وهي بلاد كثيرة بين البصرة وفارس، وأعظم كورها الأهواز، ويقال لها: هرمز (٣)، وتقع حاليًا في الجنوب الغربي لجمهورية إيران، وقد سمع الحاكم بها من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه. (٤)
قال مقيده -عفا الله عنه-: ولم يكتف الحاكم -﵀ تعالي- في رحلاته هذه بالسماع من الشيوخ والكتابة عنهم فحسب، بل جرت له فيها مذاكرات، ومناظرات، ومحاورات، قال الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٨٥٢): ارتحل إلي العراق والحجاز سنة ثمان وستين في الثانية، وقد ذاكر الحفاظ، والشيوخ، وكتب عنهم أيضًا، وناظر الدارقطني فرضيه، وقال الحاكم في "المعرفة" برقم (٤٩١): قد جمعني والقاضي أبا بكر محمد بن عمر الجعابي الحافظ مدينة السلام في رحلتي الثانية وذاكرته في مجالس كثيرة، وكانت كتبه إليَّ متواترة إلي أن توفي -﵀ -.
وقال أبو حازم العبدوي: فأما مذاكرته فذاكر الجعابي، وأبا جعفر
_________________
(١) "تقويم البلدان" ص (٤٨٨).
(٢) "المستدرك" (٣/ ٦٨/ ٤٤٦٦).
(٣) "تقويم البلدان" ص (٣١٧).
(٤) "المستدرك" (٢/ ٤٦٩/ ٣٥٦٣).
[ ١ / ٥٦ ]
الهمذاني، وأبا علي الحافظ، وكان يقبل عليه من بين أقرانه. (١) وقال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٧): وجرت له مذاكرات ومحاورات مع الحفاظ والأئمة من أهل الحديث مثل أبي بكر ابن الجعابي بالعراق، وأبي علي الحافظ الماسرجسي الذي كان أحفظ أهل زمانه. وقال الحاكم في "تاريخ نيسابور": ذكرنا يومًا ما روى سليمان التميمي عن أنس، فمررت أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعة من المشايخ، إلي أن ذكرت حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "، فحمل بعضهم علي، فقال أبو علي: لا تَفْعل، فما رأيت ولا نحن في سنة مثله. (٢)
*وعقد له في رحلاته -أيضًا- مجالس الإملاء والتحديث، قال أبو حازم العبدوي: أملى بالعراق سنة سبع وستين، ولازمه ابن المظفر، والدراقطني، وأملى ببغداد، والرّي مدة من حفظه. (٣) وقال الخطيب في "تاريخه" (٥/ ٤٧٣): ثم ورد بغداد وقد علت سنه، فحدث بها عن أبي العباس الأصم، وأبي عبد الله بن الأخرم، وأبي علي الحافظ، ومحمد بن صالح بن هانئ، وغيرهم من شيوخ خراسان.
*ومما اتسم به -﵀ تعالي- في رحلاته -أيضًا- الانتقاء والانتخاب على المشايخ، وتخريج الفوائد لهم، قال الحافظ شرف الدين
_________________
(١) "تبيين كذب المفتري" ص (٢٢٩).
(٢) "النبلاء" (١٧/ ١٧٦).
(٣) "تبيين كذب المفتري" ص (٢٢٨).
[ ١ / ٥٧ ]
علي بن المفضل المقدسي في "كتاب الأربعين" ص (٤٠٣): انتخب الحاكم أبو عبد الله على المشايخ خمسين سنة. وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ١٥٧): انتخب على خلق كثير. وقال السمعاني في "الإنساب" (٢/ ٥١١) ترجمة عبيد الله بن علي النخعي الداودي: "انتخب عليه الحاكم أبو عبد الله الحافظ "الفوائد"، وكتبها الناس. وفي (٣/ ٣٠٨) قال الحاكم في "التاريخ": أبو جعفر بن أبي الحسن السَّليطي خرجت له الفوائد.
وفي (٢/ ٢٤١) ذكره الحاكم في "التاريخ" فقال: القاضي أبو بكر الحرشي خرجت له فوائد. وقال الذهبي في "التذكرة" (٢/ ٢٤١): ترجمة محمد بن عبد الله الجوزقي المعدل: "قال الحاكم: انتقيت له فوائد في عشرين جزءًا. وقال الحاكم في "أجوبته على أسئلة بعض البغاددة" برقم (١١): أبو الطيب عبد الله بن محمد بن أحمد بن حيان خرجت له الفوائد. وقال ابن الصلاح في "طبقاته" (١/ ٣٣٧) ترجمة أحمد بن الحسين المقرئ: حدث بانتقاء الحاكم أبي عبد الله عليه. وقال في (١/ ٣٩٠) ترجمة أحمد بن محمد عبد الواحد المُنْكَدِري: له ذكر في "تاريخ الحاكم"، وكتب عنه الحاكم وانتخب عليه. وفي (١/ ٤٨١) ترجمة أبي سهل الصعلوكي: قال الحاكم أبو عبد الله: خرجت "الفوائد" من مسموعاته، وحدث وأملى. وفي (٢/ ٦٥١) ترجمه عمر بن أحمد أبي حازم العبدوي: حدث بانتخاب الحاكم عليه، وروى عنه.
وقال الذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٤٩٧) ترجمة أبي حامد المزكي: قال الحاكم: خرّجت له "الفوائد". وفي (١٧/ ٩٩) ترجمة محمد بن الحسين بن داود العلوي: قال الحاكم: انتقيت له ألف حديث. وقال في "تاريخ الإسلام"
[ ١ / ٥٨ ]
(٢٦/ ٤٣٦) ترجمة بشر بن أحمد بن الدَّهْقَان: قال الحاكم: انتخبت عليه. وقال السمعاني في "الأنساب" (٢/ ٤١٦) ترجمة أبي طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة: ذكره الحاكم في "التاريخ" فقال: دخلت بيت كتب جده، وأخرجت له مائتين وخمسين جزءًا من سماعاته "الصحيحة"، وحملت إلي منزلي، فخرجت له "الفوائد" في عشرة أجزاء.
* ومما اتسم به -أيضًا- النقد وكشف عوار مُدّعي السماع، ففي "المدخل إلي الإكليل" ص (١٦) قال: الطبقة الثالثة من "المجروحين" قوم من أهل العلم حملهم الشره على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يولدوا، وهذا النوع من "المجروحين" فيهم كثرة، وقد لقيت أيام رحلتي منهم جماعة، أظهرت أحوالهم.
*- ومع ذلك كله، فقد كان -﵀ تعالي-: إذا ظفر بفائدة أخذها ودونها، وإن كانت ممن دونه، أو سمع بحديث عند أحد من أصحاب الحديث؛ وإن كان من أقرانه، أو تلامذته ليس عنده، سمعه وكتبه عنه، وحدث به، وقال الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٨٥٢): " ، روى عمن عاش بعده، لسعة علمه. وقال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ٢٣٨): ما زال يسمع حتى سمع من أصحابه. وقال الذهبي في "تاريخه" (٢٨/ ١٢٣): ولم يزل يسمع حتى كتب عن غير واحد أصغر منه سنًا وسندًا. وكذا قال السبكي في "طبقاته" (٤/ ١٥٧).
قال مقيده -عفا الله عنه-: ومن هؤلاء: حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي. قال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ٢٤): حدث عنه أبو عبد الله الحاكم، وهو من أقرانه في السِّن والسند. والحسين بن محمد بن محمد
[ ١ / ٥٩ ]
الرُّوْباري. قال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ٢١٩): حَدَّث عنه الحاكم وهو من أقرانه. محمد بن محمد بن مَحْمِش الزِّيادي. قال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ٢٧٨): روى عنه من أقرانه الحاكم ابن البَيِّع. ومنهم سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي. قال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ٢٠٨) حَدَّث عنه الحاكم وهو أكبر منه. وعبد الملك بن محمد بن إبراهيم الخَرْكُوشي. قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٢٨/ ١٦٢): روى عنه الحاكم وهو أكبر منه. وأحمد بن الحسين بن أحمد الحيري. قال الذهبي: في "تاريخه" (٢٩/ ٤٥): روى عنه أبو عبد الله الحاكم وهو أكبر منه. ومنهم: خلف بن محمد بن علي الواسطي. قال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ٢٦٥): روى عنه الحاكم وهو من شيوخه، وغيرهم.
"فائدة": قال الحاكم -﵀ تعالي- في كتابه "المعرفة" ص (٢٨٢) عند الكلام على أبي عبد الرحمن النسائي: ومن نظر في كتابه "السنن" له تحير من حسن كلامه، وليس هذا الكتاب بمسموع عندنا.