رَوَى عن أبيه، وكان أحدَ البَرَعة في العَدَد والهندَسة من فنونِ التّعْليم (٣)، وله في الفنَّيْنِ تصانيفُ جليلةٌ وتلاخيصُ نبيلةٌ واستنباطاتٌ بديعة تدُلُّك على تقدُّمِه في الصِّناعتَيْن وتبريزِه فيهما، فمِن مشهور تصانيفِه: "فقهُ الحساب" (٤) كتابٌ جليلُ الفائدة، ومقالةٌ في استنباطِ أعدادِ الوفق، وكتاب [] (٥)، و"تجريدُ أخبارِ كتُب الهندَسة على اختلافِ مقاصدِها"، ويُذكَرُ من شَغَفِه بهذا الفنِّ أنه كان لا ينامُ من الليالي حتى يَعرِضَ على خاطره كتابَ "الأركان" لأوقليدِسَ، بادئًا من آخرِ شكل فيه مُتقهقِرًا إلى ما قبلَه فصاعدًا إلى أوّل شكل منه؛ إذ كان فهْمُ كلِّ شكل يَنْبني على فَهْم ما قبلَه من الأشكال، شُهِرَ ذلك عنه وعُرِفَ منه، وأخبَرَني به صاحبُنا أبو العبّاس ابنُه ﵀ وعرَضَ عليَّ تصانيفَه هذه التىِ سَمَّيْتُ وغيرَها، وكانت جملةً وافرة.
أخَذَ عنه جماعةٌ من أهل مَرّاكُشَ وغيرُهم، منهم: أبوا عبد الله: ابنُ عليِّ بن يحيى شيخُنا المَدعوُّ بالشّريف، وابنُ السّدّاد النّجارُ نزيلُ أغماتَ وريكةَ. وكان
_________________
(١) بياض في الأصل.
(٢) هو ممن يستدرك على صاحب "الإعلام".
(٣) ويقال أيضًا: التعاليم.
(٤) نُشر هذا الكتاب.
(٥) بياض في الأصل.
[ ١ / ٢٥٠ ]
معَ ذلك حسَنَ النظرِ في صناعة الطبِّ موفَّق الرأي في العلاج، انتُفعَ به في ذلك كلِّه كثيرًا. وانتَصبَ لإفادةِ ما كان لديه من المعارفِ بالقُبّة المنصوريّة إزاءَ الجامع الأعظم المنصُوريِّ بمَرّاكُشَ حرَسَها اللهُ، وهي القُبّةُ الكائنةُ بمقرُبةٍ من الزاوية الملتقي عليها الخَطّانِ: الشرقيُّ والشَّمالي بانحرافٍ يسير منهما مقابلةَ القَيْساريّةِ هنالك، وكان نظرُه فيها في حدود الثلاثينَ من عمُره، ففاق فيها أبناءَ عصرِه.
وتوفِّي بمَرّاكُشَ سنة ستٍّ وعشرين وست مئة، وحُفِظَتْ عنه مجُرَّباتٌ شَفَا اللهُ بها خَلْقًا كثيرًا من عِلل عِسرةِ البُرْء.