وأقلعت المراكب إلى طرابلس الغرب، فنزل فيها نهار الخميس ١٥ من رمضان، وهيّأ له كبير التجار "عبد الحميد العوّادي" مكانًا سكَنَه، وفيها التقى بقاضيها وخطيبها ومفتيها، القاضي "منصور البنجريري القَرَوي"، وهو من قرية بنجرير بالقرب من القيروان، وكان من أهل العلم، ولديه فضيلة علمية وأدب، وله نظْم حسن، أنشده منه الكثير، وسمع منه الكثير من فوائده (^٣). وكان أثناء إقامته بطرابلس الغرب يخرج مع رفاقه من التجار للتنزّه، وشاهد الزاوية التي بناها "أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز" صاحب تونس (^٤)، وتنزّه بالبستان، ورأى القصر الذي فيه. ودخل الجامع الكبير بطرابلس وصعِد إلى مئذنته، وعايَنَ المكان الذي مات فيه الأطفال من جرّاء التزاحم عند التماس هلال شهر رمضان قبل دخوله المدينة بخمسة عشر يومًا (^٥).
وأصبح يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة موعوكًا، فجاءه من الغد قاضي طرابلس "منصور البنجريري"، ومعه طبيب يُدعى محمد، فعاداه، ودعا له القاضي بالدعاء المأثور لعيادة المريض، فكتب له المؤلّف:
لي سيّدٌ زارَ وما زرتُهُ … فمنّي النقْصُ ومنه التمامْ
إن تحمل سهوي ففقه مضى … لا في المأموم وهو الإمامْ
وطالما زار الغَمَامُ الثَرَى … ولم يزُر قطّ الثرى للغمام (^٦)
_________________
(١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٢ أ، ب.
(٢) جرْبة: جزيرة في بحر إفريقية، أقرب البلاد إليها قابس. (الروض المعطار في خبر الأقطار، للحِمْيَري، ص ١٥٨).
(٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٤ أ.
(٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٥ أ.
(٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٤ ب.
(٦) الروض الباسم ٢٦/ ورقة ٥٦ أ.
[ ١ / ١٩ ]
وكان قائد طرابلس الغرب "أبو النصر" يتولّاها من قِبَل صاحب تونس، وهو رجل ظالم، فلم يزره المؤلّف لذلك، فأراد القائد أن ينكيه، فطلب منه ثوبًا من الصوف السميك الأرجوان، فبعث إليه ثوبًا طوله ٤٠ ذراعًا، كان اشتراه من تونس بثمانية وعشرين دينارًا، فأخذه ولم يدفع ثمنه، وبقي كذلك عدة أيام، فجاءه القاضي "البنجريري" وأغلظ له في القول، وأخذ الثوب منه، وأعاده للمؤلّف، ممّا زاد من حنقه عليه (^١).
وحدث للمؤلّف أمر مُقلق وهو في طرابلس الغرب، ثم كانت له ذُيول بعد ذلك، وملخّصه أنه اشترى عشر جواري من الزنوج، وسلّمهنّ لمملوكٍ كان اشتراه بتونس، أصله من سردينية، كان أسيرًا وأسلم، فأعتقه وركن إليه، ولكن المملوك خدعه، إذ كان يتظاهر بالإسلام، وقال له: إن الرقيق في غاية الرخص في هذه البلاد، وهو غالٍ بساحل بيروت، فاشترِ لي فرسًا أتوجّه به إلى بيروت صحبة مراكب البنادقة مع التجار، فأبيع الرقيق، وأعود إليك بمالٍ طائل، فاشترى له ما أراد، وأنزله البحر مع التجار، فورد الخبر بعد مدّة أن المملوك ذهب إلى جزيرة رودس، وباع الرقيق هناك، وارتدّ عن الإسلام، وخرج إلى سردينية. فجاء من أخبر قائد طرابلس بذلك، وسنحت له الفرصة أن ينتقم من المؤلّف، فبعث خلفه، وسأله عن الجواري، فقال إنه بعث بهنّ إلى بيروت، فردّ القائد بأنك بعثت بهنّ إلى رودس، وبعْتهنّ هناك، فأقسم المؤلّف إنْ كَان فعل ذلك فعليه ألف دينار لبيت مال المسلمينَ، فسكت القائد، وانفضّ المجلس، وبعد وقت قصير أُحضر أمام القائد ثانية، وقد وصل اثنان من الأسرى المسلمين كانا برودس، فأخبرا بما فعل المملوك، ووصفاه، فالتزم بأداء الألف دينار إنْ صحّ الخبر، وأتى القائد بشاهدين، وكتب محضرًا بذلك، وأنه إنْ أتى آتٍ وأخبر بالخبر نفسه، كان عليه تنفيذ التزامه (^٢).
وفي يوم الخميس منتصف شهر محرم من سنة ٨٦٨ هـ. وصل إلى طرابلس الغرب قارب، فيه اثنان من الأسرى المسلمين، هربا من رودس، وأخبرا القائد بما فعله المملوك، فاتفق القائد معهما أن يرويا ذلك أمام المؤلّف، ولكن دون ذِكر ارتداد المملوك عن الإسلام، وطلب منه الألف دينار، وأمر بحبسه دون أن يُمهله فرصة لتدبير أمره، وبعث إلى داره بجماعة، فأخذوا جميع ما وجدوه بها من المتاع، وحملوا أمّ ولده إليه، وبات المؤلّف ليلته سجينًا، وعلم جماعة من أعيان
_________________
(١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٦ أ.
(٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٦ ب.
[ ١ / ٢٠ ]
طرابلس بالقضية، فأتوا إلى القائد مستنكرين، وكان القاضي قد بلغه ارتداد المملوك عن الإسلام، فقام بما يوجبه الشرع، وقال للقائد إنّ الشرط لا يُلزِم أداءَ المبلغ، لأنّ المملوك ارتدّ عن الإسلام، وخدع صاحبه، واحتال عليه، وذهب بماله، فوعده القائد بالإفراج عنه غدًا، وفي الليل أحضر المؤلّف من سجنه، وتوعّده وخوَّفه، وأخذ منه مالًا بالمكر والخديعة، وحلّفه أن لا يذكر شيئا مما حدث لأحدٍ من أهل طرابلس. وقد جرى كل ذلك دون أن يدري بما فعله القاضي وأعيان المدينة، كما لم يعرف بارتداد المملوك. وفي صباح اليوم التالي أُطلق سراحه، وعندما وقف على حقائق الأمور ندم على دفع المال للقائد، وسكت وهو على مَضَضٍ كبير، وزاد من أسفه أنّ القائد داهن كبير التجار بطرابلس "عبد الحميد العوّادي"، فانقلب عليه ولم يُراع صحبته، ووقف إلى جانب القائد الظالم اتقاءً لشرّه، وكان عند المؤلّف صاحب من ظرفاء سمرقند يُدعى "خليل العجمي" وقد أحاط بكل ما جرى، فتأثّر من موقف كبير التجار المتنكّر لصديقه، وكان له إلمام بالنظم، فنظم أبياتًا هجاه فيها، وكأنّها على لسان المؤلّف، وأنشدها له، فأثبت المؤلّف ما يذكره منها وهو قوله:
بني العوّادي أقوام لِئام … حلالُ الشرع عندهُم حرام
لهم فِتَن تشاعُ بكل نادٍ … عليهم لعنة المولى دوام
شويشو مشهور … إذا حلو شواش
لا عَلَمُوا منشور … بسوق الأوباش
فلا عجبًا إذا افتخروا بعرضي … فإنّ العرض عندهم مُباح
وإنْ قالوا: قليل الدين قلنا: … فطيم لا يريد سوى النكاح
وهي طويلة.
وبعد أيام ورد قارب من أسارى رودس الأروام المسلمين هاربين منها، وهم زيادة على العشرة، فأخبروا بالقضيّة على جليّتها، وأنّ ذلك المملوك باقٍ على نصرانيّته، وهو حكى لهم ما فعل بسيّده، وأنه باع الجواري بخمسمائة دينار، وأنّه لما دخل البنادقة بالشواني إلى رودس احتال على صاحب المركب الفرنجي الذي معه، أن سيّده أمره أن ينزل بالجواري برودس، ومنها يسافر إلى بلاد الروم فيبيعهنّ، لأنّ السعر هناك أغلى من ساحل الشام، وكان معه في المركب يهوديّ اتفق معه أن يشتريهنّ منه، ودفع له كراء المركب. وانخدع الفرنجي صاحب المركب بكلامه. وشاعت هذه الحكاية بطرابلس، فلما تحقّق المؤلّف منها ذهب إلى القائد، وطلب منه أن يعيد إليه ما أخذه منه، وخوّفه بأنّه سيعود إلى تونس،
[ ١ / ٢١ ]
ويشكوه إلى صاحبها "عثمان" وولده "المسعود"، ولم يخرج من عنده حتى أعاد له ماله وبيته. وخسر الجواري، وامتُحِن بالسجن (^١). ولم تمض سوى أيام قليلة حتى مات أحد أولاد قائد طرابلس في أواخر المحرم ٨٦٨ هـ. فتأسّف عليه أبوه، وكتب المؤلّف معلّقًا: "زاده الله أسفًا على أسفه" (^٢).
ثم جرت للمؤلّف حكاية أخرى، وهذه المرة مع شخص يهوديّ الأصل، من بلاد الفرنج، يُدعى "عبد الرحمن"، قدم إلى طرابلس الغرب، وتزوّج بحارة اليهود امرأة واستولدها، ثم سافر إلى القاهرة، ومنها إلى القدس، فوُجد هناك وهو يزني بمسلمة، فأسلم على كُرهٍ منه، وعاد إلى طرابلس الغرب والمؤلّف بها، وأخذ يتودّد إليه، حتى قام في خلاص ولده من امرأته اليهودية، وأخذه معه إلى بلاد المغرب الأقصى، وأحسن إليه غاية الإحسان. وكان ذلك في شهر صفر ٨٦٨ هـ (^٣) فلم يقابله اليهوديّ إلّا بالإساءة المؤدّية إلى الهلاك، كما سيأتي لاحقًا.
وفي شهر جمادى الآخر قرّر السفر إلى تونس، وعرف بذلك قائد طرابلس، فخشي أن يذكر أمره للسلطان، فأرسل إليه يستعطفه ويعتذر، حتى حَلَف له، ثم بعث إليه بهدية ليضمن ودّه، فامتنع من قبولها وتوهّم منه، ولم يزل به حتى أخذ هديّته.