وتنوعت مصادره من غير والده، بين مدوّنة وشفاهية أيضًا، فضلًا عن مشاهداته الشخصية، ومعايشته لكثيرٍ من الأحداث والوقائع، وكان مشاهدًا لها وفي وسطها. ولدينا نصوص كثيرة، تبدأ بقوله: "سمعت" و"رأيت" و"أخبرني" و"حضرتُ" و"أنشدني"، و"بلغني" و"ذكر لي"، وأكثر ما نجد ذلك في "الروض الباسم" وهو التاريخ الكبير، ففيه يقول في حوادث سنة ٨٤٤ هـ. "أخبرني غير
_________________
(١) الروض الباسم ١/ ورقة ٣٤، وانظر المجمع المفنّن، ج ١/ ٢٦٤، رقم (١٢٣)، والضوء اللامع ١/ ١٨٤، ١٨٥.
(٢) (الروض ١/ ٥١ أ).
(٣) (الروض ١/ ٧٨ ب، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك (بتحقيقنا) ص ٧٨).
(٤) (الروض ١/ ٥٤ أ).
(٥) (١/ ٥٤ ب).
(٦) (١/ ٥٥ ب).
(٧) (٢/ ٨٤ ب).
(٨) (٣/ ١١ ا أ).
[ ١ / ٤٣ ]
واحدٍ ممّن اطّلع على جليّة هذه القضية، ومنهم من أثق به وبدينه" (^١)، وقال قبل ذلك: "رأيت اسم الظاهر جقمق - محمد جقمق - على منبر أستاذه برقوق وغيره" (^٢). و"رأيت بخط الحمصيّ إجازة" (^٣)، و"أخبرني من أثق به ممن كان مع الحاج في سنة ٨٨٧ هـ" (^٤)، و"ذكر لي بعض من يُنسَب إلى العلم والمعرفة، بأحوال كثيرة ممن ذكرهم التقيّ في تواريخه" (^٥).
وعندما ذكر "محمد بن محمد بن أحمد بن العزّ الأوجاقي القاهريّ" (^٦). قال: "كنت قد سألت ولده أن يوقفني على ترجمته وترجمة نفسه وإخوته أيضًا، لأنّ البدر العَيني لم يذكر اسم أبيه، ونقل عنه ابن تغري بردي ذلك أيضًا".
وحضر واقعة خلع السلطان المؤيَّد أينال لم يغب عنها لحظة من أولها إلى آخرها في سنة ٨٦٥ هـ. وكان يتردّد في منزل الأتابك خشقدم، تارة عند المقعد، وتارة بباب الدار، وتارة بالمدرسة القانبائية بسُويقة عبد المنعم، وتارة بالرميلة إلى غير ذلك ممّا وقع بين الناس والعسكر. وقال: وإنما أشاهد الأحوال عيانًا، وأسمع تأسّف العوامّ، بل وبعض الخواص أيضًا.
وشاهد بنفسه نقل "المؤيّد" إلى سجن الإسكندرية، وقال: "وكنت أنا في هذا اليوم جالسًا بمكان بالصليبة أعاين هذا الأمر، وأشاهده عَيانًا".
وسأل "خشقدم عن موقفه من المؤيّد لحنقه منه وما علم صحّة ما قاله (^٧) ".
وذكر حكاية عن نائب طرابلس الأمير "إياس المحمدي الناصري الطويل" حكاها له والده (^٨). وكان شاهدًا وفاة السلطان "خُشقدم" سنة ٨٧٢ هـ. وقد أخبره عن موته من حضر عنده، وشاهد بنفسه طلوع "قايتباي" - وكان أحد مقدّمي الألوف - إلى القلعة، واضطراب الجُلبان عند رؤيته، حتى إنني خشيتُ عليه، وتوسّمت سلطنته في هذا اليوم (^٩).
وذكر اجتياز السلطان "يَلباي" في شوارع القاهرة وقال: "وكنت أنا جالسًا
_________________
(١) الروض الباسم ١/ ورقة ١٣.
(٢) الروض الباسم ١/ ورقة ٤.
(٣) الروض الباسم ١/ ورقة ١٤ أ. ومناسبة هذا القول هو تعليقه على الحافظ ابن حجر فيما قاله في كتابه "إنباء الغمر بأنباء العمر" في مسألة تصريح السلطان بعزل السراج الحمصي من القضاء لأن ابن حجر كان كثير التنكيت عليه لخصاله السيئة، ولانتماء ابن حجر لبني البُلقيني.
(٤) الروض الباسم ١/ ورقة ٤٢.
(٥) الروض الباسم ١/ ورقة ٤٨.
(٦) الروض الباسم ١/ ورقة ٦٣.
(٧) الروض الباسم ٢/ ورقة ١٦ ب - ١٩ أ.
(٨) الروض الباسم، ٢/ ورقة ٣٣ أ، ب، المجمع المفنّن، رقم (٨٤٥)، ج ٢/ ١٣٧ - ١٤١.
(٩) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٤٨ أ.
[ ١ / ٤٤ ]
بمكانٍ برأس سُوَيقة عبد المنعم، وشاهدته وقانِبَك أمامه" حتى نُقل إلى الإسكندرية وسُجن (^١).
وفي موضع آخر قال: "أخبرني من أثق به من أعيان الخاصكية، ممن كان حاضرًا مجلس السلطان قايتباي، في شهر رجب سنة ٨٧٢ هـ" (^٢).
وأخبره بعض من حضر وقعة "ابن عثمان" مع بني الأصفر سنة ٨٤٩ هـ (^٣).
وشاهد أرضًا وقفًا بجزيرة أروى استبدلت بمكان هدْمٍ ساقطٍ بمُنْشأة المهداني (^٤).
وذكر له بعض أصحابه من التُرك من أهل الفضل والمعرفة عن صاحب قونية (^٥).
وشاهد بنفسه غير ما مرّة ركوب "علي بن جمعة البغدادي الحريراتي" على الأسد واحتضانه ومعانقته (^٦).
وهو رأى بخط بعض الفضلاء (^٧).
وذكر له بعضٌ من أصحابه حكاية اجتماع والده بالسلطان (^٨).
وحكى له من يثق به من غلمان الرَكبْخانه السلطانية (^٩).
وحُكي له عن "يوسف بن بَرْسْباي الدقماقي، ورأى أخباره في التواريخ (^١٠).
ولما ذكر ختم البخاري بقلعة مصر قال: رأيته بخط بعض الفضلاء (^١١).
ولما ذكر خبر اختفاء "ابن الأهناسي" قال: وقد وقفت على هذه الحادثة في بعض التواريخ (^١٢).
وأخبره من يثق به من أعيان الخاصكية ممن كان حاضرًا بمجلس قايتباي عن مشافهة السلطان للأمراء بأشياء (^١٣).
ووقف بنفسه على القوائم التي جاء بها قاصد "حسن الطويل" وفيها تفصيل للهدايا المرسلة معه إلى السلطان قايتباي (^١٤).
_________________
(١) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٦١ ب.
(٢) الروض الباسم، ٤/ ورقة ١٧٧ أ.
(٣) ا (لروض الباسم ١/ ٣٢ ب).
(٤) (الروض ١/ ٣٨ أ).
(٥) (١/ ٨١ أ).
(٦) (٢/ ٨٦ أ).
(٧) (٢/ ٥٥ أ).
(٨) (٢/ ٥٨ ب).
(٩) (٢/ ٥٩ أ).
(١٠) (٢/ ٩٠ أ).
(١١) (٢/ ٥٥ أ).
(١٢) (٢/ ٥٥ ب).
(١٣) (٤/ ١٧٧ أ).
(١٤) (٤/ ٢١٥ أ).
[ ١ / ٤٥ ]
وأخبره كثير ممن يثق به من أهل منفلوط (^١).
وهناك أخبار كثيرة في كتابه "نَيل الأمل"، مما شاهدها المؤلّف بنفسه وعايشها، أو سمعها من أصحابها، ففي ترجمة الأمير "أيدكي" مدبّر مملكة سراي ودست قَبْجاق، قال في آخرها: "وله أخبار تطول، كنت اجتمعت بإنسانٍ رآه وعرف أحواله، وصحِبه هذا الإنسان مدّة سنين، فكان يذكر عنه غرائب وعجائب في شجاعته ومعرفته" (^٢). وهنا تكمن أهمية الكتاب، والمعلومات التاريخية التي عرضها مؤرّخ معاصر للأحداث ومتفاعل معها، ولم يكن مجرّد ناقل عن غيره، بل كان ناقدًا، متثبّتًا، له رأيه في التحوّلات السياسية، والعلاقات الاجتماعية، والحياة الاقتصادية، وقد بدت شخصيّته واضحة فيما دوّنه وضمّنه رأيه بكل صراحة.
_________________
(١) (٤/ ٢٤١ أ) ".
(٢) نيل الأمل، آخر حوادث ووفيات سنة ٨٢٢ هـ. ج ٤/ ٥١، رقم ١٤٧٦.
[ ١ / ٤٦ ]