ورغم مَيل المؤلف إلى الشِعر ونظْمه، فإنه لم يكن بذاك المتمكّن من اللغة والنحو والصرف جيدًا، فكتابته لا تخلو من الأخطاء والأغلاط اللُّغوية والنحوية، وفي بعض الأحيان يستخدم ألفاظًا عامّية، وفي أحيانٍ أخرى يكتب كلماتٍ بغير القواعد المتعارف عليها. وهذا يظهر واضحًا في كتاب "الروض الباسم" الذي وصلنا قسم كبير منه بخطّه، كذلك كتابه "المجمع المفنّن". أما كتابه "نيل الأمل" فلا يمكن أن يؤكد أو ينفي الحقائق التي نشير إليها، لأنَّ النسخة الوحيدة التي وصلَتنا هي نسخة منقولة عن أصل المؤلّف، ووِزْر الأغلاط يتحمّلها الناسخ.
أمّا نظْمه للشعر، فلا يرقى إلى مستوى الجيّد، بل هو شِعر تقليديّ بحدود الوسط، ومنه رثاؤه لماهر بن عبد الله بن نجم بن عوض الأنصاري، المقدسي، القاهري، الشافعيّ، عند وفاته في سنة ٨٦٧ هـ. فقال: ولما بلغني موته أنشدت في ذلك من غير تدوين، بل على البديهة ارتجالًا، بحسب الحال هذه الأبيات:
أحيَيْتَ بالعلم رسمًا … قد كان قبلك داثرْ
وقد تمهَّرتَ فيه … فطابق الاسم ماهر
وزِدْتَه بصلاحٍ … لكم ونحير المآثر
ودُمت دهرًا معينًا … للناس نفعُك ظاهر
والآن غُيّبت عنّا … وصرتَ رهن المقابر
في أبيات أخرى (^١).
وله في مدح سلطان غَرناطة أبي الحسن علي بن أبي النصر، المعروف بابن الأحمر سنة ٨٧٠ هـ. قصيدة مطوّلة، أولها:
إلى أبي الحسن الأعناق تنخضعْ … وعند سُدّته الأملاك تتَّضِعْ
ومن شجاعته الأبطال قد فرقوا … ومنه أفئدة الأعداء تنخلع (^٢)
_________________
(١) الروض الباسم، ٢/ ورقة ٧٠ ب.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٠٨ أ.
[ ١ / ٦٨ ]
وقال يرثي "أبا زكريا، يحيى بن محمّد بن مخلوف المناوي" المتوفّى سنة ٨٧١ هـ. وقد نظَمَها ارتجالًا، حسب قوله، وهو في الإسكندرية، بعد دخوله إليها من السفر والتعب:
مات المناويّ الشرف … فمات المُنَى والشرف
نوحوا على فقْده … وابكوا بدمع ذرف
فهو الإمام الذي … كلٌّ له اعترف
والبحر حاوي العُلا … فالفضل منه اغترف
والدرّ من علمه … أهداه لا عن صَدَف
والشمس وقت الضُحى … والبدر تحت السُدَف
قاضي قضاة الورى … غيث العطا والطُرف
والجود ثم السخا … واللطف ثم الظرف
ارحمه يا خالقي … واتحفْهُ منك بالتُحَف
وسُق شُربًا له … طول المدى والسلف
بوابلٍ هاطلٍ … يذرف فوق الذرف
برحمةٍ مع رضًى … ارفعه على الغُرف (^١)
و"المناويّ" هذا هو الذي رثاه الجلال السيوطيّ بقوله، وقد أنشده للمؤلّف:
قلت لما مات شيخ … العصر حقًّا باتفاقِ
حين صار الأمر … ما بين جهول وفسّاق
أيّها الدنيا لك الويلُ … إلى يوم التّلاقِ (^٢)
وله يرثي "البدر بن الغَرْس، محمّد بن محمّد بن محمّد بن خليل بن علي، أبا اليُسر القاهري، الحنفي" (ت ٨٩٤ هـ).
لقد أظلمت مصر وأقفرت الدنيا … لموت عدِيم المِثْل بل أوحدِ العصر
سأعجب إن ضاعت ليالي عصرِنا … وكيف يكون الضوء مع عدم البدرِ
وله أبيات ارتجلها - حسب قوله -، وكتبها جوابًا على أبياتٍ أنشدها له الأديب "أحمد بن علي بن حسن الجوهري" نزيل الخانقاه الشيخونية (ت ٩٠٣ هـ):
ألا يا شهابَ الدين جاء نظامُكم … وما حاد عن سلْك اللآلي في العِقْدِ
_________________
(١) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٤٣ أ.
(٢) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٤٣ أ.
[ ١ / ٦٩ ]
تضمّن أبياتًا زهت وتزهّرت … ففاق على زهر الربيع، بل الوردِ
سالت به بما أتى من لُغاتنا … غريبًا، فهاك القول فيها بما أُبدي
فافتل باللام اندماج فخذه لا … تشك، فمعناه أتاك على القصدِ
وندفن لا باللام بل نونه أتت … ومعناه تدوير، وهذا الذي عندي
ولملم معنى الانضمام وجمع ما … تفرّق، ثم المحتد الأصل يا بَعْدي
فهذا هو أبي بارتباكٍ وسرعةٍ … فلا تعتبوا إنّي مقيم على العهدِ (^١)
وله بيت كتبه إلى "أحمد بن محمّد بن أحمد بن شرف القضاة المنفلوطي" المتوفَّى بعد ٨٨٩ هـ:
أزكى سلام بنشر المسك والعود … يخصّ طلعتك العَلْيا بتحديدِ (^٢)
وله في صريح الطلاق وبائنه في لحوق ما يلحق منه وما لا يلحق، بيتان، هما:
صريح طلاق المرء يلحق مثله … ويلحق أيضًا بائنًا كان قبله
كذا عكسُه لا بائنٌ بعد بائنٍ … سوى بائنِ قد كان على فعله (^٣)
وكتب رسالة إلى "أحمد بن محمّد بن صدقة بن مسعود الدُلجي، الصعيدي" وهو بمنفلوط، وصدّرها بأبيات، من جملتها:
عبر الزمانُ بمن كانت لهم هِمَمُ … وكان عزْمُهُم عزمًا لما دَرَبُوا
ومن تدابيرهم كانت مواقف … وكان ينفع من قالوا وما حسبوا
وكان آراؤهم تقضي الملوكُ بها … وكان ما رسموا نهجًا وما كتبوا
تعتمد بهم الأملاكُ في بُعدٍ … يسترشدونهم حتى بهم غلبوا
مرّوا ففرّوا وفرّوا وانقضوا ومضوا … ولا بقيّة منهمُ كِلاهُمُ ذهبوا
وقد بقينا بقومٍ ما بهم غباء … لا بدّ أن ينهزموا يومًا إذا نُدبوا
نسأل اللَّه إصلاحًا لنا ولهم … عساهُمُ يستفيقوا قبل أن ينعطبوا (^٤)
وأنشد هذه الأبيات:
يا سيّدي وأنيسي والصديق، ويا … جاري القريب ويا عوني ويا وزري
_________________
(١) نيل الأمل ٨/ ١٤٣، بدائع الزهور ٣/ ٢٦٣.
(٢) المجمع المفنّن، رقم (٤١٣).
(٣) المجمع المفنّن، رقم (٤٨١).
(٤) الروض الباسم، ٢/ ٦٨ ب، ٦٩ أ.
[ ١ / ٧٠ ]
روحي وروحك أجناد مُجنّدةٌ … تعارفنا قبل رؤيا العين والبصر
ثم التقينا فكان الجسم مؤتلفًا … كأُلْفَة الروح فادّكرت بالسُّوَرِ (^١)
وله أبيات كتبها ارتجالًا واستعجالًا - حسب قوله - جوابًا على قصيدة قالها فيه: "أحمد بن محمّد بن علي القاهري، المعروف بابن العاقل":
إني وقفت على دُرّ تنضّد في … عِقدٍ فريد له شأن على الدرر
وزهر روض لعلّ الوصف يعجز عن … بديع ما قد حوى ذا الروض من زهر
أعيذ مُنشئة من كل حادثةٍ … لا فُضّ فوه ودام الدهر في خفر (^٢)
وله بيت أنشده في خسوف القمر سنة ٨٩٢ هـ:
لا تفعل الشمس شيئًا، لا ولا القمر … وعن خسوفهما لا يصدر الأثر (^٣)
وهو كان يحفظ شعر الأديب المصنّف "ابن حِجَّة الحموي"، ولهذا كشف سرقة "أحمد بن محمّد بن عبد الرحمن الحِمْيَري القُسُنْطيني" الأديب المعروف بالحلوف (توفي بعد ٨٨١ هـ) عندما دخل تونس سنة ٨٦٦ هـ، ونَسَب "الحلوف" تائيّة "ابن حجَّة" لنفسه، وهي التي يقول فيها:
ناديت قاضي الهوى والسّقم يشهد لي … إذ سُطِّرت من دما عيني سِجِلّاتُ
ولما سئل عنها أنشد منها قبل ذكرها له (^٤).
وفي آخر ترجمته للسلطان "يوسف بن بَرسْباي الدقماقي" الملقّب بالملك العزيز أورد بيتين يحتمل أنهما له:
لم يأت من بعده ملك يُشابهه … ولا يقاربه أعظم منه ملكا
ولم يُر مثله في عُلوّ همّته … ولا طريقته من بعده سلكا (^٥)
وارتجل بيتًا في "أبي العباس أحمد الششيني":
هو الشهاب الذي شاعت محاسنه … وحاز من كل من فوق ما أصف (^٦)
وله ارتجالًا:
ما بين ما قلت وقلت الكمال … إلّا تضادّ النقص ثم الكمال (^٧)
_________________
(١) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٣٣، رقم (٥٠٥).
(٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٦٢، رقم (٥٢٣).
(٣) نيل الأمل ٨/ ٥٩.
(٤) المجمع المفنّن، ج ١/ ٤٦٦، رقم (٤٢٦).
(٥) الروض ٣/ ٩٠ ب.
(٦) الروض ٤/ ١٢٤ ب.
(٧) الروض ٤/ ١٨٨ ب.
[ ١ / ٧١ ]