ويوم الجمعة ٢٣ محرم دخل مدينة مالقة (^٦) من الأندلس، واجتمع بالشيخ أبي العباس أحمد التِلِمْساني شيخ الأندلس وقاضي الجماعة بغَرناطة (^٧)، وعالم
_________________
(١) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩٧ ب، ٩٨ أ.
(٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٩ أ.
(٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٩ أ.
(٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٠ أ.
(٥) انظر سورة الكهف، الآية ٧٧.
(٦) مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخر، والبحر في قبليّها. من حولها شجر التين الطيّب العذب، يُحمل إلى مصر والشام والعراق، وربّما يصل إلى الهند (الروض المعطار ٥١٧).
(٧) جاء في المجمع المفنّن، ج ١/ ٦١٣، رقم (٥٩٧) أنه رآه بمالقة في سنة ٨٦٨ هـ.
[ ١ / ٢٧ ]
المغرب في وقته، فأنِس به، وسمع الكثير من فوائده. واجتمع أيضًا بأبي عبد الله محمد بن الترعة، قاضي مالقة وخطيبها، فسأله عن ترجمة الشيخ خليل المالكي، لأنه بصدد شرح مختصره، فأطلعه عليها، وكانت عنده من طريق الحافظ ابن حجر، فسُرّ قاضي مالقة بها، وحضر المؤلّف كثيرأ من دروسه وفوائده، لا سيما العربية، فإنه كان آيةً فيها (^١).
وفيما كان يوم الأحد واقفًا بباب البحر، إذ بشخص مُريب مرّ فارًّا مسرعًا جدًا في عَدْوه، وكأنه بسرعة البرق، وأعقبه أُناس مسرعون خلفه، مُجدّين في طلبه، فلم يُدركوه، ووصل في هربه إلى بلاد الكُنْد من بلاد الفرنج، فسأل عنه، فقيل إنه تشاجر مع آخر فقتله ساعتئذٍ، ثم سأل عنه بعد ذلك، فقيل له إنّه لحِق بدار الحرب، ودخل تحت حماية الفرنج البرطقال (^٢) (البرتغال)، وعرف فيما بعد أنه هو مملوكه اليهوديّ السابق الذي خانه.
وفي شهر صفر توجه من مالقه نحو غَرناطة على البغال، فاجتاز ببلدة تُدعى يكش، ومنها إلى بلد يقال لها الحامة، واغتسل بحمّامها، وبات بها ليلة، ثم سار إلى غَرناطة، ولقي بها جماعة من العلماء والفضلاء منهم: أبو عبد الله محمد بن منظور، وحضر مجلسه أكثر من مرة، وسمع الكثير من فوائده (^٣). والتقى فيها بصاحبه التاجر المعروف بالرُمَيْمي، ونزل عنده بمنزله.
وفي ٢٩ من صفر ٨٧٠ هـ صعِد إلى دار الإمارة، بعد أن بعث إليه الأمير أبو الحسن صاحب غَرناطة ليسأله عن أخبار صاحب تِلِمسان، وصاحب تونس، فأخبره، وسأله عن الشام وأحواله، وعن القاهرة وملكها، فأجابه عن كل ما سأل، وكان يُبدي تعجّبه مما يسمعه، ثم أخذ ورقة وكتب عليها بخطه بإعفائه من أيّ شيء يُلزَم به التجار من المغارم، وأكرمه للغاية (^٤).
وفي عاشر ربيع الأول زار رَبَض غَرناطة المعروف بالبَيَازِين وشاهد الجامع الأعظم هناك، وعزم على الخروج لرؤية قُرطُبة، ولكنْ حدثَ له ما لم يكن في الحسبان، إذ تلقّى ضربة عنيفة بالسيف، وهو في زنقة الكحيل بغَرناطة، فأصيبت شفته العليا، وأنفه، وخدّه الأيسر، وكُسر ثمانِية من أسنانه، وُفصلت شفته، ثم أعيدت، وخيطت جراحه، بعد أن مكث يُعالج نحو الشهر، وقد أشرف على
_________________
(١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١١ ب.
(٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١١ ب.
(٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٢ ب، ١١٣ أ.
(٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٣ أ.
[ ١ / ٢٨ ]
الموت. ولم يكن المعتدي عليه سوى اليهوديّ الذي عطف عليه وهو بطرابلس الغرب، وساعده في ضمّ ابنه إليه، وهو المدعو "عبد الرحمن"، وكان نزل غَرناطة أيضًا، وادّعى أنه عارف بالطبّ، وأخذ يترفّع على علمائها وأهلها، حتى ضاقوا به ذَرْعًا، وعندما نزلها المؤلِّف بعد أيام، سُئل عنه، فلم يعرفه، لانقطاع أخباره عنه مدّة طويلة، ولم يتوقّع أن يكون في غَرناطة، وعندما وُصف له بدقّة عرف أنه هو، فحذّرهم منه، وأخبرهم بخيانته له، وأنه يهوديّ منافق يدّعي الإسلام، وعرف اليهوديّ أيضًا به، فكمن له في أحد الأزقّة الضيقة، وضربه بالسيف يريد قطْع رقبته، فأخطأها، ووقع المؤلّف أرضًا من هول الصدمة، فظنّ اليهوديّ أنه مات، ففرّ هاربًا، وعندما علم ببُرئه بعد ذلك من جراحه، تأكد أنه لن يكون آمنًا، بعد أن دُلّ عليه، ففرّ إلى بلاد الفرنج مرتدًّا عن دينه. وعُلم فيما بعد أن أحد أسرى المسلمين لدى الفرنج تمكّن منه، وقتله بعد أن وقف على أعماله المشينة، دون أن يعرف المؤلّف أو يلتقيه، ونجا الأسير بنفسه إلى بلاد المسلمين (^١).
وعاد المؤلّف من غَرناطة إلى مالقة في أواخر جمادى الآخر ٨٧٠ هـ. بعد أن تماثل بعض الشيء إلى الشفاء.