فأول من أبدأ به منهم من رسخت أصوله في تربة التقديس والتسبيح، والتفت فروعه بأجنحة الملائكة والروح، من عبد الرحمن في زمانه، وخلعت الأوثان بين صارمه وسنانه، صلى الله عليه أتم صلاة وأزكاها، وأقربها من رضوان الله وأدناها، وعلى أهل بيته أولى الناس بنصح جيوبنا، وأحقهم بطاعة قلوبنا، وأرجاهم لحط خطايانا وذنوبنا.
فصل في ذكر الشريف أبي القاسم المرتضى ذي المجدين علم الهدى (١)
وإثبات جملة من شعره الذي شرف بقائله وطائله، وعرف بجلالة ناظمه، وأصالة مباديه وخواتمه.
كان هذا الشريف المرتضى إمام أئمة العراق، بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظمائها: صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت به أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره؛ إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، بما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل
_________________
(١) مولده سنة ٣٥٥ ووفاته سنة ٤٣٦، وقد تفرد في علوم كثيرة مثل علم الكلام والفقه وأصوله والأدب والنحو ومعاني الشعر واللغة وله عدد كبير من الكتب. وديوانه يقع في ثلاثة مجلدات: انظر ترجمته في أنباه الرواة ٢: ٢٤٩ ومعجم الأدباء ١٣: ١٤٦ وابن خلكان ٣: ٣١٣ (وفيه نقل عن الذخيرة) ودمية القصر ١: ٢٧٩ وتاريخ بغداد ١٢: ٤٠٢ وتتمة اليتيمة ١: ٥٣ والمنتظم وابن الأثير والذهبي (وفيات) ٤٣٦) وتلخيص مجمع الآداب ٤ / ١: ٦٠٠ ومرآة الجنان ٣: ٥٥ ولسان الميزان ٤: ٢٢٣ وبغية الوعاة: ٣٣٥ والشذرات ٣: ٢٦٥ وعبر الذهبي ٣: ١٨٦ والنجوم الزاهرة ٥: ٣٩ وروضات الجنات: ٣٨٧ والدرجات الرفيعة: ٤٥٨ والذريعة ٢: ٤٠١ وابن كثير ١٢: ٥٣ وللدكتور عبد الرزاق محيي الدين دراسة عنه بعنوان " أدب المرتضى " (بغداد ١٩٥٧): ويعتمد ابن بسام هنا في الأكثر على كتاب " طيف الخيال " (القاهرة: ١٩٦٢) .
[ ٨ / ٤٦٥ ]
ذلك البيت الجليل؛ وقد أخرجت من شعره ما لا يمكن لحاقه، ولا ينكر تبريزه وسابقه.
جملة من شعره في أوصاف شتى
في وصف الطيف
[قال] (١):
ما زال يخدعني بأسباب المنى (٢) حتى حسبت بأنه حقًا معي
أحبب إليّ وقد تغشى ناظري وسن الكرى بالطيف يطرق مضجعي (٣)
ولقد عجبت على المسافة بيننا كيف اهتدى من غير هادٍ موضعي
أفضى إلى شعث لقوا هاماتهم لما سقوا خمر الكرى بالأذرع
هجعوا قليلًا ثم ذعذع (٤) نومهم غب السري داعي الصباح المسمع
وقال: (٥)
وزورٍ تخطى جنوب الملا فناديت أهلًا بذا الزائر
أتاني هدوًا وعين الرقيب مطروفة بالكرى الغامر
وأحبب به (٦) يسعف الهاجعين وتحرمه مقلة الساهر
وعهدي بتمويه عين المحب ينم على قلبه الطائر
فلما التقينا برغم الرقاد موه قلبي على ناظري
_________________
(١) طيف الخيال: ١٢٠ والديوان ٢: ٢٢ (طيف الخيال ل. والديوان ن)
(٢) ل ن: الكرى.
(٣) هذا البيت مقدم في: ل ن.
(٤) في الأصل: زعزع.
(٥) ل ١٢١: ن ٢: ٦٢ والشريشي ٢: ٢٣٠ - ٢٣١.
(٦) ل ن: وأعجب به.
[ ٨ / ٤٦٦ ]
قال الشريف المرتضى (١): قلت هذه الأبيات في سنة أربع (٢) وثمانين وثلاثمائة، وتداول أهل الأدب إنشادها، واستغربوا هذا المعنى، وشهدوا أنه مخترع لم يسمع، فلما تصفحت ديوان شعر أخي لاستخراج ما يتعلق بوصف الطيف في هذا الوقت وهو سنة اثنتين (٣) وعشرين وأربعمائة وجدت هذه البائية بخطه على ظهر الجزء الثاني من شعره (٤):
إن طيف الخيال زار طروقًا والمطايا بين القنان وشعب
زارني واصلًا على غير وعدٍ وانثنى هاجرًا على غير ذنب
كان قلبي إليه رائد عيني فعلى العين منة للقلب
كان عندي أن الغرور لطرفي فإذا ذلك الغرور لقلبي
فلست أعرف كيف جرت في خبرها، وهل قصد ﵀ إلى نظمها حتى لا يخلو شعره من هذا المعنى، أو أنسي سماعه مني، وقذف به خاطره وجرى على هاجسه، وكثيرًا ما يلحق الشعراء ذلك فيتواردون في بعض المعاني المسبوق إليها، وقد كانوا سمعوها فأنسوها، فالخواطر مشتركة، والمعاني معترضة لكل خاطر، وكيف جرى الأمر فيها فإن العنصر واحد، وأينا سبق إلى معنى فالآخر بالنجر والسنخ إليه سابق وبه عالق:
وقال المرتضى (٥):
أمنك سرى طيف وقد كان لا يسرى ونحن جميعًا هاجعون على الغمر
تعجبت منه كيف أم ركابنا وأرحلنا بين الرحال وما ندري
_________________
(١) ل: ٩٤ - ٩٥.
(٢) ل: في سنة نيف.
(٣) ل: نيف.
(٤) ديوان الرضي ١: ١٧٢ والشريشي ٢: ٢٣١.
(٥) ل: ١٢٢ - ١٢٤؛ ن ٢: ٦٧.
[ ٨ / ٤٦٧ ]
وكيف اهتدى والقاع بيني وبينه ولماعة القطرين (١) مناعة القطر
وأفضى إلى شعث الحقائب عرسوا على منزل وعرٍ ودويةٍ قفر
وقومٍ لقوا أ " ضاد كل طليحة بهام ملاهن النعاس من السكر
سروا وسماك الرمح فوق رؤوسهم فما هوموا إلا على وقعة النسر
وبات ضجيعًا لي ونحن من الكرى كأنا تروينا العتيق من الخمر
أضم عليه ساعدي إلى الحشا وأفرشه ما بين سحري إلى نحري
قال المرتضى: قلت: " مناعة القطر "، وهي على الحقيقة ممنوعة، لأقابل بين لماعة ومناعة، والمعنى مع ذلك صحيح / [١٣١ٍ وإنما قلت: سماك الرمح (٢) لضيق الشعر، ومعنى: " لقوا أعضاد كل طليحة " أي توسدوا أذرع المطي كلالًا وتصعلكًا.
قال ابن بسام (٣): ومثله قول ذي الرمة (٤):
رمى الإدلاج أيسر مرفقها بأشعث مثل أشلاء اللجام
يعني نفسه [و] أنه عرس على إحدى ذراعي ناقته، وخص اليسرى لتكون وجوههم ووجوه الإبل في ناحية واحدة فيكتلئوا بأبصارها (٥) [لأنها أبصر وأسهر] ولو توسدوا أيامن المطي كانت وجوههم إلى أعجازها؛ وفي الاكتلاء لعين المطية يقول الآخر (٦):
أنخت قلوصي واكتليت بعينها وآمرت نفسي أي أمري أفعل
وقال ذو الرمة أيضًا (٧):
_________________
(١) في الأصل: القرطين؛ ولماعة القطرين: السحابة.
(٢) يعني كان حقه أن يقول السماك الرامح.
(٣) النص منقول عن شرح الأمالي: ٢٠٠.
(٤) ديوان ذي الرمة ٢: ١٢٩٨.
(٥) في الأصل: فيكتلئون بأبصارهم، وما بين معقفين زيادة من السمط.
(٦) السمط: ٢٠٠.
(٧) ديوان ذي الرمة: ٢٩٠ (مكارتني) .
[ ٨ / ٤٦٨ ]
جنحن على أردافهن وهرموا سحيرًا على أعضادهن المياسر
وقال أيضًا (١):
رجيعة أسفار كأن زمامها [شجاع] لدى يسرى الذراعين مطرق
كأن الزمام وإنما يكون في الشق الذي يضطجع عليه، وقد بين ذلك أبو حية بقوله:
[-] (٢) أيمن الكشحين منه إلى يسرى يدي حرج أمون
وإنما يتوسد القوم أيمانهم السلاح من أياسرهم، وأن معرسهم ليس بمكان طمأنينة ولا وضع السلاح من أياسرهم.
وقوله: " فما هوموا إلا على وقعة النسر "، بين مسامته السماك لقمة الرأس من وقعه زمان طويل. ومثله مما أنشده أبو علي البغدادي (٣)، إلا إنه في ذكر الشعرى والنسر، قول أيمن بن خريم:
أتاني بها يحيى وقد نمت نومةً وقد غابت الشعرى وقد جنح النسر
وقد أنكر أبو عبيد البكري عليه هذه الرواية وقال (٤): الصحيح في المعنى: " وقد طلع النسر "، لأن الشعرى العبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعًا من أفق المشرق على نحو سبع درجات، وكان النسر الطائر لم يطلع: وإذا كانت الشعرى الغميصاء في أفق المغرب، كان النسر الواقع حينئذ غير مكبدٍ، فكيف أن يكون جانحًا، وكان النسر الطائر حينئذٍ في أفق المشرق طالعًا على نحو سبع درجات أيضًا؛ فرواية أبي علي لا تصح ألبتة، فكأن النسر الواقع نظير الشعرى العبور؛ قال الشاعر:
وإني وعبد الله بعد اجتماعنا لكالنسر والشعرى بشرقٍ ومغربِ
_________________
(١) ديوان ذي الرمة: ٣٩٤ (مكارتني) .
(٢) الكلمة قد كشطت ولم يبق منها إلا الحرف الأول وهو التاء؛ ولم يرد البيت في شعر أبي حية المجموع.
(٣) أمالي القالي ١: ٧٧.
(٤) انظر التنبيه: ٣٨ والسمط (شرح الأمالي): ٢٦٢.
[ ٨ / ٤٦٩ ]
بلوح إذا غابت من الشرق شخصه وإن تلح الشعرى له يتغيب
وقال أبو نؤاس (١):
وخمارة نبهتها بعد هجعة وقد لاحت الجوزاء وانغمص (٢) النسر
فقالت: من الطراق قلنا عصابة خفاف الأوادي تستقى لهم الخمر
قال ابن بسام: وأبو عبيد البكري هذا كان آخر علماء أفقنا بالأوان، وأولهم بالبراعة والإحسان، حتى كأن العرب استخلفته على لسانها، والأيام ولته زمام حدثانها، وقد ذكرت [له] القسم الثاني من هذا التصنيف (٣)، عدة من التواليف في شتى الفنون، تشهد أنه تلقى راية المعارف باليمين.
وقال المرتضى من قصيدة أخرى (٤):
ألا يا ابنة الحيين مالي ومالك وماذا الذي ينتابني من خيالك
هجرت وأنت الهم إذ نحن جيرة وزرت وشحط دارنا من ديارك
فما نلتقي إلا على نشوة الكرى بكل خدارى من الليل حالك
يفرق في ما بيننا وضح الضحى وتجمعنا زهر النجوم الشوابك
وما كان هذا البذل منك سجية ولا البذل (٥) يومًا خلةً من خلالك
فكيف التقينا والمسافة بيننا وكيف خطرنا من بعيد ببالك
ولما امتطيت الليل كنت حقيقة بغير الهدى لولا ضياء جمالك
_________________
(١) منابع للسمط، وانظر ديوان أبي نواس: ٢٧٣.
(٢) السمط: وانغمس؛ الديوان: انحدر.
(٣) موضع ترجمة أبي عبيد في القسم الثاني من الذخيرة: ٢٣٣ ولم يرد فيها ذكر لتصانيف أبي عبيد لأن النسخ المعتمدة قد أخلت بإيرادها، وهذه الإحالة هنا تثبت أن ابن بسام كان قد أدرج له ترجمة مستوفاة، ولعله فعل ذلك في مرحلة متأخرة من إعداده للكتاب؛ ويجدر القول أن للبكري عدة مؤلفات هامة ذكرت بعضها في حواشي ترجمته في القسم الثاني.
(٤) ل: ١٢٤، ن: ٢: ٣٧٠ وحماسة ابن الشجري: ١٨١.
(٥) ل: الوصل.
[ ٨ / ٤٧٠ ]
وهذه أبيات غريبة الطرح، بدوية السنخ.
وقال في أخرى (١):
يا طيف زرنا إن نشطت لنا فالركب بالأبواء قد نزلا
عد النهار مطية لغبث وخذ الظلام مع السرى جملا
ودع التعلل فالحبيب إذا مل الوصال تطلب العللا
عجل سراك إلى مضاجعنا وإذا خطرت (٢) فلا تغب عجلا
من أين يعلم من نحاذره قطع الخيال الحبل أم وصلا
وقال (٣):
يا طيف ألا زرتنا بسواد لما تضرعنا حيال الوادي
وما كان ضرك والوشاة بمعزلٍ عنا جميعًا لو طرقت وسادي
والري فيك وقد صديت فقل لنا منا علينا كيف ينقع صاد
ومن أجل أنك تسعفين على الكرى أهوى الرقاد ولات حين رقاد
يا زورة من باخل بلقائه (٤) عجلت عطيته على الميعاد
ترك البياض لآمن وأتى به فرق الوشاية على ثياب حداد
وقال (٥) / [١٣٢]
ألا [يا] أيها الحادي قف العيس على الوادي
وأين الطيف من ظميا - ء أمسى وهو معتادي
_________________
(١) ل: ١٢٦؛ م ٣: ٤٦.
(٢) ل ن: حضرت.
(٣) ل: ١٢٧، ن ١: ١٦٠ والشهاب: ٦٦.
(٤) ل: برقاده.
(٥) ل: ١٣١، ن ١: ٢٦٥.
[ ٨ / ٤٧١ ]
جفا صبحًا ووافاني صريعًا بين أعضاد (١)
تلاقينا بأرواح وفارقنا بأجساد
قال المرتضى: الأرواح لا يصح لها في الحقيقة التلاقي والزاور، لكن الشعراء لما رأوا الأجساد في طيف الخيال لم تلتق ولا تدانت، نسبوا التلاقي إلى الأرواح تعويلًا على من جعل النفس لها قيام بنفسها، وأنها غير الجسد، وأن التصرف لها، فجرينا على هذا الطريق، وإن كان باطلًا بالتحقيق.
وقال (٢):
رازني والرقاد مني ومنهم داخل في العيون من كل باب
زورة زورت علي ولو كا - نت يقينًا لما شفت بعض ما بي
وقال (٣):
قل لطيف الخيال ليلة حوم - نا بنجدٍ هلا طرقت هزيعا
والمطايا من الكلال على رم - ل زرودٍ قد افترشن الضلوعا
ما على من يحل بالغور بو با - ت لنا طيفه بنجدٍ ضجيعا
خادعونا بالزور منكم عن الح - ق فما زال ذو الهوى مخدوعا
واطلبوا إن وجدتم كاتمًا للسر منكم فقد وجدنا المذيعا
وقال (٤):
وليلة بتنا بالأبيرق جاءني على نشوة الأحلام وهنًا رسولها
خيال يريني أنها فوق مضجعي وقد شط عني بالغوير مقيلها
_________________
(١) ل ن: جفا صبحًا ووافاني صريعًا بين رقاد وأعناق المطايا من كلال بين أعضاد (٢) ل: ١٣٤ والشهاب: ٧١ ولم يردا في الديوان.
(٢) ل: ١٣٦؛ ن ٢: ٢٠٤.
(٣) ل: ١٣٨؛ ن ٣: ٣٦ - ٣٧.
[ ٨ / ٤٧٢ ]
فيا ليلة ما كان أنعم بثها تنازح غاويها ونام عذولها
وما ضرني منها وقد بت راضيًا بباطلها أن بان ضبحًا بطولها
فلما تجلى الليل بالصبح وامحت دياجير مرخاة عليها سدولها
أفقت فلم يحصل علي من الذي خدعت به إلا ظنون أجليها
قال المرتضى (١): ولهذه الأبيات ما تراه، مما لا تقدر على جحده من الفصاحة والطلاوة والبدوية التي يوجد طعمها في فصيح الكلام؛ وإنما جعلت الطيف رسولها لأنه مذكر بها ومتجم عنها، فجرى مجرى الرسول، وكان عندي أنني سابق إلى وصف الطيف بالرسول حتى وجدت أشجع السلمي يقول:
حي طيفًا أتاك بعد المنام يتخطى إليك هول الظلام
شحط الحي من سعاد ومنا رسل بيننا من الأحلام
وقال البحتري (٢):
إذا أرسلت طيفًا يذكرني الهوى رددت إليها بالنجاح رسولها
وقال المرتضى (٣):
وزورٍ زارني والليل داج [وقد ملأ الكرى منا العيونا]
يريني أنه ثاني وسادي مضاجعة وزور ما يرينا
نعمت بباطل ويود قلبي ودادًا لو يكون لنا يقينا
وقال (٤):
حللت بنا والليل مرخٍ سدوله فألًا وضوء الصبح في العين مشرق
_________________
(١) ل: ١٢٩ - ١٤٠.
(٢) ديوان البحتري: ١٧٩٧.
(٣) ل: ١٥٣؛ ن ٣: ٣٠٥ والشريشي ٢: ٢٣٠.
(٤) ل: ١٦٢؛ ن ٢: ٣٠٦.
[ ٨ / ٤٧٣ ]
فأحبب به من طارقٍ بعد هدأةٍ على نشوةِ الأحلام لو كان يصدق
ولما تفرقنا ولم يك بيننا هنالك لولا النوم إلا التفرق
تطاير وصل غرنا فكأنه رداء سحيق أو ملاء مشبرق
وقال (١):
ألمّ خيال من أميمة طارق ومن دون مسراه اللوى فالأبارق
ألمّ بنا لم ندر كيف لمامه وقد طال ما عاقته عنا العوائق
فلله ما أولى الكرى من دجنةٍ جفتها الدراري طلعًا والبوارق
نعمنا به حتى كأن لقاءنا وما هو إلا غاية الزور، صادق
فما زارني في الليل إلا وصبحنا تسل علينا منه بيض ذوالق
وكيف ارتضيت الليل والليل ملبس تضل به عنا وعنك الحقائق
تخيل لي قربًا وأنت بنجوةٍ وتوهمني وصلًا وأنت مفارق
وقال (٢):
ضن عني بالنزر إذ أنا يقظا - ن وأعطى كثيرة في منامي
والتقينا كما اشتهينا ولا عي - ب سوى أن ذاك في الأحلام
وإذا كانت الملاقاة ليلًا فالليالي خير من الأيام
وقال (٣):
وسدني كفه وعانقني ونحن في سكرةٍ من الوسن
وبات عندي إلى الصباح وما شاع التقاء لنا ولم يبن
_________________
(١) ل: ١٧٠؛ ن: ٣٠٧.
(٢) ن ٣: ٢٧٠؛ ل: ١٧٤ - ١٧٥ وابن خلكان ٣: ٣١٤.
(٣) ن ٣: ٣٤٢؛ ل: ١٧٥.
[ ٨ / ٤٧٤ ]
خادعني ثم عد خدعته بمقلتي منةً من المنن
فإن تكن زورةً مهومةً فقد أمنا به من الظنن
وإن يكن باطلًا فكم باطلٍ عاش به ميت من الحزن
[وقال] (١):
يا خليلي من ذؤابة قيسٍ للتصابي رياضة الأخلاق / [١٣٣]
غنياني بذكرهم تطرباني واسقياني دمعي بكأس دهاق
وخذا النوم من جفوني فإني قد خلعت الكرى على العشاق
فصل في ذكر الوزير أبي القاسم الحسين بن علي المغربي
واجتلاب سابق أشعاره، ورائق أخباره (٢)
كان أبو القاسم نجمًا مطالعه الدول، وبحرًا عبابه القول والعمل، وروضةً تقوت القلوب نفحاتها، وتقيد الأبصار صفاتها وموصوفاتها، أما العلماء فعيال عليه، وأما العظماء فلعب في يديه، وأما الأقلام فبعض شيعه وأنصاره، وأما الأقاليم فبين إيراده وإصداره، وأما مكانه من العلم الحديث والقديم، وسبقه إلى غايتي المنثور والمنظوم، وإقدامه على المهالك، وتلاعبه بالأملاك والممالك، فأشهر من الصباح، وأسير من الرياح.
_________________
(١) ن ٢: ٣٤٢ وابن خلكان ٣: ٣١٤.
(٢) وردت ترجمة الوزير المغربي (٣٧٠ - ٤١٨) في تتمة اليتيمة ١: ٢٤ ودمية القصر ١: ٩٤ والمنتظم ٨: ٣٢ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٣٠٩ ومعجم الأدباء ١٠: ٧٩ وتاريخ ابن الأثير ٩: ٣٦٢ وابن خلكان ٢: ١٧٢ - ١٧٧ وبغية الطلب ٥: ١٤ - ٣٠٩ وأعتاب الكتاب: ٢٠٦ ورجال النجاشي: ٥٥ والإشارة إلى من نال الوزارة: ٤٧ ولسان الميزان ٢: ٣٠١، وراجع في أخباره أيضًا ذيل ابن القلانسي: ٦١ - ٦٤ وصفحات متفرقة من اتعاظ الحنفا (ج -: ٢) والدرة المضية ٦: ٣٠٩ ٣١٢ والنجوم الزاهرة ٤: ٢٦٦؛ وقد ذكره ابن القارح في رسالته وحكى شيئًا من أخباره معه (انظر رسالة الغفران: ٥١ - ٥٨) وقد علق ابن العديم على ذلك بقوله: وكان بين أبي القاسم ابن المغربي وبين علي بن منصور (ابن القارح) ما يوجب ألا يقبل قوله فيه.. (بغية الطلب ٥: ١٩) .
[ ٨ / ٤٧٥ ]
ومن أوابد أخباره، وخالد آثاره، كتابه المترجم ب - " المنخل " في اختصاره " إصلاح المنطق " لابن السكيت (١)، فإنه غاية لا يتعاطاها إلا من بهر عتقه، واشتهر سبقه، وطريقة لا يتوخاها إلا من رسخت في العلم قدمه، وترامت به إلى معالي الأمور هممه؛ ومما يعجب من أمره، ويرفع الصوت بجلالة قدره (٢): " أنه استظهر القرآن وعدةً من الكتب المجردة في اللغة، ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر [القديم، ونظم الشعر] وتصرف في النثر، وبلغ من الخط إلى ما يقصر (٣) عنه نظراؤه، ومن علم الحساب وجميع الأدوات (٤) إلى ما يستقل بدونه الكاتب، وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنةً، واختصر ذلك الكتاب فتناهى في اختصاره، وأوفى على جميع فوائده، حتى لم يفته شيء من ألفاظه، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار، وجمع كل نوع [إلى] ما يليق به ".
ولما أوقع الحاكم بأبيه وأهل بيته ونذر دمه، خرج من مصر معتقدًا لعلو همته ناشدًا لضائع ذمته، فأتى مكة فحمل أبا الفتوح (٥) على القيام بها، وقرب له ما كان يستبعد من طلبها، وجسره على أخذ ما كان بها من محاريب الفضة والذهب
_________________
(١) بعث أبي المغربي بالمختصر إلى أبي العلاء المعري فكتب الرسالة الاغريضية يثني على اختصاره وينبه ما على فضله، ومما قاله: " ووقفت على مختصر إصلاح المنطق الذي كاد بسمات ألباب، يغني عن سائر الكتاب، فعجبت كل العجب من تقييد الأجمال - شرفًا له تصنيفًا شفى الريب، وكفى من ابن قريب، ودل على جوامع اللغة بالإيماء، كما دل المضمر على ما طال من الأسماء.. " (رسائل أبو العلاء: ١٨ وصبح الأعشى ١٤: ١٨٢) ولأبي العلاء رسالة أخرى إلى ابن المغربي تعرف بالمنيح (انظر الرسائل ص: ٣) .
(٢) ما بين أقواس صغيرة يكاد أن يكون نص ما كتبه والد الوزير المغربي في ابنه، على ظهر مختصر إصلاح المنطق، ونقله ابن العدي في بغية الطلب ٥: ١٧ وما بين معقفين زيادة منه، وما جرى إصلاحه فإنما تم اعتمادًا عليه، وكذلك هو عند ابن خلكان.
(٣) في الأصل: نقص.
(٤) ابن العدين: ومن حساب المولد والمقابلة وجميع الأدوات.
(٥) هو الحسن بن جعفر العلوي، وقد جوز له الوزير المغربي أخذ مال الكعبة وضربه به دراهم، وتلقب بالراشد بالله، ولى بعض هذا يشير ابن القارح بقوله: " وبغضي له - شهد الله - حيًا وميتًا أوجبه أخذه محاريب الكعبة، الذهب والفضة وضربها دنانير ودراهم وسماها الكعبية " (رسالة الغفران: ٥٨، وانظر بغية الطلب ٥: ٢٤) .
[ ٨ / ٤٧٦ ]
فضربها دنانير، وفرقها على من تبعه من ذؤبان العرب، ثم سار يدعو إليه، ويسفر بينه وبين من عسى أن يأبى عليه، حتى دخل الرملة وصعد منبرها، فالا من غير استفتاح لتحميد ولا صلاةٍ على النبي ﵇ قول الله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا) وأومأ بيده إلى مصر، يعني الحاكم (يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) (القصص: ٤) ثم عاد إلى أبي الفتوح المذكور، وهزه لذلك، فألفى سيفه كهاما، وسحابه جهاما، فخرج إلى العراق، ودخل الكوفة متقربًا لسلطانها، ثم خافه وزير قرواش (١) فتقرب إليه بالمال، وأشار عليه بالترحال، فصار إلى ميافارقين، وأميرها يومئذ نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي، فتقلد وزارته بعد طول مقام، وبعد مرام، وخلع المرقعة والصوف، ولبس المسك والشفوف، فهتك ستر الحياء، وخلع ربقة الرياء، فصار كمال قال في نفسه، وقد ابتاع غلامًا تركيًا كن يهواه، قبل أن يبيعه منه مولاه (٢):
تبدل من مرقعةٍ ونسك بأنواع الممسك والشفوف
وعن له غزال ليس يحوي هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشد ما كان انتهاكًا كذاك الدهر مختلف الصروف
ثم روسل بعد بوزارة الموصل (٣)، فسار إليها، وتقلد لحينه وزارة المستولى عليها، فملك زمامها، وصرف أيامها، ودوخ معالمها وأعلامها، وأتى على ما كان بها من رمق، وجرى من العسف بأعاظم أهلها من أبعد طلق؛ ثم راسلته وزارة بغداد وأميرها يومئذ أبو علي بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة بن عضد
_________________
(١) هو المعروف بابن الكافي، وكان وزيرًا ومديرًا لدولة قرواش بن المقلد، ويقول ابن العديم أن هذا الوزير قدم إلى ابن المغربي مالًا كثيرًا كي يرحل عن الموصل فسار عنها إلى ديار بكر (بغية الطلب ٥: ٢٦) .
(٢) الأبيات في بغية الطلب ٥: ٢٦ وأعتاب الكتاب: ٢٠٦ والشريشي ٥: ٣٠٥ وتاريخ المسيحي: ٢٣٤ب.
(٣) كان ذلك بعد وفاة ابن أبي الوزير الكافي.
[ ٨ / ٤٧٧ ]
الدولة بن ركن الدولة أبي علي، فتبحبح ذروتها، واقتعد لوقته صهوتها، فانتظمت له الأيام، وحمد على يديه النقض والإبرام، وبلغ الحال التي تصغر عنها النعم، وتقصر دونها الهمم، ثم إن أبا علي أوقع بمن كان يتهمه من الأتراك، وكان قد نهاه الوزير، وأشار عليه بما يقتضي التدبير، فأبى إلا ركوبًا لرأسه، وإدلالًا بنفسه، فاضطرب العسكر اضطرابًا اضطرهما جميعًا إلى الهرب، وأفضى بهما إلى استجارة أمير العرب.
حدث تحرير غلامه قال: عهدي بالوزير وهو خارج، وقد لبس ثيابًا رثةً، وعلى وجهه منديل قد لفه فيه لئلا يمتاز / [١٣٤] من جملة العامة، وقد أقبل علي واستقبلني في الدهليز ينشدني لنفسه في الحال (١):
تمرست مني العلا بامرئٍ (٢) قد علق المجد بأمراسه
يستنجد النجدة من رأيه ويستقل الكثر من باسه (٣)
أروع لا يرجع (٤) عن تيهه والسيف مسلول على راسه
وقد قيل إن إخراجه الملك معه إنما كانت حاجة في نفسه قضاها، وخطةً من مكره ألزمه إياها، إبقاء على جلالة المقدار، وأنفةً من الانفراد بعيب الفرار، ثم إن أبا علي ثاب سلطانه، وراسله شيعه بالحضرة وأعوانه، فعاد إليها، وأقام أبو القاسم بالموصل وقد كثر أتباعه، وملأ البلاد [عيانه] وسماعه، فأقام بها يسيرًا، واستشعر من صاحبه تقصيرًا، فاستأذنه في الرجوع إلى ميافارقين، فحلها، وتلقاه نصر الدولة بالاصطناع، وأقطعه صامت الأموال وفاشي الضياع، ثم روسل ثانيةً
_________________
(١) الأبيات في دمية القصر ١: ٩٦ ومعاهد التنصيص ٣: ٣٣ وأعتاب الكتاب: ٢٠٧.
(٢) دمية: فارعت الأيام مني امرءًا.
(٣) روايته في دمية القصر: يستنزل الرزق بأقدامه ويستدر العز من باسه (٤) دمية: لا ينحط.
[ ٨ / ٤٧٨ ]
من بغداد للوزارة، واستأذن نصر الدولة، فخلى بينه وبين مراده، ولم يجد بدًا من إسعاده، ووفاءً بإنجاز ميعاده، فلما برزت قبابه، وكادت تستقل ركابه، خوف نصر الدولة عاقبة مكره، وأشير عليه بالرأي في أمره، فسقاه شربةً كانت آخر زاده، ووفاءً بإنجاز ميعاده وتقدم حين أحس [بالموت] بحمله إلى الكوفة ليدفن في حجرة أعدها هنالك بازاء قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فسير بتابوته مسيرة شهر، بين أيدي الحتوف، وتحت أظلال السيوف، أكرومةً ختم بها مجده، وأحدوثةً أبقاها في الناس خالدةً بعده.
وقد أجريت من نثره الرائقة فصوله، ونظمه المتقنة فروعه وأصوله، ما يعطر الزهر شذاه، ويروق النجوم الزهر مرآه.
فصل من رسائله
لما دخل البطيحة وبها أبو القاسم هبة الله بن عيسى (١) [وزير] مهذب الدولة، وكان من أفاضل أهل وقته، فدخل إلى ابن المغربي رجل يعرف بسليمان ابن الربيع، وسلم إليه قصيدة قد بنيت على السؤال عن ألفاظ من اللغة على جهة الامتحان لمعرفته، فلما وقف عليها امتعض في الحال، وأحفظه ما لقي من التعدي والسؤال، ونسب ذلك إلى فعل أبي القاسم وزير مهذب الدولة البطيحي، فكتب عقب الوقوف (٢) على ذلك لوقته جوابًا أثبت بعض فصوله، لطوله، بعد هذه الأبيات المذكورة:
يا أفضل الأدباء قو - لًا لا تعارضه الشكوك
لا العلم ناءٍ من حجا - ك إذا نطقت ولا فروك
_________________
(١) ذكر ابن الأثير (٩: ٢٥٢) أنه توفي سنة ٤٠٦ وقال فيه: " كان من الكتاب المفلقين، ومكاتباته مشهورة، وكان ممدحًا، وممن مدحه ابن الحجاج ".
(٢) ص: عقب الدولة.
[ ٨ / ٤٧٩ ]
عرضت مسائل أنت للف - توى بمشكلها دروك
ما الحي والحيوت أم ما جلبح نضو بروك
أم ما ترى في برقعٍ رقشاء مجهدها حبيك
أم ما الصرنقح والزرير وما الملمعة النهوك
ولك الدراية والبصيرة في نداحيها السهوك
وابن لنا ما خمطط أبدًا بأمرغة معيك
أو ما اعتنانة فوهدٍ فيه الملامة لا تحيك
أم، ما ترفل [هبرج] يرتب مرسنه هلوك
ولرب ألفاظ أتتك وفي مطاويها حلوك
فارفق بنشرك طيها وانظر بذوقك ما تلوك
هذا وقد لذمت فؤادي خرمل هرط ضحوك
دعكنة نظرنة في خيس غانظها شكوك
تغدو وخرفعها المذي - ل في طوائفه سدوك
وأراك ما لك مشبه في ما علمت ولا شريك
حقًا لقد حزت العلو - م حيازة العلم الضريك
فأجابه ابن المغربي برقعةٍ قال فيها: وقفت على ما ذكرت أن بعض أهل الأدب كلفك المسألة عن شعر وجدته، لا أحب أن أقول في صناعته شيئًا، مشتملًا على ألفاظ من حوشي اللغة لا يتشاغل بمثلها أهل التحصيل، ولا يتوفر على تأملها إلا كل ذي تأمل عليل، لخروجها عما ينفع في الأديان، ويعترض في القرآن، ولمباينتها ما يجري في المذاكرة، وتستخدم فيه المحاورة، وزاد في عجبي منها صدرها عن البطيحة وفيها الأستاذ (١) الفاضل هبة الله بحر الأدب الذي عذبت موارده
_________________
(١) ص: من الأستاذ، ولعلها " مثل الأستاذ ".
[ ٨ / ٤٨٠ ]
مصادره، وري العقول الظماء، وطب الجهل، المستغمر الداء (١)، والباب الذي يفتح عن الدهر تجربةً علمًا، والمرآة التي تتصفح بها أوجه الأيام / [١٣٥] إحاطة وفهمًا.
وفي فصل: فإن كان الغرض في هذه الأبيات الخزاب، المقفرة من الصواب، طلب الفائدة، فقد كان أن يناخ عليه بمقفلها، ويقصد إليه بمعضلها، فعنده مفتاح كل مسألة مقفلة، ومصباح كل داجيةٍ مشكلة؛ بل لست أشك أن هذا السائل لو جاوره صامتًا عن استخباره، وعكف على ذلك الجناب كأنما لجأ في طي إضماره، لأعداه رقة نسيم أرضه، وهذب (٢) خاطره التقاط لفظه، حتى يغنيه الجوار عن الحوار، والاقتراب عن رجع الجواب؛ وإن كان قصد الامتحان للمسؤول، وتعرض لهذا الموقف الزحول، فذلك اعجب: كيف لم يتأدب بآدابه الصالحة، ويعتني إلى هدايته الواضحة.
وفي فصل: وكيف لم يعلم هذا العريض المكلف - بما أعطي من سعادة مكاثرته وسيق (٣) إليه من بركة صحبته - أن هذا التعريض كما قال المخرومي لعبد الملك بن مروان وقد (٤) لقيه في طريق الحجاز: بئست تحية الغريب من القاطنين، ولؤمت هدية الوافد من المقيمين، وقد كان حق الغريب بينكم أن يكثر ليله، ويسد ذريعه، ويعار من معالي الصفات ما يؤنس غربته، ويصدق مخيلته وعلى أنه لو كان قد احتبى للجدال، وركب للنزال، لما كان في عزوب (٥) كلمات من حوشي اللغة عن ذكره، ما يدل على قصر باعه، وقلة إطلاعه، ويا عجبا للفراغ
_________________
(١) ص: المستعمل اللاآء.
(٢) ص: وهذبت.
(٣) ص: وساق.
(٤) ص: ولقد.
(٥) ص: غروب.
[ ٨ / ٤٨١ ]
كيف يسوغ لهذا المغتر أن يجارى بخلو ذرعه تقسم أفكاري، وكيف أنساه اجتماع شمله بعد دياري، وكيف أذهله حضور أحبته عن مغيب أفلاذ كبدي، وكيف طرفت نواظره سكرة الحظ عن تصور ما يجن خلدي، وكيف لم يدر ما لي من ألحاظ مقسمة، وظنون مرجمة، وقد تكلفت الإجابة لما تضمنته الأبيات انقيادًا لمرادك، ومقتصر الرأي على إسعادك، أجر أقلامي جرًا وهن نواكل، وأنبه قرائحي وهن في غمرات الهموم ذواهل.
قال السائل: " إن المسؤول دروك لتلك الفتوى، ومستحق بها للرتبة العليا " ودروك لا يجوز هنا لأن فعولًا لا يكون من أفعل، ولو جاز ذلك لجاز " حسون " من " أحسن " و" جمول " من " أجمل ". وما نحب استيفاء القول في هذا الزلل، ولا نستفتح كلامنا بالمناقشة في السهو والخطل، ولعل القائل أوهم حملًا على قراءة حفص (في الدرك الأسفل من النار) (النساء: ١٤٥) فظن أن الدرك بوزن فعل، وأن فعلًا مصدر فعل يفعل، ولم يجعله من الدرك، لأن الفتح عندهم لا يخفف، لا يقولون في جَمَل " جَمْل "، وذهب عنه أم يكون اسمًا مبنيًا مثله وإن لم يكن مخففًا منه كما قالوا: " دركه ودركةً في حلقة الوتر التي تقع في فرضة (١) القوس، فخففوا وحركوا، وعلى أنهما لو كانا مصدرين لجاز أن يبنيا على الشذوذ ولا يحمل عليهما ما يبنى من الفعل، لأن الشذوذ ليس بأصل يقاس عليه، ولعل اغتر بقولهم: " دراك " - بالشد - وهو شاذ لأنهم قد [بنوا] أفعل من فعل (٢)، وهو قليل، قالوا فطّرته فأفطر، وبشرته فأبشر، فجاز على هذا دركته فأدرك، قال سيبويه: وهذا النحو قليل في كلامهم، ولعله ذهب إلى قولهم: " دراك " مثل " نزال " فظن أنه يقال منه " درك " كما يقال من " مناع " " ونزال ": منع ونزل. وذهب عنه [أنه] قد جاء الرباعي في هذا الباب. قالوا: قرقار وعرعار. في
_________________
(١) ص: فرض.
(٢) ص: يفعل.
[ ٨ / ٤٨٢ ]
معنى قرقر وعرعر، فأما الفرق الرباعي والثلاثي، فسيبويه يرى إجازة " فعال " في موضع فعل الأمر الثلاثي كله، ويمنعه في الرباعي إلا مسموعًا، وقال غيره من النحويين: بل هما ممنوعان إلا مسموعين، واعتمد سيبويه في الفرق على كثرة الثلاثي، وقلة ما جاء في الرباعي، أو لعله أصغى إلى قول الآخر (١):
إن يكشف الله قناع الشك فهو أحق منزلٍ بدرك
فذهب إلى أن " دركًا " مصدر، ولم يعتقد أنه كما قرأ حفص بالإسكان، أو لعله علق سمعه [قول] العتبي:
إذا قلت أوفى أدركته دروكة فيا موزع الخيرات بالعذر أقصر
وما أعرف له حجة أقوى منه. أو لعله أراد بقوله: دروك من الدرك مثل: لغوب، وهي لغة تكلمت بها العرب.
ثم بدأ السائل فسأل عن " الحي "، ولم أقف على صحة سؤاله لأني وجدت الأبيات مكتوبة بخط عليل، وإن سأله عن " الحِي " - بكسر الحاء - فقد أنشد أهل العلم قول العجاج (٢):
وقد نرى إذ الحياة حِي وإذ زمان الناس دغفلي
فقال الحِي من الحياة، والحي / [١٣٦] جمع حي. وأما كونه على معنى الحياة فوزنه على فعل باختلاف.
_________________
(١) ورد في اللسان (درك): بظفر من حاجتي ودرك فذا أحق منزل بترك وفي التاج: إن يكشف الله قناع الشك بظفر من حاجتي ودرك فذا أحق منزل [بترك] . (٢) ديوان العجاج: ٤٨٦ واللسان والناج (دغفل)؛ والدغفلي من العيش: المخصب الواسع.
[ ٨ / ٤٨٣ ]
قال ابن بسام: ومد أبو القاسم في هذا الجواب أطناب الأطناب ثم قال: " والحيوت " الحية وزنه فعلوت، والتاء فيه زائدة، وكثيرًا ما تزاد خامسةً مثل عفريت، وإنما هو عفرى.
و" الجلبح " العجوز الكبير، وأنشدوا: " إني لأقلي الجلبح العجوزا ".
و" برقع ": السماء الدنيا، قال أمية بن أبي الصلت (١):
وكأن الملائكة والملائك حولها سدر تواكله قوائم أربع (٢)
و" الصرنقح ": الشديد الخالص ولا يكون فعنلل إلا وصفًا لا اسمًا، قال جران العود (٣):
ومنهن غل مقمل لا يفكه من القوم إلا الشحشحان الصرنقح
و" الزرير " الذكي والمتحدر (٤)، وكان شيخنا أبو أسامة (٥) يخالف جميع اللغويين فيه ويقول: هو الزرير، ومنه اشتق اسم " زرارة "، وقول أبي أسامة أصح.
و" الملمعة " الفلاة التي يلمع فيها الآل، وفي مثل: " أكذب من يلمع (٦) " وهو السراب، ومنه الألمعي، كأنه يلمع العواقب بدقة فطنته، وأما
_________________
(١) ديوان أمية: ٣٥٨ واللسان (سدر) وتجيء قافية البيت أحيانًا " أجرد " و" أجرب " وقال ابن بري: صوابه " أجرد " والقصيدة دالية، والجرد: الملاسة.
(٢) السدر: البحر، ولم يسمع به إلا في شعر أمية، تواكلته: تركته، والقوائم هنا: الرياح.
(٣) ديوان جران العود: ٨.
(٤) في الليان والتاج أن الزرير هو الذكي الخفيف.
(٥) هو جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي الهروي (- ٣٩٩) كان مكثرًا من حفظ اللغة، أخذ عن الأزدهري وغيره، وقتله الحاكم العبيدي (انظر ابن خلكان ١: ٣٧٢ ومعجم الأدباء ٧: ٢٠٩ وبغية الوعاة ٢: ٤٨٨) .
(٦) انظر المثل في الدرو الفاخرة: ٣٦٢ (وفيها تخريجه) .
[ ٨ / ٤٨٤ ]
اللوذعي فهو يتلذع من شدة ذكائه، ويقال لمعت الوحشية وغيرها إذا بان لضرعها سقال وبريق باللبن، قال الأعشى (١):
ملمع لاعة الفؤاد إلى جحش فلاه عنها فبش الفالي (٢)
ويقال إن " لاعة " فعلة ومذكرها لاع، وفي الحديث: هاع لاع، وقيل بل لاعى بوزن فاعلة، كان الأصل " لاعية " من اللعو، وهو أشد الحرص، وبين الخليل وأهل النحو فيه خلاف يشق إحصاؤه.
و" النهوك " و" النهيك " و" النهاكة " معروفة.
و" البصيرة " الترس، قال الأسعر الجعفي (٣) وليبس بالأسعر المازني:
راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عند وأى (٤)
والبصيرة: الدم؛ [والبصيرة: الدية] ومعنى البيت على هذا أنهم أخذوا الديات ولم آخذ، فركبت يعدو بي فرسي لطلب الثأر، ويكون هذا مشبهًا لقولهم:
- (٥) ورحت أجر ثوبي أرجوان
_________________
(١) بيت الأعشى في اللسان والتاج (لوع) وديوانه: ٨.
(٢) قال الأصمعي: الملع التي قد استبان حملها في ضرعها فأشرق ضرعها باللبن؛ وقال أبو عبيدة: ملمع: تتوج مقرب، لاعة الفؤاد لائعة الفؤاد أي مستخفة من الحزن، ورجل هاع لاع وهانع لائع مشتاق إلى الشيء، والفالي: الطارد.
(٣) في ص: الأعسر؛ والأسعر الجعفي - ضبطه الآمدي بالسين المهملة - هو مرتد بن أبي حمران، وأورد له بيتين من قصيدته التي منها هذا البيت التالي وهي قصيدة أصمعية (الأصمعيات: ١٥٦) وانظر اللسان (عند. وأي) والمعاني الكبير: ١٠١٣ والوحشيات رقم: ٥٧.
(٤) العتد: الفرس الحاضر المعد للركوب: الوأئ: السريع المشدد الخلق؛ وقال ابن قتيبة في شرح البيت، البصيرة، الدفعة من الدم أي دماؤهم قد خرجت على أكتافهم وبصيرتي في جوفي يعدو بها فرسي، يريد أنهم جرحوا، ويقال بل أراد أن الذي طلبوه من الذحول على أكتافهم لم يدركوه بعد، فهو ثقل عليهم، وبصيرتي أي ذحلى قد أدركت به.
(٥) لم استطع قراءة هذا الشطر، وصورته في ص: عدا دل داء لهن حجة.
[ ٨ / ٤٨٥ ]
كلانا اختار فانظر كيف تبقى أحاديث الرجال على الزمان
والبصيرة في هذا الموضع: الحق.
و" المداحي " مفاعل من الدحو وهو البسط، والدحو أيضًا النكاح.
و" السهوك " من السهك وهو السحق، ويقال: ريح سيهوك وسيهوج، إذا كانت شديدة المرور والهبوب.
و" الخمطط " (١) هو الكحكح، وهو الشيخ الكبير.
و" المرغ " الريق، يقال أحمق ما يجافي مرغه، أي ما يمسك ريقه، والمرغ: التراب، في غير هذا.
و" معيك " فعيل بمعنى مفعول من المعك، وهو كالكنى.
وسأل عن الفوهد، والفوهد والثوهد: الغلام الممتلؤ شبابًا، وأنشدوا (٢):
تحب منا مطرهفًا فوهدا عجزة شيخين غلامًا أمردا
ينشد بالثاء والفاء.
و" القلفع " (٣) الطين الذي يتقلع عن الكمأة، وفيها خلاف.
و" الهبرج " من صفة بقر الوحش.
و" يرتب " يفتعل، من رب الأمر، أصلحه.
و" المرسن " موضع الرسن.
_________________
(١) لم أجد هذه اللفظة وأقرب الصور إليها " لطلط " وهي بمعنى الكحكح.
(٢) اللسان (طرهف، فهد) والمطرهف: الحسن التام، والفوهد والثوهد والفلهد: الغلام السمين الذي قد راهق الحلم.
(٣) لم ترد في الأبيات، فلعل فيها سقطًا.
[ ٨ / ٤٨٦ ]
و" الهلوك " الفاجرة لأنها تتهالك في مشيتها أي تتمايل وتتهادى.
و" لذم " بالمكان والذم، مثل لزم وألزم.
و" الخرمل " المرأة الفاجرة، وقيل الحمقاء، قال مزرد (١):
إلى خرمل شر النساء الخرامل
و" الهرط " النعجة المسنة و[اللحم المهزول] في غير هذا. والهرد: الشق و" دعكنة " أصله السمن والفتوة، وهو ما لا يسأل عنه، لأن كل ما زيدت فيه النون في هذا الموضع يدل لفظه على اشتقاقه كما تدل سمعنة ونظرنة على السمع والنظر، ودعكنة من الجلادة، كأنه من الدعاك (٢) .
و" الخيس " الغابة، وفي غير هذا الموضع اللحية.
و" الغانظ " فاعل من الغنظ وهو الكرب؛ قال عمر بن عبد العزيز: في الموت غنظ ليس كالغنظ وكظ ليس كالكظ، وهما الكرب.
و" الخرفع " (٣) القليل من كل شيء.
و" المذيل " المكمل.
و" الطوائف " الأيدي والأرجل.
و" السدوك " لا أومن به لأنه يقال / [١٣٧] سدك سَدَكًا وسَدْكًا، فإن جاء فيه سدوكًا فهو شاذ قليل، وهو اللزوم.
قال ابن المغربي: هذا ما حضرنا من القول، ولولا أننا لا نود أن ننهى عن
_________________
(١) روايته في ديوان مرزد: ٤٨ إلى صبية مثل المغالي وخرمل رواء ومن شر النساء الخرامل (٢) ص: الدعاء.
(٢) الخرفع: القطن وقيل ثمر العشر.
[ ٨ / ٤٨٧ ]
خلق ونأتي مثله (١) لسألنا مستفيدين، نثرًا لما فيه من شفاء البيان، لا نظمًا لما فيه من التعاطي والطغيان، فسألناه عن اللغة إن كان عني بها: عن العلافق بالعين، فهو يالغين معروف (٢)، وعن المصمة بكسر الميم، فهو بفتحها مشهور، وعند هندٍ لا تضاف إلى الأحامس (٣) فإن ذلك معروف، وسكرى بضم السين فهو بفتحها معروف، وعن الدون بالواو فهو بالياء معروف، وعن الفرن بالفاء فهو بالعين مذكور، وكم في الكلام أفعلة أسماء فهو في الصفات معروف، وما النديم في الناس فإنه في الجماد معروف، وما الشاهد على جواز أفلج بالجيم فإنه بالحاء معروف.
هذا إن كانت اللغة عنده مهمة، فإن قال إن النحو هو المهم عنده قلنا: فما جمع على أفعلة أغفله، سيبويه فلم يلحقه بكتابه أحد من النحويين، وهل ذلك الجمع إن كان عارفًا به مطرد أو محمول على مكانه في اللفظ - وعلى أي شيء خفض (وقيله يا رب) في قراءة حفصٍ، لا على ما أورده أبو علي الفارسي، فإنه لم يسلك مذهبه في التدقيق عليه - ولم منع سيبويه من العطف على [عا] ملين، وهو في سورة الجاثية بنصب (آيات)، ورفعه لا يتجه إلا عطفًا على عاملين، فإن كان أخطأ الأخفش فمن أين زل - وإن كان أصاب فكيف تجوز له مخالفة الكتاب - وهل قول سيبويه في النسبة إلى أمية أموي - بفتح الهمزة - صواب أو سهو استمر عليه وعلى جميع النحويين بعده - ولم قيل معدي كرب، ولم تحمل الياء في لغة من أضاف ولا من جعلها أسمًا واحدًا إلا على ما أورده النحويين، فلهم فيه أقاويل غير متجهة، وهل مذهبهم في أن سدى وهدى مصدران صحيح أم لا - وهل
_________________
(١) فيه إشارة إلى قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم (٢) ذكر ابن دريد في الجمهرة (٣: ٣٩٦) الغلافق وقال أنه اسم موضع، ولم يذكر العلافق.
(٢) يقال لقي هند الأحامس أو وقع في الداهية، وإضافتها إلى غير الأحامس مثل هند الهنود، وهند بني سعد وما إلى ذلك، ولكني اعتقد أن أبي المغربي يشير إلى ما هو أدق من ذلك.
[ ٨ / ٤٨٨ ]
بيض في قولهم: حمزة بن بيض اسم جمع، وما معناه في اللغة ووزنه في النحو مسموعًا لا مقيسًا على ما ذكرناه نحن في هذه الرسالة - ولم اختاروا " أن " مع عسى وكرهوه مع كاد -
فإن قال: لست أتشاغل بعلوم المؤدبين، وإنما آخذ بمذهب الحافظ، إذ يقول: علم النسب والخبر علم الملوك، قلنا له: فمن أبو خلدة (١) فإن أبا جلدة (٢) معروف، ومن العاض وما اشتقاقه (٣) فإن العاص معروف، ومن حبشية - مفتوح الأول مخفف - فإنه بالتشديد وضم أوله معروف (٤) - ومن عمرو بن معدي كرب غير صاحب: " أمن ريحانة الداعي السميع " (٥) فإن هذا معروف - وما اسم امرئ القيس على الصحة لا على هذا الظاهر وعلى أن في اشتقاقه كلامًا طويلًا فإن هذا معروف - ومن الزبير غير الأسدي واليهودي فكلاهما معروفان - ومن الزبير بفتح الزاي فإنه بضمها معروف (٦) - ومن القائل:
وقابلة لجلجتها فرددتها لدى الفرش لو نهنهتها قطرت دما
أرجل أو امرأة - وهل صفية الباهلية قلب أم مولاة - وهل المستشهد بشعره في " غريب المصنف " أبو كعب بالباء أو التاء، وفي أي زمان كان، وأيهما كان اسمه
_________________
(١) الخاء غير معجمة في ص؛ وخلدة هي بنت طلق اليمامي، حدثت عن أبيها، وخلدة بنت العرياض بن كلاب، روت عن عمها (الإكمال ٣: ١٨٢) .
(٢) أبو جلدة بكسر الجيم مسهر بن النعمان، وشاعر يشكري وآخر عجلي (الإكمال ٣: ١٨٢) .
(٣) العاض بن ثعلبة بن سليم الدوسي، وقال الوزير المغربي هو بلا تشديد (تبصير المنتبه: ٨٩٠) وهو من عضا يعضو الجرح أي كان بصيرًا بالجراح.
(٤) هنالك حبشية بن كعب بن ثور من مزينة (تبصير: ٤٨٦) وحبشية بن سلول، وهذا الثاني يقرأ أيضًا بفتح الحاء وتخفيف الياء (تبصير: ٤٠١) .
(٥) صدر بيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وعجزه: " يؤرقني وأصحابي هجوع " (ديوانه: ١٣٦)؛ وهناك رحل آخر بهذا الاسم وهو عمرو بن معد يكرب الزبيدي الأكبر جاهلي قديم (المؤتلف: ٢٣٣) .
(٦) الأسدي هو الزبير بن العوام، واليهودي هو الزبير بن باطا من بني قريظة أسلم ابنه عبد الرحمن (الإكمال ٤: ١٦٦) وهناك الزبير بن عبد الله الكلابي وقد عاش آخر خلافة عمر (الاستيعاب: ٥١٠)؛ وأما الزبير - بفتح الزاي - فهو ابن عبد الله بن الزبير شاعر ابن شاعر (الإكمال ٤: ١٦٥ - ١٦٦) .
[ ٨ / ٤٨٩ ]
ومن أي شيء اشتقاقه - ومن النطف الذي يضرب به المثل فيقال: كنز النطف (١) - ومن العكمص، لا أسأل عن تفسيره فإنه في اللغة معروف (٢) - وكذلك ذو طلال (٣)، وما خوعي فإن جوعى معروف، وهل أخطأ ابن دريد في هذه اللفظة أم أصاب (٤) - وما تقول في عدنان غير الذي ذكره محمد مولى بني هاشم فإنه معروف (٥)؛ وهل يخالف فيه أم لا - وحبيب والد ابن حبيب العالم رجل أو امرأة، وهل هو لغيةٍ أم لرشدة (٦) - ومن أجمد بالجيم فهو بالحاء كثير (٧) - ومن زبد بالباء فهو بالنون معروف (٨) - ومن روى عنه ﵇: " لا يمنع الجار جاره أن يجعل خشبه في حائطه " (٩) وقال " خشبة واحدة " وقالوا كلهم: " خشبه مضافًا - ومن يكثر ذكر الحضرمي في شعره من العرب (١٠) - والنبيذ المشروب: هل كان معروف الاسم أم لا
_________________
(١) هو النطف بن خبيري أحد بني سليط بن الحارث (انظر قصة احتيازه الكنز في ثمار القلوب: ١٣٩ وسرح العيون: ٥٤ - ٥٥) .
(٢) العكمص: الحادر من كل شيء أو الكثير أو الشديد الغليظ وبه كني أبو العكمص التميمي (التاج: عكمص) .
(٣) ص: ذو أطلال؛ ولم يبين ما يريده هنا، وذو طلال: ماء قريب من الربذة وقيل هو واد لغطفان (معجم البكري: ٨٩٢) .
(٤) جوعي المعروف هو مؤنث جائع وقال ابن دريد في الجمهرة (٢: ١٠٥) إن جوعى موضع وأثبتها البكري عنه، وذكر أنها خوعى بالخاء المعجمة في شعر امرئ القيس (معجم البكري: ٤٠٤) .
(٥) محمد مولى بني هاشم هو محمد بن حبيب نفسه وهو يذكر أن في الأزد عدنان بن عبد الله بن الأزد وقال غيره أنه عدنان (الإكمال ٦: ١٥٣ - ١٥٥) .
(٦) حبيب اسم أمه ويقال إن أباه غير معروف.
(٧) أحمد بن عجيان شهد فتح مصر (تبصير ١: ٣) .
(٨) زيد بن سنان بفتح الزاي، وزند بن الجون أبو دلامة وزند في نسب عدنان (الإكمال ٤: ١٦٨ - ١٦٩) .
(٩) ورد الحديث في البخاري (مظالم: ٢٠ وأشربة: ٢٤) ومسلم (مسافاة: ١٣٦) وسنن أبي داود (أقضة: ٣١) وابن ماجه (أحكام: ١٥) والموطأ (أقضية: ٣٢) ومسند أحمد ١: ٣١٣، ٣: ٤٨٠؛ قلت: خشبة (بالأفراد) هي رواية أبي ذر ورواء غيره (خشبة " بالهاء - بصيغة الجمع؛ وقال عبد الغني بن سعيد: كل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاوي (وانظر مزيدًا من التفصيلات في إرشاد الساري ٤: ٢٦٦) .
(١٠) الحضرمي: النعل المصنوعة بحضرموت، وأراها ترد كثيرًا في شعر كثير " إلى مرهفات الحضرمي المعقرب " (ديوانه: ٢٦٥)، و" بأقدامهم في الحضرمي الملسن " (ديوانه: ٢٥٢) الخ
[ ٨ / ٤٩٠ ]
عند العرب (١) - ومن روى عن ظئر رسول الله ﷺ وأنها قالت في شارفها: " وكانت لا تغذي أحدًا " وما معناه (٢) - ومن تفرد من أهل العلم بنصر ذي الرمة وتغليط الأصمعي في قوله: إيه عن / [١٣٨] أم سالم، لا على ما قاله النحويون من التعريف والتنكير، فإن ذلك معروف (٣) - ومن قال عن المتنبئة إنها سجاح مثل قطام ومن قال سجاح مثل غمام غير مبني (٤) - ولم سمي خليد الشاعر: خليد عينين (٥) - ومن عمي التي تنسب إليها الصكة فيقال " صكه صكة عمي "، وهل ذكر في شعر ومن ذكره (٦) - ومن هو الذي تنسب إليه العرب الصلال ومن ذكره من أصحاب رسول الله ﷺ - ومن كرب المنسوب إليه معدي كرب (٧) -
_________________
(١) التسمية معروفة ولكن الدلالة مختلفة، إذ كانت اللفظة تدل على كل ما نبذ في الدباء والمزفت فاشتد، ولكنه كان شيئًا غير الخمر ولهذا نجد الفلمس يقول في الخمر: أروي بها نفسي فتحيا بشربها ولا أشتهي شرب النبيذ من التمر
(٢) ذلك هو حديث عبد الله بن جعفر عن حليمة السعدية وكانت قدمت المدينة تطلب ولدًا ترضعه ومعها شارف - وهي ناقة مسنة: فلما قدر لها أن تكون مرضعة للرسول در ثدياها ودرت الشارف " وقام صاحبي إلى شارفي تلك فإذا بها حافل فحلب ما شرب وشربت حتى روينا " وذلك بعد أن قالت: " ما يجد في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه " (أسد الغابة ٥: ٤٢٧) .
(٣) قال ذو الرمة " وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم " - بكسر الهاء - قال الأصمعي: أخطأ ذو الرمة إنما كلام العرب إيه (بالتنوين وقال يعقوب بن السكيت أراد إيه (بالتنوين) فأجراه في الوصل مجراه في الوقف وكذلك قال ثعلب، ما قال الزجاج أنه ترك التنوين للضرورة ولكن أبا علي الفارسي انتصر لذي الرمة وقال: أما هذا الأصمعي مخطئ فيه - ديوان ذي الرمة: ٧٧٩ واللسان والتاج (إيه) .
(٤) يقول الأزهري وابن دريد والجوهري وغيرهم من اللغويين أنها " سجاح " مثل قطام؛ ولم أعثر على من أجاز أن تكون مثل " غمام ".
(٥) قيل سمي بذلك لأنه يسكن أرضًا بالبحرين تعرف بعينين (الشعر والشعراء: ٣٧٣) .
(٦) الصكة: شدة الهاجرة، يقال: لقبته صكة عمي وصكة أعمى وهو أشد الهاجرة حرًا، وقال بعضهم: عمي اسم رجل من العماليق أغار على قوم في وقت الظهيرة فاجتاحهم، ويقال تصغير أعمى مرخمًا، وأنشد ابن الأعرابي: صك بها عين الظهيرة غائرًا عمي ولم ينعلن إلا ظلالها (٧) معد يكرب اسم يمني يرد في النقوش، وهو سبأي محض، ولا تنطبق عليه التفسيرات التي يوردها لغويو عرب الشمال.
[ ٨ / ٤٩١ ]
وهل أصاب المبرد في نسبة الأبيات الجيمية:
لما دعا الدعوة الأولى فأسمعني أخذت بردي واستمررت أدراجي
أم أخطأ (١) -
فإن قال إنه صاحب سيرٍ وآثارٍ وأحكام، قلنا: أرشدك الله، وما معنى قوله ﵇: " من سعادة المرء خفة عارضيه " وهو ﵇ لم يكن خفيف العارضين، لا على ما فسره فإنه لم يأت فيه شيء (٢) - ومعنى قوله ﵇: " تسحروا فإن في السحور بركة " (٣) ونحن نرى [أنه] ربما أهاض وأتخم، وأضر وأبشم - ومعنى قوله ﵇: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " (٥) ولو سرق سارق [كليجة] تمر فتصدق بنصفها كان مستحقاص للنار عند أكثر المسلمين - وما معنى قوله ﵇: " لا يزال الأنصار يقلون ويكثر الناس " (٥)؛ ولو شئنا لعددنا أشخاصهم أكثر مما كان في البادية والحاضرة - ومعنى قوله " إن امرأ القيس حامل لواء الشعراء إلى النار " (٦) وهل يثبت الخبر أم لا - ولم قال: " إن من الشعر
_________________
(١) نسب المبرد هذه الأبيات للراعي (الكامل ١: ٢٨١) وفي ظنه أنها للراعي النميري، وبين الآمدي الأمر في المؤتلف: ١٧٧ إذ قال أنها للراعي الكلبي واسمه خليفة بن بشير بن عمير بن الأحوص.
(٢) أورد المبرد هذا الحديث في الكامل (٢: ١٢٩) وقال: ليس هذا يناقض لما جاء في إعفاء اللحى وإحفاء الشاربين.
(٣) ورد الحديث في النسائي (صيام: ١٨) وابن ماجه (صيام: ٢٢) والدارمي (صيام: ٩) ومواضع متعددة من مسند أحمد، منها ٢: ٣٧٧، ٤٧٧، ٣: ٣٢، ٩٩ (انظر معجم ألفاظ الحديث) .
(٤) الحديث في البخاري (الجمعة: ٢٩ ومناقب: ٢٥ ومناقب الأنصار: ١١) .
(٥) الحديث في البخاري (الجمعة: ٢٩ ومناقب: ٢٥ ومناقب الأنصار: ١١) .
(٦) تردده الكتب الأدبية، انظر مثلًا الشعر والشعراء: ٦٧ وليس في الأحاديث المتعلقة بامرئ القيس ما هو قوي مقبول منها.
[ ٨ / ٤٩٢ ]
لحكمة " (١)، ثم قال ﵇: " أوتيت جوامع الكلم " (٢) وهل تخرج الحكمة من جوامع الكلم -
فإن قال: إنما أفنيت عمري في القرآن وعلومه، وفي التأويل وفنونه قلنا: إذن يكون التوفيق دليلك، والرشاد سبيلك: صف لنا كيف وقع التحدي بهذا المعجز ليتم بوقوعه الإعجاز، وأخبرنا عن صفة التحدي: هل كانت العرب تعرفه أم لا، أم كان شيئًا لم تجر عادتها به فكان إقصارها عنه، بل لأنه التماس ما لم تجر المعاملة بينهم بمثله، ثم يسأل عن التحدي هل لقي بمعارضة بأن تقصيرها عنه أو لم تكن بمعارضة، ثم يسأل القوم عن قوله تعالى (لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) (النساء: ٨٢) وفيه من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ما لا يكون أشد اختلافًا منه (٣)؛ ويسأل عن قوله تعالى (وغرابيب سود) (فاطر: ٢٧) وما معنى الزيادة في الكلام، والغرابيب السود هي الغرابيب، فإن قال تأكيدًا فقد زل، لأن رجحان بلاغة القرآن إنما هو إبلاغ المعنى الجلي المستوعب إلى النفس باللفظ الوجيز، وإنما يكون الإسهاب البليغ في كلام البشر الذين لا يتناولون تلك الرتبة العالية من البلاغة؛ على أنه لو قال تأكيدًا لخرج عن مذهب العرب، لأن العرب تقول: أسود غربيب، وأسود حالك وحلكوك، فتقدم السواد الأشهر ثم
_________________
(١) ورد في البخاري (أدب: ٩٠) والترمذي (أدب: ٦٩) وابن ماجه (أدب: ٤١) والدارمي (استئذان: ٦٨) ومواضع كثيرة من مسند أحمد منها ١: ٢٦٩، ٢٧٣، ٣٠٣، ٣٠٩ الخ.
(٢) حديث أعطيت جوامع الكلم في مسلم (مساجد: ٥ - ٨ وأشربة: ٧٢) والبخاري (تعبير: ١١) والترمذي (سير: ٥) ومسند أحمد ٢: ١٧٢، ٢١٢، ٢٥٠، ٢٦٤.. الخ وحديث " بعثت بجوامع الكلم " في البخاري (جهاد: ١٢٢ وتعبير: ٢٢ واعتصام: ١) والنسائي (جهاد: ١ وتطبيق: ١٠٠) .
(٣) يرى الزمخشري إن عدم الاختلاف هنا معناه عدم التناقض والتفاوت في مستوى النظم والبلاغة والمعاني، وصدق الخبر.. (الكشاف ١: ٥٤٦ - ٥٤٧) .
[ ٨ / ٤٩٣ ]
تؤكده، وهذه الآية تخالف ذلك، فإذًا بطل التأكيد في المعنى (١)؛ وما معنى (فخر عليهم السقف من فوقهم) (النحل: ٢٦) وهل يكون سقف من تحتهم فيقع لبس يحتاج إلى إيضاحه بذكر فوق وتحت (٢) - ونحو منه قوله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم) (النحل: ٥٠) وهل لهم رب من تحتهم - وما معنى فوق ها هنا، وهل تدل على اختصاص مكان - وما معنى قوله (كلمح البصر أو هو أقرب) (النحل: ٧٧) وما هذا الأقرب - وما معنى قوله (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) (البقرة: ٧٤) وهل شيء أشد قسوة من الحجارة (٣) - وما معنى قوله (إلهين اثنين) (النحل: ٥١) وهل بعد قوله (إلهين) إشكال بأنهم أربعة فيستفيد بقوله اثنين ثبات المعنى - وما معنى قوله (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (البقرة: ٢٨٢) هلا كان أوجز وأشبه بالمذهب اشرف في العربية - وما معنى قوله (أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم) (النحل: ٤٧) ومن أين تناسب الرأفة والرحمة هذا الأخذ الشديد على التخوف الذي يقتضي العفو والغفران -
_________________
(١) قال الزمخشري: فإن قلت: الغربيب تأكيد للأسود، يقال أسود غربيب وأسود حلكوك.. ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع وأبيض يقق وما أشبه ذلك قلت: وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيرًا لما أضمر كقول النابغة " والمؤمن العائذات الطير " وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإضمار والإظهار جميعًا (الكشاف ٣: ٣٠٧) .
(٢) الوجه في " فوق " هنا في قوله " وهو القاهر فوق عباده " أي أنهم يخافون ربهم عاليًا قاهرًا لهم (انظر الكشاف ٢: ٤١٣)؛ وقوله " كلمح البصر أو هو أقرب " أي كما تبالغون أنتم حين تستقربون شيئًا (نفسه: ٤٢١)؛ وقوله " إلهين اثنين " الوجه فيه: إن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريد التأكيد على أن المقصود هو العدد شفع بما يؤكده فقيل إلهين اثنين أو رجل واحد.. الخ (نفسه: ٤١٣) ويأخذهم على تخوف أي وهم متوقعون وقيل هو أن يأخذهم على أن يتنقصهم شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم وبذلك تكون الرأفة والرحمة حيث يحلم عنهم ولا يعاجلهم مع استحقاقهم (نفسه: ٤١١) .
(٣) إن قلت لم قيل أشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه افعل التفضيل وفعل التعجب قلت: لكونه أبين وأدل على فرط القسوة، ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القوة بالشدة كأ، هـ - قيل اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة (الكشاف ١: ٢٩٠) ولم يورد الزمخشري توجيهًا لتكرير كلمة " أحداهما " في الآية ٢٨٢ من سورة البقرة، وذهب أبو حيان إلى أنه أبهم الفاعل في أن تضل بقوله " إحداهما " ولهذا أيهم الفاعل في " فتذكر " فكرر إحداهما، إذ كل من المرأتين يجوز عليها الضلال والاذكار فلم يرد بإحداهما معينة (البحر المحيط ٢: ٣٤٩) .
[ ٨ / ٤٩٤ ]
وعلى أن هذا السائل لو علم لسأل عن الصناعة التي أنا بها مرتسم، وبشروطها ملتزم، لا في الترسل / [١٣٩] فإني ما صحبت به ملكًا؛ ولكن في صناعة الخراج، فكان يجب أن يقول: ما الباب المسمى المجموع من الجماعة (١)
وأين موضعه منها، وأي شيء قد يكون فيه ولا يحسن ذكره في غيره - وأن يقول: ما الفائدة في إيراد المستخرج في الجماعة ومن كم وجه يتطرق الامتثال عليها بالغاية منها. وأن يقول: ما الحكم في متعجل الضمان قبل دخول يد الضامن، وأي شيء يجب أن يوضع منه إذا أراد الكاتب الاحتساب به للضامن من النفقات، وخاصة من جاري العامل، وفيه أقوال تحتاج إلى بحث ونظر - وأن يقول: إن عاملًا ضمن أن يرفع عمله بارتفاع مالٍ إلا أنه لم يضمن استخراج جميعه، وضمن استخراج ما يريد على ما استخرج منه خمس سنين إلى سنته بالقسط، كيف يصح اعتبار ذلك، ففيه كمين يحتاج إلى تقصيه وتأمله - وأن يقول: لم يقدم المبيع على المستخرج، والمبيع إنما هو من المستخرج، وكيف يصح ذلك - وأن يقول: أي غلط يلزم الكتاب وأي غلط لا يلزمه - وأن يقول: متى يجب الاستظهار للسلطان في صناعة الخراج ومتى لا يجوز الاستظهار له - وأن يقول: متى يكون النقص في مال السلطان أسد في صناعة الكتابة من الزيادة، ولست أعني نقص الارتفاع مع العدل، وعادل زيادةٍ مع الجور، فذلك ما لا يسأل عنه، وأن يقول: ما باب من الارتفاع إذا كثر دل على قلة الارتفاع، وإذا قل دل على جمام الارتفاع ووفوره - وأن يقول: متى تكون مشاهدة الغلط أحسن في صناعة الكتابة من عديمه - وأن يقول: كم نسبة جاري العمل من مبلغ الارتفاع وأول من قرره ورتبه - وأن يقول: ما رتبتان من رتب الكتابة إذا اجتمعتا لكاتب بطلت أكثر حججه في احتساباته - وأن يقول: هل يطرد في أحكام
_________________
(١) الموافقة والجماعة حساب جامع يرفعه العامل فراغه من العمل، ولا يسمى موافقة ما لم يرفع باتفاق ما بين الرافع والمرفوع إليه، فإن انفرد أحدهما سمي محاسبة (مفاتيح العلوم: ٣٨) .
[ ٨ / ٤٩٥ ]
الكتابة حملها على مناصبة أحكام الفقه أم لا، وهل يذهب [إلى ذلك] أحد من متقدمي الكتاب، وما الحجة فيه، وبالله التوفيق.
قال ابن بسام: وهذا المجموع إنما هو لسان منظومٍ ومنثور، لا ميدان وتفسير، أورد الأخبار والأشعار لا أفك معماها، في شيء من لفظها ولا معناها، ولو ذهبت فيه إلى إيضاح مبهم، وإعراب مستعجم، لكانت هذه الفصول أولى ما فتحت مقفله، وآكد ما أوضحت مشكله، على أني قد ألمعت فيه ببعض تنبيه، بين ذكر أجريه، ووجه عذر أريه.
فصول من سائر ترسيله
فصل له من رقعة: وقفت على كتابك ولم أزل ألثمه، كأني قد ظفرت باليد التي بعثته، وأضمه كأني أضم الجواتنح التي نفقته، وكأني كلما أدنيته إلى الكبد المعذبة ببعدك، وأمررته على العين المطروفة بفقدك، سحبت على النار ذيل السحاب، وسقيت عطش الحب كأس الرضاب، وأعرت أخا سبعين ظل الشباب، فأخرت يوم قدومه لأجعله موسمًا للسرور، وعيدًا باقيًا على الدهور، أرتقب السعد عنده كل عام، وانتظر الفرج منه من كل غرام؛ واتفق وروده في أشرف فصول الدهر حسبًا، وأكرم مفاخر الأيام نسبًا، حين ابتدأ (١) الربيع يزخرف بروده، والروض ينظم عقوده، وكنت أعرف هذا الفصل باعتدال منهاجه، وصحة مزاجه، وأنه لو كان الزمن شخصًا لكان له مقبلًا، ولو أن الأيام غوان لكان لها حليًا وحللًا، لأن الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء، فإذا وردت الحمل وافت أحب أوطانها إليها، وأعز مساكنها عليها.
وفي فصل منها، فيا حسن تلك الصحيفة ومدادها ينتهب بالأفواه، ويزيد بالتقبيل لعسًا في الشفاه، ويا عجبًا كيف حفظ مع بعد العهد نشر عرفك، وكيف
_________________
(١) ابتدأ: مكررة في ص.
[ ٨ / ٤٩٦ ]
علق مع تراخي الأيام طيب كفك، وكيف جاء كأنك كتبته من أمم، وأنقذته وبيننا خطوة قدم، وكيف لم يغيره ما قطع من مهاول قفار، وليل ونهار، وعدو كاشح، ورقيب لامح، فأنعم به من ريحانة ألفاظ دامت لدونتها، وباكورة وصال سلمت غضوضتها (١) ومسحة يدٍ بقي أثرها أرجا، وروضة كلم دام على الصيف بهجتها (٢) .
وفي فصل منها: فأما سؤالك عني فما يشبه سيرتك الحسنى، ولا يليق بطريقتك المثلى، كيف تسألني والإجابة معك - وكيف تستخبرني ومحل الخبر والاستخبار عندك - / [١٤٠] ومتى سمعت بجواب جسدٍ رهينة - وأين رأيت طماح عين لواحظها مقيدة كليلة - ألم أفارقك وقلبي عندك أعشار، وأضلعي منه قفار -
وفي فصل: وردت الموصل التي خالف اسمها معناها، وكانت مقطعًا بيننا لولا خدع الأماني، وفصلًا لولا المرجو من عفو الليالي، فوجدت هواءها يعطل سوق بقراط اعتدالًا وطيبة، وماءها يسلي عن مجاج النحل استمراء وعذوبة، وصقعها قد تبغدد رقةً ولطفًا، وجوها قد تزندق تنعمًا وظرفًا، تكاد تثقله عقود الغانيات، ويخجله تتابع اللحظات، كل شمأله نسيم، وكل جنوبه حيًا عميم، ورأيت أرضها أطيب الأرض خيما، وأزينها أديما (٢)، تنسج بالسندس الأخضر، وتفتر عن الأقحوان الأحمر، وألفيت بنيانها هو الذي حمده الله في تنزيله (٤)، وأحبه لنا أن نكون مثله جهادًا في سبيله، مرصوصًا بوقاح الجلمد، ملاءمًا بينه بالشيد الممرد، قد حصن ظاهره على باطنه عن تداخل الإبر، ومساكن الذر، يزل عنه ظفر الطائر، وتتدحرج عليه أحداق (٥) الناظر، وتغنى به العروس عن الماوي المنير (٦)، وتستبين
_________________
(١) ص: غضاضتها، وهو عند بعض اللغويين جائز، وأنكره علي بن حمزة، والالتزام به هنا غير ذاهب مع السجع.
(٢) كذا وردت العبارة في ص، ولعلها " دام على الصيف زهرها بهجًا " أو ما أشبه.
(٣) كذا وردت العبارة في ص، ولعلها " دام على الصيف زهرها بهجًا " أو ما أشبه.
(٤) يعني أنه بنيان مرصوص يشد بعضه بعضًا (انظر الآية ٤ من سورة الصف) .
(٥) ص: أكداه.
(٦) الماوي: حجر البلور أو المرآة.
[ ٨ / ٤٩٧ ]
به الجفون منابت الشكير من أهدابها والغمير، متلافية أقطارها على رجال كأنهم أنسلاء عادٍ وثاقة أجسام، وصلابة أحلام، وبعد مرام، لطفوا عن بدوية الشام وغلظته، وجمدوا عن ذوب العراق وخلابته، قد عقدت ألسنتهم بالصدق فما ينثر الباطل من عذباتها، وصحت غرائسهم في المودة فما يجتنى الغدر من ثمراتها، إن سلمًا فسلمًا وإن حربًا فحربًا، لا يعرفون تدليس الأخلاق، ولا تمويه النفاق، وشعراؤهم (١) ملء اليدين، وكتابهم أثر بعد عينٍ، أدبهم [حسن] (٢) على قلة الملوكي فيه، وعلمهم متقن لمن تأمل أدق مسربٍ (٣) في فتن معانيه، قد محص تهذيب المحن شرارهم وأوهن خيارهم، بلدهم أطلال، وأحوالهم آل، قويهم يئن ضعفًا وضعيفهم يماطل حتفًا، بقيت عليهم أسمال النعم وذهب الدهر بأجسامها، وانجلت عنهم ظلل المحن وهم يتأوهون من غير آلامها، إلا أن فيهم بقية نقية، وفيهم موضع تداركٍ إن رزقوا سيرة مرضة، فلولا ما أرجوه من مداواة أسقامهم، وإعادة صالح أيامهم، لفضاني الانتماء بمعايشتهم قبل معاناتهم، وبملاحظتهم قبل مقاستهم، لكني أعلم أن من يحيي العظام وهي رميم، ويبعث (٤) الروض وهو هشيم، وينشئ [-] بعد ما كانت قفارًا، ويجعل من الشجر الأخضر نارًا، قادر على أن يجعل ثواب نيتي فيهم معونتي على ما أنويه لهم، وجزاء تأملي بهم بلوغ الغرض في تدارك رمقهم.
وفي فصل: لو أطقت تفصيل المجمل، وإيضاح المشكل، لجرت لك به يدي طلق الجموح، ولأغنتك أسماره عن الوتر الصدوح، إلا أن القب عليل، والخاطر كليل، والزمان ببلوغ الأمل بخيل.
_________________
(١) ص: وسفراؤهم.
(٢) ليس في موضعها بياض في ص.
(٣) ص: متقن من مسربًا.
(٤) وص: ويبلى (دون إعجام) .
[ ٨ / ٤٩٨ ]
وفي فصل من أخرى إلى ذي السعادتين (٢): للرياسة كلف لا يستقل بها إلا المهذب الكامل، ولا يخطو تحت أثقالها إلا الأوحد الفاضل، ولا يبلغ ذوائب أعاليها، إلا من شرب الأجاج من ماء واديها، ولا يلذ بملكها إلا من أغلى المهر من كريم مساعيه، ولا يفض ختامها إلا من جعل منازلة الخطوب سلكًا لعقود أيامه ولياليه، ولذلك قيل ما أنشدته استبصارًا، وأنا إلى إيراده أبين إصرارًا:
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا (٢)
وإن سياسة الأقوام فأعلم لها صعداء مطلعها طويل (٣)
ويظلموا فنرى الأوان مسفرةً لا خوف ذل ولكن فضل أحلام
ويحتاج الرئيس إلى أعوان يظهر بهم كمين مكارمه، ويمضي فيهم وبهم ماضي عزائمه، فلولا الطالب لعاش الكريم مطويًا على حسرات أوطاره، ولولا الخاطئ لما وجد الحليم لذة حلمه ووقاره، وكلما كان التابع أبعد مذهبًا في معناه، كان المتبوع أشد جذلًا بظهور مناقبه وعلاه.
وفي فصل: وقد كانت مني كبائر تكنفتها معاذير لا أشين وجه العفو بإيرادها، ولا أنتقص جملة الصفح والغفران بتعدادها، في أن لم أفتتح مناسكي بالسعي إلى حضرته، ولم أبدأ من مطالب شرعي بالتوفر على / [١٤١] خدمته، وقد علم الله
_________________
(١) من أبيات تنسب لرجل من بني أسد (شرح المضنون: ٤٧٣) .
(٢) من أبيات تنسب لرجل من بني أسد (شرح المضنون: ٤٧٣) .
(٣) ورد البيت غير منسوب في اللسان والتاج (صعد)؛ وأكمة ذات صعداء: يشتد صعودها على الراقي.
[ ٨ / ٤٩٩ ]
أن ذلك ليس من اعتلال بصيرة بشرف الانتماء إليه، ولا انخفاض همةٍ عن سعادة المثول بين يديه، ولا إمعان في البدوية - وإن كنت من أهلها - حتى أذهل عن مطلع النير الأعظم من الأفق الذي سكنت ظله، ومفيض الفرات الأعذب من البلد الذي استوطنت محله، ولا أن ذكره لم يكن في تلك الأوطان زينة الأعياد، وحلية البلاد، وأنس الحاضر والبادي، وبلغة المسافر والحادي، ولا أني لم أكن ذكي الخاطر بتلاوة مآثر آلائه، ومستشفيًا بنسيم الريح من أرضه وسمائه، ومعجبًا بما جمع الله بتلاوة أهل الأدب، بل السراة أهل الرتب، ومعنى قول القائل:
يأتيك عن فهم الثناء عطاؤه عفوًا وتلك عطية المستبصر
كرم تكشف عن حلى آدابه كالبحر يكشف غمره عن جوهر
وفي فصل من أخرى: ولما أزعجتني الأقدار إلى هذا المقر الجليل على اضطرار باد، ينبو ذلك المهاد، وردت مطرف الناظر، كليل الخاطر، فقصدت مع ذلك خدمته - في ورود الأول - باللقاء أو استطلاع الإذن بالمكاتبة، فأعجلهما مسيرة الميمون، فأحلت بذلك على اجد الظنون، والزمن الخؤون، ثم كتبت مستبدها في هذه الرقعة بأمور يشف عنها الكتمان بصادق ظنه، وينم بها السر والاختفاء إلى نجي ذهنه، فلم أبشر بقدومه حتى أنذرت بصدره، وقد كان من الحق أن أسير في أثره، وأنفذ في تصيد العز بملاحظة غرته، واستلام حضرته، ولكني أهديت من ضعف عذري وقوة ذنبي زينة إلى حلمه ومسامحته، ورجوت أن يضيف إلى الإغضاء فبضله، وأن أعرض عن كل من تغرب عليه الشمس لجرمي فبعدله، وإن يك ظني صادقي (١) فسينخدع لي انخداع ذوي الإنعام، ويتغابن في صمتي عن (٢) غيجابه تغابن الكرام، بأريحيته اللدنة الأعطاف،
_________________
(١) ص: صادقني.
(٢) ص: قيمتي من.
[ ٨ / ٥٠٠ ]
ورياسته الموطأة الأكناف.
ومن جواب ذي السعادتين له: للسؤدد محل يدعو إلى نفسه، ويسفر عن شمسه، ويأبى أن يتقلقل به مهاد، أو يتململ بقراره وساد، أو يكون إلا لمن وطأ له [كنفًا]، وألان بحمله معطفًا، واستقل بأعباء تكاليفه، وأغمض بدائع أفكاره في تضاعيفه، ونص (١) المذكيات في مضماره، واستبرد المصطلى من أواره، وغدا لفارده عشرًا، وشرح للعناء (٢) فيه صدرًا، وكان كما قيل: إن رأى حسنةً قال، أو رأى سيئة أقال؛ فقد أحسن القائل:
إما يربني مفصل (٣) فقطعته فيوشك أن يدوى لذلك سائره
وإنما نصصت على الموقع الأنبه من حضرته، ودللت عليه بناره وسمته، لياذًا بقوة الدواعي منه في تمثل ما أجراه الاتفاق على ضد المراد، وثناه القدر الغالب فيه عن غرض الاعتقاد، وسنن الارتياد.
وفي فصل منه: حتى بدا مطلع الأمل من حيث شمته، وصدق اليقين بتلك الأوصاف اللائقة، والفضائل الشائقة الرائقة، ما تصورته وتحققته، وذر البدر (٤) الكامل بالكتاب المعرب عن جميع أدوات الفضل ومعانيه، وبوارع الأدب (٥) النبيل ومعاليه، فأكرم به من واصل بالمعنى في موضع العتب، ووافدٍ بالحسنى على الإساءة بالذنب، وأعجب بما حواه من رائع البلاغة وبارع العبارة، ومستكرم المآتة، ومستغنم الإطالة، ولقد أخبر من أنباء السلامة في النفس المحروسة ما ضاعف المسرة، وضاعف الغبطة والحبرة، وأشار فيما عداها إلى ما أسال العبرة، وأشعر الحسرة، ولله تعالى في مثل ذلك ألطاف توضح عن حسن عواقب
_________________
(١) ص: وتصل.
(٢) ص: للهاء.
(٣) ص: ما يريني مفصل.
(٤) ص: ودر البر.
(٥) ص: وفوارع الأب.
[ ٨ / ٥٠١ ]
التفويض، وتقوم بإكرام الإنابة والتعويض، وقد استرهن عندي بمبتدأ التطول بالمكاتبة يدًا، اقتضى اعتدادي بها وشكري لها بما يبرهن عن توافقنا في الصفاء، وتشاكلنا في الإخاء، وسيدي يطيع في ذلك بواعث كرمه، ونوازع شيمه.
فأجابه ابن المغربي برقعةٍ قال فيها: ألقي إليّ كتاب كريم يكتفي شرف الهمة بخيال عنوانه، ولا يبلغ بشق النفس شكر ظاهره فضلًا عما في طي جنانه، ففضضته عن الروض العازب، والتقطت منه فرائد الكواعب، ووجدت فيه نسيم الشباب، وتعللت به في عطف الأيام / [١٤٢] السالفة العذاب، ووجدته قد احتوى من عقائل الفصاحة وكرائم البلاغة على ما يعدى المعجم العيي فينطق متخيرًا، وينشده الناطق البليغ فيبلس متحيرًا، وظننت أن العشاق لو أعيروا من ألفاظه مزاجًا للمراشف، ووهبوا من أنفاسه عطرًا للسوالف، لصالوا بحجج تجل عن تسمية المعاذير، وتصبغ الخطأ بلمع الصواب المنير، ولو أنهم جعلوه رمي سهمة الفراق لكفت عواديها، وأخذة لأعين الرقباء لطفرت [من] مآقيها، ولو أن الحمام أصغت إليه لعاد نوحها شدوًا، ولو أن الليالي تتدثر (١) به لصار دجاها غدوًا، وعجبت مما حمل على منتي الضعيفة من منن كنت قبلها نضو العزيمة فكيف [أنهض] بها، ومن مبار يكاد يمنعني فادح أثقالها أن أستار مرفقها، فلو أن ذلك الكتاب الجليل صدر إليّ من عدوي لاهتززت ببدئاع ما فيه، ولو أنه تاه عن إنعام علي لغالطتني عذوبة لفظه عن مرارة معانيه، فكيف وقد جاءني عن الأيام عتبي، وجعل قلبي لخواطر الجذل نهبًا، ولست ألم بشكره عن هذه العاطفة الكريمة فأوهم أنها مما تتناوله أفكاري الكليلة، ولا أتعرض لحمدها فأحبط أجري في الاعتراف بالتقصير عن مواهبها الجزيلة، ولكن أوفيها، ما وجب من إظهار العجز فيها.
_________________
(١) ص: تتدهما، وعليها علامة خطأ.
[ ٨ / ٥٠٢ ]
وأين الثريا من يد المتناول
لو أعنت بما تلاقى عليه [-] من خواطر ملتهبة المطالع، وألسنة معروفة المقاطع، لما ازداد هذا الدين علي إلا توثقًا، ولا استجد هذا الحق إلا تعلقًا.
دع ذا وعد القول في هرم (١)
أنا الآن من التسوق إلى خدمته لو وجدت إليها سبيلا، وأعلمت نحوها رحيلا، وقد كنت ارتحت للفقرة التي تضمنها كتابه العالي من ذكر التفويض والتعويض، ورأيت أنها لو صدرت عن الحسن البصري لما زادت (٢) على ما غشاها في عيني من البهاء وجلالة الصدق، ولقد انتفعت بها ورجوت يمن نقيبتها [وحسن] عاقبتها. وجملة ما أقترحه أن يتصور في ما يتصور في بعض الأقربين من خادم يصطنع فيجرى من الحنو عليه مجرى خواص الأهل وأداني الأصحاب، فله الرأي العالي في إنزالي حيث أنزلت نفسي من الاختصاص بجهته، فأما المكاتبة فقد تقدم القول في اقتناعي منها بمثل طيف الخيال، أو رضائي أن يخطر ذكري بالبال، إن شاء الله.
وطار للشريف أبي طاهر باز كان يتصيد إليه: بلغني خبر الغادر المفارق، والباشق الآبق (٣)، فشاركته في الاستيحاش [من فراقه] لما كان يبدع من مصايده، ويقرب عن مطارده، ورأيته قد شاب فضائله بهذا الغدر الذي يسلي عن تذكاره، والإباق الذي ينسي محاسن آثاره، والنكث الذي ختم به عواقب عهده، وبغض إلينا، بل إلى سيدنا، استخدام أمثاله من بعده، لأن أحق الناس بكراهة الغدر من كان الوفاء رضيع لبانه، والحفاظ منبت أصوله ومنشأ أغصانه،
_________________
(١) صدر بيت لزهير بن أبي سلمى، وعجزه: " خبر الكهول وسيد الحضر " (شرح ديوانه: ٨٨) .
(٢) ص: رددت.
(٣) ص: الاربق.
[ ٨ / ٥٠٣ ]
وكأني بفقده وهو عند الدراج من أنعم الأعراس، ومن الوحشة منه وهي بين سراب الطيور من ألذ الإيناس، لأنها أريحت بعده من حتفها العاجل، وسمها القاتل، وأجلها القاصر، ووجلها الحاضر، وعقلة قوادمها وخوافيها، ودهشة نواظرها ومآقيها، والكوكب المنقض (١) على مسارحها، والسهم القاصد إلى مذابحها، والآفة التي كانت حرمت بها حسن الرياض المونقة، وثكلت برد الغدران المغدقة، وتنغصت مشاهدة هذا الجو الرقيق الشمائل، اللازوردي الغلائل، حتى صارت لا تلتذ بوكر تبنيه، ولا بفرخ تغذيه، علما بأن لها منه مفرق العدد، وفاجع الوالد بالولد؛ ولو علمت هذه الأطيار الشامتة بفناده، السالكة سبيل الأشر بافتقاده، بما يعده سيدنا لها من ذي ظفر مظفر، ومنسر للطير ميسر، وخلف صالح، وجارح جارح، أشد لها منه اصطلاما، وأسد إلى مقاتلها سهاما، لعلمت أن كثرتها استجماع (٢) له، وأن وفورها توفير عليه.
وفي فصل منها: وما ألوم المارق على ملله وانحياشه، لأنه كان قد تعود أن يصيد بمقدار قوته ومعاشه، فصار سيدنا يستخدمه بهمة تطلب الغاية البعيدة، وتستهل / [١٣٤] المشقة الشديدة، التي هزلها جد، وجورها قصد، ولعبها ارتياض، يتصير من لم ينقد إليها سريعا، [ذا] ضراوة على اقتناص من لم ينته إلى أوامرها مطيعا، فلم يطق على ذلك جلدا، ولم يجد بهذا الأمر الفادح يدا، فما أشد بسطي لعذره، ومعرفتي بسبب غدره، وآمل أن يتذكر ما كان له بفنائه من نعيم، خياله بين عينيه، وطيب عيش، تذكره أجدى له من حماقيه، فتدعوه عواطف التربية والإيثار، وتزول عنه عوارض السهو والاغترار، فيعود غلة رسمه، ويعوذ من جرمه، ويرجع وقد أدبته النكبة، وهذبته الغربة.
_________________
(١) ص: المنقض.
(٢) ص: استنجام.
[ ٨ / ٥٠٤ ]
وكان في ذلك الأوان بمدينة [تكريت. رئيس] (١) ممن يشار إليه، ويعول قومه عليه، فرأى في منامه (٢) النبي ﵇ مع علي بن أبي طالب، وحضاه على السلام، ووجد في الإنجيل ما دله على البشارة بمحمد ﵇، فاستدعي إلى الحضرة ببغداد، وطيف به في سائر البلاد، فكتب إليه ابن المغربي رقعة قال فيها:
ويعلم الله ما ورد علي وعلى كافة من حضر من المسلمين من السرور بما أبان الله (٣) من آية قطعت عذر الجاحدين، و[حجة] (٤) استهلكت شبه العائدين الجاهلين، لا أن هذا الدين - بمحمد الله - مفتقر من بعض حواشيه، إلى بينة تزيد فيه، ولا أن الاستدلال الصادق كان ترك شبهة إلا فضحها، ولا معجزة إلا أوضحها، وزائغا إلا قومه، وجاهلا إلا علمه، وركنا لباطل إلا خفضه، وعقدا للشرك إلا نقضه، إلا أن المخالفين قد شغلت الدنيا أكثرهم عن التأمل، وحجبت العادات خواطرهم عن التأول، فبعد بالحجج السالفة ذكرهم، واشتد إلى البراهين المستحدثة فقرهم، فكان أبلغ [برهان] إقبال مثله إلى المحجة عن غير رغبة استفزته، ولا رهبة هزته، ولا محاسدة أغرته، ولا مناظرة عزته، بل أطلق عنان عقله ومد به راشادا حتى وقفه على الصراط المستقيم، واستتلاه قاصدا حتى أورده إلى المنهج السليم، فوردت النعمة بتخيره صافية غير مكدرة، والمنحة في استئمانه وافية غير مقصرة، فهنأ الله الإسلام ما لا يزال يتولاه من إيضاح مناره، وتبلج أنواره، وإدامة صبحه
_________________
(١) بياض في ص، وزدته من تاريخ المسجى: ٢٣٥ب والرئيس المشار إليه هو أبو مسلم مشرف بن عبيد الله، وكان يعرف بالمطران الكبير، رئيس اليعاقبة؛ ويذكر المسبحي أن إسلام الرجل تم يوم الخميس السابع من جمادى الأولى سنة سبع [-] وأربعمائة وإن الوزير المغربي أرسل إليه هذه الرسالة من ميافارقين: وقد أورد المسبحي جانبا من الرسالة لم يورده ابن بسام، وانقطع فيها بضياع الأوراق ما أورده صاحب الذخيرة ما عدا سطرين منها.
(٢) ص: مناها.
(٣) المسبحي: سرورا بما آتى الله جلت قدرته.
(٤) زيادة من المسجي.
[ ٨ / ٥٠٥ ]
ضاحكا تتصدع عنه دياجير الشبهات، وتنجلي منه ملابس الضلالات، وهنأ الله الشيخ ما رآه له أهلا من هذا السناء الذي تقف دونه المعالي، وتضيء به ظلم الليالي، وغرس عنده التوفيق الذي يسترهن لواء النعمة، ويضمن بقاء العصمة.
وفي فصل من أخرى: ولولا أني إذا أردت المواصلة بنفسي ثقلت ثقلين بالزيارة، وبالدالة (١) المستعارة، لما استنبت والله على لساني قلمي، ولا استنطقت يدي قبل فمي، ولكن الاضطرار يقود وأتبع، والزمان يقول فأستمع.
وله من رقعة [في] فتح: ولما تقاربت الفئتان إذا بعدونا في عدة قد اشتملت منهم على كل سهم في كنانتهم؛ قد استكثروا من علوج لا يخشون (٢) حومة اللقاء، ولا يثبتون على مقارعة الأكفاء، فلما اجتمع أعداء الله وقلوبهم بالذعر متفرقة، وأقدموا وأقدامهم القهقراء راجعة، وكانت لنا عيون تجثم على مدارج أنفاسهم، وطلائع تقبض على مسارح ألحاظهم.
وفي فصل منها: وبادرتهم فتيان بني عامر على الجرد الصلادم (٣)، وقد برزوا الجنن تعجلا للطراد، وتخففوا من الرماح تقصيرا للبعاد، فوكزوهم بالرماح وكزا ترك الدروع منهم غلائل، وأماني الحياة فيهم قلائل، فلم يترك القتل منهم إلا أنفسا عافتها كرام السيوف، أو آخرين عزين (٤) تكفكف عنهم الرحم العطوف، يتمسكون بأنفسهم حوزا، ويعتدون ذل الفرار عزا، وافترقوا إلى أوطانهم يرقبون الليل كما يرقب الصباح، ويدلجون بكل ماش من الخيل بجناح، وكان أميرهم في بلهنية الاستهامة بهم، وقلة الفكر فيهم، قد بات يعمل كاسه ويلهي جلاسه، وغدا سكران
_________________
(١) غير واضحة تماما في ص.
(٢) ص: الصوارم.
(٣) ص: عن.
(٤) ص: عرينة (دون اعجام) .
[ ٨ / ٥٠٦ ]
على فرس جموح يبادر النهاب وهي أنفسهم، ويحاول الغنائم وهي مهجهم، فرقصت به الفرس فصادف ذلك الأجل المكتوب له، بجزى الله هذا الحي من آل عامر أهنأ الجزاء عاجلا، وأدومه آجلا، وثنى ببني عمنا الأقربين، وعشيرتنا المستخلصين، خفاجة وكذلك الجيران، وأهل البلد والأعيان [١٤٤] وألفاف (١) كانت أسماؤهم نكرة، فعرفتها المواقف الحميدة، وطوائف عاطلة حلتها الخطا البعيدة، وخاملة نبه عليها شكر السيوف لأيد منهم وصلت قصارها، وأوصلت في زحام الورد حوارها.
وفي فصل له: وكلما هممت بمفاتحته اعتضرتني خجلة المتاركة، واستوقفتني غفلة المجانبة، وخانت يدي قلمب، فلم تشفه بإظهار ضميره، ولم تحسن النيابة عنه في الاعتذار من تقصيره.
وهذه أيضًا جملة من شعره في أوصاف شتى
قال:
عجبت هند من تسرع شيبي قلت هذا عقبي فطام السرور
عوضتني يد الثلاثين من مس - ك عذاري رشا من الكافور
كان لي في انتظار شيبي حسابا غالطتني فيه صروف الدهور
والبيت الثاني منها كقوله الوزير أبي محمد ابن عبدون:
يا دهر ذنبك عندي غير مكفور على م عوضت من مسكي بكافور
وقال (٢):
_________________
(١) ص: والفات.
(٢) منها أربعة أبيات في دمية القصر ١: ٩٤ وثلاثة في الشريشي ٣: ١٢٠ والأبيات ١٠، ٢، ٤، ٥، ٣، ٦، ٧، ٩، في ريحانة الألباء ٢: ٤٧٦.
[ ٨ / ٥٠٧ ]
علمت منطق حاجبيه والبيت ينشر رايتيه
وعرفت آلات النعي - م بقبلة في عاضيه
ولقد أراه في الخلي - ج (١) يشقه من جانبيه
والماء مثل السيف وه - وفرنده في صفحتيه
لا تشربوا من مائه أبدا ولا تردوا عليه
قد ذاب فيه الحسن [من] حركاته أو مقلتيه
والسلم أسلم فاحذروا من فترة في ناظريه
صبغت بياض النيل حم - رة وردة [في] وجنتيه
وقال:
تمنع أن رأى زغبا بعارضه قد التهبا
وتاه علي أن أبدت عقارب صدغه ذنبا
وقدر أنه سبب يقطع بيننا النسبا
ولا والله لا آلو لحق عنده طلبا
ولا خليت في كفي - هـ - قلبا طال ما انتبها
أما عيناه عيناه الل - تان أباحتا الريبا
وقال وقد كسفت الشمس:
لمثل ذا اليوم يا معذبتي كانت ترجيك أختك الشمس
قومي اخلفيها في ذا الكسفوف ففي وجهك عنها إن أوحشت [أنس] (٢)
وغالطي حاسب النجوم فإن لجت وغابت أصابه لبس
_________________
(١) الشريشي والدمية: الغدير.
(٢) موضع هذه اللفظة في ص: " خلف ".
[ ٨ / ٥٠٨ ]
وقال:
يوم الكسوف جلا على بصري قمرا أحار الجن والإنسا
قامت فأرخت من ذوائبها وتجللت من شعرها لبسا
فسألتها لم قد لبست دجى قالت أساعد أختي الشمسا
وقال:
قالوا كسوف الشمس مقترب قلت ادخرت لدفع نائبها
ثقتي بكاسفها وكاشفها وبفضل ماحيها وكاسبها
من لو يشاء أعاد مشرقها متبسما لك من مغاربها
هي شعلة من نوره فإذا ما شاء أظلم أو أضاء بها
وقال (١):
أدر كأمس المدام فإن قلبي أتيح له عن التقوى ارتحال
حللت ببابل وأردت ألا أهيم بسحرهم، هذا محال
وقال (٢):
دنف بحمص وبالعراق طبيبه يضنيه عنه بعاده ويذيبه
ما ناله إلا الذي هو أهله إذ غاب من بلد وفيه حبيبه
لزم السهاد تحيرا وتلددا وتأسفا إذ أوبقته ذنوبه
زعم الفراق دعا به فأجابه ونعم دعاه فلم أراد يجيبه
_________________
(١) تاريخ المسبحي: ٢٣٣ / أ.
(٢) الشريشي ٣: ١٢٠.
[ ٨ / ٥٠٩ ]
وهذا كقول الآخر:
أتظعن عن حبيبك ثم تبكي عليه فمن دعاك إلى الفراق
وقال آخر:
كذبتك نفسك لست من أهل الهوى تشكو الفراق وأنت عين الظالم
وقال المغربي (١):
ولما احتوى بدر الدجى صحن خده تحير حتى ما درى أين يذهب
تبلبل لما أن توسط خده وما زال من بدر الدجى يتعجب
كأن انعطاف الصدغ لام أمالها أديب يجيد الخط أيان يكتب
وهذا المعنى كقول الآخر، وأنشد القطعة بكمالها، استيفاء لجمالها:
تعلم العطف من صدغيه فانعطفا وكان من شأنه ألا يفي فوفي
دب العذار على ميدان صفحته حتى إذا هم أن يسعى به وقفا
كأنه كاتب عز المداد به أراد يكتب لاما فابتدا ألفا
وقال ابن المغرب:
حبيب سرى يسلقبل الليل وحده ويسبق آرام الصريم وأسده
فلا الأنس من أمثاله الأدم عاقه ولا الذعر من أعدائه الغلب صده
يخوض إلى الليل ما بل عطفه ويفرج غيل الدوح ما حل عقده
المصراع الأول منه كقول المعري (١):
_________________
(١) الأول والثالث في الشريشي ٥: ٢٢٣.
(٢) الأول والثالث في الشريشي ٥: ٢٢٣.
[ ٨ / ٥١٠ ]
عجبت وقد جزت الصراة رفلة وما خضلت مما تسربلت أذيال (١)
[١٤٥] / وقد طلعت في الرأس مني راية ثكلت بها هزل النعيم وجده
كلوح مشيب لو يكون (٢) تبسما كما زعموا ما [إن] بكى القلب عنده
وما زهرات الشيب فيه ظوالم كذا العشب يأتي يانع الزهر بعده
أخذت من الدهر التجاريب جملة وقبل أشدي ما بلغت أشده
قوله " كلوح مشيب " ينظر إلى قول ابن الرومي (٣):
لم يضحك الشيب من فوديه بل كلحا سم القبيح من الأسماء ما قبحا
إن كان ابن المغربي قد نقص معناه، وطمس سناه، فقد زاد فيه ما ذهب ببعض جنايته، ومحا كثيرا ما إساءته، وكان الناس قديما وحديثا يستعيرون لبياض المشيب التبسم، حتى جاء ابن الرمي بحر الإبداع، وعذبة لسان الاختراع، فقال بيته المتقدم فأسكت به القائلين، ودفع في صدر المتقدمين، وبين أنه ربما كان الفضل للآخر، وأبقى السالف للغابر، وأرى أول من نحا هذا المنحى، وسلك بالشيب هذه المحجة المثلى، حيث استعار الضحك للشيب، غير مبال إلى ما في ذلك من العيب، دعبل حيث يقول (٤):
لا تعجبني يا عبد من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
فاستعار الجناح، وغدا على ألسنة الرواة وراح، وتتابع فيه الشعراء فأبدأوا فيه وأعادوا، ونقصوا وزادوا.
_________________
(١) الرفلة: الطويلة الذيل؛ الصراة: مجتمع دجلة والفرات؛ خضلت: ابتلت.
(٢) ص: يكن.
(٣) ديوان ابن الرومي: ٥٦٣.
(٤) ديوان دعبل: ١١٧ وروايته: لا تعجبي يا سلم (وفي الديوان تخريج مستفيض) .
[ ٨ / ٥١١ ]
وقال ابن المغربي:
ولما دعوت الكأس تؤنس وحشتي لبعدك زادتني اشتياقا إلى القرب
ومالت بأعطافي لها أريحية فقربك أحلى من جناها إلى القلب
فأنت مزاج العيش إن كان صافيا وأنت المعير الصفو في كدر الشرب
وقال في غلام تركي وسيم، كان به يهيم:
غزال لم ألابس قبله التبريح والكمدا
أظن عداه جانية لعشقي مذ كذا رصدا
وقال:
يا أهل مصر عاد ناسككم بالكرخ بعد التقى إلى الفتك
جمش قلبي [مقر] طق (١) غنج بدا لقلبي فيه من النسك
رمى فؤادي بسهم مقلته وكيف يخطي مولد الترك
وذكرت بمعنى البيت الثاني من هذه قول كشاجم، وإن لم يكن به، فيتعلق بسببه (٢):
يقولون تب والكأس في يد أغيد وصوت المثاني والمثالث عال
[فقلت لهم لو كنت أزمعت توبة وشاهدت هذا في المنام بدا لي]
وقال ابن المغربي (٣):
حبيب مللت الصبر بعد فراقه على أنني علقته وألفته
محاسن يأسي شخصه من تفكري فلو أنني لاقيته ما عرفته
_________________
(١) الشريشي ٥: ٣٠٥.
(٢) انظر زهر الآداب: ٦١١ والشريشي ٥: ٣٠٥.
(٣) تاريخ المسبحي: ٢٣٤ / أ.
[ ٨ / ٥١٢ ]
وقال:
الله يعلم ما إثم هممت به إلا وبغضه خوفي من النار
وإن نفسي ما هامت بمعصية إلا وقلبي عليها عاتب زار
وله في غلام نصراني:
رغبت في ملة عيسى وما يخيب من يرغب في ملته
رغبني في دينه شادن رأيته يخطر من بيعته
صنع حكيم ما أرى أنه يسلط النار على حكمته
إن كان ذا من ساكني ناره فناره أطيب من جنته
ومن مرثية له في الشريف أبي الحسن، صهره:
يا ناعي الدين والدنيا أشد بهما في حيث سال بآل الله واديه
هذي معالي قريش غاض آخرها ومجد هاشم زار الترب باقيه
قل يا أبا حسن والقول ذو سعة (١) لولا حجاب من الثرياء (٢) يثنيه
أآخر الدهر أم تحنى عواطفه وفيصل البين أم يرجى تلافيه
كلا لقد فات منك الوصل آمله مذ شيد الجدث المأهول بانيه
هنيت ربعا برغم المجد تسكنه تلقى أباك عليا في مغانيه
إن أخل بعدك بالدنيا أروضها فقد خلا بضمير النبع باريه
هل كنت تعلم إذ عودتني أبدا حسن التصبر أني فيك أفنيه
وهو القائل (١):
_________________
(١) ص: في سعة.
(٢) الثرياء: الأرض، أو الثرى والندى.
(٣) ص: في سعة.
[ ٨ / ٥١٣ ]
كنت في سفرة البطالة والغي زمانا (١) فحان منه قدوم
تبت عن كل مأثم فعسى يمحى بهذا الحديث ذاك القديم
بعد سبع (٢) وأربعين لقد ما طلت إلا أن الغريم كريم
انتهى ما أثبته لأبي القاسم من فصوص نثره، وملح شعره، وأختم ذكره بخبر يتعلق بكرمه، ومحاسن شيمه (٣): كان يوما بداره ببغداد في نوروز سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وهو إذ ذاك وزيرها، وله تدبيرها، فدخل عليه وجوه أمراء الديلم والاسفهسلارية من الأتراك على طبقاتهم، ووضعت الهدايا بين يديه على رسم الفرس، فلما / [١٤٦] خبف المجلس وتعلى النهار، استؤذن عليه للديلمي مهيار، فأذن له ودخل، فلما مثل بين يديه قال: أيدك الله، هذه البضاعة التي معنا كانت كاسدة، وقد وجدنا لها نفاقا بحضرتك، فقال: هات ما معك، فأنشده قصيدته التي أولها (٤):
عسى معرض وجهه مقبل
وهي قصيدة نيف فيها على المائة، وقد أثبت ما أخرجت منها في موضعها من هذا القسم، فجعل ينشدها وابن المغربي ينشدها وابن المغربي يستعيد أبياته النادرة فيها. ويكثر إعجابه بها، ويجمع كفيه ويبسطها ويقول: أحسنت والله، أجدت والله، إلى آخرها. فلما فرغ أشار له إلى دراهيم ودنانير كانت بين يديه دون باقي الهدايا، ففتح مهيار كمه الأيسر وجمع بين يديه حتى ملأ كمه الأيسر، ثم فتح كمه الأيمن وجمع بيده اليسرى إلى أن لم يبق في الموضع دينار ولا درهم، ونهض؛ وسئل مهيار بعد عن
_________________
(١) ياقوت: كنت في سفرة الغواية والجهل مقيما.
(٢) ياقوت: بعد خمس.
(٣) بغية الطلب ٥: ٢٩، ١٩.
(٤) ديوان مهيار ٣: ١٢٤ وعجز البيت: فيوهب للآخر الأول.
[ ٨ / ٥١٤ ]
زنة ما حصل له يومئذ فقال: كانت الدنانير ألفا ومائة مثقال وعشرين، والفضة ثمانية آلاف درهم.
فصل في ذكر الفقيه الحافظ
عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي (١)
ناصر دين المالكية، وإيراد قطعة من شعره
الذي هو حلاوة الأمان، وبشر وجه الزمان
كان أبو محمد في وقته بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وهو أحد من صرف وجوه المذهب المالكي، بين لسان الكناني، ونظر اليوناني، فقدر أصوله، وحرر فصوله، وقرر جمله (٢) وتفاصيله، ونهج فيه سبيلا كانت قبله طامسة المنار، دراسة الآثار، وكان أكثر الفقهاء ممن لعله كان أقرب سندا، وأرحب أمدا، قليل مادة البيان، كليل شباة اللسان، قلما فصل في كتبه غير مسائل يلقفها ولا يثقفها، ويبوبها ولا يرتبها، فهي متداخلة النظام، غير مستوفاة الأقسام، وكلهم قلد أجر ما اجتهد، وجزاء ما نوى واعتقد.
وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح: ونبت به (٣) بغداد، كعادة البلاد، بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها، وقد حدثت أنه شيعه يوم فصل
_________________
(١) ترجمة عبد الوهاب المالكي في طبقات الشيرازي: ١٦٨ وتاريخ بغداد ١١: ٣١ والمنتظم ٨: ٦١ وترتيب المدارك ٤: ٦٩١ والديباج المذهب: ١٥٩ ومرآة الجنان ٣: ٤١ وابن خلكان ٣: ٢١٩ والمرقبة العليا: ٤٠ وابن كثير ٣٢ والشذرات ٣: ٢٢٣ والفوات ٢: ٤١٩ والزركشي ٢: ٢٠٢ وتبيين كذب المفتري: ٢٤٩ والنجوم الزاهرة ٤: ٢٧٦ وورد في دمية القصر (١: ٢٩٥ - ٢٩٧) ترجمة أبي نصر عبد الله بن علي بن نصر الماكلي، ولعل صوابه " عبد الوهاب بن علي " إذ نسب له الباخرزي أبياتا لعبد الوهاب في أكثر المصادر.
(٢) ص: حصله.
(٣) ص: بعد.
[ ٨ / ٥١٥ ]
عنها، من أكابرها، وأصحاب محابرها، جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم عندما وقفهم للتوديع، وعزم عليهم في الرجوع: والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية؛ والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة ركل بمثقال. وزعموا أنه ارتجل يومئذ هذه الأبيات (١):
سلام على بغداد في كل موطن وحق لها مني السلام المضاعف
لعمرك ما فارقتها قاليا لها وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي برحها ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
فكانت كخل كنت أهوى وصاله وتنأى به أخلاقه وتخالف (٢)
وبلغني أنه اجتاز في وجهته تلك بمعرة النعمان، وبها يومئذ أبو العلاء أحمد بن سليمان، فضيفه، وكتب إليه بما أثبته في موضعه، وفي ذلك يقول أبو العلاء (٣):
والمالكي ابن نصر زار في سفر بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلا وينشر الملك الضليل إن شعرا
واستقر الفقيه أبو محمد بمصر. فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها، من أكلة اشتهاه فأكلها؛ زعموا أنه قال وهو يقلب، وفسه [قد] تصعد وتصوب " لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا ". وكانت وفاته بها ﵀ سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
وقد أخرجت من شعره ما يروق العيون، ويفوق المنثور والموزون، ومن شعره
_________________
(١) وردت في أكثر المصادر التي جاءت فيها ترجمته: وقيل إن الأبيات ليست له؛ وانظر الشريشي ٤: ٣١٧.
(٢) ترتيب المدارك: وتجانف.
(٣) شروح السقط: ١٧٤٠ وابن خلكان: ٢٢٠ والفوات: ٤٢٠ والشذرات: ٢٢٤.
[ ٨ / ٥١٦ ]
مما أنشده أبو المطرف المالقي (١):
لا تتعجل قطيعتي فكفى يوما يد الدهر بيننا تقطع
عما قليل تحين (٢) فرقتنا ثمت لا ملتقى ولا مجمع
واستقضي بمدينة اسعرد (٣)، فبلغه عن أحد أدبائها أنه قال عنه / [١٤٧] كلاما معناه: القاضي - أعزه الله - مجيد. في كل ما يريد، إلا أنه ربما فتر قوله إذا شعر، فقال عبد الوهاب:
أبغي رضاكم جاهدا إذا أملت حسنى عاد لي منكم أذى
إني لأصبح من تجن خائفا وبسلمكم من حربكم متعوذا
فإلى م صبري للتعتب منكم وإلى م إغضائي الجفون على القذى
لو شئت أمنني القريض من الذي أنا خائف ولكان لي مستنقذا
فيظل بي متململا متنغصا من كان قبل الشر بي متلذذا
لكنني أرعى الوداد وإن غدا غيري به متشدقا (٤) متطرمذا (٥)
وأظل يملكني الحنو عليكم وأكف عائر أسهمي أن ينفذا
وأجل قدري في المودة أن أرى بعد الحفاظ لعهدهم أن ينبذا
أتظن بغدادي طبع خالص يلفى هزيم من اغتدى متبغددا
هيهات إن من الظنون كواذبا والحزم أولى في الحجى أن يحتذى
إن تعتذر منها تجدني قابلا أو رمت تجديد الوداد فحبذا
_________________
(١) الشريشي ٢: ١١٣ - ١١٤.
(٢) ص: بحر.
(٣) أسعرد (وتكتب أيضا: أسعرذ، أسعرت، سعرت) إلى الجنوب من ميافارقين (انظر تقويم البلدان: ٢٨٨ - ٢٨٩) .
(٤) ص: منسوفا.
(٥) المتطرمذ: الصلف المنكر بما لم يفعل.
[ ٨ / ٥١٧ ]
طبعي التجاوز عن صديق إن هفا وبغفر زلات الأخلاء اغتذى
فتجنبن عتبي وعد لمودتي لا تصغين لقول واش إن هذى
واعلم بأني لست غافر زلة إن رابني ظن بكم من بعد ذا
ذو الحلم إن سالمته لك منصف فإذا نضا عنه تجده قد بذا
يا شاعرا ألفاظه في نظمه دررا غدت وزبرجدا وزمردا
خذها فقط نظمتها لك حكة فيها وقل لمثلها أن يؤخذا
حتى تظل تقول من عجب بها من قال شعرا فليلقه هكذا
وقال (١):
ونائمة قبلتها فتنبهت وقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصب وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وحطي (٢) عن أثيم ظلامة وإن أنت لم ترضي فألف عند العد
فقالت قصاص يشهد العقل أنه على المذنب الجاني ألذ من الشهد
وقالت ألم أخبرك بأنك زاهد فقلت بلى ما زلت أزهد في الزهد
فباتت يميني رهن (٣) هميان خصرها وباتت يساري رهن واسطة العقد
وقال (٤):
ومحجوبة في الخدر عن كل ناظر ولو برزت بالليل ما ضل من يسري
أقول لها والعيس تحدج للنوى أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
_________________
(١) أوردها ابن خلكان والفوات والشذرات ومرآة الجنان وابن كثير.
(٢) في رواية: وكفي.
(٣) في رواية: وهي وهي.
(٤) ووردت ثلاثة أبيات منها ياقوت ١٠: ٨٨ وابن خلكان ٢: ١٧٣ منسوبة للوزير المغربي: وأربعة في الشريشي ١: ٢٩٩ للقاضي عبد الوهاب.
[ ٨ / ٥١٨ ]
سأنفق ريعان الشبيبة آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وإنا لفي الدنيا كواكب لجة نظن قعودا والزمان بنا يجري
وقال (١):
حمدت إلهي إذ بليت بحبها وبي حول يغني عن النظر الشزر
نظرت إليها والرقيب يخالني نظرت إليه فاسترحت من العذر
وقال:
لا تترك الحزم في شيء تحاذره فإن سلمت فما في الحزم من باس
العجز ذل وما بالحزم من ضرر وأحزم الحزم سوء الظن بالناس
وقال:
لست وإن كنت معنى به مشتكيا منه أذى حبه
بل راضيا ما كان منه وإن حملت في الحب على صعبه
مر الهوى أطيب من عذبه وجدبه أنعم من خصبه
ما صدق الحب امرؤ لم تبت نيرانه تضرم في قلبه
يستعذب التعذيب فيه وإن آل به ذاك إلى نحبه
لا باغيا منه نوالا ولا يشكو الذي يلقاه من كربه
وقال:
الله يعلم أني يوم بينهم ندمت إذ ودعتني غاية الندم
_________________
(١) انظر حاشية ٢: في ابن خلكان: ٢٢١ ونسبها ابن خلكان نفسه في ٤: ٣٨١ لأبي حفص الشطرنجي.
[ ٨ / ٥١٩ ]
تزاحمت في فؤادي للنوى حرق تزاحم الدمع في أجفان منسجم
ثم انثنيت وفي قلبي لفرقتهم وقع الأسنة في أعقاب منهزم
وكتب يخاطب المستنصر بالله صاحب مصر: حصن الله المؤمنين من الشيطان [بجنن] الطاعة، ودثرهم من قر وسواسه بسرابيل القناعة، ووهبهم من نعمه مددًا ومن توفيقه رشدًا، وصيرهم إلى منهج الإسلام وسبيله الأقوم، وجعلهم من الآمنين فيما هم عليه موقوفون، وزينهم بالتثبيت فيما هم عنه مسؤولون (وما ربك بظلام للعبيد) (فصلت: ٤٦) .
كتابي إليك من الجب بازاء مصرك، وفناء برك، بعد أن كانت بغداد لي الوطن، والألفة والسكن؛ ولما كنت على مذهب صحيح، ومتجرٍ ربيح، كثرت علي الخوارج، وشق [على] الماء ارتقاء المناهج، (ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز) (الحج: ٤٠) فأتيت مكة، حرسها الله لكي أقضي فرض الحج، من عج وثج، أسأل الله تعالى القبول، وكيف وإنما يتقبل الله من المتقين؛ وقد كنت عندي ذا سنةٍ ودين، محبًا في الله تعالى وفي النبيين، وفي محمد ﷺ والمهديين، فورد الناطقون، وأتى المخبرون، بخبر ما أنت عليه، فذكروا أنك مدحض لمذهب مالك، موعد / [١٤٨] لصاحبه بأليم المهالك، هيهات هيهات (إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) (الزمر: ٣٠ - ٣١) فأبيت القبول على أمر لم يصح بيانه لكثرة الكذب في الدنيا، وإذ لا يحل لمسلم أن يموت طوعًا، فأردت الكشف عن ذلك بكتاب منك، والسلام على من اتبع الهدى.
جواب المستنصر بالله: حرس الله مهجتك، وطول مدتك، وقدم أمير المؤمنين إلى المنية قبلك، وخصه بها دونك، ورد كتابك المكرم، وأتى خطابك المعظم، يفصح البكم، وينزل العصم، هبت عليه رياح البلاغة فنمقته، ووكفت
[ ٨ / ٥٢٠ ]
عليه سحائب البراعة فرفقته، فيا له من خط بهي، ولفظ شهي، تذكر فيه حسن ظنونك بنا، وتثبت مآثرنا، فلما أن عرست بازائها ورد من فسخ عليك، فخذ بظاهر ما كان عندك ورد، ودع لربك علم ذات الصدور، والسلام.
ومن شعره أيضًا قوله (١)
أهيم بذكر الشرق والغرب دائمًا وما بي شرق للبلاد ولا غرب
ولكن أوطانًا نأت وأحبةً فعدت متى أذكر عهودهم أصب
إذا خطرت ذكراهم في خواطري تناثر من أجفاني اللؤلؤ الرطب
ولم أنس من ودعت بالشط سحرةً وقد غرد الحادون واستعجل الركب
أليفان هذا سائر نحو فربةٍ وهذا مقيم سار عن صدره القلب
وقال (٢):
ومحطوطة المتنين مهضومة الحشا منعمة الأطراف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من طيبها علا [علىي وجهها أبصرت غيمًا على الشمس
وقال:
رحلتم فكم من أنةٍ بعد زفرة مبينةٍ للناس شوقي إليكم
فإن كنت أعتقت الجفون من البكا فقد ردها في الرق حزني عليكم
وقال:
يأبى مقامي في مكان واحدٍ دهر بتفريق الأحبة مولع
كفكف فسيك يا فراق فإنه لم يبق في قلبي لسهمك موضع
_________________
(١) الأبيات التالية عدا الثالث في ابن خلكان: ٢٢١ والمنازل والديار: ١٩٩ / أووردت في القسم الرابع من الذخيرة: ١٠١ منسوبة لأبي الفضل البغدادي.
(٢) وردا في هذا القسم الرابع: ٩٦ منسوبين لأبي الفضل البغدادي.
[ ٨ / ٥٢١ ]
وقال (١):
تذكر نجدًا والحمى فبكى نجدا وقال سقى الله الحمى وسقى نجدا
وحيته أنفاس الخزامي عشية فهاجت إلى الوجد القديم له وجدا
فأظهر سلوانا وأضمر لوعةً إذ طفئت نيرانها وقدت وقدا
ولو أنه أعطى الصبابة حقها لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى
ولم أنسه والسكر يفتل قده إذا ما تثنى كدت أعقده عقدا
وقال:
بالكرخ من جانب الغربي عن لنا ظبي ينفره عن وصلنا نفر
ذؤابتاه نجادا سيف مقلته وجفنه والشفرة الشفر
ضفيرتاه على قتلي تضافرتا يا من رأى شاعرًا أودى به الشعر
وقال:
من بعد ودي رمتم أن تهجروا ما بعد فرقة [مز] معين تخير
وزعمتم أن الليالي غيرت عهد اللوى لا كان من يتغير
إن شئتم أن تنصفوني في الهوى لا تقطعوا حبل الوصال وتغدروا
ردوا الفؤاد كما عهدت إلى الحشا والمقلتين إلى الكرى ثم اهجروا
وقال:
أتبكي على بغداد وهي قريبة فكيف إذا ما ازددت عنها غدًا بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى لها أن وجدنا للفراق بها بدا
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعت من الشوق أو كادت تموت بها وجدا
كفى حزنًا إن رمت لم استطع لها وداعًا ولم أحدث لشاطئها عهدا
_________________
(١) وردت ص: ١٠٢ من هذا القسم منسوبة لأبي الفضل البغدادي.
[ ٨ / ٥٢٢ ]
وقال (١):
تملكت يا مهجتي مهجتي وأسهرت يا ناظري ناظري
وما كان ذا أملي يا ملول ولا خطر الهجر في خاطري
فجد بالوصال فدتك النفوس فلست على الهجر بالقادر
وفيك تعلمت نظم الكلام ولقبني الناس بالشاعر
أيا غائبًا حاضرًا في الفؤاد سلام على الغائب الحاضر
وقال:
وكل مودة في الله تبقى على الأيام من سعةٍ وضيق
وكل مودةٍ في ما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق
وقال:
أمنزلتي سلمى وحسبي رباهما فمجتمعي واديهما بأثال
سلام على تلك المعاهد إنها مهب جنوبي أو مصاب شمالي
ليالي لا أخشى حزون قطيعة ولا أمش إلا في سهول وصال
فقد صار حظي من جميع لقائكم تعرض برقٍ أو طروق خيال
وقال:
يا أملح الناس بلا مريةٍ من غير مستثنى ولا مستعاد
ما زادني صدك إلا هوى والشزر [من] عينيك (٢) إلا وداد
فاحكم بما شيت ففيه الرضى وكن كما شيت فأنت المراد
_________________
(١) وردت منسوبة للوأواء الدمشقي في الشريشي ١: ١١٢ وهي ديوانه: ٩٩ ومنها ثلاثة أبيات في اليتيمة ١: ٢٩٦ له أيضًا.
(٢) ص: وسود عينيك.
[ ٨ / ٥٢٣ ]
وما عسى تبلغه طاقتي وإنما بين ضلوعي فؤاد
وقال:
فؤادي فر من جسدي إليكم فجئت اليوم أطلبه لديكم
فضموا الجسم أو ردوا فؤادي فما في رده حرج عليكم
وقال:
يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا عندي لكنتإذن من أسعد البشر
[١٤٩] كفاف عيشٍ يقيني كل مسألة وخدمة العلم حتى ينقضي عمري
وقال (١):
أشكو الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
واستنهضوني فلما قمت منتصبًا بحمل (٢) ما حملوا من ودهم قعدوا
لأخرجن من الدنيا وحبكم بين الجوانح لم شعر به أحد
ألفت بيني وبين الحب معرفة ما تنقضي أبدًا أو ينقضي الأبد
وقال:
ولما رأيت العيش أزمع للنوى عزمت على الأجفان أن تترقرقا
فخذ حجتي من ترك قلبي سالمًا وجيبي ومن حقيهما أن يمزقا
يدي ضعفت عن أن تمزق جيبها ولو كان قلبي حاضرًا لتمزقا
وقال:
حرق سوى قلبي ودعه فإنني أخشى عليك وأنت في سودائه
جاورته سوء الجوار فسؤته لما حللت فناءه بفنائه
_________________
(١) هذه الأبيات للعباس بن الأحنف (ديوانه: ٨٤) والبيت الأول منها - في الأقل - لا يمكن أن يكون للقاضي عبد الوهاب لوروده في مصادر سابقة لعصره مثل الأغاني والشعر والشعراء: وقد ورد في الذخيرة: ٥١٤ منسوبًا للعباس ابن الأحنف.
(٢) ديوان العباس: بثقل؛ ص: معتدلًا يحمل -. فقدوا.
[ ٨ / ٥٢٤ ]
وقال:
في النفس ضيق وفي الفؤاد سعه فآله الجود غير متسعه
البخل لا أستطيع أفعله والجود لا أستطيع أن أدعه
وقال:
قضت أيامنا سهمًا صحيحًا لمن يأوي إلى فهم سقيم
كأن علي للإعدام دينًا فلازمني ملازمة الغريم
وقال:
يحتاج من كان في مواعدكم إلى ثلاث من غير تكذيب
أموال قارون يستعين بها وعمر نوحٍ وصبر أيوب
وقال:
طولت للنفس في الأماني فحسرتي اليوم حسرتان
لما رأيت الشباب ولى وطالع الشيب قد علاني
أيقنت [أني] على فناءٍ مشعر الذيل غير وان
يا طول شوقي إلى أناسٍ خلفني عنهم التواني
وقال:
أنا في الغربة أبكي ما بكت عين غريب
لم أكن يوم خروجي من بلادي بالمصيب
عجبًا لي ولتركي وطنًا فيه حبيبي
وقال (١):
بغداد دار لأهل المال واسعة وللصعاليك دار الضنك والضيق
_________________
(١) ورد البيتان في ابن خلكان: ٢٢١ وترتيب المدارك: ٦٩٤ والفوات: ٤٢٠ والديباج: ١٦٠ وابن كثير: ٣٣ والشريشي ٤: ٣١٧.٢
[ ٨ / ٥٢٥ ]
أصبحت فيها مهانًا في أزقتها (١) كأنني مصحف في بيت زنديق
وقال:
جرد عزيمة ماضي الهم معتزم ودون نيل الذي تبغيه لا تنم
ولا يصدنك عنها خوف حادثةٍ فإنما المر رهن الموت والسقم
ما قدر الله آت كنت في سفر أو في مقرك بين الأهل والحشم
وقال:
إن يكن ما بك هزل فالذي بني منك جد
جملة تغني عن النف - سير: ما لي عنك بد
وقال:
إن ترد الوصل فهذا أنا وإن ترد هجري لك الأمر
ما أنا محتاج ولا وامق فواحد وصلك والهجر
وقال:
لما نشرن على عمدٍ ذوائبها يكاد منها فتيت المسك ينتشر (٢)
تقول يا عمتا كفي ذوائبه ويحي ضنيت وأخفى جيدي الشعر
مثل الأساود قد أعيا مواشطها فيه تضل مداريها وتنكسر
تدعو على شعرها لما أضر بها يا ليته كان [فيه] الجعد والقصر
وقال:
رحلت وخليت الفؤاد لديكم رهينًا وإن لم تخل منه الأضالع
فإن أنتم ضيعتموه أسأتم وما الحق إلا أن تصان الودائع
_________________
(١) ترتيب المدارك. مضاعًا بين أظهرهم.
(٢) ص: يتنشق.
[ ٨ / ٥٢٦ ]
وقال:
أطال بين الديار ترحالي قصور مالي وضعف آمالي
إن برت في بلدة مشيت إلى أخرى فما تستقل أجمالي
كأنني فكرة الموسوس ما تبقى مدى ساعةٍ على حال
وقال يتشوق في بغداد (١):
خليلي في بغداد هل أنتما ليا على العهد مثلي أم غدا العهد باليا
وهل أنا مذكور بخير لديكما إذا ما جرى ذكر بمن كان نائبا
وهل ذرفت عند النوى مقلتكما علي كما أمسي وأصبح باكيا
وهل فيكما من إن تنزل منزلًا " أنيقًا وبستانًا من النور حاليا "
" أجد لنا طيب المكان وحسنه منىً فتمنين فكنت الأمانيا " (٢)
كما بي عن شوقٍ شديدٍ إليكما كأن على الأحشاء منه مكاويا
على أدمعٍ منهلةٍ فتأملا كتابي تبن آثارها في كتابيا
ولا تيأسا أن يجمع الله بينا كأحسن ما كنا عليه تصافيا
" فقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " (٣)
فدى لك يا بغداد [أهلاو] منزلا ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرق شمائلا وأعذب ألفاظًا وأحلى معانيا
وكم قائلٍ لو كان ودك صادقًا لبغداد لم ترحل، فكان جوابيا
" يقيم الرجل الأغنياء بأرضهم وترمي النوى بالمعسرين المراميا " (٤)
_________________
(١) وردت الأبيات ١٢ - ١٤ من هذه القصيدة في المرقبة العليا: ٤١ وترتيب المدارك: ٦٩٤.
(٢) يضمن ويجري بعض التحوير في قول الشاعر: ولما نزلنا منزلًا طله الندى أنيقًا وبستانًا من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه - (البيت) (٣) مضمن أيضًا من شعر المجنون.
(٣) الأبيات الثلاثة الأخيرة مضمنة من شعر إياس ابن القائف (الحماسية رقم: ٤٠٦ في شرح المرزوقي) وإن لم يرد البيت الأوسط في الحماسية المذكورة.
[ ٨ / ٥٢٧ ]
" وما هجروا أوطانهم عن ملالةٍ ولكن حذارًا من شمات الأعاديا "
" إذا زرت أرضًا بعد طول اجتنابها فقدت حبيبي والديار كما هيا "
وقال: / [١٥٠]
وماذا عليكم لو مننتم بزورة فأجزلتم فيها علينا التفضلا
فإن لم تكونوا مثلنا في اشتياقنا فكونوا أناسًا يعرفون التجملا
وقال (١):
هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه
ولئن أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروه
وقال:
ولما حدا الحادي بعيس أحبتي ونادى غراب البين بالبين يهتف
بكيت دمًا حتى لقد قال قائلب ترى ذا الفتى من جفن عينيه يرعف
وقال:
قلت لها يومًا وأبصرتها بسباسةً في كنها نرجس
ما أقبح الصد فقالت: بلى، أقبح منه عاشق مفلس
وقال:
متى أخف الغرام يصفه جسمي بألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب فحصن عني خفيت خفاء خصرك في الوشاح
وقال (٢):
قطعت الأرض في شهري ربيعٍ إلى مصر وعدت إلى العراق
_________________
(١) ورد البيتان في الصداقة والصديق: ٢٠٦ (دون نسبة) .
(٢) وردت في ابن خلكان: ٢٢١ وتنسب للوزير أبي القاسم المغربي في دمية القصر ١: ٩٦.
[ ٨ / ٥٢٨ ]
فقال لي الحبيب وقد رآني سبوقًا [للمضمرة] العتق
ركبت على البراق - فقلت كلا ولكني ركبت على اشتياقي
فصل في ذكر الأديب الأريب
أبي عبد الله بن قاضي ميلة (١)
وهو ممن طرأ (٢) ذكره، وانتهى إليّ شعره، إذ ضرب في الأدب بأعلى قدح، وافتر عنه على أوضح صبح، وأقام دوحه على سوقه، وبنى المنازل (٣) على سواء طريقه، ورأيت أبا علي بن رشيق قد ذكره في ما اندرج من كلامه في شعراء " الأنموذج "، وأعرب عن فضائله، وأوضح ما لم يخف من دلائله (٤)، ولعل بعض من يتصفح كتابي هذا يقول: إن شعراء الأنموذج مائة شاعر وشاعرة، وأكثرهم كان في المائة الخامسة من الهجرة، تقاربت موالدهم، وتشابهت مصادرهم ومواردهم، أفلا ذكرهم عن آخرهم، وما له اقتصر على بعضهم دون سائرهم -! فبعض الجواب أني كثرت بهذا الكتاب عددي، وجردته في محاسن أهل بلدي، ثم عرضت بعد معارضته أبا منصور، بذكر من هنالك من شاعر مشهور، واجتلاب ما يتعلق بذلك من خبرٍ مأثور، فأشرت إلى ذكر من كان في هذا الوقت المؤرخ ممن طال (٥) طلقه، وشرق أفقه.
_________________
(١) سماه ابن خلكان (٦: ١٩) عبد الله بن محمد التنوخي وكنيته أبو محمد؛ وفي أحد أصول ابن خلكان " أبو عبد الله محمد بن محمد "؛ وقد ترجم له في المسالك ١١: ٣٠٤ (وفيه نقل عن الذخيرة والأنموذج) ومر ذكره في كتاب التعريف بالقاضي عياض ٧٢؛ وميلة التي ينتسب إليها تقع في الجزائر.
(٢) المسالك: طار.
(٣) المسالك: وابتنى منازله.
(٤) قال فيه ابن رشيق (كما نقل العمري): هو شاعر لسن مقتدر يؤثر الاستعارة، ويكثر الزجر والعيافة ويسلك طريق ابن أبي ربيعة وأصحابه في نظم الأقوال والحكايات (واستشهد على ذلك بفائيته) .
(٥) ص: كان.
[ ٨ / ٥٢٩ ]
ولأبي عبد الله أشعار شاردة سارت على ألسنة الأنام، وكتبت في جبهات (١) الأيام، غير أنه لم يقع إليّ منها عند تحرير هذه النسخة إلا ما أثبت، فمن ذلك ما حدث به أبو محمد بن خليفة المصري (٢) قال: لما ولي ابن البواب وزارة المعز بن باديس سأله أبو عبد الله أمرًا كلفه، فمطله فيه حتى صرفه، فكتب إليه (٣):
أقول له إذ طيشته رياسة أتت غفلة مهلًا فقد غلط الدهر
ترفق يراجع فيك دهرك عقله فما سدت إلا والزمان به سكر
فما برحت أيامه أن تصرمت وما عندنا شكر ولا عنده عذر
وأنشد أيضًا له المصري المذكور (٤):
جاءت بعودٍ تناغيه فيتبعها (٥) فانظر بدائع ما يأتي به الشجر
غنى على عودها الأطيار مفصحة رطبًا فلما عسا (٦) غنى به البشر
فما يزال عليه أو به طرب (٧) يهيجه الأعجمان الطير والوتر
قال ابن بسام: وهذا في ما وصف، كقول ابن شرف (٨):
سقى الله أرضًا أنبتت عودك الذي زكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنى عليه الطير والعود أخضر وغنى عليه الناس والعود يابس
_________________
(١) المسالك: جبهة.
(٢) وردت ترجمته في الأول من القسم الرابع: ٣٤٢.
(٣) المسالك: ٣٠٤.
(٤) وردت الأبيات أيضًا في الأول من القسم الرابع: ٣٥٦ وقد خرجتها هنالك.
(٥) ابن خلكان: ويسعدها.
(٦) ابن خلكان: غنت عليه ضروب الطير ساجعة، حبًا فلما ذوى.
(٧) ابن خلكان: فلا يزال عليه الدهر مصطخب.
(٨) ورد بيتا ابن شرف عند ابن خلكان (٥: ٣٤٨) برواية أخرى، وانظر الشريشي ٣: ٢٠٥.
[ ٨ / ٥٣٠ ]
وأنشد أيضًا له المصري (١):
أشقى لجدك أن تكون أديبًا أو أن يرى فيك الورى تهذيبا
إن كنت مستويًا ففعلك كله عوج وإن أخطأت كنت مصيبا
كالنقش ليس يصح معنى ختمه حتى يكون بناؤه مقلوبا
وأنشد له أيضًا (٢):
لدنياك نور ولكنه ظلام يحار به المبصر
فإن عشت فيها على أنها كما قيل قنطرة تعبر
فلا تعمرن بها منزلًا فإن الخراب لما تعمر
ولا تذخرن خلاف التقى فيفنى ويبقى الذي تذخر
وظن أناس بأن قد سموا فقالوا علونا ولم يشعروا
كذا البحر يطفو عليه القذى ويرسب في قعره الجوهر
وكان لابن قاضي ميلة صديقان فتقاطعا وندما، واتفق أن بنى أحدهما منزلًا، فقيل لصاحبه: لست تجد وقتًا لمراجعة صديقك أحسن من تهنئتك له بهذه الدار الجديدة، فركب إليه وهنأه، وكان على صاحب المنزل قباء ديباج فيه صور طواويس، فكرر بصره فيها ذلك القاصد، فقال له صاحبه: أتعجبك هذه / [١٥١] الصور - قال: أجل، فوهب الثوب له صاحب المنزل، فقال له القاصد: وأنا عندي طواويس حية تصلح لهذه الدار، فلبس صاحب المنزل القباء غلامًا وسيمًا له اسمه نحرير، كان صديقه يهواه، وأهداه إليه، وأخذ صديقه الطواويس وأهداها مع غلامٍ له اسمه بديع كان صاحب المنزل أيضًا يكلف به،
_________________
(١) الثاني والثالث في المسالك: ٣٠٤ ووردت لابن رشيق في ديوانه: ٣٧ وانظر الذخيرة ١: ٤٤٨ والغيث ٢: ١١٤ والشريشي ٥: ١٢٧.
(٢) الشريشي ٣: ١٠١ (أربعة أبيات) .
[ ٨ / ٥٣١ ]
فبلغ ذلك الأكحل تأييد الدولة (١) صاحب صقيلية (٢)، فأمر الشعراء بصفة ذلك، فمن شعر ابن قاضي ميلة فيهما هنالك، من جملة قصيدة:
ولله يومكما إذ أتاك مبتهجًا بتمام البناء
فأنفذ في حضن نحريره طواويس موشية في قباء
فما جنك الليل حتى بعثت بديعًا بكل بديع المكاء
بأحسن متخذٍ في البيزت وأطرف مكتسب في القباء
تقابلتما لاختلاف الصفات ولولاهما لاختلاف الهواء
ويعلي الذنابى مدلًا بها على رأسه كانتصاب اللواء
فتلحظ مرأى يروق العيون ويقضي لواصفه بالغناء
هدايا أقمتم لإيصالها ظباء تجر ذيول البهاء
وما عاين الناس من قبل ذا طواويشس [فوق] أكف الظباء
ومنها:
وعاين رجليه في معزلٍ من الحسن حل عقود البكاء
فيهدم جلوته بعدما أقام لها محكمات البناء
ومن سام بالنفس عين التمام نازعه النقص حظ النماء
فيا قمري سؤددٍ قابلا وجوه السنا بوجوه السناء
إذا الدهر رفع قدريكما فقد سربل الدهر ثوب العلاء
ومن شعره (٣):
قالت الحسناء لما أن رأت أدمعي ترفض في ما ابتدرا
ليس هذا الدمع ما خبرته أنا من يهدي إليك الخبرا
_________________
(١) أحد أمراء صقلية من بني الحسين الكلبيين؛ انظر دوره في حكم الجزيرة في " العرب في صقلية " ٤٧ - ٤٨ وصفحات متفرقة من المكتبة الصقلية.
(٢) هذا وجه من الوجوه التي يكتب بها هذا الاسم.
(٣) وردت ما عدا الثاني في المسالك: ٣٠٥.
[ ٨ / ٥٣٢ ]
رق في خدي من ماء الصبا رونق يعشي سناه البصرا
تأخذ الألحاظ منه ريها فإذا جاز التناهي قصرا
وله من قصيد فريد يقول فيه (١):
ولما التقينا محرمين وسيرنا بلبيك يطوى والركائب تعسف
نظرت إليها والمطايا كأنها غواربها منها معاطس رعف
وقالت أما منكن من يعرف الفتى فقد رابني من طول ما يتشوف
أراه إذا سرنا يسير أمامنا ونوقف أخفاف المطايا فيوقف
فقلت لتربيها ابلغاها بأنني بها مستهام قالتا: نتلطف
وقولا لها يا أم عمروٍ أليس ذا منىً والمنى في خيفه ليس تخلف
تفاءلت في أن تبذلي طارف الهوى بأن عن لي منها البنان المطرف
وأما دماء الهدي فهو تواصل بدوم ورأي في الهوى يتألف
وفي عرفاتٍ ما يخبر أنني بعارفةٍ من نيل وصلك أسعف
وتقبيل ركن البيت إقبال دولةٍ لنا وزمان بالمودة يعطف
فأبلغتها ما قلته فتبسمت وقالت أحاديث العبافة زخرف
بعيشي ألم أخبركما أنه امرؤ على لفظه برد الكلام المفوف
فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه وقولا ستدري أينا اليوم أعيف
لئن كنت ترجو في منى الفوز بالمنى فالبخيف من إعراضنا تتخوف
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا حرام وأنا عن مزارك نصدف
فهذا وقذفي بالحصى لك منذر بأن النوى بي عن ديارك تقذف
فبادر (٢) نفاري ليلة النفر إنه سريع وقل من [في] العيافة أعرف
_________________
(١) أورد ابن خلكان ٦: ١٥٩ هذه القصيدة كاملة ومنها ثلاثة عشر بيتًا في المسالك، وسبعة عشر في رفع الحجب ٢: ٤٨ وأحد عشر بيتًا في الشريشي ٤: ٢٦١ وفي الرواية اختلافات يسيرة لا داعي لإثباتها.
(٢) المسالك وابن خلكان: فحاذر.
[ ٨ / ٥٣٣ ]
ومن مليح الزجر وغريب الفأل قول أبي حية (١):
جرى يوم رحنا عامدين لأرضها سنيح فقال القوم مر سنيح
فهاب رجال منهم فتعفوا فقلت لهم: جارٍ إليّ ربيح
عقاب بأعقاب من الدار [بعد] ما نأت نية بالظاعنين طروح
وقالوا حمامات فحم لقاؤها وطلح فزيرت والمطي طليح
وقال صحابي هدهد فوق بانةٍ هدىً وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا دم دامت مواثيق بيننا ودام لنا حلو الصفاء صريح
لعيناك يوم البين أسرع واكفًا من الفنن الممطور وهو مروح
وقال ذو الرمة (٢):
رأيت غرابًا ساقطًا فوق قضبةٍ من القضب لم ينبت لها ورق خضر
فقلت غراب لاغترابٍ وقضبة لقضب النوى هذي العيافة والزجر
وقال آخر (٣):
دعا صرد يومًا على غصن بانةٍ وصاح بذات البين منها غرابها
فقلت أتصريد وشحط وغربة فهذا لعمري نأيها واغترابها
ومن قصيدة جحدر (٤):
ومما هاجني فازددت شوقًا بكاء حمامتين تجاوبان /
_________________
(١) هو أبو حية النميري، انظر شعره في الأمالي ١: ٦٩ (وقارن بشرح الأمالي: ٢٤٣) وزهر الآداب: ٤٧٧ ورفع الحجب ٢: ٤٨ ومنها أبيات في الشريشي ٤: ٢٦١ وديوان أبي حية (المورد: ١٩٧٥، العدد الأول: ١٣٧) .
(٢) زهر الآداب: ٤٧٨ ونقل المبرد أن الرواة لم يروهما في ديوانه، وانظر ديوانه: ٦٦٧ (مكارتني) ورفع الحجب ٢: ٤٨ والشريشي ٤: ٢٦٠ (لجران العود) .
(٣) زهر الآداب: ٤٧٨.
(٤) وردت الأبيات الثلاثة الأولى من قصيدة جحدر في رفع الحجب ٢: ٤٨ والقصيدة في معجم البلدان (حجر)، والنسخة الاستانبولية من منتهى الطلب وتهذيب ابن عساكر ٤: ٣٦ والخزانة ٤: ٤٨٣ ورفع الحجب ١: ٥٠.
[ ٨ / ٥٣٤ ]
تجاوبتا بلحنٍ أعجمي على عودين من غربٍ وبان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير دان
وفي هذه القصيدة يقول:
فيا أخوي من كعب بن عمرو أقلا اليوم إن لم تسعداني
يحاذر سطوة الحجاج ظلمًا وما الحجاج ظلام لجان
وكان من آخر معه أن الحجاج جوع له أسدًا ثم سلطه عليه، فبادر جحدر إليه وقتل الأسد، فعفا عنه الحجاج لما رأى من جرأته، واتخذه من صحابته.
وحكى المدائني قال (١): خرج كثير من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها رأى غرابًا على شجرة ينتف ريشه، فتطير من ذلك ومضى لوجهه، فلقيه رجل من بني لهب فقال: يا أخا الحجاز، مالك كاسف اللون، هل رأيت شيئًا أنكرته - قال: أجل، غراب على بانة ينتف ريشه وينعب، قال: إنك تطلب حاجة لا تدركها، فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال:
رأيت غربًا ساقطًا فوق بانةٍ ينتف أعلى ريشه ويطايره
فقلت ولو أني أشاء زجرته بنفسي للنهدي هل أنت زاجره
فقال غراب لاغتراب من النوى وفي البان بين من حبيب تجاوره
فما أعيف النهدي لا در دره وأزجره [للطير] لا عز ناصره
ومن مليح الزجر (٢) قول أبي نواس وقد اجتمع إخوانه واختفوا عنه، ووجهوا
_________________
(١) منابع الآداب: ٤٧٩ - ٤٨٠ وانظر عيون الأخبار: ١٤٧ وديوان كثير: ٤٦١ - ٤٦٢ وفيه تخريج الأبيات، ويضاف إليه ربيع الأبرار: ٢٩٦ / أوالبيت في اللسان (تشش) وشرح النهج ٤: ٤٣٣ (ط. ١٣٢٩) والشريشي ٤: ٢٦٠.
(٢) بإيجاز عن زهر الآداب: ٤٩٢ وانظر الشريشي ٤: ٢٦٠.
[ ٨ / ٥٣٥ ]
رسولًا إليه بظهر قرطاس لم يكتبوا فيه شيئًا، وخزموه بزير وختموه بقارٍ، ورمى بالكتاب من وراء الباب، فاستعلم موضعهم وأنشدهم:
زجرت كتابكم لما أتاني يمر بسانح الطير الجواري
نظرت إليه مخزومًا بزير (١) على ظهرٍ ومختومًا بقار
فقلت الزير ملهية ولهو وخلت القار من دن العقار
وخلت الظهر أهيف قرطقيًا يحر (٢) العقل منه باحورار
فهمت إليكم طربًا وشوقًا فما أخطأت داركم بدار (٣)
فكيف ترونني وترون زجري ألست من الفلاسفة الكبار
ومن أبدع ما لأبي عبد الله وأغربه، وأحلى الكلام وأوطئه قوله من كلمةٍ، يعني السيف، وقد رويت لغيره (٤):
حيث التقى أسد العرين وشادن (٥) تحت اللحاف وصارم وسوار
قالت أرى بيني وبينك ثالثًا ولقد عهدتك بالدخيل تغار
أأمنت نشر حديثنا فأجبتها هذا الذي تطوى به الأسرار
وقوله أيضًا (٦):
وتعجبني الغصون إذا تثنت ولا سيما وفيهن الثمار
إذا اهتزت (٧) نهود في قدودٍ فقل للحلم قد ذهب الوقار
_________________
(١) الزير: الكتان (وهو أيضًا أحد أوتار العود) .
(٢) زهر الآداب: يحيل؛ لشريشي: يحار.
(٣) الشريشي: فطرت إليكم يا أهل ودي يقلب من هواكم مستطار (٤) المسالك: ٣٠٥ والشريشي ٤: ٣١.
(٤) الشريشي: وظبية.
(٥) ورد البيتان ي المسالك: ٣٠٥.
(٦) المسالك: هزت.
[ ٨ / ٥٣٦ ]
فصل في ذكر أبي الحسن علي بن محمد التهامي
وإثبات جملة من شعره (١)
كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره [على] فوز القدح، دلالة برد النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم، إعراب الدمع (٢) عن سر الهوى المكتوم.
حملة من شعره في أوصاف شتى
المدح وما يتصل به من النسيب
له من قصيدة أولها (٣):
فؤادي الفداء لها من قبب طوافٍ على الآل مثل الحبب
يقول فيها:
كأن [على] الجو فضفاضةً مساميرها فضة أو ذهب
كأن كواكبه أعين تراعي سنا الفجر أو ترقب
فلما بدا طفقت هيبةً تستر أحداقها بالهدب
وشقت غلائل ضوء الصباح فلا هو بادٍ ولا محتجب
ومنها:
أبا قاسم حزت صفو الكلام وغادرت ما بعده للعرب
وليس كلامك إلا النجوم علوت فناثرتها من كثب
_________________
(١) كان على صلة بالوزير المغربي، وله في مديح، وقد استخدمه حسان بن مفرج (الذي ثأر على الفاطميين بتحريض الوزير المغربي) رسولًا إلى عرب بني قرة ببرقة لتحريضهم على الثورة، فقبض عليه في مصر وسجن ثم قتل سنة ٤١٦؛ ترجمته في تتمة اليتيمة ١: ٣٧ وابن خلكان ٣: ٣٧٨ (وهو ينقل عن الذخير) وعبر الذهبي ٣: ١٢٢ والشذرات ٣: ٢٠٤ ومرآة الجنان ٣: ٢٩ وقد وصف ابن خلكان ديوانه بأنه صغير وأن أكثره نخب.
(٢) ص: الربيع.
(٣) ديوان التهامي: ١٥ - ٢٠.
[ ٨ / ٥٣٧ ]
رأيت الفصاحة حيث الندى وهل ينظم الروض إلا السحب
وقد شرف الغيث إذ بينه وبين بنانك أدنى نسب
ومنها في صفة القلم:
وأرعن أخرس من كثرة الل - غات بأجرائه واللجب
يلاقي النجوم بأمثالها من البيض من فوقها واليلب
إذا واجه الشمس رد الشعاع واعترض الريح (١) سد المهب
ثنيت بأرقش ذي زينةٍ (٢) تجلى الخطوب به والخطب / [١٥٣]
إذا ما جعلت له لهذمًا من النقس طال الرماح السلب
وطالت به مفخرًا أنها وإياه في الأصل بعض القصب
تقلم أقلامك الحادثات فتبرا (٣) وتهتم ناب النوب
وله من أخرى (٤):
وكيف لا تدركه نشوة واللحظ راح وجنى الريق راح
لو لم تكن ريقته خمرة لما تثنى عطفه وهو صاح
يبسم عن ذي أشر مثلما يلتقط الظبي بفيه الأقاح
أفلته مني وقد صدته برقدةٍ صوت منادي الفلاح
فنحن في نومٍ وفي يقظةٍ بين دنوٍ منهم وانتزاح
وموقف لولا التقى لالتقى فيه نجادي ونظام الوشاح
ومنها:
ومجهلٍ مشتبه طرقه كأنما هن خطوط قزاح
_________________
(١) الديوان: وإن واجه الريح.
(٢) الديوان: ريقة.
(٣) الديوان: قسرًا.
(٤) ديوان التهامي: ٢٢.
[ ٨ / ٥٣٨ ]
وهذا تشبيه مخترع، ومعنى مبتدع.
كأنما أشباح أنضائنا قسي نبع وكأنما قداح
حتى اجتلينا بعد طول السرى بغرة الكامل وجه الصباح
فقال لي صحبي أبدر الدجى (١) فقلت لا بل هو بدر السماح
ينبيك عن سؤدده بشره مخايل السؤدد خرس فصاح
واصطلح الناس على فضله واختلفوا بعد فليس اصطلاح
ومنها:
إن لمس الطرس بأطرافها فاض نوالًا وبيانًا وساح
وشق من لؤلؤه أفخر الل - ؤلؤ هن الكلمات الفصاح (٢)
وهذه القصيدة مدح بها أبا القاسم بن المغربي المتقدم الذكر
وله من أخرى (٣):
لو جادهن غداة رمن رواحا غيث كدمعي ما أردن براحا
ماتت لفقد الظاعنين ديارهم فكأنهم كانوا بها أرواحا
وهذا كقول ابن الرومي وقد تقدم (٤):
فقد ألفته النفس حتى كأنه له جسد إن بان غودر هالكا
متوارثي مرض الجفون وإنما مرض الجفون بأن يكن صحاحا
من كان يكلف بالأهلة فليزر ولدي هلال زغبة ورياحا
لا عيب فيهم غير شح نسائهم ومن السماحة أن يكن شحاحا
_________________
(١) الديوان: السما.
(٢) في الديوان: وسمت من لؤلؤه أبحرا لؤلؤ عن الكلمات الفصاح (٣) ديوان التهامي: ١٠.
(٣) لم يرد البيت نفسه فيما تقدم، وإنما ورد بيتان آخران من قصيدة ابن الرومي هذه في ١: ٢٠٨.
[ ٨ / ٥٣٩ ]
طرقته في أترابها فجلت له وهنًا من الغرر الصباح صباحا
أبرزن من تلك الهيون أسنة وهززن من تلك القدود رماحا
ومنها في المدح:
يرمي الكتيبة بالكتاب إليهم فيرون أحرفه الخميس كفاحا
ومن نقسه دهمًا ومن ميماته زردًا ومن ألفاته أرماحا
ساست أقاليم الورى أقلامه فأجم أطراف القنا وأراحا
وله من أخرى (١):
بعثت إليك بطيفها تعليلا وخضاب ليلك قد أراد نصولا
فأتاك وهنًا والظلام كأنه نظم النجوم لرأسه إكليلا
وإذا تأملت الكواكب خلتها زهرًا تفتح أو عيونًا حولا
أهدت لنا من خدها ورضابها [وردًا] تحيينا به وشمولا
وردًا إذا ما شم زاد غضاضة ولو أنه كالورد زاد ذبولا
وجلت لنا بردًا يشهي برده نفس الحصور العابد التقبيلا
بردًا يذيب ولا يذوب فكلما شرب المتيم منه زاد غليلا
وهذه كقول ابن الرومي، وقد تقدم (١):
ريق إذا ما ازددت من شربه ريًا ثناني الري ضمآنا
ومنها في ذكر القلم:
يلقى العدا من كتبه بكتائب يجررن من زرد الحروب ذيولا
فترى الصحيفة حلبة وجيادها أقلامه وصريرهن صهيلا
في كفه قلم أتم من القنا طولا وهن أتم منه طولا
_________________
(١) ديوان التهامي: ٢٩.
(٢) ديوان التهامي: ٢٩.
[ ٨ / ٥٤٠ ]
قلم يقلم ظفر كل ملمةٍ ويرد حد شباتها مفلولا
ومنها:
يدعو النبي من الجدود وحيدرًا ومن العومة جعفرًا وعقيلا
نسب ترى عنوانه في وجهه لا شبهة فيه ولا تأويلا
ومن أخرى (١):
وأراد الخيال لثمي فصي - رت لثامي دون المراشف سترا
اصرفي الكأس من رضابك عني حاش لله أن أرشف خمرا
ولو أن الرضاب غير مدامٍ لم تكوني في حالة الصحو سكرى
[ومنها في ذكر القلم]:
وإذا راش بالأنامل منه قلمًا واستمد ساء وسرا
قلما دبر الأقاليم حتى قال فيه أهل التناسخ إمرا
يتبع الرمح أمره إن عشري - ن ذراعًا بالرأي تخدم شبرا
ومن شعره مما يبتعلق بأوصاف طيف الخيال، وله أغراض غريبة، وألفاظ عجيبة، قال (٢):
عبسن من شعر في الرأس مبتسم ما نفر البيض مثل البيض في اللم
فقبلتني توديعًا فقلت لها كفي فليس ارتشاف الخمر من شيمي / [١٥٤]
لو لم يكن ريقها خمرًا لما انتطقت بلؤلؤ من حباب الثغر منتظم
ولو تيقنت غير الراح في فمها ما كنت ممن يصد اللثم باللثم
وزاد ريقتها بردًا تحدرها على حصى بردٍ من ثغرها شبم
_________________
(١) ديوان التهامي: ٣٦.
(٢) ديوان: ٦ وهي في مدح الأمير نصر الدولة بن مروان الكردي.
[ ٨ / ٥٤١ ]
ومعنى البيت الثاني من هذه كقول أبي الحسن الرضي (١):
وقبلته فوق اللثام لي هي الخمر إلا أنها بفدام
وتشبيه أرياق الملاح بالراح أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يتقصى، ولكن التهامي ولد معنى حسنى، وجر ها هنا للبلاغة رسنا، بقوله: " لو لم يكن ريقها خمرا.. " البيت.
وفيها يقول:
إني لأطرف طرفي عن محاسنها تكرما وأكف الكف عن أمم
ولا أهم ولي نفس تنازعني أستغفر الله إلا ساعة الحلم
ومعنى هذا البيت حسن، ولكن أبا الطيب كان أملك لشهوته، وأعف في حين خلوته، حيث يقول (٢):
يريد يدا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
ألا تسمع كيف عف في الكرى، وأتى من حسن اللفظ وبراعة القسمة بما ترى - وقد أثبت في أخبار ابن الأبار (٣)، في هذا المعنى عدة أشعار.
وقال التهامي (٤):
أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه حتى اقتنصنا ظباء البدو والحضر
فبات يجلو لنا من وجهها قمرا من البراقع لولا كلفة القمر
وراعها حر أنفاسي فقلت لها هواي نار وأنفاسي من الشرر
وزاد در الثنايا در أدمعها فالتف منتظم منه بمنتثر
فما نكرنا في الطيف الملم بنا ممن هويناه إلا قلة الخفر
_________________
(١) لم أجده في ديوان الرضي.
(٢) ديوان المتنبي: ٣١٠ والذخيرة ٢: ١٤٠.
(٣) انظر القسم الثاني من الذخيرة: ١٣٥ - ١٤٤.
(٤) ديوان التهامي: ٤١.
[ ٨ / ٥٤٢ ]
فسرت أعثر في ذيل الدجى ولها والجو روض وزهر الليل كالزهر
وللمجرة فوق الأرض معترض كأنها حبنب تطفو على نهر
وللثريا رقود فوق أرحلنا كأنها قطعة من فروة النمر
كأن أنجمه والصبح يغمضها قسرا عيون غفت من شدة السهر
فروع السرب لما ابتل أكرعه في جدول من خليج الفجر منفجر
ولو قدرن وثوب الليل منخرق بالصبح رقعنه منهن بالشعر
ومنها:
لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ما كان يزداد طيبا ساعة السحر
يا رب معنى بعيد الشأو أسلكه في سلك لفظ قريب الفهم مختصر
لفظا يكون لعقد القول واسطة ما بين منزلة الإسهاب والخضر
إن الكاتبة سارت نحو أنمله والجود فالتقيا فيه على قدر
ترد أقلامه الأرماح صاغرة عكسا كعكس شعاع الشمس للبصر
وفي كتابك فاعذر من يهيم به من المحاسن ما في أحسن الصور
الطرس كالوجه والنونات دائرة مثل الحواجب والسينات كالطرر
وله من أخرى (١):
قولا له هل دار في حوبائه أن القلوب تحوم حول خبائه
ريم إذا رفع الستائر بيننا أعشاني اللألاء قبل (٢) روائه
نم الضياء عليه في غسق الدجى حتى كأن الحسن من رقبائه
أهدى لنا في النوم نجدا كله ببدره وغصونه وظبائه
وسفرن في جنح الدجى فتشابهت في الليل أنجم أرضيه وسمائه
_________________
(١) ديوان التهامي: ٨٨ وقد مر منها بيتان إلى القاضي عبد الوهاب المالكي (ص: ٥٢٤) .
(٢) الديوان: دون.
[ ٨ / ٥٤٣ ]
وجلا جبينا واضحا كالبدر في تكويره وبعاده وضيائه
حتى إذا حط الصباح لثامه ومضى الظلام يجر فضل ردائه
حيا بكأس رضابه فرددتها نفسي فداء رضابه وإبائه
قلبي فداؤك وهو قلب لم تزل تذكي شهاب الشوق في أثنائه
جاورته شر الجوار وزرته لما حللت فناءه بفنائه
حرق سوى قلبي ودعه فإنني أخشى عليك وأنت في سودائه
ومعنى هذا اليت مشهور، وقد أجرينا منه طلقا فيما تقدم.
ومن مراثيه قصيدته أولها (١):
حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار
يقول فيها:
إني وترت بصارم ذي رونق أهددته لطلابة الأوتار
يا كوكبا ما كان أقصر عمره وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر بدرا ولم يمهل لوقت سرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه فمحاه قبل مظنه الإبدار
واستل من أترابه ولداته كالمقلة استلت من الأشفار
فكأن قلبي قبره وكأنه في طيه سر من الأسرار
أشكو بعادك لي وأنت بموضع لولا الردى لسمعت فيه سراري
والشرق نحو الغرب أقرب شقة من بعد تلك الخمسة الأشبار
ومنها
قصرت جفوني أم تباعد بينها أم صورت عينا بلا أشفار
لو كنت تمنع خاض دونك فتية منا بحار عوامل وشفار
_________________
(١) ديوانه: ٤٧.
[ ٨ / ٥٤٤ ]
فدحوا فريق الأرض أرضا من دم ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتهم سحبا مزررة على أقمار
ومن هنا أخذ ابن عبد البر الشنتريني قوله في صفة الاكواس:
كأنها وشعاع الشمس داخلها قمص من الماء قد زرت على لهب
وترى سيوف الدارعين كأنها خلج تمد بها أكف بحار
لو أشرعوا أيمانهم من طولها طعنوا بها عرض القنا الخطار
وكأنما ملأوا عياب دروعهم وغمدوا أنصلهم سراب قفار
فتدرعوا بمتون ماء جامد وتقنعوا بحباب ماء جار
يتزين النادي بحسن وجوههم كتزين الهالات بالأقمار
من كل من جعل القنا (١) أنصاره وكرمن فاستغنى عن الأنصار
والليث إن ساورته (٢) لم يعتمد إلا على الأنياب والأظفار
وإذا هو اعتقل القناة حسبتها صلا تأبطه هزبر ضار
شاب القذال وكل غصن صائر فينانه الأحوى إلى الإزهار
وتلهب الأحشاء شيب مفرقي هذا الشعاع (٣) شواظ تلك النار
ومن أخرى (٤):
أبا الفضل طال الليل أم خانني صبري فخيل لي أن الكواكب لا تسري
يقول فيها:
ولا حزن إلا يوم فارقت شخصه ورحت ببعض النفس والبعض في القبر
وأعلم أن الحادث بمرصد لتأخذ كلي مثل ما أخذت شطري
أحين نضا ثوب الطفولة ناسلا كما نسل الريش اللؤام عن النسر
_________________
(١) الديوان: الظبا.
(٢) الديوان: بارزته.
(٣) الديوان: الضياء.
(٤) ديوان التهامي: ٧٧.
[ ٨ / ٥٤٥ ]
وخلى رضاع الثدي مستبدلا به أفاويق من در البلاغة والشعر
وألقى تميمات الصبا وتباشرت حمائل أغماد المهندة البتر
وقامت عليه للعلاء شواهد كما استشهد العضب السريجي بالأثر
طواه الردى دي الرداء فأصبحت مغانيه ما فيهن منه سوى الذكر
وقالوا سيسليه التأسي بغيره فقلت لهم هل يطفأ الجمر بالجمر
ومنها:
بضرب يطير البيض من حر وقعه شعاعا كما طار الشرار عن الجمر
ولما تضف في نصرة الله طعنة إلى ضربة كالتبر فوق شفا نهر
فلا تسألوني عنه صبرا فإنني دفنت به قلبي وفي طيه صبري
وإلا تكن قلبي فإنك بعضه قددتكما قد الهلال من البدر
قوله: " أحين نضا ثوب الطفولة.. " كقول المعري (١):
ترى أعطافها ترمي حميما كأجنحة البزاة رمت نسالا
وقوله: " كما استشهد العضب السريجي بالأثر " كقوله أيضًا (٢):
كالسيف دل على التأثر بالأثر
وقوله: " كالتبر فوق شفا نهر " معناه مشهور، إلا أن التهامي لم يتهم فيه ولا أنجد، ولا اضطلع بأعباء ما تقلد، ولا قام ولا قعد، وأعلق منه بنسبه الذي يقول:
عليهن من وقع السيوف حواجب
وقال آخر:
فنضربهم شكلا ونطعنهم نقطا
_________________
(١) شروح السقط: ٤٧.
(٢) شروح السقط: ١٣٩ وصدر البيت: يبين بالبشر عن إحسان مصطنع.
[ ٨ / ٥٤٦ ]
وقال آخر، وإن كان في اللفظ [] وكان بين أجزاء البيت تباعد:
طعن كما فهق الغدير يؤمه ضرب كحاشية الرداء طويل
وهذا كثير وهو من متداولات المعاني، ومنه قول أبي العشائر الحمداني (١):
أأخا الفوارس لو شهدت مواقفي والخيل من تحت الفوارس تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوغى والبيض تشكل والأسنة تنقط
وكان أبو الطيب يستحسنه له قلة رضاه، يقول سواه
ومن سائر شعره في أوصاف مختلفة
قال من قصيدة (٢):
تحول الدهر أحوالي وبدلني دارا بدار وجيرانًا بجيران
ورب أمر رمتني الحادثات به أرنو إليه وحالي فيه حالان
إذا نظرت بعين الهزل أضحكني وإن نظرت بعين الجد أبكاني
يظما الكريم فلا يسقى وقد ظفرت كف اللئيم بسيحنٍ وجيحان
تأمل القدر المحتوم وارض به فإنما وزن الدنيا بميزان
فظل يزداد فيها كل منتقص إلا ويهبط منها كل رجحان
كم من رجالٍ إلى الأديان قد نصبوا وربما صيدت الدنيا بأديان
كم عمرت بالخنا خالي منازلهم عمارة الكتب من فقه وقرآن
وباقل الخط سحبان المقال فهل كباقلٍ في ثناه أو كسحبان
تراه مجفو نادٍ مستضام يدٍ مستخبلًا وهو في أثواب لقمان / [١٥٦]
ما ذنبه فير نفسٍ لا تساعده على لباس رياء غير صوان
_________________
(١) اليتيمة ١: ١٠٤.
(٢) لم ترد في ديوان التهامي.
[ ٨ / ٥٤٧ ]
قوله: " ويهبط منها كل رجحان "، كقول ابن الرومي (١):
قالت علا الناس إلا أنت قلت لها كذاك يسفل في الميزان ما رجحا
وذكرت بذكره باقلًا وسحبان، قول أحمد بن سليمان (٢):
إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعير قسًا بالفهامة باقل
وقال السها للشمس أنت خفية وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
وقوله: " يظما الكريم فما يسقى.. " البي، معنى قد طوي ونشر، وعرف حتى أنكر، ومنه قول بعض أهل عصرنا وهو الوزير أبو محمد بن عبد الغفور، من شهر اندرج له في رسالة خاطب بها بعض أهل وقته (٣):
وأصرف عن ورد وقد غمر الندى (٤) خفيف عذار والهبنقة الألحى
ومن عجب أن يقطعا كل نخةٍ (٥) وأمنع للقرص الذي قاتني ملحا
وقال التهامي (٦):
ألا قاتل الله الحمام فإنها بكت فشجت قلبًا طروبًا إلى هند
وما ذكره هندًا وقد حال دونها قنا الخط أو بيض رقاق من الهند
وأسد على جردٍ من الخيل ضمر وهيهات من تحميه أسد على جرد
وبيداء (٧) تكبو دون إيرادها القطا ويوهي السرى فيها قوى الحازم (٨) الجلد
_________________
(١) ديوان ابن الرومي: ٥٦٣ وقد مر في القسم الأول من الذخيرة: ٣٥٠.
(٢) يعني أبا العلاء المعري، انظر شروح سقط الزند: ٥٣٣ - ٥٣٨.
(٣) انظر القسم الثاني من الذخيرة: ٣٦٦.
(٤) في الأصل: عمر الربا.
(٥) في الأصل: لجة.
(٦) ديوان التهامي: ٢٠٢.
(٧) الديوان: ويهماء.
(٨) الديوان: الضيغم.
[ ٨ / ٥٤٨ ]
مطوحة لولا الدراري ما درى دليل بها كيف السبيل إلى الرشد (١)
سباريت ما فيهن زاد لراكب سوى ما حوت فيها الأداحي من ربد
كيهماء كلفت المطي اعتسافها إلى الحسب الزاكي إلى الكرم العد
إلى الأسد الضرغام في حومة الوغى إذا أحمر في غاب القنا حدق الأسد
من [الأجأيين] الذين جيادهم بأحشاء (٢) من عاداهم أبدًا تردي
نجوم بني قحطان في طخية الدجى إلى عددٍ عد وألسنة لد
وقال (٣):
بين كريمين مجلس واسع والود حال تقرب الشاسع
والبيت إن ضاق عن ثمانيةٍ متسع بالوادد للتاسع
فصل في ذكر مهيار الديلمي (٤)
وذكر جملة من شعره مع ما يتعلق بذكره
كان شاعر العراق وقته لا يدافع، ولسان تلك الآفاق لا ينازع، سيل أصبحت منه المذانب تلاعا ميثًا، وبدر تجلت به الغياهب قديمًا وحديثًا، أحد من خلي بينه وبين الميدان هنالك فجرى وحده، وسبق من قبله إلى غاية الإحسان فما ظنك بمن بعده، وقد أخرجت من شعره ما يعلل الرفاق ذكراه، ويملأ الآفاق سناؤه وسناه.
_________________
(١) الديوان: القصد.
(٢) الديوان: بأحياء.
(٣) لم يرد البيتان في ديوانه.
(٤) هو أبو الحسين (أو أبو الحسن) مهيار بن برزوبه، كان مجوسيًا وأسلم - فيما يقال - على يد الشريف الرضي، سنة ٣٩٤هـ -، أقرأ ديوان شعره بجامع المنصور ببغداد، وكانت وفاته سنة ٤٢٨: انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٣: ٢٧٦ والمنتظم ٨: ٩٤ ودمية القصر ١: ٢٨٤ وابن الأثير ٩: ٤٥٦ وابن خلكان ٥: ٣٥٩ وعبر الذهبي ٣: ١٦٧ وابن كثير ١٢: ٧٦ والشذرات ٣: ٢٤٢ والنجوم الزاهرة ٥: ٢٦، ويقع ديوانه في أربعة أجزاء (ط. دار الكتب المصرية: ١٩٢٥ - ١٩٣١) .
[ ٨ / ٥٤٩ ]
جملة من شعره في أوصاف مختلفة
قال في قصيدة (١):
من عذيري يوم شرقي الحمى من هوى جد بقلب (٢) مزحا
نظرة عارت فعادت حسرة قتل الرامي بها من جرحا
لا تعد إن عدت حيًا بعدها طارحًا عينيك فيها (٣) مطرحا
قد تذوقت الهوى من قبلها وأرى معذبه قد أملحا
سل طريق العيس من وادي الغضا كيف أعسفت (٤) لنا رأد الضحى
لا لشيء (٥) غير ما جيراننا خلفوا نجدًا (٦) وحلوا الأبطحا
يا نسيم الريح من أرض الحمى (٧) شد ما هجت الجوى والبرحا
يا ندماي بسلع هل أرى ذلك المغبق والمصطبحا
اذكرونا ذكرنا عهدكم رب ذكرى قربت من نزحا
وارحموا (٨) صبًا إذا غنى بكم شرب الدمع وعاف القدحا
رجع العاذل عني آيسا من فؤادي فيكم أن يفلحا
لو درى، لا حملت ناجية رحله، في من لحاني مالحا
[قد شربت الصبر عنكم مكرهًا وتبعت السقم فيكم مسمحا] (٩)
وعرفت الهم من بعدكم فكأني ما عرفت الفرحا
_________________
(١) ديوان مهيار ١: ٢٠٢ وقد نظمها سنة ٤١٤.
(٢) في الأصل: بقلبي.
(٣) الديوان: فينا.
(٤) كذلك هي في اصل الديوان، وجعلها المحقق: " أغسقت ".
(٥) الديوان: الشيء.
(٦) الديوان: تفضوا نجدًا.
(٧) الديوان: من كاظمة.
(٨) الديوان: وذكروا.
(٩) زيادة من الديوان لاتصال السياق.
[ ٨ / ٥٥٠ ]
ما سمعتم (١) في السرى من قبلهم بابن ليلٍ ساءه أن يصبحا
أراه قلب الثل: " عند الصباح يحمد القوم السرى ".
صوحت ريحانة العيش به فمن الراعي نباتًا صوحا
أنكرت تبديل أحوالي ومن صحب الدنيا على ما اقترحا
شد ما منى غرورًا نفسه تاجر الآداب (٢) في أن يربحا
والمنى والظن باب أبدًا تغلق الأيدي إذا ما فتحا
قد خبرت الناس خبري شيمي بخلاء وتسموا سمحا
وتولجت على أخلاقهم (٣) داخلًا بين عصاها واللحا
يشتهون المال أن يبقى لهم فلما يشتهون المدحا
وهذا كقول الآخر (٤):
أبو حسنٍ يشتهي المديح ويعجز عن صلة المادح
كبكر تشهى لذيذ النكاح وتفرق من صولة الناكح / [١٥٧]
رجع:
ما تبالي ما قضت حاجاتها ما دمي من خفا أو قرحا
عود البدر وقد قابله غرةً مات بها مستصبحا
ورآه البحر أوفى جمةً منه بالنائل لم طفحا
أنتم استنزلتم عنها يدي بعد ما ظن بها لن تسمحا (٥)
وقال (٦):
_________________
(١) الديوان: سمعنا.
(٢) في الأصل: الأحباب.
(٣) في الأصل: أعلاقهم.
(٤) الشعر في أمالي القالي ٣: ١٢٧ وتشبيهات ابن أبي عون: ٢٩٠ ونسب فيه لابن هرمة وكذلك في المختار: ٢٩٠ وحماسة ابن الشجري: ٢٦٩ وانظر ديوان ابن هرمة (جمع المعيبد): ٢٦٣ - ٢٦٤ وفيخ تخريجات كثيرة.
(٥) الديوان: بعد ما عز بها أن أسمحا.
(٦) ديوان مهيار ٣: ٣٢٧.
[ ٨ / ٥٥١ ]
بكر الوابل (١) تحدوه النعامى فسقاك الري يا دار أماما
وتمشت فيك أرواح الصبا يتأرجحن بأنفاس الخزامى
وإذا مغنى خلا من زائر بعد ما فارق أو زير لماما
فقضى عهد (٢) الهوى أن تصبحي للمحبين مناخًا ومقاما
أجتدي المزن وماذا أربي أن يجود المزن أطلالا رماما
وقليل قيل أن أدعو لها لا يراني الله أستجدي الغماما
أين يكانك لا أين هم أحجازًا يمموها أن شآما
صدعو (٣) بعد التئام فغدت بهم أيدي المرامي تترامى
وتلقوا كل حيران بليدٍ يسأل الجندل عنهم والرغاما
يا لواة الدين عن ميسرةٍ والضنينات وما كن لئاما
والمصراع الأول من هذا البيت كقول أبي الفرج الوأواء (٤):
يمطل كل العباد دينهم وهو ملي بذلك الدين
ومنها:
قد وقفنا بعدكم في ربعكم وقضيناه استلامًا والثاما
سعد الراكب تحتث [به] جسرة تخبط وهدًا وإكاما
تطأ العسف فتدمي خفها جبهات الأرض شجًا ولطاما
تتنزى (٥) أنفًا في خلقها أن تطيع السوط أو ترضى الزماما
_________________
(١) الديوان: العارض.
(٢) الديوان: حفظ.
(٣) في الأصل: صدعت.
(٤) ديوان الوأواء: ٢٢١.
(٥) في الأصل: تتبرا.
[ ٨ / ٥٥٢ ]
وبجعاء الحمى قلبي فعج بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترجل فتحدث عجبًا أن قلبًا سار عن جسم أقاما
قل لجيران الغضا آهٍ على طيب عيش بالغضا لو كان داما
نصل العام وما ننساكم وقصارى الوجد أن نسلخ (١) عاما
حملوا ريح الصبا نشركم قبل أن تحمل شيحًا أو ثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى إن أردتم (٢) لجفوني أن تناما
وقف الظامي على أبوابكم أفيقضي (٣) وهو لم يقض أواما
ما يبالي من سقيتن لمى منعكن الماء عذبًا والمداما
واعجبوا من أن يرى الظلم (٤) حلالا شارب وهو يرى الخمر حراما
أشتكيكم وإلى من أشتكي شمل الداء فمن يبري (٥) السقاما
أنتم والدهر سيف وفم لا يملآن ضرابًا وكلاما
كلما عاتبت في حظي دهري زادني العتب لجاجًا وعراما
وإذا استصحبت خلًا فكأني منه جردت على حتفي حساما
لمت أيامي على الغدر فقد زادت الإجرام حتى لا ملاما
ولزمت الصمت لا أشكوهم بعد أن أفنيت في العذل في الكلاما
دفع الله وحامى عن أنا [س] (٦) مذ رعوني لم يضيعوا لي سواما
كان دهري هرمًا قبلهم فأعادوه بما أبدوا غلاما (٧)
_________________
(١) في الأصل: يصلح.
(٢) الديوان: أذنتم.
(٣) في الأصل: فتقضى.
(٤) في الأصل: القتل؛ والظلم: ماء الأسنان.
(٥) الديوان: أنتم الداء فمن يشفي.
(٦) الديوان: رجال.
(٧) سقط هذا البيت من الديوان.
[ ٨ / ٥٥٣ ]
كفني جودهم أن أجتدي وأبى عزهم لي أن أضاما
وقال من أخرى (١):
لا عداك الغيث يا دار الوصال كل منحل العرى واهي العزالي
ومنها:
الغواني آزفات لفمي ويدي مرتبكات (٢) في حبال
كل هيفاء يميني طوقها فحمة الليل وقرطاها شمالي
وقال (٣):
أتراها يوم صدت أن أراها علمت أني من قتلى هواها
أم رمت جاهلة ألحاظها لم تميز عمدها [لي] من خطاها
سنحت بين المصلى ومنىً مسنح الظبية تستقري طلاها
وقال (٤):
ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم يتقارعون بها على الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسه حب القرى حطبًا على النيران
وقال من قصيدة أولها (٥):
دعوها ترد بعد خمس شروعا وراخوا علائقها والنسوعا
ولا تحبسوا خطمها أن تطول ال - حياض وأيديها أن تبوعا
وقولوا دعاء لها لاعقرت ولا امتد دهرك إلا ربيعا
_________________
(١) ديوان مهيار ٣: ١٣٣.
(٢) الديوان: آذنات لفمي مرتسنات.
(٣) ديوانه ٤: ١٨٩.
(٤) ديوانه ٥: ٥١.
(٥) ديوانه ٢: ٢٢٢.
[ ٨ / ٥٥٤ ]
فقد حملت ونجت أنفسًا كرائم جبن الأماني سريعا
حملن نشاوى بكأس الغرام كل غدا لأخيه رضيعا
أحبوا فرادى ولكنهم على صيحة البين ماتوا جميعا
حموا راحة النوم أجفانهم وشدوا على الزفرات الضلوعا
وبانوا بأيديهم يسندون فوق الرحال جنوبًا وقوعا
وفي الركب إن وصلوا لاحقين عقائل بشفين تلك الصدوعا
من الراقصات بحب القلوب حتى يصير الحليم الخليعا
قصائد لم يصطفين (١) المياه ولم يحترشن اليرابيع جوعا
إذا الحسب اعتز من خندفٍ مسحن ذوائبةً والفروعا / [١٥٨]
خرقن نقوبًا لنا في السجوف جعلن العيون عليها رقوعا
فقمت أناشدهن العهود لو يستطعن الكلام الرجيعا
قوله: " خرقن نقوبًا - " البيت، اهتدمه من قول العتبي (٢):
وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي بدرن فرقعن الكوى بالمحاجر
وأخذ هذا المعنى أبو الشبل (٣) من شعراء الدولة العباسية فقال (٤):
رأين الشيب قد ألب - سني أبهمة الكهل
فأعرضن وقد كن إذا قيل أبو الشبل
_________________
(١) في الديوان: يصطبغن، وهو خطأ؛ واصطفان المياه: اقتسامها لشح في الماء.
(٢) هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو، شاعر بصري راوية ينسب إلى جده عتبة بن أبي سفيان، وتوفي سنة ٢٢٨ (انظر ابن خلكان ٤: ٣٩٨ وفي الحاشية مصادر ترجمته) والبيت ورد عند ابن خلكان ٤: ٣٩٩ ومعجم المرزباني: ٣٥٧ والأغاني ١٤: ١٩٢.
(٣) أبو الشبل عاصم (أو عصيم) بن وهب له ترجمة في طبقات ابن المعتز: ٣٨٠ والأغاني ١٤: ١٨٤ وكان حبًا في أيام المتوكل، وكان كثير الغزل ماجنًا.
(٤) الأبيات في الأغاني ١٤: ١٩١.
[ ٨ / ٥٥٥ ]
تساعين فرفعن ال - كوى بالأعين النجل
ومن أناشيد المبرد (١):
سددن خصاص البيت حين دخلته بكل [لبانٍ] واضحٍ وجبين
وقال كهيار (٢):
لعلهم لو وقفوا أبل هذا المدنف
يا قلب هل أنت معي (٣) أم معهم منصرف
يا حادي الآظغان أر - ود (٤)، بعض م تعتسف
فإن [فيما] بينها (٥) أفئدة تختطف
على النقا المطلول من - ها غصن مهفهف
إيهٍ على ريحانه لو كان مما يقطف
فلا برا وجدي بهم ولا أفاق الشغف (٦)
وقال من أخرى (٧):
مشتبه أعرفه وإنما مغالطًا قلت لصحبي: دار من
يا صاحبي عونًا وإن أيأسني من جلدي (٨) قولي لخوار: أعن
قف باكيًا فيها فإن كنت أخي مؤانسًا (٩) فبكها عنك وعن
يا زمنًا مر كما اقترحته بالنعف إن عاد الصبا فعد إذن
_________________
(١) الكامل ٢: ٢٨٤ وروايته: سددن خصاص الخيم لما دخلته.
(٢) ديوان مهيار ٢: ٢٨١.
(٣) الديوان: هل أنت يا قلب معي.
(٤) أرود: تمهل، وفي الأصل أزور.
(٥) الديوان: فإن بين سوقها.
(٦) لم يرد هذا البيت في الديوان.
(٧) ديوان مهيار ٤: ٤٧.
(٨) الديوان: وإن اشفني مع جلدي.
(٩) الديوان: أخا مؤاسيًا.
[ ٨ / ٥٥٦ ]
وحاملي على السرور حامل في كفه وطرفه سيف الفتن
قد كتب الهجر على عارضه ما أقبح الهجران بالوجه الحسن
يدير مما اختار عسجدية ما قلقلت (١) عن مثلها هامة دن
وقال يمدح الوزير ابن المغربي من قصيدة (٢):
وقفنا وأتعب لي الرقاب بسقط الغضا (٣) طلل يمثل
وفي الركب من ثعل من يدق إلا على سهمه المقتل
أوانس ماتت لهن الذحول وحلم فيهن من يجهل (٤)
محسدة العين شهل اللحاظ بصبغها ميلها الأكحل
مهاوي قلائدها إن هوين بطاء على غرر تنزل
أحقًا تقنصني بالحجاز في شكتي رشًا أعزل
عددت سني لها والبياض لدعواي في عدها مبطل
وأقبلت أستشهد الأربعين لو أن شهادتها تقبل
وقالوا رداء جميل عليك ألا ربما كره الأجمل
وما الشيب أول مكروهةٍ بمحبوبة أنا مستبدل
تمرن جنبي بحمل الزمان فكل ثقيلاته أحمل
يرد يدي عن منال امنى وكفي من باعه أطول
وتعقل ناشط عزمي الهموم والماء يحبسه الجدول
وما الحظ في أدبٍ مفصح ومن دونه نشب مجبل
يروم الفتى رتبة وهو [حيث] يجعله مأله يجعل
_________________
(١) الديوان: قطعت.
(٢) ديوان مهيار ٣: ١٢٥.
(٣) الديوان: اللوى.
(٤) سقط هذا البيت من الديوان.
[ ٨ / ٥٥٧ ]
تشرف بحظ فإن الحظوظ حلى كل [ذي] نسبٍ يعطل (١)
وواف المواسم ضخم العياب تكن لك قولتك الفيصل
حمى الله للمجد نفسًا بغير سلامتها المجد لا يحفل
وحيا على ظلمات الخطوب وجهًا هو البدر أو أكمل
وتقبل بالرزق قبل السؤال أسرته حين تستقبل
ومنها:
تخطى بلا قدمٍ تستزل وخط بلا قلم يخجل
من القوم تنجد أيمانهم إذا استصرخ البلد الممحل
لهم غرر أزدشيرية تضيء وستر الدجى مسبل
ويومٍ تواكل فيه العيون عمائهم فرسانه القسطل
تعارض فيه الكماة الكماة فمتن يحطم أو كلكل
يطعنٍ كما] شق] (٢) جيب القميص وضربٍ كما احتسي الحنظل
ومنها:
وتحتك طرف يطيش المراح به أن يقر له المفصل
كأن الأباريق طافت عليه أو مس أعطافه أفكل
شجاه عغناء الظبا في الطلى فمن طربٍ كلما يصهل
إذا فات سعيك [شأ] والرياح فمن أين تلحقه الأرجل
يضج الندي خصامًا فإن نطقت أرم لك المحفل
ويختلف الناس حتى إذا قضيت قضى القدر المنزل
بسطت يدين يدًا تأخذ النفوس بها ويدًا تبذل
فيمناك صاعقة تتقى ويسراك بارقة تهطل
_________________
(١) هذا البيت والذي يليه لم يردا في الديوان.
(٢) زيادة بحسب المعنى، إذ البيت لم يرد في الديوان.
[ ٨ / ٥٥٨ ]
ولم تر أنواء من قبلها مواطر أسماؤها أنمل
فداك وتفعل ما لا تقول ممن يقول ولا يفعل / [١٥٩]
أعيذك بالكلمات التي بهن تعوذ من يكمل
فما يسع الجو ما قد وسعت ولا تحمل الأرض ما تحمل
ليهن الوزارة أن زوجتك على طول ما لبثت تعضل
غدت بك محصنة لا تحل لبعل سواك ولا تبذل
وتعلك إن نازعت للرجال محصنة أنها تقتل
لئن جئتها عانسًا قد أبر على سنها العدد الأطول
فمن معجزاتك أن الشباب لها عاد ماضيه يستقبل
وإن كنت آخر خطابها فإنك محبوبها الأول
فضاحك بغداد بعد الخطوب من عدلك العارض المسبل
طلعت عليها طلوع الصباح وليل ضلالاته أليل
ومنها:
فهل أنت منتشلي من نيوب دهرٍ يدمي ولا يدمل
ومن عيشة كل أعوامها وإن أخصب الناس بي ممحل
فصن بك وجهي عمن سواك فما مثل وجهي يستبذل
فكم راش مثلك مثلي فطار وإن كان مثلك لا يغفل
وقدمًا وفى لزهير وزاد من هرم واهب مجزل
فسار به الشعر فيما سمعت من مثلٍ باسمه يرسل
وحسان أمست رقاه الصعاب من آل جفنة تستنزل
تعرف ريح عطاياهم وقد جاء يحملها المرسل
وأبصر نعماءهم نازحين وباب لواحظه مقفل (١)
_________________
(١) يشير إلى أن حسان كان قد أضر في شيخوخته، ولكنه عرف ببصيرته أن جبلة بن الأبهم كان قد أرسل إليه عطاء وهدايا.
[ ٨ / ٥٥٩ ]
ملوك مضوا بالذي استعجلوا وطاب لهم ذكر (١) ما أجلوا
وما فيهم جامع ما جمعت إذا أنت حصلت أو حصلوا
رمى الشعراء عناني إليك ففت وأرساغهم تشكل
وسرهم أنهم يعملون يزعمهم وأنا أعمل
ولو أقنع الخبر بالسيف كان أحق بضرب الطلى الصيقل
ببسطك لي سال وادي فمي ولا ينني الكلم الأفضل
[فسومتها مهرة لا يعض بغير يدي شدقها مسحل] (٢)
محرمة السرج إلا عليك تشرف منك بمن تبعل
كأن عبيدًا تمطى بها ومسح أعطافها جرول
فصل في ذكر أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل
الثعالبي الخراساني (٣)
والإتيان بطرق من خبره وحميد أثره
كان أبو منصور - زقته - راعي تلعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، أسوة (٤) المؤلفين في زمانه، وإمام المصنفين بحكم قرانه، سار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب، طلوع النجم في
_________________
(١) الديوان: ذخر.
(٢) زيادة من الديوان ليتصل سياق الأبيات.
(٣) ترجمته في ابن خلكن ٣: ١٧٨ (وفيه نقل عن الذخيرة) وعير الذهبي ٣: ١٧٢ ونزهة الألباء: ٢٤٩ ودمية القصر (ط. حلب): ١٨٣ والشذرات ٣: ٢٤٦ ومعاهد التنصيص ٣: ٢٦٦ وانظر مقدمتي محققي كتابي التمثيل والمحاضرة ولطائف المعارف، ففيهما محاولة لعد كتبه، ودراسة عن الثعالبي بعنوان " الثعالبي ناقدًا وأديبًا " للأستاذ محمود عبد الله الجادر، بغداد، ١٩٧٦.
(٤) ابن خلكان: رأس.
[ ٨ / ٥٦٠ ]
الغياهب، وتواليفه أشهر مواضع، وابهر مطالع، وأكثر راوٍ لها وجامع، من أن يستوفيها عد أو صف، أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف، وقد أخرجت من نثره فصولًا أدرجها في أثناء كتبه، ومن نظمه جملًا وتفاصيل أعرب بها عن ترقرق طبعه وتدفق أدبه، تشارك الأرواح في الأجساد، وتقعد للاقتراح بالمرصاد.
من ذلك فصول من كلامه في صدر كتابه " فقه اللغة " (١):
من شرح الله صدره للإيمان اعتقد أن محمدًا ﵇ خير الرسل. والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين؛ ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر المذاهب (٢) كالينبوع للماء، والزند للنار، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على تصاريفها، إلا قوة البيان (٣) في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، اللذين هما عمدة الدين (٤)، لكفى بهما فضلًا يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصها الله تعالى به من ضروب الممادح يكل أقلام الكتبة، ويتعب أنامل الحسبة.
وفي فصل (٥):
قيض الله لها خزنة وحفظة من خواص الناس وأعيان الفضل وأنجم الأرض، فنسوا (٦) في خدمتها الشهوات، وجابوا الفلوات، ونادموا لاقتنائها الدفاتر، وسامروا القماطر، وكدوا في حصر لغاتها طباعهم، واسهروا في تقييد شورادها
_________________
(١) فقه اللغة: ١.
(٢) فقه اللغة: وسائر أنواع المناقب.
(٣) فقه اللغة: اليقين.
(٤) فقه اللغة: الإيمان.
(٥) فقه اللغة: ٣.
(٦) فقه اللغة: تركوا.
[ ٨ / ٥٦١ ]
أجفانهم، فعظمت الفائدة، وعمت المصلحة، وكلما بدأت معالمها (١) تتنكر، وعرض لها ما يشبه الفترة، رد الله تعالى لها الكرة، فأهب ريحها، ونفق سوقها، بصدر (٢) من أفراد الدهر أديب، ذي صدر رحيب، وقريحة ثاقبة، ودراية صائبة / [١٦٠] يحب الأدب، ويتعصب للعرب (٣)، فيجمع شملها، ويكرم أهلها، ويستدعي التأليفات البارعة في تجديد ما عفا من رسوم طرائفها ولطائفها، مثل الأمير السيد الأوحد أبي الفضل [الميكالي]:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل
وما عسيت أن أقول في من جمع طرائف (٤) المحاسن، واستوى على غايات المناقب، فإن ذكر كرم المنصب، وشرف المنتسب، كانت شجرته الميكالية في قرارة المجد والعلاء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن وصف حسن الصورة التي هي أول السعادة، وعنوان الخير وسمة السيادة، كان وجهه المقبول الصبيح، ما يستنطق الأفواه بالتسبيح، لا سيما إذا ترقرق ماء البشر في غرته، وتفتق نور الشرف بين أسرته، وإن مدح حسن الخلق فله أخلاق خلقن من الكرم المحض، وشيم تشام منها بارقة المجد، فلو مزج بها البحر لعذب طعمه، ولو استعارها الزمان لما جار على حر حكمه، وإن حدث عن التواضع كان أولى بقول البحتري (٥) ممن قيل فيه:
دنوت تواضعًا وعلوت مجدًا (٦) فشأناك انحدار وارتفاع
_________________
(١) فقه اللغة: معارفها.
(٢) فقه اللغة: بفرد.
(٣) فقه اللغة: للعربية.
(٤) فقه اللغة: أطراف.
(٥) ديوان البحتري: ١٢٤٧.
(٦) الديوان: وبعدت قدرًا.
[ ٨ / ٥٦٢ ]
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ويدنو الضوء منها والشعاع
فأما سائر أدوات الفضل وآلات الخير وخصال المجد فقد قسم الله تعالى له منها ما يباري الشمس ظهورًا، ويجاري القطر وفورًا، وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها، وأخو جملتها، وأبو عذرتها، ومالك أزمتها، ولله هو إذا غرس الدر في ارض القراطيس (١)، ودرز (٢) بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامهله، فهناك الحسن برمته، والإحسان بكليته، فلو كنت بالنجوم مصدقًا لقلت: إن عطاردًا تأنق في تدبيره، وقصر عليه معظم همته، ووقف في طاعته، عند أقصى طاقته، ومن أراد أن يسمع سر النظم، وسحر الشعر (٣)، ورقية الدهر، ويرى صوب العقل، وذوب الظرف، ونتيجة الفضل، فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده، وثمرة (٤) عالي فكره، من ملح تمتزج بأجزاء النفوس لنفاستها، وتشرب بالقلوب لسلاستها:
قوافٍ إذا ما رآها المشوق هز لها الغانيات القدودا
كسون عبيدًا ثياب العبيد وأضحى لبيد لديها بليدا
وفي فصل (٥):
وأيم الله ما من يومٍ أسعفني فيه الزمان بمواجهة وجهه، وأسعدني بالاقتباس من نوره، والاغتراف من بحره، فشاهدت ثمار المجد والسؤدد تنتثر من شمائله، ورأيت فضائل أفراد الدهر عيالًا على فضائله، وقرأت نسخة الفضل والكرم (٦) من
_________________
(١) فقه اللغة: القرطاس.
(٢) فقه اللغة: وطرز.
(٣) فقه اللغة: النثر.
(٤) فقه اللغة: وأثمره.
(٥) فقه اللغة: ٤ وليس بين هذه الفقرة وما تقدم حذف.
(٦) فقه اللغة: الكرم والفضل.
[ ٨ / ٥٦٣ ]
ألحاظه، وانتهبت فرائد من ألفاظه، إلا تذكرت ما أشندنيه لابن الرومي (١):
لولا عجائب صنع الله ما نبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب
وأنشدت فيما بيني وبين نفسي قول الطائي (٢):
فلو صورت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع
وثلثت بقول كشاجم (٣):
ما كان أحوج ذا الكمال إلى نقصٍ يوقيه من العين
وربعت بقول المتنبي (٤):
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وفي فصل (٥):
فاستغرقت أربعة أشهر هناك بحضرته، وتوفرت على خدمته، وما رمت في أكثر الأوقات في الليل والنهار عالي مجلسه، وتعطرت عند ركوبه بغبار موكبه، فبالله يمينًا قد كنت غنيًا عنها لو خفت [حنثًا] فيها أني ما أنكرت طرفًا من أخلافه، ولم أشاهد إلا شرفًا ومجدًا من أحواله، وما رأيته اغتاب غائبًا، أو سب حاضرًا، أو حرم سائلًا، أو خيب آملًا، أو أطاع سلطان الغضب والحرد، أو تصلى بنار الضجر وبطش بطش المتجبر؛ وما وجدت المآثر إلا ما يتعاطاته، والمآثم إلا ما يتخطاه، فعوذته بالله تعالى من كل طرفٍ عائن، ومن كل صدرٍ خائن، هذا ولو أعارتني
_________________
(١) ديوان ابن الرومي: ١٩٦.
(٢) ديوان أبي تمام: ٣٤٠ وسرح العيون: ٣٢٤، ٣٣٠.
(٣) مر غير منسوب في الذخيرة ٢: ٦٨٠.
(٤) ديوان المتنبي: ٢٥٨ والذخيرة ٢: ٦١٨.
(٥) فقه اللغة: ٥.
[ ٨ / ٥٦٤ ]
خطباء إياد ألسنتها، وكتاب العراق أيديها، في وصف أياديه التي اتصلت عندي اتصال السعود، وانتظمت لدي انتظام العقود، فقلت في ذكرها طالبًا / [١٦١] أمد الإسهاب، وكتبت في شكرها مادًا أطناب الإطناب، لما كنت بعد الاجتهاد إلا ماثلًا في جانب القصور، متأخرًا عن الغرض المقصود، فكيف وأنا قاصر البلاغة (١)، قصير باع الكتابة، وعلى ذلك فقد صدئ فهمي لبعدي - كان - عن حضرته، وتكدر ماء خاطري لتطاول العهد بخدمته.
وفي فصل (٢):
وما عدلت بمؤلفاتي عن اسمه ورسمه، إخلالًا بما يلزمني من حق سؤدده، بل إجلالًا [له] عما لا أرضاه للمرور بسمعه ولحظه، وتحاميًا لعرض بضاعتي المزجاة على قوة نقده، وذهابًا بنفسي عن أن أهدي للشمس ضوءًا، أو أزيد في القمر نورًا، أو أكون كجالب المسك إلى أرض الترك، والعود إلى بلاد الهند، والعنبر إلى البحر الأخضر.
وفي فصل له (٣):
أن خير الكلام بعد حمد الله والصلاة على رسوله ما شغل بخدمة من جمع الله له عدة (٤) الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفاذ الحكم، وجعله مبرزًا على ملوك العصر، ومدبري الأرض وولاة الأمر، بخصائص من العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلها بالعبارات، ومحاسن سير تحرسها أسنة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالي
_________________
(١) فقه اللغة: قاصر سعي البلاغة.
(٢) فقه اللغة: ٧.
(٣) التمثيل والمحاضرة: ٤.
(٤) التمثيل: عزة.
[ ٨ / ٥٦٥ ]
والأيام، وهذه صفة تغني عن تسمية الموصوف لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها، ويعلم سامعها ببديهة السماع أنها للأمير شمس المعالي خالصة، وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نافرة، إذ هو بمعاينة الآثار، وشهادة (١) الأخبار، واجتماع الأولياء، وإصفاق الأعداء، كافل المجد، وكافي الخلق، وواحد الدهر، وغرة الدنيا، ومفزع الورى، وجنة (٢) العالم، ونكتة الفلك الدائر، فبلغه الله تعالى أقصى نهاية العمر، كما بلغه أبعد غاية الفخر، ومكله أزمة الأرض، كما ملكه أعنة الفضل، وأدام حسن النظر للعباد والبلاد بإدامة أيامه التي هي أعياد الدهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسعد، وزاد دولته شبابًا ونموًا، كما زاده في السن علوًا، حتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر قرى سمعه، والمسار غذاء نفسه، ويترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل ولا يقطعه أجل.
وفي فصل (٣):
هذا الكتاب أخرجت بعضه من غرر نجوم الأرض، ونكت أعيان الفضل من بلغاء العصر في النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر الذين أوردت ملح أشعارهم في كتابي المترجم ب - " يتيمة الدهر "، فلفقت جميع ذلك ونسقته، وجردته وسقته، وأنفقت عليه ما رزقته، وعملته بكد الناظر، وجهد الخاطر، وتعب اليمين، وعرق الجبين، وتعمدت فيه لذة الجدة، ورونق الحداثة، وحلاوة الطراوة، ولم شبه بشيء سوى (٤) كلام أهل العصر إلا في قلائل وقلائد من ألفاظ [الجاحظ] وابن المعتز، تخللت أثناءه، وتوسطت تضاعيفه، ولن أخل كلماته التي هي وسائط الآداب (٥)،
_________________
(١) ص: ومشاهدة.
(٢) التمثيل: وحسنة.
(٣) سحر البلاغة: ٥.
(٤) في الأصل: من.
(٥) في الأصل: الألباب.
[ ٨ / ٥٦٦ ]
وصياقل الألباب، وما تشتهي أنفس الأدباء وتلذ أعين الكتاب، من لفظٍ فصيح، أو معنى صريح (١)، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة أو طباق، على ذي رونق باق، فمن مرافق هذا الكتاب قرب متناوله من الكتاب، إذا وشوا ديباج كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا رصعوا عقود نظامهم مما يلتقطونه من شذوره، فأما المخاطبات والمحاورات فإنها تتبرج بغرةٍ من غرره، وتتوج بدرةٍ من درره.
وفي فصل (٢):
وقد كانت تجري في مجلسه العالي نكت من أقاويل أئمة الأدب في أسرار اللغة وجوامعها، ولطائفها وخصائصها، مما لم ينتهوا إلى جمع شملها، ولا توصلوا إلى نظمها، وإنما اتجهت لهم في أثناء التأليفات، وتصاعيف التصنيفات، لمع يسيرة كالتوقيعات، وفقر خفية كالإشارات، فيلوح لي - أدام الله عزه - بالبحث على أمثالها، وتحصيل أخواتها، وما ينخرط في سلكها، وأنا ألوذ بأكناف المحاجزة، وأحوم حول المدافعة، وأرعى روض المماطلة، لا تهاونًا بأمره الذي أراه كالمكتوبات، ولا أميزه عن المفروضات، ولكن تفاديًا من قصور سهمي عن هدف إرادته، وانحرافًا عن الثقة بنفسي في عمل / [١٦٢] ما يصلح لخدمته، إلى أن اتفقت لي في بعض الأيام التي هي أعياد دهري، وأعيان عمري، مواكبة القمرين بمسايرة ركابه، ومواصلة السعدين بصلة جنابه (٣) في متوجهه إلى فيروزباد، ومنها إلى حداد (٤)، بعض قراه من الشامات، عمرها الله بدوام عمره، فلما:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح (٥)
_________________
(١) سحر البلاغة: أو معنى بديع.
(٢) فقه اللغة: ٧.
(٣) في الأصل: جناحه.
(٤) فقه اللغة: خداي زاد.
(٥) الشعر والشعراء: ١٣ وفي تخريج البيت انظر السمط: ٧٧ (الملحق) وديوان كثير: ٥٢٥.
[ ٨ / ٥٦٧ ]
وعدنا إلى العادة عند الالتقاء في تجاذب أهداب الآداب، وفتق نوافج الأخبار والأشعار، أفضت بنا شجون الحديث إلى هذا الكتاب، فقال لي - صدق الله قوله، ولا أعدم الدنيا طوله -: إنك إن أخذت فيه أجدت وأحسنت، وليس إلا أنت، فقلت: سمعًا سمعًا، ولم أستجز لأمره دفعًا؛ فأقام لي في التأليف معالم أقف عندها، وأقفو حدها، وأهاب [بي] إلى ما اتخذته قبلة أصلي إليها، وقاعدةً أبني عليها: من التمثيل والتنزيل والتفصيل والتقريب والتقسيم والترتيب، وانتجعت من الأئمة الخليل والأصمعي وأبا عمرو والكسائي وأبا عبيد وأبا زيد، ومن سواهم من شيوخ العلماء، وظرفاء الأدباء، الذين جمعوا فصاحة البلغاء إلى إتقان العلماء، ووعورة اللغة إلى سهولة البلاغة، وأقتبس (١) من أنوارهم:
وأجتني من ثمار قومٍ قد أقفرت منهم البقاع
ومن كلامه في صدر كتاب اليتيمة
لما كان الشعر عمدة الأدب، وعلم العرب الذي اختصت به على سائر الأمم، وبلسانهم جاء كتاب الله المنزل، على النبي منهم المرسل، ﵇ الأجزل، كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين، وأشعار المحدثين [ألطف من أشعار المتقدمين] ثم كانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن، وأنظم للطائف البديع من أشعار سائر المذكورين، لانتهائها إلى أبعد غايات الحسن، وبلوغها أقصى نهاية الجودة والظرف، تكاد تخرج من باب الإيجاز (٢) إلى الاعجاز، ومن حد الشعر إلى السحر، وكأن الزمان ادخر لنا من نتائج خواطرهم، وثمرات قرائحهم، وأبكار أفهامهم، أتم الألفاظ والمعاني استيفاءً لأقسام البراعة وأوفرها [نصيبًا] من كمال الصنعة ورونق الطراوة.
_________________
(١) فقه اللغة: واجتني.
(٢) اليتيمة: الإعجاب.
[ ٨ / ٥٦٨ ]
ولذاك ما ساد النبي محمد كل الأنام وكان آخر مرسل
وقد سبق مؤلفو الكتب إلى ترتيب المتقدمين والمتأخرين، فكم من كتابٍ فاخرٍ عملوه، وعقدٍ باهرٍ نظموه، لا يشينه إلا نبو العين عن إخلاق جدته، وبلى بردته، [ومج] السمع لمردداته، وملالة القلب لمكرراته، وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة، ولذة الجدة، وحلاوة قرب العهد، وازدياد الجودة على كثرة النقد، غير محصورة في كتاب يضم نشرها، ويشد أزرها.
وقد كنت تصديت لعمل ذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، والعمر بإقباله، والشباب بمائه، فافتتحته باسم بعض الوزراء، مجريًا إياه مجرى ما يتقرب به أهل الأدب، إلى ذوي الأخطار والرتب، ومقيمًا ثمار الورق مقام نثار الورق، وكتبته في مدة تقصر عن إعطاء الكتاب حقه، ولا تتسع لتوفيته شرطه، وارتفع كعجالة الراكب، وقضيت به حاجة في نفسي وأنا لا أحسب المستعرين يتعاورونه، والمستحسنين (١) يتداولونه، وحين أعرته بعض بصري، وأعدت فيه نظري، تبينت مصداق ما قرأته في بعض الكتب: " إن أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتابًا فيبيت عنده ليلةً إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه " هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدة -! ورأيتني أحاضر بأخوات كثيرة ومادات غزيرة حصلت إليّ بعد، فقلت: إذا كان هذا الكتاب له موقع من نفوس الأدباء، ومحل من قلوب الفضلاء، فلم لا أبلغ فيه المبلغ الذي يراد، ويستوجب من الاعتداد (٢) - ولم لا أبسط فيه عنان الكلام، وأرمي في الإشباع والإتمام [هدف] المرام - فجعلت أثبته وأمحوه، وأفتتحه فلا أختمه، وأنتصفه فلا أتمه، والأيام تعجز، وتعد ولا تنجز، إلى أن أدركت عصر الصن والحنكة، فاختلست لمعة من ظلم الدهر،
_________________
(١) اليتيمة: والمنتسخين.
(٢) اليتيمة: المبلغ الذي يستحق حسن الأحماد، ويستوجب من الاعتداد أوفر الأعداد.
[ ٨ / ٥٦٩ ]
وانتهزت رقدةً من عين الزمان، واغتنمت نبوةً من أنياب لنوائب، واستمررت في تقرير هذه النسخة الأخيرة، وتحريرها من بين النسخ الكثيرة، فهذه تجمع من بدائع أعيان الفضل، ونجوم الأرض، من أهل العصر / [١٦٣] ما لم تأخذ الكتب العتيقة غرره، ولم تقتض عذره، ولم ينقض قدم العهد زبره.
والشرط في هذه النسخة إيراد لب اللباب، وحبة القلب، وناظر العين، ونكتة الكلمة، وواسطة العقد، ونقش الفص، فإن أخرت متقدمًا وقدمت متأخرًا فعذري فيه أن العرب قد تبدأ بذكر الشيء والمقدم غيره، قال تعالى (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (التغابن: ٢) وقال حسان بن ثابت، وذكر بني هاشم (١):
بها ليل منهم جعفر وابن أمه علي ومنهم أحمد المتخير
وقال الصلتان العبدي:
فملتنا أننا مسلمون على دين صدّيقنا والنبي
وفي فصل منه (٢):
كان الخوارزمي في ريعان عمره، وعنفوان شبابه (٣) قد دوخ بلاد الشام، وحصل في حضرة سيف الدولة بحلب، مجمع الرواة وأهل الأدب، ومطرح الغرباء والفضلاء، فأقام بها مع أئمة الأدباء بين علم يدرسه، وأدبٍ يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، وانقلب عنها أحد أفراد الدهر، وأمراء النظم والنثر، وكان يقول: ما فتق طبعي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي، إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية،
_________________
(١) ديوان حسان ١: ٩٩ (وفيه التخريج) .
(٢) اليتيمة ١: ٢٦.
(٣) اليتيمة: وعنفوان أمره.
[ ٨ / ٥٧٠ ]
التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي، وغصن الشباب رطيب، وبرد (١) الحداثة قشيب.
وفي فصل (٢):
كان بنو حمدان ملوكًا أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وايديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، غرة الزمان والعصور، ومن به سداد الثغور، وسداد الأمور، وكانت وقائعه في عصاة العرب تكف بأسها وتفل أنيابها، وتذل صعابها، وتكفي الرعية سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم النار، وتحسم شرهم المنار، وتحسن في الإسلام الآثار، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وقبلة الشعراء، ويقال إنه لم يجتمع بباب أحدٍ من الملوك - بعد الخلفاء - ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر، والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها؛ وكان أديبًا شاعرًا محبًا لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به، فلو أدرك ابن الرومي زمانه ما احتاج أن يقول:
ذهب الذين يهزهم مداحهم هز الكماة عوالي المران
كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم فالاريحية منهم بمكان
وفي فصل (٣):
كان أبو فراس فرد دهره، وشمس عصره، أدبًا وفضلًا، وكرمًا ومجدًا، وبلاغةً وبراعة، وفروسيةً وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع وسمةً الظرف وعزة الملك، لم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر ابن المعتز؛ وأبو فراس بعد أشعر
_________________
(١) اليتيمة: ورداء.
(٢) اليتيمة ١: ٢٧.
(٣) اليتيمة ١: ٤٨.
[ ٨ / ٥٧١ ]
منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام، وكان الصاحب يقول: بدئ الشعر بملك - يعني امرأ القيس - وختم بملك - يعني أبا فراس -.
وأطلت (١) عنان الاختيار في محاسن كل شيء حسن (٢) لا سيما رومياته التي رمى بها هدف الإحسان، وأصاب شاكلة الصواب. ولما خرج نير (٣) الفضل من سراره، وأطلق أسد الحرب من إساره، لم تطل أيام فرحته، ولم تسمح النوائب بالتجافي عن مهجته، ودلت قصيدة قرأتها للصابي في تأبينه على أنه قتل في وقعة كانت بينه وبين بعض موالي أسرته؛ وما أحسن وأصدق قول أبي الطيب (٤):
فلا تنلك الليالي إن أيديها إذا ضربن كسرن النبع بالغرب
ولا يعن عدوًا أنت قاهره فإنهن يصدن الصقر بالخرب
وفي فصل (٥):
كان المتنبي نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر، في صناعة الشعر؛ شاعر سيف الدولة الذي جذب بضبعه، ورفع من قدره، ونفق من سعر شعره، وألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال (٦):
وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مسامرًا وغنى به من لا يغني مغردا /
_________________
(١) اليتيمة ١: ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) اليتيمة: من محاسن شعر أبي فراس، وما محاسن شيء كله حسن.
(٣) اليتيمة: قمر.
(٤) ديوان المتنبي: ٤٢٦.
(٥) اليتيمة ١: ١٢٦.
(٦) ديوان المتنبي: ٣٦١.
[ ٨ / ٥٧٢ ]
وقد (١) ألفت الكتب في تفسيره وجلاء (٢) مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه، وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرقوا في مدحه وذمه، والقدح فيه والتعصب له وعليه، وذلك أدل دليلٍ على وفور فضله، وتقدم قدمه، وتفرده على أهل زمانه، بملك رقاب القوافي ورق المعاني، والكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته.
واتخذ (٣) الليل جملًا وفارق بغداد متوجهًا إلى ابن العميد، ومراغمًا للمهلبي، فورد أرجان فطمع الصاحب في زيارته بأصبهان، وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب وحاله حويلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، فلم يقم له المتنبي وزنًا، ولا أجابه عن كتابه، وقصد عضد الدولة، فأسفرت سفرته عن بلوغ الأمنية، وورد مشرع المنية، واتخذه الصاحب غرضًا يرشقه بسهام الوقيعة، ويتتبع سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بمحاسنه، وأكثرهم استعمالًا إياها في مخاطباته.
وخطأ (٤) المتنبي في اللفظ والمعنى كثير، ويتبع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، ويفتتح (٥) بذلك شعره، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة ويجمع بين البديع النادر والضعيف الساقط، فبينا هو يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسج أنفس وشي، ويختال في حديقة ورد، إذا به قد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعار وتعويض اللفظ وتعقيد المعنى، فمحا تلك المحاسن وكدر صفاءها وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، فمن متمثل بقول الشاعر:
_________________
(١) اليتيمة ١: ١٢٧.
(٢) اليتيمة: وحل.
(٣) اليتيمة ١: ١٣٨.
(٤) اليتيمة ١: ١٦٣.
(٥) كذا في الأصل، وليست العبارة في اليتيمة، ولعل الصواب " ويقبح ".
[ ٨ / ٥٧٣ ]
أنت العروس لها جمال رائع لكنها في كل يومٍ تصرع
ومن مشبه إياه بمن تقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضرٍ وشرابٍ عكر، أو من يتبخر بالند المعشب المثلث المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب ثم يرنقه (١) بإرسال الريح الخبيثة، أو بالواحد في عقلاء المجانين ممن ينطق نوادر الكلام وطرائف الحكم ثم يعتريه سكر الجنون.
وفي فصل (٢):
أبو الفرج الببغا: نجم الآفاق، وشمامة الشام والعراق، وظرف الظرف، وينبوع اللطف، أحد أفراد الدهر، في النظم والنثر، ولقب بذلك للثغة [فيه] .
وكان نظيف اللبسة، بهي الركبة، مليح اللثغة، ظريف الجملة، وأخذت الأيام من جسمه وقوته، ولم تأخذ من ظرفه وملحه وأدبه؛ ووردني كتابه سنة إحدى وتسعين مشتملًا من النظم والنثر على ما أبدت (٣) به حال من بلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنية الوداع، ولست [أدري] بعد ما فعل الدهر به، وأغلب ظني أنه [الحق] باللطيف الخبير.
وفي فصل (٤):
أبو الفرج الوأواء: من حسنات الشام، وصاغة الكلام، ومن عجيب شأنه أنه كان بدار بطيخ دمشق ينادي على الفواكه، وما زال يشعر حتى جاد شعره وسار كلامه ووقع ما يروق، ويشوق ويفوق، حتى تعلق بالعيوق.
_________________
(١) في الأصل: يوبقه.
(٢) اليتيمة ١: ٢٥٢.
(٣) اليتيمة: أثرت.
(٤) اليتيمة ١: ٢٨٨.
[ ٨ / ٥٧٤ ]
وفي فصل (١):
أبو محمد الواساني: أعجوبة الزمان ونادرته، وفرد عصره وباقعته، وهو أحد المجيدين في الهجاء، وكان في زامنه، كابن الرومي في أوانه.
وفي فصل (٢):
أبو محمد بن وكيع: شاعر بديع (٣)، وعالم جامع، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه، وله كل بديعةٍ تسحر الأوهام، وتستعبد الأفهام.
وفي فصل (٤):
السري الرفاء: وما أدراك ما السري - صاحب سر الشعر، الجامع بين [نظم] عقود الدر، والنفث في عقد السحر، ولله دره، ما أعذب بحره، وأعجب أمره!! وقد أخرجت من شعره ما يكتب على جبهة الدهر، ويعلق في كعبة الظرف (٥)، وكتبت منه محاسن وملحًا، وبدائع وطرفًا، كأنها أطواق الحمام، وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس، وسوالف الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح.
وفي فصل (٦):
عضد الدولة: [كان] على ما مكن له في الأرض، وجعل إليه من أزمة البسط والقبض، وخص به من رفعة الشان، وأوتي من سعة السلطان، يتفرغ للأدب،
_________________
(١) اليتيمة ١: ٣٥١.
(٢) اليتيمة ١: ٣٧٢.
(٣) اليتيمة: بارع.
(٤) اليتيمة ٢: ١١٧.
(٥) اليتيمة: الفكر.
(٦) اليتيمة ٢: ٢١٦.
[ ٨ / ٥٧٥ ]
ويتشاغل بالكتب / [١٦٥] ويؤثر مجالسة الأدباء، على منادمة الأمراء، ويقول شعرًا كثيرًا يخرج منه ما هو من شطر الكتاب من الملح والنكت، وما أدري كم فصل رائعٍ قرأته للصاحب في وصف شعره، وطلب أمد الإبداع في مدحه.
وفي فصل (١):
الصابي: أوحد العراق في البلاغة، ومن تثنى الخناصر به في الكتابة، وتتفق له الشهادات ببلوغ الغاية من البراعة في الصناعة، وكان خنق التسعين في خدمة الخلفاء، وخلافة الوزراء، وتقلد الأعمال الجلائل، مع ديوان الرسائل، وحلب الدهر أشطره، وذاق حلوه ومره، ولابس خيره ولامس شره، ورئس ورأس، وخُدم وخدم، ومدحه شعراء العراق في جملة الرؤساء، وسار ذكره في الآفاق، ودون له الكلام البهي النقي العلوي ما تتناثر درره، وتتكاثر غرره، وأرادوه الملوك على الإسلام، وأداروه بكل حيلة وتمنيةٍ جليلة، فلم يهده الله للإسلام، كما هداه لمحاسن الكلام، وكان يعاشر المسلمين أحسن عشرة، ويخدم الأكابر أرفع خدمة، ويساعدهم على صيام شهر رمضان، ويحفظ القرآن حفظًا يدور على طرف لسانه وسن قلمه.
وفي فصل (٢):
عبد العزيز بن يوسف: أحد صدور المشرق، وفرسان المنطق، وأفراد الكلم، وأعيان الممدحين المقدمين في الأدب والكتابة والبراعة والكفاية وجميع أدوات الرياسة. ونثره يعرب عن أدب فضفاض، وخاطر بالإجادة والإحسان فياض.
وفي فصل (٣):
القاضي التنوخي: من أعيان الأدب والعلم، وأفراد الكرم وحسن الشيم، وإن أردت فسبحة ناسك، وإن أحببت فتفاحة فاتك، أو اقترحت فمدرعة راهب،
_________________
(١) اليتيمة٢: ٢٤٢.
(٢) اليتيمة ٢: ٣١٣.
(٣) اليتيمة ٢: ٣٣٦.
[ ٨ / ٥٧٦ ]
أو أشرت (١) فنخبة شارب، ريحانة الندماء، ونارنج الظرفاء، ويعاشرون منه من تطيب عشرته، وتلين قشرته، وتكرم أخلاقه، وتحسن أخباره، وتسير أشعاره، حتى نظمت حاشيتي البر والبحر، وناحيتي الشرق والغرب، وكان له غلام يسمى نسيمًا في نهاية الملاحة واللباقة، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويختصه بتقريبه واستخدامه فكتب إليه بعض من يأنس به (٢):
هل علي لامه مدغم لاضطرار الشعر في ميم نسيم
فوقع تحته: نعم، ولم لا -
وفي فصل (٣):
أبو علي ابنه: هلال ذلك القمر، وغصن ذلك الشجر، والشاهد العدل لمجد أبيه وفضله، والفرع المشير لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته، وله كتاب " الفرج بعد الشدة " وناهيك بحسنه، وامتناع فنه، وما جرى فيه من الفأله بيمنه، لا جرم أنه أسير من الأمثال، وأسرى من الخيال.
وفي فصل (٤):
ابن لنكك: فرد البصرة وصدر أدبائها، وفرد ظرفائها في زمانه، المرجوع إليه في لطائف الأدب وطرائفه، وكانت حرفة الأدب تمسه وتجمشه، ومحنة الفضل تدركه فتخدشه، ونفسه ترفعه، ودهره يضعه؛ وأكثر شعره ملح وطرف، خفيفة الأرواح، تأخذ من القلوب بمجامعها، وتقع من النفوس أحسن مواقعها، وجلها في شكوى الزمان وأهله، وهجاء شعراء عصره، ويشبه شعره في الملاحة وقلة مجاوزة البيتين والثلاثة شعر ابن فارس، واقدر أنه بالجبال كهو بالعراق، وكان يقال: إذا رمى منصور الفقه برجومه قتل، وكذلك ابن لنكك إذا قال البيت والبيتين أغرب بما جلب وأبدع بما يصنع، فأما إذا قصد فقلما ينجح ويفلح.
_________________
(١) اليتيمة: آثرت.
(٢) ورد في الذخيرة القسم الثاني: ١٣٣.
(٣) اليتيمة ٢: ٣٤٦.
(٤) اليتيمة ٢: ٣٤٨.
[ ٨ / ٥٧٧ ]
وفي فصل (١):
ابن نباتة: من فحول الشعراء في عصره وآحادهم، وصدور مجيديهم وأفرادهم، الذين أخذوا برقاب القوافي وخوارق (٢) المعاني، وشعره مع قرب لطفه بعيد المرام مستمر النظام، يشتمل من حر الكلام على غرر كقطع الروض غب القطر، وفقر كالغنى بعد الفقر، وبدائع أحسن من مطالع الأنوار، وعهد الشباب، في أرق من نسيم الأسحار وشكوى الأحباب.
وفي فصل (٣):
السلامي: من أشعر أهل العراق قولًا بالإطلاق، وشهادةً باستحقاق، وعلى ما أجريت من ذكره، شاهد عدل من شعره، الذي كتبت من محاسنه نزهة العيون ورقى القلوب وسر النفوس، ولم يزل بحضرة الصاحب بين خير مستفيض، وجاهٍ عريض، ونعم بيض، إلى أن آثر قصد حضرة عضد الدولة بشيراز، فجهزه الصاحب إليه وزوده كتابًا بخطه إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف قال فيه: " باعة الشعر أكثر من عدد الشعر، ومن يوثق أن حليته التي يؤديها من نسج فكره أقل من ذلك؛ وممن خبرته بالامتحان فأحمدته، وفررته بالإحسان واخترته (٤)، أبو الحسن السلامي، وله بديهة قوية، توفي على الروية، ومذهب / [١٦٦] في الإجادة يهش السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه، وقد امتطى أمله - وخير له - إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله، ويظهر معه بياض حاله، فجهزت منه أمير الشعر في موكبه (٥)، وحليت فرس (٦) البلاغة
_________________
(١) اليتيمة ٢: ٣٨٠.
(٢) اليتيمة: وملكوا رق.
(٣) اليتيمة ٢: ٣٩٦، ٤٠١.
(٤) في الأصل: واختبرته.
(٥) في الأصل: مركبه.
(٦) في الأصل: فارس.
[ ٨ / ٥٧٨ ]
بمركبه، وكتابي هذا رائده هذا القطر، بل مشرعه إلى البحر ".
فاشتمل عليه جناح القبول، ودفع إليه مفتاح المأمول، واختص بخدمة عضد الدولة في مقامه وظعنه إلى العراق، وتوفر حظه من صلاته وخلعه، واللها تفتح اللهى، وكان عضد الدولة يقول: " إذا رأيت السلامي في مجلس ظننت أن عطارد قد نزل من الفلك إليّ، ووقف بين يدي ".
وفي فصل (١):
ابن سكرة الهاشمي: شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول الطرف والملح، وأحد (٢) الفحول والأفراد، جارٍ في ميدان المجون والسخف ما أراد.
وفي فصل (٣):
ابن الحجاج: وإن كان في أكثر شعره لم يستتر من العقل بسجف، ولا بنى جل قوله إلا على سخف، فإنه من سحرة الشعر، وعجائب العصر، وفرد زمانه في فنه الذي شهر به، لم يسبق إلى طريقته، ولا لجق شأوه في نمطه، ولم ير كاقتداره على ما يريده من المعاني التي تقع في طرزه، مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها وانتظامها في سلك الملاحة، وإن كانت مفصحة عن السخافة، مشوبةً بلغات المكدين وأهل الشطارة، ولولا أن جد الأدب وهزله جد لصنت كتابي عن الكثير من كلام من يمد يد المجون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع به قفا العقل.
وفي فصل (٤):
القاضي ابن معروف: شجرة فضلٍ عودها أدب وأغصانها علم وثمرتها عقل وعروقها شرف، تسقيها سماء الحرية، وتغذيها أرض المروة.
_________________
(١) اليتيمة ٣: ٣.
(٢) في الأصل: وصدور.
(٣) اليتيمة ٣: ٣١.
(٤) اليتيمة ٣: ١١٢.
[ ٨ / ٥٧٩ ]
وفي فصل (١):
أبو الفرج الأصبهاني الأصل، البغدادي المنشأ: كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء.
وفي فصل (٢):
الشريف أبو الحسن الموسوي: [يتحلى مع محتده الشريف] ومفخره المنيف بأدبٍ ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر، ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وقد شهد بما أجريت من ذكره، شاهد عدل من شعره العالي القدح، الممتنع عن القدح، يجمع إلى السلاسة تانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معانٍ يقرب جناها، ويبعد مداها.
وفي فصل (٣):
الصاحب بن عباد: ليس تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بغايات المحاسن والشيم، وجمعه أشتات المفاخر، لأن قولي ينخفض عن أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي، يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه، ولكني أقول: كانت همته في مجدٍ يشيده، وإنعام يجدده، وفاضل يصطنعه، وكلامٍ حسنٍ يسمعه أو يصنعه، ولما كان نادرة عطارد في البلاغة، وواسطة عقد الدهر في السماحة، جلب إليه من الآفاق وأقاصي البلاد كل خطاب جزل، وقولٍ فصل، وصارت حضرته مشرعًا لروائع الكلام، وبدائع الأفهام، ومجلسه مجمعًا لصوب العقول وذوب العلوم (٤) ونثار الخواطر ودرر القرائح، فبلغ من البلاغة ما يعد في السحر ويكاد يدخل في حد الإعجاز، وسار
_________________
(١) اليتيمة ٣: ١١٤.
(٢) اليتيمة ٣: ١٣٦.
(٣) اليتيمة ٣: ١٩٢.
(٤) في الأصل: العقول.
[ ٨ / ٥٨٠ ]
كلامه مسير الشمس، [واحتف] به من نجوم الأرض وأفراد العصر وأبناء الفضل وفرسان الشعر ما يربي عددهم على شعراء الرشيد ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب المعاني وملك رق القوافي، فإنه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء ما اجتمع بباب الرشيد من فحولة الشعراء.
وفي فصل (١):
أبو دلف الخزرجي: شاعر كثير الملح والطرف، مشحوذ المدية في الكدية، حنق التسعين في الاضطراب والاغتراب، وركوب الأسفار الصعاب، وضرب صفحة المحراب (٢) بالجراب، وخدمة العلوم والآداب.
وفي فصل (٣):
القاضي الجرجاني: فرد الزمان ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وينظم عقد الإتقان والإحسان في كل ما يتعاطاه.
وهذه أيضًا جملة من شعره
زاره الأمير أبو الفضل الميكالي فكتب إليه (٤):
لا زال مجدك للسماك رسيلا وعلو جدك بالخلود كفيلا
يا غرة الزمن البهيم إذا غدا هذا الورى (٥) لزمانه تحجيلا / [١٦٧]
يا زائرًا مدت سحائب طوله ظلًا علي من الجمال ظليلا
وأتت بصوب جواهر من لفظه حتى انتظمن لمفرقي إكليلا
_________________
(١) اليتيمة ٣: ٣٥٦.
(٢) في الأصل: الحراب.
(٣) اليتيمة ٤: ٣.
(٤) اليتيمة: ودرة. ٥ زهر الآداب: ٣١٢.
(٥) زهر: أهل العلا.
[ ٨ / ٥٨١ ]
بابني وغير أبي هلال نوره يستعمل التسبيح والتهليلا
نقشت حوافر طرفه في عرصتي نقشًا محوت رسومه تقبيلا
ولو استطعت فرشت مسقط خطوه بجفون عينٍ (١) لا ترى التكحيلا
ونثرت روحي بعدما ملكت يدي وخررت بين يدي هواه قتيلا
وقال فيه (٢):
لك في المفاخر معجزات جمة أبدًا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران: بحر في البلاغة شابه شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو كالوشي في بردٍ عليه موشع
شكرًا فكم من فقرةٍ لك كالغنى وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتق نور شعرك ناضرًا فالحسن بين مرصع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف - راس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعًا تزري بآثار الربيع الممرع
وله إليه جوابًا عن كتاب ورد عليه (٣):
أنسيم الرياض حول الغدير مازجته ريا الحبيب الأثير
أم ورود البشير بالنجح من ف - ك أسيرٍ أم يسر أمر عسير
في ملاء من الشباب جديدٍ تحت أيكٍ من التصابي نضير
أم كتاب الأمير سيدنا الفر - د فيا حبذا كتاب الأمير
وثمار السرور ما اجتنيه في سطور فيها شفاء الصدور
نمقتها أنامل تفتق الأن - وار والزهر في رياض السطور
_________________
(١) زهر: بعيون عين.
(٢) زهر الآداب: ١٣٧ واليتمية ٤: ٣٥٥.
(٣) زهر الآداب: ١٣٨.
[ ٨ / ٥٨٢ ]
كالمنى قد جمعن في النعم الغ - ر مع الأمن من صروف الدهور
يا أبا الفضل يا ابنه يا أخاه جل باريك من لطيف خبير
شيم يرتضعن در المعالي ويعبرن عن نميم العبير
وسجايا كأنهن لدى البش - ر رضاب الحيا بأري مشور
ومحيا لدى الملوك محيا صادق البشر مخجل للبدور
فأجابه الأكير أبو الفضل بأبيات منها (١):
وهدي زفت إلى السمع بكرٍ تتهادى في حليةٍ وشذور
عجب الناس إذ بدت من سوادٍ في بياضٍ كالمسك في الكافور
نظمت من بلاغة ومعان مثل نظم العقود فوق النحور
كم تذكرت عهدها (٢) من عهود للتلاقي في ظل عيش نضير
فذممت الزمان إذ ضن عنا باجتماع يضم شمل السرور
ولئن راعنا الزمان [ببينٍ ألبس] الأنس ذلة المهجور
فعسى الله أن يعيد اجتماعًا في أمان من حادثات الدهور
إنه قادر على رد ما فا - ت وتيسير كل أمرٍ عسير
_________________
(١) زهر الآداب: ١٣٨.
(٢) زهر: عندها.
[ ٨ / ٥٨٣ ]
فصل في ذكر الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم
المعروف بالحصري (١)
واجتلاب جملة من كلامه
كان أبو إسحاق هذا صدر الندي، ونكتة الخبير الجلي، وديوان اللسان العربي، راض صعابه، وسلك أوديته وشعابه، وجمع أشتاته، وأحيا مواته، حتى صار لأهله إماما، وعلى جده وهزله زمامًا، وطنت به الأقطار، وشدت إليه الأقتاب والأكوار، وأنفقت فيما لديه الأموال والأعمار، وهو يقذف البلاد بدرر صدفها الأفكار، وسلوك ناظمها الليل والنهار، عارض أبا بحرٍ الجاحظ بكتابه الذي وسمه ب - " زهر الآداب، وثمرة الألباب "، فلعمري ما قصر مداه، ولا قصرت خطاه، ولولا أنه شغل أكثر أجزائه وأنحائه، ومرج يحبو حمى أرضه وسمائه، بكلام أهل العصر دون كلام العرب، لكان كتاب الأدب، لا ينازعه ذلك إلا من ضاق عنه الأمد، وأعمى بصيرته الحسد، ثم أخذ (٢) بعد ذلك في إنشاء التواليف الرائقة، والتصانيف الفائقة ككتاب " النور والنور " (٣) وكتاب " المصون من الدواوين " (٤)، إلى عدة رسائل وأشعار، أندى من نسيم الأسحار، وأذكى من
_________________
(١) ترجمة الحصري أبي إسحاق في معجم الأدباء ٢: ٩٤ - ٩٧ وابن خلكان ١: ٥٤ والوافي للصفدي ٦: ٦١ ومسالك الأبصار ١١: ٣٠٩ وعنوان الأريب ١: ٤٣؛ وقد اختلف في وفاته فقال ابن رشيق كما نقل عنه ياقوت توفي سنة ٤١٣ وقال ابن بسام سنة ٤٥٣ ورجح ابن خلكان القول الأول دون أن يذكر سببًا لذلك، ولعله اعتمد على أن ابن رشيق أدرى بذلك من غيره؛ ونقل الصفدي عن كتاب الجنان لابن الزبير أن الحصري ألف زهر الآداب سنة ٤٥٠.
(٢) في المسالك: ثم غبر؛ ص: ثم أجد.
(٣) يسميه الصفدي: نور الظرف ونور الطرف، ويقول إنه اختصر فيه كتابه زهر الآداب، وينقل التجاني في تحفة العروس: ١١٥ عما يسميه كتاب النورين للحصري وكذلك يسميه ياقوت، ومرة أخرى ينقل التجاني عن نور الطرف: ١٣٨؛ وانظر عيون التواريخ (الفاتح رقم: ٤٤٤١) ٧: ٥٧.
(٤) يسميه الصفدي: المصون في سر الهوى المكنون، وعند ياقوت، المصون والدر المكنون؛ ومن هذا الكتاب نسخة بخزانة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، ذكرها الدكتور محمد بن سعد الرويشد في مقارنة أجراها بين طوق الحمامة والمصون (مجلة الفيصل، السنة الأولى، عدد ١٠ ص ١٦ - ٢١) وانظر بروكلمان ١: ٢٦٧.
[ ٨ / ٥٨٤ ]
شميم الأزهار؛ وقد أخرجت من كلامه ما لا ينكر فضله، ولا ينشي مثله إلا مثله، وكانت وفاته - فيما بلغني - سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
فصول من كلامه اندرجت في تواليفه، من نثره ونظامه
فصل (١):
ولبني علي أهل البيت كلام يعرض في حلى البيان، وينقش في فص الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح عقائل الدر، ويكتحل بنور الشمس، ولم لا يطؤون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة، وأبوهم الرسول، وأمهم البتول، وكلهم / [١٦٨] قد غذي بدر الحلم، وربي في حجر العلم.
ما منهم إلا مردىً بالحجى أو مبشر بالأحوذية مؤدم
وفي فصل (٢):
البديع: اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، وكلامه غض المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفًا، والهوى يعشقه ظرفًا، ولما رأى ابن دريد قد أغرب بأربعين حديثًا وذكر إنه استنبطها من ينابع صدره، وانتخبها من معادن فكره، وأيداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض حوشيةٍ، وألفاظ عنجهية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترتفع له حجب الأسماع، وتوسع فيها، إذ صرف ألفاظها ومعانيها، في وجوه مختلفة، وضروبٍ متصرفة، عارضة بأربعمائة مقامةٍ في الكدية تذوب ظرفًا وتقطر حسنًا، لا مناسبة بين واحدةٍ منها لفظًا ولا معنى، عطف مساجلتها، ووصف مناقلتها، بين رجلين يسمى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبو الفتح الإسكندري، وجعلهما يتهاديان الدر،
_________________
(١) زهر الآداب: ٥٦ والمسالك: ١٣٠.
(٢) زهر الآداب: ٢٦١.
[ ٨ / ٥٨٥ ]
ويتنافثان السحر، في معانٍ تضحك الحزين، وتحرك الرصين يطالع منها كل طريفة، ويوقف منها على كل لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية، وخص بعضهما الرواية.
وفي فصل (١):
هذا كتاب اخترت [فيه] قطعة كافيةً من البلاغة في الشعر والخبز، والفصول [والفقر]، مما حسن لفظه ومعناه، واستدل بفحواه على مغزاه، ولم يكن شاردًا حوشيًا، ولا ساقطًا سوقيًا، بل كان جميع ما فيه من ألفاظه ومعانيه:
في نظام من البلاغة ما ش - ك امرؤ أنه نظام فريد (٢)
حزن مستعمل الكلام اختيارًا وتجنين ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك - ن به غاية المراد البعيد
كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع، وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب التبويب، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشيء من مثله، فجعلت بعضه مسلسلًا، وتركت بعضه مرسلًا، ليحصل محرر النقد، مقدر السرد، قد أخذ بطرفي التأليف، واشتمل على حاشيتي التصنيف، [وقد يعز] المعني فألحق الشكل بناظره، وأعلق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرقها في سائره، ليسلم من التطويل الممل، والتقصير المخل، وتظهر في الجميع فائدة الاجتماع، وفي التفريق لذاذة الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع، إذ
_________________
(١) زهر الآداب: ١.
(٢) الأبيات للبحتري في ديوانه: ٦٣٦ - ٦٣٧.
[ ٨ / ٥٨٦ ]
كان الخروج من جد إلى هزل، ومن حزنٍ إلى سهل، أنفى للكلل، وأبعد من الملل؛ وقد قال أبو العتاهية (١):
لا يصلح النفس إذ كانت مصرفةً إلا التنقل من حالٍ إلى حال
وفي فصل (٢):
ومعلوم أنه ما انجذبت نفس، ولا اجتمع حس، ولا مال سر، ولا جال فكر، في أفضل من معنى لطيف، ظهر في لفظ شريف، فكساه من حسن الموقع قبولًا لا يدفع، وأبرزه يختال من صفاء السبك ونقا السلك وصحة الديباجة وكثرة المائية في أجمل حلة، وأجل حلية.
والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه، بما ظهر في مستحسن لفظه، من بارع عبارة، وناصع استعارة، وعذوبة مورد، وسهولة مقصد، وحسن تفصيل، وإصابة تمثيل، وتطابق أنحاء وتجانس أجزاء، وتمكن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحة طبع وجودة إيضاح، يثقفه تثقيف القداح، ويصوره أفضل تصوير، ويقدره أكمل تقدير، [فهو مشرق في جوانب السمع] .
وإن كنت (٣) قد استدركن على كثير ممن سبقني إلى مثل ما أجريت إليه، واقتصرت في هذا الكتاب عليه، لمح أوردتها كنوافث السحر، وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر، من ألفاظ أهل العصر، في محلول النثر، ومعقود الشعر؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، أبكار لم تفترعها الأسماع، يصبو إليها القلب والطرف، ويقطر منها ماء الملاحة والظرف، وتمتزج بأجزاء النفس، وتسترجع نافر الأنس، تخللت تضاعيفه، ووشحت تآليف، وطرزت ديباجه (٤)، ورصعت تاجه،
_________________
(١) ديوان أبي العتاهية: ٣٢١.
(٢) زهر الآداب: ٣.
(٣) زهر الآداب: ٤.
(٤) في الأصل: ديباجاته.
[ ٨ / ٥٨٧ ]
ونظمت عقوده، ورقمت بروده، فنورها يرف، ونورها يشف، في روضٍ من الكلم مونق، ورونق من الحكم مشرق.
وفي فصل (١):
إلى هذا المكان أمسكت العنان، والإطناب في هذا الكتاب يعظم ويتسع، بل يتصل ولا ينقطع، إذ كان غرضي فيه، أن ألمع من معانيه، ثم أنجز معه حيث أنجر، وأمر فيه كيف / [١٦٩] مر، وآخذ في معنى آخر غير موصول بشكله، ولا مقرونٍ بمثله، وقد أحل نظامًا وأفرد تؤامًا، نشرًا لبساط الانبساط، ورغبة في استدعاء النشاط.
وهذا التصنيف لا تدرك غايته، ولا تبلغ نهايته، إذ المعاني غير محصورة بعدد، ولا مقصورة إلى أمد، وقد أبرزت في الصدر، صحيفة العذر، يجول فرندها، ويثقب زندها، ومن ركب مطية الاعتذار، واجتنب خطية الإصرار، فقد خرج من تبعة التقصير، وبرز من عهدة المعاذير، وإن أحق ما احتكم إليه، واقتصر عليه، الاعتراف بفضل الإنصاف، فليعلم من ينصف أن الاختبار ليس يعلم ضرورةً، ولا يوقف له على صورة، فليكثر الإغماض، وليقل الاعتراض، ولو وقع الإجماع على ما يرضي ويسخط، ويثبت ويسقط، لارتفع حجاج المختلفين في أمر الدنيا والدين.
وفي فصل:
هو كليل الخاطر، سقيم النفس، صدئ القريحة، عديم الحس، ذو طبعٍ جاسٍ، وفهم قاسٍ، ولله در ابن الرومي في قوله (٢):
خفافيش أعشاها نهار بضوئه ولائمها قطع من الليل غيهب
_________________
(١) زهر الآداب: ١٠٩١.
(٢) ديوان ابن الرومي: ١٥٧.
[ ٨ / ٥٨٨ ]
بهائم لا تصغي إلى شدو معبدٍ فأما على جافي الحداء فتطرب
قد تعود لي الألسن بالسباب، وغمز على الأصحاب، واستعمل الملق والكذاب، فهو بين جاهل متغافل، قد حشي قلبه رينًا، وملئ لسانه مينًا، وبين من سمائم نمائمه تلذع، وعقارب مكايده تلسع، وبين معجب متصلف، باردٍ متكلف، لا يرى سيبويه كان على شيء، كما لا يرى الكسائي قبله (١):
وإذا ما تذاكر الناس معنى من شهير الأشعار والمجهول
قال هذا لنا ونحن كشفنا عنه للمستدل والمسؤول (٢)
فهو كما قال الخوارزمي: قد أسكرته خمرة الكبر، واستهوته غرة التيه، فخيل إليه أن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وأن الشمس تطلع من جبينه، والغمام يندى من عينه، فهو يرى ببصر جهله لا ببصيرة عقله، وأن امرأ القيس ما بكى بالديار وعرصاتها، ولا اغتدى والطير في وكناتها، ولا أحسن تقصيد القصائد، وتقييد الأوابد، وأن زيادًا (٣) لم توقد باليفاع ناره، ولا أعتب النعمان اعتذاره، وأن شعره لم يرق حتى يقال: الماء أو أسلس، ويجزل حتى يقال: الصخر أو أملس، وأن زهيرًا كان متعاظل الكلام، متداخل الأقسام، غير مطبقٍ للمفاصل، ولا مصيبٍ للشواكل، وأما طبقات المخضرمين من الإسلاميين فلا يضربون إليه بقدح، ولا يفوزون عنده بنجحٍ.
فلو أتيناه بمستطرفٍ من مبدعات الهزل والجد
أرق من دمعة مهجورة مرهاء تمريها يد البعد
لو قرعت سمع يزيدٍ سلا بحسن ما يسمع عن هند (٤)
_________________
(١) ص: سير.
(٢) ص: عيبه المسؤول والسمؤول.
(٣) يعني النابغة الذبياني.
(٤) ص: من ند.
[ ٨ / ٥٨٩ ]
أعرض عنها ثانيًا عطفه ولم يعرها عطفة الود
هذا وقد لاح بوجه الحجى منها ضياء القمر الفرد
وأقبلت تختال في حلةٍ مرت عليها طرز الحمد
وما يضر الشمس أن أصبحت تعرض عنها أعين الرمد
ومن يك ذا فمٍ مر مريضٍ يجد مرًا به الماء الزلالا
وفي فصل (١):
قد تقاربت الصفات، وتوازنت الذوات، وتكاشفنا لما تعارفنا، ورفعت الخلوة حجاب الاحتجاب، وحطت الخلطة لثام الاكتتام، وكنا مع طول الامتحان والاختبار، ومدة الالتباس والاحتيار، نقنع من ارتفاع القناع بلمحة، ومن اتقاد الزناد بقدحة، ونبرز العبارات، من معارض الإشارات، وغوامض الاستعارات، في طراز من الأرماز يدق عن مسرى السحر، ويرق عن مجرى الخمر:
في تعابيرنا " اللطاف اللواتي هي أخفى من مستسر الهباء " (٢)
" بل من السر في ضمير محب أدبته عقوبة الإفشاء "
ونختلس حركات البيان، في سكنات الزمان، كما اختلس اللفظ المحب الكتوم، فهلهم الآن إلى التصريح دون التعريض، والتصحيح دون التمريض، وتعال نتلاطف ونتكاشف، إذ قد لبسنا ثوب الأمان من الزمان.
وفي فصل (٣):
_________________
(١) ص: الضياع.
(٢) استعار البيتين من ابن الرومي، ديوانه: ٦٧.
(٣) الأبيات في الشريشي ٥: ٢٢٧.
[ ٨ / ٥٩٠ ]
إذا بدا القلم الأعلى براحته مطرزًا لرداء الفخر بالظلم
رأيت ما أسود في الأبصار أبيض في بصائرٍ لحظها للفهم غير عم
كروضة خطرت في وشي زهرتها وافتر نوارها عن ثغر مبتسم
وتبرجت في حللها وحليها، وابتهجت بوسيمها / [١٧٠] ووليها، وكاد الهواء يسرقه لطفًا، والهوى يعتنقه ظرفًا، فاجتنبت ما اشتهيت من خزاماها وعرارها، واجتليت ما رأيت من خيريها وبهارها، ولثمت خدود وردها وسوسانها، ورشفت ثغور أقاحها وحواذنها، والتقطت ما لا تخلق الأيام بهجته، ولا تغير الأعوام جدته، من نور يقطف بالأسماع والأبصار، وزهرٍ يتناول بالخواطر والأفكار، وسرحت الطرف في ما يفوت الوصف، من غرائب إبداع، وعجائب اختراع، لم تفترعها الأسماع.
وفي فصل (١):
أسهمني من واضح الفجر غرة الصباح، وقسم لي من طائر الذكر قادمة الجناح، وألبسني من التنويه، ما لا يعزى إلى تمويه، فأصبحت أجيل الجوزاء على يد قصور، والثناء على لسان قصير، ولئن كبت جيادي، عن مضمار مرادي، وعجز لساني، عما حواه جناني، فتمثلت بقول الزعفراني (٢):
لي لسان كأنه لي معادي ليس ينبي عن كنه ما في فؤادي
حكم الله لي عليه فل أن - صف قلبي عرفت قدر ودادي
وقد علمت أن شمس الخواطر، إذا جرت في فلك الضمائر، اتصل النور المبين، وانفصل الشك من اليقين.
وفي فصل:
_________________
(١) ورد بعضها في المسالك: ٣١٠.
(٢) هو أبو القاسم الزعفراني، وبيتاه في زهر الآداب: ٣٢٤ والأول في المسالك: ٣١٠.
[ ٨ / ٥٩١ ]
فتقنا نوافج الآراب، عن مسك الآداب، ونشرنا طرائف المطارف، عن لطائف الزخارف، وتسالبنا من أثواب المذاكرة، وتجاذبنا أهداب المحاضرة، من سائح فكر، وغرائب فقر، ألذ من سمرٍ بلا سهر، إلى أن أفضينا إلى ذكر البيت المظلوم واجب حقوقه، المسلوك به غير طريقه، على أنه ورد من صفاء السلك، وصحة الديباجة وكثرة المائية في أجمل حلة، وأجل حلية، فكان كما قلت (١):
ومذهب الوشي على وجهه ديباجة ليست على الشعر
كزهرة الدنيا وقد أقبلت ترود في رونقها النضر
أو كالنسيم الغض غب الحيا يختال في أردية الفجر
هذا وهو بمحاورة الطبع للسمع، ومباراة الخاطر للناظر، من غير إعمال الفكر ولا تدقيق النظر، لكن بديهتك إذا أهداها قلبك إلى قلمك، وأداها لسانك عن فهمك، وأبديت بادرة ما أهديت إلى من عهدم به، وهو محرر للنقد، مقدر على السرد، أعرض عنه صفحًا، وطوى دونه مكشحا، حتى طال بلا طائلٍ لديه، ولا طلاوة عليه:
فقلت والقلب موقوف على حرقٍ يبعثن أنفاس صدر كاظم وحم
أي القرائح يعفو لمع بارقها في عارضٍ من ظلام الليل مرتكم
بحيث لا نحن من إقبال ذي أدبٍ نحظى بنجح ولا إفضال ذي كرم
إذا كان من إليه تتحاكم الخصوم في كل العلوم، فتقف منه الألباب على فصل الخطاب، وفص الصواب، ووجه الجواب، يلحظ ما يجري لأبناء عصره، وأنشاء دهره، من سر البديع، الزاهي على زهر الربيع، والزاري بالوشي الصنيع، بطرفٍ أسقم من أجفان الغضبان، ويعيره وجهًا هو لفرط التقطيب، كوامقٍ فاجأه شخص الرقيب، أو غزل طالعه وفد المشيب، فأي لب يصفو مزاجه، وأي قلبٍ يضيء سراجُهُ!
_________________
(١) البيت الأول والثالث في المسالك: ٣١٠.
[ ٨ / ٥٩٢ ]
وهذه ايضًا جملة من شعره
حكى أبو علي بن رشيق في كتابه المترجم ب - " الأنموذج " قال: كان أبو إسحاق الحصري قد نشأ على الوراقة والنسخ لجودة خطه، وكان منزله لزيف جامع مدينة القيروان، فكان الجامع بينه وخزانته، وفيه اجتماع الناس إليه ومعه؛ ونظر في النحو والعروض، ولزمه شبان القيروان، وأخذ في تأليف الأخبار، وصنعة الأشعار، مما يقرب في قلوبهم، فرأس عندهم، وشرف لديهم، ووصلت تليفاته صقلية وغيرها، وانثالت الصلات عليه، وله شعر كثير، ومن شعره مما أنشده ابن رشيق (١):
إني أحبك حبًا ليس يبلغه فهمي ولا ينتهي وصفي إلى صفته
أقصى نهاية علمي فيه معرفتي بالعجز مني عن إدراك معرفته
وأنشد له:
ولقد تنسمت الرياح لعلني أرتاح أن يبعثن منك نسيما
فأثرن من حرق الصبابة كامنًا وذعن من سر الهوى مكتوما
وكذا الرياح إذا مررن على لظى نارٍ خبت ضرمنها تضريما
وله (٢):
عليل طرفٍ سقيت خمرا من مقلتيه فمت سكرا
ترقرقت وجنتاه ماءً مازج فيه العتيق درا / [١٧١]
يحرك الدل منه غصنًا ويطلع الحسن فيه بدرا
[قدر خط مسك بعارضيه خلقت للعاشقين عذرا]
_________________
(١) البيتان في ياقوت ٢: ٩٦ وابن خلكان ١: ٥٤ - ٥٥ والوافي ٦: ٦١.
(٢) البيت الأول في المسالك: ٣١١ وما بين معقفين زيادة عنه أيضًا؛ والأبيات جميعاص في الشريشي ٥: ٢٢٧.
[ ٨ / ٥٩٣ ]
وقال مما لم ينشده ابن رشيق (١):
تلاحظني صروف الدهر شزرًا كأن علي للأيام وترا
وفي عيني دموع ليس ترقا وفي قلبي صدوع ليس تبرا
أقلب في الدجى طرفًا كليلًا إذا جيب الظلام علي زرا
ولو نشر الذي أطوى عليه على من تحتويه الأرض طرا
أصم مسامع الدنيا عويلًا وهز جوانح الأيام ذعرا
فيا من غاب عن عيني مشوقٍ يرى لنواه طعم العشق (٢) مرا
قرأت كتابك الأعلى محلًا لدي وموقعًا ويدًا (٣) وقدرا
فأحياني وقد غودرت ميتًا وأنشرني وقد ضمنت قبرا
نقشت بحالك (٤) الأنقاس نورًا [جلا] لعيوننا نورًا وزهرا
فدبج من بسيط الفكر روضًا أنيقًا مشرق الجنبات نضرا
لو استسقى الغليل به لروى أو استشفى العليل به لأبرا
هفا عطر الجنوب له نسيم أقول إذا أناسم منه نشرا
نثرت لنا على الكافور مسكًا ولم تنشر على القرطاس حبرا
فيا من تمسك الأوصاف عنه أعنة وصفنا نظمًا ونثرا
ومن يدعو القلوب إلى مناها بعينيه فلا تأتيه قسرا
ومن يجري اللآلئ في أقاح يمازج ظلمه بردًا وخمرا
ويغرس في رياض الدل غصنًا ويطلع في سماء الحسن بدرا
كأن بخده ذهبًا صقيلًا أذاب عليه ياقوتًا ودرا
أفرط فيك إن أفرطت وصفا وأعجز عنك إن أعجزت شعرا
_________________
(١) منها أبيات في الشريشي ٥: ٢٣٨.
(٢) كذا في ص ولعل الصواب " العيش ".
(٣) الشريشي: شرقًا.
(٤) ص: بنورك.
[ ٨ / ٥٩٤ ]
ولي قلب عليك لما يلاقي يكافح من سعير الوجد (١) جمرا
ولولا ما يؤمل من لفاءٍ (٢) تقطع حسرةً وأذيب قهرا
سأسحب فيك أذيال الأماني وألبس تحت ثوب السقم صبرا
لعل الدهر يمتع منك طرفي ويعقب بعد عسر الحال يسرا
وقال:
إلفان ضمهما الهوى في خلوةٍ من بعد طول تغضب وتعتب
فإذا الرقيب مطالع عن غفلة ومكدر للمشرب المستعذب
فتفرقا عن ساكبٍ متحدر بعثته حرقة جاحمٍ متلهب
وكأنما الوقت الذي سعدا به حلم سرى أو قطع برقٍ خلب
ليت الذي خلق الرقيب أصابه بعمى يسد عليه نهج المذهب
قوله في ما تقدم: " وكذا الرياح إذا مررن على لظى ".. البيت، كقول ابن الرومي:
لا تغرين جوى بلومٍ إنه كالريح تغري النار بالإحراق
وقال يحيى بن هذيل القرطبي (٣):
روحني عاذلي فقلت له مه. لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدة عند هبوب الرياح تتقد
وحكى أبو صفوان العتكي بصقيلية قال (٤): كان أبو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض مشيخة القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفًا بالمعذرين [من] الغلماء، وهو القائل فيهم:
_________________
(١) ص: إليك، ولعلها " البين ".
(٢) ص: بقاء.
(٣) وردا في القسم الأول من الذخيرة: ٦٢١ منسوبين لابن اللمائي.
(٤) وردت القصة والأبيات في الشريشي ٣: ١١٧ وابن خلكان ١: ٣٩٤ (نقلًا عن الذخيرة) .
[ ٨ / ٥٩٥ ]
ومعذرين كأن نبت خدودهم أقلام مسكٍ تستمد خلوقا
قرنوا البنفسج بالشقيق ونظموا تحت الزبرجد لؤلؤًا وعقيقا
فهم الذين إذا الخلي رآهم وجد الهوى بهم إليه طريقا
وكان يختلف إليه غلام من أعيان أشراف القيروان، وكان به كلفًا، فبينا هو يومًا والحصري قد أخذ في الحديث إذ أقبل الغلام:
في صورة كملت فخلت بأنها بدر السماء لستةٍ وثمان
يعشي العيون ضياؤها فكأنها شمس الضحى تعشى بها العينان
فقال له الشيخ: يا حصري، ماذا تقول في من هام بهذا القد، وصبا بهذا الخد - قال له الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف، لا سيما إذا شاب كافور (١) خده ذلك المسك الفتيت، وهجم على صبحه ذلك الليل البهيم، والله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر (٢) وغيهب الظلماء في منير الفجر. فقال: صفه يا حصري، قال: من ملك رق القول حتى انقادت له صعابه، وذلل له جموحه حتى سطع له شهابه، أقعد مني بذلك، فقال: صفه، فإني معمل (٣) فكري في ذلك، فأطرقا ساعة فقال الحصري (٤):
أورد قلبي الردى لام عذارٍ بدا
أسود كالكفر في أبيض مثل الهدى
فقال له الشيخ: أتراك / [١٧٢] اطلعت على [ضميري أو خضت بين جوانحي وزفيري - قال: لا؛ ولم ذلك -] قال: لأني قلت:
_________________
(١) الشريشي: شام كافوره، ص: شيب.
(٢) صك الكفران.
(٣) ص: فإني نعمل؛ وهي بعامية الأندلس والمغرب.
(٤) ابن خلكان ١: ٥٥، ٣٩٤.
[ ٨ / ٥٩٦ ]
حرك قلبي فطار صولج لام العذار
أسود كالليل في أبيض مثل النهار
فصل في ذكر الأديب الكامل أبي علي بن رشيق المسيلي (١)
وسياقة طرف من غرائب أشعاره، وعجائب أخباره
بلغني أنه ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلًا ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة، وكان أبو علي ربوةً لا يبلغها الماء، وغاية لا ينالها الشد والإرخاء (٢)، محله من العلم، محل الصواب من الحكم، واقتداره على النثر والنظم، اقتدار الوتر على السهم، إن نظم طاف الأدب واستلم، أو نثر هلل العلم وكبر، أو نقد سعى الطبع الصقيل وحفد، أو كتب سجد القلم الضئيل واقترب، ولم يكن لأهل أفريقية قديمًا في الأدب نبع ولا غرب، ولا من لسان العرب ورد ولا قرب، يدل على ذلك ما وصف به أبو علي البغدادي أهل القيروان، وقد أثبته في موضعه من صدر هذا الديوان (٣) . ورأيت ديوانًا مجموعًا في أشعار قدماء أهل أفريقية هو بالبكم أشبه، وفي لسان العجم أنوه وأنبه، هذا وأجنادها على قدم الدهر العرب العاربة، وقوادها الأغالبة والمهالية، فلما زال ملكها عن أيدي العرب، تدفقت بها بحور الأدب، وطلعت منها نجوم الكتب، ورمت أقاصي البلاد، بمثل ذرى الأطواد، وسمعنا بزهر الآداب، وأنموذج الشعر اللباب، وبفلان وفلان، من كل فارس ميدان، وبحر
_________________
(١) ترجمة ابن رشيق في الخريدة ٢: ٢٣٠ وأنباه الرواة ١: ٢٩٨ ومعجم الأدباء ٨: ١١٠ وابن خلكان ٢: ٨٥ (وفيه نقل عن الذخيرة) ومسالك الأبصار ١١: ٢٢٧ وشذرات الذهب ٣: ٢٩٧ وبغية الوعاة: ٢٢٠ وعنوان الأريب ١: ٥٢ وللأستاذ حسن حسني عبد الوهاب كتاب بساط العقيق في تاريخ القيروان وشاعرها ابن رشيق، وللدكتور عبد الرحمن ياغي كتاب عنه؛ وقد جمع شعره الميمني في النتف ثم ياغي، ولا يزال كثير من شعره غير مضمن في هذين المجموعين وخاصة جانب غير قليل مما أورده ابن بسام.
(٢) المسالك: وغاية لا تنالها الوجناء.
(٣) راجع القسم الأول: ١٤ - ١٥.
[ ٨ / ٥٩٧ ]
بلاغة وبيان، وقال أبو علي بن رشيق، وما أبو علي - شعاع القمر، وحديث السمر، ومعجزة الخُبر والخبر، فات الأواخر والأوائل، واسكت المناظر والمماثل.
ولما طلع نجم (١) النحوس، بملك (٢) المعز بن باديس، وخرج إلى المهدية بسماءٍ كاسفة الأقمار، وذماءٍ أقصر من ظمأ الحمار، كان أبو علي ممن انحشر في زمرته المحروبة، وتحيز إلى فئته المفلولة المنكوبة، فأقام معه بها أنفة الجلاء، وإشفاقًا من فرقة الأحبة والخلصاء، وغشي المهدية أسطول الروم فأصبح البحر ثنايا، تطلع المنايا، وآكامًا تحمل موتًا زؤامًا، فدخل يومئذ على تميم (٣) حين وضح الفجر، وقد تم الذعر، وضاق ذات الصدر، فوجده في مصلاه والرقاع عليه ترد، والشمع بين يديه يتقد، فقام على رأسه ينشد قصيدته التي أولها:
تثبت لا يخامرك اضطراب فقد خضعت لعزتك الرقاب
فقال له: مه، أحال عهدك أم تغير، أم قد أدبر بك الزمان في ما أدبر - ويلك! متى عهدتني لا أتثبت - إذا لم تجئنا إلا بمثل هذا فمالك لا تسكت عنا - وأمر بالرقعة التي كانت فيها القصيدة فمزقت، ولم يقنعه ذلك حتى أدنوها إلى السراج (٤) فأحرقت، فخرج ابن رشيق يومئذ من عنده على غير طريق، لا يعقل ما يطأ، ولا يدري إلى أين ينكفئ، وكان وجهه إلى صقيلية، وكان ابن شرفٍ قد سبقه إليها، ووفد قبله عليها، وكان وقع بينهما بالقيروان، [ما وقع] بين الخوارزمي وبديع الزمان، من مناقضاتٍ ومعارضات، شحذت الطباع، وملأت العيون والأسماع، وتجاوزت الإحسان والإبداع، فلما اجتمعا يومئذٍ بصقيلية تنمر بعضهما لبعض، وتشوف أعلام البلد لما كان بينهما من إبرامٍ ونقض، وقصد ابن رشيق
_________________
(١) المسالك: نجوم.
(٢) المسالك: بسماء.
(٣) المسالك: المعز؛ وهو أصوب.
(٤) المسالك: الشمع.
[ ٨ / ٥٩٨ ]
بعض إخوانه وقال له: أنتما علما الإحسان، وشيخا أهل القيروان، وقد أصبحتما بحال جلاء، وبين أعداء (١)، والأشبه بكما ألا تفريا أديمكما، ولا تطعما الأعداء لحومكما، فقد كان يحميكما السلطان، ويمحو كثيرًا من مساويكما الإخوان، فقال له: إيت ابن شرف فخذ عهده بذلك، فلست أنا أراجعك فيما هنالك، فأتاه وكان أمرًا صدقٍ، فوجده أجنح للسلم، وأدنى إلى الحلم، برئ إليه من صببه وصعده، وأعطاه على الوفاء بذلك صفقتي لسانه ويده، فكان ابن رشيق بعد ذلك ربما أعرض وعرض (٢)، وتحلب إلى شيء من تلك الهنات أو تهلمظ، وأما ابن شرف فلم يحل ما عقد، ولا حال عما عهد.
ولابن رشيق عدة تواليف في النظم والنثر، نفث بها في عقد السحر، ككتابه المترجم ب - " العمدة " و" كتاب الأنموذج " (٣)، إلى عدة رسائل رائقة (٤)، وبدائع فائقة، وأما الشعر فإنه أنسى / [١٧٣] أهله وملك منه شخته وجزله، وقد أثبت من خبره، وحميد أثره، ما يملأ الآذان بيانًا، ويبهر العقول [حسنًا] وإحسانًا.
جملة من أخباره مع ما يتخللها من أشعاره
حدث أبو عبد الله بن الصفار الصقلي قال: كنت ساكنًا بصقيلية وأشعار ابن رشيق ترد علي، فكنت أتمنى لقاءه، حتى استغلبت الروم علينا، فخرجت فارًا بمهجتي، تاركًا لكل ما ملكت، وقلت: اجتمع مع أبي علي، فرقة شمائله وطيب مشاهده سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن، فجئت القيروان ولم أقدم شيئًا على الوصول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام
_________________
(١) المسالك: الأعداء.
(٢) المسالك: اعترض وتعرض.
(٣) نشر العمدة عدة مرات دون تحقيق، أما الأنموذج فمنه قطعة صالحة في مسالك الأبصار، ونقول كثيرة في الوافي والفوات وبعض نقول في معجم البلدان ومعجم الأدباء.
(٤) من رسائله: فراضة الذهب، وقد نشرت بتحقيق جيد قام به الأستاذ الشاذلي بو يحيى، (تونس ١٩٧٢) .
[ ٨ / ٥٩٩ ]
إليّ وهو ثاني اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته عن أمري [- و] بعد أن تمكن أنسي بمجالسته قال لي يومًا: يا أبا عبد الله، إن ها هنا بالقيروان غلامًا قد برح بي حبه، واستولى علي كربه، منذ عشرة أعوام، وأنا إذ عض هواه على كبدي، وسطا شوقه على جلدي، ناهض إليه، وحسبك أنني ما اضطربت عنك منذ حين، إلا أني أحدث نفسي بحديثه العذب الموارد والمصادر، وأعللها بأخباره المحمودة الأوائل والأواخر، فإن أنت ساعدتني على الشخوص إليه قدمت عندي يدًا لا يعدلها إلا رضاه، فقلت: سمعًا وطاعة؛ وصرت معه حتى جئنا صناعة الجوهريين، فإذا بغلاكٍ كأنه بدر تمام صافي الأديم، عطر النسيم، كأنما يضحك عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه غبار عنبر، فحكى كتابة مسكٍ على بياض، يجرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره؛ فلما رآنا الغلام علته خجلة سلبت وجه أبي علي ماءه، فأنشدته قول الصنوبري (١):
آية من علامة العشاق اصفرار الوجوه عند التلاقي
وانقطاع يكون من غير عي وولوع بالصمت والإطراق
فقال لي: يا أبا عبد الله، والله ما واجهته قط بوجهي إلا وغشي علي ولكني تثبت (٢) بك، وأنست إلى عذوبة لفظك، مع أني لم أزود من وجهه المقمر، إلا متعة بقده المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي عليه، فقلت: ولم ينكس رأسه - والله ما رأيت أشبه بالبدر منه خدًا، ولا بالغصن قدًا، ولا بالدر ثغرًا، ولا بالمسك من رياه نشرًا، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما أبصرك بمحاسن الغلمان، لا سيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخافت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الفتون، يا أبا عبد الله: ينكس رأسه لأني علقته وخده هلالي، وفرعه ظلامي،
_________________
(١) ديوان الصنوبري: ٤٣٨.
(٢) ص: أتثبت.
[ ٨ / ٦٠٠ ]
ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره سابري، وصدره عاجي، فكان فمي يشرب كافوره بالشفق، فيخرج ذلك صدر الغسق، فوكل من بهيمه، رقيبًا على فضي أديمه، فتوهم ذلك الطاهر الأخلاق، والطيب الاعتناق، أن ذلك يضعف أسباب محبته، ويخلق رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي إلا ما قلت في هذا المعنى شيئًا، فأطرق قليلًا ثم قال (١):
وأسمر اللون عسجدي يكاد يستمطر الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعًا كالمهر لا يعرف اللجاما
ونكس الرأس إذ رآني كآبة واكتسى احتشاما
وظن أن العذار مما يزيح عن قلبي الغراما
وما درى أنه نبات أنبت في جسمي (٢) السقاما
وهل ترى عارضيه إلا حمائلًا قلدت حساما (٣)
ومعنى هذا البيت الأخير كقول الآخر:
ومستحسن وصلي جعلت وصاله شعاري فما أنفك دأبًا أواصله
كأن بعينيه إذا ما أدارها حسامًا صقيلًا والعذار حمائله
قال أبو عبد الله الصقلي: فلم أزل أتكرر على أبي علي وألاطفه حتى أطلعني على سرائره مع ذلك الغلام، فوالله ما اطلعت له معه على ما يحاسب به من قبيح فعل ولا مذمومه، وكنت في خلال ذلك اختلف إلى ذلك الغلام الجوهري، فجلست يومًا إليه فجعلت أذكر له بعض ما ذكر لي أبو علي، فرأيته قد تغير لونه، وأطرق ساعةً، ثم أخذ سحاءة فكتب فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم، كتمان السر حلية القلب، فإن أزاله بقي عاطلًا " ثم طواها ودفعها إليّ وقال: قد أودعت
_________________
(١) ديوان ابن رشيق: ١٦٨ والشريشي ٢: ٣٣٥.
(٢) الشريشي: قلبي.
(٣) مر هذا البيت من قبل ٣: ٨٢٢ وروايته " وهل على عارضيه.. حمائل ".
[ ٨ / ٦٠١ ]
السحاءة لفظًا موجزًا / [١٧٤] ومعنى محرزًا، فإذا وردت على أبي علي فأعلمه أن المحب إذا كتم رحم، وإذا نشر [فضح] فلا يعد بعد هذا إلى إفشاء سري، فإن نم بحبي انتهيت عن زيارته والإلمام به، وعوضته من لذته بفيض الدموع، وطول الخضوع، حتى لا يجزع كأسًا إلا مشوبًا، ولا يزر (١) ثوبًا إلا خضلًا بعبرة مقلته، وأنا أقسم بحاجته إليّ، وإدمانه علي، ألا أخلي صدره من زفرة، ولا ضلوعه من جمرة، ولا جفونه من عبرة، فجئت أبا علي، فدفعت إليه السحاءة وقرأها، وأخبرته كلامه، فشهق شهقة توهمت أن ضلوعه تقضقضت، وقال لي: أبهذا القسم أقسم - قلت: نعم، قال لي: أتريد أن أنظم لك منثور ما جئتني به حتى تتوهم أنه كلامه - قلت: بحياتك إلا ما فعلت، فقال (٢):
لم باح باسمي بعد ما كتم الهوى زمنًا وكان صيانتي أولى به
فلأ [منعن] جفونه طيب الكرب ولأمزجن دموعه بشرابه
وحياتة حاجته إليّ وفقره لأواصلن عذابه بعذابه
قال أبو عبد الله: ثم استنشدته من شعره فيه فأنشدني عدة مقطوعات، منها قوله (٣):
وفاتر الألحاظ في دجنةٍ كأنها في الحسن ورد الرياض
قلت له يا ظبي خذ مهجتي داو بها تلك الجفون المراض
فجاوبت من خده خجلة كيف ترى الحمرة فوق البياض
وقوله (٤):
إن كنت تنكر ما منك ابتليت به وأن برء سقامي عز مطلبه
_________________
(١) ص: يرز.
(٢) الديوان: ٤٠.
(٣) الديوان: ٩٦ والشريشي ٥: ٢٣٠.
(٤) الديوان: ٣٣ والشريشي ٥: ٦٧.
[ ٨ / ٦٠٢ ]
أشر بعودٍ من الكبريت نحو فمي وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه
وقوله:
تمنيت تقبيلًا عليه فجاد لي فقبلته ثنتين في الخد والخد
فقلت له جد لي بثغرك إنني [أقول] بتفضيل الأقاح على الورد
ومن جيد قوله (١):
سقى الله ارض القيروان وصبرةٍ ففيها ثوى شخص علي عزيز
ترى أنني في القرب ممن أحبه على بعد ما بين الديار أفوز
وإن كان إدراك المحبين بغيةً على مذهب الأيام ليس تجوز
وقال فيه:
مدمج الخصر والحشا يتثنى إذا مشى
هو بدر بوجهه وبأجفانه رشا
ما عليه إذا الضنا شاع في الصب أو فشا
جار قاضي صبابتي وهو لا يقبل الرشا
وقال فيه (٢):
ومهفهف يحميه عن نظر الورى غيران سكنى الملك تحت قبابه
أومى إليّ أن ائتني فأتيته والفجر يرمق من خلال نقابه
فلثمت خدًا منه ضرم لوعتي وجعلت أطفي حرها برضابه
وضمته للصدر حتى استوهبت مني ثيابي بعض طيب ثيابه
فكأن (٣) قلبي من وراء ضلوعه طربًا يخبر قلبه عما به
_________________
(١) الديوان: ٩٠.
(٢) الديوان: ٢٧ والشريشي ٤: ٣٠.
(٣) ص: فطار.
[ ٨ / ٦٠٣ ]
وينظر في هذا المعني قول ابن المعتز (١):
يا رب إخوانٍ صحبتهم لا يدفعون لسلوةٍ قلبا
لو تستطيع قلوبهم نفذت أجسامهم فتعانقت حبا
وقال ابن الرومي (٢):
أعانقه والنفس بعد مشوقة إليه وهل بعد العناق تداني
وألثم فاه كي تموت حرارتي فيشتد ما ألقى من الهيمان
كأن الذي بي ليس يشفي غليله سوى أن يرى الروحان يمتزجان
قال أبو عبد الله: وناولته يومًا تفاحةً فقال (٣):
وتفاحة من كف ظبيٍ أخذتها جناها من الغصن الذي مثل قده
لها لمس ردفيه وطيب نسيمه وطعم ثناياه وحمرة خده
قال أبو عبد الله، وأخبرني أبو علي قال: وعدني يوم عيدٍ بالكون عندي، فصليت وارتقبت مجيئه، فإذا بالسماء قد أرعدت وأبرقت فكتبت إليه والغيث منهمل (٤):
تجهم العيد وانهلت مدامعه وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنما جاء يطوي الأرض من بعدٍ شوقًا إليك فلما لم يجدك بكى
قال أبو عبد الله، قال أبو علي (٥): كنت [أوصي] غلامًا وضيئًا كان يختلف إليّ وأحذره من كثرة التخليط، فخرج يومًا في جماعة من أصحابه فأوقع به، فأخبرت بذلك فقلت:
_________________
(١) الشريشي ٤: ٢٩ وديوانه ١: ٣٩٦ (بغداد) .
(٢) الشريشي ٤: ٢٩.
(٣) الديوان: ٦٤ والشريشي ٥: ٢٥٤.
(٤) الديوان: ١٤٠ وابن خلكان ٢: ٨٦.
(٥) نقلها الشريشي ١: ٤١٦، وانظر الديوان: ١٤٦.
[ ٨ / ٦٠٤ ]
يا سوء ما جاءت به الحال إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحذق الناس بصوغ الخنا صيغ من الخاتم خلخال / [١٧٥]
وهذا المعنى: القول فيه طويل، وقول ابن المعتز يناسبه في المعنى لا في اللفظ، وهو قوله (١):
مضى مالك والمال تسعون درهمًا فآب ورأس المال ثلث الدراهم
وقال أبو محمد بن صارة الشنتريني:
من كل نيك حتى صار من سعةٍ كما تحل يد من عقدٍ تسعينا
قال أبو علي: وكنت أميل إلى قينة من قيان القيروان اسمها ليلى، فعلقها بعض خدام (٢) الحصون، وكان يحسب خدمتها وكنسها منزلةً لا تثلم جاه متوليها، فنهيته عنها فلم ينته، فقلت فيه (٣):
ظن أن الحصون ملك سليما - ن وليلى بجهله بلقيسا
وله في العصا مآرب أخرى حاش لله أن تكون لموسى
وهذا كقول إدريس من جملة أبيات:
فقال ومن هذا الذي جاء طارقًا فقلت أنا موسى وهذي هي العصا
ما أخرجته من سائر مقطوعاته في أوصاف شتى
قال (٤):
_________________
(١) الشريشي ١: ٤١٦.
(٢) الشريشي: خالد.
(٣) الديوان: ٩١.
(٤) الديوان ٧١ والشريشي ٣: ٣٢٠ وابن خلكان ٢: ٨٨.
[ ٨ / ٦٠٥ ]
يا رب لا أقوى على دفع الأذى وبك استغثت (١) على الضعيف الموذي
ما لي بعثت علي ألف بعوضةٍ وبعثت واحدةً على النمرود
وله في بعض قضاة القيروان:
أقولها لو بلغت، ما عسى والطبل لا يضرب تحت الكسا
قاضيك إن لك تخصه عاجلًا فامنعه أن يحكم بين النسا
وقال:
يا سالكًا بين الأسنة والظبا إني أشم عليك رائحة الدم
يا ليت شعري من رقاك بعوذة حتى وطئت بها فراش الأرقم
أزحمت آساد الشرى في غيلها وأمنت جهلًا من وثوب الضيغم
وأنشدت له:
قبلت فاها على خوف مخالسةً كقابس النار لم يشعر من الخجل
ماذا على رصدي بالنار لو غفلوا عني فقبلتها عشرًا على مهل
غضي جفونك عني وانظري أممًا فإنما افتضح العشاق في المقل
وقال (٢):
يا من يتيه بعارض - يه يريد بالعشاق شرًا
ما كنت تصلح في الجدي - د فكيف تصلح بالمطرى
وهذا كقول أبي بكر الخالدي (٣):
ما كان ينفعه لدي شبابه فعلام يجهد نفسه بخضابه
_________________
(١) ابن خلكان: استعنت.
(٢) المسالك: ٢٣٢.
(٣) لم يرد في ديوانه، وقد مر منسوبًا له ٤: ٢٥٦.
[ ٨ / ٦٠٦ ]
وقال ابن رشيق:
حجت إلى وجهك أبصارنا طائعة يا كعبة الحسن
تمسح خالًا منك في وجنةٍ كالحجر الأسود في الركن
ولكشاجم في مثله (١):
فلم يزل خده ركنًا أطوف به والخال في خده يغني عن الحجر
وأنشدت له (٢):
إن زرته يومًا على خلوةٍ أو زارني في موضع خال
كنت له رفعًا على الابتدا وكان لي نصبًا على الحال
وهذا كقول ابن الميكالي (٣):
أفدي الغزال الذي في النحو كلمني مجادلًا (٤) فاجتنيت الشهد من شفته
وأورد الحجج المقبول شاهدها مناظرا (٥) ليريني فضل معرفته
ثم اتفقنا على رأي رضيت به والرفع من صفتي والخفض (٦) من صفته
وقال ابن رشيق، وهو من أملح ما له (٧):
أومى بتسليمة اختلاس والناس في حومة الوداع
أحلى وإن لم تكن سماعًا من نغم الزمر والسماع
وافتر عن مبسمٍ شنيبٍ تختمه دارة الرباع
_________________
(١) زهر الآداب: ٣٧٩ والحديث فيه عن المؤنث لقوله قبله: فديت زائرة في العيد واصلة والهجر في غفلة من ذلك الخبر (٢) نسبت الأبيات في زهر الآداب: ٧٢٠ لأبي الفتح البستي.
(٢) زهر الآداب: مناظرًا.
(٣) زهر الآداب: محققًا.
(٤) زهر الآداب: والنصب.
(٥) ديوان ابن رشيق: ١٠٩ والمسالك: ٢٣٢.
[ ٨ / ٦٠٧ ]
وقد نوت مقلتاه نومًا وددت لو كان في ذراعي
فكان لي موقف افتراقٍ وللهوى موقف اجتماع
وقال (١):
همت عذاراه بتقبيله فاستل من عينيه سيفين
وذلك المحمر من خده دماء ما بين الفريقين
وقال (٢):
غنني يا أعز ذا الخلق عندي " حي تجدًا ومن بأكناف نجد "
واسقني ما يصير ذو البخل منها حاتمًا والجبان عمرو بن معدي
في أوان الشباب عاجلني الشي - ب فهذا من أول الدن دردي
وقال (٣):
اشترى خنجرًا لقت - لي وما ذاك يجمل
فسلوه فإن عن مثل ذا الشان يسأل
كيف يمشي بنجرٍ من بعينيه يقتل
وقال (٤):
شكوت بالحب إلى ظالمي فقال [لي] مستهزئًا ما هو
قلت غرام ثابت قال لي اقرأ عليه " قل هو الله "
وقال (٥): / [١٧٦]
معتدل القامة والقد مورد الوجنة والخد
_________________
(١) ديوانه: ٢١٤ والمسالك: ٢٣٢ والشريشي ٤: ٢٩٠.
(٢) ديوانه: ٦٢ والشريشي ٣: ٢٠٢.
(٣) المسالك (الأول والثالث): ٢٣٢.
(٤) ديوانه: ٢٢٢ والشريشي ١: ١٥٣.
(٥) ديوانه: ٦١ والشريشي ١: ١٥٣ والأول والثاني في المسالك.
[ ٨ / ٦٠٨ ]
لو وضع الورد على خده ما عرف الورد من الورد
قل للذي يعجب من حسنه اقرأ عليه سورة الحمد
وقال:
ولقد قطعت الليل في دعةٍ من غير تأثيم ولا ذنب
بأعز من بصري على بصري وأحب من قلبي إلى قلبي
وقال:
تلفت فما أفرق ب - ين قيراط ودينار
ذهاب الزيت في القندي - ل بين الماء والنار
وقال (١):
ومن حسنات الدهر عندي ليلة من العمر لم تترك لأيامنا ذنبا
خلونا بها ننفي القذى من عيوننا بلؤلؤةٍ مملوءةٍ ذهبًا سكبا
وملنا لتقبيل الخدود ولثمها كمثل جياع الطير تلتقط الحبا
وقال (٢):
يا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق
بغمامة من خده أو خده منها سرق
وكأنه وكأنها قمر أحاط به شفق
فإذا بدا وإذا مشى وإذا رنا وإذا نطق
شغل الجوانح والجوا - رح والخواطر والحدق
وقال من قصيدة (٣):
حسبي وحسبك من لومٍ وتثريب بان الذي كان يغريني ويغري بي
_________________
(١) ديوانه: ٣٢ والشريشي ٢: ١٥١ وابن خلكان ٢: ٨٧د.
(٢) ديوانه: ١٢٨ والشريشي ٣: ٢٣٧.
(٣) منها خمسة أبيات في ديوانه: ٣٤.
[ ٨ / ٦٠٩ ]
أما الشباب فقد ودعت لذته إلا أباطيل أحلام وتشبيب
عرفت حال الليالي في تصرفها وشافهتني أفواه التجاريب
وذلل الدهر صعبي فاستكنت له وطال ما كنت من تلك المصاعيب
قرعت سني على ما فاتني ندمًا من الشباب ومن باللهو للشيب
فقد رددت كؤوس اللهو مترعة على السقاة وكانت جل مشروبي
وربما أذكرتني صبوة سلفت ورق الحمام إذا غنت بتطريب
أنزه السمع والعينين في نغم ومنظرٍ غاية بالحسن والطيب
من كل لافظةٍ بالدر باسمةٍ عنه محلاةٍ نوعس منه مثقوب
أيام تصحبني الغزلان آنسة هذا على أنني أعدى من الذيب
وقال (١):
اختر لنفسك من تعا - دي كاختيارك من تصادق
إن العدو أخو الصدي - ق وإن تخالفت الطرائق
وأخبرني بعض وزراء إشبيلية قال: جهز عباد بعض التجار إلى صقيلية وكان ابن رشيق كثيرًا ما يسمع بذكر عباد فيرتاح إلى جنابه، ارتياح الكبير إلى شبابه، فلما سمع بمقدم ذلك التاجر لزم داره، وجعل يتردد إليه ويغشاه، ويقترح عليه لقاء عباد ويتمناه، والتاجر يعده ويمنيه، ويقرب له ذلك ويدنيه، حتى إذا أسمحت الرياح، وأمكن في ميدان البحر المراح، ذهب التاجر لطيته، وخلى بين ابن رشيق وأمنيته، وأخبر التاجر عبادًا بذلك، كأنه يتبجح له بما هنالك، فبالغ عباد في نكاله، وأمر باستصفاء أكثر ماله؛ ثم رام ابن رشيق بعد ذلك ركوب البحر فخشن له مسه، ولم تساعده على ركوبه نفسه، فقال (٢):
_________________
(١) ديوانه: ١٣٠ والشريشي ٢: ٢١٦.
(٢) ديوانه: ٢٢٦ والمسالك: ٢٣٣.
[ ٨ / ٦١٠ ]
البحر صعب المذاق مر لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماءً ونحن طين فما عسى صبرنا عليه
ولأبي [علي] قصيدته المشهورة التي أولها:
من قضب نعمان أم من كتب يبرين الله في دم عشاق مساكين
يقول فيها:
عيناك أمكنت الشيطان من خلدي إن العيون لأعوان الشياطين
كم ليلة بت مطويًا على حرقٍ أشكو إلى النجم حتى كاد يشكوني
وكلما انصدعت من لوعةٍ كبدي ناديت يا رب باديس بن ميمون
يا ما اميلحه ظبيًا فتنت به -. (١)
ووجنتين هما تفاحتا قبلي فاترك سواي وتفاح البساتين
كأن لمس بناني حين يلمسه يستخرج الورد من طاقات نسرين
فتور عينيك ينهاني ويأمرني وورد خديك يغري بي ويغريني
أما لئن بعت ديني واشتريت به دنيا لقد بعت فيك الدين بالدون
سبحان من خلق الأشياء قاطبة تراه صور ذاك الجسم من طين
ومنها:
يا أهل صبرة والأحباب عندكم إن كان عندكم صبر فواسوني
إني أدين بدين الحب ويحكم والله قد قال لا إكراه في الدين
مولاي [لا] تشمت الأعداء بي وإذا نسيت قولي فاذكر قول هارون
حاسب هواك بما أنفقت من عمري والله لو كان عمري كنز قارون
لو كنت أملك نفسي يا معذبها قربتها لك في بعض القرابين
وكتب إلى المعز بن باديس وقد ولدت له ابنة / [١٧٧]
معز الهدى لا زال عزك دائبًا وزينت الدنيا لنا بحياتكا
_________________
(١) اضطراب الشطر، وصورته: فم يسقي بمثل نبات الزراجين.
[ ٨ / ٦١١ ]
أتتني أنثى يعلم الله أنني سررت بها إذ أمها من هباتكا
وقد كنت أرجو أنها ذو بلاغةٍ يقوم مقامي في بدعي صفاتكا
وما نحن إلا نبت جودك كلنا وكل نبات الأرض من بركاتكا
وقال (١):
سلمني حب سليمانكم إلى هوى أيسره القتل
لما بدا جند ملاحاته قال الورى ما قالت النمل
قوموا ادخلوا مسكنكم قبل أن تحطمكم أجفانه النجل
وهو القائل في غلام عذر يعرف بابن الكناف:
لام العذار بخده تحنكي أصابع جده
قد خطها في حائط خوف الخطا من عده
ذكر الخبر عن خراب القيروان
والإلمام بشيء من أخبار آل زيري الغالبيت عليها - كانوا - وقتهم
مع ما يذكر بها، ويتعلق بسببها
قال ابن بسام: قد قدمت [أني] أمليت هذا الكتاب بخاطرٍ قد خمدت جمرته، وتبلدت قريحته، وعلى حال] من تصرف الزمان، وإلحاح الحدثان، يتسبب تسبب الهجران، ويتلون تلون الذعر في عين الجبان.
وللموت خير من حياةٍ كأنها معرس يعسوب برأس سنان (٢)
مع أني لم آخذ هذا الخبر عن سند، ولا استعنت فيه بكتاب لأحد، إنما اختلسته من ذكرة أجريها، أو أحدوثةٍ إنما لذتي بين أن اكتبها وأمليها، والحديث
_________________
(١) ديوانه: ١٤٢ وابن خلكان ٢: ٨٨ (اعتمادًا على الذخيرة) .
(٢) البيت الصخر أخي الخنساء، انظر الأغاني ١٥: ٦٣ وابن خلكان ٢: ٨٤.
[ ٨ / ٦١٢ ]
طويل، والمحصل قليل، وإنما ألمع هاهنا بشيء من أخبار مملكة آل زيري الصنهاجيين: كيف هبت رياحها، وأشرق صباحها، ثم نشرح بعض الأسباب التي خصت آثارها، وأحصت ليلها ونهارها:
لما تغلب آل عبيد الله الناجمين بأفريقية على مصر، فخلص له صميمها، وأهاب له ملكها ونعيمها، وأراد معد بن إسماعيل بن عبيد الله، المتلقب من الألقاب السلطانية بالمعز لدين الله، اقتعاد صهوتها، وإثبات قدمه على ذروتها، دعا زيري بن مناد، وهو يومئذ من صنهاجة بمكان السنام من الغارب، وبمنزلة الوجدان من نفس الطالب، وكان له عشرةً من الولد: آساد شرى، وأقمار سرى، فقال له: ادع لي بنيك، فقد علمت رأيي فيهم وفيك، وكان أصغرهم سنًا، وأهونهم عليه شأنًا، بلقين بن زيري، فدعا ولده ما عداه، والقدر لا يريد سواه، وكانت من المعز - زعموا - إثارة من علم الحدثان قد عرف بها مصاير أحواله، وأهل الغناء من أعيان رجاله، وكانت عنده لخليفته على أفريقية إذا صار إليه ملك مصر علامة يأنس بها أنس الكبير بذكر شبابه، ويعرفها عرفان العاشق لديار أحبابه، فنظر في وجوه بني زيري فأنكرها، حين تفقد تلك العلامة فلم يرها، فقال لزيري: هل غادرت من بنيك أحدًا، فلست أرى لمن هاهنا منهم أيدًا ولا يدا، فقال له: إلا غلام، فقال المعز: لا أراك حتى أراه، فلست أريد سواه، فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور، وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، وبعدت أسفاره واشتهرت أيامه، واشتمل على صرف الأيام والليالي نقضه وإبرامه، بلغ بغزواته سبتةً - في خبر طويل ليس من شطر ما ألفت، ولا في معنى ما صنفت - ثم أجاب صوت مناديه، وخلعها على أعطاف بنيه، حتى انتهت منهم إلى المعز بن باديس، منزف العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة، فأول ما افتتح به شانه، وثبت به - زعم - سلطانه، قتل الرافضة ومراسلة أمير المؤمنين ببغداد
[ ٨ / ٦١٣ ]
فبعث إليه بعهده، وجاءت الخلعة واللقب من عنده، رأيًا اغتر بباديه، وذهل عن عواقبه وبواديه، واتصلت بالعبيدي وأمره يومئذٍ يدور على الجرجرائي، فاضطغنها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه؛ وكانت بطون من عامر بن صعصعة: زغبة وعدي والأثبج ورياح وغيرهم من ألفاف عامر، تنزل الصعيد، لا يسمح لها بالرحيل، ولا يخلى بينها وبين إجازة النيل، فأراهم الجرجرائي لحينه ضجة السوق، وأفرج عن لقم الطريق، وأذن لهم في المعز، أمنية طالما تحلبت / [١٧٨] إليها أطماعهم، وعكفت عليها أبصارهم وأسماعهم، فغشاه منهم سيل العرم، ورماه بذؤلول ابنة الرقم، وتهاون المعز بهم أولًا فشغلهم بخدمته، وحملهم أعباء نعمته، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته، ويدبون إلى أنصاره وحماته، ويطلون على مقاتله وعوراته، حتىت بان لهم شانه، وهان عليهم سلطانه، فجاهروه بالعداوة، وأرادوه على الإتاوة، وجرت بينهم أثناء ذلك حروب، لم يحمدها غالب ولا مغلوب، ولا أمنها بريء ولا مريب، أضربت عن خبرها لطوله، ولأنه لم يبلغني عن من أثق بتحصيله، كان من أفراها لأديمه، وألصقها بصميمه، وقعة حيدران سنة أربع وأربعين، فإنها أوهنت بطشه، وثلت عرشه، وأرته البوار، وضربت عليه الحصار، وأحاط الأعراب بالقيروان يطؤون حريمها، ويستعرضون راحلها ومقيمها، حتى ماج بعضها في بعض، وتبرأت منها كل سماءٍ وأرض، فلما كان سنة خمسين أعطي الدني، وناشدهم التقية، واشترك المهدية، وقد كان نظر في ماله، وفكر في ما بازائه من أقتاله، فزف إلى زعمائهم بناته وكن اللآلي وأماني الغالي، فأصبحوا له أصهارًا، وقاموا دونه أنصارًا، فلما استحكم بأسه، وأهمته نفسه، استجاش من قبله، واحتمل حرمه وثقله، وخلى الملك لمن حماه وحمله، وجاء أصهاره فكانوا بحيث يسمعون نئيمة، ويمنعونه ممن عسى أن يكيده ويضيمه، حتى بلغ المهدية فأقام بها أسقط من الشمس في الميزان، وأهون من الغفر على القبان، ولم يكن أحد في زمانه بأسًا في الملاحم، ولا أطول يداص بالمكارم، ولا أعنى بلسان العرب، ولا
[ ٨ / ٦١٤ ]
أحنى على أهل الأدب، منه. ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعةٍ مائة ألف دينار إلى ما وصله به من مركبٍ ثقيل، وزي نبيل، ثم لم يمكث بالمهدية إلا نحو عامين، وانقضت أيامه، وغافصه حمامه، تعالى من لا ينتقل حاله، ولا يتوقع زواله.
فصل في ذكر الشيخ أبي الفتيان العسقلاني (١)
وإثبات قطعة من شعره ونثره
أخبرني بخبر هذا الرجل الفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن الوزير الفقيه أبي محمد إن العربي، وأنه فارقه حيًا يرزق وهو السنة [-.] وأنا أقول: إن أبا الفتيان هذا من فرسان هذا الشان، وممن أعطي بسطةً في علمه وبيانه، وخلي بين السحر ولسانه، والذي أثبت من كلامه يضرح قذى العيون، ويجلو وضح الصبح المبين.
فصل له من رقعة:
مخايل السؤدد - أطال الله بقاء الشيخ - تعثر على عقبه أخامص الكرام، وترقم بمناقبه برود الأيام، فأدام الله تمكينه حتى يصبح سلك المجرة واهي النظام، وتغبر في البسيطة جبهة (٢) بهرام، [ولا زال] يعقل بساحته الأمل الجامح، وتستوقف المراشد والمصالح، إذ كان مفترق المجد قد أصبح في علائه مجموعًا، وشامس الفضل سامعًا مطيعًا، وقد قرن وليه هذه الأسطر برقعة سأل عرضها على الحضرة السامية - رفع الله منارها، وعمر بوفود السعادة ديارها - وأن يتبعها من سديد مقاصده ما يهدي من أمها سبيل النجاح، ويقضي لها بالمغنم وفوز القداح، لا زال أفقه بنجوم
_________________
(١) لعله مفضل بن حسن بن خضر العسقلاني الذي ذكره في الخريدة (الورقة: ٢٠١ من مخطوطة باريس رقم: ٣٣٢٨) وقال إنه قدم مصر في أيام الأفضل وأورد له مقطوعة من أربعة أبيات.
(٢) ص: جهات.
[ ٨ / ٦١٥ ]
السعادة منيرًا وسرب الحوادث عن ساحته مطرودًا مدحورًا.
ومن أخرى:
أطال الله بقاء الحضرة السامية تجبر من كسر الزمان مهيضًا، وتلزم (١) مسنونًا للمكارم [و] مفروضًا، حتى يصبح عقد الكواكب رفيضًا، وكف المقادر مكفوفًا مقبوضًا.
وتطلع (٢) للعافين في فحمة الدجى بوارق [جودٍ] تستطير وميضا
وتودع جأش الدهر عزمي مشمرٍ يفل صحيحًا أو [يبل] مريضا
بسطًا تسعر الآفاق نارًا ورأفة ترد (٣) هشيم المكرمات أريضا
ومقدورة لو زاحم الأفق جيشها لغودر مسدود اللهاة حريضا
شملت الورى يا ابن المحسن مسديًا صنائع يبعثن الكسير نهوضا
وأعلمت (٤) إغفال الزمان بأنعمٍ أعدن دجنات الحوادث بيضا
فأوريت زندًا للمفاخر مصلدًا ورفعت طرفًا للسماح غضيضا
قمت لنا سوق القريض وقد عفت معانيه صونًا أن يعود قريضا
فلولاك لم يلف الهداية ناظم ولم يتوخ المادحون عروضا / [١٧٩]
قضيت العلا لما أضيعت حقوقها نوافل يلوى دينها وفروضا
منيع المراقي يستجار بعزه إذا أزم الناب الضروس عضيضا
وتذعر أسراب الخطوب أو أنسًا كما ذعر الليث الهزير ربيضا
تقاضى سؤال المستميحين مثل تقضي ديونًا ملحقًا وقروضا
وتدأب في حفظ الرعية ساهرًا إذا قيد النوم الجفون غموضا
_________________
(١) ص: وبلزوم.
(٢) ص: يتلج.
(٣) ص: يريد.
(٤) ص: وعملت.
[ ٨ / ٦١٦ ]
فمثلك في حكم الرياسة معوز وكم من نقيض لو طلبت نقيضا
إذا ما سعى الأملاك خلفك للعلا غدوت سماء والأنام حضيضا
وله من أخرى:
شهر الصيام زائر يستقبل وفد المغفرة باستقباله، وتنحل ذنوب الأمة بنحول هلاله، وآيب تقدم غرائب الحظ بقدومه، ويعنق جزيل الأجر بين عنقه ورسيمه، جعله الله مطهرًا من دنس الآثام، وغرة سائلةً في جبهات الأيام، [جاليًا] لغسق المعاصي بوضاءة أيامه، ومكفرًا لما اقترف من الجرائم في عامه، فطوبى لمن أقض في هذه المدة مضجعه، واستعمل منطقه بما يرضي الخالق ومستمعه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (فاطر: ١٠) والله جلت أسماؤه يجعل الحضرة السامية سابقة في هذا المضمار، آمنة من عوارض الكبوة والعثار:
بقيت لعقد المعالي نظاما وللأكرمين جميعًا إماما
ويخجل جودك وجه السماء برقًا خفوفًا وغيثًا سجاما
مقيمًا بحيث يضيع التلاد وتحفظ للمكرمات الذماما
وتودع آلاؤك السابغات جيد الرياسة طوقًا تؤاما
أيا ابن المكارم لا يعرفون عن درة المجد يومًا فطاما
ومنها:
وهيجاء مثل أوار الحريق تصطلم الدراعين اصطلاما
تلثم خد الضحى عثيرًا وتسفر فيها المنايا اللثاما
فجردت عزمك في النائبات حصنًا منيعًا وجيشًا لهاما
مساعٍ تشق جبين الضياء إذا اعتكر الدهر طرًا ظلاما
ويهدي إليك أريج الثناء كما خطرت في الرياض النعامى
[ ٨ / ٦١٧ ]
فعش ممسكًا بعرى للبقاء لا يحدث الدهر: فيها انفصاما
ولا برح من جعل الأرض قرارا، وأخرج من الشجر الأخضر نارا، يطلع في سمائها السعود [غير] الآفلة، ويقر ببابها النعماء [غير] الناقلة، ويجعل لكل [ليلٍ] يمد جناحه، ونهارٍ تفلق إصباحه، متكفلًا لها بجد يلقي إليه زمام القدر تفويضًا، ويمنح الصخرة الصماء ترويضًا.
في ذكر القاضي أبي محمد بن نعمة بن خليل (١)
وإثبات جملةٍ من نثره ونظمه
وبالسند المتقدم وصل إليّ خبره؛ وهو أحد من يتصرف فيجيد، ويبدئ بيد الإحسان ويعيد، جزل المقاطع، سهل المنازع، وقد أثبت من كلامه ما تراه، وتستدل على غرضه ومنحاه.
فصول من نثره مع ما ينخرط في سلطها من شعره
أطال الله بقاء الحضرة العالية لغرائب مجدٍ تبتدعها، وفرائض جودٍ تشرعها، وحوادث أيامٍ صعابها، ومستأنف سعودٍ يطرف جنابها، وأدام أيامها التي هي للدهر تمائم، وفي المجد غمائم:
غرر من الأيام يوضح فجرها والدهر من ظلم النوائب قاتم
كم صرمت عني حوادث لم تكن منجابةً لولا الأجل الصارم
_________________
(١) أغلب الظن أنه القاضي أمير الدولة أبو محمد عبد الله بن أحمد بن خليل العسقلاني (وحدث تصحيف في لفظة " أحمد " فتحولت إلى نعمة " أو العكس)؛ ذكره العماد في الخريدة (الورقة: ١٩) من نسخة باريس رقم: ٣٣٢٨ وقال إنه " من الكتاب الشعراء والبلغاء الرؤساء، إلا أنه مقل مع الإجادة والإحسان، إنما يصنع ما يصنعه تأدبًا لا تكسبًا، وكان في عهد المستنصر "؛ وأورد له شعرًا في صارم الدولة ابن معروف صاحب عسقلان.
[ ٨ / ٦١٨ ]
ملك تملكه الندى وتجمعت في راحتيه غمائم وسمائم
فالروض يجدب وهو روض ممرع والغيث يقلع وهو غيث دائم
وشتان ما بينهما: تلك سحائب قد يخلف بارقها، وتحذر صواعقها، وروض يجف نباته، وتتصوح زهراته، ومكارم الحضرة العالية تزيد جدة على التكرار، وتماثل الفلك الدوار، وهي تباري الشمس [نهارًا]، وتزور مزار الطيف سرارا:
منن بعثن أهلة مستورة فطلعن في فلك العلا أقمارا
ومواهب ومناقب ومناهب رفعت له فوق السماء منارا
ولما كانت الأوقات الشريفة موسومة بثناءٍ يسمع، ومرسومة بدعاء يرفع، وأهلت هذه الأشهر المكرمة، وجب على من حضر، بل كافة من يضمه الثغر، إخلاص الدعاء للحضرة العالية، بأن يمد الله عليها ظلاله المسدلة، ويديم لهم ما شملهم من تمام / [١٨٠] المعدلة، وأن يسعد أنحاءها في طاعة إمامها، ويصرف أعداءها في حكم حسامها، ويثبت لها من رأي سلطانه ما تستوفي به أقسام الفخر جميعا، ويزيد لها أحداث الدهر خضوعا:
فلقد خدمت بهمةٍ لا ترتضي إلا سميك صاحبًا وضجيعا
والجيش [أيقن] حين عاد بأنه ألفى بربعك معقلا وربيعا
وردوا نميرًا من يمينك ريقًا وثرى محل في ذراك منبعا
وسهرت دون هجوعهم بعزائم تقضي وطرفٍ لا يذوق هجوعا
هذا وكم من مارقٍ مزفته بيدٍ تفيض مكارمًا ونجيعا
والحمد لله الذي جمع للحضرة العالية شرائط السؤدد، وخصها بالمجد
[ ٨ / ٦١٩ ]
الموطد، والنسب إلى أعلى خندف عمادًا، وأوراها في موقف الفخر زنادا، أرومة الرسالة وجرثومة الخلافة، إليها انتزع هاشم، وعنها أخذت المكارم، فبعبد مناف بن النضر بن كنانة ذؤابة الفخر:
هنالك أبناء الوغى وحماتها وثم العطاء الغمر والعدد الدثر
لهم أوجه زهر وأندية خضر وألوية حمر وخطية سمر
فأما الفضائل المكتسبة فإن مولاي الأجل ناظم أشتاتها، ومؤلف متنافراتها، فهو تارةً تحت عذب الأعلام، وأخرى بين طروس وأقلام، يستصغر عظيمات التدبير ثقة بحزمه، ولا يغفل صغيرات الأمور تمضي إلا عن علمه، فأما الحلم والأناة واستلذاذ العفو مع القدرة والمحافظة على سر الخدمة فإن الله تعالى وهب له من ذلك ما سلمه إليه معانده، وعرف فضيلته فيه حاسده:
مناقب نظمت منها محامده وشيمة عرفت فيها عوائده
وللندى غير منزور مؤمله وللردى [غير] معصومٍ معانده
يفديه وافد ليلٍ آب زائره بنجحه وبخيل خاب قاصده
فأما المواقف المشهودة، والآثار المؤرخة المعدودة، فإنه فيها ملقى النصر، دائم الظفر، ميمون التدبير، مسعود الرأي، مبق عند الانتقام، معتذر مع سعة الأنعام، رحب الحمايل، بسام المخايل:
يقصر الناظم عن آلائه فيستعين بحلى الوسائل
لم يستعر فيها له فضيلةً حاشا العلا ولا مقال الباطل
وإنما يكتبها عن مجده فيستهل نسخة الفضائل
لم نرض أن أنالنا فصاحة موهبة إلا ببذل النائل
ولا زالت الحضرة السامية تجدد من رسم الأدب داثره، وتلبس من الثناء نفائسه وجواهره.
[ ٨ / ٦٢٠ ]
وله من رقعة تهنئة:
لقد عجبت أيامنا [حين أبصرت] بها أروعًا زينت بحسن علائه
إذا سهكت أعطافهن تضمخت بمسكين من أفعاله وثنائه
هذا الشهر - أدام الله تمكين الحضرة العالية - مضاهٍ لها في شرف النسب، والطهارة من الريب، والله يكرر عليها مجازه ما ارتقبت فيه ليلة القدر، وانتشر في السماء شعاع البدر، في عز تسكن به الخطوب العرمة، وتنتفض معه الأحداث المبرمة.
وفي فصل منها: أرواه الله من تسنيم، وجعله من ورثة جنة النعيم، يرتع في رياض الفردوس النضر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) (القمر: ٥٥) بعد أن يفني مدة الزمان عمرا، ويوسع بنيه نوالًا غمرا، ويحوز من المحامد ما تتطرز به أردان الأيام، وتتقوض فيه هضبات شمام.
ومن أخرى في مثله:
أجزل الله بالحضرة الأثيرية بركات هذا الشهر الشريف الذي تقضى فيه المناسك بالبيت العتيق، وترد بعده أيام التشريق، ولا زال يلقي رحاله، ويواصل إلفها بكره وآصاله، في عز رفيعٍ سماكه، حاكمة بالبقاء أفلاكه، ومجدٍ راسيةٍ جباله، وسعادةٍ مقرطسةٍ [بها] نباله.
إذا انقضت يومًا حبال سعادة غدت محصداتٍ كيف شاءت حباله
يضيء وصرف الدهر داجٍ هلاله ويعرف في قحط السنين انهماله
وجاه نضير لا يخاف ذبوله ولا ينطفي بالعاصفات ذباله
والأرض [في] قبضته يقبض عنها أيدي العوارض، ويسبغ عليها ملابس إنعامه الفائض.
[ ٨ / ٦٢١ ]
ومن أخرى: / [١٨١]
ولو علم الطرس الذي قد حبوته قلائد من در الكلام المنضد
لقاد إليك الشكر حتى تمله وحتى يقول السامعون له قد
طلعت علي من الحضرة - لا زالت نجوم السعد بآفاقها طالعة، وركائب لحوادث عن ساحتها ظالعة - رقعة كريمة أجلت ناظري في سطورها فقلت: سوسن نثر على أقحوان، أو قلائد عنبرٍ نظمت في أجياد غزلان، وراودت خاطري على بروز ذلك المرموز فقال: أما تستحس أن تسومني ذلك، وقد أثمدت الخطوب ينبوعي، ومحت الحادثات ربوعي، فقلت: خير لا بد من تأمله، وأمر مطاع لا مندوحة عن تقبله.
وله من أخرى:
شهادة الخادم - حرس الله أيام الحضرة - شهادة بسعادة مستخدمه، ودلالة على تواصل فضل الله وكرمه، كالأصل إذا زكا أورقت فروعه، والماء إذا استجم فاضت ينابيعه، وعرفت في هذه الساعة وفود قادم على عبدها الأمير شبل الدولة يثري من إنعام الحضرة العالية يده، ويؤرخ بأيامها الزاهرة مولده، فشاركت المذكورة في المسرة بهذه النعمة، اشتراكنا معًا في الخدمة، وإني وإياه فيها فرسا رهان، أو كالأنامل ضمها اليدان، والذ له الأسماء الحسنى يضاعف إحسانه لديها، ويجعل عواقب أمورها من مباديها، حتى يلوذ الكرم بجنابها السعيد، ويعيش الأحرار في فضلها كما يعيش العبيد.
وله من أخرى:
يا ليت أن سواد طرفي نائل ما نال من شرفٍ سواد مدادي
فعساه يطفي لوعة مشبوبةً ألقت عصاها في صميم فؤادي
[ ٨ / ٦٢٢ ]
وأقول حينئذ: أسعد الله الحضرة السامية بهذا الشهر الميمون، وشحن صحيفتها بأجرٍ غير منون، ولا زالت الأيام تمر بها جديدة وترجع عنها بالية، وهي في أثناء ذلك ضامنة لها عزًا ينشر في الأفق ذوائبه، ومجدًا يحلي بالقمرين ترائبه، وسعدًا لا تخطئ سهامه، ولا يفض أبدًا ختامه، ورزقًا تعذب نطافه، وتدر طول الزمان إخلافه، ورضى من الله تعالى يورث جنات النعيم، ويهدي إلى صراط مستقيم.
ولما وصلت إلى هذا المكان من هذه السطور سلمت إليّ تحفة من الحضرة السامية كأنها لون المحب قصد بالهجران، أو نهود الكواعب ضمخت بالزعفران، وحين شممتها وجدت ذات طيبين: طيب الأرومة، وطيب استفادته من اليد الكريمة، وأستغفر الله، أين البرس من الحرير، والملاب من العبير.
وفي فصل من أخرى:
المكارم - أطال الله بقاء مولاي الشيخ معمور الفناء، ممتعًا بدوام العز والنعماء - فروض مهتبلات، ومساعٍ على الدهر منجحات، وبضائع في اكتساب الشكر مربحات، ولم يزل الحمد أكبر تجائره، وتقليد المنن للأعناق، أنفس ذخائره، ومن تدرع أسباب رياسته، وبهر الألباب بباهر فضيلة نباهته، وبذ الأضراب بكمال ورعه ونزاهته، [و] دنا من قديم فخر آبائه، وطبق الأرض بفيض بحر عطائهن وطاول بطول باع مروته، وتصدر بواسع صدر همته، وأصبح حلية الزمان القديم، وغرةً لامعة في وجه الدهر البهيم، عم الأنام نفعًا، وأتى الجميل خلقًا وطبعًا، وتدارك بقية الأزمان المشفية، وجدد ما أخلق من الآمال المتعفية، فلا زالت قدمه محذوة رفات الأعداء، ويده مضمومة أزمة العلاء:
ولا زال محروسًا من الخطب بالغًا إلى غاية تجري فيقتصر المجري
ولا فقدت عين الرياسة شخصه ومتع بالتأييد والنهي والأمر
وأدرك من دنياه غاية سؤله ونال المنى في الآل والمال والعمر
[ ٨ / ٦٢٣ ]
وقد تعرضت لواسع رأفته، فاستعطفت كريم عاطفته، واسترجعت فائت حظي بمراجعته، وأعوذ بالله أن استنصر به على الزمان فيخذلني، وإلى جوره بعد الاستسلام بعدله فيسلمني، ويطرحني معتمدًا من يده، ويسقطني بالجملة عن عدده، ويصرفني عن باب تصرفه بالحرمان، ويذودني عن بحر جوده العذب مشتمل الجوانح على غلة الظمآن، ومتقدم المعرفة رحم، والوفاء بالذمم كرم، وقد ناديت من نداه - دام علاه - سميعًا، وسألت منه جوادًا لأمر الجود مطيعًا، واستمطرت من / [١٨٢] جوده غمامًا غير جهام، وهززت منه حسامًا غير كهام، ومن أقعدته نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام.
ومن شعره
قد صار يختلق المحال ويبطل من قال ليس على الثرى من يكمل
حكمت عليه معجزاتك أنه متمحل فيما حكى متقول
لا زلت في كنف السعود وظلها أبدًا تحل بحيث شئت وترحل
مثل الهلال يسير في درجاته والشمس في أبراجها تتنقل
أصبحت يا دار المظفر كعبةً للمجد يلثم ركنها ويقبل
فالشهب ليس يغم (١) مطلعها ولا جيد السماء من الغزالة يعطل
يا صارم الملك الذي أيامه ابدًا تزان بمجده وتجمل
صقلته أيدي المكرمات ولم تخل أن الصورام بالمكارم تصقل
ملك طفيلي السماح يضيف من لم يستضيف وينيل من لا يسأل
مذ ورخوا عهد المعالي باسمه ذهب التنازع واستبان المشكل
لو أن مطبوعًا يفارق طبعه لحلا إذا شرب الزلال الحنظل
ولما رأينا النحل تقضم علقمًا لهواتها فيعود وهو معسل
_________________
(١) ص: ثم.
[ ٨ / ٦٢٤ ]
وهذا كقول المعري (١):
والنحل يجني المر من نور الربى (٢) فيصير شهدًا في طريق رضابه
يثني الرجال على القتيل بسيفه فكأنما يحيي به من يقتل
وإذا لظلا الهيجاء لثم وجهه أبصرته تحت القنا يتظلل
حيث المغاوير الكماة تميد من نشوات ما اعتصر الوشيج الذبل
خمر ترى مهج الرجال دنانها لكنها بالسمهرية تبذل
و[زعاق] ملحٍ لا يسوغ لشارب كدر وأنت السلسبيل السلسل
يا عادلًا في كل ما هو فاعل ما بال كفك في اللها لا تعدل
أفنى تلاد يديك علمك أنه لا يفضل الأقوام من لا يفضل
القاضي جلال الدولة بن عمار (٣)
فصول من رسائله
مرحبًا بطليعة السرور، ومساعدة الدهور، وبشير النجح والبركة في جميع الأمور، هذه صفة تخص كتابًا وردني من مولاي الأمير - أطال الله بقاءه، وأدام تأييده ونعماءه - على بعد عهدٍ بكتبه وأنبائه، بمعاندة الزمان لي فيه، إلى أن أحكم أسباب البعد بيني وبينه، مع تقارب قلوبنا وامتزاجها في حالي القرب والبعد، كما قال الباهلي:
وعاندني فيه ريب الزمان كأن الزمان له عاشق
_________________
(١) من قصيدة له في جواب شاعر مدحه اسمه محمد بن علي بن محمد أبو الخطاب الجبلي: انظر شروح السقط: ٧٢٠.
(٢) ص: يجني السور.. الورى.
(٣) هو القاضي جلال الدولة (أو جلال الملك) أبو الحسن علي بن عمار تولى أمر طرابلس بعد وفاة عمه القاضي أبي طالب ابن عمار سنة ٤٦٤ فضبط البلد أحسن ضبط، ولما توفي المستنصر الفاطمي (٤٨٧) وانقسم الولاء بين نزار والمستعلي، كان جلال الدولة في صف نزار، فلما استتب الأمر للمستعلي قتل القاضي جلال الدولة بن عمار ومن أعانه (ابن الأثير ١٠: ٧١، ٢٣٨) .
[ ٨ / ٦٢٥ ]
وإني لأتذكرك وأتذكر أوقات المسرة بقربك، والأنس بالاجتماع بك، كما يتذكر الشيخ الهم شبابه، والعاشق امفارق أحبابه، وأرغب إلى الله في تسهيل أمر تجمعنا كما نحب، وأدعوه ربي (عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) (مريم: ٤٨) وما ذلك على الله بعزيز.
نعم سررت والله يا مولاي بكتابك وأنست بقراءته، وأوجبت حقًا لحامله وهششت والله اليه، كما قال قيس (١):
إذا ذكرت ليلى هششت لذكرها كما هش للثدي الدرور وليد
وفي فصل:
وأما ذكرته من التحرك إلى جهتنا، فهلم، قرب الله دارك، وأدنى مزارك، ورعى الله جوادًا يحملك، وطيب ريحًا توصلك، وبارك الله في ليلٍ أو نهار يفتر عن لقائك، ويبسم عن شهي مشاهدتك.
وله من أخرى:
وافى كتابك مطويًا على نزه (٢) تقسم الحسن بين السمع والبصر
جزل المعاني رقيق اللفظ مونقه كالماء يخرج ينبوعًا من الحجر
وصل كتابك يوم عيد النحر فكان عيدًا ثانيًا، وصادف أنسب واهيًا، ف كان له مسندًا بانيًا، فارتحت له ارتياح الروض للمطر، ولم أمل بتكرير قراءته وهل تمل عين من النظر، فكم من معنىٍ بديع، ولفظٍ محكمٍ صنيع، وبراعةٍ أتى بها (قلمه] شرعًا، وبلاغة جاش بها بحره طبعًا لا تطبعًا، " وليس بمنكر سبق الجواد " ولا بمتدعٍ جود العهاد، وأما النظم فنظم صفات الإحسان، واستدعى نوافج
_________________
(١) لم يرد في ديوان قيس (مجنون ليلى) .
(٢) ص: وافاني برة.
[ ٨ / ٦٢٦ ]
الإستحسان، وأما النثر، فأبهى من منثور الزهر، وأغلى قدرًا من الدر والجوهر؛ ولقد هزتني إلى لقاء مولاي لواعج شوقٍ تالد، وبواعث وجدٍ خالد، ودواعي أسف متضرم، لم يخلق البعد جديده، ولا أذوى طول العهد عوده، ولا أنسى تقلب الأحوال جهوده، ولا نقض مرور الأيام مرائره، ولا كدر تكدر العيش / [١٨٣] سرائره.
-.. (١)
[المجيد بن أبي الشخباء العسقلاني] (٢)
-
-. الجاذب أشطانه، وإنما هو الآن يرخي حتى يجذب، ويجتمع لكي يثب.
وله من أخرى:
المودات إذا كانت متينة العقود، صادقة المشهود، موضوعةً على أصل عريق، وأساس وثيق، لم تجزعها (٣) الشبهة المرمضة، ولم تزلزلها الأباطيل (٤)
_________________
(١) سقطت هنا - فيما أعتقد - صفحة - ضاعت بها وبقية ترجمة جلال الدولة ابن عمار وأول ترجمة المجيد بن أبي الشخباء.
(٢) هو الحسن بن محمد بن عبد الصمد بن أبي الشخباء أبو علي العسقلاني (ياقوت ٩: ١٥٢) والحسن بن عبد الصمد (ابن خلكان ٢: ٨٩) وقد اشار كلاهما إلى ترجمته في الذخيرة وأتيت ياقوت نقلًا عن ابن بسام أنه توفي سنة ٤٨٢ (وقع خطأ في الطبعة المصرية من معجم الأدباء: ٤٣٢) وكان يلقب بالمجيد ذي الفضيلتين ويقال إن القاضي الفاضل استمد من رسائله؛ وذكره العماد في الخريدة في العسقلانيين في القسم التابع لشعراء مصر الورقة: ١٤ (نسخة باريس رقم ٣٣٢٨) فقال: " مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له الخطب البديعة، والملح الصنيعة، وكان قبل عصرنا في أيام الأقسيس سنة سبعين وأربعمائة " وذكر العماد أنه رأى ديوانه عند صديق له بدمشق؛ وللمجيد مختارات من شعره في الخريدة ومجموعة من رسائله وخطبه في الريحان والريعان وفي جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام؛ وقال ياقوت إن أكثر رسائله إخوانيات وأورد جملة منها؛ وجعل المقريزي وفاته سنة ٤٨٦ (اتعاظ ٢: ٣٢٨) .
(٣) تجزعها: تدخل عليها الجزع.
(٤) ص: الأباطل؛ وجمع باطل عند سيبويه " أباطيل ". وعند غيره أن أباطيل جمع أبطولة؛ وقد ترد " أباطيل " إلى " أباطل " لحاجة الشاعر، ولا ضرورة لذلك هنا.
[ ٨ / ٦٢٧ ]
المعترضة، وإن تناقلتها ألسن مختلفة، وعلتها برود من اللفظ مفرفة، ولما رأيت زيارة مولاي قد صارت مرقعة، وجنوب (١) مودته قد عادت مروعة، وصرت أرى قوله متناقضًا، وماء البشر من وجهه غائضًا، من بعد ما عهدته (٢):
تنبي طلاقة وجهه عن وجهه (٣) فتكاد تلقى النجح قبل لقائه
وضياء وجهٍ لو تأمله امرؤ صادي الجوانح لارتوى من مائه
لم أتجاسر على سؤاله عن العلة خوفًا أن يعيب علي الارتياب بوده، وتطرق سوء الظن على عهده، فسألت من يعلم دفائنه، ويخبر ظاهره وباطنه، فأخبرني أن بعض الناس - ولم يسمه - نقل إليه عني، فشن الغارة على وفائه، وزلزل أواخي وده وإخائه، فقلت، عتب والله ولا ذنب، وشكاية ولا نكاية، وأنا أحاكم مولاي إلى إنصافه لا إسعافه (٤)، وعدله لا فضله، وما كان أجدره برفض قول الماحل (٥)، وتغليب الحق على الباطل، ولا يرى نفسه بصورة من تستخف حصانه الريح الخافقة، وتشعث من مودته الأقوال الماذقة، ولو انتقضت عندي المعاقد، وقامت علي - أعوذ بالله - الشواهد، لكان مولاي حريًا أن يجري في كرم اللقاء على العادة، ويتأدب بقول أبي عبادة (٦):
أبيت على الخلان إلا تحنيًا يلين لهم قلبي (٧) ويصفو لهم شربي
وإني لأستبقي الصديق إذا نبا علي وأهنا من خلائقه الجرب (٨)
_________________
(١) ص: وشيوب؛ وتقول العرب للاثنين إذا كان متصافيين ريحهما جنوب، قال الشاعر: لعمري لئن ريح المودة أصبحت شمالًا لقد بدلت وهي جنوب (٢) ورد البيتان التاليان في الخريدة: ١٥.
(٢) الخريدة: وده.
(٣) ص: لاسعافه.
(٤) ص: القول الماجل؛ والماحل: الساعي، ومحل به: كاده بسعاية إلى السلطان.
(٥) هو البحتري: والبيتان في ديوانه: ١٠٥.
(٦) الديوان: عطفي.
(٧) أهنا: مخفف من أهنأ أي أطلي بالقطران.
[ ٨ / ٦٢٨ ]
والآن فقد أوضعت وأوجفت، وتألفت مولاي واستعطفت، فإن عادت ظلال وده مديدة، وحبال كرمه محصوفة (١) جديدة، فحسن بتلك الشمائل، أن تجمع شمل الفضائل؛ وإن تمادى على هذه الهجرة، ولم يصح من نشوات تلك السكرة.
فما ذاك من ذنبٍ علي اجترمته إليه فيجزيني به حيث أعلم
ولكن إنسانًا إذا مل صاحبًا وحاول صرمًا لم يزل يتجرم
والله جلت قدرته يجعل حفظ المودة عنده أوجب الحقين، وأنفع العلقين، ويرفعه عن السمة بنقض المرائر، وحلية الجائر الغادر.
وسافر بعض إخوانه فشغل عن وداعه فكتب إليه: ما أخرني عن خدمة مولاي بالوداع أني متأخر في حلبة ولائه، ولا عارٍ من ملابس إخائه وآلائه، ولوددت لو صحبت ركابه السعيد إلى الصعيد، وقطعت معه عرض المهمة البعيد، وزودت من مجاورته قلبًا معمورًا بوده، ومن مشاهدته طرفًا لا صبر له من بعده، وإنما حجزني أمران كل منهما يمهد العذر ويبسطه، [ويمحو] (٢) الذنب ويحبطه، وهو شغلي في إنشاء التقليد [العلي] (٣) وتحريره، وفعل ما أمرت به الحضرة السامية وتقريره، ثم خوفي أن أرى مولاي وقد حل انطلاقه، وأسمع [أن قد حان فراقه]، ونعق غراب بينه فقض أضلعًا، وأفاض نفوسًا وأدمعًا، فضعفت عن مشاهدة ذلك المقام، وقصرت [عن تحمل ذلك] الداء العقام، وظللت أنشد، والدموع همع، والفؤاد مصدع:
وأخرني (٤) يوم انطلاقك أن أرى على جمرات البين [قلبي يلذع]
فؤاد إذا قيل الفراق تساقطت خفوقًا أواخي صبره (٥) تتقطع
_________________
(١) ص: مقصوفة؛ والحبل المحصوف أو المحصف هو المحكم الفتل.
(٢) بياض في ص.
(٣) ما يرد بين معقفين حتى آخر القطعة سببه عدم ظهور الكلمات في أواخر الأسطر، في هذه الصفحة.
(٤) ص: وأخبرني، ولعلها أن تقرأ أيضًا " وأحزنني ".
(٥) صبره: قراءة تقديرية، وصورة الكلمة في الأصل تشبه " هزة ".
[ ٨ / ٦٢٩ ]
وإني صليب العود في كل حادثٍ ولكن أعوادي [لنأيك خروع]
وإذا استنقذ البين هذه النوبة، وخفقت بمشيئة الله رياح الأوبة، وهبت وجهي للشحوب، وجسمي للنصب واللغوب، وهتمت ثنايا الأرض إيضاعًا وإرقالًا، وجعلت مسافة اللقاء لمسافة الوداع أميالا، وأطلت شكر الزمان على ما يجدده لي من مسرةٍ قد خلعت بردها، واستطلت عهدها، وأنشدت:
طربت وقد جاء البشير بقربكم وذو الشوق عند اسم الحبيب طروب
وقمت إليه راشفًا من ترابه ترى لك يحلو رشفه ويطيب
وما يبعد ذلك في قدرة الله الذي يخرج من الشجر الأخضر جذوة نار، ويهب القمر كمالًا بعد نقص وسرار.
وله من أخرى / [١٨٤] يعاتب بعض القواد (١):
رأيت فلانًا (٢) عند نظرته لي بالأمس قد قطب حاجبه، وزعزع مناكبه، وأوسع الغلام من [.. .. ..] ذيل كمه؛ فقلت: ماله - أأنزل إليه وحي، أم عصب به أمر ونهي، أم حصل من الخلافة على وعد، أم أنسئ له الأجل مدة العهد، أم قل عقله فعق نفسه وظلمها، وجهل مقادير الأشياء وقيمها، واعتقد أن الدنيا طوع حكمه، والقطر صائب فهمه، أم رأى الملائكة المقربين تتشفع به، والحور العين تشكو لاعج حبه، وثمار الجنة تدلت إلى يده، ونار جهنم تقتبس من زنده، والكوثر يمد من معينه، والسموات مطويات بيمنه، والبراق قد امتطي لحضرته، والفراق [] قوته، فأجبت بأن شيطان ظني مارد، وتصوري فيه - أعزه الله - فاسد، ولا حقيقة لشيءٍ مما توهمته، وسددته من القول وأقمته، فقلت: إذا لم يكن ذاك فما
_________________
(١) الشق الأيمن من هذه الصفحة أكثره مطموس، ولذلك تعذرت قراءة بعض العبارات، كما أن بعض القراءات المثبتة مما لا أقطع بصحته.
(٢) ص: فلان.
[ ٨ / ٦٣٠ ]
ذلك - قيل: سفه في الرأي وأفن، وتغير في الطينة وعفن، ظن أن الأحرار ملك عهدته، والعالم مجموع في بردته، فحين سمعت ذلك أخذتني لمولاي الحمية، وهزت رأسي الأريحية وقلت: معاذ الله، إن دونه في الحصاة (١) والكيس بطليموس، وفي الحكمة ارسطاليس (٢)، وإن الحكمة تستنتج من ظنه، والغيث يرشح من شنه (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥] وإنه بحمد الله كما قيل:
خرق إذا أفضى السماط به كثر العثار وطبق الزلل
وإذا السرير سما بقعدته غريت بظاهر كفه القبل
فهناك سكنت الألسن الهادرة، ووقفت المرادة (٣) الغادرة، وعاد من حضر يثني على مولاي ويقرظه، ويحمل من شكره ما يؤوده ويبهظه (٤)، فإن كانت هذه الوكالة واقعة منه بالوفاق، فيجعل ثوابي عليها انحلال العقدة من جبينه، وزوال التمارض من جفونه، وخفض الإصبع من سلامه، وترك النزوة على غلامه (٥) .
وله من أخرى في مثله:
أرى (٦) سلام سيدي قد تقاصر طويله، وروض جوه قد زاد ذبوله، وماء بشره قد غاضت بحوره، ونشاط لقائه قد استمر فتوره، وما عهدته - اعزه الله - تزدهيه الشبهة وتستخفه، وتصده عن كرم العهد وتكفه، وينزل المين من سمعه بالمكان المهيب، ومن قلبه بالقابل المستجيب، بل هو يرحب إذا حرج المضيق، ويرطب وقد عصب الريق، وتمر به المحفظات وهو راضٍ، وتوقظه المغايظ وهو متغاضٍ.
_________________
(١) الحصاة: العقل والرزانة.
(٢) ص: ارطاليس.
(٣) ص: الموادة؛ والمرادة: العتو والتمرد.
(٤) ص: وينهضه.
(٥) ص: أعلامه.
(٦) ص: أي.
[ ٨ / ٦٣١ ]
إذا أمرته مرة من حفاظه بسوءٍ نهاه خلقه البارد العذب
فما الذي أعاد فلقه غاسقًا، وصريحه ماذقًا، فإن يك عن ملل (١) فؤاده، وتشعب وداده:
فكم أخٍ غيره يومي ال - مقبل عن أمسي به الذاهب
مل فلم يعطف لحب الصبا ال - حاني ولا حق العلا الواجب
واستقرت الوزارة لبعض أصحابه ثم توقف الأمر بعد فيها فكتب إليه: الخيرة - أطال الله بقاء سيدنا - تجيء من غير الأمر المختار، و[هي] مخبوءة تحت أستار الأقدار، فكم سبب اجتمعت فيه شوارد الآمال، ولبس ظاهره مسحة من الجمال، كان المكروه منظومًا في تاجه، منطويًا في أثنائه وأدراجه، وآخر ظهر للناس بلونٍ شاحب، ووجهٍ قاطب، كان ضامنًا لابتسام الزمن، وكافلًا بالأجمل الأحسن، وبهذا أدب تعالى عباده، وقال في الكتاب المكنون (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة: ٢١٦) فلمح أبو عبادة هذا الأسلوب فقال في معناه (٢):
والشيء تمنعه يكون بفوته (٣) أحظى (٤) من الشيء الذي تعطاه
وإذا تصفحت الأمور بعين البصيرة، ونظرت بالخواطر المستنيرة، ونفذت بالألباب الصيرفية لا الزائفية، علم أن هذه الرتبة زليقة الصراط، سريعة الانحطاط، يعلو الإنسان صهوتها ثم هو بعد راجل، ويتحلى بها وقتًا ثم هو مسلوب
_________________
(١) ص: ملكه.
(٢) ديوان البحتري: ٢٤٠٣ وقبل البيت: والعيش ما فارقته فذكرته لهفًا وليس العيش ما تنساه ولو أنني أعطي التجارب حقها فيما أرت لرجوت ما أخشاه (٣) ص: يمنعه يكون بقربه، والتصويب عن الديوان.
(٣) الديوان: أجدى.
[ ٨ / ٦٣٢ ]
عاطل، وما لم يوسم بها فالخطط تعتقبه، والمنازل ترتقبه؛ أجل، وهذه الدرجة كلما خبرت الأقوام، وتمادت الأيام (١)، غاض معينها، وزاد حنينها، فمنها الكمد، ومن سيدنا الصيد، ومنها الكلف، ومنه / [١٨٥] التيه والصلف، حتى إذا نغل الأديم، ورعي الهشيم (٢)، وتشاقت (٣) الخطط، وجار الحكم وقسط، دعي سيدنا لشعب المنصدع، ووصل المنقطع، وغيجاد الممتنع، فهناك يقوم بالأمر، ويسهل الحزن والوعر:
مبارك (٤) تطرد اللأواء رؤيته طرد الظلام فرند البلجة الواري (٥)
وزير ملك خلت (٦) في عدل سيرته صحيفة الملك من إثم وأوزار
يذب عنه وقد ريعت جوانبه برأيه المكتسي أو سيفه العاري
وكان يومًا المجيد بمجلس الأنس، ودعوا بعض أصحاب القلانس فلم يحضر لأجل الغناء فكتب إليه: عجبت لمولاي كيف أسند في التخلف إلى عذرٍ هلهال، وسلك طريقًا صعبة المجال، وجعل المانع له من الحضور أمرًا يقوي على الهموم، ويقوت النفوس فكيف الجسوم، ويمتزج بالقلب امتزاج تاموره، ويطلق شكائم بهجته وسروره، فإن يك ذلك لدين وثيق، وخلق بالتقوى خليق، فما بلغ مولاي من حفظ الشريعة إلى هذه الرتبة، ولا وضع قدره بعد على هذه الهضبة (٧)، وإنما هو
_________________
(١) ص: الأنام.
(٢) نعل الأديم: فسد الجلد؛ ورعي الهشيم: مثل على اللجوء إلى غير ذي الكفاية لعدم وجود من هو كفؤ، كما قال الشاعر: ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رعي الهشيم (٣) ص: وساقت.
(٣) ص: منازل.
(٤) فيه قلب، إذ حقه أن يكون طرد فرند البلجة الواري للظلام.
(٥) ص: جلت.
(٦) كناية عن أنه لم يصبح بعد مشهورًا.
[ ٨ / ٦٣٣ ]
الآن يحكم أمرًا، ويصيد بها إذا تعقل عمرًا (١) . وإن كان لخوفٍ (٢) من ثقيل، وحذرٍ من غلول، فما كان هناك إلا من يفرق السورة (٣)، ويستر العورة، فإن حضر طوي هذا البساط، وتوفرت للمسرة أقساط، وإن تفادم وتغاتم دلك (٤) عليه شرح أمور قديمة، وظهور أنباء مكتومة، وجاءنا من حديث البستان الحيري ما يغض من الطيالس والقلانس، وينسي يوم الغبراء وداحس.
وله من أخرى في مثله:
لما هجر مولاي مجالسنا في الجامع وأوحشها (٥)، وأطال إليه ظمأ النفوس وعطشها، وأخلى مكانه من طلعته التي تطلع علينا من السرور ما غرب، وتؤنسنا بغرائب الأنس والطرب، وتصرف فكري في ما اقتضى ذلك فلم أعثر على أمرٍ عاذر، ولا ظفرت بسبب ناصر، ذهب وهمي إلى أنه استحدث ودودًا، واستطرف [خلًا] جديدًا، فترك هذا الأنام (٦) حتى ينقع أوامه، ويبرد غرامه، وحين ثوت هذه الظنة في نفسي أنفذت فلانًا لاستيضاح الخبر، فحكى أنه ألفى مولاي في الطبقة الدهشية (-) فدهش لما رآه من مجلسٍ حسنٍ، ومقام صبوةٍ وفتن، وأمور بديعة، وأحوال وسيعة، وفاكهةٍ لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، وظبيٍ قد كحل بالسحر لحظاته، وأطلق العقارب على وجناته، ونظم السلوك في ثغره، وأنبت ثمر الصبا في صدره، يدير على مولاي كأسًا:
إذا أخذت أطرافه من بحورها رأيت اللجين بالمدام يذهب
_________________
(١) ص: إذا لفعل؛ ولعل معناه: إنه يدير خطة لنيل منزلةٍ يصبح بها عمرو رغم دهائه دونه، ولفظة " يصيد " قد تقرأ " يصير "، رغم وضوح الدال في الأصل.
(٢) ص: للخوف.
(٣) يعني يتجنب سورة السكر، أي لا يعربد؛ وفي ص: لعدف السررة.
(٤) ص: إن تعاد وتفاتم وذلك؛ والتفادم: التظاهر بالفدامة، والتغاتم: التظاهر بالغنمة أي العجمة.
(٥) ص: وأوحشنا.
(٦) ص: هذه الأيام.
[ ٨ / ٦٣٤ ]
كأن بخديه الذي جاء حاملًا بكفيه من ناجودها [بات] يقطب
فطفقت متعجبًا لما وصفه المخبر، وحمد [ت] الله على صدق الحس والتقدير، وعذرت مولاي في التخلف عن الجامع، واستيفاء النهلة من هذه المشارع، وأوسعته ملامًا على التفرد بهذه الحسنة، والفاحشة المتبينة، دون الشيخ أبي الحسن، الذي ينحاز في فعله الحسن، ويضل في أدنى ذلك السنن، اللهم إلا أن يكون خاف أن يجري هذا الصديق على طاعة شيطانه، والبذاء على إخوانه، والتدحرج عن موضعه ومكانه، ليتأبط في الليل شرًا، ويسير إلى حيث تسكن الغزلان سرًا، وقد قرت أعضاؤهم نومًا وسكرًا؛ ومع هذا فأوثر من مولاي أن يقبل على شانه، ويخفض قليلًا من عنانه، فإن الجاه صدعه لا يجبر، والملقي بيده إلى التهلكة لا يعذر، وقد شببنا عن هذه الحال، فيحسن المتاب، ويسمح برد الجواب (١) .
وله من أخرى:
لو رآني مولاي وقد أرشفت الخمرة فوجدتها مرارة تذم ولا تحمد، وتثير كامن الحزن والكمد، وتصفحت الندام فعدمت منهم أنسًا عن الناظر دون الخاطر، وعدم تلك المحامد والمآثر، فأما الماء فالله يعلم أني أتجرعه ولا أكاد أسبغه شوقًا إلى تلك الخلال التي هي أنقى منه أديمًا، وأرق نسيما، وأمسك للنفوس رمقًا، وأكثر لذوي (٢) الحاجات تدفقًا:
خلائق: إما ماء كرم (٣) ترقرقًا أغادي به أو ماء مزن (٤) تصفقا
كأن الصبا جرت عليه ذيولها أصيلًا وفأر المسك عنها تفتقا
_________________
(١) ص: وقل شيئًا من هذه الحال.. ويسمح برب الحراب.
(٢) ص: ذوي.
(٣) ص: إما ماؤكم.
(٤) ص: موت.
[ ٨ / ٦٣٥ ]
وأما ارتياحي إلى الموالي السادة - حرس الله مددهم، وكثر بساحة المكارم عددهم - فارتياح من رحل وترك قلبه عندهم، وإني وإياهم لكما قال [الأول] (١):
لم ألق بعدهم قومًا فأخبرهم إلا يزيدهم حبًا إليّ هم
وعلى القاضي السيد منهم السلام [١٨٦] خصوصًا، لأني أعلم عن صورة حاله في هذا الشهر، واحتباس يده عن كأسٍ يحلبها، وفمه عن قبلة يسلبها، وقدمه من الحانة الخمرية، وزيارة الغيد الحورية، فإذا حلت بمشيئة الله أنشوطة هذا العقال، وأطلع الله سبحانه عليه هلال شوال، فأنس وسط القوم، وأخذ بثأره من أيام الصوم، فليذكر هناك صديقًا لم ينسه وقد ضرب البين رواقه، وأطال الفراق اعتياقه، واؤمل من الله تعالى أن يسهل من قرب الدار ما يعيد سلك المسرة منظومًا، والشمل بحضرته السامية ملمومًا، فهي الحضرة: تهب منها رياح العلاء، وتحط بها حقائب المدح والثناء، وتبدع في إسداء المنح والآلاء.
والبيت الذي أنشده لزياد بن منقذ الحنظلي أخي المرار العدوي.
قال ابن بسام (٢): وأراه أول من استشار معناه، ومنه قول الآخر مما أنشده
_________________
(١) سيذكر ابن بسام في ما يلي أن قائل هذا البيت هو زياد بن منقذ الحنظلي أخو المرار العدوي؛ ونسبه البغدادي في الخزانة (٢: ٣٩٤) إلى المرار نفسه، وروايته: وما أصاحب من قوم فاذكرهم إلا يزيدهم حبًا إليّ هم وزعم الحصري أن المرار هو نفسه زياد بن منقذ، ونقل ذلك البغدادي عنه (٢: ٣٩٥) وجاء في بعض أصول زهر الآداب أنه أخو المرار، حسبما ذكر ابن بسام، وروى البيت كما جاء في الذخيرة (انظر زهر الآداب: ١٠٦٤) قال البغدادي (٢: ٣٩٦) وزعم أبو تمام في الحماسة أن القصيدة التي منها البيت لزياد بن حمل بن سعيد بن عميرة (الحماسة رقم ٥٧٧) وزعم الأصفهاني في الأغاني (١٠: ٣٣٠) والخالديان في شرح ديوان مسلم ابن الوليد أن هذه القصيدة للمرار بن سعيد الفقعسي، والصواب أنها لزياد بن منقذ العدوي، قاله ياقوت في معجم البلدان (مادة: صنعاء) قلت: ما ذكره عن الحماسة ثابت عند التبريزي، وفي شرح المرزوقي: قال زياد بن حمل، وقيل زياد بن منقذ، وكذلك هو عند البكري، في شرح الأمالي: ٧٠، وانظر العيني ١: ٢٥٧ وشرح شواهد المغني: ٤٩ وحاشية البكر: ٧٠ وكان من مناسبة القصيدة أن زياد بن منقذ رحل إلى صنعاء فلم يحمدها، فقال ذلك الشعر يذمها ويتشوق إلى وطنه.
(٢) يعتمد ابن بسام في أكثر هذا التعليق على زهر الآداب: ١٠٦٤ - ١٠٦٥.
[ ٨ / ٦٣٦ ]
حبيب في حماسته، ويزعم دعبل أن هذا الشعر له (١):
ولما أبى إلا جماحًا فؤاده ولم يسل عن ليلى بمالٍ ولا أهل
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
وكان (٢) ابن عرارة (٣) السعدي مع سلم بن زياد بخراسان، وكان له مكرمًا، فتركه وصحب غيره فلم يحمد أمره، فرجع إليه وقال (٤):
عتبت على سلمٍ فلما فقدته وجربت أقوامًا بكيت على سلم
رجعت إليه بعد تجريب غيره فكان كبرءٍ بعد طول من السقم
وأنشد المبرد (٥):
أخ لي عاداه الزمان فأصبحت مذممةً فيما لديه المطالب
متى ما تذوقه التجارب صاحبًا من الناس تردده إليك التجارب
وأنشد أيضًا (٦):
حياة أبي العباس (٦) زين لقومه لكل امرئٍ قاسى الأمور وجربا
ونعتب أحيانًا عليه ولو مضى لكنا على الباقي من الناس أعتبا
_________________
(١) الحماسة رقم: ٤٩٧ (١٢٩٢) في شرح المرزوقي؛ وشرح المضنون: ٢٤٩ والزهرة: ٣٤ وأمالي القالي ١: ٢١٠ والحماسة البصرية: ٢: ١٧٣ وديوان ابن الدمينة: ٩٤ واللآلي في شرح الأمالي: ٥٠٢ (للحسين بن مطير) وديوان دعبل (تحقيق الأشتر): ٣١٩ وديوان الحسين بن مطير (جمع محسن غياض): ٧٠ وفي المصدرين الأخيرين تخريجات أخرى.
(٢) النقل عن زهر الآداب: ١٠٦٤.
(٣) زهر الآداب: ابن أبي عرادة.
(٤) هما في زهر الآداب، والأول منهما في عيون الأخبار ٤: ٤ لنهار بن توسعة، واعتاب الكتاب، ١٧١ (دون نسبة) والمستطرف ١: ٢٣٣ لابن عرارة؛ وبهجة المجالس ١: ٦٥٧ (دون نسبة) .
(٥) زهر الآداب: ١٠٦٥ ونسبه للبحتري، ولم أجده في ديوانه.
(٦) زهر الآداب: ١٠٦٥ والكامل ٤: ١٢٦ والثاني في عيون الأخبار ٤: ٤ والعقد ٣: ٤٥٥ وبهجة المجالس: ٦٥٧.
(٧) زهر الآداب: ١٠٦٥ والكامل ٤: ١٢٦ والثاني في عيون الأخبار ٤: ٤ والعقد ٣: ٤٥٥ وبهجة المجالس: ٦٥٧.
[ ٨ / ٦٣٧ ]
وقال مسلم بن الوليد (١):
حياتك يا ابن سعدان بن يحيى حياة للمكارم والمعالي
جلبت لك الثناء فكان عفوًا ونفس الشكر مطلقه العقال
ويرجعني إليك وإن تناءت (٢) دياري عنك تجربة الرجال
ويتطرف هذا المعنى أيضًا قول ابن الرقاع (٣):
وإذا نظرت إلى أميري زادني كلفًا به نظري إلى الأمراء
ومنه قول الرضي (٤):
ما ساعدتني الليالي بعد بينكم إلا ذكرت (٥) ليالينا بذي سلم
ولا استجد فؤادي في الزمان هوى إلا ذكرت هوى أيامنا القدم
ومن أخرى له عن الوزير الناصري (٦) إلى بعض القبائل: معلوم أن الله تعالى قد يأذن للنعم إذا خصت بالشكر أن تستدني البعيد القصي، وتستأنس النافر الوحشي، وإذا قرنت بالكفران يرحل منها القاطن، وتستوحش المعاطن؛ ووصل إليّ ما كان منكم من الانحراف عن الحضرة السامية والتظاهر بالخلاف عليها، فتحققت أن الشيطان قد أعمل فيكم كيده، واستنفذ في إضلالكم قوته ويده، وأوضع بكم في مراعي وبية، ودب إليكم من طريق خفية، فزين لكم غير الحسن، وأوطأكم الجانب الأخشن، ووسمكم في أحياء العرب بإخفار الذمم،
_________________
(١) زهر الآداب: ١٠٦٤ - ١٠٦٥ والكامل ٤: ١٢٦ وديوان مسلم: ٣٣٦ والثالث في المستطرف ١: ٢٣٣.
(٢) الكامل وزهر الآداب: وإن نأت بي.
(٣) البيت في الشعر والشعراء: ٥١٧ وتمام المتون، ٣٣٩ - ٣٤٠ وقد أورده ابن بسام في القسم الثاني من الذخيرة: ١١٦.
(٤) ديوان الرضي ٢: ٢٧٥ وقد ذكر ابن بسام أبياتًا من هذه القصيدة ١: ٢٣٦٥، ٢: ١٤٠، ٣٧٩.
(٥) الديوان: ما ساعفتني بينهم إلا بكيت.
(٦) لم يتوجه لي على الدقة من هو الوزير الناصري، ومما يزيد الأمر تعقيدًا أنه يذكر " اللواء الحمداني " في هذه الرسالة، ولعله ناصر الدولة الحمداني الذي استولى على أكثر أمور مصر أيام المستنصر، وقتل سنة ٤٦٥.
[ ٨ / ٦٣٨ ]
وكفران النعم، وأقول ما يجب أن يفهم: ألم تصلوا إلى هذه البلاد فتعرفوا (١) بها العيش الوحشي، وتحلوا فيها محل الغريب اجنبي، وتعيشوا عيش الغرثان الخميص، وتخطفكم العرب تخطف الأجدل للقنيص، فجمعت الحضرة شتيتكم، ووصلت مبتوتكم، فليت شعري ما الذي سولته لكم أوهامكم، وحدثتكم به أحلامكم -! وإيم الله لئن انقلبتم على الجناب الناصري، وانحرفتم عن اللواء الحمداني، لتصبحن أكلة للعرب، يحطون أعلامكم، ويزلزلون أقدامكم، ويحمونكم ورود الماء المباح، ويمنعونكم حلاوة النعم المراح، فراجعوا حلومكم العازبة، وتجافوا عن ذنوبكم اللازبة، وارجعوا (٢) إلى من أمتد عليكم ظله والزمن هجير، وصفا لكم ورده والعيش كدير، فلو قد فارقتم جنابه الفسيح لتفرقتم في الأرض شيعًا، ونبت لكم مقرًا ومضجعًا، وعثرتم عثرة لا يقال لها [لعا]، وقد قلت ونصحت، وبينت وأوضحت، وسلكت مسلك الحدب الشفيق، وبقي أن يمنح الله حسن التوفيق.
ومن أخرى:
ما اعتمده سيدنا بالأمس مع عبده من الإكرام خارق للقضية العادلة (٣) ومحسوب في الأوضاع الحائلة، وذلك أن كان مما [لا] يرفع الصيت ويبعده، ويعلي الجد ويسعده، ويشجي الحاسد ويغصه، ويهيض جناح العدو / [١٨٧] ويقصه، فإن الرضى به [يعد] إفصاحًا بالفهم القليل (٤)، ونكوبًا عن محجة التحصيل، وما إخال سيدنا يرضى لعبده بالدخول في هذا الحيز، والخروج عن سمة المحقق المميز، وليس يحب - وإن اشتهر بالعلم شغفه، وزاد [على] ذوي الآداب حنوه وتعطفه - أن يشيم لهم حده، ويهضم علاه وجهده (٥)، فإن استهام بحب المآثر
_________________
(١) ص: فتعدموا.
(٢) ص: وتصاموا عن ذنوبكم الكاذبة وراجعوا.
(٣) ص: العادية.
(٤) ص: إفصاحًا بالعيم العليل.
(٥) ص: وجحده.
[ ٨ / ٦٣٩ ]
والمساعي، وقويت منه في إكرام أوليائه الدواعي، وأنشد عند قراءة هذا الفصل:
لقد حكت الملام لغير داع (١)
ثم تجاوزت همته النهج البعيد، وقرع ذؤابة الطود المشيد، واستحسن قول الوليد (٢):
ينزل أهل الآداب منزلة ال - أكفاء إن ناهزوه (٣) في أدبه
لم يزهه عنهم وهم سوق في العين وطء الملوك في عقبه
فعبده يسل أن يختصر عليه في الإكرام، ويقف به دون ذلك المقام، فاللمحة في البدر تضيء السبيل، والقطرة من الماء تبرد الغليل.
ومن أخرى:
معلوم أن الزمان قد عادانا بعجابه (٤)، ونهشنا بأنيابه، وأدار علينا من صروف أحداثه كؤوسًان وجعل كل غريب لنا أنيسًا، ولما خرج عن حكم العادة، وسلك في مولاي غير الجادة، وأودعه عوارف يضيق عنها باع الكتاب، وقذف إليه أقاصي خطوب الخطاب، علمنا أنه قد أصاب رشده، وأوجب حمده، وأطلع شمس النهار من مشرقها، ووضع تاج الرياسة على مفرقها.
ومن أخرى:
خلد الله أيام الحضرة الأفضلية (٥)، ما فضلت الأسماء حروفًا، وتقدمت واو
_________________
(١) ص: واع.
(٢) ديوان البحتري: ٢٤٣.
(٣) الديوان: شاركوه.
(٤) ص: بعجائبه.
(٥) يعني بالحضرة الأفضلية: الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي، تولى الوزارة حين مرض والده سنة ٤٨٧ زمن الإمام المستنصر، وظل على الوزارة في أيام المستعلي ثم الآمر إلى أن اغتيل سنة ٥١٥ (الإشارة إلى من نال الوزارة: ٥٧ - ٦٤ وابن خلدون ٤: ٧٠) فإن كان ابن أبي الشخباء قد توفي سنة ٤٨٦ فهذه الرسالة مما أنشأه في الأفضل قبيل توليه الوزارة، يهنيه بإبلاله من مرض.
[ ٨ / ٦٤٠ ]
العطف معطوفًا، ولزمت الأفعال اشتقاقًا وتصريفًا:
يلفى عليها الحمد موقوفًا وفي عرصاتها شم الملوك وقوفا
وتعيد سطوتها سماء عداتها كسفًا وبدر سعودهم مكسوفا
ولج سمع العبد في هذه الساعة نبأ جمح عن أقماعه، وتصامم عن استماعه، تعاشيًا عن صبحه المبين، وتغليبًا للشك على اليقين، وخوفًا على المعز الشامخ أن يصحب شموسه، والمجد (الباذخ] أن تكور شموسه، والمحامد أن تنثر كواكبها، والمناقب أن تتزلزل مناكبها، ولما تلاه الخبر بما أصمت ناعقه، وكذب بارقه، ونطق بأن الجسم الشريف قد التفع شملة الإبلال، وعاد مزاجه إلى الاعتدال، أطال العبد في الترب تعفير خده، وبالغ في شكر الله وحمده، فيا لها نعمةً عدلت بها أحكام الزمان الجائرة، واهتدت ركائب الآمال الحائرة، وأصبح الملك المستنصري سائل الغرة، ضاحك الأسرة، [والحضرة] قد تمكنت في خطابها، وما نزعت برد شبابها، وامتدت بعد القلوص أفياؤها، وأضاءت في ظلمات الخطوب آناؤها:
والله أكرم أن [يعذب مهجةً] غذيت بأخلاط العلا أعضاؤها
فإذا طمت جسم الخطوب [عرامةً] [أربى على] فيض الحياء حباؤها
لو كان ينكر ملكها [رتب] العلا أحد لكان شهودها أعداؤها
ثابت بك الأيام عن جهلاتها وتوقرت من أهلها سفهاؤها
وبعدل حكمك زال عنا ظلمها وبنور مجدك أشرقت ظلماؤها
نار اعتزامك ما يبوخ ذكاؤها وسماء عزك ما تغيب ذكاؤها (١)
وعراض فضلك لم تضق أرجاؤها وعفاة جودك ما يخيب رجاؤها
فالحمد لله الذي منح الأمة من نعمةٍ أصبحت النوائب بها قد درجت أيامها،
_________________
(١) هذا البيت والتالي له وردا في الخريدة: ١٥ / أ.
[ ٨ / ٦٤١ ]
وهدت من المخاوف أعلامها (١)، والبخل قد هدم بنيانه المرصوص، والكرم قد ريش جناحه المقصوص، ولم يبق له سحاب إلا وهو يغدق ويهمع، ولا منادى إلا وهو يلبي ويسمع (٢):
يا ماجدًا نصر الشريعة حيث لا بيض تشام ولا ذوابل تشرع
والنصب منصوب اللواء وشائع في أهله بغض الذي يتشيع
عمت عوارفه (٣) فما من موضعٍ إلا ونائله إليه موضع
سائل به ودم الفوارس سائل يسقاه ظمآن التراب فينقع
واليوم قد كتبت (٤) سنابك خيله نقعًا جبين الأفق منه مقنع
فهناك تلقى الصدر لا متضايق والروع لا نخب الضلوع مروع
والشمس تهوى أن تقبل كفه فتذاد بالسمر اللذان وتمنع
فاقنع بما ملكت يداك من العلا إن كنت بالشهب الثواقب تقنع
فأما حال العبد فعلى الحالة التي يؤمل من الحضرة العلية كشف ضبابها، وانتكاث أسبابها، وكأنه من العبودية يقتضي ألا يغبه مزن مكارمها، ولا تتجاوز عنه جفون مراحمها، فيصبح وقد حفت به الشدائد / [١٨٨] وضاقت عنه المصادر والموارد.
أتتركني يا دهر في البؤس مفردًا ومالك رقي مفرد فيك واحد
إذا همم الأقوام شابت وأظلمت فهماته بيض الوجوه خرائد
فيا قاضي الدين الذي قام حافظًا حماه واهن العزم (٥) قاعد
_________________
(١) ص: وصدت في عيانها.
(٢) الأبيات ٣ - ٧ من هذه المقطوعة وردت في الخريدة: ١٥ / أ - ١٥ ب.
(٣) الخريدة: مواهبه.
(٤) الخريدة: نسجت.
(٥) ص: الحزم.
[ ٨ / ٦٤٢ ]
ومن ساد أهل العصر طرًا وألقيت له في عراص الفرقدين وسائد
أناديك في نادٍ يحف بي الردى وتنزل فيه النازلات الشدائد
تخاطبني فيه الخطوب فصيحة ويسهر عيني ضيق العين بارد
يطارحني صوتًا، سروري ناقص إذا هو غناني وهمي زائد
وللحضرة العالية الأفضلية، الري العالي في انتباش العبد من هذه الغماء، وكأن ما تهب له من العنايى زكاة عما ملأها الله من رزق الزمان، ومكنه لها من قواعد العز والسلطان، وتقربًا إليه جل اسمه إذا انشقت [السماء] فكانت وردةً كالدهان.
قوله: فهناك تلقى الصدر.. البيت، كقول المعتمد بن عباد (١):
وردتم تضييق صدرٍ لم يضيق والسمر في ثغر الصدور (٢) تحطم
وقال المعتمد أيضًا في صفة [مجلس]، من شعر قد تقدم إنشاده (٣):
هذي المدام وهذا النقل من جسدي غن لنفسك أشعاري بألحاني
وله من أخرى:
أطال الله بقاء الحضرة السامية الصارمية (٤)، ما عظم رجب في الإسلام، وولج الضياء في الظلام، ووشيت الطروس بأسنة الأقلام:
ترد العفاة شرائعًا من جودها نسخت بهن شرائع الإعدام
_________________
(١) ديوان المعتمد: ٦٧ وقلائد العقيان: ١٦ والذخيرة ٢: ٥١.
(٢) القلائد: النحور.
(٣) لا أراه تقدم في الذخيرة، كما أنه ليس في ديوان المعتمد.
(٤) يريد بالحضرة الصارمية: صارم الدولة بن معروف، وقد أورد ياقوت (٩: ١٧٥) رسالة أخرى من ابن أبي الشخباء إليه افتتحها بقول: أطال الله بقاء الحضرة الصارمية، يجري القدر على حسب أهويتها، ويعقد الظفر بعزائم ألويتها.. الخ.
[ ٨ / ٦٤٣ ]
وترى قلائد حمدها وثنائها منظومة بترائب الأيام
وإذا عصت نوب الزمان وخالفت وقفت لديك مواقف الخدام
إذ كانت أيام الحضرة العالية شاهدةً لها بجود يريش أجنحة الكرام المقصوصة (١)، ويقوم بفرائض المجد المنصوصة، وحلمٍ تطلق القدرة عنانه، ويستعير الجنان رجحانه، ووفاءٍ يعلم الدهر حفظ العهود، وينقل طبعه إلى الخقل المحمود، ورأي يقطع والسيوف مغمدة، ويسري والعوذ العتاق مقيدة، وبشر يخجل ضوء الشارق، ويضيء في جبينها إضاءة البارق، وجودٍ (٢) تأمر مكارمه الزمان لينتصر بالصارم ذي الفضائل، لا الصارم ذي الحمائل، وينتجع الأنواء المظفرية، فيهتتنها لها بالشهر والسنة حفظًا للسنة المرتبة، لا اعتمادًا على القضية المستوجبة، والله تعالى يديم أيامها الزاهرة، دوام نعمها المتظاهرة، فإن ذلك يرويه القريب والشاطن (٣)، ويتمثل به المقيم والظاعن:
ومرت بك الأيام وهي كوافل بنيل الذي ترجوه منها ضوامن
فيا صارمًا أثنت عليه عداته وأصدق من يثني العدو المباين
وفت بشروط الجود في المحل كفه ومزن السحاب الجود للأرض خائن
يضيف إلى إنعامه بشر وجهه كما جمع الحكمين في الحج قارن
ولولا الذي قدمت من حسناته لما وجدت للدهر فينا محاسن
فلا سره ما بين عينيه ظاهر ولا حقده ما بين جنبيه كامن
صفت لك من صفو السعود موارد وجادت عليك المعصرات الهواتن
تقسم طول الدهر أنمنًا وخيفةً فمالك مرعوب [وعرضك آمن]
_________________
(١) ص: المخصوصة.
(٢) ص: ووجد.
(٣) الشاطن: البعيد النائي.
[ ٨ / ٦٤٤ ]
وله من أخرى:
أطال الله بقاء الحضرة السامية معمورة بوفود السعادة ديارها، مش -[دودة إلى] قصدها أنساع العير وأكوارها، مفلولة عنها أنياب النوب وأظفارها، ولا زال من مد الظل ولو شاء جعله ساكنًا (١)، يمد عليها الظل ما سرى في الليل سفر، وطلع في السماء غفر (٢)، وخرج عن أيدي الكرام وفر، وأنس بالركبان مهمه قفر:
يطوع لها العاصي من الخطب عزةً ويدخل قسرًا تحت أحكامها الدهر
ولا زال يعلي في الخليقة أمرها على كل أمرٍ من له النهي والأمر
وفي فصل منها:
يا صارمًا حاز الثناء بأنعم لا تنقضي أوقاتهن فتنقضي
لما انتضته يد الإمام حققت هذي البرية حسن رأي المنتضي
متواهن عن كل جرمٍ طرفه فإذا رأى أكرومة لم يغمض
علقت يداه بكل لدنٍ أسمر يوم اللقاء وكل عضبٍ أبيض
وتراه حين تضيق أثواب العلا متمايسًا في السؤدد المتفضفض / [١٨٩]
يا عاشق العليا ومبغض ماله نفسي فداؤك من محب مبغض
لا تسألني عن زماني هل بدت لي منه صفحة مقبلٍ أو معرض
أنت الزمان فإن وجدتك ساخطًا يسخط علي وإن رضيت فقد رضي
كم قوضت يمناك عنا شدةً لولاك بعد الله لم تتقوض
ونهضت من ثقل المعالي بالذي لو سيم يذبل بعضه لم ينهض
[وبقيت تسهر] (٣) كل طرفٍ للعدا وتحل هضب سعادةٍ [لم تخفض]
_________________
(١) من قوله تعالى " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء جعله ساكنًا " (الفرقان: ٤٥) .
(٢) الغفر: منزل من منازل القمر، ثلاثة أنجم صغار وهي من الميزان.
(٣) بياض في ص.
[ ٨ / ٦٤٥ ]
[وتقطف] (١) من إنعام الحضرتين ثمارًا، وتعيد جدب (٢) الزمان ربيعًا، وتفيض على بني الآمال ربيعًا، فقد وفت لها حين خانت اليد بنانها، وسئمت الضلوع جنانها، وصدحت بالكلمة العلوية على المنبر، وسهام العدا تقع خلفًا وأمامًا (٣)، ورهج خيولهم يسحب على الموت غمامًا، وكم لها من مقامٍ نتق قلوب العداة نتقًا، وجمع قطري الرسالة فتقًا ورتقًا، فلا قلص الله ظلها عن هذا الثغر الذي يكاد ترابه بكرمها يورق، ونبته (٤) بحسنها يشرق.
ومن أخرى له:
شهر الصيام [ذو] فضلٍ مشهور، ورتبته علت (٥) جميع الأيام والشهور، فما تنتهك للشرع فيه حرمات، ولا تسمع للأوتار نغمات، ولا تنطق باللغو أفواه، ولا ترشف رضاب الكؤوس شفاه، وإذا اعتبرت أوقات الحضرة المنصورة، وجد أكثرها على هذه الصفة المذكورة، إلا أن الشهر اختصه الله بشرف القضية، وفرض صيامه على جميع البرية، فلا زال على الحضرة العالية عائدًا، ولها للأعمال الصالحة شاهدًا، تطلع في لياليه الحسنات شموسًا، وتجمع بين الشفق والفلق تسبيحًا وتقديسًا، خاطرة (٦) في جلابيب عز يعتلق الدهر بأسبابه، وكرمٍ يغرق البحر في عبابه، ومجدٍ تعشو النيرات إلى أنواره، وتعتصم الملوك الخائفة بجواره، وتترب بمكارمها الأيدي التربة، وتثبت بسعدها بروجهم المتقلبة، ويجدون ترابها في أفواههم عسلًا، وفي أجفانهم كحلًا، ويرون وظائف النوب عنهم ترفع، وآنف الحوادث تجدع:
_________________
(١) يبدو أنه وقع في هذه الصفحة تقطيع تداخلت فيه نهايتا سطرين، مما أحدث خللًا واضطرابًا في النص.
(٢) ص: تعيد أحدب.
(٣) ص: وأمما.
(٤) ص: ونبتها.
(٥) ص: على.
(٦) ص: ناظرة.
[ ٨ / ٦٤٦ ]
قد ود هذا النهر أن هلاله أضحى على غرر الشهور [يرفع]
ألبسته تقوى وألبس حلةً من سرمدٍ وكلاهما لا ينزع
وبرزت في جيشٍ تغص به الفلا وترى ذكاء بنفعه تتقنع
لجبٍ شكت كف البسيطة ثقله حتى لكادت تحته تتصدع
لابد تعرف بالعراق (١) جياده ونسيم ذكرك فوقها يتضوع
وعلى مطاها دارعون سيوفهم تدع السراب كأنما هو أيدع (٢)
وتقيم شرع بني النبي بأرضه والبيض ترعف والذوابل تشرع
لم ترض معروف العوارف نفسه فتراه يغرب في السماح ويبدع
وإذا تمنى المال يودع كفه خابت أمانيه وبات يوزع (٣)
تركت سيوفك كل خالع طاعةٍ وفؤاده من خوف بأسك يخلع
ومن أخرى:
لقد أسعد الرحمن من بات ثانيًا إليك عناني رغبةٍ وثناء
إذا ما الحيا جاراك في حلبة الندى رمى فوق فوديه قناع حياء
وما يتساوى قط بحر وجدول ولا كل أعضاء الفتى بسواء
إذا لم تحط نظمًا ونثرًا بمدحه فما حيلة الكتاب والشعراء
فككت إساري منعمًا وتركتني لآلائك الحسنى من الإسراء
والذي جعل الأرض بساطًا يبسط قدرها في الآفاق، ويجعل أيامها ينابيع الأرزاق، حتى لا ينطق بسوى شكرها لسان، ولا يرى لغيرها على أحدٍ إحسان.
_________________
(١) ص: بالفراق.
(٢) الأيدع: صبغ أحمر.
(٣) ص: يودع.
[ ٨ / ٦٤٧ ]
وفي فصل من أخرى:
وحضر فلان، وعليه من نعمته آثار قد حلت عطله، وسدت خلله، وظهر في زي يكبت كل عذولٍ وشامت، وينطق بالمنة عنه وهو صامت، وقد سير من ذلك ما سير غورًا ونجدًا، ونظم في ترائب الأيام منها عقدًا، ولا زالت مننه لذوي الآداب قاطرة، وعراصه بلطائم الثناء عاطرة، يتغاير النثر والنظم على مدائحه، وتفيض على العافين غروب مواهبه ومنائحه. ولما اعتزم العودة إلى ذلك الظل المديد، والعيش الرغيد، زودته هذه الرقعة مستدعيًا له الزيادة من كرم العادة، والحظوظ السنية المستفادة.
ومن أخرى:
أنبئت - أطال الله بقاء مولاي - بشيءٍ أنا فيه مكذب ومصدق، ومدافع ومحقق، واحتجت بحكم ذلك إلى مطالعته، وعلم كنه حالته (١)،
فالخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
عرفت أن هذا الراقص البغدادي قد رفض مودته خلفا، وسلك به من الخلافة (٢) عسفا، فوصله وهجر ديوانه، وأرضاه وأسخط خلانه، واستبذل فيه مصونًا من قدره، واستذل عزيزًا من تأتيه وبره، وصار يهب النفس بلمسةٍ [من] إهابه، وجميع سقي النيل برشفةٍ من رضابه، وينشد إذا تراكضت خيول اللهو واللعب، وغلظ عليه قول الملاحي المؤنب:
غزال تمتعت في قربه ونازعني الكاس حتى غلب
إذا ما تنفس في نومه تنفس عن مثل ما قدر شرب
_________________
(١) كنه حالته: قراءة تقديرية، إذ هذا الجانب من الصفحة قد طمس.
(٢) الخلافة هنا بمعنى الخلاف.
[ ٨ / ٦٤٨ ]
فيا ليل ليتك لا تنقضي وما صبح ليتك لا تقترب
فوجدت والله من إشناعة هذه الحال ما يجده الخائف غابة واقيه، والسليم عدم طبيبه وراقيه، خوفًا على جاه مولاي أن يميل، ويشنع فيه القال والفيل، فيصل إليّ من المصاب بذلك ما يعشي الناظر، ويخذل الناصر، لا سيما والنسب حظه من الشرف الخطير، وقسطه من الإعظام والتوقير، والصغير يعد به كثيرًا، والحصاة تحسب معه ثبيرًا، ولو كان مولاي مد على هذه السقطة سجفًا، وشرب ذلك العقار مزجًا لا صرفًا، لجاز أن تخفى القصة، وتنساغ قليلًا (١) هذه الغصة، فالعقل نعم الرقيب، والليل نهار الأديب، ويجب أن يتحقق مولاي أني ما أطلقت هذه اللفظة إلا وقد حصر الكتمان، والتقت حلقتا البطان، وسمعت ما يصم الآذان.
وله من أخرى (٢):
ما زال يختار الزمان ملوكه حتى أصاب المصطفى المتخيرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدموا قدمًا هلموا شاهدوا (٣) المتأخرا
تجدوه أوسع في السياسة منكم صدرًا وأحمد في العواقب مصدرا
إن كان رأيًا شاوروه أحنفًا أو كان بأسًا (٤) نازلوه عنترا
قد صام والحسنات ملء كتابه وعلى مثال صيامه قد أفطرا
ولقد تخوفك العدو بجهده لو كان يقدر أن يرد مقدرا
_________________
(١) قوله " الليل نهار الأديب " فيه إشارة إلى قصة ليحيى البرمكي حين بلغه أن ابنه الفضل قد تشاغل باللذات عن النظر في أمور الرعية - وكان واليًا بخراسان - فكتب إليه يلومه، وضمن رسالته أبياتًا يقول فيها: فكابد الليل بم تشتهي فإنما الليل نهار الأديب انظر ابن خلكان ٤: ٢٨.
(٢) منها ثلاثة عشر بيتًا في الخريدة: ١٦ ب وأحد عشر في ابن خلكان ٢: ٩٠ وقال ابن خلكان: وقد اقتصرت منها على هذا القدر خوفًا من التطويل.
(٣) الخريدة: هلم فشاهدوا.
(٤) الخريدة والوفيات: رأي بأس.
[ ٨ / ٦٤٩ ]
إن أنت لم تعث إليه ضمرًا جردًا بعثت إليه كيدًا مضمرا
تسري وما حملت رجال أبيضا فيه ولا ادرعت (١) كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن (٢) تحول سطوةً وزلال خلقك كيف عاد مكدرا
لا تعجبوا من رقةٍ وقساوةٍ فانار تقدح من قضيب أخضرا
فلذاك عدك حين يعرض عارض وسطى البنان وعد غيرك ختصرا
لو رام قسطنطينة لا جلقًا (٣) بك لم يدع في أرضها متنصرا
ولقد قضت أي الكتاب لكل من نصر الشريعة أن يعان وينصرا
فلا برحت الحضرة - حرس الله أيامها - تفتر (٤) عن مباسمها الحسان، وتفتخر بمناقبها قبائل غسان، فلو شاهد أهل جفنة (٥) جفانها، وأهل جبلة بن الأيهم ضرابها وطعانها، لعلموا (٦) أن الله أتاح السماحة والبسالة ملكًا منهم يحفظ ما ضيعه الناس من عهود، ويسرح ما ذخروه من نقودها، فما يزيد المدح مناقبه ضياء، ولا مراتبه اعتلاء، وإنما هو في ذلك كالمسك يطيب بنفسه (٧) طبعًا، ويزيد المحارض (٨) تضوعًا ونشرًا، وإن أطال العبد في نشر فضائلها مقوده، واستخدم في ذلك لسانه ويده، فإنما هو كمن يوقد في الشمس ذبالًا، ويهدي إلى الفرات نطافًا أوشالًا، والذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارًا، يجعل أمداد (٩) النعيم على
_________________
(١) ص: ادعرت؛ والتصويب عن ابن خلكان، وفي الخريدة: اعتقلت؛ وهو أدق.
(٢) الخريدة: عجبًا لحلمك إذ.
(٣) ص: لا حلعًا، ولم يرد هذا البيت في الخريدة.
(٤) ص: تعبر.
(٥) جفنة: الغسانيون.
(٦) ص: لعلم.
(٧) ص: لنفسه.
(٨) كذا في ص، ولعله: ويزيد في المجامر.
(٩) ص: امتداد.
[ ٨ / ٦٥٠ ]
الحضرة مغدقةً، ووفود المواهب بساحاتها محدقة، ويمتع الدنيا بمحاسنها التي يتطامن لها ذو الأبصار، وتتأرجح تأرج القطر في جميع الأقطار.
وله من أخرى:
فولجت منزلًا قد استعار من قلب العاشق حرًا ورهجًا، ومن أخلاق مالكه ضيقًا وحرجًا (١)، كأنما زفرت فيه النار، ونقط على جدارنه (٢) بالقار، فجلست طويلًا إلى أن حضر الإخوان، وقدم الخوان، فرأيت أرغفة قد أحكمت في الصغر والألطاف، ولم تتعوذ قط من الأضياف، وقد مرت عليها أيام، وعنيت بقول ابن بسام (٣):
أتانا بخبزٍ له يابسٍ كمثل الدراهم في خلقته
إذا ما تنفست عند الخوان تطاير في البيت من خفته
وثلاثة صحافٍ، واسعة الأكناف، بعيدة الأوساط من الأطراف، قد جعل في قرارة كل منها ما [لا يدفع السغب، ولا تجده / [١٩١] اليد إلا بالتعب، فجلنا جولةً وعينيه تطرف علينا شمالًا ويمينًا، وتتفقد منا حركةً وسكونًا، وقمنا ولم نقارب الكفاف، وقد ظن بنا الإسراف، فحضرنا مجلس المعاقرة فأديرت علينا قهوة قد خصت باللون الكدر، وكثرت بالماء الخضر (٤)،
كالمهل تغلي في البطون أو أنها يومًا تعد لكافرٍ لم تحرم
فحسونا أولًا وثانيًا، وكرعنا منها حميمًا آنيًا، وقلنا لعل ما يحضر من الملهيات يصلح فاسدها، وينفق كاسدها، ولم يكن بأسرع من أن افتتحت قينة يحرم لها السماع، وتستلذ الصمم الأسماع:
_________________
(١) ص: وحربا.
(٢) ص: ولقط على جدرانه.
(٣) هو علي بن بسام البغدادي (٣٠٢ أو ٣٠٣) وقد مر ذكره في عدة مواطن من الذخيرة، انظر مصادر ترجمته في القسم الأول: ١٤٢ (الحاشية: ٣) .
(٤) الخضر: يريد ماء فيه طحلب، للمبالغة، وإلا فقد تقرأ " الخصر ".
[ ٨ / ٦٥١ ]
تكدر صفو الراح في شدوها وتنفر الأنقار (١) من ضربها
لم تكن العلجة مطبوعة بل كان مطبوعًا على قلبها
فسمعنا ولأمر الله سلمنا: فحين جر الظلام علينا الذيل (٢)، وغشى النهار الليل، زفت إلينا خريدة رأسها مقطوع، ووسطها مشعوب مرقوع (٣)، قد حفظت عن عادٍ عهده، واستعارت من يأجوج قده، تبص كعيون الجنادب، وتضيء في الظلماء كنار الحباحب، فقوضنا خيامًا، وسكرنا همًا لا مدامًا؛ فالحمد لله الذي صد مولاي عن هذا المقام ومنعه، وحمى عما حضرناه مستمعه.
وله من أخرى إلى نفيس الدولة يستدعيه:
أنا - أدام الله تمكن مولاي - كالماء تتفرق أجزاؤه فيلتئم، وكعرق الفصاد تمزقه المباضع (٤) فيلتحم، وذلك أنه - أدام الله عزه - ارتد عن شريعة الوداد، ودان دين المحافظة بالإلحاد، واستعمل [من] الجفوة ما ينفر الطرف عن هجوعه، ويوحش الصدر من صحبة ضلوعه، فقسوت عليه أيامًا، وأوسعته (٥) في النفس ملامًا، ووجدت طعم السلوة طيبًا، والصبر من الصبر عنه ضربًا، وتشخصت لي أخلاقه مرة المقاطف، خربة المكاسر والمعاطف:
وإذا أفاق الجحد واندمل الهوى رأت القلوب ولم تر الأحداق
فما هو [إلا] أن اجتمعت به اليوم في المجلس المعمور حتى هبت علي رياح صفاته فطبت تلك الكلوم، وجددت تلك الرسوم، وأرتني المخفر من عهوده مخفورًا،
_________________
(١) ص: الأنفار.
(٢) ص: جرى الليل.
(٣) ص: مشغوف مرفوع.
(٤) ص: المضابع.
(٥) ص: وأزمعته.
[ ٨ / ٦٥٢ ]
والمحصى من ذنوبه منسيًا مغفورًا، فاستحال السلو شوقًا مبرحًا، والناضر (١) من المعتبة هشيمًا مصوحًا:
وما زال داعي الشوق حتى أجبته بمطروفةٍ تدمى لواهي الأنامل
وصدرت هذه الرقعة وأنا أود كلفًا، لو كنت فيها ألفًا، تفاؤلًا بعودة رياح الألفة، وتسكينًا للقلب من نزوات الرجفة:
من الوفاء وفاء لا يغيره مر الزمان بإعراض وإقبال
وعندي الآن ذاك الصديق الذي يخطف العقول ويذهبها، ويغير على الألباب وينتهبها، ويحطم الرماح كرانه، ويؤمن في مضمار المسرة خوانه، وليس والله تتصور لي الأقداح، وتلثم مراشف الراح، إلا ومولاي يحاسبني كؤوسها ويجهز إليّ خميسها؛ وأسأله أن تكون قراءة هذه الرقعة وقد ركب سمت الطريق، وقابل الأمر بالتحقيق.
وله من أخرى، وقد قبض على الوزير وقت الظهر، وافرج عنه في العشاء الآخرة:
من كرم الله وجزيل إسعافه، وجميل صنعه وألطافه، أن جعل سيدنا كالنجوم تغيب ثم يرتفع في غدٍ سمتها، أو كملكة الشطرنج يقال: قد فاضت ثم تعيش لوقتها؛ وقضي لحضرته بأن تزل الخطوب عنها زليل التراب عن متن الصفا، وتتحاملها النوائب [في هبطوها] وطلوعها، منذ خطرت الشمس في الحلل الجلنارية، إلى أن صارت في [الثياب] السوسية، ونزل سيدنا إلى داره بالسعد المصحب، وفي
_________________
(١) ص: والناظر.
[ ٨ / ٦٥٣ ]
الموكب المتلاغظ اللجب، وترك الوزارة تدعو (١) من زانها وجملها، لمن رقع هلهلها وسملها (٢)، وإن أكتابت لبعده، وعبقت أعطافها بلطائف مجده:
يضوع ثراها بالندى فتخالها رياضًا وكانت قبل وهي صوائح
صفا جوها بعد الكدور بعدله وطابت حشاياها الظماء القوامح (٣)
فالحمد لله على ما منّ من سرعة الإقالة، وانقضاب تلك الحبالة، وتفضل به من حسن الرعاية والكفالة، ولا زالت مواهبه - جلت آلاؤه - تقع عند سيدنا من وراء الاقتراح، وتسخر له أعطاف الغدو والرواح.
وفي فصل من أخرى (٤):
وصلت رقعة مولاي والصبح قد سل على الآافق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة غيهبه، فكانت بشهادة [الله] (٥) / [١٥٢] صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، قد توشحت بضروبٍ من الفضل تعطيه (٦) قاصية المدى، وتجريه (٧) في مضمار الأدب مفردًا:
فكأن روض الحزن تنشره الصبا ما ظلت من قرطاسها أتصفح
فأما ما تضمنته من وصفي فقد صارت حضرته [السامية] (٨) تتسمح في الشهادة بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا في مواضع الحقيقة،
_________________
(١) كذا في ص، ولعله " تدع ".
(٢) ص: وشملها.
(٣) الظماء القوامح: قراءة تقديرية، فالخط باهت كثيرًا تصعب قراءته.
(٤) أورد ياقوت (٩: ١٥٧) هذه الرسالة وقال أن ابن أبي الشخباء كتب بها إلى أبي الفرج الموقفي جوابًا عن رقعة.
(٥) الكلمة مطموسة في الأصل، واعتمدت في إثباتها على معجم ياقوت.
(٦) ياقوت: تقصر.
(٧) ياقوت: ويجري به.
(٨) زيادة من ياقوت.
[ ٨ / ٦٥٤ ]
فإن كنت قد بهرجت عليها فلتراجع (١) في نقدها (٢)، تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلًا، ولا أعد لكلمة واحدةٍ منكم أهلًا؛ والله ينهضني لشكر هذا الإنعام الذي يقف عليه (٣) الثناء ويضلع، ويحصر دونه البليغ (٤) المصقع:
هيهات: تعيي الشمس كل مرامقٍ ويعوق دون مناله العيوق
وفي فصل (٥):
وأما الفصل الذي ذكر أنه ألفاه في رسائل الكتاب وهو (٦): " وأما فلان فيحل في قومه محل العميد، ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد، قدوره عمارية، وعطسات جواريه أسدية، تراهن أبدًا يمسين في حلل الشباب، ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوعن عن النشر العبقسي، ويرتضعن مراضع ثعالة المجاشعي ". [وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما فيه عندي، فقد تأملته طويلًا، وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغبًا في الرضى بما بلغت إليه المقدورة وتجليل ذلك بسجوف الصفح] (٧) .
قوله: " فرح حنيفة بابن الوليد " اشار إلى ما قتل خالد بن الوليد المخزومي من بني حنيفة؛ وقوله: " قدوره عمارية " اشار إلى قول الفرزدق (٨):
_________________
(١) ص وأصل ياقوت: فتراجع.
(٢) ص: بعدها.
(٣) ياقوت: عنده.
(٤) ياقوت، الخطيب.
(٥) انظر ياقوت ٩: ١٥٨ - ١٦٣.
(٦) ياقوت: الذي أودعه الرقعة الكريمة.
(٧) هذه الزيادة من ياقوت ضرورية للربط، وتوثيق نسبة الشرح إلى ابن أبي الشخباء إلى ابن بسام، وفي إيراد هذه الشروح يعتمد ابن بسام الإيجاز.
(٨) ديوان الفرزدق ١: ٣٢٦.
[ ٨ / ٦٥٥ ]
أو أن قدرًا بكت من [طول ما] حبست على الحفوف (١) بكت قدر ابن عمار (٢)
ما مسها دسم مذ فض معدنها ولا رأت بعد نار القين من نار
وقوله: " عطسات جواريه أسدية " فأراد قول الأول في هجاء بني أسد:
إذا أسدية عطست فنكها فإن عطاسها طرف الوداق (٣)
وقوله: " يهوين لو خلق الرجال خلق الضباب " فذكر الجاحظ أن للضب أيرين وللضبة جرين (٤)، وأنشد قول النميري (٥):
تفرقتم لا زلتم قرن واحدٍ تفرق أير الضب والأصل واحد
وأنشد قول القائلة (٦):
وددت بأنه لا زلتم ضب وأني ضبيبة كديةٍ وجدت خلا
وأما قوله: " يتضوعن عن النشر العبقسي " فإن من أمثال العرب: هو أخسر صفقةً من شيخ مهوٍ (٧) بطن من عبد القيس، وكان من خبره أن إيادًا كانت أفسى العرب، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ، ومعه حلةً نفيسة
_________________
(١) على الحفوف: قلة من الدسم؛ وفي ياقوت: عن الحقوق (مع أن أصله: على) .
(٢) الديوان: ابن جيار، وبهذه الرواية يضطرب الاستدلال إذ يجب أن يقول " قدوره جيارية ".
(٣) البيت في الأغاني ١٢: ١٨١ منسوب لكثير عزة (ديوانه: ٣٨٩) وروايته: إذا ضمرية عطست.
(٤) انظر الحيوان ٦: ٧٢ وانظر أيضًا ٤: ١٦٣ - ١٦٤.
(٥) ص: قول البحتري؛ وأورده الجاحظ (الحيوان ٦: ٧٢) دون نسبة؛ وإنما رواية الخبر كله عن أبي خالد النميري لا البيت وحده؛ وقال الجاحظ أن البيت مما أنشده الكسائي، وفي ياقوت (٩: ١٦١) وأنشد الأصمعي لابن درماء فيما رواه أبو خالد النميري.
(٦) هي عند الجاحظ وياقوت حبى المدينة.
(٧) المثل في الدرة الفاخرة: ١٤٠ (أحمق من..) والعسكري ١: ٣٨٨ والزمخشري ١: ٨٢ وثمار القلوب: ١٠٦ واللسان (فسا)؛ واسم الشيخ عبد الله بن بيدرة، وفي نقل ابن بسام إيجاز مخل؛ فإن الأيادي نادى ألا إني رجل من إياد فمن ذا الذي يشتري عار الفسو مني ببردي هذين فقام الشيخ العبدي فقال: هاتهما، فأنزر بأحدهما وارتدى بالآخر، وحينئذ أشهد عليه الأيادي من شهد الموسم بعكاظ.
[ ٨ / ٦٥٦ ]
فقال: يا معشر العرب إني قد بعت فساء إيادٍ لوافد عبد القيس بحلتي هذه؛ وافترقا راضيين، وقد شهد عليهما أهل الموسم، فصارت عبد القيس أفسى العرب، وقيل لابن مناذر (١): كيف الطريق إلى عبد القيس - قال: شم ومر.
فإن عبد القيس من لؤمها تفسو فساءً ريحه يعبق
من كان لا يدري لها منزلًا فقل له يمشي ويستنشق
وأما مراضع ثعالة فيقال: هو أعطش من ثعالة (٢)، رجلٍ من بني مجاشع، كان ضل الطريق هو وابن عم له، فعطشا، فالتقم كل واحدٍ منهما أير صاحبه يشرب بوله، فلم يغنيا عنهما شيئًا وماتا عطشًا، فوجدا على تلك الحال؛ ولذلك قال جرير يعير بني دارم (٣):
رضعتم ثم بال على لحاكم ثعالة حين لم تجدوا شرابا
وقيل: ثعالة: الثعلب، في تفسير هذا الخبر عن ابن حبيب، وخالفه ابن الأعرابي وحكى ما ذكرناه، وأنشد أيضًا قول جرير (٤):
ما كان ينكر في غزي (٥) مجاشعٍ أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل
وله من أخرى يعزى بموت ولد فخر الدولة غريقًا (٦):
_________________
(١) هو محمد بن مناذر شاعر بصري مات في أيام المأمون (الأغاني ١٨: ١٠٣ والشعر والشعراء: ٧٤٧ وطبقات ابن المعتز: ١١٩ ومعجم الأدباء ١٩: ٥٥) .
(٢) ورد المثل في الدرة الفاخرة: ٣٠٩ والعسكري ٢: ٧٠ والميداني ٢: ٤٩ والزمخشري ١: ٢٤٨. ديوان جرير: ٨١٨ وروايته " ثم سال ".
(٣) ديوان جرير: ٨١٨ وروايته " ثم سال ".
(٤) ديوان جرير: ٩٤١ والدرة: ٣٠٩ والنقائض: ٢٢٣ والمعاني الكبير: ٥٨٥ واللسان والتاج (فشل) .
(٥) الديوان: ندي؛ ص: عدي.
(٦) وردت هذه الرسالة في جمهرة الإسلام، الورقة: ٦٨ وأنها في رثاء ولد كافي الكفاة وبين النصين اختلاف، كما أن الرسالة في الجمهرة أوفى مما هي في الذخيرة.
[ ٨ / ٦٥٧ ]
غير بدعٍ من الزمان - أطال الله [حضرة] (١) سيدنا - أن تنكث حباله، وتصرد نباله، وتراش في قصد الكرام سهامه [وترهف نصاله] وتفهق بالغدر فجاجه، ويمزج (٢) بالسم أجاجه، ويثار في النفوس عجاجه (٣)، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب (٤) غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت ضرائبه (٥)، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، فقل ما يراع روع بما جناه، وتجذل نفس / [١٩٣] بما منحه وأقناه، فإذا اصطلم [يومًا] أنف المجد [و] جدع، [وفطر قلوب المكارم وصدع]، وخرج عن العادة المألوفة فابتدع، فهناك يحسن أن تطلق بذمه الألسن، ويجب أن يلقى بجيش اللوم اللجب.
ولما طرق الفادح بمن لا أسميه تفاديًا (٦) من تحقيق الخبر بمصرعه، وصونًا له من مورد الحمام ومشرعه، رأيت (٧) المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقدٍ متناثر، والقمر قد سئم هالته، والصبح قد خلع (٨) الليل عليه غلالته، وشاهدت الكتابة مقصورة المدود، والبلاغة مخموشة، الخدود (٩) والأدب قد اسودت سحنته، واشتدت على الزمن (١٠) وامتدت إحنته، إذ طرق بما يتجاوز القدر، ويوحش الأضالع من صحبة الصدر.
_________________
(١) زيادة من جمهرة الإسلام.
(٢) الجمهرة: وتجدع (اقرأ: وتجدح) .
(٣) قدمت هذه العبارة وقد تأخرت عن هذا الموضع في ص، اعتمادًا على جمهرة الإسلام وحفاظًا على تسلسل الأسجاع وكانت في الأصل؛ ويثار في قصص الكووس عجابه.
(٤) الجمهرة: وأنس بعرف.
(٥) الجمهرة: صوائبه.
(٦) الجمهرة: تباعدًا.
(٧) الجمهرة: رأى.
(٨) الجمهرة: ألفى.
(٩) الجمهرة: شواهد البلاغة متصرمة المدود والكتابة مرسومة الحدود.
(١٠) الجمهرة: على الدهر.
[ ٨ / ٦٥٨ ]
شمس العلا غربت بحيث ترى أبدًا غروب الشمس والبدر
من بره بك أن يخط له جنن بقرب عطائك الغمر (١)
وكأنما هو درة دفنت في جنب ما ولدت من البحر (٢)
وتنزهت عن أن يصافحها سمك (٣) الصفيح وظلمة القبر
فتعالى الله كيف استرد ذلك البدر قبل تمامه، وذبل ذلك الزهر في كمامه (٤)، قبل أن تشرف بموكبه الأعلام، وتروى من بنائه الأقلام، ويعبق دست الوزارة يفضح (٥) العقود الدرية، وتعسعس معه الليالي البدرية.
وقبل يرى من جوده ما رأيته ويسمع فيه ما سمعت من العذل
هذا والله هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها (٦)، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النفوس حمل الأوزار، وتأنف العيون (٧) من لقائه بالدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دأبها، وتخضب بالنجيع [أهدابها، إلا] أنه نزل بالحضرة (٨) ممن شدت بالتقوى (٩) مريرته، وتساوت في طاعة الله علانيته وسريرته، فالجزع لا يصبح مالكه، والخطوب لا تخطب تهالكه، والنازل يطيف منه بالعود البازل، الذي يتحقق أن الدنيا نسيمها شرار، وطعمها مرار، والمقيم فيها موجف، والرائد منبت معجف.
_________________
(١) لم يرد هذا البيت في الجمهرة.
(٢) الجمهرة: ما وليت من النحر.
(٣) الجمهرة: صم.
(٤) الجمهرة: قبل إكمامه.
(٥) الجمهرة: وتتيه الطروس من ألفاظه الدرية بما يفضح.. الخ.
(٦) الجمهرة: النفوس فواتها.
(٧) الجمهرة: الجفون.
(٨) الجمهرة: نزل من الحضرة العالية.
(٩) الجمهرة: شزرت (أو سورت) من التقوى.
[ ٨ / ٦٥٩ ]
وذكرت بهذا الفصل ما أنشدته لبعض أهل عصري يصف غلامًا وسيمًا [عام فانحسر منه العزم ونجا] (١) بعد أن أشرف على الموت من جملة أبيات:
شجاني المقام الصعب لما شهدته وقد ضاقت الأنفاس والنفس تذهب
وقد بهتت فيه اللواحظ إذ رنت إلى درةٍ تطفو [أوانًا] وترسب
كأن خليج الماء كان مجرةً وأنت بها شمس تلوح وتغرب
كسيت إصفرار الروض عند ذبوله ولكن على الحالين مرآك أعجب (٢)
عدا الماء من ماء الصبا فيك غيرة وما خلت أن الماء للماء يغضب
ستبقى بهذا النهر للناس عبرة مؤرخة في الكتب تتلى وتكتب
وتبنى على شاطي نجاتك كعبة يحج لها بالحب من يتقرب
وله من أخرى:
لدي (٣) - أطال الله بقاء مولاي الشيخ - نفس ترى النعم مع المهانة نقمًا، وتجد طعم العيش مع عدم الإنصاف علقمًا، ولو سمتها خروجًا عن هذا الأسلوب، ونزولًا عن ذلك الظهر المركوب، لرأت الخروج من الصدر أخف عليها محملًا، وأعذب لديها منهلًا:
لكل امرئٍ من دهره ما تعودا (٤)
وهذا بث اقتضاه كثرة تعجب مولاي من انقاطعي عن الحضرة التي بأنوار مجدها توضحت، وفي بحبوحة عزها درت وسرحت، وما أطلق من الألفاظ التي لو حاسب لسانه عليها لأنف من ذكرها، واستغفر من إثمها ووزرها، وقبيح بمثله ممن
_________________
(١) هذه القراءة بحسب المعنى لعدم وضوح الألفاظ في ص.
(٢) هذا الشطر غير واضح في ص.
(٣) ص: لسيدي.
(٤) صدر بيت للمتنبي، عجزه: وعادة سيف الدولة الضرب في العدا.
[ ٨ / ٦٦٠ ]
أعطاه السؤدد مقادته، وركب متن الشرف وجادته، أن يأكل لحم أخيه حيًا، ويرى غيبة خلطانه طعامًا مريًا، ولو عرف أصل ذلك وفرعه، وناجت به الحقيقة لسانه وسمعه، فكيف أن يزري وهو لا يدري، ويتكلم وهو لا يعلم، ويستحسن قواريض من القريض تترك شمل المحامد مفرقًا، وأديم الأعراض ممزقًا، ولقد كنت مزمعًا على فراق العادة، واتباع قول ابن ميادة (١): / [١٩٤]
وحكت لهم مما أقول قصائدًا تخب بها صهب المعارى وجونها
ورأيت أن أنبه مولاي على ما أنكرته: أن يكون بين أمرين: إما أن يسأل عن السبب الموجب لبعدي عن تلك الحضرة، أو يمسك عن الخوض في ما لا تحيط به الخبرة، فلعله إذا علم الحقيقة مهد المعذرة، وبرد لفحات اللوم المستعرة، وتبين (٢) أني ما ثنيت عناني عن هذا المورد إلا وقد ترنقت مشارعه، ولا زويت وجهي عن ذلك المنتجع إلا وقد ذوت مراتعه؛ وبعد ذلك فبين أضلعي ولاء تشتبك أواصره والأنساب منقصمة، ويشرق صباحه وأسرة الشمس مظلمة، إذا حفت به الحفائظ رق نسيمه، وتساوى في الإخلاص حديثه وقديمه:
فغن أنصف فإن يدًا تولت كسوري تهتدي لمكان جبري
وإن أحرم قضاء العدل أرجع إلى كنفين من هجرٍ وصبر
_________________
(١) من قصيدة له أورد أبو الفرج أبياتًا عديدة منها (الأغاني ٢: ٢٦٣ - ٢٦٤) ومطلعها: ألا حييا الأطلال طالت سنينها بحيث التقت ريد الجناب وعينها إلا أن البيت لم يرد في الأغاني وانظر شعر ابن ميادة (جمع الدليمي): ١٠١ (رقم: ١٥٣) .
(٢) ص: ويتبين.
[ ٨ / ٦٦١ ]
انتهى
القسم الرابع من كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وبكماله كمل جميع الديوان، والحمد لله على ذلك كثيرًا وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وسلم تسليما، وذلك ضحوة يوم الأحد السابع من شهر ربيع الثاني سنة ست وعشرين ومائة وألف عرفنا الله خيرها، ووقانا بمنه سوء كل ضير.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
والحمد لله رب العالمين
[ ٨ / ٦٦٢ ]