ل)
٧٣٧: - ١٥نفثت بالسحر في عقد (ل)
٧٣٨: - ١٤ منه الأسى في السهل والجلد (ل والمورد)
[ ٧ / ٣٩٦ ]
٧٣٨ - ١٩ ووجه الدهر أسحم مظلم (المورد)
٧٣٩: - ٢ كأنهن العندم (المورد)
٧٣٩: - ٥ تتبينوا ألا أطيق فترحموا (ل والمورد)
٧٣٩: - ٧ وتظلمون بجهدكم (ل والمورد)
٧٤٣: - ٥ اقرأ: فآبت بدمعي وأبت بما في مقلتيها
٧٤٣: - ٩ بدت رقة الشكوى على عصفاته (ل)
٧٤٧: - ٧ بالبرس يثبت بين القوس (ل)
٧٤٩: - ٨ ليس شعري بمنقص (ل)
٧٥٠: - ٣ مكذوبي النهى والتجارب (ل)
٧٥٠: - ١٩ وعدي له الأيام إلا نواهب (ل)
٧٥٤: - ٦ خاطب بها الوزير الفقيه أبا الحسين (-) (ل)
٧٥٥: - ١٤ بعض الريش إلى جناحي (ك)
٧٥٥: - ١٧ وأقرئك من أثناء تلك الدولة (ل)
٧٥٦: - ٧ ولا أفر إلا لنعمائك (ل)
٧٥٦: - ١٠ والله تعالى يبقيك لي ويمليك (ل)
٧٥٦: - ١٢ ومؤديه ناصح مملوكك (ل)
٧٥٧: - ١١ من علامات الكرام أنه شبيه (ل)
٧٥٩: - ٣ قال الله تعالى فيه (ل)
٧٥٩: - ٥ وجدته أمرًا من الزيادة (ل)
٧٥٩: - ١١ من النسر الأشغى (ل)
٧٦٠: - ٧ له بين وردك وياسمينك (ل)
٧٦٠: ٧ - ٨ وتنسى على منابر أدواحك (ل)
[ ٧ / ٣٩٧ ]
٧٦٢ - ٥ أولى الأمة بذلك نوح (ل)
٧٦٥: - ٧ وهو الوسع المحمود (ل)
٧٦٥: - ١٠ بأبيات قال فيها (ل)
٧٧١: - ٩ موشومة، إذا ما تأملتها كالسفن (ل)
٧٧٣: - ١ ولم سترك من بعضها (ل)
٧٧٣: - ١٠ ثم انبسط أبو بكر (ل)
٧٧٦: - ٩ وتعاور أطوارها وتناوبها (ل)
٧٧٧: - ٥ إلى هذا النسب الكريم (ل)
٧٧٨: - ٩ فابدءوه بالتحية (ل)
٧٧٨: - ١٠ والغريب مثل المنكوب (ل)
٧٧٨: - ١٥ وعلى الطائر أن يغشى أخاه ويراجع (ل)
٧٧٩: - ١ على أني إنما أتكبر (ل)
٧٧٩: - ٢ - ٣ ويشرع في وداد (ك ل) ويكشف عن أصل هذا التهاجر (ل)
٧٧٩: - ٦ فذكر بصفاتك (ل)
٧٧٩: - رواية (ل) في ترتيب الأبيات هي الصحيحة وهي كما يلي:
أبا أيوب والأيام لا تبقى على حال [وإن المرء منها بين إدبار وإقبال] لئن رحت رخي البال ذا جاه وذا مال ومركوب وغاشية وأكمام وأذيال جميع الشمل ملقى الرحل بين الأهل والآل
[ ٧ / ٣٩٨ ]
وأصبحت مقلًا رهن إقلال وإذلال فإنك حد (الأبيات)
٧٨٣: - ٨ كسبيل ما وردني الآن به كتابك (ل)
٧٨٣: - ١٤ خان بعض الثقات (ل)
٧٩٠: - ١٢ منع الجواز إليها (ل)
٧٩٢: - ١٥ رفعت راياته (ل)
٧٩٤: - ٩ فلم يتزن (ل)
٧٩٥: - بعد السطر السادس ورد في (ل): وقال آخر: والثريا في الجو كالعنقود
٧٩٦: - ٧ رهينة بانصداع الشمل (ل)
٧٩٧: - ٢ ممن نظم الدر المفصل وطبق المفصل (ل)
٨٠٠: - ٩ على الله الثناء (ل)
٨٠٠: - ١٥ وللبروق مجامر (ل)
٨٠٥: - ٢ لم يبق للظلم في أيامكم (ل)
٨٠٥: - ٤ تأمن وتكف (ل)
٨٠٧: - ٥ وأنهم في قولهم كاذبون (ل)
٨٠٧: - ٨ قل لي أبا مروان (ل)
٨٠٧: - ١٢ إليه واستبسل عساه يلين (ل)
٨٠٩: - ٤ دراهم ملوك أفقنا (ك ل)
٨١٠: - ٨ ما ورد (ك: بماء ورد) كان بين يديه (ل)
٨١٥: - ٨ من وثاقه وأذن الله بانطلاقه وله في ذلك قصيدة (ل)
٨١٦: ١٢ يقول فيها (ل)
[ ٧ / ٣٩٩ ]
٨٢٤ - بعد البيت الرابع (س: ٤) في ل ورد البيت:
أدامت حمامات على فقد إلفها وينكر أقوام علي دوامي ٨٢٧: ٨ ليت الزمان من العثار يقال (ل)
٨٣٠: - ٩ على جيد ما جد (ل)
٨٣٢: - ٨ ومما راعني لم أصدق (ل)
٨٣٤: - ٤ مما انتحاه (ل)
٨٣٥: - ٢ أوحش حلولًا من الليل (ل)
٨٣٦: - ٨ وفي مثل ذلك يقول (ل)
٨٣٧: - ٢ أعندك أن البدر بات (ل)
٨٣٩: - ١٣ لم أدر (ك) ما جد الهوى (ل)
٨٤٢: - ١٢ ووسطى في نظام المكرمات (ك)
٨٤٣: - ١٢ حتى حسبنا أديم الماء (ل)
٨٤٦: - ٦ في غير ما موضع (ل)
٨٤٧: - ١٠ يسير بالعدل والأحكام (ل)
٨٤٩: - ٢ وله من أخرى (ل)
٨٤٩: - ٣ من سروهم شبه الأحجال
٨٥٠: - في (ل) بعد السطر السابع:
أنا يا ابن حمدين وتلك مقالة برئت شهادتها من التجريح
[ ٧ / ٤٠٠ ]
ترجمة صاعد في جذوة المقتبس: ٢٣٣ (بغية الملتمس رقم: ٨٥٣٢) والصلة: ٢٣٢ وأنباء الرواة ٢:٨٥ ومعجم الأدباء ١١: والمعجب ٧٥ والوفيات ٢: ٤٨٨ وشذرات الذهب ٣: ٢٠٦ ونفح الطيب ٣: ٧٧ (وصفحات أخرى متفرقة) وروضات الجنات: ٣٣ وبغية الوعاة: ٢٦٧ وللمسشترق بلاشير بحث عنه في مجلة Hesperis العدد العاشر ١٩٣٠ ص:٢٨.
نقل المقرئ بعض من هذا في النفح ٣: ٩٥.
كتابه الفصوص فيما ذكره أبن حيان يحتوي على أداب وأشعار وأخبار (وباقرومين نسخة جيدة منه)، وقد قرأه ابن حيان على مؤلفه في داره سنة ٣٩٩ (بدأ صاعد بتأليفه سنة ٣٨٥ في ربيع الأول وأكمله في شهر رمضان من العام نفسه) وعن ابن حيان اتصلت رواياته بابن خير (فهرسة ابن خير:٣١٦) .
كان مجاهد صاحب دانية والجزائر وخير أن صاحب الرية (بعيد الفتنة حتى سنة ٤١٩) وقد كانت تدور بين هذين الفتيين العامرين حروب أعرض عن ذكرها صاحب البيان المغرب (٣: ١٦٦) وأنظر أعمال الأعلام: ٢١٢.
الخنزواني: الصلف المتكبر.
كذا هو بالغين المعجمة في الأصل، والأرجح انه " الحزور " أو " الهزور " - بالعين المهملة - فهاتان الصورتان تردان في الأعلام.
هذه هي لغة من يقول: " يا ليت عيناها لها وفاها ".
نحيرة الرجل (بالراء المهملة): طبيعته.
المشهور مزبد المدني أبو إسحاق صاحب النوادر الحارة (انظر الفوات ٤: ١٣١ وله نوادر كثيرة في كتب الأدب كالبيان والحيوان والبصائر ومحاضرات الراغب)
الهانئ: الذي يطلي الجمال بالقطران.
ص: يروق.
ديوان أبي تمام ١: ١٤٢.
التمثيل والمحاضرة: ٢٢٤.
ديوان المتنبي: ٥٤٧.
ديوان أبي تمام ٤: ٥٣٢.
النفح ٣: ٧٧ وفيه بعض إيجاز.
أبو بكر الزبيدي اللغوي المشهور صاحب طبقات النحويين ولحن العامة والاستدراك على العين وغيرها، والعاصمي هو محمد بن عاصم النحوي القرطبي (الجذوة: ٧٤ والصلة: ٤٥٣) وأب العريف هو أبو القاسم الحسين بن الوليد (الجذوة: ١٢٨) .
التسفير - عند الأندلسيين والمغاربة - تجليد الكتب.
ص: النكت؛ وأثبت ما في النفح.
النفح: وأبيك.
أنظر أيضا أبن خلكان ٢: ٤٨٩ والمسلك السهل: ٢٥٣.
ابن خلكان: عنصره إنما يخرج من.
الخبر في جذوة المقتبس: ١٨٢ - ١٨٣ ونفح الطيب ٣: ٧٩ وبدائع البدائه: ٢٢٩.
بدائع: مشرقي.
كذا في ص، ولعلها " ووضع " كما في النفح.
ص: راجف.
ص: تقذف.
النفح: المهاتف.
بدائع: تصرف في الكفين منها.
النفح: الوصائف.
بدائع: طلبت.
قد كر الحديث عن بني الطيني في القسم الأول من الذخيرة: ٥٣٥ وأما أبن التياني فقد يكون هو تمام بن غالب أبو غالب المرسي اللغوي (الجذوة: ١٧٢ وأعاد الحميدي ذكر أبن التياني: ٣٨٠)
الدأماء: البحر، والقري مجرى الماء في الحوض.
ديوان المتنبي: ٣٣٤.
الديوان: عاينت.
النفح ٣: ٩٥ والبيان المغرب ٣: ١٩ والشريشي ١: ١٢١.
النفح: أغصان.
النفح ٣: ٩٧ والشريشي ١: ١٢١.
الشريشي ٣: ٤٣.
الشريسي ٣: ٤٣.
النفح ٣: ٩٧ والشريسي ٥: ٢٧٨.
المصدر السابق.
ص: جذال الشرى.
ص: فكأنه.
ص: نعمت.
صغت: مالت؛ ص: صفت.
أسابي الدماء: طرائقها؛ والعتيرة: أول ما ينتج، كانت تقدم قربانا لأصنامهم.
التتايع: التمادي في الجاجة.
ديوان المتنبي: ٣٣٨.
ص: أنحط.
ديوان المتنبي: ١١٤، وعجز البيت: " إذ حيث أنت من الظلام ضياء ".
نفح الطيب ٣: ٩٦ وبدائع البدائة: ٣٠٢.
اليتيمة ٤: ٤٢٠.
اليتيمة ١: ٢٧٠.
القصة في أنباء الرواة٢: ٨٦ بإيجاز.
ص: فيه.
أنباء الرواة: ٢: ٨٧.
نفح الطيب ٣: ٢٦٠ وبدائع البدائة: ٣٥٤.
هو الوزير عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك أبن شهيد والد الشاعر أبي عامر واحد شيوخ الوزراء في الدولة العامرية (الجذوة: ٢٦١) .
ص: به؛ والضمير عائد إلى " الشمول " يريد أدع من سمي بهذا الاسم، وهو مغن أسمه " شمول " كما يتضح من البيت التالي.
الفح: دع.
أرملاط: (Guadimellto)، يتردد ذكرها في عدة مواطن من البيان المغرب؛ ولم يذكر دير عمى عند ياقوت والبكري والشابشتي والروض المعطار. وذكر ياقوت دير عمان (ومعناه دير الجماعة) بنواحي حلب، والتسمية مشبهة أيضا لدير عمى، فإن كان في الاسم تحريف فلعله " دير قى " وطيزناباذ: منزلة للهو بين الكوفة والقادسية يتردد ذكرها في شعر أبي نواس مع قطربل وكلواذى.
التزافن: الرقص.
النفح ٣: ٢٦١ وبدائع البدائة: ٣٥٥ واسم الوزير الذي أنهض أبن شهيد: " أبو عبد الله بن عباس " وأنظر القسم الأول:٢١٠.
ص: له.
النفح والبدائع: منفرد.
ص: أمرضه.
النفح والبدائع: قام للسكر.
النفح: بالفكيك.
الحلة١: ٢٧٦ والنفح ١: ٤٠٠، ٥٨٥ والبيان المغرب ٢: ٣٠٠ وتحفة العروس: ٨٤ (عن الذخيرة) .
النفح: ترجي.
النفح: فاجتهد وابتدر.
الحلة: خفي الليل عن بياض النهار.
هكذا في الأصل والمصادر، وقد تكون قراءته " الصوار " وهو وعاء المسك، كما قدر ذلك محققو الطبعة المصرية.
النفح: وصرنا على دفاع وحرب؛ ونعمنا في ظلم أنعم ليل.
ديوان المجنون: ١٣٠ ويرد البيتان في قصيدة أبي الصخر الهذلي (الأمالي ١: ١٤٨) وورد الثاني وحده لأبي صخر في شعر الهذلين ٢: ٩٥٧.
ص: أوراقها
هو القاسم بن عيسى بن إدريس العجلي، وأنظر عن شهرته في الشعر والغناء زهر الآداب: ١٠٦٧ والأغاني ٨: ٢٤٦ والحكاية قيه ص: بالمعنى دون اللفظ.
ص: أبو عامر؛ أبو عمر الزاهد هو محمد بن عبد الواحد اللغوي غلام ثعلب (- ٣٤٥) وكان جماعة يكذبونه في اكثر رواياته، وكان الطلبة يسألونه أسئلة مصنوعة ملفقة كتلك التي أمتحن بها صاعد (نظر أنباء الرواة ٣: ١٧١ - ١٧٧ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى)
القصة في الجذوة: ٢٢٤ والنفح ٣: ٩٨.
الجذوة والنفح: مبرمان.
ص: والتربيل.
ص: زراعها.
زاد في الجذوة: هكذا، هكذا.
نفح الطيب ٣: ٨١.
الجذوة: ٢٢٥ والنفح ٣: ٨٢.
الجذوة ٣: ٢٢٥.
نفح الطيب ٣: ٨٢.
الجذوة: ٢٦٦ والنفح ٣: ٨٢ والبيات أيضا في أنباء الرواة ٢: ٨٨ والمعجب: ٨٢ والريحان والريعان ١: ١٥٤ب.
المعجب والجذوة: نشلت بضبعه وغرسته في نعمه.
الجذوة: ربيع الأخر.
نفح الطيب٣: ٥٩ والمغرب ١: ٣٢٢.
النفح: وقعة.
متابع للعمدة ١: ١٨٩.
أنظر إلى جانب العمدة: طبقات ابن سلام: ٤٠٠ والنقائض: ٣٨٤.
ابن سلام: حتفها.
هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر بن كلاب فلم تؤثر فيه الضربة.
النقائض: ٣٨٣ وأبن سلام: ٤٠٢.
العمدة ١: ١٩٢ وانظر اخبار أبي تمام: ٢٣٠ - ٢٣٢.
ص: المأمون.
العمدة ١: ١٩٣ وديوان أبن الرومي: ٥٦٧ وبدائع البدائة: ٥٦٧ وبدائع البدائة: ٩ والشريشي ١: ١٢٢
العمدة: ١٩٣ وبدائع البدائة: ٩.
لايزال متابعا للعمدة ١:
الكامل ١: ١٩٩.
هي المفضلية رقم: ٣٠ وأنظر النقائض ١: والبيت الذي أورده ليس مطلعا لها.
مع أن الإشارة إلى الخبر والأبيات قد وردت في العمدة ١: ١٩٤ - ١٩٥ إلا أ، المؤلف هنا يتابع زهر الآداب: ٨٧٤.
زهر الآداب: وما جزعي من أن أموت.
زهر الآداب: سالمين.
العمدة ١: ١٩٥ وديوان علي بن الجهم: ١٧١ (وفيه تخريج المصادر)
نقله المقري في النفخ ٣: ٢٤٥،ابن ظافر في بدائع البدائة: ٣٠٤ وأنظر ديوان ابن شهيد: ١٢٧. والشريشي ٤: ١٧٠.
النفح والبدائع: والغرب من دونهما كليل.
في البدائع وأصول النفح: فالشد في أمره فسيح.
البدائع والنفح: زانة.
بدائع البدائة: تعرض من دونه النصول.
بدائع البدائة: ٣٠٤ ونفح الطيب ٣: ٢٤٦ وديوان أبن شهيد: ١٤٠.
ص: الطرائقيين؛ البدائع: الطوافين.
اللفظة غير معجمة في ص؛ وقد وردت كما أثبته في البدائع والنفح.
بدائع: ٢٠٣ والنفح ٣: ٢٤٤ وديوان ابن شهيد: ١٢٧.
ص: وصفه.
ص: دراتها، وأثبت ما في البدائع والنفح.
البدائع والنفح: شبهتها: ص: بتقبها..
ص والبدائع: حاز.
البدائع: حسب.
المشهور بهذا الاسم سعدان بن معاوية الفرطبي (- ٣٢٧) وقد رحل حاجا فوافق دخوله مكة، فتيان القرامطة (سنة ٣١٨) فأصيب بضربة شقت خده وعينه (ابن الفرضي) ولا يمكن أن يكون هو المقصود هنا لأن مؤمن بن سعيد توفي سنة ٢٦٧ إلا ان يكون الشعر قد نسب لمؤمن خطأ.
مؤمن بن سعيد (- ٢٦٧) ترجمته في الجذوة: ٣٣٠ والمغرب ١: ١٢٣ واليتيمة ١: ٣٧١ وأنظر مزيدا من المصادر في دراسة كتبتها عنه (تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة: ١٧٠ ط / ١٩٧٣) .
وردت القصة والبيات في الذخيرة (القسم الثاني: ٣٨٩) وبدائع البدائة: ٣٦٩ - ٣٧٠ ونفح الطيب ٣: ٣٢٥ - ٣٢٦.
البدائع والنفح والذخيرة: اللمى.
البدائع: جرد: النفح: أسد.
التفايا من بسائط الأطعمة عند الأندلسيين، وهي أنواع مها التفايا البيضاء وتحضر من لحم الضأن الفتي في قطع صغار ويضاف إليها ملح وفلفل وكزبرة يابسة وقليل من ماء بصلة مدقوقة ومغرفة من الزيت العذب - ويجعل فيها بندق ولوز مقشر مقسوم، فإذا أردتها خضراء أضفت إليها ماء الكزبرة الرطبة (أنظر كتاب الطبيخ ٨٥ - ٨٨، ١١٨ - ١٩٩) .
أنظر نفح الطيب ٣: ٣٩٧، ٦٠٩ (وفي الموضع الثاني ذكر أن صانع القسيم الأول هو المتوكلبن الأفطس) وبدائع البدائة: ٨٠ والتكملة: ٤٠٧.
هو محمد بن علي يعيش بن داود سمع من ابوي مروان: الطبني وابن سراج سنة ٤٥٤، وسمن بطليوس وقعد فيها لتعليم الأداب واللغات (التكملة: ٤٠٧)
قارن بما أورده ليفي بروفسنال: تاريخ اسبانيا الأسلامية ٢: ٢٤٤.
ذكره الفقيه أبو محمد بن حزم في طوفة الحمامة وقال: إنه كان صاحب الثغر الأعلى على أيام المنصور أبن أبي عامر وكانت ابته عاتكة على غاية من الجمال، وقد تزوجها أبو بكر اخو الفقيه.
لعيد الملك بن غدريس الجزيري ترجمة في الجذوة: ٢٦١ (البغية رقم: ١٠٥٨) والمطمح ١٣ والصلة: ٣٥٠، وأعتاب الكتاب: ١٩٣ والمغرب ١: ٣٢١ والنفح ٢: ١١٩ وله أشعار في اليتيمة ٢: ١٠٢ وقطعة في تشبيهات ابن الكناني رقم: ١٥٦ ومقطعات البديع (أنظر الفهرست) وانظر الذخيرة ١:١٠٣.
نفح الطيب ١: ٥٣٠.
نفح الطيب ٤: ٦٦ ووردا (في ١: ٤١٩) غير منسوبين إليه. وأنظر المغرب ١: ٣٢١.
نفح الطيب ١: ٥٣١ والبديع: ٩٩ والشريشي ١: ١٠٦.
نفح الطيب ١: ٥٣١ والبديع ١١٥ - ١١٦.
نفح الطيب ١: ٥٣١ والبديع: ٧٨ - ٧٩.
بني الأسلوب في البديع على الخطاب: فإليك وأنت لاستيلائك الخ.
البديع: وأعرف
زاد في البديع: من أدوات خلقه وأنفس ما ركب فيه من مواد حياته.
البديع: وكلاهما لا يمتع إلا ريثما يبدوا للعيون ويسلم من الذبول.
تصرف ابن بسام في العبارة هنا، بحيث ابتعدت كثيرا عما في البديع.
البديع: الصلت
هو أبو العباس بن عبد الله بن ذكوان، أنظر دراسة لي عنه وعن أسرة بني ذكوان في كتاب دراسات في الأدب الأندلسي ص: ٣٥ - ٨٣.
ص: استخدام.
ص: فحمله.
ص: لإنفاق.
ص: معه.
ص: قوما.
أبو الحسن السلمي، علي بن وداعة، وصف إلى جانب البطولة بالأدب البارع والشعر الرائع، انظر الجذوة: ١٩٧ وترجم له ابن الأبار في الحلة ١: ٢٨٢ ونقل بعض ما جاء هنا في الذخيرة.
ص: يمين.
ص: كماتي.
ص: وعولج.
العلوق: هي التي ترام بأنفها وتمنع درتها؛ أو هي لا ترام الولد جملة؛ وفي المثل: عاملنا معاملة العلوق ترأم فتشم، وقال أفنون التغلبي:
ام كيف ينفع ما تأتي العلوق به رئمان أنف إذا ما ضن اللبن البيتان لقيس بن زهير العبسي، انظر حماسة الخالدين ١: ٩١ ووردا دون نسبه في البيان ٣: ٢٤٦ والحيوان ٦: ٤٢٥ وشرح ديوان زهير: ٥٤ ونقد الشعر: ٩١ والثاني في العمدة ١: ٣٠٢. وأنظر الذخيرة ٣: ٣٨١.
حماسة الخالدين: النهاب لأربابه.
مصادر وترجمة متعددة: نشير منها إلى المعجب وأعمال الأعلام وابن عذاري ونفح الطيب والجذوة: ٧٣ والحلة ١: ١٦٨ - ١٧٧ وكتب التاريخ العامة كأبن الأثير وابن خلدون - الخ
انظر البيان المغرب ٢: ٢٥٦ وما بعدها.
نقل المقري جانبا منه في نفح الطيب ٣: ٨٥.
انظر المصدر السابق ٣: ٨٦.
قارن بما أورده ابن عذاري ٢: ٢٦٠ وما بعدها، وما جاء في النفح.
لعل الصواب: الجرة، إشارة إلى الغيظ على سبيل المجاز.
ص: وانتهك.
ص: ويستعمل.
قارن بابن عذاري ٢: ٢٥٩، ٢٦٢ - ٢٦٤.
انظر نفح الطيب ٣: ٨٧.
يتابع المقري النقل في النفح ٣: ٨٨.
ص: جلى؛ وأثبت ما في النفح.
قارن بما في النفح ٣: ٨٨.
كذا ولعل صوابه " مثنى " كما هو الشائع عند الأندلسيين.
النفح: ولا براح له.
ص: وفاه.
يستمر النص في نفح الطيب ٣: ٩٠ وقارن صياغة ابن خاقان لهذا الخبر في المطمح: ٦.
ص: والنظر.
ص: المقضي على مجال.
الأبيات في النفح ١: ٤٢١ والمطمح: ٧ والحلة ١: ٢٦٧.
ص: اللئيم، وهو سهو.
الأبيات في النفح ١: ٤٠٧، ٦٠١ والبيان المغرب ٢: ٢٨٦ والحلة ١: ٢٦٥ وقال ابن الأبار: " هذه الأبيات متنازعة ينسبها إلى المصحفي جماعة، وقد وجدتها منسوبة إلى ابن دراج القسطلي، وذكر الرقيق أنها لكاتب إبراهيم بن أحمد بن الأغلب " (وانظر البيان المغرب ١: ١٣١) .
نفح الطيب ١: ٤٠٨، ٦٠١ والحلة ١: ٢٦٧ والبيان المغرب ٢: ٢٨٦.
الحلة: إذا سخطت ليست براضية.
النفح ١: ٦٠٣ والحلة ١: ٢٦٧.
الحلة: لم يقدر؛ النفح: لم يقرب.
منها بيتان في النفح ١: ٦٠٣.
النفح: فيزداد خبثه.
نقله المقري بإيجاز وتلخيص ٣: ٩١.
ص: أوتي.
المري (Muria): أنواع من مستحضرات تتخذ في صنع الأطعمة منها المري النقيع والطيب ومري الخبز ومري الحوت وبعض أنواعه يصنع من عصير العنب بالأفاؤيه دون خبز محرق (انظر صفحات متفرقة من كتاب الطبيخ ومفردات ابن البيطار ٤: ١٤٩ وقاموس دوزي مادة " مري " والحاشة ٤ ص ٩٢ من النفح ج - ٣) .
ص: ورميه.
قارن بالنفح ٣: ٩٣.
ص: الحلبة؛ والخلفة: الهيضة، وهي فساد المعدة من الطعام يقال: أخذته خلفة إذا كثر تردده إلى المتوضأ لذرب معدته من الهيضة.
قارن بالنفح ٣: ٩٤.
ص: تنظر بك.
ص: لم يدرك هو وأخوه، والتصويب عن الحلة ١: ٢٧٠.
ص: لرسومه.
ص: مغرياته.
ص: حزرة.
ص: الناسبين.
المناقفون: الذين لديهم مهارة في المناجزة بالسيوف.
ص: في الفكر عن شأنه.
الجملة ناقصة ولعلها أن تكون في الأصل: ولا قبلوا معروفهم إلا على نية الرجعة، أو شيئًا شبيهًا بذلك.
ص: إلى.
ورد جانب من هذا النص في مخطوطة الرباط (رقم: ١٢٧٥) ص: ١٥٤.
ما بين معقوفين زيادة من مخطوطة الرباط.
زاد في المخطوطة: أحمل قرطاسك لا حاجة لي به، فبلغ ذلك المظفر فحقدها له، وقطع عنه الجراية، فأخرج من ذخائره أعلاقًا نفيسة وذخائر عظيمة القدر فباعها وأنفقها على قومه صنهاجة، وربما اشترى منها المظفر في خفية.
ص: عثلوية؛ ولحية عثولية: ضخمة، والعثول: الكثير شعر الجسد والرأس.
من قول الشاعر: " مردد في بني اللخناء ترديدا ".
ص: من مثل.
ص: أمير.
Menendo Gonzalez.
Leon Alphonse.
ص: وصد.
ص: مصملة؛ وفيها معنى اليبس، وصوبتها اجتهادًا.
ضحى: شهد عيد الأضحى.
طير: لعله يعني أنه افتك أولئك الأسرى عن طريق المراسلة السريعة.
محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي (٣٨٨ - ٤٥٤ أو ٤٥٥)؛ له ترجمة في الجذوة: ٦٨ (البغية رقم: ٢٠٩) ونفح الطيب ٣: ١١١ - ١١٦ وله ذكر عارض في المغرب ٢: ١٢ وانظر البدائه: ٣٠٨ - ٣٠٩، ٢٦٤ وتتمة اليتيمة ١: ٦٤ والوافي ٤: ٦٧.
يعني محمودًا الغزنوي (- ٤٢١) .
هو جلال الدولة محمد بن محمود، وقد ثار عليه أخوه مسعود وسمل عينيه وانتزع السلطة من يده، وفي هذا ما يخالف كلام ابن بسام فيما يلي.
ص: فدبروا.
ليس هناك ملك بهذا الاسم، وإنما هذا لقب لحاكم شروان؛ ولعل المقصود هنا هو منوجهر ابن يزيد أو علي بن يزيد أو قباذ بن يزيد (٤١٨ - ٤٤١) .
ص: أبا.
تولى القائم أبو جعفر الخلافة سنة ٤٢٢ وثار عليه البساسيري سنة ٤٥٠ ثم أعاده السلاجقة وبقي حتى توفي ٤٦٧.
هو ثمال بن صالح المرداسي ولي قلعة حلب أول مرة سنة ٤٢٠ ثم أقصي عنها وعاد إليها سنة ٤٢٩ فلم تطل مدته، وأقصي مرة أخرى ثم عاد إليها سنة ٤٣٤ واعتزل أخيرًا سنة ٤٤٩.
تولى صدقة الوزارة سنة ٤٣٦ وبقي فيها إلى أن اعتقل وقتل سنة ٤٣٩ (الإشارة إلى من نال الوزارة: ٣٧ - ٣٨) .
أي جعل له الحكم في الذين سعوا به إلى السلطان.
يبدو أن ابن بسام ينفرد بهذا الخبر.
هو بلقين بن محمد بن حماد من الحماديين أصحاب القلعة، تولى سنة ٤٤٧ (أعمال الأعلام ٣: ٨٧) .
اللزوميات ١: ٦٣.
اللزوميات ١: ٥٦.
اليتيمة ١: ٣٦٥.
ص: لساكنكم.
الشاكري: الخادم أو الأجير.
ص: العجل.
اليتيمة: لميلوخك.
اليتيمة: تزيدت.
اليتيمة: لعل ذا غيره.
ص: زدني، والتصويب عن اليتيمة.
البد: موضع عصر الزيت في ديار الشام؛ ص: بيد، اليتيمة: بيدي.
اليتيمة: بصور كانت (أي كانت بمدينة صور) .
كذا وردت هذه اللفظة أيضًا في اليتيمة ولا أستطيع أن أجزم بما تعنيه فقد تعني بني بجيلة (أو بجلة) وقد تعني جماعة الأعيان، وقد تكون لفظة شامية محلية.
اليتيمة: دعيت.
رواية اليتيمة:
إن كنت أكرمتني لترفع من قدري فبعض الهوان أرفع لي اليتيمة: إجلاله عن.
اليتيمة: فقلت يا سيدي ويا أملي، أظن
اليتيمة: وخاض جمعي أير به هوج يجوز.
بدائع البدائه: ٣٠٩ والنفح ٣: ١١٤ وابن خلكان ١: ١١٠ وتردد في نسبتهما.
النفح ٣: ١١٧ وبدائع البدائه: ٣٦٤.
بدائع: وهونت من نفسي العزيزة سخطها.
النفح ٣: ١١٤ والشريشي ٢: ٨٧.
ص: من جبينها.
النفح ٣: ١١٢.
النفح: يزرع.
منها بيتان في النفح ٣: ١١٤.
النفح: الأعداء.
سرور النفس: ٢٨ والنفح ٣: ١١٢.
النفح: جفت لحاظي التغميض فيك فما تطبق أجفانها.
ديوانه ٣: ٧ وزهر الآداب: ٧٤٧ والمختار: ٧ - ٨ والزهرة ١: ٢٩٠.
زهر الآداب: ٧٤٧ وابن بسام يتابعه في الحكم على البيت، والمختار: ٢٣.
أوردها صاحب النفح ٣: ١١٥ ونسبهما لأبي الفضل، وانظر المسلك السهل: ٥٠٠ وهما في زهر الآداب: ٨٢٧ للصاحب أبي القاسم.
ليس في الأصل بياض؛ وزدت بيت جرير إذ البيتان التاليان ليسا له قطعًا.
وردا في زهر الآداب: ٢٧ لمنصور الفقيه، وقال المؤلف إن أكثر الناس يرويها لإبراهيم ابن المهدي.
المختار: ٢٧٠ وأمالي المرتضى ١: ٥١١ واللآلي: ٥٢١ والحماسة البصرية ٢: ٨٥.
ص: وألقيت.
ديوان ابن هانئ: ١٩٨ وزهر الآداب: ٩٠٣.
هذه القطعة والقطعتان التاليتان في النفح ٣: ١١٦ وانظر الشريشي ٥: ٢٥٢.
الشريشي ٥: ٢٢١.
الشريشي ٥: ٢٢٢.
ينسيان للصنوبري، انظر تهذيب ابن عساكر ١: ٤٥٨ ورفع الحجب ١: ٨٨ والعمدة ٢: ٣٥، ومعاهد التنصيص ٣: ٩ ديوانه: ٤٧٤ وابن بسام يتابع زهر الآداب: ٦٧٦.
اسمه أحمد بن أبي سمرة، وانظر أبياته في زهر الآداب: ٦٧٦.
ص: خديها.
النفح ٣: ١١٦ والشريشي ٤: ٢٩٠ - ٢٩١.
ستأتي منسوبة لعبد الوهاب المالكي؛ وقد اضطربت نسبة بعض المقطوعات بينه وبين أبي الفضل.
النفح ٣: ١١٥.
النفح ٣: ١١٧ والشريشي ٥: ٢٣٨.
الشريشي ٤: ٢٩٠ وينسبان لابن عبد ربه، انظر نفح الطيب ٧: ٥١ والمطمح: ٥٢ وابن خلكان ١: ١١٠.
ديوان ابن رشيق: ١٦٩ وابن خلكان ٢: ٣٦٧.
ص: الفتن.
منها بيتان في النفح ٣: ١١٧.
بدائع البدائه: ٣٦٤ والنفح ٣: ١١٧ وانظر القسم الأول من الذخيرة: ٧٨٣ حيث جمع بين عجز البيت الثالث وعجز البيت الرابع.
البدائع: ذوب نار؛ النفح: ذائبان.
اليتيمة ٢: ٣٩٦ - ٣٩٧ والشريشي ٣: ٤٥ - ٤٦.
انظر القسم الثاني من الذخيرة: ٥٠٥.
الشريشي ٢: ٣١٠ - ٣١١.
ص: فتسبقهم.
بياض في ص.
الشريشي ٤: ٢٩٧.
ص: نقضت.
ص: قالت.
زيادة من الشريشي ٤: ٢٧٩.
زهر الآداب: ٨٩٨ والشريشي ٤: ٢٧٩.
ص: يطعمه خباله.
منها أبيات في نفح الطيب ٣: ١١٥.
ص: بعدي؛ النفح: أن يعدي.
النفح: أبقيت.
الشريشي ٤: ٣٠.
ص: يشفي.
ص: بالست، والتصويب تقديري.
ص: أعقت.
ص: طير.
ص: طاع جاهل؛ وكاع لغة في كع أي أحجم.
النشاص: السحاب.
الجبل: الساحة، يعني هنا ساحة الوغى.
ص: الران.
كذا هو ولم أستطع توجيهه.
البغرة: قوة الماء أو الدفعة الشديدة من المطر، وقد يكون معناها هنا: الشرب دون ارتواء.
ص: حوفت.
ص: مرصعًا، ولعل الصواب: " مزمعًا ".
ص: طلب.
نحف: لعله يعني نحيط بركابك، وإلا فاقرأ " نخف ".
ص: لا نصر ناصر.
ص: تعرف بعملنا.
ص: عن.
ص: عام.
ص: حواريا.
ص: ضياعي.
ديوان حسان ١: ١٧.
ص: هزم.
ص: مالي إن.
لسليمان بن محمد الصقلي ترجمة في الجذوة: ٢٠٦ (بغية الملتمس رقم: ٧٦٤) وفي الخريدة (١: ٩٤) ترجمة لسليمان بن محمد الطرابلسي (اقرأ: الطرابنشي أي من طرابنش بصقلية) وذكر أنه دخل إفريقية وانتقل إلى الأندلس وتوطنها واتخذها لمخالطة ملوكها سكنًا، وليس من المقطوع به أن يكون هو نفسه المترجم به عند ابن بسام، وانظر مسالك الأبصار ١١: ٤٥٤ والمكتبة الصقلية: ٥٧٧، ٥٩٤، ٦٥٥.
الجذوة: ٢٠٨ والشريشي ٤: ٧٨.
زيادة من جذوة المقتبس.
الجذوة: ٢٠٨.
هو الأعمى التطيلي، انظر ديوانه: ٤٥.
الشريشي ٤: ٨٧.
لابن الرومي في تشبيهات ابن أبي عون: ٢٧٨.
ديوان العباس: ٢٨٠ والشريشي ١: ٣٠.
ص: أهل المصرين، وقد صوبته اعتمادًا على ما يرد في الحاشية التالية.
البيتان لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى (وجده يونس ابن عبد الأعلى صاحب الفقيه المصري عبد الله بن وهب) وكان عالمًا بالنجوم (انظر القفطي: ٢٣٠ وحسن المحاضر ١: ٥٣٩) وقد ذكره صاحب زهر الآداب وقال: وكان لأبي الحسن في الشعر مذهب حسن وطبع صحيح وحوك مليح (٦١٣) وأورد نماذج من شعره وفيها البيتان (٦١٤) وعند التوطئة لذكره قال: وقال بعض أهل العصر، ويبدو أن ابن بسام اضطرب في النقل، فالشاعر بعض أهل العصر بالنسبة للحصري صاحب زهر الآداب، لا بالنسبة لابن بسام، وبعد أن أدرك ذلك رمج على " أهل " وحول لفظة العصر إلى " المصر " يين، ولا وجه يسوغ أن يقال أهل المصرين، وانظر الشريشي ٤: ٧٨.
زهر الآداب: غلائل.
اليتيمة ٢: ٣٩٧.
هو إسماعيل بن معمر القراطيسي الكوفي وكان يصاحب أبا نواس وأبا العتاهية (انظر ترجمته في الورقة: ١٩١ - ١٠٢ والأغاني ٢٣: ٧٢ والأبيات التي ذكرها ابن بسام وردت في المصدرين المذكورين والشريشي ٤: ٧٧.
انظر المصدرين السابقين، وديوان العباس: ٢٠٣ والشريشي ٤: ٧٨.
وردت القصة في الجذوة: ٢٠٦ مع اختلافات يسيرة في العبار وبدائع البدائه: ٣٤٨.
انظر الجذوة: ٢٠٧، والأبيات في بدائع البدائه: ٣٤٨.
كان الخبزرزي (- ٣٢٧) شاعرًا أميًا يخبز خبز الأرز بمربد البصرة في دكان، وينشد أشعاره فيحتشد الناس حوله لسماعها (ابن خلكان ٥: ٣٧٦ وفي الحاشية مصادر أخرى) .
الجذوة: مجهد.
لثابت الجرجاني ترجمة في الجذوة: ١٧٣ (بغية الملتمس رقم: ٦٠٢) والصلة: ١٢٥ والإحاطة ١: ٤٦٢ (وفيه نقل عن الذخيرة) . وبغية الوعاة: ٢١٠ ومعجم الأدباء ٧: ١٤٥؛ ولد ثابت سنة ٣٥٠ ودرس ببغداد على عبد السلام البصري والربعي وابن جني، لقي أولهما ببغداد سنة ٣٧٨، ثم هاجر إلى الأندلس، وأخذ عنه الأندلسيون شرحه لجمل الزجاجي (فهرست ابن خير: ٣١٥) ودرس عليه بعضهم حماسة أبي تمام (٣٨٧)، وقد كانت صلة ابن حزم به وثيقة إلا أنه يشير إليه في الفصل (١: ١٧) باسم " أحد الملحدين " ولعل أثر في ابن حزم بمعرفته المنطقية وإتقانه للتعاليم، غير أنه حين التحق بباديس بن حبوس تورط في شؤون السياسة ولحقته تهمة التدبير ضد باديس مع ابن عمه يدير فقتل سنة ٤٣١ وفي الإحاطة تفصيل واف بمحنته وخبر مقتله نقلًا عن كتاب المتين لابن حيان.
الإحاطة: الحاجب، والسياق يشير إلى أنه طرأ على علي بن حمود الحسني، ولم يكن علي حاجبًا، بل خليفة؛ ثم اتصل بعده بابنه يحيى.
انظر الجذوة ومعجم الأدباء.
لم يرد في ص منها إلا بيتان هما الأول، والشطر الأول من الثاني والشطر الثاني من الرابع، وهذا الاضطراب يستدعي تصحيحها، كما أن قوله " مقطوعة " يعني أنه أورد ما يزيد على بيتين.
الجذوة ومعجم الأدباء.
الجذوة: الناظر في زوامل.
ص: طرطوس.
ص: موال.
ص: أعطف.
ص: شباب.
ص: المجبرة.
ص: الشا.
قد تكون صورة اللفظة أقرب إلى " جمامًا ".
حنف: في هذا الموضع بمعنى ختن؛ والزمع: القلق والجزع.
ص: إقرافه؛ والإفراق: البرء؛ وكل عليل أفاق من علته فقد أفرق.
ص: قوت (ولها وجه إذا أغفلنا السجع الدقيق) .
ص: أبي الفرج؛ وقد كان أبو عامر بن الفرج وزيرًا للمأمون بن ذي النون ثم لابنه القادر (المغرب ٢: ٣٠٣) وترجم له ابن بسام في الذخيرة ٣: ١٠٣؛ وذكر في المطمح: ١٥ - ١٦ باسم " أبو الفرج "، وانتقل هذا الخطأ إلى نفح الطيب ٣: ٥٤٣ - ٥٤٣ واستمر الخطأ في الفهرسة كذلك.
هو عبد الرحمن بن محمد بن عيسى أبو زيد بن الحشا القرطبي الأصل، استقضاه المأمون ابن يحيى بن ذي النون بطليطلة بعد أبي الوليد بن صاعد في الخمسين والأربعمائة، وحمده أهل طليطلة في أحكامه وحسن سيرته، ثم صرف عنها في سنة ستين وصار إلى طرطوشة واستقضي بها بدانية وتوفي فيها سنة ٤٧٣ (الصلة: ٣٢٥) .
الطميم: الثقيل (massif) في معجم دوزي، ولعل المراد هنا أن يكون نوعًا من القماش الثقيل.
إعجام هذه اللفظة مضطرب في ص؛ والسياق يدل على أنواع من الأدوات التي تتخذ لغسل الأيدي كالصابون وغيره. وعند دوزي أن " نقاي " تعني منشفة ولكن يبدو أنه ليست من استعمال الأندلسيين.
ص: والأشنان، وهو مادة مطيبة لغسل الأيدي بعد الكعام، ولكن المقصود هنا هو الأوعية التي تحتوي الأشنان وهي الأشناندانات.
من معاني " المجدود ": المقطوع (فلعله يعني زجاجلًا مخروطًا على أشكال) أو زجاجًا ملونًا لأن فيه جددًا (طرائق) من الألوان.
الفياشات (في الأندلس والمغرب): جمع فياشة وهي القنينة bouteille، flacon، قاله دوزي.
المها: البلور.
عنه دوزي: البخور البرمكي، ولكنه لم يعلل هذه التسمية، وعند ابن الحشاء (١٧) بان: شجر معروف بالمشرق ويجلب ثمره ودهنه. ولعل وصفه بأنه برمكي مبالغة في تقدير جودته.
ص: ذكره؛ والنظر والنظير بمعنى.
ص: علو.
ص: ذلك.
ص: يذل.
ص: أركانها.
يعني ماء حوضي المذبحين، وفي ص: منها.
ص: أشخاصها طيارها.
كذا في ص، ولعل مغموضاته هنا تعني أسراره فيكون كلامه وشلا بالنسبة إلى أسرار ذلك الصرح العظيم.
ازدرموا: ابتلعوا، وفي اللسان الازدرام: الابتلاع (إلا أنه جاء في مادة: زردم) .
ص: طنورية، واستبعد أن تكون لغة في " تنورية " إلا أن يكون ذلك وهمًا من الناسخ. ثم إن الأطعمة التنورية لا تكون جوامد أو باردة، ولعلها أن تقرأ " طيفورية " أي موضوعة في أطباق غير مسطحة.
المصوص: طعام قيل إنه لحم ينقع في الخل ويطبخ.
الطباهج: أنواع من الطعام أساسها اللحم المقلو (انظر كتاب الطبيخ: ١٣٣) .
ص: من.
ص: ومحاباه بالماحور في المكنون؛ والماخوري لون من النغم، وتعد الأنغام الماخوريات من خفائف الثقيل الثاني.
ص: عمارا.
سيترجم له ابن بسام في ما يلي (الورقة: ١٢٠) .
ص: قوبلت به.
ص: مفجوا الممتة: والمعنى أن ميتته أدركته فجأة (منذ سنوات قليلة) .
سيذكر ابن بسام في ترجمته أنه رحل إلى مصر ثم عاد إلى الأندلس " وقد نشأ خلقًا جديدًا ".
ص: بقرة.
يشير إلى قول المتنبي:
ومن الناس من يجوز عليه شعراء كأنها الخازباز والخازباز: حكاية صوت الذباب.
ص: ورق أسمائهم.
ص: ممتريًا، وقد تقرأ " ممتدحًا ".
المشهور في الاستعمال " برطل portal ".
لخا وجه مقبول، ويمكن أن تقرأ " وزينة ".
الأصوب أن يقال: المثناة.
بياض في الأصل، وما بين معقفين زيادة تقديرية.
اللفظة غير معجمة في ص.
ص: همت.
وردت ترجمة أبي المطرف بن مثنى في القسم الثالث: ٤٠٩، يضاف إلى مصادر ترجمته هنالك إعتاب الكتاب: ٢١٥ وفيه أن أبا المطرف كتب أولا للمنصور أبي الحسن عبد العزيز ابن عبد الرحمن بن أبي عامر صاحب بلنسية ثم انفصل عنه إلى طليطلة فاستوزره المأمون ابن ذي النون وألقى عليه بأموره كلها.
ص: ولحقت.
قد مرت ترجمة إدريس بن اليماني في القسم الثالث: ٣٣٦.
وقع البيت قبل سابقه في ص، ويعني أن علقمة لو أدرك زمانه لقالت له الأشعار " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ".
لم يظهر منها في ص إلا " كل ".
يريد أن ابن خليفة تغزل في قصيدته بست نساء ففاق أبا تمام الذي تغزل بأربع في قوله:
لسلمى سلامان وعمرة عامر وهند بني هند وسعدى بني سعد ص: قطيع.
ص: كبير نفحة.
البيتان في المغرب ١: ١٢٩.
المغرب: كان التشوق.
في المثل: أدق من خيط باطل، قيل هو الهباء وقيل هو الذي يخرج من فم العنكبوت، وسمي مروان خيط باطل لطوله واضطرابه (اللسان: خيط، وجمهرة العسكري ١: ٤٥٤ تحقيق أبو الفضل والميداني ذ: ١٨٣) .
موضعها بياض في ص.
ص: لاستكمال.
ص: كرمهم.
ص: يجحود.
ص: الرائقة.
ص: تتابعها.
ص: وأعرض.
الضالع: الجائر؛ ص: الصانع.
ص: وبداءيه.
ص: التهجم.
ص: يختلف.
ص: ببنيانه.
ص: بينانه.
انظر القسم الثاني: ٢٦٢.
انظر القسم الثالث: ٩٢ - ٩٦.
ص: فوده.
انظر في هذا المثل: " الحور بعد الكور " فصل المقال: ١٧٥ وجمهرة ابن دريد ٢: ٤١٣ وهو يعني النقصان بعد الزيادة.
رجل إمعة إمرة: ضعيف لا رأي له.
لم يورده حمزة في الدرة الفاخرة، وأقرب الأمثلة إليه " أجبن من صافر " وهو يشمل القبرة.
يريد: يعرض له من ضجر وقلق.
ص: لمعدته.. لمدته.
هو يحيى بن سعيد بن أحمد بن يحيى بن الحديدي من أهل طليطلة، كان متقنًا فصيحًا فطنًا مقدمًا في الشوى (الصلة: ٦٣٣ وانظر المغرب ٢: ١٣) .
ص: فمكث.
زيادة يدل عليها ما سيلي.
ص: أمكنتم.
ص: أباع.
ص: بسوء.
بياض في ص.
بياض في ص بقدر كلمة.
بياض بقدر كلمة.
ص: السقاط.
ص: خبلا.
ص: أحشاع.
ص: أدبه.
ص: خلاس الشجون.
أورده العميدي في الإبانة: ١٢٥ وذكر أنه لصاحب العلوي الداعي بطبرستان.
ص: يكله.
ص: أنس.
ص: تيح.
ص: بمقدام.
من معاني البسيس: المختلط، ولعلها: " البئيس ".
من قول الشاعر: " وتعدو القبصى قبل عير وما جرى " وهو للشماخ (اللسان: عير ومجالس ثعلب ٢٠٧ وفصل المقال: ٣٠٠) والعير هنا فيما يقال هو المثال الذي في حدقة العين، يريدون قبل أن يطرف الإنسان عينه يعني بأقصى سرعة.
أكبثت: كثر في الكباث، وهو الناضج من ثمر الأراك.
من قول أمرئ القيس:
فضل العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهداب الدمقس المفتل ص: ركبانا.
انظر الدرة الفاخرة: ١١١ وفصل المقال: ٤٩٩ والميداني: ١: ١٢٤ والعسكري ١: ٢١٧.
ص: تيح.
ص: بهت.
ناظر إلى الآية: ٦٣ من سورة الكهف.
ناظر إلى الآية: ٢٥ من سورة القصص.
هذان مثلان، انظر الدرة الفاخرة ١: ٢٨٢، ٢٠٣.
كذا ولعلها: " الفرصة ".
ص: المأمونة.
ص: محمولا، وربما قرئت " مجهولا ".
ص: أظهر.
من قولهم: " ان ترد الماء بماء أوفق " وهو علامة على الحيطة والحذر.
انظر المثل في فصل المقال: ٧٦ والميداني ٢: ٢٥١.
ص: بحنه.
ناظر إلى الآية: ٢ من سورة الحشر.
البيت لمالك بن الريب التميمي، انظر ذيل أمالي القالي: ١٣٦.
ترجم له ابن بسام في القسم الثاني: ٨٠٥ وانظر مسالك الأبصار ١١: ٤٤٢، وقد ورد اسمه في هذا الوطن من الذخيرة " برلوضة " بالضاد المعجمة؛ وفي الأصل أيضًا أبو عمر ابن فتح.
ص: عمالها.
من قول المتنبي:
ومن جعل الضرغام بازًا لصيده تصيده الضرغام في من تصيدا وفي ص: الضرغام بازيًا.
ص: الوسلات، والوشلات: حالات الضعف.
ناظر إلى الآية الكريمة " إلى طعام غير ناظرين إناه " (الأحزاب) .
من قول المتنبي أيضًا:
وان سلم فما أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام التاء غير معجمة في ص.
ص: الجور.
ص: وايوانتها.
ص: من اثلها.
ص: تختل.
ص: النظر.
ص: وسلكت.
له ترجمة في الصلة: ٥٤٥ والمطرب: ٦٦ ومعالم الإيمان ٣: ٣٩ والخريدة (قسم المغرب) ٢: ٢٢٤ ومعجم الأدباء ١٩: ٣٧ والوافي ٣: ٩٧ والفوات ٣: ٣٥٩ والزركشي: ٢٧٨ ومسالك الأبصار ١١: ٢٣٨ وبغية الوعاة: ٤٧ وصفحات متفرقة في ج - ٣، ٤ من نفح الطيب، وعنوان الأريب ١: ٥٦ وقد جمع الأستاذ الميمني بعض شعره في " النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف " (القاهرة: ١٣٤٣) ونشرت له رسالة بعنوان أعلام الكلام (الرسائل النادرة - القاهرة ١٩٢٦) وهي نفسها بعنوان مسائل الانتقاد في رسائل البلغاء مع مقدمة ابن شرف: ٣٠٢ - ٣٤٣ (القاهرة: ١٩٤٦) وقد نشرها الأستاذ شارل بلا ومعها ترجمة فرنسية (الجزائر: ١٩٥٣) وذكر ابن دحية (المطرب: ٩٦) أن شعره في خمس مجلدات، وانظر القسم الأول من الذخيرة: ٩١ (الحاشية: ٣) حيث أشير إلى بعض مصادر ترجمته.
زيادة من المسالك.
يعني ابن دراج، انظر القسم الأول: ٥٩.
المسالك: للرياح.
كذلك هو أيضًا في المسالك، والأصوب أن يكون بحذف " أبي ".
انظر القسم الثالث: ١٢٥ وما بعدها.
المسالك: ولا سلم عليه.
يستفاد من كلام ياقوت (١٩: ٤٣) أن أبكار الأفكار يحتوي مختارات من شعر ابن شرف مع أن بسام سيورد قول ابن شرف (ص: ١٧٩) إنه يحتوي على مائة نوع من مواعظ وأمثال وحكايات قصار وطوال، وأن أعلام الكلام فيه فوائد لطائف وملح منخبة، وأن رسالة الانتقاد مقامة نقدية، وذكرت له المصادر مؤلفات أخرى منها: رسالة ماجور الكلب ورسالة نجح الطلب ورسالة قطع الأنفاس وغير ذلك (انظر الوافي والفوات) .
ص: ابن شريق.
معجم الأدباء ١٩: ٣٨ وبيتا ابن شرف في المطرب والخريدة وانظر النتف: ١٠٣ والشريشي ٢: ٢٥٨ ونسبا في الخريدة ١: ٢٨٩ لعلي بن فضال وفي الوافي (١: ١٢٥) لأبي نصر محمد بن محمد الرامشي وانظر الريحان والريعان: ١٤١.
منها ثلاثة في الخريدة وخمسة عند الصفدي، وانظر النتف: ١٠٠ - ١٠١.
بياض بالأصل وزدته اعتمادًا على المصادر.
يشير إلى أن الرسول (ص) أعطى الجارية سيرين لحسان بن ثابت.
بياض بقدر كلمة.
ص: الأمر.
ص: بارتعابك.
ص: عليه.
ص: لعلم.
ص: فالنفائق.
ديوان أبي تمام ٣: ٩٨ وعجز البيت؛ " ونذكر بعض الفضل عنك وتفضلا " وانظر أخبار أبي تمام: ١١٩ وابن بسام يتابع زهر الآداب: ٣٣٦ - ٣٣٧.
أخبار أبي تمام: ١٢٠ وزهر الآداب (حتى نهاية الخبر) .
انظر الديوان ١: ٢٥٨.
هذه الرواية ثابتة في الديوان وزهر الآداب؛ ويروى أيضًا " عذرتها ".
كان لنصيب - وهو شاعر أسود - بنات فكان يشح بهن على الموالي وتكره العرب أن تتزوجهن (شرح ديوان أبي تمام ١: ٢٥٩ والمضاف والمنسوب: ٢٢٢) .
ص: سوق.
طرر: (بالمهملة) أي جعل اسمه طرة، وقد يمكن أن تقرأ " وطرز ".
ص: الدقيق.
ص: وامتحنت.
هو الحسين بن عبد الرحيم بن الوليد الكلابي أبو عبد الله (- ٣٥٤) كان كاتبًا شاعرًا وله مصنفات منها " أنواع الأسجاع " ابتدأ بتأليفه في دمشق سنة ٣٤٣ وروى فيه عن شيوخه وغيرهم (معجم الأدباء ١٠: ١١٨ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٣٠٦) .
هو أبو النجم العجلي الراجز واسمه الفضل بن قدامة (انظر ترجمته في الأغاني ١٠: ١٥٧ والخزانة ١: ٤٨ والشعر والشعراء: ٥٠٢ ومعجم المرزباني: ٣١٠ والسمط: ٣٢٧، وانظر هذا الشطر في الأغاني ٢١: ٣٧١) .
ص: أطلب.
عجز بين لأبي الأسود، ديوان: ٣٣ (ط / ١٩٧٤ تحقيق آل ياسين) والعقد ٥: ٤٤٤ (وانظر تخريجه في الديوان) وصدره: فما كل ذي لب (أو: نصح) بمؤتيك نصحه.
ص: تزدحم ويوخذ.
ص: محدودة.
قد مر تخريجه في هذا القسم ص: ١٥٦.
ديوان أبي نواس ٢: ٩٩ (تحقيق فاجنر) .
البواقيل: الجرار بلغة القبط، واحدتها باقلة (الديوان)؛ وفي شفاء الغليل " بارقيل " - بالراء - ونقل عن الصولي أن البراقيل سفن صغار؛ قال: وقال علم الهدى في الدرر (أمالي المرتضى ١: ٥٩٦) إنما هو جمع برقال وهو كوز من الزجاج وما ذكره الصولي وهم منه؛ قلت: وفي أمالي المرتضى: بواقيل - بالواو - ومفردها " بوقال " وتعريفه " آلة على هيئة الكوز معروفة تعمل من الزجاج وغيره ". وعلى هذا فإن وروده بالراء المهملة في شفاء الغليل تصحيف. وعند دوزي " Cruche " وهي جرة ذات عروة، واللفظة مأخوذة من الأغريقية " Baucalis "؛ وانظر الشريشي ٢: ٣٨٤.
ورد منها أربعة أبيات في المسالك ١١: ٢٣٩.
قد مر هذا المثل كثيرًا في الأقسام السابقة، انظر مثلًا ١: ٤٩٠، ٣: ١٢٥.
ص: والندماء.
ص: بصفوها.
ص: لسان.
بياض في ص.
ص: قد حمل.
ص: ويتوقف وقوف.
ص: ويراوث.
كذا وردت هذه العبارة ولعلها: ملك: أكثر جوده، على جنوده، أغنى جيشه [وملك عيشه] .
ص: الالزم.
ص: أمامه.
ص: إن عجز وإن عجل.
ص: يعيد.
ص: أعناق.
الشريشي ٥: ١٦.
ص: بكساد.
ص: قذوره.
ص: معلق.
ص: كفتيه.
ص: تذيبها.
ص: السودان.
ص: يضرب.
هو قريط بن أنيف، وقصيدته هي الأولى في ديوان الحماسة.
الأغاني ٢٢: ٢٠.
ص: وهم عمده.
ص: إلى.
ص: المهاليج.
ص: ثقاب.
كذا ولعل صوابها: " مضمونة " أي مصابة بالضمانة؛ أو مطبونة أي مدفونة.
ص: خان.
القارظان كلاهما من عنزة - في رأي ابن الكلبي - فالأكبر منهما يذكر بن عنزة والأصغر رهم بن عامر بن عنزة، كل منهما خرج يطلب القرظ ولم يعد، وفيهما يضرب المثل " حتى يؤوب القارظان " قال أبو ذؤيب الهذلي:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في الموتى كليب لوائل مالك وعقيل نديمًا جذيمة، وفيهما يقول أبو خراش:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا خليلا صفاء مالك وعقيل عندما هاجر المسلمون إلى المدينة كان بلال يحن إلى معاهد مكة فإذا أخذته الحمى تغنى:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بفج وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل وشامة وطفيل: جبلان (معجم البكري مادة: هرشى) .
عجز بيت من الشعر وصدره: إذا جاء الشتاء فزملوني فإن الشيخ
ص: قبائي.
معناه أن يسمع الشيء ربما ظن صحته، انظر حمهرة العسكري ٢: ٢٦٣ (أبو الفضل واللسان (خيل) وفصل المقال: ٤١٢ والميداني ٢: ١٦٩.
ص: تكلفت.
ص: عقدد؛ والقعدد: القريب النسب من الجد الأكبر، يريد أنه يكاد يكون من لدات لبلد وهو آخر نسور لقمان.
ص: السماء.
الذألان: العدو المقارب أو السرعة.
ص: وأهله.
ص: باله.
قد أشرت إلى أنها نشرت بعنوانين مختلفين، وهي في حقيقتها رسائل الانتقاد (أو جزء منها) وسأعارضها بالنص الموجود في رسائل البلغاء؛ (ورمزها: ل) ويبدو أن ابن بسام يوجز في النقل.
ل: وجاريت أبا الريان في الشعر والشعراء ومنازلهم في جاهليتهم وإسلامهم واستكشفته عن مذهبه فيهم، ومذهب طبقته في قديمهم وحديثهم فقال الخ.
ص: يعفور.
ل: والأسود بن يعفر وصخر الغي.
ل: هجائه.
زاد في ل: وحميد الهلالي وبشار العقيلي وابن أبي حفصة الأموي ووالبة الأسدي وابن جبلة الحملي وأبي نواس الحكمي.
زاد في ل: وابن رغبان الحمصي.
ص: عبدان.
ص: حدار.
ل: بلا زيادة.
ص: وهذه.
ص: فقراء.
ابن المذلق من عبد شمس، يضرب به المثل في الفقر والإفلاس (الميداني ٢: ٢٠ وجمهرة العسكري ٢: ١٠٧ / أبو الفضل) .
يعني علقمة بن علائة، وقد أبكاه قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا ص: وسعيد وسعد.
ص: وعزل؛ ل: وغزل عرم.
ص: أبو.
ص: بنوه.
ص ل: اختيار.
ل: ويطمح.
ص: هاد.
ص: المجار.
ل: نظيف.
ل: وأحد.
ص: ينكسف.
ص: والقائم.
ل: طرفا حد اللسان وحدوده.
ص ل: محدود.
ل: وجودة.
يعني قصيدته " عيون المهاب بين الرصافة والجمر ".
الدالية:
قالوا حسمت فقلت ليش بضائري حبسي وأي مهند لا يغمد ل: وحبذا.
ص: الهاني؛ ل: المغاني.
ص: وخطبا؛ ل: وخطب.
ص: ألام؛ ل: لام.
ص: يعتيه.
البيت للفرزدق في هجاء نصيب، انظر زهر الآداب: ٣٣٦.
ل: يبقين.
انظر ديوان الصنوبري: ٢٨ وجعفر بن علي هو ممدوح ابن هانئ أيضًا، إذ كان مواليا للعبيديين ثم تحول إلى موالاة أمويي الأندلس (انظر أخباره في المقتبس لابن حيان تحقيق الدكتور عبد الرحمن الحجي، ط. بيروت) .
زاد في ل: بعثها إليه مع ثقات التجار.
زيادة من ل.
ص: ويريقه؛ ل: ويروقه.
يعني المتنبي، وهذه تهمة ساقها نقاد المشارقة مثل ابن وكيع وغيره.
ص: الملك.
زاد هنا في ل ما ينبئ أن أبا الريان انتهى من تقييم شعراء المشرق.
ص: وتكفرات، ل: وتكفيرات.
زاد في ل: متين المباني، غير مكين المثاني، تجفو بعطنها عن الأوهام، حتى تكون كنقطة النظام.
ص: المورد.
ص: فتمنح.
ص: لأدباء.
كذا في ص، ولعلها " واحتقرني ".
ص: قلبي.
هي في الشريشي ٢: ٢٦٥ (٥: ٢٤٠) وانظر النتف: ١٠٢.
ص: وعلى الأغصان.
ديوان أبي نواس: ٣٢٥.
البيت الرابع منها في النتف: ١٢ ولم يذكر مصدره، وقد ورد في القسم الأول: ٤٧٧.
ديوان المتنبي: ٢٩٢، واستشهد به ابن بسام أيضًا في القسم الأول: ٤٧٦.
هو أحمد بن أيوب البصري، أبو الحسن المعروف بالناهي، انظر اليتيمة ٤: ٣٨٣ - ٣٨٤ وقد ورد البيتان في ترجمته.
اليتيمة: استعمل.
اليتيمة: فأصبح.
اليتيمة: وأصبح.
شعر ابن اللبانية: ٨٣ والذخيرة ٣: ٩٦٠.
ديوان ابن هانئ: ٣٦٧.
يشير إلى قول ذي الرمة (غيلان):
لقد جشأت نفسي عشية مشرف ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا فيه إشارة إلى قول قيس لبنى، وسيوضحه ابن بسام فيما يلي.
ص: العشر.
ديوان عروة: ١٦، ١٤.
يعني أبا عبد الرحمن بن طاهر، وقد وردت ترجمته في القسم الثالث: ٤٤ - ٩٢.
ص: وهزوا.
منها بيتان في المسالك ١١: ٢٣٩، كما أن الأخير منها ورد في القسم الأول: ٣٨٣.
ص: القضاء النون.
ص: الرحال؛ وعلي بن أبي الرجال عالم شاعر كان راعي الأدب والأدباء في القيروان أيام المعز بن باديس، وباسمه طرز ابن رشيق كتاب العمدة، وهو مؤلف كتاب البارع في أحكام النجوم في ترجمة ابنه محمود قال ابن الأبار (اعتاب الكتاب: ٢١٤) إنه كان هو وأبوه وأهل بيته برامكة إفريقية. وانظر الفصل الخامس من كتابي: ملامح يونانية في الأدب العربي: ٧٥ - ٧٩) .
وردت أبيات منها في ياقوت والصفدي والفوات والمسالك واعتاب الكتاب، وانظر النتف ١٠٨ - ١١٠ والشريشي ٤: ٢٢٣ - ٢٢٤.
منها بيتان في الشريشي ٢: ١٠٠ (٤: ٨٨) والنتف: ١٠١ - ١٠٢.
انظر الآية: ٢٤٩ من سورة البقرة.
ديوان أبي تمام ١: ٤٠٤.
منها بيتان في المسالك ١١: ٢٣٩ - ٢٤٠.
ديوان المتنبي: ١٨٤.
ديوان ابن رشيق: ٢٢١ (عن الذخيرة) .
ص: يد؛ وصوبته بما يعني عن ارتكاب الضرورة.
البيتان في معجم الأدباء ١٩: ٤٣ والشريشي ٣: ٣١٦.
ص: يقضا.
الأبيات في الشريشي ٢: ١٠٠ (٤: ٨٨) والنتف: ١٠٤.
ورد البيتان في كتاب المقترح في جوامع الملح - باب الأشعار - (محفوظة جامعة برنستون) وكتاب الآداب: ١٠٤.
البيتان في ياقوت والصفدي والفوات والنتف: ١٠٦والغيث ٢: ١٢.
البيتان في ياقوت والمطرب والنفح ٣: ٣٢٩ وبدائع البداية: ٣٩٤ (ونسبا فيه لابن رشيق) والنتف: ٩٤.
البدائع والمطرب: لك مجلس.
وردا غير منسوبين في القسم الأول: ٨٨٨ وهما للحصر في بدائع البداية: ٣٩٣.
ص: وراءهم، ولعلها " وراءهم ويتامى ".
ص: تباب.
الذخيرة: ١: ٩١.
ص: والإناث.
ص: لتعدوا البنيه عقلا.
ص: فرق.
ص: ليوثا.
ص: الظهور.
ص: أحشا قد.
ص: خبث.
ديوان أبي تمام ٤: ٥٧٠.
ديوان ابن هاني: ٢٣٨.
سليمان ابن حسان النصيبي: أحد شعراء اليتيمة (١: ٤٢٥) وهذا البيت لم يرد هنالك.
لم أجد هذا في قراضة الذهب، فلعل ابن بسام وهم أو لعل ما بين أيدينا من قراضة الذهب ناقص: على إن التي ترجمت لابن هاني جعلت وفاته سنة ٣٦٢.
هي في النتف: ٩٩ نقلًا عن معالم الإيمان.
البيت لعبد الله بت الزبير الأسدي في الحمامة (شرح المرزقي: ٩١٤) وزهر الآداب: ٤٠٥ ونسب في أمالي القالي ٣: ١١٥ للكميت بن معروف، وانظر اللسان (سعد) والعيني ٢: ٤١٧ كما نسب في انساب الأشراف (٤ / أ: ١٣٤) لأيمن بن خريم (وفي ص: ٦٠ من المصدر الأخير تخريجات كثيرة أخرى يتضح منها انه ينسب في بعض المصادر لفضالة بن شريك) .
الأبيات في المسالك ١١: ٢٤٠.
المسالك: قرعتهم.
ينسب هذا القول إلى أناخرسيس في صوان الحكمة: ٢٤٧ (ط. طهران) .
ديوان امرئ القيس: ٢٤٢.
منها خمس أبيات في النتف: ١١٠عن معالم الأيمان.
روطة في بالأندلس، والشاعر يندب معاهدة بالقيروان، فلعل فيه تصحيفا.
ديوان جرير: ٩٤٠.
ديوان الرضي ٢: ٢٧٥.
منها ثلاثة أبيات في معجم الأدباء ١٩: ٤٢ وأحد عشر بيتًا في المنتصف: ٩٨ عن معالم الإيمان.
ياقوت: عن اهلها وكم.
النتف: عليها.
النتف: روحاتنا.
النتف: وتمضي العصائر
ديوان أبي تمام ٣: ١٣٢.
ص: مرعى.
ص: إلا.
منها بيتان في معجم الأدباء ١٩: ٤٢ وثلاثة في النتف عن معالم الإيمان.
شروح السقط: ١٢٠ وصدره: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم؛ وقد كرر ابن بسام الاستشهاد به في مواطن.
لم يرد في ديوان العباس.
ص: وراثة.
ص، وتصبحه التهالك.
ص: يحدث.
ص: وخلانة.
كذا في ص.
لم يأتي جواب " لما ".
ص: يغلوا
ص: أقدام.
ص: الا اشتاتًا.
ص: اظطغان.
قد يفهم المعنى مجازًا، بأن مساويه مخضوبة فشبتها اضغائهم أي اظهرتها بقوة التضاد.
يرجع: يتردد، وقد تقرأ: " يرتع ".
ص: ألم.
ص: معنى.
ص: تفطيرا.
ص: الحائن
بياض في ص.
ص: ثاويًا؛ والثوي: البيت.
للحصري ترجمة في الجذوة: ٢٩٦ (بغية الملتمس رقم ١٢٢٩) والصلة: ٤١٠ والسلفي ٦٣، ١١٠، ١١١ والخريدة ٢: ١٨٦ ومعجم الأدباء ١٤: ٣٩ والوفيات ٣: ٣٣١ وغاية النهاية ١: ٥٥٠ ونكت الهميان: ٢١٣ وعبر الذهبي ٣: ٣٢١ والشذرات ٣: ٣٨٥ وقد ترجم له في المسالك ثلاث مرات ١١: ٣٧٥، ٤٥٥، ٤٦٨ (والأخيرة منها خطأ باسم علي بن عبد العزيز) ولم يأت في ترجماته بشيء، وله شعر في نفح الطيب والمطرب والحلة ٢: ٥٤ وذكر خبره في الحلة ٢: ٦٧ مع المعتد وهو ينقل عن الذخيرة - وقد تقدم -. وتكرر هذا الخبر في المعجب: ٢٠٥، وكانت وفاة الحصري سنة ٤٨٨ (ووقع خطأ في غاية النهاية إذ كتب ٤٦٨) ومن الغريب أن ابن عسكر حين ترجم له (أدباء مالقة: ١٥٧) عده من أهل سبتة. وقد قام الأستاذان محمد المرزوقي والجيلاني بن الحاج يحيى بدراسة عنه مرفقة بما وجد من رسائله وأشعار وديوانه المعشرات واقتراح القريح (تونس: ١٩٦٣) .
ذكر الحميدي أن الحصري دخل الأندلس بعد ٤٥٠هـ -.
ص: عره، والتصويب عن ابن خلكان؛ وطويت فلانًا على غره أي لبسته على ذحل.
ص: واحتفل، والتصويب عن ابن خلكان.
ص: ولا أن أدريه.
ص: أن يسلك.
ديوان العباس: ٢٢١ وزهر الآداب: ١٠٣٣.
ديوان ابن الرومي ١: ٣٥٢ (عن الذخيرة) .
أدرج الأستاذان المرزوقي والجيلاني هذه الرسائل عن الذخيرة في كتابهما: ٩٣ - ٩٩ ولم يعتمدا أصلًا آخر. ولذلك اكتفي بهذه الإشارة إليها.
ظن الأستاذان المذكوران قبل أن هذه الرسالة (لذكر الأنفاس العراقية) موجهة إلى صديق عراقي، وهو ظن مستبعد، لضعف الدلالة.
ديوان الرضي ١: ٦٥٨.
ص: استمزجته.
هو سليمان بن محمد بن الطراوة المالقي النحوي درس على أبي الحجاج الأعلم وأبي مروان بن سراج وتجول في بلاد الأندلس معلمًا، وله كتاب " المقدمات على سيبويه " وكانت وفاته سنة ٥٢٨ (التكملة رقم: ١٩٧٩ والذيل والتكملة ٤: ٧٩ - ٨١ وتحفة القادم: ١١ والمغرب ٢: ١٠٨ وبغية الملتمس رقم: ٧٧٩ وبغية الوعاة: ٢٦٣ ونفح الطيب، وله أخبار وشعر في معجم السلفي: ١٧، ٤٦، ٦٣ وأدباء مالقة: ١٨٨ وعيون التواريخ ١٢: ٢٨٤.
هنالك صورة من هذه الخصومة بين ابن الطراوة والحصري في كتاب السلفي: ٦٣ وروى السلفي عن أحد المالقيين قوله: " كانت بينهما منافرة ومناقرة ويهجو كل منها الآخر ". وقال ابن عبد الملك: " وكانت بينه وبين الأستاذ أبي الحسن الحصري مخاطبات نال كل واحد منهما فيها من صاحبه ".
البيتان في التكملة: ٤١٩ والنفح ٢: ١٥٤.
ص: أخوين.
لم أهتد لمعنى هذه العبارة.
ص: يحومك.
ص: فتدحض.
ص: بالخاصي؛ والحصي: الحصيف الشديد العقل.
بيت للمتنبي، انظر شسرح العكبري ٣: ٩٢.
ص: نقدان؛ ونقران في ديار بني تميم؛ وإذا كانت نعوان فهي في ديار غطفان، وإذا كانت قران فهي في اليمامة (وأرجح الأخيرة لأنها أشهر) .
ما اغتابني معلوم: هذه العبارة وردت في إحكام صنعة الكلام: ٢٥٠ وكتبت هنالك: " ما اعتابني في عيب إلا ذو عيب وخيم مقيم مع لؤم معلوم ".
ورد البيت في القسم الأول: ٨٤٢.
هو غانم بن وليد المخزومي، ترجم له ابن بسام في القسم الأول: ٨٥٣ وأورد له رسالة إلى الحصري أيضًا ص: ٨٥٦.
ص: ويضير.
ورد البيتان في إحكام صنعة الكلام: ٢٤٦.
وردت ترجمته في القسم الثالث: ٤٥٧.
ص: عباس.
ص: ختمت.
ص: فارفع.
ص: سبت؛ وقد تقرأ " نسب ".
نسبا لابن الرومي في أمالي القالي ٢: ٢٨٢ والشريشي ٢: ٣٤ وقال ابن رشيق في القراضة: ٤٦ - ٤٧ البيت الأول لابن الرومي والثاني لعبد الملك بن صالح، ارتجل ابن الرومي بيته واستجازه.
القراضة: يا من يسود بالخضاب مشيبه.
لم يرد البيت في ديوان الخالديين الذي جمعه سامي الدهان.
ص: وزرًا.
ص: مقدور من يقدر للمقدور.
البيتان في المسالك ١١: ٤٥٥ والمطرب: ٧٥ والخريدة ٢: ١٨٦ ومختارات ابن الصيرفي ١٣١.
البيت مضطرب في ص: رابه على ضنى فأتى يده ياسمين.
هذه القطعة والتالية في الشريشي ٥: ٢٤٠.
وردا في الريحان والريعان ١: ١٤١ / أللمعتمد وكذلك في النفح ٤: ٢١٢ (مع اختلاف في الرواية) وانظر الشريشي ٥: ٢٨٠.
ص: معالي القوافي.
ص: الخدود
ص: وهي.
ص: الحبيات.
ص: مسجورات الجود.
اللخمي هو المعتمد نفسه، والشاعر هنا يشير إلى أنه أشعر من ابن المعتز العباسي.
عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموي بالأندلس ولي خمسين سنة (٣٠٠ - ٣٥٠) .
عبود: قد يكون اسم فرس (وفي خيل العرب عبيد) والأرجح أنه اسم رجل، والأندلسيون - كما يقول أبو حيان الجياني في النضار - يسمون عبد الله عبودا كما يسمون محمدا " حمودا " (بغية الوعاة ١: ١٤٧ تحقيق الأستاذ أبو الفضل إبراهيم)، والخبب، نوع من السير، كما إنه اسم البحر الذي استعمله الحصري في هذه القصيدة، فهو يقول إن عبودا لا يستطيع أن يجاريه في هذا البحر، بل يقصر عنه كما يقصر العير (الحمار) عن الفرس العتيق (منجرد قيد الأوابد) .
منها أربعة أبيات في أدباء مالقة: ١٥٨.
ص: يقتص، والتصويب عن ابن عسكر.
ابن عسكر: شفيت.
ص: رابت.
كذا في ص، ولعل صوابه " ورصت " أو " ربضت " بمعنى ألقت.
انظر الخبر عن وقوع علي أسيرا في يد الألمانيين، وكيف بذل فيه والده عشرة آلاف فلم يقبل أسره الفدية في أعمال الاعلام: ٢١٩ (ثم تيسر فكاكه سنة ٤٢٣) .
عند عودة علي من الأسر عرض عليه والده الإسلام فقبله، ثم أصبح عليه معوله في الأمور (أعمال الاعلام: ٢٢١) .
ص: بردائه.
ص: حل.
ص: وأكيل.
ص: تندًا.
اضطرب هنا بمعنى ضرب.
أذيالها يعني أذيال الدولة، أي كان قد جعله ولي عهده.
من الآية: أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (الزخرف: ١٨) .
ص: أديم.
يعني أبا المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن مثنى.
قام ابن هود بنقل ابن مجاهد ومن معه إلى سرقسطة وأقطعه إقطاعًا يمونه (أعمال الأعلام: ٢٢٢) .
مختارات ابن الصيرفي: ١٣١ والخريدة: ١٨٧ وكتاب الآداب: ٩١.
يعني محمد بن خلصة الشذوني النحوي وكنيته أبو عبد الله، وقد وردت ترجمته في الذخيرة ٣: ٣٢٢ وذكرت هنالك مصادر ترجمته، ويضاف إليها أيضًا: المحمدون: ٣٩٩ وأنباه الرواة ٣: ١٢٥ والوافي ٣: ٤٢.
الشريشي ٥: ٢٤٠.
الأبيات في المطرب: ٧٩.
ص: تنكرون.
ص: قال.
ديوان ابن المعتز ٤: ١٠٨.
ص: سقى الله عينًا.
ص: ومقفر.
ص: باب.
ص: دارت.
ص: رده.
ص: بر.
فيه اعتماد على قول ابن هانئ: " فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ".
ص: حاتنا.
ص: مختصره.
ص: زحل.
ص: زعمي.
ص: حبسوا.
ص: على.
انظر القسم الثاني: ٦٦.
ص: القمر.
انظر ياقوت ١٤: ٤٠ والخريدة ٢: ١٨٧ والنفح ٤: ٢٤٦ ومختارات ابن الصيرفي: ١٣١ والغيث ٢: ٢١٩ والوافي في نظم القوافي، الورقة: ٤٣٦.
هذه هي القصائد التي تضمنها ديوانه اقتراح القريح واجتراح الجريح وقد نشره الأستاذان المرزوقي والجيلاني في كتابهما عن الحصري: ٢٤٣ - ٤٩٠ وسأشير إليه فيما يلي باسم " اقتراح ".
اقتراح: ٢٧٥.
ص: غدونا؛ اقتراح: أتوا.
اقتراح: ٢٧٨.
اقتراح: مثل القتيل خضيبا.
اقتراح: ٢٩٦.
اقتراح: محلي.
من قول امرئ القيس:
إلى عرق الثرى وشجت عروقي وهذا الموت يسلبني شبابي وقيل في تفسير عرق الثرى إنه إبراهيم.
ص: ولدها.
اقتراح: ٣٠١.
ص: غريبته.
اقتراح: ٣٠٦.
اقتراح: فقد إلف.
ص: المسرخ؛ اقتراح: المصوخ؛ والمسخخ: الذي يعرز ذنبه في الأرض.
ص: عين.
اقتراح: الوقت (وهو أصوب) .
ص: علتي.
اقتراح: ٣٤٤.
اقتراح: ٣٧٥.
اقتراح: وجر النصر.
يبدو أنهما لم يردا في اقتراح القريح.
ص: أبدًا.
ص: أن ترى أرض.
ص: أنفا في.
ص: تقصته.
هو أبو المطرف عبد الرحمن بن قاسم الشعبي المالقي (٤٠٢ - ٤٩٧) كان فقيه مالقة في عصره، وعليه كانت الفتيا تدور، وكان حافظًا من الحفاظ المشاهير، يحفظ المدونة وغيرها، أخذ عن شيوخ جلة كأبي أيوب (أبي العباس) أحمد بن أبي الربيع الأليبري وعن أبي محمد قاسم بن محمد المأموني السبتي وغيرهما؛ وقال فيه الفقيه أبو العباس أصبغ بن أبي العباس: " عصرة أهل العلم الرفيعة، وهضبته العبقة البديعة، بذ فيه الجموع والأفراد، وأربى نطره على النفاذ والنقاد، وبورك له فيما منح من الاستيلاء والاستحواذ " (وقد جرى التعريف به في القسم الأول: ٨٤٨ الحاشية: ٢ اعتمادًا على أدباء مالقة والصلة، ولكني زدت التعريف به هنا بيانًا) .
ص: لصاحبتي.
كذا ورد هذا البيت في ص؛ ومعناه فيما أرى: أنني سريت واتخذت الجمل السري (المختار) مصاحبًا لي، فهواي يصبي، أما هو الجمل فإنه ينضي، أي بسبب له النحول.
المظلومة: الأرض.
كذا؛ ولعله " نقوض لامر " أي أنه ينقض ما اجتمعت عليه الخوارج من رأي وكيد؛ والامر - بكسر الهمزة - الأمر العظيم الشنيع.
رية هو الاسم القديم لمالقة.
ص: ملك.
ص: وحلت.
هو تميم بن بلقين صاحب مالقة، الملقب بالمستنصر وكان احد الذي استنفرهم يوسف بن تاشفين في جوازه الثاني لحصار حصن لييط، ثم إن المرابطين نحوه وأخاه عبد الله بن بلقين وأرسلوهما إلى العدوة وأسكنا بأغمات (انظر الحلل الموشية: ٥٨ ومذكرات الأمير عبد الله) .
ص: إن جر.
ص: في صدره حرجًا.
الفقيهان هما الشعبي وابن حسون.
بنو حسون من الأسر المشهورة بمالقة، وكان منهم أبو علي الحسن بن حسون قاضي مالقة في مدة العالي بن يحيى بن حمود (المغرب ١: ٤٣٠) وأبو الحكم ابن حسون الذي تولى أمر مالقة فترة من الزمن (النباهي: ١٠٤) وذكر ابن الأبار أبا عامر بن حسون (التحفة: ٩٦) وإنه كان واليًا على مالقة؛ أما أبو مروان هذا فهو عبيد الله بن عيسى (أو ابن حسين بن عيسى) الكلبي المالقي، ولي قضاء مالقة وكان أبوه (الشهير بحسون) قد وليها لبني حمود (انظر ما تقدم قبل قليل فلعله هو الذي ذكره ابن سعيد باسم الحسن، وذكره ابن الأبار باسم الحسين)، وتوفي يوم الاثنين لأربع خلون لربيع الآخر من سنة ٥٠٥ وقد كان ابنه محمد من الفقهاء المشاورين في بلده (أدباء مالقة: ١٥٢ - ١٥٣ والتكلمة: ٩٢١ - ٩٢٢) .
يبدو أن تميم بن بلقين كان قد عزل أبا المطرف الشعبي، فلما عزل تميم عاد أبو المطرف إلى منصبه، وهذا ما يفسره البيت التالي الذي يصور الشماتة بتميم؛ وانظر القصيدة السابقة ففيها تصريح بسوء العلاقة بين تميم من ناحية والشعبي وابن حسون من ناحية أخرى.
ص: فما.
ص: فؤادي.
ص: انبه في عفة.
هناك اثنان يعرفان بابن فضال وكلاهما يكنى أبا الحسن: علي بن فضال القيرواني المجاشعي النحوي وقد شرق، ومدح نظام الملك وزير الدولة السلجوقية (وله ترجمة في الخريدة ١: ٢٨٧ والمنتظم ٩: ٣٣ ومعجم الأدباء ١٤: ٩٠ وأنباه الرواة ٢: ٢٩٩ وانظر مزيدًا من مصادر ترجمته في الخريدة ٣: ٦٩٤ وكانت وفاته سنة ٤٧٩)؛ والثاني هو عبد الكريم ابن فضال القيرواني الحلواني - وله ذكر في المطرب: ٥٩، ٧٥ ورايات المبرزين: ١٠٧ (غ) ومسالك الأبصار: ٤٥٦ والخريدة ٢: ١٨٨ وهذا هو الذي غرب فدخل صقلية والأندلس، وقد مر ذكره في القسم الأول ١: ٥٠٦ وأنشد له بيتين في لبس البياض وهو شعار الحداد عند الأندلسيين.
انظرها في المسالك والخريدة والمطرب ومختارات ابن الصيرفي: ١٣١.
في أكثر المصادر: عتاق.
الشريشي ١: ٤١٤.
انظر النتف: ١٠٣ وما تقدم ص: ٢١٥.
الشريشي ١: ٤١٤.
ديوان البحتري: ١٠٥.
الشريشي ١: ٣١٧.
سيترجم له ابن بسام في هذا القسم، وله ذكر في رايات المبرزين: ٩٩ - ١٠٠ وبيتاه في الشريشي ١: ٣١٧.
وردت في المسالك ١١: ٤٥٦ والمسلك السهل: ٤٩٦ والشريشي ٤: ١٨.
انظر البيتين وأبيات الحلواني بعدهما في الشريشي ٥: ٢٥٣.
ص: فتكه.
ستجيء ترجمته في هذا القسم: ٣٦٠.
انظر القسم الأول: ٨٤٢.
ص: مفرق.
ص: لحاليه؛ وهذا الشطر يبدو تكراراص لما سبقه عن طريق السهو.
ص: وغيره مذرعيه.
ص: الذم من خافضيه.
ديوان الوأواوء: ٢٢٢.
ص: وآيات.
أرجح أن يكون اسمه " إبراهيم بن محمد " وسيسميه إبراهيم في غير موضع في قصائده، ويشير إليه أحيانًا بابن محمد.
الشريشي ٣: ٤٤٢.
الشريشي ١: ١٢٨.
ص: بعد؛ الشريشي: وخز.
ديوان ابن المعتز ٤: ٢١٠.
زهر الآداب: ٨٩٣ والمختار: ٣٣٦ والذخيرة ١: ٩١٠.
هو محمد بن محمد بن جعفر البصري أبو الحسن، أكثره شعره في شكوى الزمان وهجاء شعراء عصره كالمتنبي وغيره (اليتيمة ٢: ٣٤٨ ومعجم الأدباء ١٩: ٦) . وبيته هذا في الشريشي ١: ١٢٩ منسوب لابن الجد.
ديوان البحتري: ٢٢.
الديوان: ليواصلنك.
ديوان أبي تمام ٢: ٧٧.
من قصيدة تنسب لعدي بن زيد العبادي، انظر ديوانه: ١٠٦ (وتخريجه ص: ٢٢٣) .
ديوان المتنبي: ٢٦٨.
ص: ينفعك.
شروح السقط: ٥٢٦.
منها بيتان في الشريشي ٣: ٣٥٦.
ص: على.
يعني اتهم ابن فضال.
ص: ومنابعها.
أب جنيس: أبو جنيس وهي كنية الرمادي بعجمية الأندلس (جنيش الرماد) .
منها بيتان في المسالك.
لم يرد البيت في ديوانه، والقافية في (ص): غبارا.
مرت ترجمته في القسم الثالث: ٤٠.
ص: المأموم.
ص: فقل.
الشريشي ٤: ٣١٤.
ديوان ابن الرومي: ٢٣٢ وزهر الآداب: ٢٩٤ وهذه القصيدة في مدح أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن بشر المرثدي.
ص: لتقبيل.
الشريشي ٢: ٢٥٨.
هو أبو الفتح البسي، والبيتان في اليتيمة ٤: ٣١٥ وزهر الآداب: ٣٩٧.
اليتيمة والزهر: برج نجم اللهو.
مصعب بن محمد بن أبي الفرات بن زرارة القرشي العبدري، أبو العرب: ولد بصقلية سنة ٤٢٣ وخرج عنها لما تغلب الروم عليها سنة ٤٦٤ قاصدا المعتمد، فدخل إشبيلية في شهر ربيع الأول من السنة التالية (٤٦٥) وكان إلى شهرته بالشعر عالما بالأدب، روى عنه بعض الأندلسيين كتاب أدب الكتاب لابن قتيبة، وبعد أن سجن المعتمد لحق بناصر الدولة صاحب ميورقة وبقي فيها إلى أن توفي. ويذكر ابن الأبار أنه توفي سنة ٥٠٦ إلا أن ابن الصيرفي يقول: وبلغني في سنة سبع وخمسمائة أنه حي بالأندلس؛ وقبره وقبر ابن اللبانة بميورقة كان متجاورين، وكان هو رجلا طوالا بينما كان ابن اللبانة دحداحا (التكملة: ٤١١) (انظر ترجمته في التكملة: ٧٠٣ والخريدة ٢: ٢١٩ والسلفي: ٦٨، ١٣٨ والمسالك: ٤٥٦ وابن خلكان ٣: ٣٣٤ وعيون التواريخ ١٢: ١٦ (نقلا عن الذخيرة) ورايات المبرزين: ١١١ والمغرب (قسم صقلية) وله ذكر في النفح وبدائع البدائه والمنازل والديار: ١٢٨ / أ، وعنوان الأريب ١: ١٢٣ وقد أشرت إلى بعض مصادر ترجمته في القسم الأول: ٩٠.
وردت هذه القصة والأبيات في المسالك والرايات وبدائع البدائه: ٣٧٣ والنفح ٣: ٥٦٩، ٤: ٢٦٠، ٢٦١ وعيون التواريخ.
النفح: أعطيتني، أهديتني؛ عيون: أهديتني.
ص: أحورا.
النفح والعيون: نتاج؛ البدائع: يناخ.
النفح: تصرف.
ص: غرر.
يقول ابن الصيرفي أن هذه القصيدة أول قصيدة أنشدها أبو العرب للمعتمد؛ ومنها الخريدة خمسة أبيات وستة في عيون التواريخ: ١٩.
الخريدة: والمتيم.
الذخيرة ١: ٨٩ - ٩٠.
ص: الطنيني.
هو محمد بن عبد الرؤوف بن محمد بن عبد الحميد الأزدي - مولاهم - أبو عبد الله، كان عالما باللغة والأخبار والتواريخ وألف كتابا في شعراء الأندلس وتوفي سنة ٣٤٣.
ص: يشتكي عينا يتظلم.
ص: ترفع.
منها سبعة أبيات في عيون التواريخ: ١٨.
منها بيتان في طراز المجالس: ١٢٨ والشريشي ٣: ٩٨ وهي في العيون: ١٩.
ص: بردان، والتصويب عن الشريشي.
انظر القسم الثاني: ٤١٥ وما بعدها.
البيتان في الخريدة ٢: ٢٢١ والريحان والريعان ١: ١٥٦ب والشريشي ٣: ١٧١ والعيون: ١٦.
الخريدة: كأن فجاج الأرض يمناك.
الخريدة: خائف.
الخريدة: فأني.
ديوان النابغة: ٥٢ وزهر الآداب: ١٠٣١ والمؤلف يتابعه، والشريشي ٣: ١٧ والعيون: ١٦.
زهر الآداب، نفسه والشريشي ٣: ١٧١ والعيون: ١٦.
زهر الآداب: ١٠٣٢ والعيون: ١٧ وديوان البحتري: ٧٦.
الديوان: لمجدهم من أخذ.
زهر الآداب: ١٠٣٢ والعمدة ٢: ١٧٩ والعيون: ١٧.
عيون التواريخ: ١٧.
العمدة ٢: ١٧٩ وديوان المتنبي: ٤٨٢ والعيون: ١٧.
زهر الآداب: ١٠٣٢ والعيون: ١٧ وديوان البحتري: ٧٦.
الديوان: لمجدهم من أخذ.
زهر الآداب: ١٠٣٢ والعمدة ٢: ١٧٩ والعيون: ١٧.
عيون التواريخ: ١٧.
العمدة ٢: ١٧٩ وديوان المتنبي: ٤٨٢ والعيون: ١٧.
وردا في الأغاني ١٣: ١٦٣ منسوبين لعبد الله بن حجاج وهما في الكامل ٣: ١٣١ والحيوان ٥: ٢٤٠ - ٢٤١ وحماسة البحتري: ٢٦٠ ومجموعة المعاني: ١٣٨ وينسبان أحيانًا للقتال الكلابي (انظر ديوانه: ٩٩) وعيون التواريخ: ١٧.
لعله هو محمد بن أحمد بن عبد الله الصباغ الصقلي الذي وردت ترجمته في المحمدون: ٦٨ نقلًا عن الدرة الخطيرة لابن القطاع.
لعل الصواب: جعل.
س: حمطتك.
ص: الذي.
ص: ونسبها.
ص: غدراته.
حقه أن يقول: توبة الأخيلية.
ص: وقصرت وذخرت.
ص: بيض.
ص: وحصنة؛ والسعنة: القربة ينبذ فيها، وربما وضعت فيها المرأة غزلها وقطنها.
زهر الآداب: ٣٢٠ وقد استشهد ابن بسام من قبل في القسم الأول: ١٥٠.
ص: ظنون.
ص: واستغر إليك.
ص: العدال.
ص: تريد.
ص: وتبقى في.
ص: جبل.
ص: وكشفت.
ص: مجهدة.
ص: وتشامخت.
ص: جليدة.
ص: السفن.
ص: الكاف قافا.
ص: فأين منك من.
ما يلي هو نص ما كتبه إليه صديقه حين لامه.
ص: خرفا.
ص: وتجانب.
هو الصمصام بن يوسف ثقة الدولة، تولى بعد أخيه الأكحل تأييد الدولة سنة ٤٢٧ ولم تطل أيامه، بل نار عليه أهل بلرم وأخرجوه، واستقل كل قائد في جزيرة صقلية بمنطقته.
كذا، ويمكن أن تقرأ " الاضطرار ".
لعله: فيغرق أو يخرج.
انظر الخريدة ٢: ١٩٤ ورايات المبرزين: ١١٢ والمطرب: ٥٤ ومسالك الأبصار: ٢٨٨ والسلفي: ٨٦ وابن خلكان ٣: ١٢١ وعيون التواريخ ١٢: ٢٥٥ والمكتبة الصقلية ونفح الطيب، وقد كتبت عنه دراسات منها دراسة للأستاذين السقا والمنشاوي (القاهرة ١٩٢٩) ودراسة بالإيطالية للأستاذ جبراييلي، وقد كتبت عنه فصلًا في كتابي عنه فصلا في كتابي " العرب في صقلية ": ٢٣٥ - ٢٦٢ ودراسة جعلتها مقدمة على ديوانه الذي قمت بنشره سنة ١٩٦٠ ويبدو من المقارنة أن الذخيرة انفردت بقصائد لا نجدها في أصول ديوانه، ومعنى ذلك - في الأرجح - أن هذه القصائد تمثل رواية - أو مجموعة - كانت له بالأندلس، وبخاصة وإن ابن بسام لقيه وسمع شعره، ولكن ابن حمديس عاش حتى سنة ٥٢٧ وكثر شعره، فالذخيرة تمثل حقًا المرحلة التي سبقت مغادرته لندلس وبعض قصائد مما قاله في بني زيري من بعده. وسأعارض شعره الوارد هنا بديوانه وحده لأني قمت بتخريج شعره من المصادر المتيسرة حين تحقيق الديوان نفسه.
ديوانه: ٢٠٤.
الديوان: ولا جننت بخصر.
روايته في الديوان:
وشربة من دم العنقود لو عدمت لم تلف عيشًا له صفو بلا كدر أو لعله بيت آخر وقع موقعه أو بعده.
الديوان: بلغت.
روايته في الديوان:
لا يسمع الأنف من نجوى تأرجها إلا دعاوي بين الطيب والزهر الديوان: غار.
الديوان: سهري، وفي ص: سحر.
الديوان: ففيك.
هذه الأبيات الثلاثة لم ترد في رواية الديوان وأثبتها هنالك في الحاشية: ٢٠٨.
ديوانه: ٨٨.
ديوان أبي نواس: ٢٤٤.
ديوان ابن حمديس: ٨٩.
ديوانه: ٥٥٩ (عن الذخيرة) .
ديوانه: ٥٤٤ (من الذخيرة) .
ديوانه: ١١٠.
الديوان: قطعت لها بالعزم نجدًا وصحصحا.
الديوان: ويحتال من أهل القريض يهادي القوافي.
الديوان: وأصحابي تجده.
القسم الثاني: ٧٥ وديوان ابن حمديس: ٢٦٧.
ديوان ابن حمديس: ٢٦٨ - ٢٦٩ والذخيرة ٢: ٧٦.
الديوان: ٥٥٧ (عن الذخيرة) ومنها أربعة أبيات في المسالك.
ص: تريد (دون اعجام للياء) .
المسالك: عنس.
لعل صوابه: حينما يبذل القرى أو: حين يستنزل القرى.
كذا هو في ص ولعله: " بالهدى " أو ما أشبه.
ديوان ابن حمديس: ٢٨.
الديوان: أتحسبني أنسى وما زلت ذاكرًا.
الديوان: علمت بتجريبي أمورًا جهلتها.
ص: حلا من ضلوعي بين زند الكواعب.
له وجه من معنى، وأحسبه " يعد " كما في الديوان.
الديوان: كيف لي بفكاكها.
ص: وكأنها.
ما حذفه ابن بسام قبل هذا البيت يشوء السياق، ففي ما قبله كان ابن حمديس ينعى على قومه مشوبهم في فتنة قسمتهم وأوهنت قوتهم، وفي هذا البيت وما يليه يشيد بما كان لهم من بطولات قبل تلك الفتنة.
ديوانه: ١٤ ومطلعها مختلف، وهو:
ألا كم تسمع الزمن العتابا تخاطبه ولا يدري الخطابا والأبيات الثلاثة الأولى هنا ليست في رواية الديوان.
الديوان: عن الأبصار.
قراءة غير دقيقة لما في ص، واقرب الصور المثبتة " الحدفا ".
الديوان: يمان كلما.
الديوان: صروف.
الديوان: نكرمها اكتسابا.
الديوان: ٥٤، ٥٣٩ (والثانية نقلًا عن الذخيرة وهي تكاد تكون رواية مستقلة) .
الديوان: قطعت (٥٤) .
من هنا حتى آخر القصيدة مما تستقل به رواية الذخيرة.
هكذا في ص؛ وله وجه، والأحسن ما أثبته في الديوان " وقمص ".
ص: الجو.
ص: بالتأويل.
الديوان: ٥٣٧ (عن الذخيرة) ومنها في المسالك ثمانية أبيات.
ص: حملة.
فيه إشارة إلى قولهم: " إن الرائد لا يكذب أهله ".
ص: فنقطت بالجاري وبالمتشهلب.
الديوان: ٥٥٠ (عن الذخيرة) ومنها في المسالك أربعة أبيات.
في ص صورة: من أن (دون إعجام) .
ص: عين.
ص: نفحة.
ص: المشحر.
المسالك: لأبقت.
الديوان: ٣٧٥.
ورد بدل هذا المطلع في الديوان:
أغمر الهوى كم ذا تقطعني عذلا قتلت الهوى علمًا أتقتلني جهلا ص: بدعًا.
الديوان: أراني له موله من الفضل لا مثلا.
الديوان: على كل بان غاية منه أو فضلا.
الديوان: فجاء تبعث.
الديوان: تجوز.
ص: مدارسها.
ص: منزع تعدي.
ص: نواظرها.
ص: تختتل.
الديوان: ٣٥٩ (عن الذخيرة) .
الديوان: ٨٥.
جاء في موضعه بيت آخر في الديوان.
الديوان: مدمج.
الديوان: ريقًا، سد على ذوب العقيق ما فتح.
الديوان: الزق.
الديوان: ينأى بها سرورنا عن الترح.
الديوان:
قد علمت مزاجه فشربها يجرحه ثمت يأسو ما جرح هذا البيت مع اثنين آخرين وردت في الوافي في نظم القوافين الورقة: ٤٩ (مخطوطة ليدن) .
الديوان: يقدح نارًا الماء.
الديوان: لنا.
الديوان:
حتى علا الجو دجى لم يغتبق فيه الحيا من الثرى كما اصطبح الديوان:
غراب ليل فوقنا محلق يقبض عنا ظله إذا جنح ص: كف.
الديوان: يا لائمي.
الديوان: ٥٥٤ (عن الذخيرة والمسالك) .
ص: سريت.
شروح السقط: ٢٤٠.
الديوان: ٥٤١ (عن الذخيرة. ومنها بيتان في المسالك) .
الديوان: ١٨٦.
الديوان: يصقل.
الديوان: صبا أعلنت للعين ما في.
ص: وأقبل سكرًا.
ص: حط.
الديوان: بكاسات الصبوح.
الديوان: ٢٤ وسرور النفس: ٤٣٣.
الديوان: عجبت.
الديوان: ٥٤١ (عن الذخيرة والمسالك) .
الديوان: ١٤٣ (والبيت الأول من الذخيرة والمسالك) ومنها بيتان في الشريشي ١: ٣١١ منسوبان لابن الصباغ الصقلي.
الديوان: ٥٥٦ (عن الذخيرة) .
الديوان: ٥٥٥ (عن الذخيرة) .
الديوان: ٥٥٩ (عن الذخيرة) .
الديوان: ٥٤٢ (عن الذخيرة) .
كذا في ص، وأحسب صوابه: " تقرب ".
هو عبد الله بن خلية القرطبي، المعروف بالمصري، قال ابن سعيد: لطول إقامته بمصر، وأنكر ابن حيان أن يكون ابن خليفة (وكان ابن جار له) قد تعدى في رحلته العدوة، وأنحى عليه بالذم عند الحديث عن الشعراء الذي أنشدوا قصائدهم في الأعذار الذنوبي (ص: ١٣٧، ١٣٩) وقد دافع عنه الحجاري في المسهب، وذمه ابن اللبانة في كتابه " سقيط الدرر " لأنه لم يكن وفيًا للمعتمد بعد خلعه (انظر ترجمته في المغرب ١: ١٢٨ وفيها اعتماد كثير على الذخيرة؛ وراجع أيضًا الخريدة ٢: ١٩٣ والمسالك ١١: ٤٦٦ وأجرى ذكره في القلائد: ٦ والمطمح: ١٥ وله أشعار في النفح) .
المغرب: العالم.
ص: رواية.
انظر ما تقدم: ١٣٧، ١٣٩.
ص: لداته.
انظر المغرب ١: ١٣١ والشريشي ٣: ٣١١.
مقتبس من قول الأول:
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونغمي تشتهيه انظر القسم الأول: ١٤٥ باختلاف في الرواية.
المغرب ١: ١٢٩ - ١٣٠.
ص: ونار الحجاب؛ وأثبت ما في المغرب.
ص: البلاد.
المعاني الكبير: ١٢٥٣ واللسان (أدم) وفصل المقال: ١٩٧ والصداقة والصديق: ٢٨.
ديوان التهامي: ٥٧.
ص: تعرض.
ابن خلكان ٢: ٣١٥ والهفوات النادرة: ٣٧ وغرر الخصائص: ١٣٤ (ط / ١٣١٨) والبيتان وحدهما في عيار الشعر: ٩٢.
بياض في ص، وأثبت ما عند ابن خلكان.
المعروف: " أبا " ولكني أبقيته على حاله، إذ لعل الشاعر هنا يحاكي قول كعب بن سعد الغنوي (وهو شاهد نحوي) " لعل أبي المغوار منك قريب ".
ص: بآية.
المغرب ١: ١٣٠.
المغرب: بين.
زهر الآداب: ٩٢٣ والصناعتين: ٢٠٨ والوساطة: ٣١٨ وديوان أبي نواس: ٦٦.
ديوان المتنبي: ٨٠.
انظر الخبر والشعر في بدائع البدائه: ٣٣٣ وديوان أبي نواس: ١٠٣.
بدائع: لحيات البلاد.
طممت أجزاء من الورقة هنا فلم أتمكن من قراءة ما وضعت نقطًا في موضعه.
منها بيتان في النفح ٣: ١١٨.
قصيدة أبي الطيب مطلعها: " دروع لملك الروم هذه الرسائل " (الديوان: ٣٦٤) وقصيدة المعري: " ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل " (شروح السقط: ٥١٩) .
شروح السقط: ١٠٤١.
ص: جميل.
ص: عزيز.
ص: أعطيك.
نفح الطيب ١: ٥٢٩.
نفح الطيب ١: ٥٢٩.
ابن خلكان ٥: ٣٤٨. والمسالك: ٣٠٤ والشريشي ٣: ٢٠٥.
ابن خلكان: ما يأتي به.
ابن خلكان: ساجعة.
ابن خلكان: عليه الدهر مصطخب.
ص: الأعجام.
هو أبو الأصبغ عبد العزيز البطليوسي، وكان طبيبًا مستهترًا بالخمر وكان يقول: أنا أولى الناس بألا يترك الخمر لأنني طبيب أحبها عن علم بمقدار منفعتها (انظر المغرب ١: ٣٦٩ والنفح ٣: ٤٥٢ وكتب لقبه فيه " القلندر "، وورد عند العماد في الخريدة ٢: ٢٥٨ من لقبه " القمندر " ولكنه كناه أبا بكر) .
ص: إليه.
المغرب ١: ١٣٠ ومنها ثلاثة أبيات في الشريشي ٥: ٣٠٥.
صوابه: فهاتي.
المغرب: في طوافي.
الشريشي: المزن.
المغرب ١: ١٣٠.
ص: أراني.
ذكره ابن سعيد في رايات المبرزين: ١١٠ (غ) باسم " عبد الله " وأورد له بيتين في حرشوفة نقلًا عن كتاب " زمان الربيع " للخشني، وانظر المسالك ١١: ٤٥٧.
انظر القسم الأول: ٨٤٣.
ص: مشعوث.
ص: مراوحة.
منها بيتان في المسالك ١١: ٤٥٧ - ٤٥٨.
لعله: البطليوسي، أي القلمندر الذي مر التعريف به آنفًا ص: ٣٥٧.
ص: جوانحي.
النفح ٣: ٤٥٨ والقسم الثاني من الذخيرة: ٨٣٧.
ص: أعيذك.
ص: مماليكهم.
ص: خاطب.
ص: مخيل.
ص: فراني.
ص: محول.
ص: مقالتها (دون إعجام التاء) تبيد.
يجيء أحيانًا " فانو " (انظر البيان المغرب ٤: ١٠٣) .
انظر نفح الطيب ٣: ١١٩ (وفيه نقل عن الذخيرة) ونقل المقري حكاية المضحك البغدادي في مجلس المنصور بن أبي عامر وسماه " الفكيك "، وهو خطأ لأن الفكيك لا يمكن أن يكون قد أدرك عهد المنصور (انظر ما تقدم في هذا القسم ص: ٢٨) .
ص: المذكورين.
استهز في.
ترجمته في القسم الثاني: ٨٠٩.
النفح ٣: ١١٩.
بعدلك: لم يبق في ص إلا " لك ".
ص: الحمدي، والحمدوي (ويرد في المصادر " الحمدوني ") هو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه وكان كثير النظم في طليسان بن حرب وشاة سعيد (انظر طبقات ابن المعتز: ٣٧١ والأغاني ١٢: ٦١ والوافي ٩: والفوات ١: ١٧٣ وابن خلكان ٧: ٩٥) .
زهر الآداب: ٢٣٤ والغيث ٢: ١٢٣.
الغيث: (نفسه) والإيجاز والإعجاز: ٨٧ وقد نسب فيه لأبي الحسن اللحام الحراني، كما نسب في رفع الحجب ١: ٩٧ لابن الرومي، وانظر الذخيرة ١: ٣٠٨.
ما جاء مضمنًا في الأبيات فهو من قصيدة لامرئ القيس في ديوانه: ١٥٣ وما بعدها.
منها أبيات في النفح ٣: ١١٩ - ١٢٠.
ص: وأوشح.
ص: وروى، واثبت ما في النفح.
ص: قال.
منها أبيات في النفح ٣: ١٢٠.
ص: عليا؛ النفح: بقاء.
ص: ما.
ص: بيمينك.
ص: لأشعار.
ترجمته في جذوة الاقتباس ٢: ٥٣٦ نقلًا عن الخذيرة، وانظر المسالك ١١: ٤٥٨.
ص: وحاله.
حاول ابن القاضي المكناسي حل هذا الحوار عن طريق التصحيف، حلًا جزئيًا، ولعله وفق في بعضه فليراجع (عبدك: عندكن نعم، يعم، الفتى: الفسا الخ) .
بطياس: قريبة حلب (انظر ديوان البحتري: ٢١٤، ١١٣٥) .
اسمه أحمد بن عبد الله بن العباس وهو عم أبي بكر الصولي (انظر ديوان البحتري: ١١٢٧ والحاشية) .
انظر المسالك ١١: ٤٥٨ والمغرب ٢: ٤٧٠ أبو بكر العطار (بحذف كلمة ابن) والنفح ٤: ١٠ وفي عنوان المرقصات: ٣٠ من اسمه عبد الله بن محمد العطار ولا أظنه هو لأن المترجم به اسمه في النفح " محمد "، ولعبد الله العطار أيضًا ترجمة في المسالك ١١: ٤٣٢ وهو من شعراء الأنموذج، فهو علي هذا ليس من يابسة.
ص: قد سدت، والتصويب عن المسالك.
ص: ألفت.
ص: تكسره.
المسالك: تنفك تظللها.
ص: تستعف.
النفح: أمطيت.
منها بيتان في المغرب والمسالك.
الكواثب: جمع كاثبة من الفرس قدام السرج.
أورد العمري منها ثلاثة أبيات.
ص: وضاح.
سقط عنوان الفصل من ص، وهذا قد يفسر كيف أن العمري في المسالك لم ينتبه إلى أن ابن بسام قد انتقل إلى ترجمة جديدة، ولهذا أدخل العمري بيتي شعر لابن القابلة في ترجمة ابن العطار اليابسي؛ وحين أراد أن يترجم لابن القابلة عقد له ترجمة مستقلة (١١: ٢٢٩) واعتمد في هذه الترجمة على عنوان المرقصات: ٣٠ وهي قاصرة على ثلاثة أبيات له وردت أيضًا في الدرة المضية: ٤٨٧ واسم القابلة عبد الله، ولابد من أن نفرق بينه وبين ابن قابلة آخر ليس سبتيًا وهو محمد بن يحيى الشلطيشي (المغرب ١: ٣٥٢) .
الشريشي ١: ٦١.
انظر القصة في بدائع البدائه: ٨١ والنفح ٣: ٦١٠، ٤: ١٣.
[ ٧ / ٤٠١ ]