نشأ -رحمه الله تعالى- في بيئة مباركة؛ علا نجمها وانتشر صيتها، وامتلأت بالعلم والعلماء والمحدثين خاصة، بيئة أنجبت الفحول من أئمة المنقول والمعقول، بيئة ذات مكانة سامية مرموقة بين بلدان العالم الإِسلامي آنذاك، قال السبكي في "طبقاته" (١/ ٣٢٤): كانت نيسابور من أجل البلاد وأعظمها، لم يكن بعد بغداد مثلها. وكيف لا تكون بهذه المنزلة الشامخة، وقد ساهم وساعد وشجع في تأسيسها وبنائها الصحيح العلماء والأمراء السامانيين الذين حكموها حقبة طويلة من الزمن، وانتشرت فيها المدارس الحديثية كمدرسة ابن فُورك، ومدرسة أبي إسحاق الإسفراييني، ومدرسة أبي إسحاق الصبغي، وكلهم شيوخه، بل كان من المقربين لديهم،
_________________
(١) "فتح المغيث" (٣/ ٣١٩).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣٢٠).
(٣) "فهرس الفهارس" (١/ ١٥).
[ ١ / ٣٤ ]
وممن له اختصاص بهم، فساعده هذا كله في تكوينه العلمي، وتضلعه الحديثي، إضافة إلى ما أكرمه الله تعالي به من صلاح أسرته وأهل بيته؛ الذين ترعرع ونشأ منذ نعومة أظفاره بين أوساطهم وهم يوجهونه إلى العلم، قال عبد الغافر في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٦): وبيته بيت الصلاح والورع والتأذين. فحرصوا عليه غاية الحرص، واعتنوا به غاية العناية، فبكروا به إلى مجالس العلم والعلماء صغيرًا، فكان أول سماعه للحديث سنة ثلاثين وثلاثمائة ٣٣٠ هـ أي وعمره لم يتجاوز سن التاسعة، ففي "معرفة علوم الحديث" ص (١٢٨): نشأت وطلبت الحديث بعد وفاة محمَّد بن إسحاق بعشرين سنة. وقال الخطيب في "تاريخه" (٥/ ٤٧٣): ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمائة. وقال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ١٦٣): طلب هذا الشأن في صغره بعناية والده وخاله، وأول سماعه كان في سنة ثلاثين. واستمر -﵀ - على هذه الحال من الانكباب والتحصيل للعلم، ولم تثنه عن ذلك طفولته، وما تُغري به من اللهو واللعب والدعة والكسل عن الجد والاجتهاد في طلب معالي الأمور.
فقل لمُرَجِّي معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحالا!
ولنباهته منذ حداثته ونبوغه وحدة ذكائه، وتوفر علائم النجابة عليه، جعله ابن حبان -صاحب الصحيح- حين قدم نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة مستمليًا عليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، مع وجود من هو أكبر منه سنًا، وأشهر منه ذكرًا، فقد قال متحدثًا عن ذلك في "تاريخ نيسابور" ترجمة ابن حبان: "ثم ورد نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وحضرناه
[ ١ / ٣٥ ]
يوم الجمعة بعد الصلاة، فلما سألناه الحديث نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنًا، فقال: استمل، فقلت: نعم، فاستمليت، ثم أقام " (١). وقال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ١٦٣): استملى علي أبي حاتم بن حبان في سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
وقرأ القرآن بنيسابور على: أبي عبد الله محمَّد بن أبي منصور الصوام، وأحمد بن العباس بن الإِمام، وعلي بن سهل الأشناني وغيرهم. وبالعراق على: أبي علي بن النقار الكوفي بها، وأبي عيسى محمَّد بن بكار البغدادي بها، وغيرهما. قال عبد الغافر في "السياق" كما في "المنتخب": قرأ القرآن بخراسان والعراق على قراء وقته.
وتفقه على: علي بن أبي هريرة، وأبي الوليد حسان بن محمَّد القرشي، وأبي سهل محمَّد بن سليمان الصعلوكي، وغيرهم.
هذا شيء من نشأته وحياته العلمية -﵀ تعالي-، ولم تمنعه هذه المكانة الرفيعة التي تبوءها منذ صغره وفاق بها أقرانه، عن المضي قدمًا في تحصيل العلم والعلو والارتفاع فيه، فإنه ما إن رحل الإمام ابن حبان من نيسابور إلا وأنشأ رحلة طويلة إلى مدينة العلم وموسم العلماء والفضلاء مدينة السلام.