وكان المؤلّف يلتقى بالعلماء، والشيوخ والمدرّسين في رحلاته فيأخذ عنهم ويحضر مجالسهم كما تقدّم، فتنوّعت علومه بين اللغة، والفقه، والحديث، والمنطق، والتاريخ، والطبّ، مع معرفته بالتركية، وتأثّر بأبيه في التاريخ فسار على نهجه، فألّف، وصنّف، وأرّخ، ونظم الشِعر، وجمع بين علوم المشرق والمغرب، من خلال أخذه عن شيوخ الشام، ومصر، وبلاد المغرب العربيّ، والأندلس. وبلغ شيوخه الذين أفاد منهم العشرات، وزادوا على الثمانين شيخًا في مختلف البلاد التي زارها. وأول شيوخه كان والده المؤرّخ المصنّف، الذي زرع فيه حبّ التاريخ، ووضع بين يديه مدوّناته وفوائده وتعليقاته، فنقل الكثير منها وأفرغها في كتبه، يدلّ على ذلك متابعته أخبار مصر والشام اليومية وهو في بلاد المغرب، إذ يروي عن أبيه أنه صعِد إلى القلعة بالقاهرة، فسأله السلطان خُشقدم عن الفرق في الاصطلاح بين "ملك الأمراء" و"النائب"، فأجابه على ذلك بالتفصيل، وقال بعد ذلك: "ونقلته من خطّه لأنّني كنت هذه الأيام في تِلِمْسان" (^١).
وفي موضع آخر ذكر أنّ السلطان سأل والده عن القول في الخطبتين يوم العيد، عندما يأتي العيد في يوم الجمعة، فأفاض والده في الجواب بعدم صحّة الأقوال بالتشاؤم، وأقوال العوامّ، وأنّ ذلك حصل كثيرًا للخلفاء والسلاطين، ولم يحصل شيء. وقد نقل المؤلّف ذلك من خطّ والده، وقالى: "نقلت هذا من خط الوالد -﵀ - لأنّني كنت غائبًا ببلاد المغرب" (^٢).
وروى مرة عن أبيه، عن جدّه، فقال: "وكان الوالد يذكر لنا عن أبيه، عن بعض أخصّاء الظاهر برقوق" (^٣).
وفي موضع آخر ذكر خبر والده مع السلطان خُشقدم من جديد، وسفر والده للحج، وسفره مع الحجّاج العراقيين إلى الحلّة، وسفارته لأمير الحلّة إلى جهان شاه، ووفاة السلطان خُشقدم وما أصاب أهل القاهرة من حزن عليه، وغير ذلك من أخبار، وقال: "نقلت هذه الجملة من تعليق بخط الوالد -رحمه الله تعالى - وفيه من الغرائب ما قد وقفت عليه يا مخاطَب، بل وفيه ما يغنينا عن إعادة ذكره مع سياق الكلام منتظمًا" (^٤). كما أخذ عنه شفاهًا، فقال: "ذكر لي الوالد من لفظه" (^٥).
_________________
(١) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩١ ب.
(٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٦ ب.
(٣) نيل الأمل ١/ ٢٩٦.
(٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٤ أ- ١٣٥ ب.
(٥) الروض الباسم ١/ ورقة ٣.
[ ١ / ٤٢ ]
ونقل من كتاب والده "كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك"، خبر ضبط المتحصّل من مكْس القطن الموسوق للفرنج بميناء طرابلس الشام، في أيام ناظرها "أركماس الجلباني"، وذلك في ترجمته لإبراهيم بن المراة القبطيّ (^١).
وروى نادرة أخبر بها والدُه السلطانَ الظاهرَ خُشقدم عن رؤيته شخصين يصنعان عنابر النساء بالقدس، أحدهما بلحية بيضاء والآخر سوداء، وهما شبيهان فلا يفرّق الناس بينهما.
وروى له نادرة أخرى أنه كان ببلاد الصعيد فمات شخص ففُتح له قبر لدفنه فوُجد فيه خمسة تماسيح (^٢).
وينقل عن كتاب والده "زبدة كشف الممالك" الأبيات التي أنشدها أحدهم في حثّ السلطان صلاح الدين الأيوبي على تحرير القدس (^٣).
وكان والده يصف له "سرور بن عبد الله القُسَنْطيني" (^٤).
ويحكي له عن سخاء "ابن الدماميني" (^٥).
وأنشده والده من نظم "عبد الله بن محمد العوفي" (^٦).
ورأى ما كتبه والده عن صالح بن عمر بن رسلان البلقيني، وذكر فيه الكثير من مسموعاته (^٧).
وفي شهر ربيع الأول ٨٧٠ هـ. ذكر مكالمة والده للسلطان بَرْسْباي بشأن الأستادَّار منصور بن الصفيّ الذي ضربه وسجنه (^٨)، ليعفُو عنه.