أعلى ما نجدُه في سلسلة نسب ابن عبد الملك ما أثبته هو نفسُه في ديباجة "الذَّيل والتكملة": "قال عبدُ الله المؤمّل رُحماه: محمدُ بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سَعِيد" (٢). وجميعُ الذين عَرَّفوا به قالوا في نسبِه ونسبته: الأَنْصاريُّ
الأوْسيُّ المَرّاكُشي.
فهو إذن ينتمي، من جهة أَبيه، إلى بيت من بيوت الأنصار الأَوْسيِّين الذين عَرَفت مَرّاكُش في عصر المؤلّف عددًا منهم (٣).
_________________
(١) وردت ترجمة ابن عبد الملك أو الإشارة إليه في المصادر الآتية: صلة الصلة لابن الزبير ٣/الترجمة ٣٦، المرقبة العليا: ١٣٠ - ١٣٢، رحلة العبدري: ١٤٠، الإحاطة ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨، مذكرات ابن الحاج النميري: ١٠٣، ١١٧ - ١١٨ (رسالة ماجستير مرقونة للسيد الفريد دي برمار)، الدرر الكامنة ٤/ ١٩٤ - ١٩٥، الديباج المذهب ٢/ ٣٢٥، درة الحجال ٢/ ٢٤، نفح الطيب (الفهرس)، فتح المتعال: ٢١٧ - ٢٨٦، وفيات الونشريسي (ألْف سنة من الوفيات: ٨ - ١٣) وغيرها. وكتب عنه أو عن كتابه من المُحْدَثين القاضي ابن إبراهيم (الإعلام ٤/ ٣٣١، ٣٥٥) والأستاذ عبد الله كنون (النبوغ المغربي: ٢٠٦)، والمرحوم الفقيه الكانوني (الثقافة المغربية ٣، ١٩٣٣؛ ٤، ١٩٣٨) والمرحوم الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني (مجلة المعهد المصري بمدريد. ع. ٣، ١٩٥٥) والمرحوم الأستاذ العابد الفاسي (دعوة الحق، ٤، ٥، ٦؛ ١٩٥٩)، والأستاذ محمد الفاسي والمرحوم الأستاذ عبد السلام بن سودة (الدليل ١/ ٢٦٣)، والأستاذ الدكتور إحسان عباس (مقدمة السفر الرابع من الذيل)، والدكتور محمد بن شقرون (مظاهر الثقافة المغربية: ٩٦ وفي رسالته بالفرنسية: ١٤٧)، ومن المستشرقين وسلان وبونس بويجس وكرنكو ودفردان.
(٢) الذيل والتكملة ١/ ٢٠١.
(٣) انظر الذيل والتكملة ٦/الترجمة ١، والورقات الأخيرة من البيان المغرب ٤ - ٥.
[ ١ / ٦ ]
ولا نعرف متى استقر سلَفه بمَرّاكُش، ولكننا نأنَس من تعلُّقِه بمدينته ومعرفته بخططها وأنساب أهلِها وأحوالهم أنَّه مَرّاكُشيٌّ عريق، كما أننا لا نعرف شيئًا عن المسمَّيْنَ في نسبه من أجدادِه.
أما والدُه فقد كان من أهل العلم والفضل والخير والصلاح، وكان من أعيان بلده، ولم نقفْ له على ترجمة، ولم يترجِمْ له ابنُ عبد الملك في الغرباء، ولعلّ ذلك -فيما نحسَب- لأنه لم يدخل الأندَلُس، ومن ثم لم يكن على شرط كتابه، ولكنه يشيرُ إليه خلال بعض التراجم، ويوضّح ما كان بينَه وبين أولئك المترجَمين من صلات التلمذة أو الصحبة. فقد ذكره في ترجمة المقرئ الخَطيب أبي الحَسَنَ الأخفَش نزيل مَرّاكُش فقال: "روى عنه صهرُه محمد بن المُهاجِر، وأبي ﵀، وتلا عليه بالسبع" (١). وعدّه في الآخِذين عن عمر بن مَوْدود الفارسيِّ الذي ورَدَ على مَرّاكُش في عهد الرشيد الموحِّدي (٦٣٩ هـ -٦٤٠ هـ) والمتوفَّى بمَرّاكُش سنة ٦٣٩ هـ، فقال: "روى عنه جماعةٌ من أهلها والمستوطنينَ بها من غيرهم، منهم: أبو عبد الله: أبي ﵀ " (٢)، وقال ما يُفهَمُ منه أنّ هذا الشيخَ المتصوّف الذي حَظِي عند الخليفة الرشيد كان مرةً في مجلس والده وتنبّأَ لصاحبنا ابن عبد الملك بمستقبل علميّ زاهر، وعرَضَ لذكر والده في ترجمة أبي عبد الله ابن الطَّراوة المَرّاكُشيِّ الذي شَغَلَ فترة -فيما يبدو- خُطّة الإشراف في عهد الرشيد الموحِّدي (٣) وتوفِّي سنة ٦٥٩ هـ، فقال: "وكانت بينَه وبين أبي رحمهما الله مودّة قديمة متأكِّدة كان يَذكُرُها " (٤).
_________________
(١) الذيل والتكملة ٥/الترجمة ٧١٧.
(٢) انظر ترجمة رقم (٣٥) من السفر الثامن.
(٣) البيان المغرب: ٢٨٣ (قسم الموحدين).
(٤) انظر الترجمة رقم (٦٣) من السفر الثامن.
[ ١ / ٧ ]
وكان والده صديقًا أَيضًا لأبي عبد الله محمد بن أحمدَ القَيْسيّ الرُّنْديّ الملقّب بالمُسَلْهَم الذي سَكن مَرّاكُش وتوفِّي بها سنة ٦٥٣ هـ، قال في ترجمته: "وكان صديقًا لأبي ﵀" (١).
ونجدُ أحدَ تلاميذ ابن عبد الملك يَذكُر والدَ شيخِه فيُحلّيه بالنُّعوت الآتية: "الشّيخُ الأجَلّ الفقيهُ الصّالح المقدَّس المرحوم أبو عبد الله بن عبد الملك الأَنْصاريّ" (٢)، ووَصَفَه تلميذه القاسم التُّجِيبيُّ بأنه "الفقيهُ المقرئ".
ولعلّ فيما سُقناه من هذه الشَّذرات ما يؤكِّد أن والدَ ابن عبد الملك كان من أهل العلم والفضل والخَيْر والصلاح، ويبدو أنَّه كان من المقرئينَ الذين كانت لهم مكانةٌ في مَرّاكُش، وقد تكون ثمةَ إشاراتٌ أخرى إليه في الأسفار المفقودة.
أمّا نسَبُ ابن عبد الملك من جهة أُمِّه فلدينا إشارتان شحيحتان، وردت إحداهما في ترجمة أبي بكر الجلمانيِّ الأشبيليِّ المتوفَّى بمَرّاكُش في حدود ٦٦٠ هـ، وهو شيخٌ متجوِّلٌ محاضِر كان يجالسُ الأمراء، قال ابن عبد الملك: "جالستُه طويلًا، وكانت بينَه وبين أخوالي صُحبةٌ متأكِّدة" (٣) فمن هم أخوالُه هؤلاء الذين لم يُسمّهم هنا؟ من"حُسن الحظّ أننا نجدُ في السفر الثامن ترجمةً لأحدهم جاء فيها: "عُمرُ بن محمد بن أَحْمد القَيْسي، مَرّاكُشيٌّ فاسيُّ الأصل، أبو علي، ابنُ الفاسيّ، خالي" (٤)، وفوق هذه الكلمة علامة "صح"، وهي علامةُ الضبط والصحة والتوثيق.
وعلى هذا تكون والدته بنتَ محمد بن أَحْمد القيسي المعروفِ بالفاسي أو ابن الفاسي، ويبدو أنّ هذه الأسرةَ الفاسيّةَ انتقلت إلى مَرّاكُش بعد قيام دولة عبد المؤمن وبنيه مُدِلّة بنسبِها القيسيِّ، الذي كان يعتزي إليه ويعتزُّ به عبدُ المؤمن وبنوه.
_________________
(١) انظر السفر السادس الترجمة (١٣٣).
(٢) فهرس مخطوطات خزانة القروين ١/ ١٨٠.
(٣) الذيل والتكملة ٦/ الترجمة ٣٢٧.
(٤) ترجمة رقم (٣١) من السفر الثامن.
[ ١ / ٨ ]
ولا نعرف شيئًا عن جدِّ ابن عبد الملك لأُمّه المذكور، ولا عن أخواله الذين أشار إلى صحبتهم لأحد مجُالسي الأمراء في مَرّاكُش، وثمةَ فقرةٌ مهمّة وردت في ترجمة خاله المسمّى آنفًا، وهي قوله: "كتَبَ عن أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن، وكانا ابنَيْ خالتين، واستولى عليه، فكان مقبولَ القول عنده مشفَّعًا فيما يُناطُ به من المآرب، دخَلَ الأندَلُس صُحبتَه، وكان قدومُهما على إشبيلِيَةَ يومَ الاثنين لستّ بقينَ من ربيع الآخِر عام تسعةَ عشَرَ وست مئة حين وليها أبو محمد" (١).
وهذه الفقرة تقودُنا إلى نتائجَ طريفة وتُطلعنا على أشياءَ جديدة حول ابن عبد الملك، يتّضح ذلك بالرجوع إلى أخبار الأمير أبي محمد عبد العزيز ابن الخليفة يوسُف ابن الخليفة عبد المؤمن، ومن حُسن الحَظّ أنّ لدينا ترجمتينِ مفصَّلتَيْن في أخباره وأحواله، وهذا نادر في أبناءِ الخلفاء الموحِّدينَ وغيرهم. فالأُولى نجدُها في "المعجب" للمَرَّاكُشيِّ الذي عرف الأمير وصَحِبَه، والثانية في "أعلام مالَقة". ويُهمُّنا الآنَ أن نقتطفَ من الأولى ما يلي: "وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب، أُمُّه حُرة اسمُها مريم، صُنْهاجيّة من أهل قلعة بني حمَّاد، تزوّجها أمير المُؤْمنين أبو يعقوبَ في حياة أَبيه، وكانت سُبِيت هي وأُمُّها ملكةُ فيمن سُبُوا من أهل القلعة، فأعتقها أبو محمد عبد المؤمن، وزوّج مريمَ هذه لابنِه أبي يعقوبَ فولدت له ثمانيةً من الولد، أربعة ذكور، وأربع بنات، فالذكور هم: إبراهيم وموسى وإدريسُ وعبد العزيز، هذا المذكور، وهو أصغرهم" (٢).
وإذا كان ابنُ الفاسي والأمير أبو محمد عبد العزيز ابنَيْ خالتَيْن كما سَبَق، فإنّ أُمَّه -أى: أُمَّ ابن الفاسيّ- تكون أختَ السيدة مريم أُمِّ الأمير المذكور.
_________________
(١) الترجمة (٣١) من السفر الثامن.
(٢) المعجب ٣٣٠ (ط. القاهرة ١٩٤٩ م).
[ ١ / ٩ ]
وعلى هذا تكون جَدّةُ ابن عبد الملك لأُمِّه أختًا للحرة مريم زوج الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، ويكون جدُّه لأُمِّه محمد بن أَحْمد القيسي سِلْفًا للخليفة المذكور.
ومن الطبيعيِّ، بناءً على ما ذُكر أن يكتسبَ أخوالُ ابن عبد الملك، ووالده تبعًا لذلك الحُظوة المناسبة لهم، ولا سيما لدى الخليفة يوسف ولدى أولاده من الحُرّة مريمَ القَلْعيّة (١).
وأول ما يبدو من ذلك أنّ خالَ ابن عبد الملك أَبا علي ابنَ الفاسيّ غدا كاتبًا لابن خالته الأمير أبي محمد عبد العزيز، وقد جمعتهما زيادةً على القرابة، مشاربُ مشتركة في النزوع إلى الخير والصلاح والميل إلى النسك والزهد، والجَرْي على طريقة التصوف (٢).
وبالنظر إلى شيوخ خال ابن عبد الملِك نجدُ أنَّه، أى: خالَه، يشتركُ مع والد مترجَمِنا في بعضهم مثل: أبي الحَسَن الأخفش السالِف الذِّكر، الذي كان قَيْسيًّا وخَطيبًا بسِجن مَرّاكش (٣).
وقد توسَّع ابن عبد الملك في ترجمة خاله وانفرد بإيرادها من بين مؤلفي الصِّلات، فعدّد شيوخَه ونوّه بمعارفه وآدابه وأخلاقه، وأتى بشهادات أعلام معاصرينَ له في إطرائه وتقريظه، والشهادة بتبريزه في النُّبل والاشتمال على خلال الفضل، ونلاحظ أنهم من ذوي الحيثيّات والخُطط في دولة الموحِّدين، وكانوا أَيضًا من شيوخ ابن عبد الملك، كما كانوا من أصحاب خالِه هذا ووالده كذلك، وهؤلاء هم: أبو محمد حسنٌ ابن القَطّان، وأبو عبد الله محمدٌ ابنُ الطّراوة، وأبو موسى هارونُ بن هارونَ الإشبيليّ.
_________________
(١) المعجب ٣٣٠.
(٢) راجع ترجمة عمر ابن الفاسي في السفر الثامن (رقم ٣١).
(٣) الذيل والتكملة ٥/ الترجمة ٧١٧.
[ ١ / ١٠ ]
وكان منزلُ خالِ ابن عبد الملك -فيما ذَكَرَ- مَجْمعًا للنُّبلاء والفضلاء، كما كان كثيرَ المواساة، نَفّاعًا بجاهه وذاتِ يده، حَسَن المشاركة والجدّ في قضاء حوائج النَّاس، وله مؤلّفاتٌ أدبية، وتوفِّي قبل ميلاد ابن عبد الملك وهو في مقتَبل العمر سنة ٦٢٦ هـ، "ودفن خارج باب نَفِيس (أحد أبواب مَرّاكُشَ الغربية) بروضة سَلَفِه هنالك مقابلَ الباب، وكانت جنازته مشهودة والثناء عليه كثيرًا" (١).
إنّ هذه المعلوماتِ التي وردت في هذه الترجمة تشرحُ لنا ملابساتٍ تُعرَفُ لأول مرة في البيئة العائليّة والاجتماعيّة التي وُلد في ظلها وترعرع في بُحبوحتها مؤرّخنا الكبير.
ولقد كنا نعجَبُ للكمِّ الهائل الذي وقَفَ عليه من المؤلّفاتِ والوثائق التاريخية في نُسَخها الأصليّة وبخطوطِ أصحابِها.
ونحسَبُ أن من تفسير ذلك هذا الموقعُ العائليُّ الممتاز، بالإضافة إلى علائقه الكثيرة وهمَمِه الكبيرة في تتبُّع الذخائر العلمية والسّعي للحصول عليها.