وفي الخانقاه تعرّف على الكثير من العلماء والشيوخ والأدباء الذين كانوا
_________________
(١) نيل الأمل ١/ ٢٨٦.
(٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٥ أ، ب.
(٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٨٤ ب.
(٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ٢١٨ أ.
(٥) الروض الباسم ٣/ ورقة ٢١٨ ب، ٢١٩ أ.
(٦) الروض الباسم ٣/ ورقة ٢٠٥ ب.
(٧) اليوم الواحد ٢٤ ساعة = ٣٦٠ درجة، والساعة الواحدة = ١٥ درجة، فتكون ٥ درجات: ثلث ساعة، أي ٢٠ دقيقة.
(٨) نيل الأمل ٦/ ٣٦٣ و٣٦٥.
[ ١ / ٣٢ ]
يسكنونها ويدرّسون فيها، وغيرهم من الأعيان والأعلام الذين كانوا يتردّدون إليها من حين لآخر، ويأتي في مقدّمتهم شيخ والده، وشيخه، العلّامة "الكافيجي" (^١)، فكان كثير الملازمة له. وكذلك صاحبه الأديب الشاعر "الشهاب المنصوري" ويُعرف بـ "ابن الهائم" الذي أنشده هذين البيتين في سنة ٨٧١ هـ:
بستاننا زاهرٌ زهيّ … وَعرْفُه للقلوب قوتا
فطِبْ مقامًا وقرّ عينًا … فسوف آتي وسوف تُوتى (^٢)
وروى المؤلّف أنّ "الكافِيَجي" كان يحبّ "الشهاب المنصوري" ويأنس إليه، ويُثْني على شِعره، وامتدحه بعدّة مدائح، وأجازه على ذلك، وبعث إليه مرة بدينار من بعض تَرِكاتٍ بالخانقاه، ثم بعث يأمره أن يقسم الدينار بينه وبين إنسان آخر، فكتب الشهاب للشيخ على يد المؤلّف هذين البيتين، وهما من لفظه:
أمولاي قد أحسنتَ لي تفضُّلا … وأهديتَ دينارًا قد استغرق الوصفا
ولكنّه قد خاف نظرةَ حاسدٍ … ألم تره من خوفه نقص النصفا!
فأعجبا الشيخ، وأمر المؤلّف أن يحمل إليه دينارًا من ماله (^٣).
وفي ٤ جمادى الآخر سنة ٨٧٢ هـ. أنشده "الزين عبد الرحمن الشامي" أبياتًا من شِعر "عثمان بن محمد الشُغْري" نَظمها في فسقيّة الخانقاه التي عمّرها "نَوروز الحافظي":
رسم الأمير الحافظي بقبّةٍ … للناظرين تنزُّهًا في نقدها
بُنيت بصحن الخانقاه فأصبحت … كعروس حُسنٍ تُجلَى في عِقْدها
عُقدت على فسقيّة في صحنها … جاءت بحُسن حلاوةٍ في عقْدها
وأنشده مما كُتب على القبّة أيضًا:
يا بِرْكة عادت لعصر الصِّبَى … في قبّة منتزه اللاحظ
بُشراكِ قد أصبحتِ في حافطٍ … وصرتِ في ظل من الحافظ (^٤)
وفي سنة ٨٧٣ هـ. سكن في بعض خلاوي الخانقاه "أحمد بن جعفر المَلَطي"، وكان قديمًا في ثروة زائدة، وتولّى حجابة الحجّاب بغزّة، ولأبيه أملاك
_________________
(١) تقدّم التعريف به في شيوخ أبيه؛ وهو تولّى مشيخة الخانقاه في شهر محرم ٨٥٨ عوضًا عن الكمال ابن الهُمام. (نيل الأمل ٥/ ٤١٣).
(٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٥٦.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المجمع المفنّن، في ترجمة أركماس الظاهري، رقم (٦٤٥).
[ ١ / ٣٣ ]
هائلة بها، وحصلت له مِحن وخطوب، وركِبَتْه الديون، حتى آل به الأمر أن أصبح فقيرًا مُعدَمًا، لا يملك قوت يومه، واعتراه الهَذَيان، حتى قام جماعة من أهل الخانقاه لإخراجه منها، فلم يتمّ لهم ذلك، ودام على ما هو فيه نحو ١٥ سنة، أو يزيد. فكلّم المؤلّف شخصًا يُدعى "قانصوه رفرف" في أمره، فتكلّم مع "تَنِبَك قَرا" (^١) أحد مقدَّمي الألوف، فكلّم السلطان في ذلك، فرتّب له دينارين في الشهر لِكسوته وقوته، إلى أن تولّى المؤلّف بأخرة تدبير ما له مدّة تزيد على الثلاث سنين، حتى توفي في شهر رمضان ٨٨٨ هـ. وقام بتجهيزه مما كان بقي معه من رسم كِسوته، وأخرجه إلى مدفنه بالقرافة (^٢).
وبالعودة إلى صاحبه "الشهاب المنصوري" فقد أنشده كثيرًا من شعره، منه في مستهلّ رجب، والسابع من رجب، والسابع والعشرين منه سنة ٨٧٦ هـ، وفي شهر محرّم، والثالث عشر منه، سنة ٨٧٧ هـ، وفي آخر محرّم ٨٧٨ هـ، وفي جمادى الآخر سنة ٨٧٩ هـ (^٣).
وفي أوائل جمادى الآخر سنة ٨٧٩ هـ مات نزيل الخانقاه "أحمد بن عيسى الحلبي"، ووُجد في مخلَّفاته من النقد نحو ٢٠٠ دينار، فقسّمها "الكافِيَجي" على جصاعة من قرّاء الخانقاه، وخصّ نفسه نحو ١٢ دينار حصته، ونسي آخرين، فبقوا يقصدونه لذلك، فوزن لهم من عنده نحو العشرين دينارًا فوق الإثنى عشر دينارًا التي هي حصّته، وفرّقها عليهم.
قال المؤلّف "عبد الباسط" -﵀ -: "وكان ذلك جميعه على يدي" (^٤).