يهدفُ علم تحقيق النصوص إلى تقديم نَصٍّ صحيح مطابق لما كتبَهُ مؤلفُه وارتضاه في آخر حياته، وتوثيقه نسبةً ومادةً، والعنايةِ بضبطِهِ وتوضيحِ دِلالاته التي قصدَها مؤلفُه.
وحين بدأ العربُ يُعْنَون بتحقيق المخطوطات العربية ونَشْرها ظهرَ رأيان في الطريقة التي يتعيَّن اتِّباعُها عِندَ نشر التُّراث العربي، الأول: يرى الاقتصارَ على إخراج النص مُصَححًا مُجَردًا من كل تَعْليق، والثاني: يرى أنَّ الواجبَ يقضي توضيح النص بالتعليق على كُلِّ صغير وكبير توضح النَّص حتى يكونَ كالشرح لذلك النص.
وقد نُشِرَ الكثيرُ من النُّصوص خالية من التَّعليقات، أو تكادُ، تتفاوت في صحتها بحسبِ جَوْدة النُّسَخ المُعْتَمدة في النَّشْرِ من جهة، ومَدَى معرفةِ
[ ١ / ١٨٧ ]
القائم على نشرها (المحقق أو المصحح) بموضوعِ النَّص وقُدرته على قراءَةِ النص قراءةً صحيحةً وفَهْمه فَهْمًا قويمًا يبعدُه عن كَثْرة الخطأ والتَّصحيف والتَّحريف. ومَن يُطالع الطبعات المتقنة التي أخرجتها مطبعة بُولاق -مثلًا- يعلمُ أنَّ كبار المحققين لم يكونوا قادرين على إخراج نصوص أتقن ولا أصح من بعض تلك الطبعات. كما ظهرت في الوَقْت نفسه كتبٌ محققةٌ اقتصر فيها محققوها على ما هو ضروري من التَّعليقات.
ومما يؤسف عليه أن تظهرَ في العقودِ الأخيرة من المئة الماضِية عشرات النُّصوص وقد بالغَ محققوها بتعليقات لا مُسَوِّغ لها كأن المحقق يريد تفخيم النص الذي يحققه، أو تَوْبَلة الكتاب بها، تاركًا خلفه الصَّعْب المُبْهَم الذي هو بالتَّعليق خليق، فظهرَ من الكُتب ما هو محرف النَّص أو ناقصه، لكنه في الوَقْت نفسه مليء بتلك التَّعليقات التي لم تخدم النص، فظنَّ بعضُهم أنَّ هذا هو التحقيق الدَّقيق.
لقد بَيَّنتُ فيما تقدم أنَّ التَّعليق الذي لا بد منه هو ذاك الذي يتوصَّل به المحقق إلى ضَبْط النص من حيث تنظيم مادة النص بما يُظهر معانيه ويوضح دلالاته، وتقييده بالحركات الضرورية التي تؤدي إلى قراءةٍ صحيحة وما يستلزمه كل ذلك من رجوع إلى الكُتب المعنية بهذا الفن، وتثبيت الاختلافات المهمة بين النُّسخ والترجيح بينها وما يحتاجه من تعليق يُعَلَّل به ذاك الترجيح، والإشارة إلى الموارد التي اعتمدها مؤلف النص بعد الرجوع إليها سواء أكان قد صَرَّح بها أم أغفل التصريح وتأكد للمحقق اعتماده عليها، والعناية بإثبات الاختلافات الجوهرية بين تلك الموارد والأصول وبين النص الذي ذكره المؤلف مقتبسًا منها، ثم متابعة النقول التي اقتبسها منه المؤلفون الذين جاءوا بعده وتثبيت مواضعها ولا سيما فيما يتصل بالنَّاقلين المُتْقنين، كلُّ ذلك من أجل خدمة النص وتوثيقه وتصحيح نسبته.
على أنَّ هناك من التعليقات ما يمكن أن يقدِّمَ خدمةً إلى القارئ والباحث والمستفيد، فيُيَسِّر له مزيدَ استفادةٍ من النص، باعتبار أنَّ المحققَ الذي سَبَرَ غَوْر
[ ١ / ١٨٨ ]
النص من طول معاناته له وللنصوص التي تدور حوله أقدر على فَهْم هذا النص من أيِّ باحثٍ آخر وإن كان متخصصًا، فيُعلِّق على النص بما يُجَلِّيه وييسره، من نحو شرحٍ لمصطلح أو لفظٍ غريب، أو تعريفٍ بمبهمٍ مَغْمورٍ، أو كلام على الأحاديث وتخريجها، أو بيان الأوهام التي قد يقع فيها مؤلف النص المُحَقَّق، أو تخريج للتراجم ونحوها. وهذا كله بلا شك لا علاقة له بضبط النص وتحقيقه، ومن ثم يمكن للمحقق أن يهمل أي أمرٍ من هذه الأمور، أو يُعطي له مزيدَ عناية بحسب ما يَرَاهُ مُناسبًا لقارئ الكتاب، وطبيعة الكتاب نَفْسه، من غير أن يُعَدَّ ذلك من باب الإهمال أو التقصير.
ولكن صار الكثير من المُتعانين لهذا العلم في عَمْرنا يخلطُ بين "التحقيق" و"التَّعليق"، مما خلقَ بلبلةً كبيرةً في طرائقِ المُحققين واختلافًا بَيِّنًا في منهاجهم بسبب عدم اتضاحِ المَفْهُومينِ عند الكثرة منهم، وخَلْطهم بين التعليق الذي يهدفُ إلى ضَبْطَ النص وَتقْييده وبين التَّعليق الذي قد يفيد القارئ والباحثَ ويعينُه على مزيد استفادةٍ منه.
إن التعليق على النص ينبغي أن تراعى فيه طبيعة موضوع الكتاب ونوعية المستفيدين منه، ومن ثم فهو يختلفُ من كتاب إلى آخر. وتحقيق كتب التراجم قد لا يختلف في إطاره العام عن مناهج تحقيق المخطوطات في العلوم الأخرى، ولكنه بلا شك له بعض خصوصية تميزه عن غيره، ومنها تنظيم مادة النص، فالمؤلفون والنساخ لم يكونوا يعنون في الأغلب الأعم بتنظيم مادة النص، كما هو متعارف عليه في عصرنا من حيث بداية الفقرات ووضع النقط عند انتهاء المعاني، ووضع الفواصل التي تظهرها وتميزها والتي أصبحت من ضروريات الكتابة الحديثة في هذا العصر، بل يسردون الكلام سردًا ويوردونه متتاليًا، فيتعينَّ على محقق الكتاب عندئذ إعادة تنظيم المادة بما يفيد فهم النص فهمًا جيدًا ويوضح
[ ١ / ١٨٩ ]
معانيه ويظهر النقول والتعقيبات بصورة واضحة وذلك عن طريق تقسيمه إلى فقرات وجمل.
ولعل من أكثر الأمور أهمية في تنظيم النَّص تعيين بداية الفقرة، حيث إن بداية الفقرة تقدم انطباعًا بأن المادة التي تتضمنها تكوِّن وحدة مستقلة ذات فكرة واحدة، ومرتبطة في الوقت نفسه بالسياق العام لمجموع النص.
ففي التراجم مثلًا يمكن تقسيم الترجمة إلى عدة مجاميع مستقلة، تكوِّن بداية للفقرات، وهي في الوقت نفسه العناصر الرئيسة المكونة للترجمة عند مُؤَلِّف مُعَيَّن.
وعلى الرغم من أن المادة المتوفرة في ترجمة ما عند مُؤَلِّف مُعَيَّن تختلف حسب منهج ذلك المؤلف من جهة، وحسب طبيعة المترجم له، ومكانته العلمية، أو الأدبية، أو السياسية من جهة أخرى، فإن المحقق يستطيع بعد دراسة النص أن يضع لنفسه منهجًا موحّدًا في تنظيم النص استنادًا إلى ذلك.
ولو ضربنا مثلًا لتنظيم تراجم العلماء لاستطعنا من غير شك أن نترسّم الوحدات الرئيسة الآتية:
أ - اسم المترجم ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته.
ب - مولده أو ما يدل على عمره.
جـ - نشأته ودراساته وأخذه عن الشيوخ.
د - إنتا جه (مؤلفاته) وتلامذته.
هـ - منزلته العلمية وآراء العلماء فيه.
و- تحديد تاريخ وفاته.
ز - بعض الأمور المتصلة به.
وقد تتوفر هذه الأمور جميعها في الترجمة الواحدة، وقد توجد طائفة منها، أو لا يتوفر منها إلا القليل حسب الموازين التي ذكرناها قبل قليل.
[ ١ / ١٩٠ ]
ومما لا شك فيه أن النقل عن كل مورد من الموارد التي اعتمدها مؤلف النص يكون وحدة قائمة بذاتها، فيتعين على المحقق حينئذٍ أن يبدأ النقل بفقرة مستقلة يُنهيها عند الانتهاء من النقل.
وهنا تَكْمُن الصعوبةُ وتظهرُ براعةُ المحقق، وذلك لعدم وجود أسلوب واضح عند مؤلِّفي النصوص العربية في ذكر المصادر، فكان بعضهم يشيرُ إليها والآخرُ يغفلُ عنها.
وكان المؤلفون الذين يُعنون بذكر مصادرهم يستعملون عادة عبارات دالّة على بداية النقل مثل "قال" و"ذكر" و"وجدت بخط فلان" ونحوها. ويستعمل بعضُهم عبارات دالة على انتهاء النقل، نحو قولهم "انتهى"، أو "هذا آخر كلام فلان".
ولكن الصعوبة تظهر حينما لا يحدد المؤلف انتهاء النقل، فضلًا عن أن أكثر المؤلفين كانوا يذكرون المؤلف ولا يعينون الكتاب مما يخلق صعوبة في تعيين مواضع النقول.
ومن ذلك ضرورة تقييد النص بالحركات، لا سيما ما يلبس من الأسماء والكنى والأنساب والألقاب، وقد قال أبو إسحاق النَّجيرمي قبل مئين من السنين: "أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء يدل عليه ولا بعده شيء يدل عليه" (١)، ومن هنا بذل العلماء المسلمون جهودًا محمودة في تقييد من فيه أدنى اشتباه من أسماء الناس وكُناهم وألقابهم وأنسابهم وأسماء المواضع، باعتبار أن الأسماء شيء لا يدخله القياس، ليس هناك شيء قبلها يدل عليها ولا شيء بعدها يدل عليها، فليس لها إلا التقييد والضبط، سواء أكان التقييد والضبط بالقلم (يعني وضع الحركات فوق الحروف) أو التقييد والضبط بالحروف كما هو مشهور.
_________________
(١) المؤتلف والمختلف لعبد الغني الأزدي ١/ ٤٩ (ط. دار الغرب).
[ ١ / ١٩١ ]
وهذه الكتب هي المرجع الأمين والركن الركين التي يجب على كل محقق أن يعرفها ويطلع عليها ويقتنيها.
وتضم المكتبة العربية اليوم عددًا لا يُسْتهان به من الكتب المؤلفة في هذا الفن الجليل الخطير، حيث شمَّر العلماءُ عن سواعدهم منذ فترة مبكرة، وألَّفُوا فيه، منهم مثلًا:
حمزة الأصفهاني المتوفى سنة ٣٦٠ هـ في كتابه "التنبيه على حدوث التصحيف والتحريف"، عرض فيه للخط العربي وصفته وتطوره، وما وقع فيه كبارُ العلماء وغيرهم من التصحيف الشنيع (١).
وأبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى سنة ٣٨٢ هـ في كتابه "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" (٢).
وأبو الحسن علي بن عمر الدّارقطني البغدادي المتوفى سنة ٣٨٥ هـ في كتابه "المؤتلِف والمختلِف" (٣)، وهو من الكتب الرئيسة التي أفاد منها الخطيبُ البغداديُّ في مؤلفاته كما أفاد منه كُتّابُ المشتبه الآخرون.
وأبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري المتوفى سنة ٤٠٩ هـ في كتابيه: "المؤتلف والمختلف" (٤) و"مشتبه النسبة" (٥).
والخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ في كتابه "تلخيص المتشابه الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم"، وهو كتاب حافل (٦).
_________________
(١) طبع بدمشق سنة ١٩٦٨ م بتحقيق الدكتور أسعد طلس، يرحمه الله.
(٢) طبع بالقاهرة سنة ١٩٦٣ م بتحقيق عبد العزيز أحمد.
(٣) نشرته دار الغرب في ستة مجلدات سنة ١٩٨٦ م بتحقيق موفق عبد القادر.
(٤) نشرته دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة ٢٠٠٧ م في مجلدين.
(٥) طبع بالهند سنة ١٣٢٧ هـ بتحقيق محمد محيي الدين الجعفري.
(٦) منه نسخة بدار الكتب المصرية.
[ ١ / ١٩٢ ]
وممن كتب في المؤتلف والمختلف من أسماء القبائل الأديب المشهور محمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة ٢٤٥ هـ في كتابه "مختلِف القبائل ومؤتلِفها" (١).
وألَّف أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ "المؤتلِف والمختلِف" في أسماء الشعراء وكُناهم وألقابهم وأنسابهم (٢).
وأبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي المتوفى سنة ٤٩٨ هـ في كتابه النافع "تقييد المُهْمَل وتمييز المُشْكل"، ضبط فيه كل ما يقع فيه اللبس من رجال صحيحي البخاري ومسلم، وعندي منه نسخة مصورة، وطبع بعد ذلك.
وفي القرن الخامس الهجري وُضِع أضخم كتاب في هذا الفن حتى ذلك العصر هو كتاب "الإكمال" (٣) للأمير ابن ماكولا المقتول سنة ٤٧٥ هـ، حيث جمع فيه معظم الكتب المتقدمة واستوعبها استيعابًا ذكيا فصار كتابه مُعَوِّضًا عن معظم تلك الكتب، وهو كتاب لا يستغني عنه المحقِّقون المَعْنيون بتحقيق الكتب التي تناولت عصره والعصور السابقة له.
وفي بداية القرن السابع الهجري ألف الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني المعروف بابن نُقْطَة البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩ هـ كتابه الذي كمّل فيه كتاب ابن ماكولا وذيّل عليه وسماه "إكمال الإكمال" (٤).
_________________
(١) طبعه وستنفلد الألماني سنة ١٨٥٠ م.
(٢) طبع بالقاهرة سنة ١٣٥٤ هـ.
(٣) حقق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني المكي ستة أجزاء منه كان آخرها سنة ١٩٦٧ م وتوفي -﵀- قبل إتمامه، ثم طبع كاملًا في بيروت.
(٤) منه نسخ بدار الكتب الظاهرية برقم ٤٢٩ حديث، وفي دار الكتب المصرية برقم ١٠ مصطلح الحديث، وفي دار التحف البريطانية برقم ٤٥٨٦ شرقي. ثم نشرته جامعة أم القرى في ستة مجلدات سنة ١٩٨٧ م باسم "تكملة الإكمال".
[ ١ / ١٩٣ ]
وذيّل على ابن نقطة محدث الإسكندرية وجيه الدين أبو المظفر منصور بن سَلِيم بن فتوح الهَمْداني المتوفى سنة ٦٧٣ هـ (١)، وكان من طلبة المستنصرية.
كما ذيّل على ابن نقطة أيضًا أبو حامد محمد بن علي المحمودي المعروف بابن الصابوني المتوفى سنة ٦٨٠ هـ بكتابه النافع "تكملة إكمال الإكمال" (٢).
وفي القرن الثامن الهجري ألف مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي كتابه العظيم المختصر "المشتبه في الرجال: أسمائهم وأنسابهم" (٣) سنة ٧٢٣ هـ.
وقد رتَّبَ الذهبي كتابه على حروف المعجم وجعل لكل حرف بابًا، واعتمد فيه أمهات الكتب المؤلفة في هذا الفن، مثل كتب: عبد الغني بن سعيد الأزدي، وابن ماكولا، وابن نقطة، وابن الصابوني، ومنصور بن سليم الإسكندراني وغيرهم، فضلًا عما أخذه من شيوخه ووقع له وتنبه إليه أثناء دراساته الواسعة وممارساته لعلم الرجال وعلم التراجم.
ولما كان موضوع الكتاب على غاية من الاتساع فإن مؤلفه بالغ في اختصاره واعتمد القلم في ضبط المشتبه إلا فيما يصعب ويشكل فكان يقيده بالحروف، وهو نادر ..
_________________
(١) منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٨١ مصطلح الحديث وجاء العنوان فيها ذيل على كتاب مشتبه الأسماء للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الغني"، والمعروف أن كتاب ابن نقطة يسمى "إكمال الإكمال"، ثم طبعته جامعة أم القرى في مجلدين سنة ١٤١٦ هـ.
(٢) حققه شيخنا العلامة الدكتور مصطفى جواد يرحمه الله، ونشره المجمع العلمي العراقي سنة ١٩٥٧ م.
(٣) حققه أولًا المستشرق الهولندي دي يونغ ونشره في ليدن سنة ١٨٦٣ في ٦١٢ صفحة ثم أعادت طبعه مكتبة عيسى الحلبي سنة ١٩٦٢ م بعناية علي البجاوي في جزأين معتمدًا نسخة أحمد الثالث (رقم ٣٠٢٨) مع وجود نسخ أحسن منها.
[ ١ / ١٩٤ ]
وكان الذهبيُّ يعلم جيدًا صعوبةَ الاعتماد على ضبط القلم، فنبه على ذلك في المقدمة بقوله: "فأتقنْ يا أخي نسختك واعتمدْ على الشّكل والنقط ولا بد، وإلا لم تصنع شيئًا".
وقد احتل كتابُ الذهبي هذا مكانًا رفيعًا بين الكتب المؤلفة في هذا الفن العسير، وهو في حقيقته يُغني عن كثير من الكتب الأخرى، لكنه يحتاج إلى تمَرُّس ودُربة للإفادة منه.
وفي القرن التاسع الهجري طالع عَلّامةُ الشام الحافظ ابنُ ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٨٤٢ هـ كتاب "المشتبه" للذهبي، وضبط لنفسه نسخة نفيسة منه، ثم ألف كتابه العظيم "توضيح المشتبه" (١)، قيد فيه الأسماء والأنساب والكُنى والألقاب بالحروف لإيمانه بأن القلم لا يمكن اعتماده في مثل هذه الأمور، فأوضح بعض ما أهمله الذهبي، وشرح بعض ما رأى أنه شديد الاختصار، واستدرك على مؤرخ الإسلام استدراكاتٍ نفيسةً تدل على علم جمّ، ومعرفة وإتقان وبراعة تامة في هذا الفن، ولذلك يعد كتابه هذا -فيما أرى- من أنفس الكتب الموضوعة في هذا الفن على الإطلاق.
كما شرح كتاب الذهبي أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب سماه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" (٢)، وهو كتاب قيّم، ولكن أنّى له أن يبلغ مرتبة توضيح ابن ناصر الدين؟!
_________________
(١) منه نسخة ناقصة في مكتبة سوهاج بالبلاد المصرية، وعنها نسخة مصورة بدار الكتب المصرية، وفي دار الكتب الظاهرية بدمشق نسخة كاملة منه، ثم نشرته مؤسسة الرسالة في عشرة مجلدات سنة ١٩٩٣ م.
(٢) نشرته المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر بالقاهرة بعناية البجاوي أيضًا ١٩٦٧ م.
[ ١ / ١٩٥ ]
وحاول تلميذ الذهبي تقيّ الدين محمد بن رافع السّلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ أن يستدرك على كتاب شيخه في المشتبه (١)، فعمل جزءًا جعله كالذيل عليه.
هذه هي أشهر الكتب المُؤلَّفة في هذا الفن -وليس جميعها-، وهي سلاحُ المُحَقِّق الأول في ضبط الأسماء والأنساب والكُنى والألقاب المشتبهة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى دراية ودربة عند استعمالها، فلا ينبغي للمحقق عئد الرجوع إليها أن يجزم بصحة تقييد الاسم المشتبه إلا عند نصها عليه وتصريحها به، وإلا انعدمت الفائدة وما صارت تُرتجى منها العائدة.
وأسماء الأندلسيين والمغاربة تحتاج إلى مزيد عناية في الضبط، لما يخالطها من الأسماء الأعجمية الأصل التي اصطلح على لفظها أهل تلك البلاد ولا تتحصل معرفتها إلا عند القلة القليلة من الذين درسوا وتتبعوا ونظموا عملهم وقيدوا ما وجدوه في المخطوطات مقيدًا بخطوط المؤلفين أو النساخ المتقنين الثقات، والخبرة العميقة الشاملة بموضوع الكتاب.
وإن من نعم الله على هذا الكتاب أن مؤلفه كان من أكثر العلماء الأندلسيين والمغاربة عناية بتقييد الأسماء والأنساب والكنى والألقاب بالحروف، وتقييداته تُعد ثروة في هذا المجال مما لا يجاريه أحد فيها.
_________________
(١) نَشَرَهُ الفاضل الدكتور صلاح الدين المنجد ببيروت سنة ١٩٧٤ م، على نسختين من إستنبول، وذكر أنه قابل "تبصير" ابن حجر بذيل ابن رافع فتبين له أن ابن حجر لم يطلع عليه مدللًا على نفاسة الكتاب. ومثل هذه الأحكام المتسرعة كثيرة عند هذا العالم الفاضل، فقد أخطأ في هذا الحكم خطأ كبيرًا؛ لأن ابن حجر قد اطلع عليه ونصَّ على ذلك تصريحًا في آخر كتابه فقال: "وقد ذيل عليه الحافظ تقي الدين ابن رافع تلميذه في هذا المختصر جزءًا قدر عشر أوراق غالبه لا يرد عليه، لأنه إما أن يكون قد ذكره أو يكون لا يشتبه إلا على بعد (التبصير ٤/ ١٥١٢ - ١٥١٣).
[ ١ / ١٩٦ ]
ومع كل هذا فالضبط إنما يقوم على دعامتين رئيستين، أولاهما: حُسن قراءة المخطوطات، والإدمان عليها، ومعرفة خطوطها وكيفية رسم كل حرف عند ناسخ معين، وثانيهما: المعرفة التامة بموضوع الكتاب بحيث لا يقع المحقق عند الإشكال بما لا يستطيع له ترجيحًا أو إيجاد حل علمي مقبول.
وهاتان الدعامتان متوفرتان، بحمد الله وتوفيقه، بمحققيه الثلاثة الذين أفنوا أعمارهم في هذا الفن، وأنتجوا عشرات الكتب والموسوعات التراثية بأمانة وإتقان.
وكان الأستاذُ الدكتور محمد بن شريفة قد حقَّق السِّفرَيْن: الأولَ والثامن من الكتاب، وحقق الأستاذُ الدكتور إحسان عباس القطعةَ المتوفِّرة من السِّفر الرابع، ثم السّفرَيْن الخامسَ والسادس. وقد رغب إليَّ صديقي العزيزُ العلّامة الأستاذُ الدكتور محمد بن شريفة في الإسهام بإعادة نشرِ الكتاب على وفق نسقٍ واحد، بعد أن أعاد النظرَ فيه، وقَدّم لي مخطوطاتِ الكتاب، فأعدتُ المقابلةَ، وقيَّدت النصَّ بالحركات، وضبطتُ بعضَ الأسماء المشرقية، لا سيَّما العراقيّةَ منها، وأصلحتُ ما وقع في بعضها من تصحيفٍ وتحريفٍ لقلَّة معرفةِ النسَّاخ المغاربة ببعضِ أعلام المَشارقة وبُعد الشقَّة وانقطاع الأخبار في تلك الأعصُرِ المضطربة، وأفدتُ من "سلسلة التراجم الأندلسية" التي حققتُها على نُسَخٍ مُتقنة ونشرتْها دارُ الغرب الإسلامي في الإحالة على مزيدٍ من المصادر والمراجع، ومنها كُتبٌ لم تكن قد طُبعت حين قام العالِمانِ الفاضلان بنشر الكتاب، مثل "تاريخ الإسلام" للذهبي، و"سير أعلام النبلاء" له، و"المستملح" له أيضًا، والتكملة المنذرية، وصِلَتها للحسيني، والتكملة الأبّارية كاملة، وتاريخ ابن الدُّبيثي، وتاريخ ابن النجَّار، وغيرها من أمَّهاتِ المصادر التراجميّة.
[ ١ / ١٩٧ ]
كما ألحقتُ بهذه النَّشرة فهارسَ متنوِّعة، جُمهرتْ في مجلَّدٍ مستقلّ، وفائدةُ الفهارس تعظمُ في تَجمهرِها في موضعٍ واحد، فتزيد فوائدُها وتعمُّ عوائدها المُستفيدِين من هذا الكتابِ النفيس.
وقلَّما حَظِيَ كتابٌ بمثل ما حظي به هذا الكتابُ حين اجتمع على تحقيقِه ثلاثةٌ من المحقِّقين الذين أسهَمُوا في نشر التراثِ الأندلسيِّ والمغاربي، فنسأل اللهَ جلَّ في عُلاه أن يتقبَّل عملَنا هذا وأن ينفعَنا به يومَ لا يَنفعُ مالٌ ولا بنون، وآخرُ دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.
[ ١ / ١٩٨ ]
النص المحقق
[ ١ / ١٩٩ ]