وغادر المؤلّف وَهْران إلى تِلِمْسان فدخلها في ٢٧ من شهر رمضان ٨٦٩ هـ. ونزل عند "عبد الرحمن بن النجار" صاحب الأشغال بها، وهو مدبّر المملكة لسلطانها محمد بن أبي ثابت. فأنِس به هو وولداه عبد الله (الأكبر)، وعبد الواحد (الأصغر)، وسأله أن ينشده شيئًا من نظمه في مدح صاحب تلمسان، فنظم قصيدة في نحو أربعين بيتًا، وكتب بها إليه، فلقيت صدًى طيبًا عنده، فدعاه إليه، ورفع من محلّه وشكره عليها، وكتب له ظهيرًا بمسامحته في كل ما يتصرّف به من أنواع المتجر، ورتّب له مسكنًا ينزل فيه طوال وجوده في تلمسان، مع توفير الغذاء من لحم ودقيق وغيره من غلال، ثم سأله عن مواضع في القصيدة أُشكلت عليه، فأجابه عنها، وأخذا يتباحثان في ذلك، ثم أمر بنسخ القصيدة بخط أحد الكُتّاب الجيّدين، وأن يقرأها إنسان ذو صوت بين يديه يوم عيد الفِطر، بحضور قاصد صاحب تونس. وعندما تصوّف المؤلّف غسل هذه القصيدة في جملة ما غسله من
_________________
(١) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩٤ ب.
(٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩٥ ب.
(٣) المجمع المفنّن، ج ٢/ ٨٥، ٨٦، رقم (٧٥٣).
[ ١ / ٢٦ ]
شِعره والكثير من أوراقه وتعاليقه التي ندم عليها فيما بعد، لِما كانت تحويه من فوائد كثيرة، ولم يعد يذكر من تلك القصيدة سوى هذين البيتين:
أعني المليكَ الذي شاعت مكارمُه … من آل زيّان أقيالٌ أماجيدُ
همُ الملوك وأبناء الملوك ومن … يقُلْ سوى ذاك فذاك القول مردودُ
وفي أول أيام عيد الفطر (شوال) أبلغه ابن النجار مدبّر تلمسان أنّ القصيدة قُرئت بحضرة السلطان صاحب تلمسان، وبحضور قاصد صاحب تونس، وسمعها الملأ العام ممن حضر في القصر عند السلطان، وأثنوا على قائلها، ووقعت لدى السلطان موقعًا طيّبًا، لا سيما أنّ فيها تعريضًا بصاحب تونس (^١).
وممن شاهد في "تلمسان": "عبد الله بن عثمان السُّوَيدي" أمير عربان بني سُويد، ووصفه بأنه شيخ منوّر الشيبة، وقال: رأيت نجْعه فكان نجعًا هائلًا (^٢).
وعزم المؤلّف عند عودته إلى تلمسان أن يتوجّه إلى فاس ويراها، فصادَف أنها كانت في ذلك الوقت تشهد فِتَنًا وخطوبًا، نتيجةَ ذبْح اليهود سلطانَها عبدَ الحق المَرينيّ، فعاد إلى وَهْران، بعد أن تسوّق من تلمسان شيئًا ليبيعه في الأندلس، إذ قرّر اجتياز برّ العدْوة إليها (^٣). وزار الصخرة التي بساحل وهران في شهر المحرم سنة ٨٧٠ هـ (^٤)، وهي التي يقال إنها المذكورة في قصّة الخضر ﵇ في سورة الكهف، ومسجد الجدار على ظهرها (^٥).