ثم دخل القاهرة في ٧ من ذي القعدة، فوجد أن والده قد غادرها إلى الحج (^٣) فألغى سفره، وسكن في الرَّبْع التابع لخانقاه شيخو، المعروفة بالشيخونية، بسُوَيقة مُنْعِم، في خُط الصّلِيبة خارج القاهرة، تجاه جامع شيخو (^٤).
وقال عن عمارة الخانقاه في حوادث سنة ٧٥٦ هـ: "في شوال كان نهاية عمارة شيخو لخانقاه. وعُدّ بناء مثل هذا البناء الثقيل الهائل في دون الثمانية شهور من غريب النوادر، ولو نُقل لنا ذلك على الألسنة لما صَدّقناه. وكنت أسمع بهذا القول فأستبعده حتى رأيت على الرخامة المنقوشة على واجهة باب الخانقاه المذكورة ذلك، وصورته: "وكان ابتداء الشروع في عمارة هذا المكان المبارك وما حواه في شهر ربيع الأول"، ثم ذكر هذه المدّة، ثم قال: "ونهايته في شوال من السنة المذكورة". فصرت أتعجّب من هذا حتى قيل لي إنه لما أخذ الأماكن من
_________________
(١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٢ ب - ١٣٣ ب. نيل الأمل ٦/ ٢٦٢.
(٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٤٧، الترجمة رقم (٥٠٤)، الروض الباسم ٣/ ٩١ ب.
(٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٥ ب.
(٤) الخانقاه الشيخونية: نسبة إلى بانيها الأمير سيف الدين شيخو العمري، بناها في سنة ٧٥٦ هـ. وجعلها مدرسة وخانقاه، وكان موضعها من جملة قطائع أحمد بن طولون، ومساحة أرضها زيادة على فدَّان، يتبعها حمّامان، وعدّة حوانيت، يعلوها بيوت لسُكنَى العامّة. ورتب بها عدّة دروس: منها أربعة دروس على المذاهب الأربعة، ودرس للحديث النبوي، ودرس لإقراء القرآن بالروايات السبع، وجعل لكل درس مدرّسًا، وعنده جماعة من الطلبة، وشرط عليهم حضور الدرس، وحضور وظيفة التصوّف. وما تزال الخانقاه قائمة في شارع شيخون، في مواجهة جامعه. انظر: المواعظ والاعتبار، للمقريزي - تحقيق د. أيمن فؤاد سيد - ج ٤/ ٧٦٠ - ٧٦٤ وفيه مصادر أخرى.
[ ١ / ٣١ ]
أول السنة، وهدم، صار العمال يعملون أسباب هذا البناء من نحِيت الأحجار وعمل السقوف والطوب والآلات، فما استتم الهدم إلّا وجميع الآلات قد حصلت فيها، شرع في البناء ولم تتعوّق العمارة أصلًا" (^١).
وفي أوائل سنة ٨٧٣ هـ. عاد والده من رحلته إلى الحج، والعراق وزيارة العَتَبَات المقدّسة هناك، ووصوله إلى جزيرة ابن عمر وماردين (^٢)، وقدم واحد من أتباعه إلى القاهرة يُدعى "علي بن مُغلطاي" ومعه رسالة وهدية مستطرفَة لإهدائها للسلطان قايتباي، وأخبر المؤلّف أن والده قد عاد من رحلته ووصل إلى طرابلس الشام واستقرّ بها (^٣).
وتوالت المصائب على المؤلّف في مدّة قريبة من هذه السنة، فقد توفي أبوه في طرابلس الشام في شهر جمادى الأول، ثم ماتت بنته زينب يوم السبت ٢١ شعبان، ولها ٣ سنين (^٤). ثم ماتت بنته عائشة ليلة الخميس ٩ رمضان، وعمرُها خمس سنوات، وحزن عليها حتى مرض في الشهر التالي شوّال وأشرف على الموت (^٥).
وكان ذكر أنه كان باسم والده عشرة أرطال لحم في اليوم يقبضها لهم أحد جُلبان السلطان خُشقدم ويحضرها إلى "أمّ الهدى" بنت الشمس الحنفي زوجة أبيه، وقد تمرّض هذا الرجل لأيام ثم مات، فسكتوا عنهم بقبض ذلك لهم، وإلّا ما كان حصل لهم خير (^٦).
وذكر المؤلّف -﵀ - أنه في يوم الأحد ٢٦ من شهر شعبان سنة ٨٧٣ هـ. صلّوا مرة في أقلّ من خمس درجات (^٧) على نحو الستين جنازة، وذلك لتفشّي الطاعون بالقاهرة ونواحيها (^٨).