وَمِنْهُم القَاضِي الْفَاضِل مَجْمُوع الْفَضَائِل البارع النَّبِيل الْعَالم الاصيل شهَاب الدّين ابو الْعَبَّاس احْمَد بن القَاضِي الامام يَمِين مملكة الاسلام محيي الدّين ابي الْفضل يحيى بن جمال الدّين فضل الله بن مجلي ابْن أبي الرِّجَال دعجان بن خلف بن نصر بن مَنْصُور الْعَدوي الْعمريّ الشَّافِعِي ولد سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي يَوْم عَرَفَة سنة تسع واربعين وَسَبْعمائة ذكره الذَّهَبِيّ فِي مُعْجَمه الْمُخْتَص بالمحدثين وَقَالَ صَاحب النّظم والنثر
[ ٨١ ]
والمآثر ولد سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَسمع الحَدِيث وَقَرَأَ على الشُّيُوخ سمع مني وَمَعِي من سِتّ الْقُضَاة بنت الشِّيرَازِيّ وَله تصانيف كَثِيرَة انْتهى
خرجت لَهُ مشيخه كَثِيرَة حدث بهَا وَرويت عَنهُ عمل للشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية تَرْجَمَة أنيقة مرضية نثرا ونظما اوسعها فَوَائِد وعلما وَذَلِكَ فِي كِتَابه مسالك الابصار فِي ممالك الامصار فَمِنْهُ قَوْله فِي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هُوَ نادرة الْعَصْر هُوَ الْبَحْر من أَي النواحي جِئْته والبدر من أَي الضواحي رَأَيْته
وَقَالَ رضع ثدي الْعلم مُنْذُ فطم وطلع فجر الصَّباح ليحاكيه فلطم وَقطع اللَّيْل وَالنَّهَار دائبين وَاتخذ الْعلم وَالْعَمَل صاحبين الى أَن آس السّلف بهداه ونأى الْخلف عَن بُلُوغ مداه وثقف الله أمرا بَات يكلؤه يمْضِي حساماه فِيهِ السَّيْف والقلم
بهمة فِي الثريا إِثْر أخمصها وعزمة لَيْسَ من عاداتها السأم
على أَنه من بَيت نَشأ مِنْهُ عُلَمَاء فِي سالف الدهور ونشأت مِنْهُ عُظَمَاء على الْمَشَاهِير الشُّهُور فأحيا معالم بَيته الْقَدِيم إِذْ درس وجنى من فننه الرطيب مَا غرس واصبح فِي فَضله آيَة الا انه آيَة الحرس عرضت لَهُ الكدى فزحزحها وعارضته الْبحار فضحضحها ثمَّ كَانَ أمة وَحده وفردا حَتَّى نزل لحده واخمل من القرناء كل عَظِيم واخمد من اهل الْبدع كل حَدِيث وقديم وَلم يكن مِنْهُم إِلَّا من يجفل عَنهُ إجفال الظليم ويتضاءل لَدَيْهِ تضاؤل الْغَرِيم قد كَانَ بعض النَّاس لَكِن الْحَصْبَاء من بَعْضهَا الياقوتة الْحَمْرَاء جَاءَ فِي عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السَّمَاء تموج فِي جوانبه بحور خضارم وَتَطير بَين خافقيه نسور قشاعم وتشرق فِي انديته بدور دجنة وتبرق فِي ألويته صُدُور أسنة وتثأر جنود رعيل وتزأر اسود غيل الا ان شمسه طمست تِلْكَ النُّجُوم وبحره غرق تِلْكَ الْعُلُوم ثمَّ عبيت لَهُ الْكَتَائِب فحطم صفوفها وخطم أنوفها وابتلع غديره المطمئن جداولها واقتلع
[ ٨٢ ]
طوده المرجحن جنادلها وأخمدت أنفاسهم رِيحه واكمدت شرارتهم مصابيحه تقدم رَاكِبًا فيهم إِمَامًا ولولاه لما ركبُوا وَرَاءه
وَقَالَ أَيْضا ترد اليه الفتاوي فَلَا يردهَا وتفد عَلَيْهِ من كل وَجه فيجيب عَنْهَا بأجوبة كَأَنَّهُ كَانَ قَاعِدا لَهَا يعدها أبدا على طرف اللِّسَان جَوَابه فَكَأَنَّمَا هِيَ دفْعَة من صيب
يَغْدُو مساجله بغرة طامع وَيروح معترفا بذلة مذنب
وَقَالَ أَيْضا
وَكَانَ ابْن تَيْمِية فِي مدد مَا يُؤْخَذ عَلَيْهِ فِي مقاله وينبذ فِي حُفْرَة اعتقاله لَا تبرد لَهُ غلَّة بِالْجمعِ بَينه وَبَين خصمائه فِي المناظرة والبحث حَيْثُ الْعُيُون ناظرة بل يبدر حَاكم فَيحكم باعتقاله اَوْ يمنعهُ من الْفَتْوَى أَو شَيْء من انواع هَذِه الْبلوى لَا بعد اقامة بَيِّنَة وَلَا تقدم دَعْوَى وَلَا ظُهُور حجَّة بِالدَّلِيلِ وَلَا وضوح محجة للتأميل وَكَانَ يجد لهَذَا مَا لَا يزاح بِهِ ضَرَر شكوى وَلَا يطفي بِهِ ضرم عدوى وكل امْرِئ حَاز المكارم مَحْسُود كضرائر الْحَسْنَاء قُلْنَ لوجهها حسدا وبغضا إِنَّه لدميم
كل هَذَا لتبريزه فِي الْفضل حَيْثُ قصرت النظراء وتجليه كالمصباح أَو نور الصَّباح حَيْثُ إِذا أظلمت الآراء وقيامه فِي الله وَفِي نصر دينه واقبال الْخلق عَلَيْهِ وعَلى أفانينه وَقَالَ أَيْضا هَذَا مَعَ مَا لَهُ من جِهَاد فِي الله لم تفزعه فِيهِ ظلل الوشيج وَلم تجزعه فِيهِ ارْتِفَاع النشيج مَوَاقِف حروب بَاشَرَهَا وطرائف ضروب عَاشرهَا وبوارق صفاح كاشرها ومضايق رماح حاشرها وأصناف خصوم لد اقتحم مَعهَا الغمرات وواكلها مُخْتَلف الثمرات فَقطع جدالها قوي لِسَانه وجلادها سنا سنانه قَامَ بهَا وصابرها وبلي باصاغرها وقاسى أكابرها وَأهل بدع قَامَ بدفاعها وَجهد فِي حط يفاعها وَمُخَالفَة
[ ٨٣ ]
ملل بَين لَهَا خطأ التَّأْوِيل وسقم التَّعْلِيل واسكت طنين الذُّبَاب فِي خياشيم رُؤْسهمْ بالاضاليل حَتَّى نَامُوا فِي مراقد الخضوع وَقَامُوا وأرجلهم تتساقط للوقوع بأدلة أقطع من السيوف واجمع من السجوف واجلى من فلق الصَّباح وأصلب من فلق الرماح اذا وَثَبت فِي وَجه خطب تمزقت على كَتفيهِ الدرْع وانتشر السرد
وَقَالَ والا فَلَقَد اجْتمع عَلَيْهِ عصب الْفُقَهَاء والقضاة بِمصْر وَالشَّام وحشدوا عَلَيْهِ بخيلهم ورجلهم فَقطع الْجَمِيع وألزمهم بالحجج الواضحات أَي إِلْزَام فَلَمَّا أفلسوا اخذوه بالجاه والحكام وَقد مضى ومضوا الى الْملك العلام ﴿ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا ﴿عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى﴾